تبعت عهد دروين- قد كان يفقده لأسباب عامة سنذكرها في دراسة أخرى ربما تنشر قريباً (١).
ولكن الاستعمار أتى وأضاف، في ظروف مناسبة جداً إلى هذه العوامل الداخلية ووطأتها الشديدة، ظروفاً تسارعت فيها عوامل التعجيل، وقد بدأت عملها في تطوير الشعوب المعاصرة ... منذ سنة ١٨٣٠ تقريباً، حين بدأت تظهر فيه النتائج الاجتماعية للحركة العلمية العصرية وللتصنيع.
فالشعب الجزائري حرم من النتائج هذه كلها، لأن رفع مستوى المعيشة في أوروبا، ورفع المستوى الثقافي، مع النتائج التي حققتها الحركة النقابية، مع تحديد حقوق العامل، كل هذه الأشياء تحققت بعد نزول الاحتلال برأس سيدي فرج، أي بعد حدث يعتبر رئيسياً سواء بالنسبة للشعب الجزائري، أم بالنسبة للشعب الفرنسي، الذي سيجد نفسه مندفعاً في تيار التعجيل بالوسائل العلمية والصناعية التي أشرنا إليها، ومن بينها الوسائل التي حصل عليها باحتلال الجزائر، في الوقت الذي سيجد الشعب الجزائري نفسه محروماً من تلك الوسائل وبسببها محروماً من وسائل العلم والصناعة.
فمن هذه الناحية، يمكننا فعلا أن نعتبر الوضع الاستعماري في البلد كعملية حجر على موارده كلها لحساب المستعمِر وحده: عملية حجر في صورة شركة مساهمة يحمل أسهمها الأوروبيون فقط ويديرونها لمصلحتهم فقط، فكان لهذا الانفراد الأوروبي بالمصلحة الجزائرية، أن يؤدي بطبيعة الحال إلى وضع يحمل نزعة ضد ((أهالي)) البلد، كما تؤدي إليه في أقصى نتائجها تلك اللائحة التي وجهها الملك شارل العاشر إلى الحكومات الأوروبية قبيل الاحتلال وبقيت في تقاليد الكي دورسيه ((وزارة الخارجية الفرنسية)) في تحديده السياسة الاسلامية للحكومة الفرنسية في عهودها الثلاثة: الملكية والأمبراطورية والجمهورية.
стр. 37
ولكن يبدو أن العهد الجمهوري كان منذ سنة ١٨٧٥ أوفى هذه العهود لذلك التقليد، حتى رأينا سنة ١٩٥١ وزيراً فرنسياً، هو المسيو مايير يواجه الانتخابات البرلمانية تحت شعار ((وحدة الأوروبيين)) و ((وفاء المسلمين)).
وهكذا نرى كيف هذا ((الاكسلانس)) الجمهوري يعرف الفرق بين الكع والبع ويلح عليه ...
وعليه، فإِنه لم يبق للشعب الجزائري إلا أن يتبع تطوره الخاص وبدون وسائل تقريباً، على هامش ((وحدة أوروبية))، تدير شؤون بلاده بمفردها.
وما التخلف الذي نشاهده اليوم في تطور الشعب الجزائري إلا نتيجة هذه الإدارة منذ سنة ١٨٣٠، بعد أن نأخذ في الحساب الأسباب التي تعود إِلى القابلية للاستعمار.
***
стр. 38
الْفَوْضَى الْاِسْتِعْمَارِيَّةُ
الشاب المسلم في ٢٦/ ٢/ ١٩٥٤
ــ
كيما يبرر الاستعمار استبداده التام في العالم لابد من تعقيم ثلاثة أرباع الأمة لتصبح غير قادرة على الخلق والإدراك، وهذا التعقيم ليس العملية الوحيدة من نوعها التي ندين بها للاستعمار، بل ندين له بشيء آخر: لقد عقم أيضاً المفاهيم القانونية والقيم الأخلاقية التي قامت عليها، كقواعد عامة، علاقات الشعوب والأفراد.
ومن بين هذه المفاهيم والقيم، تلك القاعدة التي تسير عليها الأحوال الشخصية في كل مجتمع، حين ينصب العرف أو السلطة الشرعية من يقوم بمصالح القاصر حتى يبلغ رشده، شريطة أن لا يسرف في تلك المصالح، إذ عليه أن يتصرف بما يفيد القاصر رعاية لمصالحه وتمريناً له على تدبر شؤونه بنفسه.
وليس مفهوم ((الحماية)) في العرف الدولي الخاص في عهد الاستعمار، إِلا امتداداً لمفهوم ((الحضانة)) في العرف الشخصي، مهما يكن في هذا الامتداد من تعسف نحو حقوق الشعوب المستعمرة.
ولعله من الممكن أن يحدث الانتقال من نطاق القانون الشخصي إلى نطاق القانون الدولي تغييراً ما في صورة المفهوم الذي يجري عليه مفعول هذا الانتقال، ولكن الذي هو غير طبيعي أن يصبح هذا التغيير قلباً لمفهوم الوصاية على القاصر في القانون الشخصي حتى ينعكس معناه في إطار المفهوم الدولي.
إن لدينا في مفهوم ((حضانة)) مقياساً طبيعياً نقيس به من الوجهة الأخلاقية والقانونية، مفهوم ((حماية)).
стр. 39
وإننا محقون في الرجوع إلى هذا الأصل الفقهي، لا سيما ونحن لا نرى من يلجأ إلى الاعتزاز بالقانون واحترام المعاهدات كالاستعمار، يخفي بجمله الرنانة شراسته الملتهمة ولا نرى مثله يعتز بالأخلاق ليخفي بشعاراته نفاقا مرضيا.
على أن الشيء الذي تعارف عليه الناس، هو أنه إذا حدث في تصرف من تسند إليه حضانة قاصر، أي أمر يخل بمصلحة هذا القاصر، فان المجتمع يتدخل باسم العادات كي ينهي فضيحة لا يحتملها العرف وكي يلغي خضانة لا تفي بشروطها.
وهذا التدخل يصبح حاسماً إذا كان الخلل لا يعني فقط الإِسراف في أموال القاصر لحساب مصالح شخصية أخرى، بل يستهدف إبقاء القاصر في حالة قصور، بوسائل غير شريفة، بتزييف إدراكه وفكره، وبتلويث طبيعته.
ففي الحالات هذه جميعها تصبح الحضانة منافية للأخلاق، ويلغى تلقائيا عقدها، طبقا للتقاليد التي تعتز بها الإِنسانية.
ولكن مهارة الاستعمار في إخفاء أو إِنكار الواقع لا يفوقها شيء، كما تدل على ذلك وقائع مشهورة كاختطاف الملكة رنافالو، ملكة مدغشقر (١) وكقصة ملكة أخرى حكمت كوريا قبل الاحتلال الياباني، أو كما تدل أعمال لصوصية أخرى يفسرها الاستعمار على أنها عقود ومعاهدات كميثاق ((الجزيراس)) الذي قرر مصير مراكش وفتح هذه البالاد للاستعمار، أو عقد قصر الباردو الذي وضع تونس تحت الحماية الفرنسية.
كما أنه لمن المهارة أن يضفي الاستعمار على عمليات استغلال وقرصنة ألقابا رنانة مثل ((رسالة تحضير)).
ولكن الاستعمار لا يقتصر على هذه المهارة بل يتعداها إلى النكران السافر للواقع الملموس، فالمستعمرون لا يقتنعون بمجرد الإِسراف في ثروات الشعوب
стр. 40
التي تضعها حظوط سيئة تحت ((حضانتهم)) إنهم لا يقتصرون على أن يكونوا مسرفين في أموال ((القُصَّرْ)) ليذهبوا يوما- وفي بطونهم حقوق مهضومة وفي وجوههم شيء من الخجل- حين تحل بهم لعنة الخلق وإدانة العدالة، ويخزيهم الناس بما ارتكبوا من اختلاس ومن إسراف. فالاستعماريون ليسوا بسطاء ليقفوا هذا الموقف لذا تراهم بعد اختلاس مصالح ((القاصر)) الذي وضعه سوء حظه تحت ((حمايتهم)) يختلسون ذاته فيقررون أنه ((قاصر)) إلى الأبد، وبذلك يفقد مفهوم ((الحضانة)) نفسه معناه الشرعي والأخلاقي ويمسخ في مصطلح ((حماية)).
ومن الوقائع التي تدل على هذا المسخ الذي يعقم مفهوما من المفاهيم ويسلبه كل محتواه الأخلاقي وكل مضمونه الإِنساني، نقتطف واقعة صغيرة نوهت بها الصحافة منذ سنتين، عندما قدرت السلطات الامريكية القائمة ببناء القواعد العسكرية بمراكش، أن تكون أجور العمال المراكشيين الذين تستخدمهم، هي نفسها الأجور التي قدرتها للعمال الآخرين من الأجانب ...
حسنا فهذا أمر قد يسعد ((سلطات الحماية)) في مراكش، حيث أنه يحقق لرعاياهم، أو ((القُصَّر)) الذين وضعهم الحظ في حضانتهم، ما يستحقون وما يرغبون من أجور ...
حسنا! ... ولكن سرعان ما تقدم المقيم العام الفرنسي بالرباط للسلطات الأمريكية لا بالشكر على حسن المعاملة للرعايا الموضوعة تحت رعايته، ولكن تقدم بالاحتجاج ... محتجاً بأن الأجور قدرت للعمال المراكشيين فوق ما يستحقون! ...
فها نحن إِذا في تلك الحالة الشاذة، التي تتيح لنا مقارنة مفيدة على قاعدة القانون الذاتي، الحالة التي يقوم فيها من وضع ((قاصر)) تحت رعايته، بإجراءات خصوصية كي يسلب هذا القاصر حتى من ثمن عرقه، ومن ثمرة عمله ...
стр. 41
فهل من حاجة إلى القول بأن مفهوم ((الحضانة)) قد مسخ البتة في مثل هذه الحالة، وأننا نجد أنفسنا فيها أمام وضع مثير بما يحتوي عليه من شذوذ.
هذا الوضع هو الصورة الحقيقية لموقف الاستعمار إزاء مصالح الشعوب المستعمرة المعنوية والمادية.
وعندما نعبر عنه بمصالح القانون الذاتي- كما فعلنا هنا- ندرك أنه موقف لا يتلاءم مع أي مفهوم شرعي.
والواقع أن الاستعمار يذهب إلى أبعد من ذلك في الشذوذ.
فهو لا يستهدف تحطيم ((القاصر)) ماديا فقط، بتطبيق ما يتطلب هذا التحطيم من اختلاسات حقوق، وسلب أملاك، وفرض مخالفات مشتركة، وضرائب من كل نوع، ومن تنمية البطالة في البلاد إلى درجة لا يتصورها العقل .... إن هدفه أبعد من ذلك، فهو يريد تحطيم كل إرادة أو شبه إرادة تدفع الإِنسان المستعمَر إلى التقدم والحضارة، ببرنامج يتضمن كل ما يتطلبه هذا التحطيم العنوي، من تلويث أخلاقي يحط أولا من قيمة الفرد الشخصية، ومن كفاءته، ومن جهده في المسابقة الاجتماعية، لأن هذه المسابقة تجري بحيث تكون المحسوبية هي الشرط الوحيد للنجاح فيها، كما أن الشرط الوحيد للنجاح في الانتخابات في البلاد المستعمرة هو رضاء الادارة الاستعمارية على الذي يفوز فعلا ويلقب ((النائب الحر)). كما تصبح من ناحية أخرى المخدرات والكحول مؤسسة من مؤسسات الحكم، لا يقف أحد إِزاءها موقفاً عدائياً إلا ويعرض نفسه كيما يُعَلَّمَ عليه في ملفات البوليس بأنه ((شخص خطير)).
إنه يمكننا أن نلخص هذا الجانب في كلمة واحدة: إنه أيسر على ((القاصر)) أن يحصل من السلطات الاستعمارية على رخصة فتح مقهى من أن يحصل على رخصة فتح مدرسة. وحتى رخصة المقهى فإنها خاضعة لبعض الشروط: يجب أن يكون المقهى ميدانا معدا لكل ما يخالف الأخلاق من قمار، ولكل عمل مشبوه
стр. 42
فيه، وإلا ... فإنه يغلق أبوابه بأمر من السلطات الاستعمارية ... عند أول فرصة.
لقد استمعت، سنة ١٩٣٢، إِلى محاضرة في أحد المعابد البروتستانتية بباريس، يذكر فيها المحاضر، في نطاق حديثه عن العالم الإِسلامي، القصة الغريبة التي حدثت لمقهى عربي، بإحدى ضواحي العاصمة: فصاحب المقهى كان لا شك مسلما يعمل بأوامر دينه، حين لا يتعاطى المشروبات المسكرة، ولا يسمح بالقمار في محله ... وسرعان ما وجد نفسه، هذا ((الشخص الخطير)) في مضايقات أحاطه بها البوليس في كل يوم.
ولقد أدرك هذا الرجل خطورة انتهاج سبيل الفضيلة فتركه ليمشي في سبيل الرذيلة، حينئذٍ تركه البوليس يتنفس.
فنحن ندرك على ضوء وقائع كهذه، الخطة السرية- ويكاد السر هنا يكون مكشوفا- التي يتبعها الاستعمار لتلويث المستعمَر والحط من كرامته، حتى لا يبقى له أي استعداد ولا عدة للتطور إِلى ما هو أحسن أدبياً ومادياً.
وهكذا ... كلما وضع الاستعمار الترتيبات اللازمة لإفقار المستعمَر مادياً، فإنه يتبعها بالترتيبات الخاصة بتلويثه الأخلاقي، ليزيد الافقار والتلوث معاً في اتساع الهوة التي يجعلها أمام ((القاصرة)) حتى لا يستطيع بلوغ رشده أبداً.
وهكذا ندرك لماذا يفضل الاستعمار شيئا من الغموض حول مواقفه إزاء قضية تحرير الشعوب المستعمرة، حتى إذا اضطرته الظروف الدولية للحديث في مثل هذا الموضوع، فإِنه يفضل أن يتحدث عن ((مراحل التحرر اللازمة)) دون أن يحدد طبيعة هذه المراحل ولا مدتها. هذا بالنسبة إلى المستوى الدولي، أما بالنسبة إلى علاقة ((الحامي)) بـ ((القاصر)) مباشرة، فإن الأشياء تكون على جانب أكثر من الوضوح: فكل مطالبة من قبل ((القاصر)) للمستعمر كيما يعترف برشده يعتبر خروجاً عن الطاعة، وصاحبه يرتكب في نظر الاستعمار، أو في أقواله،
стр. 43
جريمة ((التعصب)) و ((العنصرية)) والحقد على الأجنبي، أي أنه يتهم بارتكاب تلك الجرائم التي تضع صاحبها تحت رحمة قانون قمع يطبق بصورة رسمية في محاكمات مزعومة، أو عن طريق التنفيذ الخاص، حين تطبق ((القانون)) إما ((يد حمراء)) وإما ((يد بيضاء)) كما تنقل لنا الصحافة من حين إلى آخر.
وفي مثل هذه الظروف قد يتعرض ((القاصر)) إلى القتل الشنيع بكل بساطة مثل فرحات حشاد وهادي شاكر.
القضية في منتهى الوضوح إذن، في نطاق الأحوال الشخصية، فكل موقف يتضح فيه شذوذ ((الحاضن)) فإنه يؤدي قطعاً وعلى الفور إلى نتيجة قانونية محتمة: إلغاء عقد الحضانة لأنه أصبح مخالفاً للشرع وللأخلاق.
بينما نلاحظ عندما ننقل هذه الاعتبارات من الأحوال الشخصية إلى السياسية الدولية نلاحظ أنها لا تؤدي مفعولها، كأن الأشياء تفقد جذرياً معناها، وكأن المقاييس الأخلاقية تنعكس، فتصبح سلبية، لأن الاستعمار انفك عن كل المبادىء والتقاليد التي صاغت منها الإِنسانية مقاييسها.
وفي عصر تملؤه فوضى الاستعمار، فإن هذا الانقلاب في عالم المفاهيم الموروثة، يزيد في الطين بلة، حتى أننا أصبحنا عاجزين عن تفهم بعض الكلمات عندما يصرح بها رجل الدولة، ولا ندري هل هو ينطقها عن جد وعقيدة أو لمجرد الحرفة الخاضعة للاعتبارات الدبلوماسية وفي حين كنا ننتظر من هذه الكلمة ذاتها، مع مرونتها أو ميوعتها أحياناً، أن لا تتحدى الأخلاق والذوق السليم، إذا بنا نشعر بهذا التحدي كلما تكلمت الدبلوماسية بلغة تنعكس فيها فلسفة الاستعمار أو يتكلم بها من يعبر عن روح الاستعمار بصورة ما.
إننا لا ندعي حق التعقيب على سياسة فرنسا الخارجية مثلا، ولكن لا يمكننا أن نمر دون أن نعير بعض الاهتمام لمواقف وزير خارجيتها، عندما تكون تلك المواقف معبرة عن اهتمامه بشأننا، بصفتنا مسلمين، ذلك الاهتمام الذي
стр. 44
أدركنا معناه في التصريحات التي يدلي بها في بعض المناسبات، كإبعاد الملك محمد الخامس عن عرشه. وإننا لا نذكر هذا الحادث كعمل سياسي- إذا صح أن نعبر عن جريمة عشرين أغسطس بهذه الطريقة- بل كمثل نرى فيه إلى أي حد يبلغ احتقار الاستعمار لكرامة الإنسان حتى في التفاصيل الطفيفة، إذ لم يتح للملك في تلك المناسبة المذهلة أن يرتدي ملابسه وهو يقاد قسراً إلى مغادرة وطنه، وإلى أي حد تبلغ إهانة هذا الوطن الكريم في اليوم الذي يغتصب منه ملكه، ويفقد بذلك آخر رمز لسيادته .... باسم الديمقراطية. إننا نتساءل ماذا تعني هذه الكلمة في لغة المسيو بيدو في المناسبات الأخرى، حيث من الواضح أنه لم ينطق بها إلا هذه المرة.
إننا نراجع بعض تصريحات هذا الوزير، مثل التصريح الذي نقلته لنا صحيفة لوموند في عدد يوم ٢/ ٢/ ١٩٥٤ حيث يقول خليفة ريشليو ((أنه ليس من المنطق، ولا من سياق الكلام، ولا من مقتضيات الزمان أن تفرض معاهدة سلم على المانيا فرضاً)).
حسناً، فهذه كلمات تعبر دون ريب عن نظرة ديمقراطية واضحة، ولا تشوبها شائبة، ولا غبار عليها، شريطة أن نستطيع تحويلها إلى مضمون تاريخي آخر دون أن تفقد معناها. إذ هذه الكلمات سوف تكون أكثر وضوحاً لو أن الفضل في نصر الديمقراطية في معركة كسينو يعود إلى المسيو أديناور والشعب الألماني لا إلى الجنود المراكشيين من رعايا محمد الخامس، هؤلاء الرجال الذين يمثلون وطنا لم يرع فيه مسيو بيدو ما رعاه في ألمانيا. إنه لم يقل بصدده ((انه ليس من المنطق، ولا من سياق الكلام، ولا من مقتضيات الزمان)) أن تفرض عليه تلك الجريمة، يوم ٢٠ أغسطس (١) الأخير.
حقاً .. إن فوضى الاستعمار تبلبل المفاهيم، وتزيف الواقع وتذبذب الكلام. ولكن الذروة في هذا كله نبلغها عندما يحاول الاستعمار تعقيد الأشياء التي سلبها
стр. 45
قواعدها، وصيرها شواذاً لا تتصل بقاعدة. إننا نبلغ الذروة عندما نرى الاستعمار يحاول إدخال هذا الشذوذ تحت حكم قواعد يضعها هو. وهكذا تمر هذه الأيام بمحاولة من هذا النوع أو بالأحرى تمر بمحاولات لربط هذا الوضع الشاذ بقواعد يطلق عليها منوني ((الموقف الاستعماري)).
وعندما تتصل هذه المحاولات بالمستوى الفكري، فإنها تدهشنا، لأنها تكشف لنا إِلى أي حد تبلغ السلطات الاستعمارية في تعذيب المفاهيم الشرعية وتدليسها كي تفتعل منها القواعد اللازمة للكائنات الشاذة التي ولدها الاستعمار مثل ((السيادة المشتركة)) (١).
فهذا المفهوم الجديد هو أحد تلك الكائنات التي تكونت في ذلك المناخ الخصب من الشذوذ الذي وُلدَ الاستعمار فيه وَوَلَّد. فمن طرائف الطبيعة ما يحكى عن ذلك الطير الذي يبيض بيضاته في عش غيره من الطيور بعد أن يلقي ما يوجد به من بيض على الأرض، فيكون صاحب العش مضطرا هكذا على قبول ما يفرخ في عشه من غير صلبه.
فالاستعمار ليس بالضبط مثل هذا الطير الغريب لأنه لا يحتل فقط عش غيره، بل يحتل أيضا ما ينتجه الشعب المستعمَر من يد عاملة بلا ثمن، كي يسخرها في حقل ((رسالته الحضارية)) على حد زعمه.
إنه لا يسلب الشعب المستعمَر أشياءه فقط بل يستولي أيضا عدى نفسه، وهذا الاختلاس المزدوج هو ما يحاول أن يخفيه بكلمة جديدة ((السيادة المشتركة)) كما لو قال الطائر المختلس: ((العش المشترك)).
ولو رجعنا بهذا المفهوم الجديد إلى المقاييس المستعارة من الأحوال الشخصية، كما سبق إليها الإشارة، فإِننا نجد أنفسنا في الحالة التي يكون فيها من أسندت له الحضانة قد تعمد التزييف، ليسلب ((القاصر)) بعض حقوقه، من ناحية، وليدلس على الرأي العام من ناحية أخرى ..
стр. 46
الْفَصْلُ الثَّانِي
فِي السِّيَاسَةِ
• حقد على الإسلام
• الملك محمد بن يوسف ((يعترف))
• بلا خوف ومن دون تأنيب
• من المؤتمرات إِلى المؤامرات
• من مؤتمر كولومبو إلى مؤتمر جنيف
• أقلام وأبواق الاستعمار
• رجل ووجهان
• بصيص الأمل
ــ
стр. 47
حِقْدٌ عَلَى الإِسْلَامِ
الجمهورية الجزائرية ١١/ ٩/ ١٩٥٣
ــ
إن جلالة الملك محمد الخامس احتل نهائيا مكانا سامياً في ذكرى الأجيال المقبلة، ودخل زمرة الوجوه الكبيرة التي تشع في التاريخ نور الإسلام.
إِن الأحداث التي جرت في مراكش أخيراً لا زالت نتائجها معلقة، في تلك المأساة التي تتخللها أحيانا تفاصيل مضحكة ... ولكن هذا الجانب المضحك يشعرنا أن من أراد أن يضحك في هذه القصة ... على غيره، قد بدأ يشعر أنه أضحك الغير عليه.
إن هؤلاء القوم الذين صنعوا المسخرة، والذين لا نعرف هل يصح أن نعتبر على رأسهم الاستعمار الفرنسي الذي يتزيا بزي الأكاديمي (١)، أم الاشتراكية الفرنسية المتحلية بحلية قصر الإيليزيه (٢) - تلك الاشتراكية التي أظهرت في مناسبة أخرى كيف تجيد لغة الصعاليك (٣) - إن هؤلاء القوم اعتقدوا أنهم سوف يصنعون تاريخ الوطن المراكشي بنسج بعض القصص مستوردة من مدينة مراكش (٤).
ومن الطبيعي أن يفكر هؤلاء القوم في إضفاء ((اللون المحلي)) على هذه القضية ... وفكرت الكي دورسيه (وزارة الخارجية الفرنسية) فعلا في تجنيد كل من يمت بصلة إلى صبغة الحقيقة وصناعة الأوهام
стр. 48
في صفوف الصحافة الكبرى، كي يوهموا الناس أن القضية لا تخرج عن نطاق ((أزمة مراكشية داخلية)) ليس للاستعمار الفرنسي فيها ناقة ولا جمل.
وعلى هذا شرع الكي دورسيه في توزيع الأدوار على ((رؤساء من الأهالي)) ... ولكن الاستعمار الفرنسي لا يتمتع بمخيلة كبيرة، حتى إنه لا زال يعيش على الأسلوب الذي نعرفه في القرن التاسع عشر.
وهكذا فإنه اكتشف أولا لصين يستطيع تسخيرهما لأي شيء يريده ... ثم شخصا ثالثا مستعداً لقبول ما يوضع في كفه.
وهذا الثالوث المزركش دخل كثالوث ((فراتليني)) المشهور في عالم السيرك، دون أن يكون لهم ما لهؤلاء البهلوانات من كرامة، دخل هذا الثالوث في حلبة التمثيل حيث يقوم أحدهم وهو في مرحلة بدائية لا تحركه إلا الدوافع المنحطة أو المصالح المشبوهة كرجل يتاجر في ((الرقيق الأبيض))، أو كباشا ولاه الشيطان على مدينة مراكش، فهذا الرجل تولى دور ((المراقب الأخلاقي)) في القصة التي أخرجها لنا الاستعمار، وهكذا برز شخص الجلاوي.
ثم وزع الدور الثاني- دور ((الفقيه العارف بحدود الله)) على فرد منحط من الطبقة البرجوازية، نكون قد وصفناه بوصفه الحقيقي إذا قلنا ما يتمتع به من احتقار أهالي مدينة فاس، مسقط رأسه .. وهكذا نعرف شخص الكتاني.
أما الشخص الثالث، الذي قذفت به يد قوية في حلبة المسرح كي يقوم بدور الملك ... في هذه القصة، فهو مستعار من تلك الفئة من الجمهور الفاسي ... التي تتمتع بالجسم الدسم المشحم، والتي نراها كل صباح تهرع في سوق اللحوم وبيدها السلة ... أعني أنه شخص لا يستحق أن نسميه.
فهذا هو كل الجهاز .. وعلبة الصبغة المجهزة لإِعطاء القضية ((اللون المحلي)).
وظن الاستعمار أنه سيوهم الناس بهذا الجهاز، يوهمهم بأنها ليست قصة ملفقة، ولعبة معدة، وتمثيلية موضوعة، بل هي التاريخ نفسه .. بلحمه وعظمه!!
стр. 49
ولكن هذا لم يخف الحقيقة .. لأن أذن الاستعمار كانت مكشوفة .. فلم يتوهم أحد كما كان يُراد إيهامه، سواء بباريس أو بالرباط أن الجيوش التي طوقت القصر الملكي، وأن المدافع التي صوبت إلى المدينة العربية، وأن الدبابات المستعدة للطوارىء .. وأن ... وأن كل هذا الجهاز الحربي المعد بكل وضوح ضد الملك وشعبه ... ما هو إلا ((إرادة الشعب المراكشي)).
ولكن ما منع هذا الوضوح الصحافة الكبيرة من أن تتابع فضيحتها فيتكلم أحد المراسلين عن ((المبايجة)) ويعني لا شك ((المبايعة)) دون أن يدرك معنى هذا المفهوم، ثم يتكلم عن الترتيبات الحربية التي اتخذتها السلطات، ضد الشعب المراكشي، ثم يعود إلى الدرس الذي لقنته لهم السلطات، فيكتب: ((إن الشعب المراكشي قد اختار الملك الجديد، في حرية تامة)).
ولكن يبدو أن هذا الاستنتاج المولد لم يخف الحقيقة عن نظر صاحبه على وجه الخصوص، إذ نراه، كأنه ينتقم لضعف منطقه وفشل محاولته، فينتقم بالخساسة المعروفة عن أمثاله، ينتقم من شخص الملك بالكلام السخيف عن ((حريمه)) (١).
ومما يجب ملاحظته، أنه كلما فقد الأدب الاستعماري أنفاسه، وبرهانه، فإنه يلجأ إلى خردة ((الكليشيهات)) القديمة، فيتهم الخصم بـ ((تعدد الزوجات)) و ((الحريم)) و ((التعصب الإِسلامي)) و ((الشيوعية)) ... هذا إذا قرر الاستعمار إعدام حشود بشرية بكاملها. أو يتهمه بـ ((النزعة الأمريكية))، إذا أراد أن يغتال رجالا مثل فرحات حشاد.
وربما يريح أعصاب مراسل جريدة استعمارية فرنسية أن يتحدث عن ((زوجات السلطان)) وعن ... أنه بصاق الحقد الطاغي.
وهناك أصحاب السر، العارفون الوارثون بنص العقد الصريح الذين
стр. 50
ورثوا الجمهورية الثالثة (١)، والذين يتفضلون في كل أسبوع في جريدة محلية؛ بالإِدلاء بإرشاداتهم للجمهورية الرابعة.
وهم مجدون في ذلك، بل وربما هم مخلصون بإخلاصهم إلى مصالح معينة، فهم على كل حال لا ينخدعون لمهزلة مراكش.
ولكنهم ينخدعون بمجرد ما يحاولون تحليل الموقف بمراكش، فهم يرون في كل ما حدث يد الجامعة العربية، أما الأمية والبطالة والبؤس، كل هذه الأمراض التي تجعل شعوب شمال أفريقية الثلاثة تعيش دون كفاف الحياة، وحيث يريد الاستعمار أن يبقيها فيه، لأنه يرى في ذلك الطريقة الوحيدة لبقائه، إن هذه الأمراض ما هي في نظر هؤلاء العارفين، إلا الأسباب المصطنعة التي تبرر بها موقفها ((نخبة تستعجل استلام الحكم)).
فهذا هو المآل المخزي الذي يؤول إليه التفكير عندما يتجرد من الوازع الأخلاقي ويجرد منه الأمور الإنسانية، إذ يؤول إلى استنتاجات مدهشة، حتى يكاد منطقهم يقرر أن المجازر التي وقعت بتونس، والمذابح التي حدثت بمراكش والتصفيات التي صفت الشباب الجزائري بالنار، إن كل هذا ما كان إلا من عمل الضحايا أنفسهم، ضحايا تلك المجازر وتلك المذابح وتلك النار.
ومن نتائج هذا المنطق الغريب، إذا قسنا على منواله أن نقول ((إن الملك فضل أن يتنازل عن الحكم، وهو ذلك الوجه الفريد في نبله بين صفوف النخبة المغربية، لأنه من تلك النخبة التي تستعجل استلام الحكم .. )).
إن منطق الاستعمار يسلب الأشياء معناها، حتى تصير بعيدة عن الفهم.
ولكن الواقع يبقى فوق كل التأويلات، فهو يتكلم بلغته الواضحة، المضبوطة، التي لا تحتمل المناقشة.
إن الواقع هو أن السلطات الفرنسية ألقت القبض على جلالة الملك محمد
стр. 51
الخامس، والبوليس الذي قاده إلى محطة الطيران لم يترك له حتى الوقت اللازم لكي يرتدي ملابسه، إن جلالة الملك فارق أهله وقصره وشعبه ووطنه في لباس النوم (بيجاما) لم يستطع ستره إِلا بجلابة تقليدية.
والعبقرية الاستعمارية لم تتورع عن أي تفصيل في الانتقام من الرجل وامتهان كرامته، لأن الاستعمار يتمسك بالمادة وبالهوى في الوقت نفسه. لقد انتقم من الرجل الذي عارض تخطيطاته الموضوعة من أجل الاستبداد والتفقير المادي والأخلاقي والعقلي، ولم ينس تفصيلا من التفصيلات في هذا السبيل.
بل إِنه نسي ... بعض الأشياء، لأنه ليس من طبيعته أن يدركها: إِن الملك أخذ طريقه إلى المنفى ليلة ((العيد الأكبر))، عيد الأضحى، عيد القربان.
وفي ذلك رمز لا ينسى التاريخ أن يسجله. ثم إن هذا الملك قد أبعد عن وطنه لأنه أراد أن يسن له دستوراً ديمقراطياً، فهو قد ترك في قلب شعبه حب الديمقراطية مقروناً باسمه.
وفي هذا ... انتصار باهر يأتي كصفعة للاستعمار: فالديمقراطية تهاجر مع الملك وتذهب معه إلى المنفى، تحت رعاية السلطات التي تدعي أنها تأتي يالديمقراطية من بلادها.
والذين يحاولون إضفاء ((اللون المحلي)) على هذه المأساة لا يستطيعون أي شيء لإِيهام الناس، لا يستطيعون ذلك أو لا في الحقل الذي يهم بالخصوص ((الكي دورسي)) الذي لم يفلح في الواقع إلا في نصب حكم في الرباط لا قيمة شرعية له ولا دولية، لأن الحكم الشرعي هاجر مع صاحبه ولا يبقى من يتولاه بعده بصورة شرعية إلا خليفته في طيطوان، في المنطقة الاسبانية.
وهكذا تبين أن ((الكي دورسي)) وعصابة الرباط قد خسرا ما كان بأيديهم من عوامل الكسب خى بالنسبة إلى ((السياسة التقليدية)) الفرنسية بمراكش، بينما لا تخص نتائج إبعاد الملك والظروف التي تحيط به السياسة فقط.
стр. 52
فبقدر ما تتوضح هذه النتائج، سيجد الاستعمار نفسه مكشوفاً مهما تكن محاولات من قام بهذه المؤامرة، ومن ساندهم، ومن أيدهم بالأموال أو أدلى لهم بالإِرشادات.
وهكذا يستقر الأمر بالتالي على نتائج غير منتظرة، سيكون حتى لعلم الكلام فيها نصيبه إذا اعتبرنا أن الاستعمار يأتي في القرن العشرين، بالحجة القاطعة، على أن الروح البشرية لا يعتريها التغيير والفناء، حيث إِنها استطاعت أن تواجه جرائمه في البلاد المستعمَرة، وما كانت لتستطيع ذلك لو لم تكن غير قابلة لتغيير، لأنها حقيقة من عنصر الخلد.
ولكن القضية تتضمن نتائج أخرى تهم على وجه الخصوص الوضع البشري وهي نتائج بسيطة:
إن الشعوب الثلاثة الأفريقية ستفكر في التحدي الغريب الذي قذفه في وجهها الوزير بيدو عندما قال: ((إنني لن أترك الهلال ينتصر على الصليب)).
قاتلها الله كلمة يدوي فيها صوت القرون الوسطى، فيكشف عرضاً كنه القضية.
لذا يجب أولا أن توضع هذه الكلمة في معناها الصحيح، أعني أن توضع في فكر صاحبها، مجردة من اعتبارات الدبلوماسية.
إِن المسلم يعلم أن الإِسلام لم يعتد على أي مفهوم من المفاهيم المسيحية خلال القرون، وثقته في هذا الصدد ليست ثقة عمياء قائمة على عقيدته، بل ثقة إيجابية يدركها عقله.
وهو بالإِضافة إلى هذا، يتحدى كل من له اختصاص في تزييف التاريخ، أن يأتي بما يناقض هذه الحقيقة.
إن كل فتوحات الإسلام لم يسجل فيها التاريخ مذبحة واحدة تماثل تلك التي يفاجئنا بها الاستعمار من حين لآخر، ولم يقتل طفلاً واحداً أمرت بقتله سلطة عليا.
стр. 53
وعليه فكلمة بيدو، إِذا ما راجعناها في قاموس هذا الوزير فإنها تعني شيئاً آخر، كأنه أراد أن يقول بالتلميح: ((يجب أن نوقف الإسلام عند حده)).
ولا ندري مع هذا، إذا كان سيادة الوزير يتمتع بالسلطة الأخلاقية التي تخوله أن يتكلم باسم المسيحية: فهل له سلطة الباشا الجلاوي عندما يتحدث عن تقاليد الإسلام؟
ولكن بقطع النظر عن السلطة الأخلاقية، التي لها من يمثلها بشكل أفضل، فإنه يجب أن نعترف له بسلطة الحكم.
وعندما يتحدث وزير خارجية ((الوحدة الفرنسية)) ويقول: إنه يجب إيقاف الإِسلام عند حده، فإننا نشعر بخطورة الموقف على مستوى الفرد الذي له ضمير إسلامي.
فالمسلم يتساءل فعلا، هل له حق الحياة في الشمال الأفريقي، أم حل عليه واجب الهجرة، إثر جلالة الملك على طريق المنفى ....
...
تَعْلِيقٌ
إننا نرى من الواجب أن نعيد إلى هذه المقالة الضوء الذي كانت تلقيه عليها الظروف التي أحاطت برفع الملك محمد الخامس إلى المنفى، حتى يدرك القارئ في صميم الواقع حقيقة تعليقنا- في كتاب الصراع الفكري وبصورة عابرة- عن العلاقات المتسترة التي تنشأ أحياناً في البلاد المستعمَرة بين الاستعمار وبعض القادة السياسيين في تلك البلاد.
إن القارئ الكريم الذي تتبع بإمعان ما كتبنا في هذه المقالة، قد أدرك أن
стр. 54
الجو الذي يحيط بالحوادث التي نشير إِليها يمكن تحليله إلى ثلاثة عناصر ذاتية وموضوعية:
١) قصة إبعاد الملك في ظروف معينة.
٢) موقف الوزير بيدو الشخصي منها كمسيحي متعسب ينتقم من الإسلام.
٣) محاولة السلطات الاستعمارية لإضفاء ((اللون المحلي)) عليها، ودور الصحافة الباريسية في تلك المحاولة، كي تعرض إلى الرأي العام القضية على أنها صراع ((محلي)) بين الملك والشخصيات المراكشية التي أشرنا إلى ثلاثة منها.
فالقارئ الذي تتبع مقالتنا بشيء من الامعان، قد شعر لا شك، بأنها كانت مركزة حول هذه النقطة الثالثة بالذات، أي على كشف التدليس الذي كانت تقوم به السلطات الفرنسية، كي تعطي القضية صبغة تناسب السياسة المقررة إزاء مراكش وملكها.
ومن الطبيعي أن تشعر هذه السلطات بشيء من الحرج أمام كل قول يقال، أو سطر يكتب، ليكشف خطتها للرأي العام في ظروف مكهربة تنذر بثورة شاملة في المغرب.
ولا شك أن نصيب مقالتي في هذا الإحراج كان لا يزهد فيه، حتى إنه كان من المتوقع أن ترد تلك السلطات عليه بصورة أم بأخرى.
ماذا كانت الصورة التي ردت بها؟
هنا الحادثة التي نريد عرضها للقارئ كعينة يتصور من خلالها أسلوب ((الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة)) في صورته الواقعية كما صورناه له في الكتاب الذي نشرناه بهذا العنوان.
إن الاستعمار كان يستطيع أن يحطم صاحب المقالة بين السبابة والإِبهام، ولكنه لم يكن يريد تحطيم صاحب المقالة ولكن المقالة نفسها، ومن الطبيعي أنه لو مس شخصي بسوء ظاهر في تلك الظروف لكشف أمره بنفسه، كما أنه لو
стр. 55
حاول الرد المباشر على مقالتي بخط يده وفي صحافته لهزئنا من بلادته.
فماذا فعل؟
إنه بكل بساطة أوكل الأمر إلى زعيم سياسي، فكتب هذا الزعيم مقالة في الموضوع، نشرت أسبوعاً بالضبط بعد مقالتي وفي نفس الجريدة- جريدته من مال الشعب- وقال فيها مما قال: ((فلهم إذا شاؤوا أن يفسروا القضية إلى جمهورنا، الذي يندفع أحياناً إلى تبسيط الأشياء، على أنها قضية تمت إلى الجنس والدين. أما نحن فنذكرهم أن شخصاً مثل الجلاوي وآخر مثل الكتاني، ينتسبان أيضاً إلى جنسهم وإلى دينهم.)) (الجمهورية الجزائرية ٩/ ١٠/ ١٩٥٣).
هذا ما كتبه ذلك الزعيم، ولم يقل بطبيعة الحال أنه يرد علينا ولكن القارئ أدرك ذلك من الكلمات نفسها، كما أدرك ما تعني هذه الكلمات ذاتها كتأييد للإستعمار في ظروف يريد أن يصور كل ما حدث فيها على أنه مجرد نزاع بين الملك وبين الجلاوي والكتاني.
إن القارئ أدرك ما يستطيع الاستعمار في البلاد المستعمرة على وجه العموم والبلاد الإِسلامية المسكينة على وجه الخصوص.
ومما يزيد في هول الموقف، أنني حاولت، بعد ما نشر هذا الرد المقنع، حاولت أن أنشر مقالتي باللغة العربية حتى تؤدي مفعولها بصورة مباشرة، فأرسلت بها إلى جريدة جمعية العلماء ((البصائر)) وأوكلت لها أمر الترجمة والنشر.
فلم تفعل شيئاً. لأن جهازها الصحافي باللغة العربية وباللغة الفرنسية، كان كله تحت تصرف عملاء نعرفهم، وأردنا أن نكشف أمرهم في حديثنا مع الشيخ العربي التبسي في مناسبات مختلفة، ولكن دون جدوى، لأن فضيلة الشيخ رغم ما نعرف له من سمو أخلاق، لم يكن يفقه معنى لأسلوب الصراع الفكري. حتى عندما يكون هذا الأسلوب في منتهى الوضوح.
стр. 56
الْمَلِكُ مُحَمَّدَ بْنُ يُوسُفَ ((يَعتَرِفُ)) (١)
الجمهورية الجزائرية في ١٤/ ٥/ ١٩٥٤
ــ
ما إِن وصل الملك المبعد إلى جزيرة ((ليل روس)) حتى تحددت إقامته، ووجد جلالته نفسه، أمام سلطة قهارة سحبته من هذا العالم سحباً وأحاطته بجو من الصمت والكتمان، يحرسه ليلا نهاراً ويفصله عن العالم جيش من البوليس.
والصحافة الكبيرة، مثل جريدة ((لوموند)) تفسر لنا هذا الوضع الشاذ، على أنه مجرد ترتيبات احتياطية، احتياطاً من ((فرار)) السجين الكبير.
ولكننا علقنا في هذه الصحيفة نفسها، في عدد مضى (٢)، على هذه الترتيبات فقلنا إنها ليست مجرد احتياطات، بل إنها تخفي أغراضاً سياسية معينة، قررها مجلس أركان حرب الاستعمار الأعلى.
وقلنا بالحرف: ((إن الكي دورسي الذي لم يكن يريد الحوار مع ملك حر، يعبر بكل حرية عن إِرادة شعبه، يريد الآن حواراً مع سجين يمكنه أن يفرض عليه ما يريد من الضغط الشديد. حتى يقربه من وجهة نظره. وربما يغتصب منه تصريحاً يجعل منه القاعدة الشرعية التي يضع عليها الحكم الوهمي الذي استلمه من يده عميل الرباط .. ))
وها هي الظروف تصدق تنبؤنا، فتأتي صحيفة ((لوموند)) نفسها - الصحيفة التي وصفت لنا في شهر سبتمبر عزل الملك عن العالم- لتخبرنا الآن
стр. 57
(في عدد ٢٤/ ٤/ ١٩٥٤) أن الرجل، تحت تأثير الوحدة والتهديد، وصل إلى ((درجة الاعتراف)). وإذا سمح لنا القارئ أن نتكلم باللغة التي تناسب هذا الموقف، في هذا الجو الخانق الذي أحاط به البوليس الفرنسي حياة الشعب المراكشي كلها، في الظروف الحالية فنتساءل:
بأي شيء اعترف جلالة الملك؟
إننا لا ندعي معرفة النص الذي وضع تحته إمضاء الملك السجين وإنما طالعنا بعض السطور الغامضة التي نشرتها صحيفة لوموند مقتطفة من هذا النص حسب زعمها.
ولكن الشيء الذي يبدو واضحاً في كل هذا، هو رغبة الكي دورسي في إعطاء هذا النص (مهما تكن قيمته التاريخية) قيمة الوثيقة الديبلوماسية (١).
إننا نترك لرجال القانون أن يقدروا هذه القيمة من زاويتهم الخاصة، ولقادة السياسة المراكشية الوطنية أن يقدروها من الناحية السياسية، إنما نريد أن نعتبر الأشياء هنا من الناحية الإنسانية فقط.
إذ ما يبدو واضحاً من النظرة الأولى في المقتطف الذي نشرته صحيفة لوموند، مما تسميه ((رسالة الملك)) هو الجهد الذي بذله صاحب الاقتطاف، كي يبقى القارئ الذي يطالعه تحت تأثير تعليقاته، حيث أنه لم يجد فيما يطالعه ما يسمح له بتكوين رأيه الخاص في الموضوع، إنه كان مما يتعين في مثل هذه الظروف أن يعطى للقارىء حق مطالعة ((اعترافات)) الملك في نصها الحرفي، لا في تعليقات من يعلق عليها، بينما لا يقول لنا عن هذا النص إلا شيئاً واحداً هو أن الكي دورسي قد قام بنشره .. أين؟! ومتى؟! فهذا ما لا نعلم عنه شيئاً.
حتى إننا، بعد مطالعة ما نشرته لوموند، لا نستطيع أن نفهم أثراً لتفكير
стр. 58
الملك في هذا الفتات المقتطف الذي لا يسمح بتفهم الوقائع، ولا لإصدار الحكم الصحيح عليها، إذ الفتات يكون أحياناً كلمة واحدة موضوعة بين هلالين في جملة طويلة للمحرر، بحيث لا تفيد أي معنى خاص.
فعلى سبيل المثال نقرأ هذه الجملة ((إن سيدي محمد يستسيغ الترتيبات التي اتخذت بشأن إدارة مصالحه الخاصة و ((شاهد)) (١) أن الإجراءات المطبقة من أجل شخصه بمدغشكر لا تخرج تقريباً من نطاق المألوف المعتاد)).
فنتساءل ماذا تفيد كلمة ((شاهد)) الموضوعة بين هلالين كي يفهمنا من وضعها هكذا، أنها من تحرير الملك، ماذا تفيد في جملة طويلة هي من محرر لوموند.
فلو أن المحرر وضع في جملته أي كلمة أخرى بين هلالين، ما زاد أو قلل من فهم القارئ لفكرة تنسب للملك في هذا المقتطف.
فهذه الفكرة تستعصي علينا، لأننا على خلاف وعلى قدر ما نعرف لها من الوضوح ومن إدراك للواقع، نجدها هنا، عندما تعترضنا في جملة أو في شطر جملة يضعهما محرر لوموند بين هلالين كي يشعرنا بأنهما من قلم الملك، نجدما في منتهى الغموض، في صورة غير مألوفة، وكأنها تقف إزاء الأحداث موقفاً لا يتفق مع طبيعتها.
فلماذا، على وجه المثال، يلتزم الملك بأنه سيمتنع عن ((كل نشاط سياسي، وعلى وجه الخصوص عن كل ما يؤدي إلى اضطراب الوضع بمراكش ... ))؟
أليس شطر الجملة هذا الموضوع بين هلالين، يأتي كأنه تكذيب للواقع التاريخي المتصل بالأحداث التي أهمت ((الوضع)) بمراكش (يوم خلع الملك) وبموقف الملك (موقفه المشروع إزاء هذه الأحداث) حيث أنه الحريص على هذا الوضع في بلاده، حتى لا يضطرب بسبب أي فرد من رعاياه.
إن الموقف انقلب رأساً على عقب، في مقتطف لوموند حيث أن الحريص على
стр. 59
((الوضع)) في البلاد، أصبح كأنه ((يعترف)) اعترافاً ضمنياً، بأن الوضع لم يضطرب بسبب شخص معين، هو الجلاوي، الذي استأجرته بعض المصالح التي يعرفها الكي دورسي جيداً ولكنه اضطرب بسببه هو.
إن لتصريح الملك مفعولاً رجعياً، إذ لو صح أنه سوف يلتزم في لمستقبل بالتزام كهذا، فهو يعني أن جلالته يعترف ضمناً بأنه هو المسؤول عما حدث من اضطراب بمراكش ...
وهذا هو بكل وضوح ((الاعتراف الصريح)) الذي يريد الاستعمار الحصول عليه.
ولكن بأي ثمن حصل عليه؟ (١)
إن بيد الاستعمار وسائل ضغط مختلفة، فبيده أولا الضغط الاقتصادي على أملاك السلطان، ولا شك أن اعتراف جلالة باستقامة من أوكل إليه أمر إدارة هذه الأملاك، كان في جملة الاستعدادات الشيطانية التي اتخذها الكي دورسي بهذا الصدد. ومما يؤيد هذا، أن الصحافة الاستعمارية أعادت الكرة مرات خلال الشهور الأخيرة للمطالبة بوضع الحجز على ممتلكات العائلة المالكة.
ولكن ربما كان الضغط أشد من ناحية رغبة الملك في نقله مع أسرته إلى إقامة جديدة بفرنسا، ولكن بعد أن ((يعترف)) جلالته بأن إقامته الحالية ((مرضية في الجملة)) بقدر ما تسمح به ((الإمكانيات المحلية)).
فكيف استطاع جلالته أن يقدر هذه الإِمكانيات؟ ذلك سؤال نصفح عنه الأن ....
ولكن يبدو أن الكي دورسي- كما توقعنا ذلك منذ شهر سبتمبر (٢) - يحاول أن يكسب كل ما يستطيع أن يكسب من ذلك السجين الذي وضعته الظروف تحت يده.
стр. 60
بِلَا خَوْفٍ وَمِنْ دُونِ تَأْنِيبٍ (١)
الجمهورية الجزائرية في ٢/ ١٠/ ١٩٥٣
ــ
إن اغتيال الزعيم التونسي، هادي شاكر، يبدو في الظروف الحالية، في صورتين: فهو جريمة، وهو في نفس الوقت عمل سياسي.
إن أي اغتيال قد يكون أحياناً خاضعاً لحتمية تفرضه على المجرم، كنتيجة لعمل سابق، يدفعه إلى سلسلة جرائم.
وفي غالب الأحيان، فالقانون وحده هو الذي يضع حداً لهذه السلسلة، حينما يرسل المجرم إلى المقصلة، كي يضع حداً لسفك الدماء.
ولكن أين القانون الذي يضع حداً لمهنة الاستعمار الدامية؟ .. يا أتيلا!! إن شبحك، على ذلك الهرم من الجماجم، كما عودنا التاريخ أن نراك، إن شبحك هذا لم يبقَ إلا صورة شاحبة لوحشية كانت في عهد الطفولة .. إذا قارناها بوحشية المحتضرين الكبار اليوم. بل إن أصغرهم، أصغر من يرتدي منهم لباس المليشيا، بشوارع المدن الجزائرية، هو مثل مدينة حالمة، قد جاوز عهد الطفولة المجرمة، وبلغ سن الرشاد في الإِجرام ... فأصبح يغتال القانون ذاته، ففي تلك الشوارع، ما إِن يلقي القبض على الشباب الجزائري، ليقوده إلى المحاكمة المزعومة ... حتى يغتاله في اليوم نفسه وفي الطريق ... في الطريق إلى المحكمة.
إنه لم يبق شيء يحفظ الأبدان والأرزاق من تونس إلى الرباط ...
стр. 61
ولكن من الخطأ أن نجسد الإِجرام في ذات معينة ... إن الاستعمار لا يسمي (مرتينو- ديبلا) (١)، بل إنه وحش ذو رؤوس وأيدي متعددة، إنه في كل مكان يشع منه الإجرام، وهو في كل مكان يغتال ((بلا خوف ودون تأنيب)) ...
يخاف من؟ فالبوليس زميله في الإجرام.
ومن يؤنبه؟ .. من يكون له من الجرأة ومن اللامبالاة ما يكفي حتى يؤنب رجل الحضارة؟ ...
فإذا كان مسلماً هو هذا الجرىء الذي يقوم باحتجات، فالسجن مآله، وكذلك حجز أمواله، والاغتيال.
وإذا كان هذا الجريء من الفرنسيين المعتدلين، فسوف يقول له قائلهم، بلغة الصعاليك: ((كفى! كفى!)).
إن الاستعمار ((محيط))، محيط بالمجرمين الذين يضعون ((قانونهم)) الخاص فوق القوانين والأخلاق.
حتى إن المجرمين الذين اغتالوا هادي شاكر، لم يكونوا في حاجة إلى تعليق لافتة على صدر القتيل، عليها هذه الكلمات ((إِن شيئاً لا يقف في سبيلنا)).
إننا في هذا على أتم اتفاق معهم، حيث نعلم كما يعلمون هم، أن الشعب التونسي لا يستطيع أن يؤسس قوة عمومية لقمع الجريمة، فللصعاليك إذاً أن يغتالوا ما يشاؤون، ((بلا خوف وبلا تأنيب)).
هل لدم العباد قيمة، من الدار البيضاء إلى تونس؟ ليست الجريمة هي الأمر المهم، في حد ذاتها، ولكن الغرض منها، وهدفها.
إن السياسة الاستعمارية الفرنسية أصبحت منذ سنة ١٩٤٥ سلسلة من جرائم محتمة، والاستعمار لا يمكنه، حتى أنفاسه الأخيرة والقضاء عليه، أن
стр. 62
ينفك من قيود تلك الحتمية ... إنه في قبضة الجريمة ... فإذا انتهى من جريمة أولى وجد نفسه مدفوعاً لجريمة ثانية ليكفر بها عن الأولى ... فأي حد من هذا الاطراد المفجع لا يفسر بنفسه؛ ولكن بالحد الذي سبقه.
إن مبررات محلية موجودة بلا شك لتبرير اغتيال الهادي شاكر ومنها أن يبقى الشعب التونسي دون قيادة تحت الإرهاب، فتفقد بذلك مقاومتُه حدتها ومضاءها.
ولكن يبدو أن الشعب التونسي قد اتخذ عدته واستعداده إزاء هذه المناورات ... وهنا لا نستطيع تفسيراً لقتل هادي شاكر إلا في حدود أوسع من النطاق التونسي، أعني في ذلك الجو المكهرب الذي لا زال مليئاً بمجهولات تتصل بإبعاد ملك مراكش وبتحديد إقامته في جزيرة كرسيكا، في ظروف غريبة.
والاستعمار يعلم مصلحته في إسدال الستار على هذه القضية، إِذ يعلم أنها - كما أشرنا إِلى ذلك في مقال سابق- لم تبرز بكل توقعاتها إلى الآن.
وتعليقات مراسل لوموند على هذه الحالة، التي تفسر لنا تحديد إقامة الملك على أنها مجرد احتياطات من ((فرار)) متوقع، ما هي إِلا تعليقاتُ مضحكٍ يريد أن يسلينا، أو إنسان استولى على عقله أسلوب القصة البوليسية.
إن الاستعمار يعلم جيداً أن السجين ليس له أي نية في الفرار إلى الجبل. كلصوص الجزيرة، وعليه فإن إحاطته بهذه الاحتياطات المدققة لا تدل إلا على شيء واحد، هو أن الاستعمار يريد عزله عزلا تاماً، حتى لا يعلم شيئاً عن نتائج إبعاده، سواء في وطنه أو في الخارج.
فمن مصلحة مجلس أركان حرب الاستعمار، من مصلحته العليا أن يتم هذا العزل في الاتجاهين: في عزل الملك عن الخارج إذ لم يتركوا له حتى جهاز راديو تحت يده، وفي عزل الخارج عنه، ولو تطلب هذا ارتكاب جرائم مثيرة تلفت الأنظار .. وتصرفها عن الجرائم السابقة. وهذا ما يفسر اغتيال هادي شاكر.
стр. 63
وهذا يعني أن الكي دورسي، الذي لم يكن مستعداً للمفاوضة مع ملك حر، يعبر بحرية عن إرادة شعبه، يريد الآن الحوار مع سجين يستطيع أن يضغط عليه بما يراه، مناسباً حتى يقربه من وجهة نظره ... وقد يتساءل بعض البسطاء لماذا يتكلف الكي دورسي هذه الجهود كلها ليقرب من وجهة نظره ملكاً لم يبق له سلطان على عرشه ... ؟ أما الاستعمار الذي أحكم الخطة فهو يعلم الجواب.
ولنكن واثقين من أنه سيبذل كل ما يستطيع من حيلة وكيد للوصول إلى هدفه، أي للحصول غصباً، على بعض التنازل من جانب الملك، وبعض تصريحات تصلح كقاعدة شرعية لحكم الملك، المصنوع بالرباط، ولقد يكون مستعداً، في سبيل ذلك، إلى ترك الباشا الجلاوي وشأنه ... (١) شريطة أن يصرح الملك أو يقتنع بأن شعبه شيء لا وجود له، وأن هيئة الأمم أسطورة من الأساطير، وأن الجامعة العربية طيف من الخيال.
وهل يمكن هذا إلا بعزله من وعن العالم .. كي ينسى أنه موجود؟!.
...
стр. 64
مِنَ الْمُؤْتَمَرَاتِ إِلَى الْمُؤَامَرَاتِ
الجمهورية الجزانرية في ٢٥/ ١٢/ ١٩٥٣
ــ
إننا لم نتتبع، بصورة منهجية، تاربخ العلاقات الاقتصادية التي نشأت في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، حتى تكون لنا فكرة دقيقة عن المؤسسة الاقتصادية التابعة للتضامن الأوروبي من حيث محتواها المذهبي، وعن الغرض الذي أسست من أجله ولكننا ندرك أهميتها ومهمتها، من المكان الذي تحتله في المقالات الرئيسية التي تنشرها يومياً الصحافة الغربية.
إِننا ندرك هذه الأهمية والمهمة على وجه الخصوص، من خلال التقرير الذي خصصته هذه المؤسسة لدراسة الحالة الاقتصادية الفرنسية، ذلك التقرير الذي نشرت منه جريدة الفيغارو مقتطفات مسهبة في عددها المؤرخ في يوم ١٤/ ١٢/ ١٩٤٣، إننا نجد فيه نقداً مفيداً يتعرض لنظام الحماية الاقتصادي الفرنسي الذي أصبح صعباً بمقتضى الصلات الدولية وانه على مذهب صاحب التقرير، أصبح صعوبة عضوية تواجهها ((مجموعة الدول الأوروبية الأخرى)).
ففي هذا التقرير نشاهد رأي العين بأن فرنسا لم تنجح في تحرير وارداتها في الحدود التي نصت عليها اتفاقية التبادل التجاري الحر، وهي القاعدة ونقطة الانطلاق التي ينطلق منها نقد المؤسسة في هذا التقرير، فسبب الضعف الأساسي ينتج- في نظر هذا النقد- من شدة الحماية الاقتصادية التي تتمسك بها فرنسا لوقاية إنتاجها وراء أسعار لا تستطيع المنافسة في السوق.
فهذا الوضع ربما لا يهمنا كثيراً في صورته العامة؟ ولكن لا يمكن لألفاظ التقرير أن تفاجىء القارئ الجزائري حيث أنه يعرف جيداً، في محيطه الخاص،
стр. 65
الحالة التي تصفها هذه الألفاظ مثلا عندما يقول التقرير: ((لقد تكون وراء التسعيرات والتحديدات الكمية، نظام حماية داخلي، نتجت عنه امتيازات نشأت وتبلورت تؤكدها مجموعة من الوسائل، حتى أصبحت في نظر أصحابها حقوقا مسلمة، دون مراعاة ما يقتضيه ((المردود الاقتصادي)) وتتنوع هذه الوسائلا من مجرد الترتيبات العامة لتقرير الأسعار عن طريق النص القانوني أو طريق المنحات على حساب الميزانية إلى اتفاقات خاصة! سواء كانت مكشوفة أو ضمنية وإلى .. وإلى التدليس على القانون)).
إننا لا نرى في هذه السطور صورة المظهر الداخلي لحالة معينة، بل نراها تعطينا أيضا فكرة صحيحة عن آلية هذه الحالة ونفسيتها. فنحن نجد فيها، على وجه الخصوص، التصوير الكافي لاقتصاد استعماري نعرفه بتلك ((الامتيازات التي أصبحت في نظر أصحابها حقوقا مسلمة)).
وإِننا ندرك هكذا تلك المعجزة- حتى لا نقول تلك الفضيحة- التي يتميز بها سر الحلفة الذي يأخذ ضعف قيمته مرتين وثلاث مرات على بعد خطوات من الحدود الجزائرية، بالأرض التونسية، أو يأخذ ضعف قيمته عشر مرات على ظهر باخرة في ميناء جزائري ... أي عندما يخرج من يد العامل الجزائري الذي ينتجه، ويدخل في حوزة الأوروبي الذي يراقب سوقه على أساس ((الضمانات القانونية التي تحدد سعره)) له على حساب مصلحة العمال الخاصة وعلى حساب المردود الاقتصادي بصورة عامة. فكل منتوج نصدره الى الخارج كما تنتجه الطبيعة، يكون تصديره خسارة بالنسبة إلى الحالة الاجتماعية في بلد معين، خسارة تحدد اقتصاديا ما يسمى ((البلد المتخلف)).
وربما انتهى التقرير إلى أن درجة النمو الاقتصادي الموائمة، تكمن في اقتصاد لا يكون موزعاً في أيدٍ كثيرة يمنع توزيعه كل تنظيم، ولا مجمعا في الاحتكار، يمنع احتكاره عمليات الرقابة ويسلبها قيمتها ((بمجموعة من الوسائل)).
ولكن إذا كانت بعض البلاد تشكو من مفاسد التوزيع المبالغ فيه، فنحن في
стр. 66
الجزائر نشكو من مساوئ الاحتكار ... ومن ((احتكار الراية)) أولا (١) الذي أدى بزعمه المحافظة على مصالح فرنسا، إلى تأسيس امتيازات نعرف أثرها السيء على النمو الاقتصادي بالجزائر خلال القرن. إذ أن هذا الاحتكار لم يسمح للجزائر أن تستفيد من المنافسة بين شركات الملاحة، بالرغم من أن ذلك لم يحقق أي فائدة للفرنسي المتوسط في حياته ...
إن الامتياز لا يعود بالفائدة إلا على صاحبه ... وصاحب الامتياز، بما أنه يعلم جيداً المناقضة الموجودة بين الصالح العام ومصلحته الخاصة، لا يتورع عن استخدام أي وسيلة تعزز مصلحته، كما يلاحظ ذلك تقرير المؤسسة الاقتصادية للتضامن الأوروبي (مؤسسة السوق المشتركة) ولكن مهما يكن بتلك الوسيلة من تلوث، بوجه عام فإنها تصبح أكثر تلوثا ... في البلاد المستعمرة.
إِننا نذكر تلك الحملة الصحافية التي قادتها صحيفة فرنسية، سنة ١٩٣٨، من أجل أن تثبت للرأي العام الفرنسي، الذي أبدى استياءه إزاء بعض أسعار الفواكه أو الخضراوات المستوردة من الجزائر، أن غلاء تلك الأسعار ناتج عن بطء العامل الجزائري الذي يقوم بشحن البضاعة بالموانئ الجزائرية، وكانت الصحيفة تريد أن تخفي بهذه الدعوة والدعاية الحقيقة البسيطة وهي أن الأسعار ارتفعت بسبب احتكار الملاحة. ولم تتنازل هذه الصحيفة بطبيعة الحال إلى نشر التصحيح الذي وجهناه لها بهذا الصدد، ومما يجب ملاحظته بهذه المناسبة هو أن النقابة الفرنسية لعمال الشحن لم تتقدم باحتجاج، دفاعا عن ((الزملاء)) الجزائريين أو عن مجرد الحقيقة ... فبقيت الوصمة لاصقة بالعمال الجزائريين في نظر الرأي العام الفرنسي.
وكان من الممكن في نفس السنة أن نلاحط ملاحظة أخرى، تدل على الثقل الذي يضعه ((احتكار الراية)) على الحياة الجزائرية بصورة واقعية: لقد بدأ
стр. 67
باعة لحم الخيل بفرنسا يستوردون بضاعتهم حية من الجزائر، وكان في ذلك فرصة لتنشيط إنتاج من يقوم بتربية الخيل في الجزائر، ومن ناحية أخرى لتعديل أسعار اللحم في السوق الفرنسية، لمصلحة المستهلك الفرنسي.
إِلا أنه، لم يكن لتلك الفرصة الأثر الطبيعي في الاتجاهين المذكورين، فقد امتصه احتكار الراية بتعديل خفي أتوماتيكي لأسعار النقل، فقد جاء هذا التعديل يمتص بصورة رياضية الفائض بين أسعار فرنسا وأسعار الجزائر، دون أن تستطيع هذه المرة صحيفة ما أن تتهمم العمال الجزائريين بالبطء في العمل ... لأن الخيل تشحن نفسها بنفسها.
وليس في النفسية التي تسيطر على هذه التصرفات الغريبة كلها أي شيء يمت إلى المصلحة القومية، لأنها كلها تضحي على حد سواء بمصلحة الشعب الفرنسي ومصلحة الشعب الجزائري .. إنها طبقة من الفنيين Technocratas ومن كبار المقاولين، ومن بأيديهم إدارة الشركات الكبيرة، تدير مباشرة أو بوسطاء تختلف درجاتهم ومناصبهم، شؤون البلاد لمصلحتهم فقط.
وهكذا ندرك حقيقة ما يشير إليه تقرير المؤسسة الاقتصادية OEGE عندما - يتكلم عن ((اتفاقات مكشوفة أو ضمنية)) ... كما ندرك إلى أي مؤامرات تنتهي أحيانا هذه الاتفاقات في بلد مستعمر، يستهدف النطام الاقتصادي فيه التقليل من العمل وحط قيمته، وهنا نلمس مناقضة غريبة، لأن من طبيعة القليل أن ترتفع قيمته ... ولكن العبقرية الاستعمارية تستطيع قلب الواقع والإتيان بالمحرفات التي تحطم الحقائق وتصيرها هباء منثورا.
***
стр. 68
مِنْ مُؤْتَمَرِ كُولُومْبُو إِلَى مُؤْتَمَرِ جِنِيفْ
الجمهورية الجزائرية في ٧/ ٥/ ١٩٥٤
ــ
إن الحوليات السياسية العالمية تسجل حدثا جديدا في منتهى الأهمية، ألا وهو اجتماع مؤتمرين دوليين، في وقت واحد، ويمثل كلاهما نزعة معينة تختلف عن النزعة الأخرى اختلافا كاملا، بينما موضوعهما واحد.
ففي مدينة جنيف يجتمع الكبار ((من أجل أن يتصرفوا في شعوب شرق جنوب آسيا، طبقا لتخطيطاتهم الستراتيجية، ولمصالح الاقتصادية)).
وفي مدينة كولومبو يجتمع على أثر دعوة وجهها لهم نهرو، الرجال الذين يمثلون هذه الشعوب، كي يؤكدوا على أن المشكلات التي تخصهم لا يمكن أن تحل في غيابهم، ويصرخوا مرة أخرى بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وبالتالي، فإن المشكلات هي هي في كلا المؤتمرين، وإنما يريد أحدهما أن تكون حلولها، كثيراً أو قليلا، في نطاق سياسة التطويق (١). بينما يحاوله الآخر حلها لتدعيم السلم في منطقة كانت، قبل عشرة سنوات، البلاد المستعمرة.
إن هذه المنطقة تطابق، في الواقع، من الناحية الايديولوجية مجال إشعاع الفكر الإسلامي وفكرة اللاعنف، أي مجال إشعاع حضارتين: الحضارة الإِسلامية والحضارة الهندوكية، الحضارتان اللتان تختزنان أكبر ذخيرة روحية للإنسانية اليوم.
فالتعارض بين المؤتمرين يكاد يستحيل تلافيه، بقدر ما يستحيل التوفيق بين إرادة السلطة التي تحرك أحدهما، وإرادة التحرر من الاستبداد التي تحرك الآخر.
стр. 69
وهذا التعارف لا يمكن فعلا تلافيه ولا إخفاؤه بكلمات جوفاء، الكلمات التي أفضى بها رئيس الحكومة الباكستانية في مؤتمر كولومبو، حيث قال: إنه لمن التبجح والرياء أن نوجه إلى الأمم الأخرى الدعوة إلى السلم، بينما الخلافات السياسية والاختلافات النظرية التي تفرقنا لا زالت قائمة.
إن هذا التصريح، الموجه بكل وضوح ضد شخص نهرو، ويعبر عما يسمى في اللسان الدارج ((استفزاز)) وكأن صاحب هذا التصريح المستفز، السيد محمد علي، كان يهدف إلى تعكير الجو بمؤتمر كولومبو، حتى لا يصيب هذا المؤتمر هدفه الذي يختلف، كما قلنا، عن هدف المؤتمر الآخر الذي يتابع جلساته الآن على شاطىء بحيرة الليمان.
فهذه المناورة، أو عملية الإجهاض هذه، تبدو بوضوح أكبر عندما نعتبرها في ضوء ما أفضى به رئيس حكومة سيلان، إذ لفت نظر زملائه الممثلين لحكومات شرق جنوب آسيا، إلى الخطر الذي يهدد تلك المنطقة بسبب وجود برميل البارود الذي تمثله الهند الصينية فيها.
ولماذا حينئذ هذا النشوز الغريب في موقف ممثل باكستان؟ إن القضية تتصل في الواقع بتاريخ الوطن، أو بالأحرى بتاريخ الجامعة الإِسلامية.
إنه من مصلحة الاستعمار أن يخفي دائما أبرع مشاريعه وراء مظاهر خلابة، والجامعة الإسلامية كانت إحدى المشاريع لسحق المؤتمر الهندي العام، ووسيلته المختارة لتمزيق جبهة كفاح الشعب في الهند، وما كان هذا التمزيق ليحدث بمجرد قرار يصدره جلالة ملك انجلترا، ولكنه حدث باسم الإسلام ثم تحقق في صورة دولة باكستان، وقد اشتقت هذه الكلمة نفسها من اسم الصحابي المشهور سلمان الفارسي، الذي كان يلقب بسلمان باك أي الصافي.
فباكستان هي إذاً بلاد الصفا، صفا الأغاخان على سبيل المثال، الرجل الذي طرد من الهند نهائيا بسبب ما قدم من خدمات إلى الاستعمار، والذي
стр. 70
تفتح له باكستان أبوابها هذه السنة ليقيم فيها حفلة عيده البلاتيني.
آه! ... إن للجلاوي (١) مستقبلا باهراً ... ما دامت الشعوب الإسلامية تعطي ظواهر الأشياء قدراً أكبر من حقيقتها. لأن باكستان، في حقيقة الأشياء، لم تكن إلا الوسيلة التي أعدتها السياسة المعادية للإسلام التي تمتاز بها، بصورة تقليدية، أوساط المحافظين الانجليز، أعدتها من أجل إحداث الانشقاقات المناسبة في جبهة كفاح الشعوب ضد الاضطهاد الاستعماري.
وليس من مجرد الصدفة أن الجبهة العربية الآسيوية التي أسسها نهرو مع بعض قادة الجامعة العربية قد انشقت بكراتشي، العاصمة التي تحلق في سمائها فكرة جناح، كما سوف تنشق، إن لم تنشق بعد، ببغداد (٢) العاصمة التي تحلق في جوها فكرة لورانس.
وما النزعة ((الباكستانية)) في التخطيط الاستعماري الخاص بجنوب شرق آسيا إلا الشيء الذي يقابل في نفس التخطيط النزعة الهاشمية في الشرق المتوسط.
قد نتساءل: لماذا استطاع الملايين من الباكستانيين أن يركنوا، إلى وضع كهذا؟.
إنه مكر يبلغ ذروته، إذ استطاعت انجلترا بهذه الطريقة أن تترك الهند في حالة تمزق نهائي، إذ لا يفرق بين المسلمين والهندوك حدود جغرافية لا تستطيع انجلترا تلفيقها مهما كانت براعتها في التلفيق، ولكن يفرق بينهم حدود من الأحقاد ومن الدماء، ذهب ضحيتها الملايين من المسلمين ومن الهندوك، كانوا ضحية المذبحة التي زجتهم فيها المخابرات الانجليزية في الوقت المناسب.
ولقد رأت هذه الملايين من المسلمين، بمقتضى وازع المحافظة على الحياة،
стр. 71
قد رأت في باكستان أرض النجاة الموعودة، كما رأت فيها الملايين من الهندوك أرض الحقد والعدوان ...
ولكن قد تكون للأقدار كرة ... وإذا بالشعوب التي انخدعت ((بمحررين)) مأجورين، والتي خدرتها شعارات مخدرة، ونومتها كلمات جوفاء لا يرى فيها سمة الاستعمار إلا ذلك الفاحص المتدرب، وإذا بهذه الشعوب ترجع إلى رشدها.
فالانتخابات التي جرت أخيراً بالبنغال دلت على أن الجماهير الإِسلامية بتلك المقاطعة لم تبق في خبل التخدير، ولا تحت سلطة ذلك المكر الذي يخفي حقيقته وراء تذهيب غلاف وضع على وجهه عنوان ((دستور قرآني)).
وليست هذه المرة الأولى التي يرفع فيها القرآن كي يخدع به المسلمون، إن معاوية استخدم هذه الخديعة في خصومته مع علي، عندما رفع أصحابه القرآن الكريم على الرماح، وهم يقولون في وجه أشياع علي: هذا حكم بيننا وبينكم.
ولم ينخدع علي حين قال: ((كلمة حق يراد بها باطل)) غير أن جمهور المسلمين انخدع فعلا حينئذ، كي يسير التاريخ في الاتجاه الذي قدرته الأقدار.
ولكن بعد ثلاثة عشر قرنا، نرى النزعة التي تمثل علياً تنتصر على النزعة الجاهلية، تمثلها الحركة الاصلاحية في الجزائر.
إن للأقدار كرة ... وما انتخابات البنغال إلا إرهاص ندرك معناه في الصورة الرمزية التي نراها في العدد الأخير من مجلة ((إفريقيا والشرق)) حيث نرى صورة مسلم وهندوكي يتعانقان ...
***
стр. 72
أَقْلَامُ وَأَبْوَاقُ الاِسْتِعْمَارِ
الشاب المسلم في ١٤/ ٥/ ١٩٥٤
ــ
يقال أحيانا (في الصحافة الاستعمارية) أن للاستعمار قصداً واستعدادا حضاريا، وقد يكون هذا صحيحاً إذا اعتبرنا الكلمة بالنسبة لنواياه نحو نفسه لا بالنسبة لنواياه نحو الغير. فنحن نعترف فعلا أن الاستعمار يستطيع أن يحضر نفسه، إِذا اتخذنا هذه الكلمة بالمعنى الذي تضفيه عليها حضارة المادة في القرن العشرين، أي أنه يستطيع أن يحسن وسائله ويدقق خططه الاستعمارية حسبما تقتضيه الظروف.
إن جيل جدودنا الأقربين، بالجزائر على سبيل المثال، قد أدرك عصر ((الحاوي)) الذي يخضع الثعبان لسحره، فهو عصر البندير و ((الفتة)) الطرقية.
لقد كان هذا كافيا لاستعمار تلك الجماهير التي غطت في سباتها الشتوي قرونا، قرون عصر ما بعد الموحدين، فقد كانت هذه الوسائل، رغم ما بها من البساطة، في مستوى ذلك الوسط البسيط القابل للاستعمار.
ولكن هذا الوسط الخامل قد بدأ فجأة يتحرك، كأنما شحنة كهربائية أفرغت في شعوره ... ثم بدأت رعشة- فكرية تحدث على سطح ضميره الهادي الذي غط في النوم منذ عهد طويل .. تحدث تموجات خفيفة.
وكان ذلك في عصر آبائنا الذين سمعوا بصورة غامضة، كلاما عن جمال الدين الأفغاني، حيث انتقلت فكرته، من فم إلى أذن حتى وردت الضمير الجزائري ... فأحدثت على سطحه الهادئ تلك التموجات ...
стр. 73
لقد كانت هذه الرعشة تدل على الحياة في عالم الموت ... وصرخة تعلو في عالم الصمت ... و ((خطراً)) في عالم الاستعمار!!
وشعر الاستعمار فعلا بالخطر ... فأخرج من شنطته رجلا تأخذه من حين إلى حين الحالة الصوفية ... أخرجه كي يجدد به عصر الدراويش.
فكان النظر جذابا ... يدفت نظر الشعب البسيط ... المتعطش لخوارق المعجزات ... فيأتي بنقوده يقدمها نذورا عندما يدق البندير.
وفكر الرجل الذي تأخذه الحالة الصوفية كي يزيد تأثيره على مشاعر الشعب البسيط، فوضع حوله حلقة من ((العلماء)) يتقبلون تبرعات البسطاء، ويباركون هؤلاء البسطاء المتعطشين للمعجزات.
فكان ذلك عصر الشيخ ابن عليوا، ورفقائه أمثال الشيخ الحافظي ...
ولكن الفكرة استمرت في طريقها ... مثابرة ... مثابرة في عالم لا زال في خدر النوم، حيث كان آباؤنا يعيشون، فلم تستطع البنادير والشطحات الصوفية، أن تبعث عهد المرابطين من جديد.
وكما يقول المثل الجزائري: ((فعندما يتمزق البندير، تتفرق حلقة المداحين)) ولكن يجدر بنا أن نضيف: أن الجماهير أيضا تتفرق حينئذ.
وذهبت فعلا الجماهير المتفرقة إلى حيث يدعوها واجبها، فأخرج حينئذ الاستعمار من شنطته وثنا يتكلم كلاما خلاباً ... كي يلفت الأنظار عن الفكرة.
ولم يصبح حينئذ الحديث عن الواجبات، ولكن عن الحقوق التي ((تؤخذ)) عندما نمد أيدينا .... إلى القمر ... مثلا.
وهكذا انتهى عصر آبائنا وبدأ عصرنا ... وعلى بابه كرمز اليد الممدودة إلى القمر!
ولكن الفكرة استمرت جادة في طريقها وفي عملها، وانتهت الجماهير المنومة،
стр. 74
التي نومتها الأوثان، فانتهت في مصر مثلا (١)، الى أن التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى للكلمة، الواجبات الخاصة بكل يوم، بكل ساعة، بكل دقيقة، لا في معناها المعقد، كما يعقده عن قصد أولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء، وشعارات كاذبة يعطلون بها التاريخ، بدعوى أنهم ينتظرون الساعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة.
ولكن الفكرة استمرت في طريقها أيضاً، وقد رأينا منذ ثلاث سنوات فئة من الشباب في إحدى ضواحي العاصمة الجزائرية تدخل مباشرة حلبة التاريخ ... دون أن تنتظر الساعات الخطيرة، واللحظات الكبيرة والظروف الخيالية، فدخلت ميدان العمل بكل بساطة وتواضع، والمعول بأيديها كي تشق طريقها، طريقا بسيطا متواضعا بضاحية القديس سان أوجين.
وربما لم يكن هؤلاء الشبان يعلمون أن دخولهم في ميدان العمل هو الساعة الخطيرة التي يخشاها الاستعمار واللحظة الكبيرة في تاريخ الجزائر، ومهما يكن الأمر، فها هي الفكرة تستمر في الطريق، وكأن طريقها كان يمر يومئذ بناحية القديس سان أوجين، حتى شعر الاستعمار فعلا بالخطر. وفكر في إيقاف الفكرة الخطيرة عند حدها ... ففتح شنطته مرة أخرى وأخرج منها أشياء كثيرة مسلية، لتسلية الجماهير عن واجباتها وأخرج آلات ميكانيكية تتكلم عن ((تقاليد الإِسلام)) مثل الكتاني والجلاوي، ومن بين الآلات ما يتكلم عن السياسة فيعرضها الاستعمار في المعارض الانتخابية تحت اسم ((النواب الأحرار)).
ثم يخرج من شنطته آلات أكثر تعقيداً ... تلفظ بخطب وطنية: تقدم هذه الآلات للجماهير المنخدعة، كي تلهيها وتمسكها بعيداً عن ساحة الواجبات والعمل، تقدم في صورة أوثان مزينة مجهزة لتأخذ الأبصار وتذهل الألباب. ولكن الجماهير بدأت تشعر بالفتور نحو هذه الألاعيب والأكاذيب والآلات،
стр. 75
وبدأت تلتفت عنها ... باحثة عن أشياء أخرى، وعن عمل أجدى من أن تبقي يدها ممدودة نحو ... القمر.
وها إِن الاستعمار يشعر بأكبر خطر، ويلجأ إلى آخر وسيلة عنده، يلجأ للمرة الأخيرة إلى شنطته فيخرج منها أرَضَةً قد امتلأ بطنها من غبار تاريخ عصر ما بعد الموحدين عصر الانحطاط، لقد امتلأت من هذا الانحطاط وأصبحت تلقي منه في كل جشأ تكتبه أو تقوله.
إننا نرى هذه الأرَضَة تحت ملامح الطالب الجاد، نراها جادة في الانحطاط على مدرج كلية جادة في تحضير مؤهلات ((النائب الحر)) (١).
وقد يكفي للحصول على هذه المؤهلات أن يكون للطالب قلم حسن أو بوق جيد في التعبير عن رغبات الاستعمار وأفكاره. إن الاستعمار الذي كان يقتنع بمن يعبر عن رغباته بلغة الصعاليك، أصبح في حاجة إلى من يعبر عنها بلغة تقرب إلى الفصحى، وهذه الحاجة الجديدة اتي يشعر بها الاستعمار، تشهد على أنه يستطيع أن يتحضر وإن لم يكن مستعدا لتحضير غيره.
تَعْليِقٌ
إِنه يجب أن نعلق على هذا المقال بأن الاستعمار لا زال في حاجة إلى أقلام يكتب بها، وإلى أبواق يتكلم بها، حتى لا يعرف خطه ولا صوته عندما يخادع الجماهير الطيبة، وهذا يعني أن الأرَضَةَ المتعلمة لا زالت منتشرة في البلاد الإِسلامية على وجه العموم، وقد عرفنا منها أصنافا بالجزائر على وجه الخصوص.
إن هذا النوع من الحشرات لا ينقطع ما دامت ثقافتنا تفقد المبدأ الأخلاقي المهيمن على سلوك المثقفين.