Полный текст (173 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اشتراط استحالة تواطؤ الرواة على الكذب في الحديث المتواتر
الشرط الثالث: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
وعندما فتحت الفتوحات بعد موت النبي ﷺ وأبي بكر الصديق في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ومن أتى بعده من الخلفاء والملوك والرؤساء؛ أرسل الصحابة والعلماء إلى جميع الأمصار يعلمونهم أمر دينهم، فنزل كل صحابي في قرية أو مدينة وبث فيها ما عنده من علم، مثل عبد الله بن مسعود نزل الكوفة، ومعاذ بن جبل ذهب إلى اليمن، ودخل الأسود والأبيض في الإسلام، وسمع الحديث والفقه والعلم، وظهر المحدثون والرواة من العبيد والأحرار، بل والنساء، ففي هذا الوقت كان إذا أتى من طريق المدينة برواية المدنيين حديث: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ثم أتى بلفظه ومعناه من طريق المكيين، وطريق الأندلسيين مع اختلاف الناس في ألسنتهم وطول المسافات بين بلدانهم دل على أن الحديث أصل، وأنه لا يمكن أبداً أن يجتمع هؤلاء الناس على كثرتهم على الكذب أبداً.
ونحن المحصورين في المسجد لا يمكن أن نجتمع على الكذب، فكيف بالقرون الأولى -القرون الخيرية- التي يغلب عليها الصدق، وأحدهم مغربي والآخر شامي، وهذا شمالي وهذا جنوبي، وكلهم يروون الحديث على هيئة واحدة؟ فلا يمكن للأمة أن تتفق على الكذب على الرسول ﷺ .
ولا يمكن عقلاً ولا عادة للأمة أن تتفق على مسألة واحدة إلا إذا كانت حقاً وصدقاً، وأما أن يتواطئوا ويتكاتفوا ويتفقوا على الكذب على رسول الله فهذا أمر لا يمكن؛ لأن العادة والعقل يقولان: إنه لا يمكن للناس أن يتفقوا على شر فيما بينهم.
стр. 72
اشتراط استناد رواة الحديث المتواتر إلى الحس
الشرط الرابع: أن يكون مستند روايتهم الحس.
والحس غير العقل، فإذا قال شخص: حدثني فلان من عقله أن النبي ﷺ قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وهو لم يسمعه منه وإنما قال: العقل يشهد بذلك، فهذه ليست من طرق الرواية.
فلابد أن يكون مستند الروايات الحس، كأن يقول الراوي: سمعت، أو أخبرني فلان، أو حدثني فلان، أو سمعنا فلاناً، أو عن فلان.
والحس غير العقل.
ومع كثرة هذه الطرق يثبت الحديث يقيناً، ويفيد العلم اليقيني الضروري.
стр. 73
علاقة الحديث المتواتر بمباحث علم مصطلح الحديث
وإذا كان الحديث المتواتر صحيحاً قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً، فهو ليس من مباحث علم المصطلح؛ لأن علم المصطلح هو: القواعد الكلية التي تنطبق على السند والمتن، فيُعرف منهما المقبول والمردود، يعني: القواعد التي قعّدها العلماء، والأصول التي أصّلوها لمعرفة ما إذا كان هذا الحديث مقبولاً أو مردوداً، فإذا كان هذا الحديث المتواتر مقبولاً يقيناً فإنه لا يحتاج إلى تطبيق قواعد؛ لأنه صحيح قطعاً، ويفيد العلم اليقيني الضروري حكماً.
стр. 74
أنواع الحديث المتواتر
الحديث المتواتر ينقسم إلى قسمين:
стр. 75
المتواتر اللفظي
القسم الأول: ما تواتر لفظه ومعناه، وهو المتواتر اللفظي.
وذلك مثل حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وحديث حوض النبي ﷺ ، وأحاديث أخرى تواترت بلفظها، أي: أنها جاءت من طرق كثيرة كما ذكرنا في الشرط الأول والثاني من شروط الحديث المتواتر، وجاءت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة، ولكن معناها واحد، فإذا كان اللفظ الواحد قد روي من عدة طرق بلغت حد التواتر فهو المتواتر اللفظي، كحديث: (من كذب علي).
فهذا الحديث رواه أكثر من سبعين من الصحابة بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
ثم أخذه عن السبعين عدد كثير، وعن العدد الكثير عدد أكثر، وعن العدد الأكثر عدد أكثر وأكثر، وفي كل طبقة تتأخر عن سابقتها يكون العدد فيها أكثر من سابقتها.
وإذا نظرنا إلى اللفظ الذي روي بهذا العدد لوجدناه لفظاً واحداً، فكل صحابي يرويه بلفظ: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وفي هذه الحالة أقول: إن هذا الحديث قد تواتر لفظه، أي: أن هذا اللفظ بعينه قد أتى من طرق كثيرة بلغت حد التواتر.
فالمتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، وليس ما تواتر لفظه فقط؛ لأن المتواتر لفظاً لا بد وأن يتواتر معناه؛ لأن اللفظ يدل على معنى، فلما كان اللفظ متواتراً دل ذلك على أن المعنى أيضاً متواتر؛ لأن المعنى المستفاد من الطريق الأول هو المعنى المستفاد من الطريق رقم سبعين.
فإن اختلفت الألفاظ واستفيد منها معنى واحد فهو أيضاً متواتر لفظاً ومعنى؛ لأن الخلاف الوارد في الألفاظ لا يدل على أن هناك خلافاً كبيراً بحيث يتعدد المعنى أو يتجزأ، وإنما المعنى واحد.
стр. 76
المتواتر المعنوي
القسم الثاني: ما تواتر معناه دون لفظه، وهو المتواتر المعنوي.
وهو يختلف عن النوع الأول، وليس هناك قصة بعينها حدث لها التواتر.
ومثال ما تواتر معنوياً: رفع اليدين في الدعاء، فلم يرد حديث واحد متواتر دل على أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء، وليس هناك وصف متواتر بأن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء في مناسبة من المناسبات، وإنما أخذ من عدة مناسبات أن النبي ﷺ يرفع يديه في الدعاء، ولذلك قال السيوطي ﵀: قد ثبت أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء في أكثر من سبعين موطناً، وقيل: في أكثر من مائة موطن، وكل موطن ومناسبة تختلف عن الأخرى، مثل قصة دعاء النبي ﷺ لأهل البقيع، وهو من حديث عائشة عند البخاري حينما فقدته في الفراش ليلاً فتبعت النبي ﷺ حتى وصل إلى البقيع فرفع يديه ودعا لأهل البقيع، والحديث معروف، وهو طويل.
فهذه القصة بعينها لم يحدث لها التواتر، ولكنها قصة صحيحة، وكذلك كان النبي ﷺ يرفع يديه في دعاء الاستسقاء على المنبر وغير المنبر، وغير ذلك من المناسبات التي ثبت فيها أن النبي ﷺ كان إذا دعا رفع يديه.
وهذا الدعاء وقع في مناسبات مختلفة، وليس فيها مناسبة تشابه أختها، فهذا التواتر حصل في مناسبات مختلفة، فهو من باب التواتر المعنوي، فإذا أخذنا الأحاديث التي دعا النبي ﷺ فيها ورفع يديه لوجدناها أكثر من مائة حديث، وكل حديث يختلف عن الآخر، ولكنها كلها تذكر أنه ﷺ دعا ورفع يديه، فالقدر المشترك بين جميع هذه الروايات أن النبي ﷺ كان إذا دعا رفع يديه.
فليست كل رواية متواترة تواتراً معنوياً، وإنما المتواتر هنا هو رفع اليدين عند الدعاء، وهذا ما يسميه أهل العلم المتواتر تواتراً معنوياً.
وأما مسألة المسح على الوجه فهي مسألة فرعية وليست داخلة في التواتر، فقد ورد من طريقين أو ثلاثة أن النبي ﷺ كان إذا دعا مسح وجهه بيديه بعد أن يفرغ من دعائه، وهذه الأحاديث حسّنها الحافظ ابن حجر في كتاب بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، فثبت سنيتها عند الحافظ، وأما جمهور أهل العلم فيضعفون هذه الأحاديث، ويقولون: إن كثرة الروايات ترفع الحديث من الضعف إلى الحسن.
فمن حسّن الحديث أثبت سنية المسح، ومن ضعّف الحديث نفى سنية المسح.
وهذه المسألة كغيرها من المسائل المختلف فيها بين أهل العلم، لا ينكر فيها على من مسح أو لم يمسح.
стр. 77
فوائد في أدب الخلاف بين العلماء وما يترتب عليه
المسائل المختلف فيها خلافاً معتبراً ليس فيها إنكار، وهذا أصل من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالمسائل التي اختلف فيها أهل العلم اختلافاً سائغاً ليس فيها إنكار، وليس معنى ذلك أن تقول كما يقول شيخنا الحافظ ناصر الدين الألباني في مسألة مسح الوجه بعد الدعاء: إن الحديث بكثرة طرقه ضعيف، وبناء عليه قال ببدعية مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فإذا تبنيت رأي الشيخ ناصر الدين الألباني فلك أن تقول: إن الأمر ليس مسنوناً، وأما كونه بدعة فلا؛ لوجود الرأي الآخر المستند إلى نفس الدليل، ومسألة التضعيف والتحسين مسألة اجتهادية، والمجتهد يخطئ ويصيب، وربما يكون المخطئ من ضعّف وربما يكون من حسّن.
فإذا احتملت المسألة التأويل والاحتمال فلا شك أن من العدل والإنصاف أن يتحمل كل طرف الطرف الآخر، أي: أن يستسيغ رأيه، وكما يقول الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
وليس معناه: أنك إذا اقتنعت برأي أنه لزاماً عليك أن تعتبر رأي الغير خطأ، فربما يكون ما تيقنته أنت الآن صواباً هو الخطأ بعينه، فالمسألة التي فيها خلاف معتبر مستند إلى دليل لا يمكن إلغاؤه، مثل مسألة الحجاب والنقاب، فالراجح النقاب، ولكن لا ننكر على من يقول بكشف الوجه واليدين -وإن كنا نتمنى أن يرجع كل من يقول بهذا القول عن رأيه- لرجحان دليل القول بالستر.
لا يمكن بحال أن تكون طالباً للعلم إذا تربيت على أن تسمع رأي عالم واحد دون الآخر، ولا يمكن أن تفلح ولا تنجح في حياتك العلمية مطلقاً، بل لا بد أن يتّسع صدرك للمخالف، وأن يكون النقاش بينكما بمنتهى الأدب والحب والعطف، وأن يخلو الأمر عن الهوى، وكل منا متعبد بأن يعبد ربه بما صح عنده، لا بما صح عند غيره، وإذا كنت طالباً للعلم لك نظر واستدلال، وتستطيع أن تنظر في أقوال أهل العلم والترجيح بينها، فتعبد ربك بما ترجح عندك، وإذا سُئلت فمن باب الإنصاف في العلم -الذي هو شرط من شروط العلم- ذكر الخلاف، ثم رجّح الراجح عندك، فإن لم تفعل هذا فأنت عند أهل العلم من الخائنين للعلم.
стр. 78
عدد الأحاديث المتواترة وما صنف فيها
لو عقدنا مقارنة عددية بين الأحاديث المتواترة وأحاديث الآحاد لوجدنا أن نسبة الأحاديث المتواترة إلى أحاديث الآحاد قليلة جداً، فمنهم من قال: إن الأحاديث المتواترة ثمانون حديثاً فقط، ومنهم من بلغ بها ثلاثمائة وعشرين حديثاً على أكثر الأحوال.
وهذه الأحاديث بالنسبة للألوف المؤلفة من أحاديث الآحاد لا شك أنها عدد قليل ونادر وعزيز جداً، ولكن إذا نظرت إلى التواتر وإلى صفته لكانت هذه الثمانون حديثاً ليست قليلة، فأنت لو أتاك خبر واحد من أخبار الدنيا بعدد كثير في كل طبقة لاستكثرت هذا الخبر الواحد.
ولما كانت الأحاديث المتواترة قليلة استدعى ذلك أن يصنف فيها بعض الناس، وأن يجتهدوا في مسألة إثبات التواتر في حديث ما، أو عدم إثبات التواتر له.
وقد صنف الإمام السيوطي ﵀ كتاباً في الحديث المتواتر سماه: الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، ثم لخّص هذا الكتاب في كتاب سماه: قطف الأزهار.
ثم جاء محمد بن جعفر الكتاني وصنّف كتاباً آخر في التواتر سماه: نظم المتناثر في الحديث المتواتر.
هذا كلام موجز وبسيط في الحديث المتواتر، أردنا لفت الأنظار إليه دون الخوض في معانيه؛ لأنه ليس من مباحث علم الإسناد؛ لأنه صحيح قطعاً.
стр. 79
الحديث المشهور
النوع الثاني: حديث الآحاد.
معنى الآحاد في اللغة: جمع أحد، بمعنى الواحد.
وهو: ما رواه عدد ولم يبلغ حد التواتر، فإن كان بثلاثة فهو المشهور، وإن كان باثنين فهو العزيز، وإن كان بواحد فهو الغريب.
أول قسم من أقسام الآحاد هو المشهور، وهو أعلى طبقات الآحاد ودرجاته وأقسامه.
وهو في اللغة هو اسم مفعول من شهرت الأمر إذا أعلنته وأظهرته، والأمر المشهور هو الأمر الظاهر المعلن.
стр. 80
رد المعتزلة الاحتجاج بحديث الآحاد
وقد رد المعتزلة الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، وهذه مسألة طويلة جداً، وتحتاج إلى بحث عظيم، وهناك من يقول: إن حديث الواحد لا يؤخذ به في العقائد، ومنهم من يقول: لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام، كـ إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الضبي الأسدي المعروف بـ ابن علية، فقد كان يقول: الحديث الواحد لا يؤخذ به لا في العقائد ولا في الأحكام.
وإذا كان الحديث المتواتر يبلغ على أعلى فرض (٣٢٠) حديثاً، فهل عقيدة المسلمين لا تدخل إلا تحت هذه الأحاديث فقط؟ وسنرد عليهم بعشرات من مسائل الاعتقاد التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها وإلا لكان مسلماً بلا عقيدة، وهذه المسائل في العقائد لم تثبت إلا من طريق الآحاد، فإما أن يقبلها وبذلك تسقط دعواه، وإما أن يردها وبذلك يرد عقيدته.
والعبرة بأقل طبقة، فإذا كان أقل طبقة في الإسناد ثلاثة فهذا هو المشهور والمستفيض، وإذا كان اثنين فهو العزيز، وإن كان واحداً فهو الغريب.
والفارق بين المتواتر والآحاد كما يقول ابن حجر: اطمئنان النفس بإفادة العلم، فإن كان الأمر كذلك فهو متواتر، وإن لم يكن كذلك فهو آحاد، وإن زاد عن ثلاثة.
стр. 81
الفرق بين المشهور والمستفيض
بعض العلماء يقول: إن المشهور نفس المستفيض، وبعضهم يقول: إن المستفيض شيء والمشهور شيء آخر.
وأصحاب مصطلح المستفيض هم الفقهاء في الدرجة الأولى ثم الأصوليون، وليس هو مصطلحاً حديثياً، وإنما هو مصطلح فقهي أصولي.
فمنهم من يقول: إن المستفيض كالمشهور، وهذا هو قول المحدثين، وعندما ظهر هذا المصطلح رده المحدثون وقالوا: المستفيض مثله مثل المشهور، من استفاض بمعنى انتشر وذاع، كالمشهور بمعنى انتشر واشتهر وظهر، فالمستفيض عندهم كالمشهور، ومنهم من قال: إن المستفيض أعم من المشهور، ومنهم من قال: بل هو أخص من المشهور، والخلاف فيه خلاف لا ينبغي الخوض فيه.
والمشهور في الاصطلاح: هو أن تكون أقل طبقة من طبقاته ثلاثة أو أكثر، ولا يعني أنه لا بد من توفر الثلاثة في كل طبقة، فيمكن أن يرويه ثلاثة من الصحابة عن النبي ﵊، ثم عن هؤلاء الثلاثة ثلاثين، ثم عن الثلاثين ثلاثة، وعن الثلاثة ثلاثين آخرين، ففي هذه الحالة يكون حديثاً مشهوراً في طبقتين، طبقة الصحابة وطبقة أتباع التابعين.
стр. 82
أنواع الحديث المشهور
والمشهور نوعان: مشهور اصطلاحي، ومشهور غير اصطلاحي.
стр. 83
الحديث المشهور بين العامة
فالمشهور غير الاصطلاحي هو المشهور على ألسنة الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم، وسواء كان له إسناد واحد أو أكثر أو ليس له إسناد البتة، ولا يشترط فيه توفر الشروط أو عدم توفرها، كالمشهور عند العامة: (العجلة من الشيطان) , وهذا الحديث ليس له إلا إسناد واحد ضعيف، ولكنه مشهور، وهذه الشهرة غير اصطلاحية؛ لأنه ليس له إلا إسناد واحد، فهو غريب وليس مشهوراً اصطلاحاً، ولكنه لما اشتهر على ألسنة الناس كان لزاماً على العلماء أن يفرقوا بين ما هو مشهور على ألسنة الناس الذي لا تتوفر فيه شروط المشهور اصطلاحاً، وبين المشهور الاصطلاحي.
فالمشهور الاصطلاحي له قواعد وأصول وضوابط، فإذا توفرت أُطلق عليه أنه مشهور حتى وإن لم يكن يعلمه جميع الناس.
стр. 84
الحديث المشهور بين الفقهاء
والمشهور غير الاصطلاحي: هو ما اشتهر بين الناس سواء توفرت فيه الشروط أو لم تتوفر، مثل حديث (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).
فهذا الحديث روي من أكثر من وجه، وهو حديث ضعيف في الجملة بجميع طرقه، وإن صححه الحاكم واعتمد تصحيحه الذهبي ولكنهما خولفا، فهذا الحديث حديث ضعيف ومتنه في غاية النكارة؛ لأن الله تعالى ما كان ليحل أمراً ثم ينكره أو يبغضه، فالحلال يحبه الله، والحرام يبغضه الله، فلما كان الطلاق حلالاً من عند الله ما كان ينبغي أن يكون هذا الحلال مبغّضاً ولا مكروهاً عند الله.
وهذا الحديث مشهور عند الفقهاء.
وهناك حديث مشهور عند النحاة يذكرونه في أساليب المدح والذم، وهو: (نِعم العبد صهيب لو لم يخش الله لم يتقه).
وهذا الحديث لا أصل له البتة في كتب السنة، ولكنه مشهور عند النحاة.
ومثل حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، فهو حديث مشهور جداً، وكل الناس يحفظونه، وهو حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، ولكنه لم تتوفر فيه شروط الحديث المشهور اصطلاحاً في إسناده؛ لأن الحديث يمكن أن يكون عزيزاً صحيحاً، أو غريباً صحيحاً، ولا يستلزم من كونه صحيحاً أن يكون مشهوراً، فربما يكون الحديث مشهوراً ضعيفاً أو موضوعاً، ويمكن أن يكون الحديث الغريب في أعلى درجات الصحة، كحديث: (إنما الأعمال بالنيات).
فلا يلزم من الشهرة الصحة، كما لا يلزم من الغرابة الضعف.
والأمر متعلق باجتهاد أهل العلم ومدى استنباطهم لإفادة الحديث أو عدم إفادته.
والحديث إذا لم يكن في رواته من اتهم بالكذب لا نقول: إنه مكذوب على النبي ﷺ ؛ لأنه ليس في الرواة من يتهم بهذه التهمة، ولكن الحديث لا يرد لأجل الكذب فقط، بل يرد لأجل الوهم والنسيان والخطأ وغير ذلك، فربما يهم أو ينسي أو يخطئ فيه بعض الرواة.
стр. 85
الحديث المشهور بين الأصوليين
وقد اشتهر عند الأصوليين حديث معاذ حينما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن فقال: (بم تحكم يا معاذ؟).
وقصة بعث معاذ إلى اليمن جاء فيها حديثان: أحدهما في غاية الصحة والآخر في غاية النكارة: فأما الصحيح منهما فهو أنه لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن قال: (يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض على أغنيائهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم).
وأما المنكر فهو قول النبي ﷺ : (بم تحكم إذا عرض لك قضاء؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو -أي: ولا أقصر- فضرب النبي ﷺ صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله إلى ما يحبه الله ورسوله).
فهذا الحديث قال عنه إمام الأئمة الإمام البخاري وسيد المحدثين: حديث منكر، ولو نظرت إلى الإسناد لما وجدت فيه نكارة، وإنما ستجد فيه ضعفاً، فأصحاب معاذ مبهمين، كما أن في الإسناد إلى أصحاب معاذ من هو ضعيف، فهذا الحديث من حيث الإسناد لا يصح.
وما في إسناده راو مبهم أو ضعيف لا يقال عنه: حديث منكر، فإطلاق البخاري القول بأنه حديث منكر هذا ينصب على المتن دون الإسناد؛ إذ إنه من المعلوم قطعاً أنك إذا بحثت في أي مسألة من مسائل الشرع فلا بد أن تبحث في الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على حد سواء، ولا تقل: سأبحث المسألة في كتاب الله، فإن وجدتها اكتفيت بها عن السنة، وإن لم أجدها ذهبت إلى السنة، ومن هنا أتت النكارة؛ لأن الحكم على المسائل الشرعية لا بد وأن يكون نابعاً من الكتاب والسنة على حد سواء، فلما أخّر السنة واعتبرها ليست بلازمة ولا ملزمة إلا بعد عدم العثور على البغية من كتاب الله كانت هذه نكارة في الحديث؛ لأنه يجب البحث أولاً في الكتاب والسنة على حد سواء.
والفاء في لفظ الحديث تفيد الترتيب والتعقيب، كما هو معلوم في الأصول.
وقد تتابع أهل العلم إلى يومنا هذا على أن هذا الحديث غير صحيح، وشذ بعض الناس الذين ليس لهم أي باع في الحديث فصححوه وعملوا به، لا من باب أنه حديث صحيح، ولكن من باب أنهم أدخلوا أنفسهم في باب لا يحسنون الدخول منه، ثم بعد ذلك شنوا حرباً شعواء على أهل الحديث.
وهناك رجل في جامعة القاهرة صحح هذا الحديث، وهو ليس محدثاً ولا شبه محدث، بل ولا فقيه ولا أصولي، وهذا غالب وضع الأساتذة، وقال لي أحد الإخوة الذين استمعوا إليه: إن فلاناً يقول: إن هذا الحديث حديث صحيح، ومن قال عنه منكر فإنما هو منكر، وأن هذا الأخ قال له: يا أستاذ! البخاري يقول عن هذا الحديث: إنه منكر، قال: ومن هو البخاري؟ إنما البخاري أحد طلاب العلم! فقال له: والألباني يقول عنه: إنه منكر، فقال: ومن الألباني هذا؟ ولم يُذكَر له عالم من علماء الحديث إلا وقال: ومن فلان؟ ومن فلان؟ وهذا طريق المغتر، ولا عبرة بالتعويل عليه.
فأتيت بالبحث الذي كتبه شيخنا الألباني في الضعيفة، وهو اثنتا عشرة ورقة، وقلت لهذا الأخ: انسخ هذا الكلام بخطك وخذه وادفعه إلى ذلك الأستاذ، فأعطاه للأستاذ فقرأه وسر به جداً، وفي محاضرة أخرى قال: هناك أحد الطلاب كتب بحثاً طيباً جداً، ويبدو أنه مجتهد، ومن الواضح أنه يفهم كثيراً في الحديث، وظل يثني ويمدح على هذا الطالب الذي كتب هذا البحث، وقرأ بعض الصفحات منه على الطلاب، فسمعه طالب متنبه وقال له: هذا كلام الشيخ الألباني في الضعيفة، فقال: ولهذا أنا أقول: إن هذا الحديث صحيح.
ونحن لا نحب تقليد الشيخ ناصر ولا غيره، فالتقليد مكروه ومبغّض، ونحن نخالف الألباني إذا خالف أهل العلم، ونوافقه إذا وافق أهل العلم، والتقليد منقصة ومعيبة، وهو ليس مدحاً، وعلينا اتباع الحق سواء كان عند الألباني أو من عند غيره.
وقد حمل هذا الأستاذ شنآنه على أهل السنة فدفع كل ما يأتي من طريقهم، وهم أهل التخصص، وهم أهل الفتوى حقاً في هذا الفن.
فهذا الحديث حديث منكر رغم شهرته عند الأصوليين.
стр. 86
توقف الحكم في أحاديث الآحاد على النظر في أسانيدها
والمشهور والعزيز والغريب لا يوصف أحدها بأنه صحيح أو حسن أو ضعيف إلا بعد البحث والنظر في إسناده.
ولا يلزم من الشهرة الصحة كما لا يلزم من الغرابة الضعف، فهذه الأنواع خاضعة للبحث، فما كان منها موافقاً لشروط أهل العلم فهو صحيح، وما كان منها مخالفاً أو اختل أحد شروطه فهو ضعيف.
стр. 87
أشهر المصنفات في الحديث المشهور
ومن أشهر المصنفات في الحديث المشهور: المقاصد الحسنة في المشهور على الألسنة للإمام السخاوي.
وكذلك: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني.
وكذلك: تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث لـ ابن الديبع الشيباني.
стр. 88
الحديث العزيز
وأما العزيز فهو: ما كان في أقل طبقاته اثنان.
ولم يصنف فيه أحد، فالعزيز يعني: القليل والنادر جداً، وهو مشتق من عز يعَزُ، أو عزّ يعِزُ، والمعنى: إما نادر وإما غال وعزيز.
стр. 89
الحديث الغريب
وهو أكثر أقسام الآحاد، وهو ما ينفرد بروايته راو واحد، وبعض العلماء يطلق عليه الفرد.
والغريب في اللغة هو: الفرد والوحيد، فالإنسان الغريب هو الوحيد والفرد.
وهو إما أن تكون غرابته مطلقة أو نسبية، وكذلك الفرد إما أن يكون فرداً مطلقاً أو نسبياً.
فالغرابة المطلقة هي: أن يحصل التفرد في أصل السند -أي: طبقة الصحابة- فلا يرويه عن النبي ﷺ إلا صحابي واحد.
والغرابة النسبية هي: أن تكون في أثناء السند لا في أصله، وذلك مثل حديث: مالك عن الزهري عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر).
والمغفر هو الخوذة.
فهذا الحديث تفرد به مالك عن الزهري، أي: لم يروه عن الزهري غير مالك، وهذا التفرد في طبقة أتباع التابعين.
والغريب النسبي أو الفرد النسبي له أنواع كثيرة، فقد تكون هذه الغرابة بالنسبة إلى شخص معين، أو إلى صفة معينة، ففي الحديث السابق حديث مالك عن الزهري عن أنس حصل التفرد في طبقة مالك؛ لأن مالكاً هو الوحيد الذي روى عن الزهري هذا الحديث، ولو روى مع مالك عشرة عن الزهري هذا الحديث، ولكن العشرة ضعاف ومالك هو الثقة فقط فنقول: إن هذا الحديث غريب غرابة نسبية، ولا نقصد الغرابة العددية وإنما الغرابة بالنسبة إلى صفة، فهو لم يروه ثقة عن الزهري إلا مالك.
وقد تكون الغرابة عن أهل بلد بأكمله، كأن يكون الحديث لا يروى إلا عن المدنيين كما في صحيح مسلم تجد أن بعض الأسانيد رواتها كلهم مدنيون أو كوفيون أو بصريون أو غير ذلك.
وعندما نقول: إن هذا الحديث أصله مدني، أي: إن أول طبقة فيه مدنيون، فأصل السند -أي: الصحابة الذين رووا هذا الحديث- مدنيون، فإذا أخذه في الطبقة الثانية أهل مكة، وفي الطبقة الثالثة أهل بغداد، وفي الطبقة الرابعة أهل مصر فنقول أيضاً: إن هذا الحديث حديث غريب؛ لتفرد أهل مصر عن أهل بغداد، ولتفرد أهل بغداد عن أهل مكة، ولتفرد أهل مكة عن أهل المدينة.
فالتفرد إما أن يكون تفرد ثقة عن راو، أو تفرد راو معيّن عن راو معيّن، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة بحديث وحدهم، أو تفرد أهل بلد أو أهل جهة عن أهل بلد آخر أو أهل جهة أخرى.
والغرابة إما أن تلحق السند والمتن وإما أن تلحق المتن فقط، وهذا الكلام لا يُعلم إلا بالممارسة العملية.
стр. 90
أشهر المصنفات في الحديث الغريب
من الكتب التي صنفت في الغريب مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني، وهناك أناس صنفوا في الغريب على حدة، منهم الإمام الدارقطني صنّف كتاباً سماه: غرائب مالك، وكتاباً آخر سمّاه: الأفراد، وهذا يدل على أن الدارقطني كان يطلق الغريب على الفرد والفرد على الغريب.
وكتاب ثالث للإمام أبي داود السجستاني سماه: السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلدة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 91
دورة تدريبية في مصطلح الحديث [٤]
اهتم العلماء بالحديث الشريف اهتماماً كبيراً، فهو المصدر الثاني للتشريع، ولذلك بالغوا في جمعه وضبطه والتحري عن أسانيده ورجاله، وذلك خوفاً من الكذب والوضع أو الغلط والخطأ على رسول الله ﷺ ، وفي سبيل ذلك وضعوا شروطاً للحديث الصحيح ولقبول رواية الرواة وتعديلهم، فمن انطبقت عليه تلك الشروط قبلوا حديثه وإلا ردوه، وكل هذا من أجل الحفاظ على سنة النبي ﷺ .
стр. 92
تقسيم الحديث باعتبار القبول والرد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.
وبعد: ينقسم الحديث باعتبار القبول والرد إلى مقبول ومردود.
ومعنى القبول: صلاحية الحديث للاحتجاج به.
والمردود أي: الحديث غير صالح للاحتجاج به، وهو الضعيف.
стр. 93
الحديث المقبول
الحديث المقبول ينقسم إلى صحيح وحسن.
وهذان القسمان بدورهما ينقسمان إلى قسمين آخرين، فالصحيح ينقسم إلى صحيح لذاته أو لغيره، والحسن ينقسم إلى حسن لذاته أو لغيره.
وإذا أطلقنا الصحيح ولم نضفه إلى شيء آخر دل ذلك على أننا نتكلم عن الحديث الصحيح لذاته لا لغيره، وكذا الحديث حسن، فلو قلنا: حديث حسن دل ذلك على أننا نتكلم عن الحسن لذاته لا الحسن لغيره.
стр. 94
معنى الحديث الصحيح وشروطه
الصحيح في اللغة ضد السقيم، والسقيم هو: المريض، والصحة والسقم حقيقة في الأجسام والأبدان، واستعير هذا المعنى للحديث.
وفي الاصطلاح هو: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
وأهل العلم تكلموا في تعريفه كلاماً كثيراً منه ما هو جامع غير مانع، ومنه ما هو مانع غير جامع؛ ولكن هذا ما رجّحه الحافظ ابن الصلاح والحافظ ابن حجر وغيرهما.
стр. 95
شروط الحديث الصحيح
الشروط دائماً تؤخذ من الحد والتعريف، فشروط الحديث الصحيح: الشرط الأول: اتصال السند.
الشرط الثاني: العدالة.
الشرط الثالث: الضبط.
الشرط الرابع: انتفاء الشذوذ.
الشرط الخامس: انتفاء العلة.
فإذا توفرت هذه الشروط الخمسة حكمنا على الحديث بأنه حديث صحيح، وإذا اختلت أو اختل أحدها حكمنا على الحديث بأنه حديث ضعيف.
وهذه الشروط منها ما يتعلق بالسند، ومنها ما يتعلق بالراوي.
стр. 96
الشرط الأول: اتصال السند
إذا انقطع السند فهذا الانقطاع يقدح في الإسناد، وليس في الراوي ولا المروي.
فاشتراط صحة السند للاحتراز من أي انقطاع يكون في السند، سواء كان في أول السند أو وسطه أو آخره؛ لأن أي انقطاع يفقد الصحة أحد شروطها.
إن كان الانقطاع في أول الإسناد سمي الحديث معلقاً، وهو ما حُذف من إسناده من جهة المصنف راو فأكثر، كأن يحذف شيخ المصنّف.
وإن سقط اثنان على التوالي في أي موضع من الإسناد سمي الحديث معضلاً، وإن كان السقط في طبقة الصحابي سمي الحديث مرسلاً.
وكل أنواع الانقطاع التي تلحق الإسناد تؤثر في صحة الحديث؛ لأن السند فقد أحد شروط الصحة، وهو الاتصال.
والمقصود باتصال السند هو: أن يكون كل راو أخذ عمن فوقه مشافهة وسماعاً.
واتصال السند يعرف بتصريح الراوي، كأن يقول: حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو سمعت فلاناً يقول كذا.
ولو عنعن الراوي فإن كان ثقة لم يرم بالتدليس، وحملت عنعنته في أرجح أقوال أهل العلم على الاتصال، وإن كان مرمياً بالتدليس اختلف فيه أهل العلم على ثلاثة مذاهب، والراجح: أنه لا يُقبل إلا إذا صرّح بالسماع.
стр. 97
الشرط الثاني: العدالة
الشرط الثاني من شروط الصحة: عدالة الرواة، فلابد أن يكون الراوي عدلاً، أي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من الفسق وخوارم المروءة.
وبعض العلماء ينازعون في بعض هذه الأوصاف، مثل شرط البلوغ، ويرون أنه يمكن أن يكون المسلم عدلاً دون أن يبلغ.
وبعض العلماء يعرف العدالة بأنها: الالتزام والائتمار بما أمر الله ورسوله، والانتهاء عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ .
والعدالة شرط في الأداء لا في التحمل.
والتحمّل: هو سماع الراوي للحديث.
والأداء: هو إسماع الراوي للحديث.
والراوي قد يتحمل الرواية حال كفره، وهذا موجود، فكثير من الصحابة سمعوا النبي ﷺ قبل أن يدخلوا في الإسلام، فلما دخلوا الإسلام رووا ما سمعوه منه حال كفرهم، ولم تنكر عليهم روايتهم هذه.
ولا بد في الرجل حتى يكون عدلاً أن يكون مسلماً، وهذا احتراز من أن يكون الراوي غير مسلم، والإسلام لا يشترط حال التحمّل وإنما يُشترط حال الأداء؛ لأن غير المسلم ليس بعدل، فالعدالة وصف ظاهر يلحق المسلم فقط دون غيره من الناس.
стр. 98
حكم تحمل الحديث وأدائه لمن لم يكن بالغاً
وأما البلوغ فقد اختلف أهل العلم في اشتراطه أيضاً في الرواية، وأرجح الأقوال أنه مشروط في الأداء دون التحمّل، والدليل على ذلك: حديث محمود بن الربيع ﵁ في صحيح البخاري في كتاب العلم قال: (عقلت مجة من النبي ﷺ مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين).
ولا شك أن الغلام في هذه السن لم يبلغ، ولكنه حينما ميّز وعقل ما فعله النبي ﷺ معه وهو في هذه السن قلنا بصحة التحمّل قبل البلوغ، وإما إسماعه الحديث لغيره فيشترط فيه البلوغ.
وقد ذكر الحافظ الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بعلم الرواية اختلاف العلماء في اشتراط البلوغ، وهل يشترط في التحمّل أو في الأداء؟ وقد اشترطوا لذلك شروطاً وخالفوها من ناحية العمل، وقد ذهبوا مذاهب شتى في تحديد سن معينة للتحمّل، والراجح: أن البلوغ شرط في الأداء وليس في التحمّل.
وكان السلف رضي الله ﵎ عنهم يُسمعون أولادهم وهم غلمان صغار الحديث والقرآن، وقد يكمل أحدهم حفظ القرآن وهو صغير لم يبلغ العاشرة، فيؤتى به إلى مجالس أهل العلم ليسمع الحديث وغيره من صنوف وأفنان العلم.
فالبلوغ كالإسلام شرط في الأداء وليس في التحمّل.
стр. 99
حكم التحمل والأداء لمن لم يكن عاقلاً
والشرط الثالث في العدل أن يكون عاقلاً، وهذا الاحتراز من الجنون والسفه والعته وغير ذلك.
فلا تُقبل رواية المجنون، سواء كان جنونه مستمراً أم متقطعاً؛ لأنه لا يعلم أكان تحمله وقت الإفاقة أو وقت الجنون؟ ولا بد من كمال العقل وسلامته مما يطرأ عليه من علل وأمراض.
وبعضهم يعبّر عن هذا بالتمييز، والمصطلحان مختلفان من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح.
стр. 100
حكم رواية الفاسق والمبتدع
السلامة من أسباب الفسق، فإذا كان الراوي فاسقاً، مرتكباً للكبائر أو مصراً على الصغائر والمجاهرة بها، حكمنا عليه بأنه فاسق، فلو تاب منها قُبلت روايته على أرجح الأقوال.
فإذا كانت الكبيرة شركاً كفر الراوي، وإن كانت غير شرك لم يكفر بها، وقد اختلفت الفرق في مرتكب الكبيرة اختلافاً عظيماً، وهذه المسألة مما تميز بها أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق، فقالوا: مرتكب الكبيرة إن أقيم عليه الحد كان كفارة له في الدنيا والآخرة، بمعنى: قبول توبته في الدنيا والمغفرة له في الآخرة، والنبي ﷺ يقول: (الحدود كفارات لأهلها)، بمعنى: أنها تمحو عنه تلك الخطيئة وهذا الذنب.
وأما إذا لم يُقم عليه الحد في الدنيا فإن تاب منها بينه وبين الله تاب الله عليه، وإن لم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.
وهذا هو معتقد أهل السنة في مرتكب الكبيرة.
وكل من ارتكب حراماً مستحلاً له وهو عالم بالحرمة فهو كافر.
وإن كان الراوي مرتكباً للصغائر مصراً عليها ومجاهراً بها ردت روايته تأديباً له، ولا شك أن شرب السجائر وحلق اللحية وغير ذلك أمور مفسقة لصاحبها.
ويتفرع عن مسألة السلامة من الفسق الابتداع، والابتداع منه ما هو مكفّر، ومنه ما هو مفسِّق.
فالبدعة إذا كانت مكفّرة لصاحبها كغلاة الروافض والشيعة وغير ذلك ردت رواية مرتكبها، وأما إذا كانت غير مكفّرة فتقبل رواية صاحبها بشروط: الشرط الأول: ألا يكون غالياً في بدعته، وهذا احتراز من الصنف الأول من البدعة.
الشرط الثاني: ألا يكون داعياً إلى بدعته، أي: ألا تكون الرواية التي رواها تخدم وتؤيد بدعته.
الشرط الثالث: توفر الضبط وموافقة الثقات.
стр. 101
حكم رواية التائب من الكذب
ويدخل في هذه المسألة أيضاً حكم من تاب من الكذب، وهل الكذب ذنب ومعصية أم لا؟ وهل يفسق صاحبه أم لا؟ والكذب إما أن يكون على رسول الله، وإما أن يكون على الناس، والكاذب في حديث رسول الله ﷺ يسمى الوضاع، وجمهور أهل العلم يردون رواية التائب من الكذب على رسول الله ﷺ من باب الزجر له، ويقبلون رواية التائب من الكذب في حديث الناس.
وغير الجمهور يقبلون رواية التائب من الكذب على رسول الله وعلى الناس.
وذهب إمام الحرمين الإمام الجويني وتبعه الشيخ أحمد شاكر إلى تكفير من كذب على رسول الله ﷺ .
стр. 102
ما تثبت به عدالة الراوي
وتثبت عدالة الرواة بأحد طريقين: الطريق الأول: التنصيص من إمام من أئمة النقد والجرح والتعديل على أن هذا الراوي عدل، وقد اختلف العلماء هل يكفي قول الواحد فقط في إثبات العدالة أم لا بد من اثنين؟ والراجح أن العدالة تثبت بنص إمام واحد، رجلاً كان أو امرأة، كأن يقول الدارقطني أو يحيى بن معين أو أحمد بن حنبل أو صالح جزرة: فلان ثقة، أو غيرهم من أئمة النقد، فيكفي أن يحكم واحد منهم فقط على راو ما بأنه عدل أو غير عدل.
الطريق الثاني: الاستفاضة والشهرة، أي: أن يشتهر ذلك الرجل أو ذلك العالم بين الناس جميعاً العامة والخاصة بأنه عدل، كـ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وابن عيينة، فهؤلاء استفاضت واشتهرت عدالتهم بين الناس جميعاً، فأغنت عن التنصيص.
стр. 103
الشرط الثالث: الضبط
والشرط الثالث: ضبط الرواة.
ومعنى الضبط: إثبات الحفظ في القلب، أو المحافظة على المكتوب في الكتاب.
والضبط نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب.
стр. 104
ضبط الصدر
فضبط الصدر: هو أن يعي الراوي ما يسمع جيداً، فيحفظه عن ظهر قلب ويستطيع استحضاره متى طُلب منه ذلك.
إن حفظ الراوي جيداً، حتى إذا طُلب منه ذلك أداه كما سمعه، ثم بعد أن تقدم به السن أنكر أن يكون قال هذا القول؛ رد إنكاره بشرط أن يكون المتحمّل عنه ثقة، أي: أن يكون عدلاً ضابطاً، وإن كانت هذه الرواية قد تحمّلها غير واحد إما لفظاً وإما معنى عن ذلك الشيخ؛ ففي هذه الحالة لا يُعد إنكاره ولا يُعتبر به، ويُعتبر في غير هاتين الحالتين، والله تعالى أعلم.
مما يطرأ على ضبط الصدر ويؤثر عليه: فحش الغلط، والغفلة، والوهن، والمخالفة للثقات، وسوء الحفظ.
وفحش الغلط هو كثرة الأخطاء، أي: أن يكثر خطؤه حتى يكون هو الغالب على حديثه، وهذا يُعرف بمخالفته للثقات.
والوهن هو: أن يروي الراوي حديثاً على سبيل الإيهام لا التحقق والتأكد.
وهذه كلها مجرّحات تؤثر في ضبط الراوي.
стр. 105
ضبط الكتاب
النوع الثاني من الضبط ضبط الكتاب، وهو ألا يعتمد الراوي في سماعه للحديث على صدره وقلبه، وإنما يعتمد على ما كتبه بعد شيخه.
فضبط الكتاب أن يكتب الراوي ما يسمعه من الشيخ في كتاب أو في صحيفة.
ويُشترط لمن كانت هذه صفته شروط: الشرط الأول: أن يقابل أو يراجع هذا الكتاب على نسخة الشيخ الذي سمعه منه؛ حتى يقره الشيخ على صحة سماعه وكتابته.
فربما يكون ذلك الرجل الذي كتب خلف الشيخ تصحّف عليه السماع وكتبه في كتابه مصحفاً، أو تحرّف عليه السماع وكتبه محرّفاً.
وذلك مثل من كتب في كتابه حديث النبي ﷺ : (يا أبا نغير! ما فعل البعير؟)، فلما انتصب للتدريس ألقى على تلاميذه الحديث بهذا الشكل: (يا أبا نغير! ما فعل البعير؟).
وتكلّف في تأويله وشرحه، فقال له أحد التلاميذ: ليس هكذا الحديث أيها الشيخ! وإنما هو (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).
وأبو عمير هذا أخو أنس بن مالك من أمه، والنبي ﷺ هو الذي كنّاه بـ أبي عمير، وكان معه نغير -وهو طائر بين اليمامة والعصفور من طيور المدينة- يلعب به، فكان النبي ﷺ يمازح هذا الغلام الصغير، ويقول له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) أي: ما الذي تفعله مع طائرك الصغير؟ وهذا الحديث يؤخذ منه فوائد جمة، وقد صنّف فيه أحد السلف كتاباً بعنوان: الفوائد المستنبطة من حديث أبي عمير، وذكر فيه ستين فائدة، والكتاب مطبوع ومعروف.
ولا شك أن هذا الراوي وقع فيما وقع فيه من خطأ؛ لأنه لم يلتزم بشروط ضبط الكتاب.
الشرط الثاني: إذا لم يكن عند الشيخ وقت للمراجعة أو لم يوافق الطالب على مطلبه، أو كان الشيخ سيئ الخلق، أو حاد المزاج ويهاب أن يُطلب منه هذا الطلب -وهذا موجود بكثرة في السلف- فعلى الطالب أن يراجع نسخته على نسخة أقرانه.
وإذا لم يكتب أحد غيره فلا مانع أن يراجع مكتوبه على مسموع غيره، فليس بلازم أن تكون المقابلة على مكتوب، بل يمكن أن تكون على مسموع.
الشرط الثالث: أن يحافظ على هذا الكتاب من كل ما يتلفه من حرق وغرق وإتلاف وإفساد، وغير ذلك من الأمور التي تطرأ وتفسد الأوراق، فإذا تعرّض الكتاب لما يتلفه فلا بد وأن يتوقف الراوي عن الرواية.
الشرط الرابع: أن يحدث الراوي وقت التحديث من الكتاب لا من حفظه.
стр. 106
حكم حديث فاقد كتابه
فإذا فقد الكتاب لأي علة من العلل التي ذكرناها فلا يمنع أن يكون الراوي ضابطاً ضبط صدر وضبط كتاب، ولكن من غلب عليه الاعتماد على الكتاب فلا يؤمن عليه الغلط في ضبط الصدر إذا حدّث من غير كتاب، وهذا لا يمنع من أنه يحفظ أحياناً، فإذا فقد الكتاب فإن وافقت روايته رواية الثقات قبل حديثه، وإذا لم توافق روايته رواية الثقات رُد حديثه، هذا في حالة ما إذا كان له أقران، أو أتت هذه الرواية من غير طريقه.
ولو كان هو المتفرد بالرواية فإن كان غالب اعتماده على الكتاب ردت روايته بعد فقده للكتاب.
فإن لم يعرف متى فقد الكتاب، ولا الأحاديث التي حدّث بها قبل فقد الكتاب وبعد فقده، ردت جميع رواياته إلا ما وافق منها الثقات، فإذا خالف الثقات أو تفرد برواية ليست عند غيره ردت، وأما ما وافق فيه الثقات أو جاءت الرواية عنه من طريق من رووا عنه قبل الاختلاط، أو قبل ضياع الكتاب، أو قبل حرقه، فلما ضاع الكتاب أو احترق أو اختلط الراوي توقفوا عن الرواية عنه، فتقبل روايته من طريقهم.
وذلك مثل عبد الله بن لهيعة، فقد كان يحدث من كتاب ثم احترق كتابه، وكان أشهر من أخذ عنه قديماً عبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ وعبد الله بن وهب المصري، ثم لما حدث لكتاب ابن لهيعة ما حدث توقفوا تماماً عن الرواية عنه، والذين توقفوا عن الرواية عنه بعد احتراق كتبه بلغوا ثماني عشرة نفساً، وهم مذكورون في كتب التراجم والرجال، لكن أشهر الرواة الذين توقفوا عن الرواية عنه هم العبادلة الثلاثة - ابن المبارك وابن يزيد المقرئ وابن وهب - فإذا أتت الرواية عن ابن لهيعة من طريق هؤلاء العبادلة فهي على الاستقامة؛ لأنهم رووا عنه قبل الاختلاط، فلما ضاع كتابه توقفوا عن الرواية عنه.
فإذا عُلم من ترجمة الراوي أنه توقف عن الرواية عمن اختلط قُبل حديثه، وما لم يُعلم عنه توقُف فيه، ونرجع إلى الأصل، فما وافق فيه الثقات أخذنا به، وما خالف أو انفرد رددناه.
стр. 107
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ.
والشذوذ له معنيان في الاصطلاح: المعنى الأول هو: ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه.
والفارق بين الشذوذ وبين زيادة الثقة دقيق جداً، فالشذوذ فيه مخالفة، وزيادة الثقة ليس فيها مخالفة.
فالمعنى الأول من معاني الشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو أحفظ منه، حتى وإن كان واحداً، كأن يخالف راو صدوق راوياً ثقة؛ لأن مسألة الصدق أقل في التعديل من مسألة التوثيق، وكذلك الثقة أقل في الحفظ والضبط من الحافظ، والحافظ أقل في الحفظ والضبط من أمير المؤمنين في هذا العلم.
وكما أن التعديل درجات، فكذلك الجرح درجات، وأعلى مراتب التعديل ما كان بصيغة أفعل التفضيل، كأن نقول: أوثق الناس، أو أحفظ الناس، أو أضبط الناس، أو أتقن الناس، هذه أعلى درجات التعديل.
ومنها: أن يكون اللفظ مكرراً، كأن نقول: ثقة ثقة، أو يكون اللفظ أو اللفظان مقترنين، كأن نقول: ثقة حافظ، أو ثقة متقن، أو ثقة ضابط أو غير ذلك.
ثم بعد ذلك نقول: ثقة، وصدوق، ولا بأس به، وليس به بأس، ويحتمل، ويعتبر به، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على التعديل.
فمنها العالي، ومنها العالي جداً، ومنها الوسط، ومنها الداني.
وكذلك ألفاظ الجرح تختلف تبعاً لاختلاف ألفاظ التعديل، فمنها: أكذب الناس، وكذّاب، ويكذب، ويسرق الحديث، وضعيف، ومن أضعف الناس، ولا يعتبر به، والمستور والمغفّل وسيئ الحفظ، وكثير الخطأ وغير ذلك من الألفاظ التي تفيد الجرح.
فإذا خالف الثقة حافظ، أو الصدوق فنقول: الرتبة في التعديل مختلفة مع مخالفة الرواية، وفي هذه الحالة نحكم على هذا الحديث بأنه حديث شاذ؛ لمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
والمعنى الثاني من معاني الشذوذ هو: مخالفة الثقة لمجموع الثقات، فلو أن عشرة رواة في درجة واحدة من التوثيق والتعديل، ورواية أحدهم تخالف رواية التسعة، فلا شك أن المعقول والمقبول نسبة الخطأ إلى الواحد لا إلى الجماعة، واحتمال الوهم والخطأ والنسيان عليه أقرب وأولى من إلصاقه بالجماعة، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الراوي أخطأ رغم أنه ثقة.
فالحديث الشاذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو لمجموع الثقات.
стр. 108
شروط الحكم بالشذوذ على الحديث
الحكم على الحديث أنه شاذ لا بد فيه من توافر أمور: الشرط الأول: وجود المخالفة.
الشرط الثاني: أن تكون هذه المخالفة بين راو ثقة مع من هو أوثق منه، أو مع مجموع الثقات.
الشرط الثالث: أن يكون المخالف ثقة، وهذا الشرط للاحتراز من أن يكون المخالف ضعيفاً.
لو كان المخالف ضعيفاً فالحديث منكر، فلو حكم شخص مثلاً على حديث خالف فيه الراوي الضعيف الراوي الثقة بأنه حديث شاذ لقلنا له: إنه لا يفهم المصطلحات؛ لأن الحكم اللائق اصطلاحاً وبهذا الحديث أنه حديث منكر وليس شاذاً.
فالحديث المنكر هو مخالفة الراوي الضعيف للراوي الثقة، فالحديث المنكر لابد فيه من شرطين: أن يكون الراوي ضعيفاً، وأن يكون مخالفاً لبقية الأحاديث.
فإذا كان الراوي ضعيفاً ولم يخالف فيه الثقة عد إسناده ضعيفاً، وأما الحديث فمقبول من الطريق الآخر، ويُنظر في الضعف، فإن كان ضعفاً يسيراً فإنه يتقوى بالطريق الآخر، وإن كان شديداً استغني بالطريق الصحيح عن الطريق الضعيف.
стр. 109
ضعف الإسناد لا يسلتزم ضعف الحديث
نجد في كتب المحققين عندما يحقق أحدهم كتاباً معيناً من الكتب المسندة يتكلم عن الإسناد الوارد في الكتاب بعينه ويقول: إسناده ضعيف والحديث صحيح.
فهذا الإسناد بعينه ضعيف؛ لوجود الراوي فلان، ولكن الحديث ورد من طرق أخرى، وقد تكون الطرق الأخرى بذاتها صحيحة فيصح الحديث دون النظر إلى هذا الإسناد بعينه، وإما أن تكون الأسانيد الأخرى نفسها فيها ضعف، ولكن ضعفها يسير يتقوى بها الحديث لو اجتمعت هذه الطرق كلها بعضها إلى بعض، فنقول في هذه الحالة: إن هذا الإسناد بعينه ضعيف، ولكن الحديث يرتقي من الضعف إلى الحسن أو إلى الصحة؛ لتعدد طرقه.
ولفظ الغرابة يخضع لمصطلح كل عالم رغم أن المقصود بها التفرد، وهي عند الترمذي بمعنى الضعف، وعند الحافظ ابن كثير في تفسيره بمعنى النكارة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُرف هذا عن كل مصنّف في كتابه.
стр. 110
الشرط الخامس: السلامة من العلة
الشرط الخامس من شروط صحة الحديث: انتفاء العلة، أي: عدم وجودها.
والعلة في اللغة: المرض.
وهو حقيقة في الأجسام، ثم استعير هذا المعنى لإلحاقه بالحديث غير الصحيح.
وفي الاصطلاح هي: سبب خفي يقدح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.
следующие страницы →