← Общие книги

Общие книги · id 37612

في مهب المعركة

مالك بن نبي

Полный текст (166 стр.). Показаны 141–166 · переход к 146.

стр. 141

غريبا جداً. ولكن نتمنى، ونحن على أبواب الذكرى العاشرة لموت غاندي، أن الشرق يتدارك ما فرط فيه الغرب بجانب رومان رولان، ونتمنى أن الهند بالخصوص تأخذ على حسابها، في السنة المقبلة تنظيم يوم يليق بذكرى ذلك الكاتب الكبير الذي أذاع صيت رسالتها في العالم. ***

стр. 142

تَحِيَّةٌ إِلَى دَاعِيَةِ اللَّاعُنْفِ الشاب المسلم في ٣/ ١/ ١٩٥٣ ــ في عالم يسوده القلق، وهو يتأهب مرة أخرى الى انطلاق الوحشية والعنف، يبدو أنه ليس! من العبث أن نذكر من حين إلى اَخر سيرة غاندي. لقد كنت في تلك الليلة أستمع الى إِذاعة مؤثرة ... اجتهد من نظَّمَها في جمع شهادات من بعض الشخصيات الحية التي تستطيع تذكر نبذة عن غاندي، أو تدلي بذكرى احتفظت بها عن حياته، حتى تستطيع بذلك أن تكشف لنا جانبا ما زلنا نجهله في محيط تلك ((النفس الكبيرة)) (١). وكان يتخلل الإذاعة صوت متخافت يرتفع من حين إلى آخر ببعض المقتطفات من الكتب المقدسة فهذه مقتطفة من دي ((الابانيشاد)) أو تلك من ((البهاجفاتجيتا))، وكان هذا الصوت يثقب من حين إلى آخر كلام المذيع المتأثر، بنبرة خاصة كي يحيطه بهالة من القداسة. ولكن اللحظة المؤثرة كانت دون أي شك عندما ارتفع مرتين صوت غاندي نفسه، مسجلا على شريط هو من أثمن مخلفات الفقيد الكبير. نعم ... إِننا لا نفهم هذه الكلمات المكشكشة التي تنفلت من رئة استنفدت قوتها، ومن فم فقد أسنانه ... ولكن هذا الصوت المتخافت الغريب، صوت من وراء القبر، يستولي على شعورنا، ويأخذ إحساسنا ... إنه قوة غير مرئية، قوة لا يدركها التحديد، ولكننا نشعر بطاقتها الجبارة .. فهي تأخذ قلوبنا وتتركنا فاقدي الأنفاس لحظة ... بعدما يسكت ذلك الصوت المتخافت ...

стр. 143

ثم يستعيد العقل نفسه .. إن هذا الهمس الذي مر على الأمواج، يمثل بالضبط نقيض زوبعة الكلام التي تنتظر زوبعة من التصفيق، إنها نبرة اللاعنف ذاتها .. ، النبرة الوحيدة التي تستطيع التعبير عن اللاعنف بالصوت ذاته ... هذا الصوت الضعيف الذي أبدى قوته القهارة على أربعمائة مليون من البشر سلحها بالصبر والبشاشة. لقد رجعت الدبابات إلى الوراء وتقهقرت عند تلك الأجسام التي انفرشت على الأرض أمامها، تقهقرت أمام أفواه ترتل بعض الأذكار المقدسة وأمام أرواح منغمسة في صلوات صامتة. إن جهاز الاستعمار الضخم وقف عند حده، وباء بالخسران أمام معزة غاندي، وسرباله (الساري) ومغزله، وصلواته وصيامه مع الجماهير وفي خلواته. إن كل هذا المظهر الجذاب، الأسطوري لكفاح غاندي والانتصار الذي توجه بالتالي، أصبح مما تعارف عليه الناس في المستقبل على أنه فصل جميل من تاريخ الإنسانية التقليدي، ولكن هذا المظهر الذي ينعكس فيه بالخصوص الضمير الهندوكي، لا يفسر لنا وحده معنى اللاعنف .. فهناك مظهر آخر نريد لفت النظر إليه هنا لأنه يكمل فيما نعتقد، النبذة التي أردنا تقديمها في هذه السطور، مع مطابقة، من ناحية أخرى مع معنى من معاني القرآن. إِن اللاعنف ما كان ((مقاومة)) فقط وما كان يعبر فحسب عن نافية شكليه، عن كلمة (لا) التي أفضى بها الضمير الهندوكي في المعركة، أي عن موقف سلبي في هذه المعركة، فاللاعنف كان أيضا موقفا إيجابيا في نواح أخرى، موقف الضمير الانجليزي ذاته وهو يرد ضمنا بكلمة ((نعم)) عندما يأخذه تيار المعركة ويفرض عليه الرد. إنه كان في إمكان الجندي الانجليزي أن يدوس بدباباته تلك الحشود من البشر التي رقدت على عرض الطريق بشواع كلكوتا وبومباي أيام المقاومة

стр. 144

السلبية، ولكنه لو فعل لداس الثقة النبيلة التي يكنها ضمير تلك الحشود البشرية التي ألقت- حين ألقت بنفسها على عرض الطريق- ألقت على ضمير الجندي الانجليزي عبئا ثقيلا، عبء حياتها وطموحها وصلاتها، وهكذا تقهقر الجندي الانجليزي من أجل أن لا يدوس ضميرَه وعظمةَ وطنه، وشرف ثقافته. وكان موقفه هذا كأنه الرد بكلمة ((نعم)) على الثقة المتناهية التي عبرت بها تلك الحشود وكأنها واجهت العنف بكلمة ((لا)). وهذا الرد الفذ بـ ((نعم)) يكمل معنى اللاعنف، يكمله كأنه حوار وفلسفة يرتكز مرتين على الثقة في الضمير الانساني. وليس مما يخالف طبيعة المسلم أن يرى في هذه الفلسفة، انطباقها على التوجيهات التي يعرفها في دينه، حيث أن القرآن يحث على أن يكون الكلام مع الخصم، موجها إلى ضميره حتى يصبح كأنه (وليٌّ حميم). وليس في هذه المقارنة ما يفاجئنا، إذ كانت اللحظات الأخيرة التي قضاها غاندي في هذه الدنيا مليئة بتلاوة القرآن والإنجيل والعهد القديم والبهاجفاقجيتا، يتلو غاندي هذه الكتب الواحد بعد الآخر، وكان يتلو القرآن بالنص الأردي قبيل موته. ولكن هذه اللحظات التي كانت، في صورة ما، تحكي لحظات الحديث على الجبل، في حياة المسيح كانت في الوقت نفسه تنذر بخسارة لا تعوض، ستخسرها الإِنسانية في شخصه، لأن هذا الرجل كان يتقمص إلى درجة بليغة- الضمير الانساني في القرن العشرين، كان يستطيع إنقاذ وحدة الإنسانية الأدبية في أخطر لحظة من تاريخها. وهكذا قدر لغاندي، داعية اللاعنف، أن يموت على يد العنف (١). إِنها لسخرية نادرة، ولكنها تشبه إلى حد كبير، حكمة نادرة، تكررها

стр. 145

الطبيعة في كل فصل من فصول الربيع: فالبذرة التي يقدر لها أن تنبت، يجب أولا أن تدفن في التراب. إن الشعوب القديمة بنت أحيانا عقيدتها على هذه الحكمة، وكانت تستعير منها ربوبية أوثانها وأساطيرها ... نجد ذلك مثلا عند قدماء المصريين فالرب أزيريس- الرب الخلاق- يقتله ست (وربما يعين هذا الاسم ما يسمى الشيطان في الكتب المنزلة) يقتله ست الرب القائم بوظيفة التحطيم ولكن إيزيس، ربة الحب، تجمع أعضاء القتيل التي بعثرها خصمه الفتاك، تجمعها ويبعث إِيزيريس حياً منتصراً. هكذا رفات غاندي التي ذروها، طبقا للتقاليد، في مياه الغانج المقدسة ستجمعها الايام في أعماق ضمير الإِنسانية كيما ينطلق يوما انتصار اللاعنف، ونشيد السلم العالمي. ***

стр. 146

رُومَان رُولَان وَرِسَالَةُ الْهِنْدِ الشاب المسلم في ٢٦/ ٦/ ١٩٥٣ ــ إن القرن العشرين يحفظ، في أعماق ضميره، الأفكار التي زرعها في التاريخ ويحفظ معها أسماء الزراع الكبار الذين زرعوها. كأنما ثمة معبد تحفظ فيه الأفكار الخالدة، ويدخل فيه أيضا إلى الخلد أصحاب تلك الأفكار، كما فعل أهل الكهف أولئك الفتية المؤمنون، حين أووا إلى كهف الخلد بعد أن كانوا شهود هذا الزمن، والرسل الذين بلغوه رسالة الهند. فعندما تنزل هاتان الكلمتان من القلم على القرطاس، يأتي وراءهما حشد من الاسماء الجليلة، نذكر طبعا من بينها غاندي .. طاغور .. وإذا ما أوغلنا فسنذكر فيفيكانندا، وربما ذكرنا معه أستاذه راما كريشنا. لكن حافظ المعبد ربما أضاف إلى هذه الاسماء اللامعة اسم شري نهرو، ذلك الرجل الذي يسير في طريقهم اليوم، ويحتذي حذوهم، ذلك التلميذ الذي لا يزال على قيد الحياة وفياً للأستاذ، غاندي، حتى في موكب التتويج يوم تتويج الملكة اليزابيت حيث نراه يسير في هذا الموكب العظيم، دون أن تصحبه أية أبهة عسكرية، كتلك الابهة التي رافقت من سار معه من ممثلي دول الكمونولث، فكان بذلك يعلن فكرة اللاعنف بصورة رمزية، في حدث هام من أحداث الحياة الدولية. ولقد تراودنا الفكرة، إِذا ما كنا مسلمين، أن نتساءل: هل من بين هؤلاء الزراع لفكرة اللاعنف، وهؤلاء الشهود الكبار الذين أووا إلى الكهف في القرن العشرين، هل من بينهم مسلمون؟

стр. 147

ويؤسفنا أن لا نجد من بينهم حتى إقبال، ذلك الفكر الذي لا ينسى، عندما ينكب على مشكلات العالم الإِسلامي، لا ينسى ولا يتناسى ((التصميم العام الذي يشمل الكتلة البشرية كلها)). لكننا لا نرى واحدا من الكتاب في الغرب أو في الشرق يذكر اسم إقبال من بين تلك الاسماء ونحن سنغض الطرف كمسلمين عن هذا النسيان الغريب، إذ ربما يعود سببه الأول إلى حدة المزاج عند الحافظ الأول لأسماء أهل الكهف في القرن العشرين. وأول سدنة المعبد الذي تحفظ فيه أسماؤهم الخالدة، ونعني رومان رولان. إننا نتساءل إن لم يكن هذا المؤمن الذي فر بإيمانه من قيود الكنيسة، وهذا الأستاذ الذي زهد في كرسي أستاذيته، وهذا المواطن الفار من حدود القومية الضيقة، ومن حدود الطبقة، ومن كل إِطار رسمي ليكون مجرد انسان ((فوق الخصومة)) (١) - أي في الواقع ليكون في صميم المعركة من أجل الحق والعدالة والجمال- أو بكلمة موجزة: إننا نتساءل إن لم يكن هذا الرجل، الذي تخلص من كل العقد التي يرثها الناس في الغرب من ثقافة القيصرية، لم يتخلص بعد من بعض العقد الموروثة في بلاده ضد الإسلام؟ ولكننا كمسلمين سنغض الطرف عن هذا السؤال أيضاً، لنقول كلمة واحدة: فربما كان الرجل يحمل عن الإِسلام وعن الفكرة الإسلامية صورة مشوهة، كتلك الصورة التي تنقل في بلاد الغرب عن الإِسلام والمسلمين تشويها لسمعتهم. لكن ينبغي الحذر حتى لا نعطي للخصوم مبررات التشويه، فالهند التي يقودها نهرو لا زالت وفية لمبدأ اللاعنف، أما القطاع من البلاد الذي تولى أمره جناح فإِنه أصبح دولة ألقت بالملايين من المسلمين في سياسة الأحلاف العسكرية

стр. 148

كحلف بغداد وهذا يجعلنا نتساءل ما إذا كان المرحوم أبو الكلام آزاد قد اختار البقاء بنيودلهي ليبقى وفيا لطريقة الساتياجراها التي حررت البلاد؟ ومهما يكن الأمر فرومان رولان لم يشرك أحدا من المسلمين في أمر الساتياجراها وفي رسالة الهند على وجه العموم، وليس من المتيسر أن نضيف أحدا إلى قائمة أبطال الفكرة في العالم دون أن نخل شيئا ما بقداسة التقليد الذي نشأ من إشعاع الفكرة، لا نستطيع إفممافة أي اسم لهذه القائمة الخالدة حتى ولو اسم تولستوي، مع أنه كان في طليعة هذه الدعوة- دعوة السلام- بل كان أول داعية وأول مبشر بها، بحيث يمكن اعتباره، با لنسبة إلى غاندي وإلى الساتياجراها بمثابة يحيى المعمدان بالنسبة إلى دعوة المسيح. ولكن فلنحدد أولا دخول هذه الفكرة في تاريخ العالم. وهنا يمكن، بل يجب، أن نعتبر خطواتها الأولى في التاريخ، تلك الرحلة التي قام بها في أوائل هذا القرن قبل غاندي ومدرسته فيفيكانندا حول العالم، وزيارته إلى أمريكا الشمالية على وجه الخصوص، إذ ذهب هذا الشاب- والفيلسوف المتصوف- لينشر دعوته، الدعوة إلى ((قداسة الإِنسان)) هذا المذهب الذي سيكرس طاغور، فيما بعد، حياته للدفاع عنه، والتبشير به، وكانت هذه الرحلة أول بلاغ لرسالة الهند في العالم. ولكن هذه الصرخة غير المنتظرة، وغير المألوفة. لم تثر إلا اهتمام بعض الاوساط المهتمة بما يسمى علم الأرواح و ((الإِلهيات)) حتى أن صرخة فيفيكانندا: (إلهي!! إِليك الفقراء من كل وطن ومن كل جنس!) ... هذه الصرخة الرائعه التي تعبر في أعماق ضمير ممتاز عن مذهب يدين بخدمة الإِنسان، يدين بفكرة من يقول: إذا أردت أن تجد الله فاخدم الإنسان .. هذه الصرخة مرت مع خطوات الزائر دون أن تترك صدى كبيراً في الضمير الأمريكي، ولم يسجل لها أثر في التاريخ، سوى أثر تلك الفتاة الأمريكية التي اعتنقت المذهب، وسارت وراء خطوات صاحبه، كما ستسير فيما بعد، تلك الفتاة الانجليزية، مسز سلاد،

стр. 149

وراء خطوات غاندي، لتمثل في قصة الساتياجراها دور المجدلنية في هذا العصر. أما في أوروبا، فلم يكن لهذه الصرخة أي صدى، وما كان لها أن تترك أثراً في تلك البلاد المنهمكة في نعيم ((العصر الجميل)) (١) حيث كانت الجماهير الأوروبية ترقص فيه رقص فيينه، على نغمات شتراوس الساحرة، تحت سيول الأضواء الكهربائية التي بدأت تنير، إذ ذاك الحياة المتمدنة. ولم يكن المعاصرون للملكة فيكتوريا أولئك الذين طبعوا ذلك العصر بما في نفسيتهم ومزاجهم، لم يكونوا يزورون الهند من أجل أن يسمعوا صرخة الإِنسان الهندي، بل ليتمتعوا بصوت النمر الرهيب في غابات البنغال الكثيفة. ولكن هناك، في البنغال بالضبط، حيث قمعت بالدماء بعض أحداث ثورية بدأ يصعد، حوالي سنة ١٩٠٥، صوت طاغور. الذي وجه نداء الهند لأول مرة إلى أوروبا، ولقد كان في أوروبا ضمير يقف بالمرصاد، وأذن رقيقة الحساسية تتحسس كل هبوب تدفعه الروح، وكل نداء يأتي من الإنسان، وكل أنين يصعد من الآلام ... ، وهكذا سمع رومان رولان بكل حساسيته النادرة صوت طاغور، ((صوت ذلك العصفور)) كما سيسجل في مذكراته عندما يسجل اسم الشاعر الكبير لأول مرة. ومن تلك اللحظة، يبدأ تاريخ الساتياجراها، أو رسالة الهند في العالم. لأن رومان رولان بدأ من تلك اللحظة تبليغها ونشرها ليس في أوروبا فحسب - موطن دمه- ولكن في العالم، موطن روحه. ولم يقم بهذه الدعوة دون أن يشعر بجلالها وقداستها، كما نرى ذلك من خلال مذكراته عندما يذكر بعض رفاق الطريق، وعلى وجه الخصوص، عندما يذكر رفيقين قضيا نحبهما في ذلك الطريق، في خدمة الدعوة، لقد رافقا غاندي في الأيام الأولى عندما كانت الدعوة في بدايتها بافريقيا الجنوبية، وهكذا يتساءل

стр. 150

رومان رولان في شأنهما، فيكتب في مذكراته: ((من سيتحدث عن القديس أندريوس وعن القديس بير سون؟)). من سيتحدث عنهما؟. وهل شهادة تشيد باسميهما وتخلدهما في التاريخ أكثر من هذه الشهادة التي أراد رومان رولان أن يضفي عليها طابع القداسة فأعطى فيها لكلا الرفيقين لقب القديس؟ ولكننا بدورنا نتساءل: من سيتحدث عن القديس رومان رولان!؟ والواقع أن عملية تعمية بدأت تحيط باسمه منذ اليوم، حيث نجد تعريفه في القاموس بهذا النص: ((رجل متمسك بمبدأ السلام والاشتراكية العالمية، صاحب كتاب (جان كريستوف))). إن هذا التعريف يكفي لا شك لتخليد اسم في الأدب، ولكن رومان رولان يستحق أكثر من ذلك! إننا لو اعتبرنا في تاريخ القرن العشرين ((أفكار غاندي)) كتيار رئيسي في هذا القرن، لوجدنا نفوسنا في اللحظة ذاتها مضطرين إلى اعتبار رومان رولان لا كمجرد مبلغ لأفكار الغبر، ولكن كأستاذ بالنسبة لهذا التيار، لأنه لم يقم فقط بدور من عرف أفكار غاندي في العالم المتحضر، بل إنه أحيانا وسع نطاق تلك الأفكار وعمقها. لقد عمقها في كل مرة شعر فيها بضرورة إِضافة عنصر من عناصر تفكير فيفيكانندا إليها. أي من تفكير ذلك الفيلسوف الإنساني الذي يشعر بضعف الإِنسان أكثر من غاندي الذي ربما وجدنا عنده بعض المعاني الإنسانية المتحجرة. بسبب الشدة التي يقتضيها أحيانا العمل في الحقل السياسي، عندما يكون العمل السياسي مطبوعا بشدة التمسك بالمبدأ كما كان الأمر بالنسبة إلى غاندي .. إذ كان يفقد أحيانا الشعور بحدود طاقة الإنسان.

стр. 151

فرومان رولان وسع نطاق هذه الأفكار، في كل مرة شعر أن صلاحيتها تمتد إلى أبعد من مصلحة الهند وحدها، هكذا نراه يعمد، إلى تخليص تلك الأفكار من الإطار الهندي الذي خصصها غاندي له لتصبح صالحة لخدمة الإِنسانية كلها. إن رومان رولان استطاع أن ينقل الأفكار التي وضعها غاندي في فلك الهند، إلى الفلك العالمي الذي كان يشعر به أكثر من غاندي ... إذ كان ابن ذلك الفلك الأوروبي الذي أصبح- بمقتضى انتشار الحضارة والثقافة الغربية- الفلك العالمي ... ـ[(ضاع ما يتبع من هذا المقال)]ـ. ***

стр. 152

الْأَسَاسُ الْغَيْبِيِّ لِفَلْسَفَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ الجمهورية الجزائرية في ٢٩/ ٩/ ١٩٥٠ ــ إن المقالة التي نشرها الدكتور عبد العزيز خالدي (١) بعنوان ((الاستعمار والحرية)) - وربما كانت تستحق عنوانا آخر لأنها تتعرض لمشكلة في منتهى الأهمية بالنسبة إلى كفاحنا اليومي- قد وضحت عقدة جوهرية في النفسية الأوروبية تجاه الإنسان، العقدة التي تمنع الفكر الأوروبي من فهم الإنسان بمعناه التام، أو كما يقول صاحب المقالة، في عبارة موفقة، فهم ((الإنسان بأكمله)). وهذه الحقيقة واضحة في النفسية الأوروبية كما سنحاول توضيحها في هذه السطور. ولكن الدكتور خالدي يعزو هذه العقدة إلى ظاهرة رأسمالية، وبالضبط إلى الثقافة الرأسمالية التي، حسبما يرى هو، قد أذابت سفهوم ((الإِنسان الأبيض المتحضر)) و ((الإنسان الملون المتهمج دون رجعة، والمتخلف بصورة مزمنة)). فهذا التفسير للقضية، أي تفسيرها على أنها من معطيات المجتمع الرأسمالي، يكون مقبولا لو أنه تمشى مع الوضع الأوروبي منذ عهد معين، أي منذ ظهور الرأسمالية في أوروبا وتكوين الأمبراطورية الاستعمارية، ولا شك أن الواقع الاستعماري، الذي نعرف آثاره الغربية في أوروبا، بحيث يعمي الأبصار حتى ينظر الناس إلى الرجل الأشقر من جبال الأوراس بالجزائر على أنه ((الزنجي)) بينما يرون الرجل الأسمر الذي يعيش مثلا بجبال قسطيليا أسبانيا على أنه ((الأبيض))، لا شك أن الفكر الاستعماري، الذي يمارس تحريف الواقع بهذه الصورة المكشوفة حتى في مجلة للأطفال، لا شك أن هذه الأشياء تجعلنا نركن إلى رأي الدكتور خالدي في القضية.

стр. 153

ولكن القضية على جانب من الأهمية تستحق أن توضع في التاريخ في حدودها الحقيقية. إن الرأسمالية تفسر، لا شك، أشياء كثيرة في النفسية الأوروبية ولكنها لا تفسر كل شيء. لقد أشرت في مرة سابقة، في فصل من فصول كتاب ((شروط النهظة)) إلى أن الاستعمار نكسة في تاريخ الإِنسانية تعود بالتاربخ إلى العهد الروماني. ويجب أن نلاحظ أن هذه النكسة لم تقع في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، عندما بدأ يتكون الوضع الرأسمالي والاستعماري في أوروبا، بل وقعت في غرة القرن السادس عشر، مع تلك الحركة المعقدة التي يسميها التاريخ حركة النهضة، والتي عبرت عن نفسها بأنها ((رجوع إلى العهد الروماني والاغريقي)). إن دراسة ظهرت هذه الأيام في علم الإِنسان بقلم المسيو ريموند شواب، تحت عنوان ((النهضة الشرقية)) تبين كيف وقع أفول للانسانيات في الغرب بهذا ((الرجوع إلى العهد الروماني)). إنني أطالع، بكل أسف، هذه الدراسة، ولكنني شعرت بقيمتها من خلال ما قاله فيها النقد، حيث يقدمها لنا على أنها ((دراسة كبيرة توسع نطاق الإنسانيات)) ويقدم صاحبها لنا على أنه يرى ((في التقاليد الرومانية، لا في القيم المسيحية)) السبب الكبير، إن لم نقل الوحيد، لانفصال الفكر الغربي عن الإِنسانية الشرقية. إن هذه الكيفية في فهم القضية سليمة، فيما يبدو لي، ولكنها تقتصر على اعتبارها بالنسبة إلى محور (الشرق - الغرب) فقط، مع أن الحقيقة تشمل موقف الأوروبي إزاء الانسانية بصفة عامة، إذ أنه في حالة انفصال عنها. منعزل عنها، ملتفت عنها كأنه ليس منها، بل يتربص بها الدوائر، كي يجعل منها ((حاجة)) يملكها، و ((شيئاً)) يغتصبه، عندما تدق ساعة الفتوحات الاستعمارية.

стр. 154

وتصاغ للتعبير عن هذا الانفصال الكلي الكلمات المناسبة: فكل ما ليس بأوروبي فهو ((الأهلي المتوحش))، ولا يخرج عن هذه القاعدة أحد في أوروبا، حتى ماركس الذي ثارت ثائرته يوما، في وثيقة خرجت من يدي ومن ذاكرتي، عندما رد بكل عنف على مؤرخ معاصر له، لأن هذا المؤرخ قد وضع على صعيد واحد، في نظره، ((آسيا)) في ذلك العهد وإلى حد ما اليوم أيضاً، في درجة ما من التأخر بالنسبة إلى أوروبا، ولكن ماركس كان يدلي بحكمه في القضية بصورة قطعية مطلقة، كأنهما آسيا في نظره، خلقت لتكون على طول الزمن ((آسيا المتوحشة)) ... ولكن مثل هذه الأحكام لا تخضع للمنطق حتى عند ماركس، لأنه لا يحكم هنا بما يمليه العقل ... ولكن بما يمليه الوسط والثقافة. الواقع- كما يلاحظ المسيو شواب- هو أن صورة ((الشرق)) في الذهن الغربي تتجلى من خلال عاطفة متعالية ومطلقة، تعبر عن شعور الغرب نحو نفسه ونحو الآخرين. غير أن القضية تستحق مزيداً من الوضوح: فإِن هذا التعالي المطلق ليس - فيما يخص الحقل الفكري على الأقل- واقعا خاصاً بطبقة معينة، إذ أن الفرد الأوروبي يحمل جراثيم هذه الكبرياء دائما لأنه يتلقاها من الجو الأمومي الذي يتكون فيه منذ الطفولة، ويتكون فيه تصوره للعالم وللانسانية، فهو يعتقد، على وجه الخصوص، أن التاريخ والحضارة يبتدئان من أثينا، ويمران على روما، ثم يختفيان فجأة من الوجود لمدة ألف سنة، ثم يظهران من جديد بباريس في حركة النهضة .. أما قبل أثينا فليس شيء يذكر في ذهن هذا الفرد المشحون بالكبرياء ... الذي لا يرى بين أرسطو وديكارت إلا الفراغ. وإننا- عندما نلاحظ هذه الملاحظات- لا نشير إلى أسرة الفراشين المحترمين في الجامعات الغربية، بل نعني أساتذة هذه الجامعات أنفسهم. إن هذه النظرة الخاصة للغربيين هي التي تشوه منذ اللحظة الأولى فلسفة

стр. 155

الإِنسان عندهم، وتشوه بالتالي السياسة الغربية في العالم، وربما يجب بعض الاستثناء بخصوص ما يسميه الدكتور خالدي: المعجزة الانجليزية، عندما يشير إلى الاتجاه الجديد الذي اتخذته انجلترا إزاء المستعمرات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن أليس مما يستحق الملاحظة أن انجلترا كانت، في الوقت ذاته الذي تعلن فيه استقلال بعض مستعمراتها مثل الهند، تفسح المجال إلى جيوش الاستعمار الهولندي التي تنزل بميناء سانغافورة كي تحتل أندونيسيا من جديد. ولكن فلنعف عن ((المعجزة)) لأنها ما قبلت ولا تقبل التحليل ولنتركها قابعة في سرها، وحسبنا أن نسجل هذا الاتجاه الجديد في سياسة انجلترا باعتباره قد اتخذ فعلا في التاريخ مبادرة تحرير مستعمراتها دون أن تشعر في ظاهر الأمر، بضغط من الخارج. ولكن هل ان هذا التطور الرسمي الذي ظهر أثره في أعمال الحكومة الانجليزية، قد تجاوب مع تطور حقيقي في نفسية الفرد الانجليزي تجاه الإنسان؟ ... القضية في هذا المجال فيها نظر ... والواقع أن فلسفة الانسان لا زالت في الغرب رهينة تعابير ومصطلحات لا تسمح للذهن الغربي أن يتصور وحدة الانسان، وتضامن ملحمته على وجه الأرض .. ، فهناك كلمات مثل ((الأهلي)) و ((الولد)) و ((الولود)) و ((الأسود)) و ((الجلد الأحمر)) تعبر، في الغرب، عن عينات إِنسانية سفلى، وهناك عبارات تضفي على بعض الأجناس صفات أو ألقاباً معينة إلى الأبد، مثل ((الهندي الخفي)) و ((العربي غير المكترث)) و ((الصيني الغامض)) ألخ .... ففي اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور يقع تحت نظري عدد من مجلة ((إيكو)) أرى على وجهها صورة رجل صيني، أراد محرر المجلة أن يعلق تحتها هذا السؤال ((ماذا يختفي وراء هذا الوجه الغامض))؟ وإنني أحدق في الصورة كي أرى ما يبرر هذا السؤال، فلا أجد أي غموض،

стр. 156

في ملامح هذا الوجه المريح المتفتح المستبشر: فلا شك أنني رأيت وجوهاً أكثر غموضاً منه بشوارع الجزائر أو باريس، مع أنني لم آلف بعد الوجوه الصينية. ومن المحتمل جداً أنني لم أر منها في حياتي العدد الذي رآه صاحب المجلة. هكذا نجد أنفسنا، فجأة، في نقطة تقاطع، تتقاطع فيها نظريتان عن الإِنسان. ولقد أشعر بأن هذه الملاحظة كأنها تلتقط صورة غير مؤهبة، لنظرية أخرى عن الإنسان، صورة حية برزت من ضميري مباشرة كمسلم، في حالة شعور عابرة أو عن لا شعور، ليعبر عن شيء يمكن أن نطلق عليه ((فلسفة الإنسان في الإسلام)). وإِنني أقدر موقع التعجب الذي تقعه هذه العبارة في ذهن من يقدر الكلمات بحرفها أكثر من معناها، إن معرفتي القليلة بأصول اللغة العربية لا تتيح لي الحكم الجازم بوجود كلمة عربية تعبر عن كلمة Humanisme [ التي نترجمها هنا بعبار فلسفة الإنسان] ولكن روح هذا المفهوم ليس مرتبطاً بلفظه، كما أن واقعه ليس خاصاً بإِدراك عقل عالم، بل هو في متناول أي ضمير بمجرد اتصاله الطبيعي بالإنسان. فهذا الاتصال هو الذي يحمل معنى الكلمة ويعبر عن واقعها. فإذا تحدثنا عن ((فلسفة الإنسان في الإسلام)) فإننا نعبر عن نوع اتصال بالإِنسان خاص، وضع فيه الإسلام أساساً غيبياً، حتى إن الضمير الإسلامي لا يمكنه أن يفصل مفهوم ((الإنسان)) عن هذا الأساس الغيبي، دون أن ينفصل هو عن الإِسلام الذي قرن هذا المفهوم بتكريم الله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. وهذا التكريم ليس خاصاً بالعربي أو المسلم بل بنوع ((ذي اليدين))، كله من ذرية آدم، ذي اليدين الذي يتمتع في نظر الضمير المسلم بقيمة تفوق كل قيمة طبيعية تحتمل ((الكم)). إِذ ((الإنسان)) ليس، في نظر المسلم، ((الكم)) الذي تجري عليه الاحصائية والوزن، أي الشيء الذي تجري عليه تجارب المختبر، وعمليات المصنع، وحاجات الجيش.

стр. 157

فالإنسان ليس ((الكم)) بل ((الصفة)) التي قرنها الله بالتكريم في سلالة آدم، فالمسلم يكرم هذه الصفة بصورة مطلقة. وكما هو منتظر فإن هذا التكريم له آثاره المحسوسة في الحياة: في التشريع وفي الآداب وفي العادات ... فالإسلام يقرر لأقل عبد رقيق الحق في العتق إذا ما تبين أن ربه ظالمه في العمل أو في الغذاء. ونرى الخليفة عمر يخضع للواقع عندما ترفض عجوز يهودية أن تسلم حقها في مِلْك يقع في حرم المسجد الذي بني بالمقدس. وفي رحلات العرب، إِبان العصر الذهبي، مثل رحلات ابن بطوطة والمسعودي وأبي الفداء فإِننا لا نجد فيما يكتبون عن الشعوب والقبائل البدائية المكتشفة أي ثرثرة تشوه إنسانية هذه الشعوب، ولا نرى في اتصالهم بها أي آثار للكبرياء في علاقات الإنسان المتحضر العربي إزاء الإِنسان البدائي، ولا نجد فيما كتبه الرحالة العرب المصطلحات الدارجة التي تعبر عن الإنسان بالتشويه، والسخرية والاحتقار مثل العبارات التي أوجدتها لغة الاستعمار للتعبير عن الإنسان المستعمَر. فشرف الإِنسان محرم في الإسلام حتى في الصورة التي عليها ملامحه في قطعة من الورق، فالمسلم يستحي بطبيعته من أن يستعمل هذه القطعة للاستبراء مثلا، بينما تجد صورة شيخ ذي وقار أو صورة فتاة ذات جمال فتان ملطخة في أماكن الراحة في البلاد المتحضرة، بل أكثر من ذلك، إنك لا تجد في هذه الأماكن في البلاد الإسلامية مجرد الورق المكتوب، لأن الكتابة في نظر المسلم البسيط صورة لفكر الإنسان، فهي على ذلك مقدسة. فهذه الأشياء الطفيفة تحمل أثراً أعمق لفلسفة الإِنسان من تلك الكلمات المنمقة، التي تعبر بها عن تلك الفلسفة، البلاد التي أعدت مصطلح هذا المفهوم بحرفه، وزهدت في معناه، كما هو أعمق من هذا المفهوم نفسه، في ضمير أولئك

стр. 158

الكتاب الذين لا يستطيعون أن ينظروا إلى الإنسان، دون أن يحاولوا هتك حرمته والمس بعرضه، مثل زملائهم، أولئك الفنانين والمخرجين السينمائيين، الذين لا يلقون نظرتهم على الحياة الإنسانية، دون أن ينزعوا عنها برقع حيائها، فتراهم يركزون عدسات كامراتهم، على أكوام المزابل والنقائص والأسمال والجروح الضي تنز ..... بدعوى أنهم يخرجون أفلاماً للالستعلامات! ... أو أنهم واقعيون. فكم نشعر باحتقار هؤلاء الأدباء والفنانين للإنسان لأنهم يقدرونه بتقدير ((الكم)). هذا ((الكم)) الذي أراد أن يعبر عنه بلغته مخرج أمريكي مقتدر، في فيلم أخرجه أخيراً يقول أحد أبطاله في حوار مؤثر: إنما الإنسان نقطة حقيرة على وجه الأرض. فكل تقدير ((كمي)) هو في الواقع تقدير لشيء لا قيمة له، أي لمجرد نقطة، وما النجمة الضخمة من حيث ((الكم)) إلا نقطة تراها أعيننا في السماء، هذا إن كانت مرئية، وأحياناً تكون ((لا شيئاً)) إن لم تكن مرئية!. أما الإسلام فقد أعطى للإنسان كل حجمه في ضمير المسلم، لأنه وضع قيمته في هذا الضمير، لا على تقدير الكم ولكن على أساس غيبي يجعلها قيمة لا متناهية. ولا نقول أن ليس من يقدر الإِنسان هذا التقدير من غير المسلمين فلا شك أن الدكتور خالدي قد أصاب فيما لاحظ من تقدير إنساني في لهجة نهرو الذي يبدو أنه يعطي هو الآخر للإنسان كل حجمه وكل التقدير. إنني لا أدري إذا كانت لغة الأردو، التي يتكلم بها رئيس حكومة الهند قد صاغت المصطلح الذي يعبر عن فلسفة الانسان، ولكن لا أشك في أن ضميراً صاغته تعاليم غاندي لابد أنه يحتوي هذا المفهوم. ومهحما يكن الأمر، فإن هذا المفهوم يستحق، بكل تأكيد، أقصى ما يمكن من الوضوح، في عصر بدأت فيه الإنسانية تقرر مصيرها في مستوى الكرة الأرضية. ولا شك أن المجهودات المبذولة اليوم في الغرب، مثل ما نشاهد في كتاب المسيو

стр. 159

ريمند شواب، أو في إنتاج مدرسة رونيه جينون، تفتح عهداً جديداً. وحبذا لو كان وراء هذه المجهودات الفردية تأييد المؤسسات الكبيرة، وإننا نجد فعلا في الأونيسكو ما يبشر بهذا. ولكن نتمنى لو كان مع ما نرى لموظفيها المحترمين من نشاط وراء جدرانها الشامخة، أكثر تفتحاً فيها على قضية الإِنسان ومشاكل الحياة الواقعية. ***

стр. 160

الدِّرَاسَاتُ الْحَدِيثَةُ وَالتَّصَوُّفُ الْإِسْلَامِيُّ الشاب المسلم في ٨/ ٥/ ١٩٥٣ ــ إن المفكر الإنجليزي ألدوس هكسلي، يبدو الكاتب الوحيد الذي تناول، كتابه ((الفلسفة الخالدة)) دراسة التصوف كموضوع علمي أو بالضبط كطريقة بحث، وكمنهج يتبعه الاجتهاد العقلي لاكتشاف مجهول من نوع خاص، أي على أن التصوف ((علم)) يبحث عن هذا المجهول، حيث أن كل علم هو في جوهره الجهد الذي يبذله الإِنسان من أجل اكتشاف ما يجهل ... وإِننا لنعلم أن المتصوف هو، فعلا، باحث عن الحقيقة الخفية، بل هو أحياناً أكثر الباحثين حرارة وروعة في بحثه عن الحقيقة، يبحث عنها في خفايا نفسه الحميمة، وأبعد من هذا المجال النسبي، في سر ذلك الأفق النائي الذي تسبح فيه الحقائق المطلقة. كما نعلم أيضاً أن هذه التجربة الذاتية، قد تؤدي أحياناً إلى كارثة عندما ينتهي الطواف إلى فكرة ((وحدة الوجود))، وهي الكارثة التي تنتظر المتصوف عندما تضيع معالم الطرق أمامه، في حالة من أحواله، فيفقد فيها الاتزان النفسي، فيصبح لا يفرق بين الحقيقة النسبية التي تكنها نفسه في عالم الـ ((أنا)) المحدود، والحقيقة المطلقة التي يكنها ملكوت السموات والأرض في عالم لا حدود له .. هكذا يخلط بين هاتين الحقيقتين كما حدث لمؤسس البابية الذي وقع في مثل هذا الخبط فخرج به عن الجادة إِلى أحقر صور الكفر. وإنما يجب أن نقول: إن هذه التجربة، مهما تكن قيمتها الروحية من ناحية أخرى، فهي تخص مجالا تقاس وقائعه غالباً بالمقياس الأخلاقي، وأحياناً حتى بالمقياس الجمالي كما حدث، على سبيل المثال، فيما يخص عمر الخيام الذي يعده

стр. 161

البعض من شعراء التصوف والبعض يعده من شعراء الغزل والخمريات. ومهما يكن من الأمر، فالتصوف يعتبر الميدان الذي نقدر فيه الأشياء في نوعيتها وخصوصيتها، كل شيء بميزته، وكل شخصية متصوفة بما يميزها، بينما يأتي الدوس هكسلي، فيحاول ضم هذه النوعية في إطار وحدة شاملة، ووضع هذه الأشياء والشخصيات المختلفة تحت قانون عام، في نطاق منهج شامل يحيط بروح التصوف لا بتفاصيله، أي يحيط به كظاهرة خاصة بالفكر الإِنساني. وهو يصل إلى هذه النتيجة لأن اطلاعه المتسع يتيح له استخدام معطيات كل الثقافات الدينية فيقارن بعضها ببعض، ليصل بعد مقابلة النصوص المختلفة، إِلى حقيقة علمية تعطي التصوف صورة المنهج الموحد، المتشابه الأطراف، المتماسك الأجزاء، المتقارب المصطلحات في مختلف الأديان واللغات، رغم هذا الاختلاف، حتى إننا نجد في التصوف ما يوحد تصوراته واتجاهاته في كل العصور وفي كل البلاد، ويتخذ بذلك في نظرنا السمة التي يطلق عليها ألدوس هكسلي ((الفلسفة الخالدة)). لا شك أن موقف المفكر الإِنجليزي لا يخلو هنا من بعض الغرابة، ولكن محاولته تذهب إلى أبعد مما يبدو فيها من مجرد غرابة، أو كأنها تتعداها لتأخذ مكانها في محاولة أوسع نطاقاً، هي محاولة التوفيق والتوحيد التي توجه العالم اليوم بصورة غامضة، وسواء عن شعور، أو غير شعور، إلى توحيد مصيره في كل المجالات. فالتصوف يأخذ مكانه، في ضوء هذه الدراسة، في أحد هذه المجالات. فمحاولة هكسلي تأخذ هكذا مكانها في هذا الاتجاه العام مع محاولات أخرى كالتي يقوم بها روني جنون ومدرسته في نفس الموضوع، ومع ما ينشر من حين إلى آخر ككتاب ((وحدة الأديان من الناحية الميتافيزيقية)) الذي يعبر بمجرد عنوانه عن أهميته بالنسبة لموضوعنا. فليس إذاً من اللغو أن نتساءل عن مكان التصوف الإسلامي عند هذا المؤلف

стр. 162

الإنجليزي: إذ لا نجده قد أعطى الفكرة الصوفية الإسلامية حقها مع أن كتابه القيم كان يهدف إلى ضم كل رحاب الموضوع بين دفتيه. إنه لا شك يذكر الغزالي وجلال الدين الرومي، مرة أو مرتين. ولكن هذه القلة نفسها تدل على نقص في الكتاب إذا ما قدرنا الأشياء بالنسبة إلى خصوبة الموضوع أي بالنسبة إلى مجال ثقافة دينية- كالثقافة الاسلامية- يتضمن بجانب تصوف تاريخي يُرى بأسيماء لامعة، تصوفاً حياً أو معاصراً، تبدو آثاره حتى وراء ملامح مؤدب الكتاتيب البسيطة بالأرياف الجزائرية، في صور جميلة تدل على أن الحياة الإسلامية ما زالت، رغم الفقر الروحي المنتشر في العالم، ما زالت توقظ رسالات صوفية تستحق الاعجاب، وتمدها من الاشعاع الروحي بما يناسب حاجاتها والتزاماتها ... وإننا لواثقون- لو أن هذا الموضوع أغرى بض المثقفين السائحين في ... سبيل الله- أنه يستطيع في هذا السبيل جمع ما يكفيه من الآثار لتأليف كتاب جميل ... وربما خامرت هذه الفكرة عقل كاتب مراكشي من فاس حيث أنه أعطانا صوراً رائعة انتقاها من حياة الشارع والسوق والمسجد، وصبها بأسلوب قصصي لطيف في كتاب استحق عنوانه ((عقد العنبر)). إننا لا نستغرب إذا لم نجد هذا الجانب من التصوف الإِسلامي الذي يمكن أن نسميه الجانب الشعبي، في كتاب مثل كتاب هكسلي الذي يمتاز بالطابع العلمي. ولكن كنا نود لو وجدنا فيه بعض ما يستحق الذكر من التصوف الإِسلامي التاريخي .. ، أي الفكرة الصوفية الإسلامية التي سجلها التاريخ في الحركة الصوفية العالمية. ولكن إذا كان هذا النقص في الكتاب، مما يؤسف له. فيجب مع ذلك أن لا ننسى أنه أيضاً ومن ناحية أخرى يعبر عن عجز الطبقة المثقفة المسلمة، التي لم تقم، باستثناء محمد إقبال، بتبليغ القيم الإسلامية إلى

стр. 163

لغات الثقافة العصرية في العالم، بحيث ضاعت عليها الفرصة لتساهم في التراث الروحي العالمي في زمننا. وهذا العجز يعبر عن هذا الزهد- الذي أشرنا إليه في مكان آخر (١) - الذي يتصف به العالم الإِسلامي في التعريف بنفسه .. حتى إِننا نحيي الترجمة الفرنسية التي نشرت تحت إشراف هيئة ((اليونسكو)) لرسالة الغزالي ((أيها الولد)) نحييها كمبادرة تأتي في أوانها لتسد فراغاً في محاولة التوحيد والتوفيق الروحي التي تجري تفاصيلها تحت عيوننا في هذا العصر .. بالخحوص إذا لاحظنا أن المقدمة التي وضعت لهذه الرسالة تعطي للشباب المسلم- المثقف بالثقافة الغربية- بالإضافة إلى ما تعطيه من المعلومات عن وجه هو أكثر وجوه الماضي جاذبية في تاريخ الإِسلام، وإلى ما تمنحه من فرصة ليعيش بعض اللحظات الممتعة في حضرة هذا الوجه المشرق بأنوار الروح الإسلامي، فإنها تعطيه ملخصاً مهماً عن تاريخ الفكرة الصوفية في الإِسلام. ...

стр. 164

فهرس

стр. 165

_________ الموضوع .............................................. الصفحة _________ ـ[الفصل الثالث - في الحقل الاجتماعي]ـ من أجل إصلاح التراب الجزائري ............................ ٩٣ قضية المرأة المسلمة ........................................ ٩٧ تهورأم تطور ................................................ ١٠١ ضرورة مؤتمر جزائري لتوجيه العمل ......................... ١٠٦ تعليق عليه ................................................. ١١٠ تفاهات جزائرية ............................................. ١١٢ باعة الحضارة ............................................... ١١٦ ثمن حضارتنا ............................................... ١٢١ ـ[الفصل الرابع- في حديقة الثقافة]ـ بين الأفكار الميتة والأفكار القاتلة ............................ ١٢٧ اكتب بضميرك .............................................. ١٣٧ النقد السليم .................................................. ١٤٠ وحدة الثقافة في الهند ........................................ ١٤٣ تحية الى داعية اللاعنف .................................... ١٤٩ رومان رولان ورسالة الهند .................................... ١٥٣ الأساس الغيبي لفلسفة الانسان في الاسلام .................... ١٥٩ الدراسات العصرية والتصوف الإسلامي ....................... ١٦٧

стр. 166

مشكِلاَت الحضَارة إصدار نَدوَة مَالِك بنْ نبي ـ[صدر منها]ـ ميلاد مجتمع تأملات في مهب المعركة بين الرشاد والتيه دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين شروط النهضة الظاهرة القرآنية وجهة العالم الإسلامي فكرة الأفريقية الآسيوية مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي فكرة كومنولث إسلامي المسلم في عالم الاقتصاد الصراع الفكري في البلاد المستعمرة