مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
في مهب المعركة
دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 2
في مهب المعركة
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
في مهب المعركة
إرهاصات الثورة
إصدار دار الندوة
стр. 4
إعادة
١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م
ط٣: ١٩٨١م
стр. 5
إهداء
إلى شهداء الثورة الجزائرية الذين حققوا بدمائهم للأحلام التي تعبر عنها هذه الصفحات
مالك
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
مقالات كتبها الأستاذ مالك بن نبي ﵀ في باريس، في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات.
وقد نشرها آنذاك في صحيفتين جزائرتين ناطقتين بالفرنسية، هما الشباب المسلم والجمهورية الجزائرية.
وحينما لجأ إلى القاهرة عام ١٩٥٦ بدا له أن يترجم هذه المقالات وينشرها بالعربية. فكانت الطبعة الأولى عام ١٩٦١.
وقد سمى مجموعة المقالات هذه ((في مهب المعركة))، باعتبارها إرهاصا للثورة الجزائرية وتسويغا لدوافعها.
ففي المقالات تلمس فكر بن نبي وقد أحاط بشخصية الشعب الجزائري بل بشخصية العالم الثالث، الذي كان وما زال خارج إطار الحضارة الحديثة.
فمنذ منتصف الثلاثينات، برز المهندس مالك بن نبي يختط للنضال سبل الفعالية، ويمنح الشباب الجزائري آفاقا تبدد ضباب الاستعمار، ويضع لثقافة الجيل أسسا من أصالة التاريخ وقيم العقيدة.
هذه الأصالة تقرؤها في كل مقال كتبه مالك بن نبي، في هذه المجموعة، يواجه بشجاعة نادرة الاستعمار الجاثم على أرض الجزائر.
ولم يكن سبيله إلى تلك المواجهة، ما تعارف عليه سياسيو ذلك الزمن، من
стр. 7
ديماغوجية تلعب بعواطف الجماهير. فقد اختط مالك بن نبي طريقاً إلى عمق القضية، يطرح القواعد الثابتة لتطور التاريخ، ثم يشرع في بناء الذات الجزائرية على أساس تلك القواعد.
لم يكن يعنيه أن يلعن الإِدارة الاستعمارية. لقد اختار الطريق الأصعب والأشق عليه، حين اهتم بفضح وسائلها تنويرا للرأي وتبصرة للطريق.
ولم يكن الطريق إلا تلك الشروط الموضوعية لنهضة فاعلة.
لذلك أصدر في تلك الحقبة بالفرنسية، ـ[شروط النهضة الجزائرية]ـ، ثم ومن أجل ربط هذه الشروط بالقيم الإِسلامية التي رسمت حدود الأصالة الجزائرية، أصدر بالفرنسية في تلك المرحلة، ـ[الظاهرة القرآنية]ـ، ليضع للشباب الجزائري المتصل بالمنهج الديكارتي، ضوابط تمسك في نفسه عروة العقيدة.
وإذ هو يدعو إلى بعث جديد للقيم الإِسلامية التي كونت تاريخ الجزائر، نراه يطرح في تلك المرحلة أيضا كتابه بالفرنسية، (( Vocation de L'Islam)) المترجم إلى العربية بعنوان: ـ[وجهة العالم الإِسلامي]ـ.
وقد حاز هذا الكتاب في بداية الخمسينات شهرة واسعة، ومنح الشباب المسلم في الجزائر وخارجه، سبل الخروج من ذلك المستنقع الذي وقع فيه العالم الإِسلامي، والذي يطلق عليه مالك بن نبي ﵀ مجتمع ما بعد الموحدين، وقد مني هذا المجتمع بمرض اجتماعي سماه ((القابلية للاستعمار)).
فمقالات بن نبي ـ[في مهب المعركة]ـ ليست إلا صدى لهذه الكتب، يتتبع أحداث تلك المرحلة في الإِطار السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، يحاول من خلالها تسليط الأضواء على المشاكل الحقيقية التي ينبغي للشباب الجزائري أن يتوفر بفعالية لحلها.
وبالرغم من عهد مضى في تاريخ الجزائر، تناولته هذه المقالات، فإنها لا تزال تحمل في طياتها نبض المشكلة وعمق حلولها.
стр. 8
فالاستقلال السياسي، الذي ظفرت به دول العالم الثالث فيما بعد، ما يزال يطرح مشكلة الاستقلال الاجتماعي والنفسي، ليواجه الإِنسان المتخلف مستقبله ومصيره بعيداً عن تبعية العالم الصناعي المستغِل.
فمقالات بن نبي ـ[في مهب المعركة]ـ حاولت في مرحلة التحضير للثورة الجزائرية تصفية المفاهيم الفكرية وتعديل المبادرات الوطنية بما يتفق وفعالية الكفاح في مختلف الأصعدة. لقد تناول بن نبي في هذه المقالات كل حدث سجله الصراع مع الاستعمار في الشمال الأفريقي، وناقش كل كلمة قيلت حول ذلك الصراع، وراقب كل حركة بدرت في هذا الإِطار.
وكان فيما يناقش ويراقب إنما يطرح القواعد الأساسية التي حالت معطيات الثقافة الغربية ومصطلحاتها دون الولوج إلى جوهرها.
من هنا تبدو مقالات بن نبي في مرحلة التحضير للثورة الجزائرية، ذات اتصال بمقالاته التي حررها بعد عشر سنوات، والتي تحدثت عن مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي، والتي سننشرها إن شاء الله، بعد أن ترجمها الأستاذ مالك ووضعها في كتاب سماه ـ[بين الرشاد والتيه]ـ.
ففي كلا المرحلتين، تبدو المشكلة مرتبطة في حلولها، بنسق اجتماعي يحقق الشروط النفسية والثقافية لبناء حضارة.
إن هذا الكتاب يطرح للقارىء صورة من تاريخ ما قبل الثورة الجزائرية، ناضل فيها الأستاذ مالك نضال الأبطال، وهو يشرح في الوقت نفسه القواعد الأساسية التي طالما تناولها في كتبه.
ولقد راجعنا النص العربي بقدر ما أتاحت لنا المحافظة على أسلوب الأستاذ مالك وإنا لنرجو أن نكون قد بلغنا الأمانة كما ألقاها إلينا.
جزاه الله عنا كل خير وأسكنه فسيح جنانه.
عمر مسقاوي
طرابلس- لبنان
٢٠ شعبان ١٣٩٨
٢٥ تموز ١٩٧٨
стр. 9
مقدّمة
بقلم الأستاذ محمود محمد شاكر
لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن هذه المجموعة من مقالات أخي الأستاذ مالك بن نبي، هي عندي من أنفس ما كتب، لا لأنها تتناول موضوعا لا نزال نعيشه وعاش فيه من قبل آباؤنا، ولا تزال آثاره باقية فينا، تعمل عملا مدمراً في حياتنا كلها، ولا لأنها تاريخ متصل مغموس في الشرور التي ارتكبها الاستعمار في بلادنا، ولا لأنها تذكرة لنا ولأبنائنا بما يخشى أن ينسوه من النكبات التي حاقت بهم. كلا، بل هي أنفس شيء عندي، لأنها تكشف لنا عن فكر رجل خبير فكر في الأمور ساعة بعد ساعة، وقيد هذا الفكر في حينه، فإذا نحن نرى أنفسنا في ضوء ما كتب قديما، كأننا لم نتقدم خطوة في فهم البلاء الذي ينزل بنا ولا يزال ينزل.
وأشد النكبات التي يصاب بها البشر، نكبة الغفلة، لأنها محو لما تقوم به حياة الناس، والمرء لا يكون إنسانا نامياً إِلا مع اليقظة فإذا سلب اليقظة، فقد اسقر في حومة الموت والهلاك، وإن بقي حيا يتحرك.
وهذه المقالات المتفرقة المعاني، المتباعدة الأزمان، يضمها معنى واحد في زمان واحد، فالمعنى الذي يضمها هو معنى الاستعمار وهو معنى واحد، وإن اختلفت وسائل التعبير عنه قي نواحي الحياة الإِنسانية. والزمن الذي يجمعها، هو زمن واحد، هو زمن الاستعمار، وإن اختلفت عليه الأيام والليالي والشهور والسنوات. والنتيجة التي يخلص إليها قارئها، إذا أحسن القراءة وأخذها مأخذ الجد، هي أننا عشنا في أكبر مؤامرة على العالم الإِسلامي وتوابعه ولكننا مع ذلك لا نزال نعيش في هذه المؤامر كأنها تعني أحدا سوانا ولا تعنينا في شيء
стр. 10
لأن المؤامرة تتم يوما بعد يوم ونحن نحيى في آثارها حياة المستمتع بأيامه ولياليه، وما أيامه ولياليه إلا بنات فلك الاستعمار، لا بنات فلك الشمس والقمر. وأنا لا أعني بهذا بلاغة ولا شعراً، ولكني أحسست ذلك كله وأنا أقرأ هذه المجموعة ساعة بعد ساعة.
فهذا المفكر الخبير، قد استطاح بحسن إِدراكه وبقوة بيانه وبدقة ملاحظته، أن يفتح عيوننا على الخيوط التي تنسج منها حياتنا تحت ظلام دامس قد أطلقة المستعمر ليخفي عنا مكره بنا وخداعه لنا، فإذا تم نسيج هذه الحياة، لبسناها كأنها حياة نابعة، من سر أنفسنا، وبذلك يتمكن أن يقودنا كالأنعام، ونحن نحسب أننا إنما نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في هذه الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه. وهذا هو المعنى الذي يرمي إليه الأستاذ مالك باصطلاحه الذي وضعه وهو ((قابلية الاستعمار)).
وليس يخالجني شك أننا لن نظفر بما تتمناه قلوبنا، ولا بما تتبجح بذكره ألسنتنا، من حرية، أو استقلال، أو مجد أو كرامة، إلا إذا استطعنا أن نفكر في أمورنا تفكيرا صحيحا، مؤسسا على أصل من التنبه واليقظة والإِدراك. وظهور رجل مثل مالك بن نبي من بين شعب لقي من نكبة الاستعمار ما لم يلقه شعمب إسلامي آخر باعث على الرجاء والأمل، فأنا لا أعرف فيمن قرأت لهم أو سمعتهم من الناس ولا ممن في أيديهم مقاليد أمور الشعوب العربية والاسلامية رجلا فيه مثل هذا الحس الدقيق بالنكبة، أو مثل هذا التنبه الشامل للدسيسة، أو مثل هذه الاستقامة في فهم الوسائل المعقدة التي يستخدمها الاستعمار، أو مثل هذه الخبرة بالخسة التي تلبس ثياب النبل والشرف. وإنه ليحزنني أن يكون أمرنا اليوم كما قال الأول ((من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره)).
فعسى أن تكون هذه المجموعة من المقالات دليلا مرشدا يفتح به الله عيونا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فيومئذ تتحقق لنا الأمنية التي لا نعيش إلا بها، ولا نسعى إلا إليها.
محمود محمد شاكر
стр. 11
مقَدِّمَة المؤلف
سبق لي أن نشرت في هذه السلسلة دراسة تحت عنوان ـ[الصراع الفكري في البلاد المستعمرة]ـ.
ولكنني شعرت خلال بعض ملاحظات أبداها إخوان يهتمون بهذه القضايا، أنه ربما يتبقى- عند من يقرأ تلك الدراسة من دون خبرة سابقة بالموضوع- يتبقى عنده شيء من الإِبهام حول الفكرة العامة التي يعرضها الكتاب. إبهام يتطلب رفعه مزيدا من التوضيح، حتى لا تبقى هذه الفكرة في نظر القارئ مجردة، لا تحيط بها إلا العموميات، وإلا الاعتبارات النظرية التي نفس فكرة الصراع هذا.
فالقارئ يريد الدخول في الموضوع عن طريق الظروف الواقعية، والتفاصيل المادية التي تحيط بفكرة الصراع الفكري، كما يحيط الوسط الطبيعي بالكائن الحي الذي يتكون فيه، ويتضمن كل الشروط اللازمة لتكوينه ونموه.
إن فكرة الصراع الفكري تكونت عندي في ظروف معينة وفي نطاق تجربة شخصية لم نستطع إلا ذكر بعض تفاصيلها عند الحاجة أما وصفها بالتفصيل فذلك نمسك عنه لسببين: لأن هذا الوصف لا يكون مجدياً إلا في كتاب مذكرات، ولأن بعض التفاصيل لا يتقبلها القارئ، حين يصورها الاستعمار كمبالغة مقصودة، حتى إن الكاتب يخطىء حين ينقلها بقصد الإِفادة.
إذ أسلوب الصراع الفكري يفرض أن لا تقال كل الوقائع التي تتصل به، ولا تذكر كل الظروف التي تحيط به في لحظة معينة.
فهناك حد وسط يجب التزامه بين الإِفراط الذي يستغله الاستعمار على
стр. 12
أنه مبالغة، والتفريط الذي يستفيد منه أيضاً على أنه سكوت عن بعض الحقائق التي لا بد أن تقال.
فرغبة القارئ الذي يريد مزيداً من التوضيح تستحق أن تلبى في هذا الحد بالضبط.
فهذا الكتاب يهدف إلى ذلك وقد جمعنا فيه تحت عنوان ـ[في مهب المعركة]ـ بعض المقالات المترجمة، التي كتبت فعلا في ظروف المعركة الواقعية، بما يحيطها أحيانا من غموض عندما يريد الاستعمار أن يسدل الظلام على بعض المواقف المشبوهة التي ليس من مصلحته أن تعرف، وعلى بعض الأفكار التي لا يريد أن يرتفع الى مستواها الرأي العام، وعلى بعض التوجيهات حتى لا تصير واقعاً اجتماعياً.
إن المقالات المترجمة التي جمعناها في هذا الكتاب تتضمن هذه العناصر التي تكون مادة الصراع الفكري، وواقعه اليومي. الواقع الذي يريد الاستعمار أن يسدل عليه ستاراً من الظلام، حتى يبقى الرأي العام في قيود لا تراها إلا عين بصيرة وحتى يبقى الفكر في أغلال ما يسمى ((الواقعية)) وهي جحود الواقع، وحتى تبقى السياسة سوقا تشترى فيه الضمائر وتباع، ويبقى النشاط الاجتماعي معطلا بسبب شروط سلبية تفرضها إرادة خفية على حياتنا، ويجعلها من له بها صلة في بلادنا، مبررات فشلنا.
إننا ننشر هذه المقالات لأنها تعبر عن ذلك الواقع المرير الذي يدركه القارئ من دون تعليق من طرفنا، مع أننا نأتي أحيانا ببعض التعليق على الهامش عندما نراه ضروريا.
وننشرها لأنها تتصل بهذا الواقع من نواح مختلفة، من الناحية التاريخية عندما تصف ظروفا معينة مهدت للثورة الجزائرية مثلا، ومن الناحية العلمية عندما تضع بعض جوانب الاستعمار الخفية تحت المجهر، ومن الناحية الاجتماعية عندما تحاول فك بعض العقد وبعض المركبات التي نشأت في نفوسنا من مواجهة
стр. 13
بعض المشكلات التي لا زالت قائمة في البلاد الإسلامية، كمشكلة المرأة ومشكلة التراب، ومن الناحية الثقافية عندما تحاول توسيع الفكر عند شبابنا المثقف حتى يكون في موقفه إزاء بعض القضايا المتصلة بمصير الإنسانية وبمصيرنا، أكثر وعياً وأكثر فعالية.
القاهرة في ٢٧/ ٨/ ١٩٦١
مالك بن نبي
стр. 14
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
الاِسْتِعْمَارُ تَحْتَ الْمِجْهَرِ
• سيكولوجية الإستعمار
• الإستعمار يفتح وجهة ثالثة في التاريخ
• الفوضى الإستعمارية
ــ
стр. 15
سِيكُولُوجِيَّةُ الاِسْتِعْمَارِ
الجمهورية الجزائرية في ٢٦/ ٣/ ١٩٥٤
ــ
لست أريد أن أقدم كتابا يدرس الاستعمار على طريقة التحليل النفسي، وبالخصوص لأن هذا الكتاب ظهر سنة ١٩٤٨، وحاز على الشهرة حين ظهوره.
ولست أريد ذلك من ناحية أخرى، لأنني أعلم خطورة الظروف التي تحيط بالشباب الجزائري، في اللحظة الحاسمة التي يمر بها وهو يتطلع لـ ((الحقيقة الفعالة)) (١) أكثر مما يتطلع إلى حقيقة نظرية مجردة، ربما لا نفي بحقها إن لم يسبق لنا أن باشرنا أفكار فرويد والأساتذة الآخرين الذين أسسوا معه علم النفس.
ولكن بالنسبة إلى هذا الجانب النظري، فلنقتصر على الإشارة إلى النبذذ التي وفق الناشر في وضعها على غلاف الكتاب، كي يعطينا فكرة عن شخصية صاحبه وعن صلته بعلم النفس ... وهكذا يعطينا فعلا صورة ملخصة عن شخصية المسيو منوني، وعن اهتمامه بمشكلات علم النفس حيث كان يدرسها مع الأستاذ شارل بلونديل، عندما شغل بمدغشقر، كرسي الدراسات الفلسفية الذي أسسه هناك الأستاذ هنري بولهان، ثم استمر في تكوينه الخاص بمعية الدكتور لا كان بباريس.
فها نحن قد تزودنا بخبرة كافية عن مؤهلات المؤلف- إذا صح التعبير- لاستخدام علم النفس التحليلي في مثل هذا الموضوع، وهو يعرف قيمة هذه الوسيلة العلمية، ويعرف أنها ليست معصومة ولا مطلقة في اكتشاف الحقيقة، وهو يعلم زيادة عن هذا أن ميدان علم النفس التحليلي محدود، يختلف عن ميدان
стр. 16
علم الأخلاق وميدان علم الحياة، أو علم ما قبل التاريخ ... ويستدل على هذا بنكتة طريفة يذكر فيها مغامرة بعثة علمية، ذهبت إلى إفريقيا الوسطى من أجل دراسة بعض العينات من القردة، فاكتشفت، أو اعتقدت أنها اكتشفت، حالة نفسية معينة تميز تلك القردة بينما يكشف علم النفس التحليلي أن تلك الحالة لا يمكن أن تكون إلا حالة ((أنا)) متحضر.
وهذه القصة المضحكة تعني أحد شيئين: إما أن الحالات النفسية ليست محددة بالكائنات التي تتصف بها، وأن علم النفس التحليلي أكبر خطأ حدث في تاريخ العلوم، وإما أن البعثة العلمية أخطأت في استخدام هذا العلم حتى إننها التقطت صورة نفسية، اعتقدت أنها صورة القردة المدروسة، بينما هي صورة الدارسين ... منعكسة على موضوع دراستهم.
وعندما يذكر منوني هذه القصة الطريفة، فإنه يشعرنا بأن الغرور الذي يسمى ((الانحراف المهني)) لا يستولي على عقله، وهذه المناعة من الخطأ الذي يقع فيه من يجمد على المنهج، تزيد في قيمة الدراسة التي يقدمها إلينا منوني، خصوصا وأننا نعتبر هذه القصة من حيث الموضوع أكثر مما نعتبرها من حيث المنهج.
إِن الواقع الاستعماري يهمنا في حد ذاته، قبل كل شيء، فالكتاب يلقي الضوء الكشاف على هذا الواقع، ولكنه يكشف لنا مجهولات أخرى، لا تتصل مباشرة بالموضوع، فتخرج هذه المجهولات من ظلمة جهلنا لتصبح في ضوئه معلومات جديدة تثري بصفة عامة دائرة معارفنا، مثل تلك الفكرة التي يعطيها منوني عن التناسب الغريب الموجود بين ((وحدة المكان)) أو الجانب الموضوعي و ((وحدة الإنسان)) أو الجانب الذاتي، فيفسر المؤلف بذلك النزعة العنصرية، أي الشيء الأساسي في نفسية الاستعمار، على أنها أثر لفاصل نفسي يجزىء الذات أو وحدة الـ ((أنا))، عناما يسقط هذا الفاصل الذاتي على سطخ الجانب الموضوعي ((وحدة النوع البشري)) فيجزئه إِلى جزأين، أحدهما له السلطة
стр. 17
والسيادة، والآخر عليه السمع والطاعة، كما يعتقد من يدين بالعنصرية.
وفكرة هذا الفاصل الذاتي شيء جدير بكل اهتمام في دراسة الواقع الاستعماري كظاهرة، والمؤلف يبين هذا الفاصل في الضمير الأوروبي، ولكن دون أن يحدد نقطة بدايته في التاربخ، وربما طابقت هذه النقطة اليوم الذي اكتشفت فيه أوروبا، في أعماق نفسها، ما أطلقت عليه ((ابن المستعمرات))، أو ((الإنسان الملون)).
وحيث لم يكن لدينا، أكثر مما لدى منوني، من معطيات التاريخ ما يكفي لتحديد تاريخ هذا الانفصال في الضمير الأوروبي، فقد كنا في دراسة سابقة (١) قدرنا هذا التاريخ بصورة تقريبية في العهد الروماني، في العهد الذي كانت فيه الحروب الفينيقية، بما تتصف به من شدة معاملة تعبر عنها تلك الكلمة المأثورة التي كان يرددها كاتون في كل مناسبة ((لا بد أن تحطم قرطاجة)) كانت تلك الحروب إرهاصا للحروب الاسعمارية كأنها تنذر بتلك المذبحة التي ستحدث في أمريكا يوم ينزل بأراضيها بيزار.
وإذا كان منوني يقتصر على اعتبار الأشياء في العهد الاستعماري الحديث، فإنه اعمى هذا قد قدر العوامل الاقتصادية والسياسية والستراتيجية التي تتصل بالنزعة الاستعمارية اتصالا تكوينيا، مع ذلك فهو يعتبر أن هذه العوامل كلها ((تؤدي مفعولها، كأسباب، في عقول مهيأة نفسيا)).
وهذا الاعتبار يمثل إلى حد ما المدخل المنهجي الذي ندخل به إِلى نظرية منوني، حيث ينشأ عنها مفهوم أولي يسميه ((موقفا استعماريا)).
إن ((الموقف الاستعماري)) ينشأ في نظر منوني كل مرة ينعكس فيها الـ ((أنا)) الأوروبي خارج إطار أوروبا، أي كل مرة يقع فيها اتصال بين ((الأوروبي)) و ((الأهلي))
стр. 18
وإننا لنعرف، عن طريق علم الأجناس، معرفة كافية من هو الأول، ولكن من هو الثاني؟
الجواب هو: أن كل رجل غير أوروبي فهو ((أهلي)) بتعبير اللغة الفرنسية (( Indigène)) أو بتعبير اللغة الإِنجليزية (( Native)).
وأما شذوذ اتصالهما، الذي ينشىء الموقف الاستعماري فإنه صادر عن الفرق، الذي يلاحظه المؤلف، بين ((حرب استعمارية)) ومجرد حرب، يعبر عنها بالمصطلح العادي.
فنحن ندرك أن الدراسة منذ مقدمتها الأولى، ستتخذ اتجاهين: أحدهما خاص بدراسة ((المستعمِر)) والآخر خاص بدراسة ((المستعمَر))، وأن المعطيات النفسية الخاصة بهذين الاتجاهين هي التي تصوغ بالتالي التركيب الذي يطلق عليه منوني ((المواقف الاستعمارية)).
ولا شك أننا كنا ننتظر في الكتاب بعض الملامح، التي تعودنا، بمقتضى تجربتنا كمستعمَرين، أن نرى فيها ملامح ((المستعمِر)) ولكننا نتساءل هل يعترف المستعمَر، مثل ابن جزيرة مدغشقر الذي كان موضوع دراسة منوني على وجه الخصوص، هل يعترف بتلك الصورة التي يعطيها له منوني عندما يسمه بتلك السمة التي يطلق عليها مركب التبعية Complèxe de dépendance؟
ومهما يكن في الأمر فربما كان الشعور بالذات يحس بمعاكسة سواء عند ((المستعمَر)) إن لم يعترف بهذه الوصمة التي يصفه بها منوني، أو عند ((المستعمِر)) عندما يشعر أن المؤلف كشف بعض ملامحه الخفية، مثل تلك الوصمة التي يصف بها، الأوروبي في المستعمرات، على أنه لا يطلب فقط الفائدة المادية ولكنه يرغب أيضا في بعض الملذات النفسية الخطيرة.
فكل من عنده فكرة مسبقة عن بعض المذابح التي سجلها التاريخ في رصيد الاستعمار منذ سنة ١٩٤٥، ويعرف ما كان فيها من تفنن سادي في الوحشية،
стр. 19
يدرك إلى أي نوع من ((الملذات)) يشير المؤلف بهذه الكلمة.
ومهما يكن من أمر، فإن الصديق الباريسي الذي عرفني بمنوني، أراد أن يلفت نظري بصورة ما، إلى وجه تشابه بين ما يسم به المؤلف شخصية الملغاش أي ابن المستعمرات بصفة عامة عندما يصفها بـ ((مركب التبعية))، وبين الحالة الخاصة التي تكون عليها الشعوب المستعمَرة، وقد أشرت إليها في بعض دراساتي بمصطلح ((قابلية الاستعمار)).
ولكنني لا أرى وجه التشابه الذي يشير إليه صديقي على أنه ذو مدى بعيد، هذا إذا أخذنا في حسابنا العناصر الخاصة بكلتا النظريتين ولسنا نتساءل هنا!! هل سلوك التبعية الذي اتخذه المؤلف موضوع الدراسة في البيئة الملغاشية، هو خاص بهذه البيئة، أم إنه يتعدى حدودها ويكون قاسما مشتركاً لكل البلاد المستعمرة بالصورة التي يعتقدها صاحب الكتاب!! إنني لا أتصور في الشمال الأفريقي مريضا يقول للطبيب الذي عالجه وشفاه: ((أنت الآن أوروبيني)) أي أن يجعل بينه وبين رجل آخر صلة الملكية، التي تعبر عن ((سلوك تابع)) وعن موقف استعماري ينشئه تلقائيا سلوك فرد ملغاشي إزاء طبيب أوروبي عالجه.
وربما لا يكفي هذا كمقياس نميز به بين التبعية بمصطلح منوني وبين القابلية للاستعمار بالمصطلح الذي استخدمته، وهو ليس موضوع حديثنا بخصوص هذا التمييز إلا بصفة عابرة ومن أجل رفع الشبهة، لذا نقتصر على القول الذي يوضحه مما سيأتي: إن الفرق بين الحالتين اللتين يعبر عنهما كلا المصطلحين هو أننا من ناحية في مواجهة مركب مجتمع (المجتمع التابع) يكون قد بلغ حالة الركود وانتهى إلى التوازن الجامد بتطور نفساني طبيعي، أو فطري بينما نكون من ناحية أخرى أمام وضع مجتمع قد وصل إلى حالة الركود إثر نكسة اجتماعية، أي أننا في الحالة الأولى أمام مجتمع متماسك متجانس تكون الصلات العمودية فيه ((الأسرة)) أداة تماسك قوي للمجموعة كلها وفي الحالة الثانية أمام مجمتع متفكك منقسم إلى ذرات، تكون الصلات الأفقية فيه ((المجتمع))
стр. 20
تلك التي من شأنها أن تربط المجموعة- شعبا أم أمة- قد تحللت نهائيا.
ويمكن أن نضيف إلى هذا المقياس الاجتماعي عنصرا نفسانيا يزيد في توضيح الفرق الذي نشير إليه: فالمجتمع الذي يعنيه منوني ينشىء مع الاستعمار صلة نفسية اجتماعية بينما ينشىء المجتمع الذي نعنيه صلة اجتماعيه نفسيه أي إن الأولوية في الحالة الأولى للعنصر النفساني، بينما الأولوية للعنصر الاجتماعي في الحالة الثانية.
ومهما يكن من أمر فإن مركب التبعية في نظر المؤلف يكون عند ((الأهلي)) شيئا نظيراً أو مقابلاً للنزعة الاستعمارية عند الأوروبي.
وهذان العنصران يكونان بطبيعة الحال موضوع فحص مدقق إذ أنهما يكونان الهيكل النظري الذي بنيت عليه الدراسة التي نتحدث في شأنها وندخل فيها هكذا بهذه التمهيدات مع ما يضيف إليها منوني من توضيحات لازمه، كالفرق بين الشخصية وهي ما تعطيه الوراثة الاجتماعية وانتاج الحضارة وبين ((الفرد)) وهو ثمرة كمية سلالية معينة. وهكذا يتبين أن الشيء الذي يطبع سلوك الفرد ليس لونه، أي الكمية السلالية، ولكن ثقافة البيئة التي ينشأ فيها.
وعليه فالبحث يتجه في هذا الاتجاه، فالمؤلف يدرس من ناحية التطور الذي أدى إلى ظهور النزعة الاستعمارية في أوروبا، ومن ناحية أخرى التطور الذي أدى إلى ظهور مركب التبعية بمدغشقر على سبيل المثال.
وفي كلتا الحالتين يرجع المؤلف- طبقا لمنهج علم النفس التحليلي- إلى مرحلة الطفولة.
فهو يرى أن ((التبعية)) تنشأ من شعور الطفل بعجزه، ذلك الشعور الذي يتكون وينمو عند الطفل الملغاشي بقدر ما يشاهد من قوة وحول عند والديه، وعند والده على وجه الخصوص، فيشعر أمامهما بمركب نقص، يحاول التخلص منه بتحويره إلى ((مركب تبعية)): المركب الذي ينزع من الطفل الفكرة والرغبة
стр. 21
في تكوين إرادة وسلطة شخصيتين، حيث لا يرى فيهما جدوى، بل يراهما مستحيلتين.
وعليه لا يبقى للطفل الملغاشي، في نظر المؤلف إلا أن يتقبل هذا الوضع كشيء طبيعي، ويرى في سلطة والديه الجبارة شيئا لازما لراحته، بل ((المرجع الأعلى)) عند الحاجة، أي أن الطفل ((الأهلي)) سيضع تلك السلطة في المكان الذي تضع فيه أوروبا مبدأ دينيا، ويلاحظ المؤلف في هذا السياق أن ((فرار الأوروبي)) من ((سلطة واقعية)) باسم ((سلطة معنوية))، هو الشيء الذي يكون العنصر الأول للتمييز بين الحالتين، إذ أن هذا ((الفرار)) هو ما طبع الحضارة الغربية وحدد حركتها التطورية.
وعلى كل، فإن الطفل- أينما كان- يخشى حالة ((الضياع)) Abandon ويعمل في الحقل العائلي كي لا يقع في ضياع ما.
فالقانون العام، هو أن ((التبعية العائلية)) تنشىء المشكلة السيكلوجية نفسها في كل مكان، والمأساة نفسها التي تواجه الصبيان، ولكن الحل لهذه المشكلة وهذه المأساة هو الذي يختلف من مكان إلى آخر: فالطفل الأوروبي، حسب رأي المؤلف، يصفي مركب التبعية العائلية بكبته أو بتبخيره (أي يحوله إلى حالة أخرى) فيتقبل مواجهة ((حالة الضياع))، ويتمثل الـ ((أنا)) عنده مركب النقص الذي ينشأ عن هذه الحالة، بينما يتقبل الطفل الأهلي ((حالة التبعية)) كي يتخلص من مركب النقص ومن الشعور بـ ((الضياع)).
وهكذا تنشأ، وفق رأي المؤلف، شخصيتان، ترتبط الأولى بـ ((علاقة عمودية)) ((حماية الأجداد المهيمنة)) والأخرى تواجه ((عقدة الضياع)) وتتغلب عليها لأنها تتقبل أخطار ((اللا-تبعية)).
وهذه الاعتبارات كلها تكون، في نظر المؤلف، المقدمة النفسية لما يسميه ((الموقف الاستعماري)) الذي يتحقق كلما يتدخل الأوروبي بصورة واقعية في
стр. 22
دائرة ((الحياة الأهلية))، وقد نتصور أن هذا ((التدخل)) يحدث غالبا خلال حرب استعمارية تكون نتيجتها الأولى تبديد أو تعكير شبكة الصلات التقليدية التي تربط ((الأهلي)) بالوسط الذي يعيش فيه، كاشفة له فجأة عدم جدواها، أمام صلات جديدة يفرضها المستعمر في صورة ((حماية)) على البلاد المحتلة، ويتقبلها ابن البلاد كتعويض عن الصلات التقليدية التي كانت ترتبط بها راحته الشخصية، وفي هذا الوضع الجديد تمتزج، كما يرى المؤلف، صورة ((الإِنسان الأبيض)) عند ((الإنسان الأهلي))، ((بالأغوار النفسية البعيدة عن الشعور، حيث تمتزج بصورة الجد الطوطمي)).
وإذا كان هذا الامتزاج واقعيا، كما يعتقد المؤلف، فإننا نتصور أثره في الحياة الاجتماعية والفردية، ولكن الوثائق التي يستند لها في هذه القضية ليست كلها مسلمات لا تحتمل المناقشة، وبالأخص الوثيقة التي تناولها من الأدب الشعبي، كتلك الأقطوعة التي يقول فيها الشاعر الملغاشي:
كيف فتح أهل أوروبا البلاد؟!
إن هؤلاء الرجال المدهشين أتوا من وراء البحار بسرعة!
والبلاد التي فتحوها أصبحت آمنة.
لم يبق فيها قطاع طرق ولا عبيد لأنهم حرروا.
إن أصحاب العيون الزرقاء أولوا حول وقوة.
إن هذه العينة من الأدب الشعبي الملغاشي لا تقنعنا، لأننا غير واثقين من أنه التعبير الحقيقي عن الفكر الشعبي بمدغشقر، ولأننا نعرف عينات من هذا الأدب في الجزائر، ونعرف أنها لا تعبر عن الروح الشعبي الجزائري، بل نشعر أنها ملفقة تحت إشراف إِدارة الشؤون الأهلية، ونعرف أن الأدب المأجور لا يخص بلاداً دون أخرى، ولا عصراً دون عصر.
ومما يؤيد وجهة نظرنا، هو أن المؤلف نفسه، يعترف، بملاحظة على الهامش
стр. 23
تنطق ((بالتقديرات السياسية المغامرة)) التي يعتمد عليها الاستعمار، فهو أحياناً يدعم ويبرر وجوده في المستعمرات بمثل هذه الشهادات.
ومهما يكن الأمر، فإن رسم ((الشخصية التابعة)) بما تستلزم من السمات، يرسم، على صورة ما، الجانب ((الأهلي)) فقط في الكتاب الذي يكتمل، بطبيعة الحال، بجانب ((أوروبي)) ملازم للنزعة أو ((الرسالة)) الاستعمارية.
فهذه الرسالة تغور جذورها في أعماق الشخصية الأوروبية كما يراها منوني، فتجعلها مطابقة لشخصية ديكارت، بل هو صانعها، لأنه يمثل في نظره الإنسان الذي تخلص من ((رعاية الأمومة)) وتقبل شعور ((الضياع)) كشعور باستقلاله، كشعور بانتصاره على ((خشية الضياع)) مبرهنا بذلك على ثمن وطريق أي تحرر يغنم به الفرد.
إن المؤلف يرى في ديكارت الرجل الذي حقق أسطورة بوتي بوسيه Petit Pouset (١) واخترع وسيلة الاهتداء إلى الطريق في ((غابة الشك)) كما يرى في المنهج الديكارتي المغامرة التي أتاحت للأوروبي أن يهتدي إلى ((تقديس الوسائل)) محولا ثقته من عالم الطاقات الخفية إلى عالم الطاقات الظاهرة Technique.
إننا ندرك هنا التقدير الذي يخص به المؤلف منهج ديكارت كطريقة تحرر، ولكن يصعب علينا في نفس الوقت إدراك السبب الذي جعل المؤلف، كعضو في لجنة تحضير لبرنامج توجيه مدرسي Pédagogie بمدغشقر، يفضل في هذا البرنامج ترجمة بلزاك على ترجمة ديكارت، كأنه لا يعتقد أن تفكير ديكارت سيقوم في المجتمع الملغاشي بالدور التحرري الذي قام به في المجتمع الغربي، أو كأنه .. يعبر هنا عن موقفه بتلك الطريقة التي يشير إليها هو نفسه عند الغربي، ويسميها ((رد فعل لا شعوري أمام الرجل الملون)) وهو على حد قوله ((رد فعل لا تحدد طبيعته بوضوح)).
стр. 24
ولكن المهم في الأمر، هو أن منوني يصور لنا شخصية الأوروبي بحيث ندرك مباشرة الصلة الدقيقة الموجودة بين الفرد الذي تخلص من ((رعاية الأم)) والذي فارق الوطن الأم: الفرد الذي يغادر وطنه ويشق البحار من أجل أن ((يستعمر)) بلداً بعيداً.
ولكن هذه ((الرسالة الاستعمارية)) تطابق، في نظر المؤلف، حالة نفسية غريبة يحللها بكل دقة في شخص روبنسون كروزويه R.Crusoé وفي شخص آخر، بروسبيرو Prospers في إِحدى قصص شكسبير ((العاصفة)) La Tempète فيكشف في شخصيتهما نزعة يعتبرها أساسية في تحديد الشخصية الاستعمارية ويسميها ((الرغبة في عالم خال من البشر))، وفي هذا السياق نراه يكتشف أيضاً نزعة ابن المستعمرات أي مركب التبعية في شخص كليبان، رفيق بروسبيرو الذي يعيش معه في موقف استعماري حقيقي.
ولكن ((عندما نشر دنييل دوفويه Daniel Defae)) (١) حلمه الذي أودعه في قصته المشهورة، وجدت أوروبا نفسها أنها تحلم الحلم نفسه، أو بعبارة أخرى أن الرغبة في عالم خال من البشر ((صفة نفسية أوروبية شاملة تسم الروح الغربية بصورة عامة)) والمؤلف يرى في هذه السمة بما تشتمل عليه من نزعة ضد البشر، الشيء الذي يحدد الرسالة الاستعمارية في جذورها النفسية.
وكأنه في هذا كله يفسر معطيات النفس بخاصيات المكان، أو الاستعمار كظاهرة تتصل بجغرافية أوروبا التي تحدد نظرتها إلى العالم البعيد.
ولكننا نلاحظ بدورنا أن سحر البعد على العقول لا يخص أرضاً دون أخرى، ولا عصراً دون آخر بينما لا نجد أثر هذا التأثير الغريب على الاستعدادات النفسية كما أثر عليها في أوروبا حتى بعث فيها الروح الاستعمارية، ونلاحظ بوجه خاص أن سحر ((العالم البدائي)) لم يعمل عمله لأول مرة في أوروبا، بل
стр. 25
نجد أنه أثر على مكتشفين كبار في عصور أخرى، ووجه أصحاب رحلات كبيرة، مثل ابن بطوطة، والمسعودي وأبو الفداء فجابوا العالم المتوحش الخاص بزمنهم، دون أن تستولي على عقولهم نزعة استعمارية بل كا نوا يجوبون البلاد لمجرد المعرفة والفائدة العلمية.
وإنه لمن خطأ الأبصار أن نتكلم كما تكلم كلود بورديه، في مقالة خصصها لمظاهرة ططوان (١) عن شيء يسميه هذا الصحافي ((الاستعمار العربي بأسبانيا)) وقد بينا في مقالة سابقة أن الاستعمار وجهة ثالثة (٢) يدين بها تاريخ الانسانية لأوروبا.
كما أن أسطورة الجزيرة التي تشتمل على سحر البعد وعلى فكرة عالم غير مسكون، ليست خاصة بالأدب الأوروبي، بل نجد أثرها في الأدب العربي في قصة السندباد البحري وفي قصة حي بن يقظان، دون أن نجد فيه أثر النزعة الاستعمارية.
ولكننا نتساءل إذا كانت أسطورة الجزيرة الخالية تعبر حقيقة في الغرب عن الرغبة في عالم دون بشر.
فإننا نعرف بعض مظاهر الفكر الاستعماري بالجزائر حتى أننا نجد أنفسنا ملتزمين بشيء من التحفظ أمام هذا السؤال.
إننا نعرف على وجه المثال حقد الأوروبي الذي يعيش الواقع الاستعماري في بلد مستعمَر على أخيه الذي يأتي مباشرة من الوطن الأم فالحقد يكون واضحاً إِزاء لجنة التنقيب التي تعين في حالة اضطرارية للتنقيب عن بعض المظالم، كما شاهدنا ذلك هذه الأيام بمناسبة اللجنة التي ذهبت لدراسة الموقف بمراكش الآن ... كما نتذكر أيضاً كيف قوبل بقسطنطينة من طرف الجالية الأوروبية القاطنة بالمدينة رجل دين كبير هو الكردينال ليينار.
حتى أننا بعدما نتأمل هذه المظاهر كلها، نتساءل عن مقدار الإِصابة والتوفيق
стр. 26
في رأي منوني إلي إِزاء النزعة الاستعمارية، التي يسميها الرغبة في ((عالم دون بشر)) أليس من الأصح أن نسميها الرغبة في عالم بلا شهود؟ لأن كل من ينطوي على مركب الجريمة يحتاط من الشهود ويحقد عليهم، فالأوروبي القاطن بالمستعمرات يحتاط أحياناً من أخيه الذي يأتي زائراً من الوطن، لأنه يخشى منه أن يكون شاهداً على جريمته في سلوكه الاستعماري مع أهل البلد .. فالجزيرة البعيدة تكون إذا بالنسبة إليه بمثابة المكان الذي يجد فيه مأمنه المكان الذي لا تدركه فيه سلطة القوانين والأَخلاق والعادات.
ومهما يكن من الأمر فتحليل منوني يكشف لنا عقدة مرضية في الرسالة الاستعمارية، ولكنه لا يقف فيما يبدو عند الاحتمال الذي تكون فيه، كما نشعر بذلك أحياناً، هذه العقدة عاملا لا حضارياً أو فاسخاً للحضارة، كما يلاحظ ذلك أميه سيبزر في محاضرة ألقاها أخيراً عن المشكلة الاستعمارية.
وهذا العمل الفاسخ للحضارة واضح في ظروف معينة لأن كل مناسبة تتخذ فيها ((فكرة الأوروبي القاطن بالمستعمرات)) الصدارة على فكرة الأوروبي الساكن بالوطن الأم، تكون هذه مناسبة ينتصر فيها الظلم على القانون، والامتياز على الحق، والكسل على العمل، والمادة على الروح. أي أنها مناسبة تنتصر فيها النزعات اللاحضارية على القيم الحضارية، وفيها حركة تنعكس فتصبح سيراً الى الوراء، وعالم ينقلب فيرفع قدميه ويمشي على رأسه.
وعندما ننظر إلى الأشياء هذه النظرة، يعترينا شيء من الدهشة، حينما نرى المؤلف يشاطر أكثر من مرة الرأي الاستعماري الذي يرى أن ((المستعمِر)) أجدر من الأوروبي الذي لم يخرج من بلاده في تفهم القضايا القائمة بين الشعوب المستعمَرة والدول الاستعمارية وأنه أجدر بتحديد سياسة هذه الدول فيما وراء البحار، كان القضية قضية اختصاص في جريمة، على مذهب المسيو كاونه الذي يعتقد فيما يخص تونس، أن المشكلة القائمة هناك ليست بين الشعب التونسي المكافح وفرنسا، ولكن بين هذا الشعب والفئة الاستعمارية التي بيدها السلطة
стр. 27
الحقيقية بتونس اليوم، وأن العقدة ليس حلها بباريس ولكن بتونس، أي في مأمن من القانون ومن ((الشهود)).
فهذه الملاحظات تدل على جانب ضعف وعلى وصمات سوداء في كتاب مشرق بالنور في نواحيه الأخرى .. ولكن ربما وقع المؤلف بما كان يحذر منه، فقد أراد أن يتجنب التورطات السياسية في كتاب يستولي عليه روح العلم إلا أن صاحبه تورط في بعض التعليقات وبعض الاستنتاجات المستعجلة.
ولقد نجد أنفسنا حائرين ونحن نقرأ الكتاب في هذه النقط السوداء: هل نربطها منطقياً بمسلمات الكتاب؟ أم ننسبها إلى ميل في نفس صاحبه إلى المساهمة في بعض الآراء الاستعمارية؟.
فعندما نرى الكاتب، بعد إدانته ((النزعة الأبوية)) في نفسية الاستعمار أي النزعة التي تجعل المستعمِر يطالب بحق الرقابة على المستعمَر، بدعوى أنه لم يبلغ رشده، نراه بعد ذلك يستخدم استعارة يستعيرها مما كتب الدكتور أندري برج عن ((الإِنسان العصري)) تراه يطبقها على الملقاشي ويحكم عليه بأنه ((لم يدرك بعد سن اليتم)) أي السن الذي يكون فيه الفرد قد تخلص من سلطة الوالدين وهو يشير طبعاً لسلطة الحماية الاستعمارية.
فعندما نقرأ استعارة كهذه في الكتاب، لا نعرف هل نربطها بمقدماته المنطقية، أم ننسبها إلى ورطة يقع فيها صاحبها دون شعور. وهكذا نجد نفوسنا حائرين أمام هذا الحكم ((العلمي)) الذي لا يصيب الحركة الوطنية في مدغشقر فقط، بل يصيب الحركات الوطنية التحررية كلها، وكفاح الشعوب المستعمرة من أجل حريتها، خصوصاً أن المؤلف يقرر بصفة عامة وجود ((نفسية أهلية))، كما كان ليفي بروهل يقرر العقلية البدائية ..
بل إن الكاتب يذهب أكثر من ذلك في اتجاه الفكر الاستعماري، عندما يصور ((النخبة البدائية)) كما صورها ليفي بروهل. ويضع على لسان من يمثلها،
стр. 28
في نظره، أي على لسان التلميذ الملون الذي يقول للأستاذ الأوروبي: إِنك علمتني الكلام كي تتيح لي أن ألعنك به!!.
وعبارة كهذه تشبه إلى حد كبير ما يقوله المستعمرون عن ((الأهالي)) الذين تتاح لهم فرصة التعلم في الكليات الأوروبية، ((إننا نعطي لهؤلاء عصينا كي يجلدونا بها)).
ولكن رغم هذه العبارات، نجد أن النخبة الملونة تتكلم غالب الأحيان في الكتاب لغة كلبيان، (الرجل المقيد بمركب التبعية) وتطالب في النهاية بالطوق وبالعقال: رمزيْ ((التبعية)).
ولكن على تقدير أن هذه العناصر التحليلية تدخل حقيقة فيما يسميه الكاتب ((الموقف الاستعماري))، فهل يوحي الكتاب بطريقة حل وبوسائل الحل لمعالجة هذا الموقف؟.
وقد يتساءل فعلا الكاتب نفسه في نهاية الدراسة: ماذا نفعل؟ ويرد على نفسه بجواب يستقيه من فكرة بداغوجية لفرويد، فيقول: ((ومهما نفعل، فإننا لا نصيب في الموضوع)).
ولكن الموقف يخلق ضرورة مواجهته بصورة ما، مهما يكن فيها من الغموض، ولا شك أن تلك الصورة ستنتج من الاتجاهين اللذين اتجه إِليهما التحليل في الكتاب.
ففي اتجاه ابن المستعمرات، يقترح الكاتب تحرير شخصيته من دوافع التبعية، وبعث الروح الديمقراطي في المجتمع الذي يتصف بالتبعية.
فيعرض الكاتب من أجل ذلك عدداً من التوجيهات يراها مناسبة لهذا الغرض المزدوج.
ولكن هذه التوجيهات تبقى كلها، في نظر الكاتب، رهينة وسائل وإمكانيات تقع تحت تصرف الاستعمار، ((لأن المجتمع الاستعماري لا يترك للكائن المستعمر إلا تبعيته)).
стр. 29
ومن ناحية أخرى، فابن المستعمرات نفسه لا يبدو، في نظر الكاتب، مهتماً بإنجاز تطوره بصورة فعالة، حيث يراه في الحقل السياسي مثلا، لا تتجه مطالبه إلى تصفية ((التبعية)).
وهكذا تنتهي الدراسة في دائرة مفرغة تلتقي فيها في نظر الكاتب، نزعات الأوروبي الاستعماري ((المطرود من عالم الآخرين))، ونزعات ابن المستعمرات الذي لم يقم بثورته الفكرية، ولم يحول ثقته من الطاقات الخفية كي يعلقها بوسائل العلم والصناعة.
ولكن أليس الحل خارج هذه الدائرة المفرغة؟ في التطور الذي يدفع الحضارة اليوم إلى الشمول والعالمية، أي إلى حالة سيتضطر فيها الأوروبي إلى تقبل واحترام ((عالم الآخرين)) حيث تجدد فيه فكرته عن الإِنسان.
***
стр. 30
الاِسْتِعْمَارُ يَفْتَحُ وِجْهَةٌ ثَالِثَةٌ فِي التَّارِيخِ
الجمهورية الجزائرية في ١٣ و٢٠/ ١١/ ١٩٥٣
ــ
عندما ينزل جيش أجنبي بأرض شعب، فإن هذا الشعب يكون معرضاً ليرى إما احتلالا مؤقتاً في بلاده، وإما عملية ضم تضعه نهائياً تحت سلطة شعب آخر.
وكلا هذين الاحتمالين له خصائصه بالنسبة للشعب الذي يتعرض لهما:
فأما الاحتلال المؤقت فإنه لا يؤثر في حياته إلا بصفة عابرة كمجرد حدث يخضعه مؤقتاً لحاجات جيش أجنبي يفرض متطلباته من حيث الأمن والتموين في البلد المحتل وذلك طبقاً لشروط يهيمن عليها قانون عسكري ينتهي نفوذه مع تصفية الوضع الحربي.
وأما في حالة الضم فإن الأشياء تتخذ اتجاهاً آخر يؤثر في حياة الشعب الذي جرت عليه عملية الضم من الداخل، حتى إنه يغير أحياناً مصيره في التاريخ بصورة مطلقة، وعندما يقع مثل هذا التغيير، فهو يظهر في صورة مجتمع جديد، تكون فيه البناءات الداخلية نتيجة اندماج خصائص الشعبين العنصرية، مصهورة في بوتقة أسرة جديدة، وهذا الاندماج قد يكون أحياناً مطبوعاً بخصائص أحد الشعبين أكثر من خصائص الشعب الآخر، وليس حتماً أن تكون خصائص الشعب الغالبة هي ذاتها خصائص الشعب المنتصر، فالصين على وجه المثال لم تتخذ طابع الشعوب التي احتلت أرضها عبر التاريخ، كالمغول والمندشو، بل هي التي وضعت طابع حضارتها العريقة على تلك الشعوب.
وغالباً ما يكون الاندماج مشتملا على خصائص الطرفين، بحيث يكون أثر كليهما واضحاً فيه، كما وقع في تكوين المجتمع ((السلتي- الروماني)) حيث
стр. 31
اندمجت فيه خصائص العبقرية السلتية والعبقرية الرومانية على حد سواء، بعد واقعة أليزيا، اندماجاً موفقاً رغم الفوارق الجوهرية بين ما يتصف به كلا الطرفين، من مزاج الشمال، ومن مزاج البحر الأبيض.
ولكن مهما تكن النسبة التي تعزى إلى كلا الطرفين في هذا التركيب من الناحية الأخلاقية، فإن النسبة الاجتماعية بينهما تكون دائماً على حد التساوي: فالغالب والمغلوب يتمتعان في النهاية بالحقوق نفسها.
بل وفكرة هذا الازدواج نفسها تنمحي في النهاية، بحيث يسود المجتمع الجديد شعور وحدته، لا شعور ازدواجه، ولا ينشأ هذا الاتزان الاجتماعي من تصريحات خطابية فيها ما فيها من الرياء، بل ينشأ من صميم الواقع، من التعديلات الطبيعية التي يأتي بها التاريخ في صلات شعبين تعارفا في ميدان القتال، ولكنهما التحما في ميدان الحياة، حيث اضطرتهم مشكلاتها إِلى جمع وسائلهم وحاجاتهم ومكاسبهم وخسارتهم.
ومن هذه الاعتبارات العامة، نتصور ما قد يكون الموقف في الجزائر غداة نزول الجيش الفرنسي برأس سيدي فرج: فالجزائر كانت معرضة للاحتمالين اللذين وصفناهما، لولا الاستعمار، فبعد قرن من يوم الاحتلال تبين أن الجيش الفرنسي لم ينزل بأرضنا لاحتلال مؤقت ولا لجرد ((الضم)) بالمعنى التقليدي للكلمتين، لأن الاستعمار أدخل في التاريخ وجهة ثالثة، هي الاستعمار ذاته.
إن نزول الجيش الأجنبي برأس سيدي فرج سنة ١٨٣٠، أعلن حالة الحرب التي دشنت ((الحضور الفرنسي)) بالجزائر، ولكن عبارة ((فرنسي - عربي)) التي صاغها هذا العهد لم تعبر عن الواقع التاريخي الذي نجده تحت عبارة ((سلتي - روماني)) كما تقدم، فما هي إلا تلفيق خطابي لفقه الاستعمار، كي يخفي به حقيقة مجتمع جديد ليس بالعربي ولا بالفرنسي.
وحقيقة هذا التلفيق تظهر عندما نعتبر الأشياء بالنسبة إلى نقطة بداية مناسبة.
стр. 32
فلو اتخذنا سنة ١٨٣٠ كنقطة بداية لتاريخ التطور الاجتماعي بفرنسا والجزائر، لرأينا أن التطور لم يسر في البلدين في نفس الاتجاه.
إننا نلاحظ أولا في بداية هذا التطور، أي عندما لم يكن النمو العلمي والصناعي قد أثر في الحياة الاجتماعية ولم يحدد بعد صورتها الجديدة، هنا نجد مستوى المعيشة للشعبين متساوياً. وربما وجدنا الشعب الجزائري يتمتع بيسر مادي أكثر من الشعب الفرنسي، حيث كان الإِنتاج الزراعي متوفراً نسبياً في الجزائر أكثر من فرنسا، كما تدل على ذلك: الصفقات التي عقدتها الحكومة الفرنسية في عهد ((الإدارة Directoire)) مع شركة تصدير جزائرية يديرها يهوديان، وكان الإِنتاج العقلي أوفر بفرنسا حيث كان الشعب الجزائري يتمتع بكل ما ينتج تراب خصب، والشعب الفرنسي يتمتع بكل ما تنتجه حضارة في قمة انطلاقها.
ولكن سرعان ما وضع الاستعمار يده على كل الثمرات التي ينتجها التراب الجزائري، والتي كانت تتيح العيش الرغد لكافة الشعب الجزائري، لأن تعاليم الإِسلام لا تترك عنده مجالا لفكر ((الطبقات)) ولظاهرتها، مع ما يتبعها من نتائج متناقضة، تلك المناقضات التي شوهت المجتمع الغربي، حيث كان، ولا يزال أحياناً، يجمع بين الرفاهية المفرطة والبؤس، بين الإنتاج الزائد عن الحاجات والنقص الفظيع في الغذاء.
والاستعمار يحاول طبعاً تفسير كل الثمرات التي تنتجها الأرض الجزائرية على أنها ثمار جهده وعبقريته، فهو في هذا ينطبق عليه معنى المثل الشعبي، حين حاول ((تغطية الشمس بالغربال)).
ومهما يكن، فقد كان في استطاعة الشعب الجزائري سنة ١٨٣٠، على الأقل أن يقتفي خطوات الشعب الفرنسي، عبر قرن البخار والكهرباء.
بينما نرى في نهاية الأمر، أن الشعب الفرنسي يصل وحده إلى عتبة العهد
стр. 33
الذري .. ونجد الشعب الجزائري قي قافلة المتخلفين، بعيداً عن جبهة التطور العالمي ... لم يخرج بعد من مرحلة الأمية.
وعندما نعبر عن هذا الواقع بلغة النسبية، فإننا نقول إن قرنا من ((حياة مشتركة)) لم يخفض من التخلف بين الشعبين بل زاد فيه، وفي هذه اللغة نتصور الأشياء خلال القرن الذي مضى كأن الشعب الفرنسي انطلق إلى الأمام، بينما الشعب الجزائري رجع إلى الوراء.
وهذا التخلف بين الشعبين يبدو بطبيعة الحال في الحالة الثقافية في البلدين، ويمكن توضيح هذه الحالة ببعض الأرقام التقريبية إذ ليس لدينا الاحصائيات الأخيرة المتصلة بالموضوع.
فلنذكر أن عدد الطلبة الجامعيين يبلغ تقريباً ٣٠٠،٠٠٠ طالباً بفرنسا، بينما لا يبلغ عددهم في الجزائر ٣٠٠ على وجه التقريب، وإذا كان لهذا الرقم معنى من حيث الكم فإن الواقع يكشف وراءه حقيقة الأمر من حيث الكيف.
وعلى سبيل المثال، فإِنني أشك في أن العرض الذي نشرته جريدة ((الجمهورية الجزائرية)) في عددها الأخير (١) قد يجد صدى لدى بحار جزائري واحد، لأن الاستعمار وضع كل النشاط البحري تحت تصرفه، تطبيقاً لما يسمى قانون ((احتكار الراية))، وهذا الاحتكار قتل في حينه النشاط البحري الجزائري الذي لا ينكر - رغم إِنكار الاستعمار له كي يبرر بذلك نظرية ((الاستعمار المحضر)) - حيث كان صيته معروفاً في الأوطان حتى أن الاستعمار نفسه يدعي أنه إنما أتى لوضع حد لما يسميه ((القرصنة الجزائرية)).
وربما استطاع من يريد التسلية والترفيه العقلي أن يجمع هكذا أقوال الاستعمار المتنافية كي يبطلها الواحد بالآخر.
ومهما يكن في الحقيقة من شأن ((القرصنة الجزائرية))، فالشيئ الواضح
стр. 34
أن الجزائريين وجدوا أنفسهم مطرودين من الملاحة بقانون ((احتكار الراية))، وسار الأمر على هذا المنوال في كل الاتجاهات الأخرى، أي في جميع ميادين النشاط التي تتطلب تدريباً مهنياً ومعرفة فنية.
وهذا الوضع يظهر على وجه الخصوص في صورة أي مدرسة مهنية في مدينة من مدن الجزائر اليوم، فإن المدرسة تضم عدداً من الأقسام يناسب عدد الصناعات الموجودة غالباً في الوطن، ولكن الطالب الجزائري يوجه فيها إلى قسم صناعة الخشب على وجه الخصوص، أي إلى صناعة غير مربحة لأن السوق مكتظ بمن يشتغل فيها، بينما يوجه الطالب الأوروبي إِلى الصناعات الميكانيكية التي لها رواج ومستقبل.
وهذا التوجيه ليس من محض الصدف، بل من أثر التوجيه العام للتعليم ((الأهلي)) لأن هذا التعليم ليس موجها في مبدئه لتكوين أطر من الفنيين في الوطن أو إنشاء قيادة صناعية فيه، هو لا يستهدف خلق نخبة مثقفة، وإنما تكوين نواة من برجوازيين صغار يحملون الشهادات، وبالإضافة إلى هذا فإن الثقافة ((الأهلية)) مقدرة بحيث لا تخرج من حدود معينة، وإذا ما أبديت رغبة أو ظهر استعداد في اتجاه خدمة الآخرين، في صورة عمل خيري أو نشاط سياسي، أو في صورة اهتمام علمي، فإِن الصاعقة تنزل على (المجرم) الذي يبدي هذه الرغبة، والجحيم يحيط به من كل جانب.
وإِذا ما أبدى (المثقف) أي اهتمام بالهندسة أو بالآلة المتحركة فإن ثمن الإدانة لا يقل عن ذلك.
فمنذ سنتين نشرت صحيفة ((التيمس)) مقالة رئيسية عن الموقف في تونس مشيدة بالعلاقات الحسنة بين الفرنسيين والتونسيين، فأشارت إلى أن هذه العالاقات قد نجحت ((لأن التونسيين المثقفين يتصفون بالميل إلى الأدب أكثر منهم إلى التكنيك .. )).
إن الإنجليز مشهورون بالمزاح ... فلعل الصحيفة اللندنية كانت تمزح ..
стр. 35
ولكن عندما يتناول هذا البرهان ولي عام سابق، ويظهر لنا كما فعل أخيراً، تعجبه من العدد القليل للطلاب المسلمين المنتسبين إلى كلية العلوم بالجزائر، وعددهم لا يزيد فعلا عن أصابع اليد، فإننا نشعر بثقل هذا المزاح، فلدينا سوابق تذكرنا كيف يفتك بعائلتنا، حين حاولنا بالقدر الصغير الممكن الخروج من حدود ((الثقافة الأهلية)) والقيام بمجهود ما في سبيل تحضير أنفسنا بأنفسنا.
ولا يمكن أن نصور هذه الحالة الدرامية بطريقة أحسن من الإِشارة إلى جانبها المضحك، فهناك قصة طريفة ترددها الألسنة في مدينة تبسة، فقد دعي جزائري كان يطلب وظيفة في الإِدارة الخاصة بالشؤون الأهلية، للمثول أمام الحاكم الفرنسي كي يختبره، وبعد أن خرج الجزائري من مكتبه سجل الحاكم هذه الملاحظة، ((فكر خطير: إنه يعرف الحساب إلى العشرة)).
ومهما يكن في الأمر، فثمرة هذه ((الثقافة الأهلية)) شاخصة اليوم في حالة البلد الثقافية، حيث تدل دلالة واضحة على أن الخرق قد اتسع، وأن تخلف أولئك المساكين ((الذين يحسنون الحساب إلى العشرة)) بالنسبة إلى التطور العام في القرن العشرين قد تفاقم.
وأعراض هذا التفاقم ليست واضحة في المستوى الفكري- مستوى النخبة المثقفة- فحسب، بل هي واضحة أيضاً في المستوى الاجتماعي: مستوى الجماهير الكادحة بل الجماهير العاطلة ..
وفي هذا المستوى نجد أسباب التفاقم قد تضاعفت، حين أضيف التعطيل الضخم الذي فرضه الاستعمار على حياة الشعب المستعمر، إلى أسباب داخلية ناتجة عن الجمود الكبير الذي كبل تلك الجماهير بمرض القابلية للاستعمار.
ففي سنة ١٨٣٠ كان الشعب الجزائري يعيش منذ زمن بعيد في حالة شبه نباتية، لقد كان يعيش من أجل المحافظة على كيانه فقط دون تطور ولا تقدم، بل كان يفقد مفهوم التقدم ذاته- ذلك المفهوم الذي يعتبر من ثمار الفلسفة التي
стр. 36
تبعت عهد دروين- قد كان يفقده لأسباب عامة سنذكرها في دراسة أخرى ربما تنشر قريباً (١).
ولكن الاستعمار أتى وأضاف، في ظروف مناسبة جداً إلى هذه العوامل الداخلية ووطأتها الشديدة، ظروفاً تسارعت فيها عوامل التعجيل، وقد بدأت عملها في تطوير الشعوب المعاصرة ... منذ سنة ١٨٣٠ تقريباً، حين بدأت تظهر فيه النتائج الاجتماعية للحركة العلمية العصرية وللتصنيع.
فالشعب الجزائري حرم من النتائج هذه كلها، لأن رفع مستوى المعيشة في أوروبا، ورفع المستوى الثقافي، مع النتائج التي حققتها الحركة النقابية، مع تحديد حقوق العامل، كل هذه الأشياء تحققت بعد نزول الاحتلال برأس سيدي فرج، أي بعد حدث يعتبر رئيسياً سواء بالنسبة للشعب الجزائري، أم بالنسبة للشعب الفرنسي، الذي سيجد نفسه مندفعاً في تيار التعجيل بالوسائل العلمية والصناعية التي أشرنا إليها، ومن بينها الوسائل التي حصل عليها باحتلال الجزائر، في الوقت الذي سيجد الشعب الجزائري نفسه محروماً من تلك الوسائل وبسببها محروماً من وسائل العلم والصناعة.
فمن هذه الناحية، يمكننا فعلا أن نعتبر الوضع الاستعماري في البلد كعملية حجر على موارده كلها لحساب المستعمِر وحده: عملية حجر في صورة شركة مساهمة يحمل أسهمها الأوروبيون فقط ويديرونها لمصلحتهم فقط، فكان لهذا الانفراد الأوروبي بالمصلحة الجزائرية، أن يؤدي بطبيعة الحال إلى وضع يحمل نزعة ضد ((أهالي)) البلد، كما تؤدي إليه في أقصى نتائجها تلك اللائحة التي وجهها الملك شارل العاشر إلى الحكومات الأوروبية قبيل الاحتلال وبقيت في تقاليد الكي دورسيه ((وزارة الخارجية الفرنسية)) في تحديده السياسة الاسلامية للحكومة الفرنسية في عهودها الثلاثة: الملكية والأمبراطورية والجمهورية.
стр. 37
ولكن يبدو أن العهد الجمهوري كان منذ سنة ١٨٧٥ أوفى هذه العهود لذلك التقليد، حتى رأينا سنة ١٩٥١ وزيراً فرنسياً، هو المسيو مايير يواجه الانتخابات البرلمانية تحت شعار ((وحدة الأوروبيين)) و ((وفاء المسلمين)).
وهكذا نرى كيف هذا ((الاكسلانس)) الجمهوري يعرف الفرق بين الكع والبع ويلح عليه ...
وعليه، فإِنه لم يبق للشعب الجزائري إلا أن يتبع تطوره الخاص وبدون وسائل تقريباً، على هامش ((وحدة أوروبية))، تدير شؤون بلاده بمفردها.
وما التخلف الذي نشاهده اليوم في تطور الشعب الجزائري إلا نتيجة هذه الإدارة منذ سنة ١٨٣٠، بعد أن نأخذ في الحساب الأسباب التي تعود إِلى القابلية للاستعمار.
***
стр. 38
الْفَوْضَى الْاِسْتِعْمَارِيَّةُ
الشاب المسلم في ٢٦/ ٢/ ١٩٥٤
ــ
كيما يبرر الاستعمار استبداده التام في العالم لابد من تعقيم ثلاثة أرباع الأمة لتصبح غير قادرة على الخلق والإدراك، وهذا التعقيم ليس العملية الوحيدة من نوعها التي ندين بها للاستعمار، بل ندين له بشيء آخر: لقد عقم أيضاً المفاهيم القانونية والقيم الأخلاقية التي قامت عليها، كقواعد عامة، علاقات الشعوب والأفراد.
ومن بين هذه المفاهيم والقيم، تلك القاعدة التي تسير عليها الأحوال الشخصية في كل مجتمع، حين ينصب العرف أو السلطة الشرعية من يقوم بمصالح القاصر حتى يبلغ رشده، شريطة أن لا يسرف في تلك المصالح، إذ عليه أن يتصرف بما يفيد القاصر رعاية لمصالحه وتمريناً له على تدبر شؤونه بنفسه.
وليس مفهوم ((الحماية)) في العرف الدولي الخاص في عهد الاستعمار، إِلا امتداداً لمفهوم ((الحضانة)) في العرف الشخصي، مهما يكن في هذا الامتداد من تعسف نحو حقوق الشعوب المستعمرة.
ولعله من الممكن أن يحدث الانتقال من نطاق القانون الشخصي إلى نطاق القانون الدولي تغييراً ما في صورة المفهوم الذي يجري عليه مفعول هذا الانتقال، ولكن الذي هو غير طبيعي أن يصبح هذا التغيير قلباً لمفهوم الوصاية على القاصر في القانون الشخصي حتى ينعكس معناه في إطار المفهوم الدولي.
إن لدينا في مفهوم ((حضانة)) مقياساً طبيعياً نقيس به من الوجهة الأخلاقية والقانونية، مفهوم ((حماية)).
стр. 39
وإننا محقون في الرجوع إلى هذا الأصل الفقهي، لا سيما ونحن لا نرى من يلجأ إلى الاعتزاز بالقانون واحترام المعاهدات كالاستعمار، يخفي بجمله الرنانة شراسته الملتهمة ولا نرى مثله يعتز بالأخلاق ليخفي بشعاراته نفاقا مرضيا.
على أن الشيء الذي تعارف عليه الناس، هو أنه إذا حدث في تصرف من تسند إليه حضانة قاصر، أي أمر يخل بمصلحة هذا القاصر، فان المجتمع يتدخل باسم العادات كي ينهي فضيحة لا يحتملها العرف وكي يلغي خضانة لا تفي بشروطها.
وهذا التدخل يصبح حاسماً إذا كان الخلل لا يعني فقط الإِسراف في أموال القاصر لحساب مصالح شخصية أخرى، بل يستهدف إبقاء القاصر في حالة قصور، بوسائل غير شريفة، بتزييف إدراكه وفكره، وبتلويث طبيعته.
ففي الحالات هذه جميعها تصبح الحضانة منافية للأخلاق، ويلغى تلقائيا عقدها، طبقا للتقاليد التي تعتز بها الإِنسانية.
ولكن مهارة الاستعمار في إخفاء أو إِنكار الواقع لا يفوقها شيء، كما تدل على ذلك وقائع مشهورة كاختطاف الملكة رنافالو، ملكة مدغشقر (١) وكقصة ملكة أخرى حكمت كوريا قبل الاحتلال الياباني، أو كما تدل أعمال لصوصية أخرى يفسرها الاستعمار على أنها عقود ومعاهدات كميثاق ((الجزيراس)) الذي قرر مصير مراكش وفتح هذه البالاد للاستعمار، أو عقد قصر الباردو الذي وضع تونس تحت الحماية الفرنسية.
كما أنه لمن المهارة أن يضفي الاستعمار على عمليات استغلال وقرصنة ألقابا رنانة مثل ((رسالة تحضير)).
ولكن الاستعمار لا يقتصر على هذه المهارة بل يتعداها إلى النكران السافر للواقع الملموس، فالمستعمرون لا يقتنعون بمجرد الإِسراف في ثروات الشعوب
стр. 40
التي تضعها حظوط سيئة تحت ((حضانتهم)) إنهم لا يقتصرون على أن يكونوا مسرفين في أموال ((القُصَّرْ)) ليذهبوا يوما- وفي بطونهم حقوق مهضومة وفي وجوههم شيء من الخجل- حين تحل بهم لعنة الخلق وإدانة العدالة، ويخزيهم الناس بما ارتكبوا من اختلاس ومن إسراف. فالاستعماريون ليسوا بسطاء ليقفوا هذا الموقف لذا تراهم بعد اختلاس مصالح ((القاصر)) الذي وضعه سوء حظه تحت ((حمايتهم)) يختلسون ذاته فيقررون أنه ((قاصر)) إلى الأبد، وبذلك يفقد مفهوم ((الحضانة)) نفسه معناه الشرعي والأخلاقي ويمسخ في مصطلح ((حماية)).
ومن الوقائع التي تدل على هذا المسخ الذي يعقم مفهوما من المفاهيم ويسلبه كل محتواه الأخلاقي وكل مضمونه الإِنساني، نقتطف واقعة صغيرة نوهت بها الصحافة منذ سنتين، عندما قدرت السلطات الامريكية القائمة ببناء القواعد العسكرية بمراكش، أن تكون أجور العمال المراكشيين الذين تستخدمهم، هي نفسها الأجور التي قدرتها للعمال الآخرين من الأجانب ...
حسنا فهذا أمر قد يسعد ((سلطات الحماية)) في مراكش، حيث أنه يحقق لرعاياهم، أو ((القُصَّر)) الذين وضعهم الحظ في حضانتهم، ما يستحقون وما يرغبون من أجور ...
حسنا! ... ولكن سرعان ما تقدم المقيم العام الفرنسي بالرباط للسلطات الأمريكية لا بالشكر على حسن المعاملة للرعايا الموضوعة تحت رعايته، ولكن تقدم بالاحتجاج ... محتجاً بأن الأجور قدرت للعمال المراكشيين فوق ما يستحقون! ...
فها نحن إِذا في تلك الحالة الشاذة، التي تتيح لنا مقارنة مفيدة على قاعدة القانون الذاتي، الحالة التي يقوم فيها من وضع ((قاصر)) تحت رعايته، بإجراءات خصوصية كي يسلب هذا القاصر حتى من ثمن عرقه، ومن ثمرة عمله ...