← Общие книги

Общие книги · id 37612

في مهب المعركة

مالك بن نبي

Полный текст (166 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تَفَاهَاتٌ جَزَائِرِيَّةٌ لو أن أحداً استساغ أن يشبهنا- باللسان أو بالقلم- فشبهنا بفراشات جميلة تتفسح في يوم الربيع، تطير رشاقتها الملونة من زهرة إلى أخرى، وهي تداعب حينا البنفسج وتارة تداعب النرجس ... لنظرنا إلى من يشبهنا بهذا التشبيه اللطيف على أنه يستخف بنا ... وأنه يقصد بهذا التشبيه إهانتنا، لأن عقله لا يتورع عن السخرية ... ولكن، لو رجعنا لنفوسنا بالنقد الذاتي، فلربما نغير موقفنا من هذا الرجل، فلا نحمله الإِثم الذي نحمله. ورجوعنا لنفوسنا يمكن بفحص أي قطعة محددة من نشاطنا الاجتماعي، وإننا لنجد في حدث قريب المثل الذي يبرر هذه الاعتبارات في غاية الوضوح. إِن طليعة الشباب في حزب البيان، في منظمته الخاصة بالشبان قد أطلقت منذ أسبوعين- وهي صاحبة الفضل الكبير في ذلك- أطلقت صرخة مثيرة فيما يتعلق بخصوص قضية العطلة في الجزائر. وإننا نعرف، فعلا، الحالة المثيرة التي تجد فيها نفسها شبيبتنا التي تقضي ساعاتها وسنواتها في الشارع. وإنه لمن الأشياء التي لا تحتاج إلى دليل أن حجم الجهد الاجتماعي- ويجب أن يكون كذلك- بقدر المشروع الذي يريد تحقيقه بحيث يكون هذا مقياساً للأول. فهذا أمر في منتهى الوضوح. والآن فنحن نعرف جيداً حجم قضية العطلة في الجزائر، حيث أن هذه القضية تشغل، مع الأمية المكان الأول بين العاهات الاجتماعية في هذه البلاد.

стр. 107

وعليه، فإن صرخة شباب حزب البيان، كانت، فيما يبدو، تبشر بعهد جديد بالنسبة إلى العطلة، كدعوة لدراسة هذه القضية دراسة مثمرة، من شأنها أن تأتي بالحلول المناسبة للمشكلة المعروضة. ومما كان يزيد في توقع هذا الأمر، أن نداء الشباب كان يطلب الردود متعمداً ... فكان إذاً من المنتظر أن تقع مناقشة بين هؤلاء الشبان الذين لم يتقرر مصيرهم، فيعرضون مطالبهم ويعبرون عن رأيهم، ويقترحون فيها ... ما يرونه مناسباً من الحلول، ويشرعون في مبادرات أو يساهمون فيها ... أي بكلمة موجزة، أنهم سيتخذون في هذا الأمر موقفاً حاسماً. وكانت أهمية هذه الفرصة تتزايد في نظرنا، بقدر ما كنا ننتظر أنها ستجلي في ضوء واحد، موقفين: موقف أصحاب النداء أي النخبة، وموقف من يتوجه إليه النداء أي الجمهور، أي موقف الطائفتين اللتين تكونان العناصر المحركة لحياة اجتماعية وكانت الفرصة هكذا تفسح المجال لاختبار أهم جانبين في الشباب الجزائري ولكن لقد مضت الأمور، في الأول، كأنما نداء شباب حزب البيان لم يخص حالة عامة، وإنما بعض الحالات الخاصة، لم نعرف منها بالتالي إلا حالة واحدة، حالة شاب ميكانيكي كان له الفضل في الدخول في المناقشة المطلوبة. فدخل فيها وحده ... دون أن يكون له رفيق ... فالواقع أن المناقشة لم تقع، لأن الجانب الذي كان سيمثل فيها ((الجمهور)) يفقد الروح الاجتماعية، كما يعبر عن ذلك موقفه السلبي، وسنقول فيما يتبع شيئاً عن معنى هذا الفقر الاجتماعي الذي يؤدي إِلى نتيجة غير منتظرة، لأنه من الوجهة العلمية كأنه نافية تنفي وجود القضية المعروضة للبحث. ومن ناحية أخرى، يجب أن نلاحظ أن الجانب الآخر الذي كان سيمثل في القضية ((النخبة)) كان مصاباً أيضاً بفقر اجتماعي ولكن من نوع آخر كما يدل على ذلك عدم تنبهها إلى سلبية ((الجمهور)) التي أشرنا إِليها، كمشكلة اجتماعية، قائمة بذاتها يجب إضافتها إلى القضية المعروضة كي تدرس كجزء منها يزيد بضوئه

стр. 108

الخاص في توضيح القضية. وهذا يجعلنا نقول إن ((النخبة)) عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فهي على هذا كأنها اقتنعت بتسجيل الفشل ولكن دون أن تسعى في تفهم أسبابه ... وإننا نتمنى أن تكون قد شعرت بهذا الفشل، حين لم يكن لندائها صدى يذكر. فلو أن النخبة درست هذا الفشل، لاستفادت منه أكثر مما يفيدها نصف، نجاح خداع ... لأنها تدرك من خلال تلك الدراسة حقيقة الأمر، أعني حقيقة الشروط الخاصة التي يجب أن تخضع لها جهدها كي تحقق به نجاحاً كاملا. فمن الواضح أن الصمت، الذي كان الرد الوحيد على النداء الذي وجهته هذه ((النخبة))، يعني من ناحية ((الجمهور)) التهيب وفقدان الثقة والأمل، ويعني من ناحيتها نقصاً في التنظيم. وعليه فالفشل يتضمن جانباً سيكولوجياً وجانباً فنياً (١). ومن البين أن الجانب الفني أي النقص في التنظيم وفي التخطيط وفي توجيه العمل المشترك، هو عمود القضية، لأننا لو وضعنا هذا الجانب موضع التأمل والدراسة، لدعانا ذلك إلى مزيد من التأمل في القضية الرئيسية، قضية العطلة. ولكن إذا أردنا أن نذهب في هذا السياق إلى أقصى التحليل يجب أن نقول، إن المشكلتين بقيتا معاً دون حلول، فلا ((الجمهور)) اكتسب الروح الاجتماعية التي يفقدها، ولا ((النخبة)) اكتسبت الفكر الفني الذي يعوزها. ولكن الشيء الذي يزيد في الطين بلة أعني يزيد فيما يعاني الشعب من فقدان الأمل وعدم الثقة، هو أننا سجلنا الفشل في مشكلة معينة، وتركناها في الطريق

стр. 109

دون حل، وذهبنا إِلى آفاق أخرى وإِلى مشكلات جديدة، كأن المشكلة التي مررنا بها لا وجود لها. فنتاول مثلا مشكلة المرأة، ثم نتركها بدورها في الطريق، ونمر هكذا مر الكرام على الأشياء .... أليس في هذا ما يجعلنا نستحق فعلا التشبه بالفراش ... لأننا ننتقل من مشكلة إلى أخرى ... تسلية وتضييعاً للوقت. ومن الناحية الجدية: أليس في هذا الدلالة بأن موقفنا الاجتماعي لا يتسم بالإرادة المتصلة والجهد المتواصل، ولكنه يتسم بالمحاولات المتتابعة ... والإرادات الخافقة. وإذا حللنا مجهودنا تحليلا جذرياً وجدناه متفكك الأجزاء كأنه مركب على صورة الخط المنقط، الخط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئاً. وإننا نجد هنا، في صورته الاجتماعية، المرض الذي سميناه ((الذرية)) في تفكيرنا، ذلك المرض الذي أشار إليه عالم إنجليزي بحق. وربما حان الوقت كي نتناول المشكلات في عمقها، في مناقشة تتسع بقدر ما يمكن إلى دراسة مدققة، أي في مؤتمر يكون موضوعه دراسة القضايا القائمة مثل قضية الرجل بلا شغل، والمرأة بلا مركز اجتماعي، والطفل بلا مدرسة (١) ..

стр. 110

بَاعَةُ الْحَضَارَةِ الشاب المسلم في ١٦/ ٤/ ١٩٥٤ ــ إننا نعرف في الجزائر، وفي البلاد الإِسلامية الأخرى، ذلك الوجه المألوف، وهو يشق طريقه بين الجماهير في أسواق المدينة وبطحائها، يوزع مجاناً ماء غدقاً يسكبه من قربة يحملها بجنبه يمر وهو يكرر كلمته المعروفة لدى أجيال المسلمين: - في سبيل الله! السبيل! .. إننا نعرف هذا الوجه الأصيل، بين وجوه أخرى كذلك المؤذن، وهو يوزع في الواقع زهده، وطمأنينة عقيدته وروحانيته العميقة في الأسواق .. فكل حضارة تصنع هكذا نماذج اجتماعية ووجوهاً تقليدية تتعاقب في الأجيال، تضع عليها طابعها، وترسم على ملامحها ما يعبر عن رسالتها الخاصة. فالحضارة الغربية، باعتبارها شغالة ومهنية، قد صنعت النموذج الاجتماعي المطبوع بما نسميه مثاليتها، أي المطبوع بالعبقرية التي تتمثل فيما يطلق عليه الإنجليزي ((الشغل)) ( Business) وبالحكمة التي يعبر عنها هذا الرجل فيقول: - إن الوقت درهم ... ومن الطبيعي أن يكون هذا النموذج متنوعاً حسب الحاجة في مجتمع اعتنى أكثر من غيره بالتخصص وتوزيع العمل. إِننا لا نجد هذا النموذج متمثلا فحسب في البقال، وفي السمسار الذي يعرض العمارات للبيع، وفي بائع الحديد القديم، وفي بائع المخلفات أي في كل بائع لشيء من الأشياء، بل نجده متمثلا في البائع الذي يبيع ((لا شيء)) .. أي

стр. 111

في البائع الذي لا يسلمك شيئاً في مقابل نقودك. إنك تعرف، لاشك، إذا كنت من سكان مدينة كبيرة في الغرب ذلك الزائر الذي يدق على بابك ليعرض عليك إما ((مصاصات الغبار)) التي تمتص الغبار من السجاد، وإما تكبير الصور العائلية فيقول أحدهما: - يا أستاذ، إن الآلة التي أعرضها على حضرتكم لازمة لصحة بيتكم، لأنها تكفيكم شر المكروبات الموجودة في الغبار. ويقول الثاني: - يا سيدي، إن دارنا تمكنكم مجاناً من حفظ ذكريات العائلة من التلف .. يجب أن تكبروا صور العائلة كي تحتفظوا بها. إنك تستمع هذا ... وتبتسم طبعاً لهذه العبارات البريئة، حيث ترى المصلحة الشخصية فيها، وهي تحاول أن تختفي وراء مصلحتك. ولكن مهما يكن في موقف هذين الزائرين من انتفاعية بسيطة متخفية، فإنهما على كل حال، يعرضان عليك شيئاً معيناً، مقابل نقودك. ولكن كيف نحكم على من يأتي إلى بابك كي يبيع لك الحضارة؟. إن بعض القيم لا تباع ولا تشترى، ولا تكون في حوزة من يتمتع بها إلا كثمرة جهد متواصل أو هبة تهبها السماء، كما يهب الخلد للأرواح الطاهرة، ويضع الخير في قلوب الأبرار. فالحضارة من بين هذه القيم التي لا تباع ولا تشترى .. ولا يمكن لأحد من باعة المخلفات أن يبيع لنا منها مثقالا واحداً ولا يستطيع زائر يدق على بابنا أن يعطينا من ((شنطته))، أو من حقيبته الدبلوماسية. ذرة واحدة منها. فهذه الاعتبارات تجعلنا نقف، من الجلسة التي عقدتها، أخيراً، أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية للاستماع إِلى مدام لويزفيس، التي تحث الغرب على

стр. 112

مواصلة عمله في البلاد المستعمرة كي يقي هذه البلاد من العودة إلى الفوضى .. فإننا لا نرى في هذه الجلسة أي جانب بناء، كأنها مجرد جلسة تسلية لهذا المجلس المحترم. إنه لا يمكننا الحكم المدقق على قيمة ما قيل خلالها كوثيقة تخص علم الإنسان في القرن العشرين، لأنه ليس لدينا العرض الكامل للجلسة .. إنه يمكننا فقط أن نتصور هذا العرض من ملخص ما نشرته جريدة (لوموند) ومن التحفظات التي يدلي بها المسيو لالند بالنسبة إلى بعض المسلَّمات التي يستند إليها الحديث الذي دار خلال الجلسة .. ولكننا نريد إِسناد ملاحظاتنا إلى نيات مدام لويزفيس ذاتها .. لا فيما يتعلق بنياتها الشيخصية الخاصة، لأننا نحترمها كشيء يتعلق بحرمة الذات الإِنسانية، ولكن بالنسبة إلى ما هو من وحي الثقافة العامة المتمثل في ((نية تحضير البلاد المستعمرة)) أي في العبارة التي نجد فيها أكبر تعبير عن نفاق الاستعمار. ومن الطبيعي أن ((نية)) كهذه، تخلق اشتباهاً يجعل فعلي ((حضر)) و ((استعمر)) بمثابة المترادفين، ونجد شخصيات لامعة مثل الأستاذ شيجفرد والقسيس بجنر والكاتب دوهميل يشاطرون مدام فيس هذه النية أي هذا الالتباس .. والنتيجة العاجلة للمسلَّمة التي تتضمنها هذه ((النية))، أو إِحدى نتائجها في نطاق السياسة، هي تلك المرافعة، التي شرعت فيها مدام فيس، في محاضرتها ضد ما تسميه، زعماء الشعوب المتخلفة، حيث أنهم في نظرها، يحرمون هذه الشعوب من الخيرات التي تقدمها لهم الحضارة الغربية وعليه فإن الإِثم والجريمة يتكفل بها ((الزعماء الوطنيون)) أنفسهم وهم المسؤولون بالجزائر مثلا- كما يستنتج من كلام هذه المحاضرة المحترمة- هم المسؤولون عما يعاني الشعب الجزائري من فقر وجهل وعطلة ... وهم، بطبيعة الحال، الذين يقررون الأجور المخزية التي يتقاضاها العامل الجزائري اليوم، إذا ساعده الحظ فوجد عملا. كما يقررون، طبعاً، الأسعار

стр. 113

المنحطة للبضاعة الأهلية، مثل الحلفة، في الأسواق العالمية ... وهم .. وهم ... ولكن فلنكف عن هذه التسلية ... ولنعد للجد: إننا لا نستطيع أن نتصور أن المحاضرة المقتدرة على هذا الجانب من البساطة حتى تعتقد أن الشعب الجزائري يدين بحالته التعيسة إلى بعض الأرواح الشريرة المتجسدة في قادته، وأن الاضطهاد الرهيب الذي يئن تحته الشعب التونسي اليوم من صنع فرحات حشاد (١) على سبيل المثال؟ ولكن فلنحذر أن ننزلق إلى الاعتبارات السياسية .. وليبق حديثنا على ((النية التحضيرية)) إننا لا نتصور هذه النية في سياسة الغرب في المستعمرات لأننا لا نعرف الركن الذي تشغله هذه النية في شيء يسمى ((ضمير الاستعمار)) ... بل نشعر أحياناً بأنه يجب قلب ما قالته مدام فيس لنكون في الصواب، لأننا نرى فعلا الاستعمار يتدخل في شؤون ((الحياة الأهلية)) - كما يعبرون- في اتجاه ينافي تماماً كل حضارة وكل نية تحضير ... ولا حاجة لنا بتجربة نادرة كي نتأكد من هذه الحقيقة. وفيما يخصني، فإنه يمكنني القول، بأن أي مجهود حضاري بذلته منذ عشرين سنة، كرجل يمارس الحياة الفكرية إلى حد ما، قد رجع علي، من الناحيه الإِدارية بكل شر ... وعلى سبيل المثال أذكر أنني قدمت، بعد نهاية دراستي سنة ١٩٣٦، طلباً إلى الوزير المسؤول بباريس من أجل تأسيس معهد بقسنطينة لتحضير الطلبة الذين يرغبون في الدخول إلى كليات الهندسة ... فلم يأتني رد. وفي سنة ٩٣٨ ١ - ١٩٣٩ أسست بمدينة مرسيليا مدرسة للأميين في سن متقدم من بين إخواننا العمال المشتغلين بفرانسا، فدعتني الإدارة المختصة ومنعتني من أن أواصل التدريس في هذا المعهد البسيط بدعوى أنه ليس لدي المؤهلات.

стр. 114

الكافية لتدريس ألف باء ... وعليه فالنية الحضرية، بعيدة بعداً كلياً عن واقع الاستعمار، بل ما هي في كلامه إلا مجرد مبرر يبرر به موقفه، وحتى على احتمال أن هذه النية موجودة فعلا في واقع الاستعمار أو في رسالته كما يقولون، وهذا طبعاً أقصى ما يمكن تسليمه لمدام فيس- على سبيل المناقشة- فيبقى أن المشكلة التي وضعتها للبحث في جلسة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية: ليست موضوعة على أساس، لأنها تتضمن مسلَّمة لا تقنع أحداً ألا وهي تلك التي تجعل من فعلَي ((استعمر)) و ((حضَّر)) مترادفين. والواقع أن الحضارة ليست شيئاً يأتي به سائح في حقيبته (مع أن صورة السائح لا تورط مفهوم الحضارة مثلما تورطه صورة المستعمر) لبلد متخلف كما يأتي بائع الملبوسات ... البالية بل إن ابن المستعمرات هو الذي يذهب إلى الحضارة، إلى مصادرها البعيدة، وقبل كل شيء إلى مصادرها الأقرب من أصالته. وليست الحضارة في نية المستعمر ولو صحت هذه النية بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضير، وفي إِرادة هذا الشعب إزاء الحضارة أي عندما يضع في كل تفصيل من حياته مضمونه الأخلاقي والجمالي والعملي حتى يكون هذا التفصيل كأنه خطوة نحو التقدم. وفي هذا المضمون مع ما تضعه فيه عبقرية ابن المستعمرات هندوكياً كان أو بوذياً أو مسلماً- نجد ما تضعه فيه أيضاً العبقرية الغربية. لأن الحضارة الغربية ستبقى مثل ما سبقها من الحضارات مرحلة في تاريخ الإِنسانية وإذا كانت هذه المرحلة مرحلة فاصلة بمقتضى ارتباطها بعصر الذرة، فإن الإنسانية سوف لا تدين بالتالي بحضارتها إلى ((نية)) الغرب أو إلى عبقريته بل تدين إلى العناية الإلهية التي تضع مصيرها تحت قوانين سماوية تسير تاريخها. ***

стр. 115

ثَمَنُ حَظَارَتِنَا الجمهورية الجزائرية في ٩/ ١٠/ ١٩٥٣ ــ إن شيئاً يسمى ((الضمير العالمي)) أراد أن يدخل الوجود، فقدم أوراق اعتماده، قدم ((ميثاق الأمم المتحدة)) و ((التصريح بحقوق الإِنسان)). ولكن الروح ((الديمقراطية)) التي أشرفت على تحرير هذه الوثائق التاريخية، لم تكن ديمقراطية إلا اسماً، إذ أنها نسيت فيما حررت أن تنص على قضية ((الشعوب)) وهكذا انصرف اهتمامها إلى ((الدول)) وفي غمرة ذلك نسيت البتة أن تذكر شيئاً بخصوص الإِنسان الذي جعله الاستعمار في وضع شاذ يتمثل في ابن المستعمرات. وهكذا لا نجد في اهتمام تلك الوثائق بمصلحة الإنسان (سواء باعتبارها من خلال الجماعات أو الأفراد) إلا مزيداً من التأكيد والتقرير لمصلحة الكبار. وهذا ((الضمير العالمي)) الذي يلتزم السكوت بحكمة وهدوء، عند الضرورة، لا يجد شيئاً يقوله من أجل بعض ((القضايا الداخلية)) حسب تعبير الاستعمار في حديثه عن القضايا المتصلة بالبلاد المستعمرة .. وهكذا أصبح البلد المستعمَر، بمقتضى هذه المسلمة، ((ميداناً داخلياً)) لا يتدخل فيه ((الضمير العالمي)) أي الأمم المتحدة. وهذه المسلمة ينتج عنها مما ينتج تجاه البلاد المستعمرة، أن لا تبقى سلطة يرجع إليها الشعب المستعمَر، ولا قانون يحمي ابن المستعمرات. إن هذه النتائج، تثير الدهشة، سو اء اعتبرناها بالنسبة للجماعات أو الأفراد، حيث إن النظام السياسي إذا لم يكن تحت سلطة ورقابة الشعب، فإنه سوف ينقلب حتماً ضد الشعب.

стр. 116

وهذه الحقيقة، إنما نراها بأعيننا في كل خطوة وكل كيلو متر عندما نسير على طرق البلاد الجزائرية .. فعندما يستوقف رجال الدرك الفرنسي عربة على إِحدى هذه الطرق، وتبصر أعينهم أن السائق والمسافرون من المسلمين، فإن تمثيلية غربية تبتدئ. فمجرد عملية الرقابة على الطرق تصبح إذاً عملية تنقيب وفحص دقيق. وإذا كانت العربة للنقل العام، وبها عدد كبير من المسافرين، فإن هذه التمثيلية تتخذ طابع استفزاز، وإرهاب ومساومة في وقت واحد. حيث تتوجه الرشاشات إلى الصدور وتصبح الكلمات قذفاً وشتماً في الوجوه. ثم تنتهي التمثيلية بخاتمتها العادية: فيحرر رجال الدرك مخالفة لصاحب العربة، مخالفة تستمد حيثياتها القانونية من اعتبارات كثيرة. مثلا لأن بأنف السائق زائدة لحمية ..... ومن البديهي، أن هذا الوضع ((الديمقراطي)) الذي يسيطر على البلاد، يسيطر عليها تحت إِشراف السلطات التي تراقب هذه العمليات في جميع الأنحاء، تراقبها في نطاق المديرية وفي نطاق الوطن بصورة عامة. والصحافة الاستعمارية تنقل كل يوم هذه الأنباء، وتصنف ((القائمة الفخرية)) لهذه الانتصارات المسلحة على الشعب الجزائري الأعزل ... وفي ميدان آخر، ميدان الاقتصاد، نجد كل الآلات، التي تحرك وتقود هذا الميدان، توضع بالخصوص في يد ((الأوروبي))، بينما تعطى الأولوية، والامتيازات الخاصة للمسلم في ميدان دفع الضرائب حتى أن قائمة ((الأرباح غير المباحة)) التي وزعت على سكان قسنطينة سنة ١٩٤٦ أو سنة ١٩٤٧، وكان مبلغها ٢٥٠ ألف جنيه (بعملة ذلك الزمن)، وزعت في الحقيقة على التجار المسلمين بنسبة ٩٠% بينما لم يكونوا هم المنتفعين من تلك الأرباح خلال الحرب العالمية الثانية. وأما في ميدان العمل، فإن الطبقة الكادحة الجزائرية تعلم أي مكان تشغله

стр. 117

في اهتمام أصحاب الأعمال الاستعماريين، وهم الذين بأيديهم وسائل التشغيل جميعها، إذ زيادة على إشرافهم على القطاع العام، يتصرفون في أغلبية القطاع الخاص. وقد تأتيني في يوم واحد من جهتين مختلفتين أنباء تدل على أن العامل الجزائري يعاني وضعاً واحداً في أي ناحية من البلد: ففي مدينة الجزائر أو في مدينة سكيكدة يُرفض العامل المسلم كلما وجدت الفرصة لتشغيل الأوروبي حتى لا يبقى مكان للأول إلا في الأشغال الشاقة، في الزراعة وفي المناجم حيث يجد العامل المسلم من يشغله، ولكن في أي جحيم!! هذا بالنسبة للعموم. أما بالنسبة للفرد على وجه الخصوص، فالقضية أكثر حدة ودقة، حيث ((المعامل الاستعماري)) يفرض على الفرد، لتصبح أحياناً مواهبه العقلية غير لازمة واجتهاده الشخصي فاقد الجدوى، ولكي لا يشعر ابن المستعمرات أن الخبز ((حق)) مقدس يحققه له مجهوده وعرقه، بل هو ((منحة)) يمنحها له المستعمِر. ولكي يطبع الفرد بهذه النفسية، نفسية العبد الذي يأكل من نعمة سيده، فإن كل الوسائل مباحة، وعلى سبيل المثال: فإذا كان الفرد متعلماً، فلا يقال إنه تعلم بل يقال، في منطق الاستعمار، ((نحن علمناه)). ولا يقتنع الاستعمار بحرمانه من حق العمل في القطاع العام، بل يتبعه حتى في حياته الخاصة كي يمنعه من أن يتصرف في شؤونه ووسائله طبقاً لمصلحته، إذا استطاع الفرد أن يُكوِّن لنفسه هذه الوسائل. وحيث إن إرادة الاستعمار تقتضي وضع الإِنسان في عالم الأشياء، فإن حكمة إبليس تقتضي أن الإنسان الذي وضع هذا الموضع، لا يجوز له أن يتكلم لغة الإنسان، لأنه ((شيء)) والشيء لا يقول: فكري، وأجرتي، ولقمة عيشي. ولست أدين، فيما أقدم هنا، إلى بعض آراء تُخطئُ أو تصيب، ولكن أدين إلى وقائع محددة شاهدتها بنفسي، وسجلتها تجربتي الاجتماعية منذ ربع قرن.

стр. 118

وقد ابتدأت هذه التجربة وأنا شاب بقرية تبسة، قبل أن أذهب إلى باريس للدراسة العليا، فذهبت إِلى مصلحة الطرق والكباري أسأل عن شروط المقاولة لنقل مواد البناء، لأنني كنت أمتلك بعض وسائل النقل. فعوضاً عن أن يعطيني المعلومات المطلوبة منه فضل من يتكلم باسم المصلحة، أن يعطيني إِرشاداً فقال لي: - من الأحسن أن تبيع ما تملك من وسائل النقل إلى مسيو فلان، ومسيو فلان. وكان هذان المسميان من سكان المدينة الأوروبيين. واستمرت هذه التجربة، بطبيعة الحال، حتى إنني لخصتها بعد ربع قرن، في كتاب ((شروط النهضة)) في هذه الجملة، ((فهو يعيش كأن يداً خفية، وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتبعد باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، حتى لا يدركه أبداً.)) وعندما أتأمل تفاصيل هذه التجربة بعد ربع قرن، فإنني أدرك ما هو ثمن حضارتنا، إنه ثمن باهظ، لا يمكن أن يدفعه أحد، ولا الاستعمار على وجه الخصوص. ***

стр. 119

الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حَدِيقَةِ الثَّقَافَةِ • بين الأفكار الميتة والأفكار القاتلة • أكتب بضميرك • النقد السليم • وحدة الثقافة في الهند • تحية إلى داعية اللاعنف • رومان رولان ورسالة الهند • الأساس الغيبي لفلسفة الإِنسان في الإسلام • الدراسات الحديثة والتصوف الإسلامي ــ

стр. 120

بَيْنَ الْأَفْكَارِ الْمَيْتَةِ وَالْأَفْكَارِ الْقَاتِلَةِ الجمهورية الجزائرية في ٥/ ٣/ ١٩٥٤ أهدي هذه السطور إلى إخواني أعضاء جمعية العلماء لأنهم أصحاب الفضل والمزية في تكوين جانب كبير من العقل الجزائري، وفي تحضير رواد الثقافه في البلاد .. (١) ــ يبدو أنه يجب أيضاً علينا أن نقدر وأن نراقب بل وأن نمسك إذا ما اقتضت الظروف- تنفسنا العقلي، وأن نتخذ أشد الاحتياطات ضد بعض أسباب العدوى الخطيرة المحتملة ... أما بالنسبة للتنفس الفيزيولوجي العادي في جو ملوث أو مسموم فالأمر واضح: إن الحضارة قد جهزتنا بالشيء اللازم، أي بالقناع ضد الغازات ... أما بالنسبة للتنفس العقلي؟ ... فليس المستر ماك كارتي هو الذي يعرض علينا القضية هذه المرة ... بل تعرضنا لها صدفة في حديث دار بين أحد المثقفين بالثقافة الزيتونية البحتة، وشاب تتسم شخصيته بملامح السائح الرحالة أكثر من طالب العلم ... وكنا مجتمعين إثر حفلة أقامها بباريس ((نادي الثقافة الإسلامية)) الذي تأسس هذه الأيام بالعاصمة الفرنسية. وكنت أستمع للحديث بكل اهتمام ... وكنت أنصت للمثقف الزيتوني

стр. 121

وهو رجل يستهوي المودة ويتسم، بالخصوص حسبما كان يبدو لي، بأخلاق من يخدم الصالح العام بإخلاص ... ولكنني كنت أشعر أنه رجل قد ينام وعلى وجهه قناع الغاز ... لو سمع أن أحداً في العالم اكتشف الاكتشاف الشيطاني ألا وهو الغاز الخناق ... وبعد كل ما نقوله فيه ... فالأمر يكون هينا ... لو كان يخص مشعوذاً يتمرن- كما يصنع أمثاله في الهند- من أجل أن يتصرف في وظيفة تنفسه طبقاً لما تقتضيه حاجة الشعوذة على أخشاب المسرح .. ولكن عندما تكون القضية قضية رجل مسخر لخدمة الصالح العام بكل إخلاص ... فالأمر فيه نظر ... لأن الرجل بمقتضى وظيفته يقوم بدور ملقن الصبيان ... فهو يلقنهم أفكاره الخاصة ... ومن بينها كيف يمسكون عقولهم عن التنفس عندما يشعرون بأخطار ... هي في الواقع وهمية. وإننا لنتصور هذه المأساة إِذا قدرنا الأشياء في الإطار البيداغوجي حيث كل عملية لخنق التنفس العقلي تؤدي إلى تكوين العقل المختنق ... ولكن فلنعد إلى الحديث الذي يشرح هذه الخواطر ... لقد تناول حدثاً أدبياً ورد في شعر شوقي ... الذي صاغ في إِحدى قصائده تحية شعرية وجهها إلى باريس، إلى روعة صورها الفنية وإلى جاذبيتها الفكرية. ويبدو أن هذه الشاعرية الفياضة عند الشاعر العربي الكبير قد خدشت الحساسية الكبيرة عند رجل يشعر بلعنة الاستعمار بصورة ممتازة ... حتى إنه لم ير في الأبيات المتَّهمة إلا باقة من الشعر تهدى إلى الاستعمار الفرنسي نفسمه. فمن نخطِّئ.؟ أهذه الشاعرية الفياضة أم هذا الشعور الممتاز؟ قد كان هذا السؤال هو موضوع الحديث بين الطالب الرحالة والأستاذ الزيتوني المحترم، وكان رأي هذا الأخير: أن الخطأ يقع على كاهل الشاعر المتهم: لأننا نجد- والرأي رأي المتحدث- نجد في هذا الشعر الأثر المؤسف

стр. 122

لتلك الثقافة الغربية التي فرضت جاذبيتها على ٩٠% من الطبقة المثقفة المسلمة فوضعتهم هكذا تحت تصرف الاستعمار. فالخطر في هذا الحكم قد بدا لي متزايداً بقدر ما رأيته مُقَعَّداً على ملاحظة صحيحة، لأنني لو أعدت النظر في تقدير المتحدث فربما لم أجده قد بالغ فيه، بل على العكس، لقد لطفه، إذ أنني أعتبر ((فراغ المثقفين)) عندنا، من أكبر مشكلاتنا اليوم. ولكننا، عندما نقدم مقدمات صحيحة ونستخلص منها استنتاجات خاطئة فإننا نتجنب خطأ لنقع في مثله أو أشد منه، كذلك الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ الكريم دون أن يشعر .... والمهم في الأمر هو أن نبين النتائج الوخيمة التي تنتج، عن تفسير مخطئ، في توجيه العقول في بلد معين. فكان الحديث يدور- وهنا كل أهميته- في قضية الثقافة، لكنه يتناولها على الهامش لا مباشرة. لقد خصصنا لهذه القضية مقالة تناولتها في عمومها (١) وألمحنا فيها إلى جانب منها نسميه الجانب المرضي في الثقافة، وقد حاولنا في مقالتنا هنا تحديد النوع الجرثومي الذي يعزى إليه هذا الجانب، فأطلقنا عليه ((الأفكار القاتلة)) أي تلك الأفكار التي نستعيرها من الغرب، كما سوف نطلق في هذه السطور اسم ((الأفكار الميتة)) على ما يجول بأنفسنا من أفكار فقدت الحياة كتلك الأفكار التي يبديها الأستاذ الزيتوني في الحديث الذي كنا نستمع إليه في مقهى بباريس ... وربما يمكننا أن نلاحظ، ونحن في سياق الحديث، أن هذه الأفكار وتلك يعبر كل منهما عن جانب من مأساة البلاد المُستعمَرة: الجانب الذي نسميه الاستعمار والجانب الذي نطلق عليه ((القابلية للاستعمار)). ولكن لو وجب علينا أن نميز بين الفئتين لقلنا إن ((الأفكار الميتة)) التي

стр. 123

ورثناها من عصر ما بعد الموحدين، أخطر علينا من الفئة الأخرى. ويكفينا- كي نتأكد من هذا- أن نلقي النظر على قائمة الأفكار التي فعلت فعلتها، في التاريخ فقتلت المجتمع الإسلامي ... إن هذه الأفكار، التي لا زالت - باعتبارها أصبحت ميتة- تكوّن الجانب السلبي في نهضتنا، قد كانت تكوّن الجانب الإِيجابي أو ((القتال)) في عهد التقهقر والأفول الذي مر على الحضارة الإسلامية، هذه الأفكار إذن كانت قتالة في مجتمع حي قبل أن تصبح ميتة في مجتمع يريد الحياة، غير أنها بكل تأكيد لم تولد بباريس أو لندن بل ولدت بفاس والجزائر وتونس والقاهرة ... لم تنشأ في مدرجات أكسفورد والسربون ... ولكنها نشأت تحت قباب جوامع العالم الإسلامي وفي ظل صوامعه. هذه حقيقة في منتهى الوضوح: إن كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي ((أفكاراً ميتة)) تمثل خطراً أشد عليه من خطر ((الأفكار القاتلة)) إذ الأولى تظل منسجمة مع عاداته، وتفعل مفعولها في كيانه من الداخل، إنها تكون ما لم نجر عليها عملية تصفية، تكون الجراثيم الموروثة الفتاكة التي تفتك بالكيان الإسلامي من الداخل، وهي تستطيع ذلك لأنها تخدع قوة الدفاع الذاتي فيه. يجب أن نطبق تفكير باستور في المجال البيداغوجي كي ندرك هذا الجانب المرضي في مشكلة الثقافة عندنا، وقد أعطانا الكاشاني هذه الأيام صورة عن هذا الجانب في المجال السياسي، إذ تمثلت فيه الجرثومية الداخلية أو ((الفكرة الميتة)) التي خدعت وخدرت قوى الدفاع الذاتي في ضمير الشعب الإيراني، ومن الجدير بالملاحظة أن الدكتور مصدق لم يسقط تحت ضربات الاستعمار- المتمثل في أكبر شركة بترول في العالم- ولكنه خر تحت ضربات القابلية للاستعمار، الناطقة باسم الله والوطن. وإننا ندرك في ضوء هذا المثال الحدة التي تتصف بها ردود الأفعال دفاعاً

стр. 124

عن الذات عند الرجال الذين يمثلون الثورة في القاهرة أو في دمشق. كما ندرك أن المعركة الحقيقية- ليست هي التي تجري على حدود هذه الثورات مع الاستعمار ولكن المعركة في داخل البلاد مع القابلية للاستعمار تلك القابلية المتمثلة في بعض الشخصيات الإقطاعية وبعض العادات الرجعية. أو في داعية يدعي أنه يمثل المهدي في تلك البلاد نتوقع شره. ولنحدد مرة أخرى مكاننا في هذا العرض. إن مظهر ((الأفكار الميتة)) لم يكن هو الموضوع الذي أثاره الحديث الذي أشرنا إليه ولكننا قد رأينا من خلال ما تقدم، كيف كان الحديث الذي يضيء المظهر الآخر (الأفكار القاتلة) بضوئه الخاص، حتى نرى ما بينهما من اتصال وثيق، سيزيده وضوحا ما سيتبع. فلقد نجد أحيانا دور ((الأفكار الميتة)) ودور ((الأفكار القاتلة)) يتمثلان في شخصية واحدة، تمثل المظهرين، لأنها تحمل الجرثومة الموروثة في كيانها، تلك الجرثومة التي ((تمتص)) بطبيعتها، على صورة ما، الجرثومة المستوردة وتقرها في المجتمع الإسلامي المعاصر. والشيء الذي يغيب على الأستاذ الزيتوني الذي يخطِّئُ شوقي هو ذلك الارتباط التكويني بين الجانبين المرضيين في الثقافة الإسلامية في طورها الراهن .. ولست أشعر أنني أفدته عندما أردت خلال الحديث لفت نظره إلى هذا الوضع الخطير في عالم أفكارنا .... مع أنني تعمدت في كلامي معه القياس على المبدأ المشهور: ((إن الإناء يرشح بما فيه)) كي يفهم الأخ المستمع أن فكر عهد ما بعد الموحدين مستعد لكي ((يمتص)) الموت من جانب لأنه من جانب آخر يرشح به .. وهذه الظاهرة المزدوجة تثير مشكلة من نوع خاص محددة بصورة معينة لا يجوز لنا أن نتناولها في صورة غيرها كي لا تنعكس القضية، فلا يجوز لنا مثلا أن نتساءل: لماذا توجد عناصر فكرية قاتلة في الثقافة الغربية؟. بل فليكن سؤالنا في صورة أخرى: لماذا تمتص بالضبط طبقتنا المثقفة في البلاد الإسلامية هذه العناصر القاتلة؟

стр. 125

فهذه هي الصورة الصحيحة للمشكلة، حيث إنه من الواضح جدا أن المسؤول في الأمر ليس مضمون الثقافة الغربية الذي يتضمن فعلا هذه الأفكار الخطيرة، ولكن اتجاه فكر ما بعد الموحدين الذي يدفع هذه النخبة إلى انتقائها ... والواقع أن هذه النخبة تقوم بعمل انتقاء واختيار في مضمون ثقافي لا يتضمن الأفكار القاتلة فحسب، إذ إِنه- بكل وضوح- صالح لحضارة حية تشمل شروطها الأدبية والمادية حياة وتطور مئات الملايين من البشر الذين بيدهم اليوم مصير الإنسانية. وعليه فإن ((الأفكار القاتلة)) التي نجدها في مضمون هذه الحضارة، ما هي إلا إفرازاتها وجانبها الميت، الجانب الذي يمتصه فكر ما بعد الموحدين في جامعات العواصم الغربية. لماذا نركن إلى هذه العناصر القاتلة؟ لأن موقفنا من مشكلة الثقافة ليس صحيحا لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية الاجتماعية (١). ومن هذا الانحراف المزدوج ينتج انحراف آخر في موقفنا، عندما نريد البت في الموضوع. إننا نصدر حكمنا فيه تبعا لمن يذهب إلى البلاد الغربية إما في وضع ((الطالب المجتهد)) كما يمكن أن نتصور بعض ((الباشوات)) في عهد الدراسة، وإما في وضع ((السائح المهتم)) كما نتصوره في شخص فاروق من خلال زياراته إِلى عواصم أوروبا. فلا شك أن هاتين الحالتين تمثلان الوضع الذي يكون عليه النموذج الاجتماعي الذي يكون ٩٠% من ((النخبة)) الإسلامية المحتكة بالثقافة الغربية. وفيما يخصني فقد تعرفت بالحي اللاتيني على أجيال من هذين النوعين وقد هممت أحياناً (مع صديق جزائري يدرس الفلسفة) بفهم سيكولوجيتهما حتى نتكهن، بما سوف يكون مركزهما الاجتماعي وما سوف يكون موقفهما من

стр. 126

مشكلة الثقافة أي بالتالي موقفهما من مأساة البشرية. ولا شك أن نموذج ((السائح المهتم)) كان مهتما جداً بالجانب التّافه والتائه من الحياة الغربية: في مقهى أو في مرقص، أي في كل مكان تتحلل فيه الحضارة وتنتهي فيه إلى مخلفاتها ((القتالة)) ... في مزبلة. ومن ناحية أخرى فإنك تجد النموذج الثاني منغمسا في الجانب التجريدي والنظري من الحضارة الغربية: منكبا هنا على كتاب عاكفا هناك في مكتبة، مرابطاً من جهة أخرى في كلية، أي في كل مكان تتقطر فيه الحياة الغريية إلى خلاصتها العلمية مع عناصرها القاتلة أحيانا والمقتولة أحيانا أخرى ... في جو مقبرة. وعندما يحاول ((الطالب المجتهد)) الفرار من هذه المقبرة فإنه يذهب يتسلى في قاعة برلمان ... أي إلى مقبرة أخرى. فهذا هو واقع الأمر، من الناحية التحليلية، بالنسبة إلى ٩٠% من النخبة المثقفة في العالم الإسلامي. ولكن ما هو الواقع من الناحية الأخرى، ناحية التركيب؟ إِن التاريخ لا يهمل شيئا، بل يجمع معطيات الواقع كلها في معادلة واحدة: فكذا مرقص + كذا مقهى + كذا كلية + كذا برلان = تحللا تاماً. وهذه المعادلة تصور الطامة الكبرى التي تهدد كيان العالم الإسلامي اليوم ... والآن يبدو لي أن خطأ الأستاذ الزيتوني قد اتضح. فهو يخلط بين معطيات الحضارة التي تحلل الذرة ... وبين ما تعطيه لنا، أو على وجه الدقة، ما نأخذه منها من عناصر تحلل الأخلاق ... الأمر يبدو هنا في منتهى الوضوح. فلو كان مضمون الحضارة الغربية لا يحتوي غير ((الأفكار القاتلة)) التي نستعيرها منها فإن خطرها يتجلى أولا بالنسبة إلى أوروبا، حيث يجري مفعولها بالنسبة إليها قبل أن يجري علينا في تلك المعادلة التي أشرنا إِليها.

стр. 127

ومن هنا يمكن الوقوف عند نتيجة أولى. فموقفنا إزاء مفهوم الثقافة بصفة عامة، والثقافة الغربية على وجه الخصوص، هو السبب الرئيسي في الشر كله. وإذا صحت هذه الملاحظة بكل دقة نظرا لما قدمناه، فإن صحتها تزيد، لو صح التعبير، إذا عقدنا بعض مقارنات وجيهة. ١ - بالنسبة إلى أفراد مختلفة في مجتمع واحد- هو المجتمع الإسلامي- إننا نجد في طرف هذا المجتمع مفكراً من حجم محمد إقبال، وفي طرفه الآخر قافلة المثقفين (١)، والاختلاف بين النموذجين اختلاف فردي، ناتج عن أن إقبال استطاع، لا شك تصفية ((الأفكار الميتة)) المشحونة في نفسه عن طريق الوراثة الاجتماعية، حتى أن موقفه من مشكلة الثقافة تغير كليا، كما نتصور ذلك من خلال ما كتب، حيث لا نجده قد ((امتص)) من الثقافة الغربية عناصرها القاتلة، بل امتص منها عناصرها الحية، المحيية، التي نجد أثرها، بكل تأكيد، في محاولته لـ ((إعادة بناء الفكر الإسلامي)). ٢ - وبالنسبة لمجتمعين مختلفين- المجتمع الياباني والمجتمع الإسلامي على سبيل المثال- فإنهما دخلا المدرسة الغربية في الوقت نفسه تقريبا- حوالي سنة ١٨٦٠ - ولكن الحقيقة التاريخية التي لا جدال فيها هي أن النتيجة اختلفت تماما. إذ نجد، بعد قرن ((معجزة اليابان)) في ميدان الفن والصناعة والاقتصاد، ومن طرف آخر في المجتمع الإسلامي، نجد دون ريب، مجهودا لا ينكر فيما نسميه ((النهضة)) ولكنه مجهود تشله ((الأفكار الميتة)) الموروثة من عهد ما بعد الموحدين. فمعجزة اليابان لا تفسر قطعا إلا بموقف فيه فعالية أكثر اتخذه اليابان من الثقافة الغربية لأنه تخلص من الأفكار الميتة الموروثة من عهد ((الشوغون))، ولا يمكننا على كل حال، أن نفسرها بأن الاستعمار أعطى للنخبة اليابانية أفكارا

стр. 128

مثمرة خلاقة، وأنه على العكس يعطي لـ ٩٥% من النخبة المسلمة ((الأفكار القاتلة)) والعقيمة ... وعليه فإنه من الواضح أن القضية غير عائدة إلى طبيعة الثقافة الغربية، ولكنها تعود إلى طبيعة صلتنا بها، وهذه الصلة لا تحددها غير وراثتنا الاجتماعية، التي لم نتخلص بعد من تأثيرها بل إنها على وجه الخصوص هي التي تملي اختيار ((السائح المهتم)) في المزبلة واختيار ((الطالب المجتهد)) في المقبرة. فكلاهما، بمقتضى وراثته الاجتماعية، لا يذهب إلى المهد الذي تولد فيه الحضارة، وإلى المصنع الذي تصنع فيه .. ولكنهما يذهبان أحدهما إلى الأماكن التي تتعفن فيها .. والآخر إلى الأماكن التي تقطر فيها .. أي أن كلاهما يذهب حيث تكون الحضارة فاقدة الحياة .. لا تعطيها. ومن هنا تبدو الخصومة بين شوقي وغريمه في منتهى الوضوح فبقدر ما تكون ((الأفكار القاتلة)) هي التي أوحت إلى الأول مدحه لباريس، أو تكون ((الأفكار الميتة)) هي التي أوحت إلى الثاني نقده. فإننا سنعرف من يكون منهما المخطئ. لكن الخصومة كما علمنا مما تقدم أوسع نطاقا من ذلك، إنها منوطه بموقفنا- أخلاقيا واجتماعيا وفكريا- من مشكلة الثقافة. ولست أدري إذا أقنعت هذه الاعتبارات الأستاذ الزيتوني عندما كنت أعرض مجملها في الحديث .. ولكنني عندما انتهيت من الحديث، رأيت أحد المستمعين، وعليه ملامح العامل البسيط يرمق الزيتوني، ويرمقني ويرمق الطلبة الموجودين وفي نظره شىء من الخجل، كأنما يستحي أن يطأ أرضنا، أرض ((النخبة المثقفة)) ثم قال: أريد أن أقول كلمة!! فتنازل جمعنا؟ إلى استماعه، فقال: أعتقد أن القضية تشبه قضية التطعيم إنه من المعلوم أن العرق المنقول

стр. 129

إلى شجرة لا يطعم ثمار هذه الشجرة بل إنه يطعم ثمار الأصل الذي نقل منه. لست أعرف مقدار صحة هذه الاستعارة بالنسبة إلى نظرية (مندل) في علم التلقيح والوراثة ... أو نظرية ليسكنو ... ولكن شعرت، بحياء، أن هذا الرجل البسيط أدى لنا درسا في قضية معقدة، وفَصَلَ فيها بجملة واحدة تغنينا عن الاعتبارات الطويلة التي قدمتها. ***

стр. 130

أُكْتُبْ بِضَمِيرِكَ الجمهورية الجزائرية في ٤/ ٦/ ١٩٥٤ ــ لا ينبغي لمن يكتب أن يكون مجرد آلة كاتبة، تنقل لنا ((نسخة)) دون أن تقدر للكلمات التي كتبتها أي نتيجة اجتماعية. إن على من يكتب واجبا إزاء الكلمات التي يكتبها، يجب عليه أن يتتبعها، خارج مكتبه، في معركة الحياة والصراع الفكري. أن يتتبعها في عملها في المجتمع ... يجب عليه أن لا يغفل تلك الصلة- صلة السبب بنتيجته- التي تنشأ في إطار مشكلة اجتماعية واحدة، إذ تنشأ بصفة أوتوماتيكية فكرة هي علاقة بين من يكتبها وبين من يصيرها أو يحاول أن يصيرها عملا ... ومن هنا ينشأ واجب آخر لمن يكتب، هو أن تكون له فكرة صحيحة بقدر الإمكان عن شخصية القارئ، الذي يقوم بدور رئيسي في تقرير قيمة الأفكار الاجتماعية، لأنه هو العامل المحول الذي يحول الفكرة فيصيرها واقعا محسوساً في سلوكه أو شيئا ملموسا في محيطه. وهذه الصلة ليست ذات اتجاه واحد بل اتجاهين: فإذا كان الكاتب يوجه القارئ بما يكتب، فإِن القارئ يوجه أحيانا الكاتب بموقفه إِزاء الأفكار. فرجل الشعب قد تكون له في مشكلة معينة آراء أقرب للصواب من الرجل المثقف، لأن الأول طليق النظر لا يحد بصره منهج معين، بينما ينظر الثاني إلى الأشياء من خلال منهج يضع على بصره ((شوافات)) كتلك التي توضع على عيني البغال أو الحمير، كي لا ترى ما هو خارج عن طريقها. والواقع أن القارئ في الجزائر غالبا ما يكون رجل الشعب لا رجل ((النخبة)) فالنخبة عندنا لا تشعر بحاجة للمطالعة بعد تخرجها من الجامعة، وعملها الفكري

стр. 131

ينتهي- لأسباب اجتماعية ونفسية موروثة- عند تحصيل الشهاد ... أي عند النقطة التي تبتدىء منها النخبة، في البلاد الأخرى، العمل الفكري الجدي ... وبما أن رجل الشعب هو الذي يقوم بدور ((القارئ)) في الجزائر، فإنه يجب علينا أن نقدر الصعوبات التي تعترضه في هذا الدور. والواقع أن هذه الصعوبات التي تعترض رجل الشعب كـ ((قارئ)) ليست من الجانب الفكري، فرجل الشعب على غاية من الذكاء، لأنه يمارس الأفكار بقلبه وعقله معا، بينما لا يقرأ ((المثقف)) عندنا إلا بعقله. فرجل الشعب يتمتع إذن بالبداهة الصادقة، وقوة الإدراك لأنه يرى الأشياء بنور قلبه الصادق ... شريطة أن لا تعترضه الصعوبات الشكلية، الناتجة عن تعقد اللغة المستعملة، وتشابه المفردات، وغموض بعض الكتاب المعجبين بسحر البيان وزخرف الكلام. أما فيما يخصني، فربما أعطيت في بعض الظروف دروساً لرجل الشعب الذي يقرأ، لكنني كثيرا ما أخذت منه دروساً في ظروف أخرى (١) وفي موضوعات شتى ... ومهما يكن الأمر، فإِن القضية تتضمن وجهين. فإذا اغبرنا القارئ كـ ((تلميذ)) من ناحية، فإنه يجب أن نعتبره كـ ((أستاذ)) من ناحية أخرى ... في الظروف التي يدلي فيها بأفكاره، وهو يدلي بها دائما في منتهى الوضوح. أليس له الحق إذاً أن يطالبنا بالوضوح نفسه، عندما نقدم له شيئا من أفكارنا؟. فهذه الاعتبارات كلها قد أوحت لي بها ظروف مختلفة من ظروف الصراع الفكري، من بينها تلك المقالة التي نشرتها تحت عنوان ((أقلام وأبواق الاستعمار)). لقد هدفت في كتابة هذه المقالة إلى أن أبين أن الاستعمار تواق إلى الانسجام مع الظروف الجديدة، وكيف يختار الوسائل المناسبة لهذه الظروف. أو بعبارة

стр. 132

أخرى، كيف يتقدم ويتحضر ولكن الصحيفة التي نشرت مقالتي أرادت أن يكون بجانبها مقالة افتتاحية بعنوان ((تقديس الشخص)) كأنها أرادت بذلك إلقاء أضواء هامشية على مقالتي، بحيث يوهم القارئ الشعبي، أن المقالتين متقاربتي المعنى والهدف. بينما الأمر على خلاف ذلك تماما. إِذ مقالتي تهدف إلى لفت نظر هذا القارئ إلى خطة جديدة يتبعها الاستعمار في الصراع الفكري في بلادنا، حيث يجد حتى في صفوف شبابنا المثقف، الطالب الذي يتسخر ليكون بوقا من الأبواق، أو قلما من الأقلام، التي يستخدمها الاستعمار للتعبير عن فكرته، بينما تصف المقالة الأخرى عادة متغلغلة في نفسية ((القابلية للاستعمار)) ومشخصة في ((تقديس الشخص)). وكأنما ((القلم)) الذي قام بكتابة هذا المقال، كان يهدف إلى لفت ذهن القارئ الشعبي، من موضوع معين إلى موضوع غيره، في المعنى والاتجاه، فيلتبس الأمر على هذا القارئ وتنشأ صعوبة في إدراكه للأشياء. وقد وقع فعلا هذا الإلتباس في ذهن قارئ شعبي دار بيني وبينه الحديث صدفة في الموضوع، فرأيته فهم المقالة التي نشرتها لا وفق نصها ومعناها، ولكن في ضوء ما نشر بجانبها، فأدركت أن الاستعمار يحكم الخطة في الصراع الفكري. ***

стр. 133

النَّقْدُ السَّلِيمُ الجمهورية الجزائرية في ٢٢/ ١/ ١٩٥٤ ــ إنني لا أخل، فيما أعتقد بمصلحة القارئ، إذا رجعت إلى قضية مررت عليها مر الكرام في المقالة التي تحدثت فيها عن العطلة في بلادنا، وأعني لذلك قضية النقد التي ألمحت إليها في تلك المقالة. ولكن يجب أولا أن نلاحظ شيئا، نعتقد أنه في غنى عن لفت النظر لأنه في منتهى الوضوح ولا بأس إذا لفتنا النظر إليه، وهو أن الشهادة بالفضل إلى هيئة منظمة معينة لا تقتضي بالضرورة الانتساب إلى هذه الهيئة أو المنظمة. وفيما يخصني لقد بذلت شطرا من حياتي في سبيل الحركة الإصلاحية، وشهدت في مناسبات مختلفة بالفضل لجمعية العلماء التي قامت في الجزائر بنشر العلم والدين، وتكلمت مرات في معاهدها دون أن أكون عضوا من أعضائها (١). إن عصرنا يقدر كما هو معلوم، فكرة ((الالتزام))، والأدب الملتزم أي الالتزام في صفوف هيئات معينة، ولكنني أشعر بأن المثقف قد يؤدي رسالته في حياة بلاده الاجتماعية بفعالية أكبر، من دون أن يكون ملتزما بهذا النوع من الالتزام، أي منخرطا في إطار معين حيث يجد نفسه أحيانا ملتزما نحو الحزبية. وعلى كل وفيما يتصل بفعالية الكاتب على وجه الخصوص، فإنني على رأي دو هامل فيما يرى، بالنسبة إلى توزيع المسؤوليات في وطن معين، وإنني أستعير منه هذه الخاتمة القوية لكلامه عندما يقول: ((وعليه فإن الكاتب إذا

стр. 134

أراد أن يؤدي رسالته كما ينبغي فإنه يجب عليه أن يبقى حراً ومنعزلا، أو بعبارة أخرى لا منتميا)). ومهما يكن من الأمر فإن هذه الرسالة في جوهرها وبصورة عامة منوطة بموقف الفرد من الجماعة. إنه من شر ما يكون بالنسبة إلى مصلحة وطن، أن يكون هذا الموقف مجرد تقليد. فإذا تخلى النقد عن حقه للتقليد والرضا بالواقع فإن القضية تنتهي عند التسوية، من أسفل، في الحياة الأخلاقية والفكرية، فتجمد الأفكار والطاقات الاجتماعية، وينتهي التقدم في الوطن. إن البلاد التي أدركت هذا الخطر- كانجلترا- تعتزم على تكوين معارضة بجانب الحزب الذي يتولى الحكم، لتقوم في النطاق السياسي ((بواجب)) النقد. وليس هذا ((الواجب)) بالشيء البسيط، فهو يتضمن معنيين، أحدهما يتصل بالجانب الأخلاقي عندما يؤدي النقد وظيفة ((الشهادة)) للحكم القائم بأنه أصاب، ويتصل الثاني بالجانب الفني في صورة ((حكم)) على أعمال الذين بيدهم مقاليد السياسة. وهكذا ترتبط فعالية النقد بشرطين: الإخلاص للشهادة، والكفاءة للحكم. ولا يغني شرط منهما عن الآخر، إذ لو توفرت الكفاءة اللازمة للجانب الفني، وحدها، فربما تكون ((المهارة)) في السياسة مجرد شعوذة ودجل، كما لو توفر الشرط الأخلاقي، الإخلاص، دون الشرط الفني، فمن الممكن أن تكون السياسة في أيدي صبيان مخلصين في منتهى البساطة. وفي كلتا الحالتين، فإِن ((النقد)) لا يقوم بدوره فهو لن يقوّم اعوجاجا، ولن يصلح فساداً، لأنه أعرج لا يمشي على رجلين، فلا يأتي بما يقوّم الأشياء، ولا بما يكمل ويوسع معانيها، ولا بما يهدي الأعمال إلى طريق الرشاد. والشيوعيون تمرنوا أكثر من غيرهم على هذا الأسلوب وأدركوا هذه الحقائق، لأنهم مارسو االنقد، وما يسمونه ((النقد الذاتي)) على وجه الخصوص،

стр. 135

الذي يكشفون به ما يطلق عليه عندهم ((النزعة الانحرافية)). ولكن هذه الاعتبارات، المتصلة بالجانب العملي في السياسة تفرض على النقد أن لا يكون غامضا، ملتويا، مغلقاً كلغز يكون مفتاحه في يد صاحبه فقط ... بل يجب أن يكون برهانا واضحاً بيناً مفتوحا لكل عقل حتى يفهمه ((القارئ)) وهو غالبا ما يكون رجل الشعب، دون تكلف، يفهمه كي يستفيد منه عن علم أو ليرفضه عن يقين. إنه من الممكن أن يرى أحد القراء اعوجاجاً فيما أكتب، وأن يتفضل بتوجيه نقده لي، فمرحباً بهذا النقد وشكرا لصاحبه ما دام واضحاً في مبرراته وبرهانه حتى أستفيد منه، لا مجرد قول تمليه وتصحبه العاطفة. وفيما يخصني فإنني- بقدر المستطاع- كنت دائما حريصاً على أن أقدم للقارئ ما يمكن من الوضوح فيما أكتب، حتى أمكنه من أداء واجب النقد، إن رأى لذلك مسوغاً. ويبقى أن النقد يجب أن لا يكون موقف عداء يتبادل فيه خصمان الشتم والضرب ... بالأقلام والجمل ... بل موقفا فكرياً يتبادل فيه اثنان آراءهما. فعندما أنتقد نشاطنا الاجتماعي وأتهمه بـ ((الذَرية)) أي بعدم الاتصال في الجهد والمبادرات، فإنني مع كل أسف لا أتصور وضعاً بل أصفه كما هو ... ذلك أنني أرى نشاطنا يبدأ فجأة ويذهب كذلك ... كأنه وثبة برغوث ... ولنعتبر على سبيل المثال كم، منذ نهاية الحرب، ظهرت مجلة في بلادنا ثم اختفت بالسرعة نفسها. ولكن فلنغض الطرف عن مثل هذا السؤال، حتى لا يقال إنني أنتهز فرصة ... فمن يكتب حسب الفرص غير جدير بالكتابة، وربما هذا ما جعل دو هامل يقول، فيما يخص مهمة الكاتب: ((إنها ليست مهمة يتمتع صاحبها بالراحة)) ... ولكن ماذا كان يقول لو كانت له تجربة من يعيش في البلاد المستعمرة؟

стр. 136

وِحْدَةُ الثَّقَافَةِ فِي الْهِنْدِ الجمهورية الجزائرية في ١٨/ ١٢/ ١٩٥٣ ــ لقد اطلعنا في أحد أعداد ((لوموند)) الأخيرة على صدى مناقشة دارت، في المنبر العام بهذه الصحيفة على جانب من اللياقة والكياسة دون أن تضيع فائدتها الفكرية، إذ تناولت، كموضوع، تفسير فكرة ((الساتياجراهة)) أو طريق الحقيقة، أي الطريقة التي اتبعها غاندي في النضال ضد الاستعمار الانجليزي. فالقارئ الفرنسي يتهم غاندي بأنه يتبع في الحقيقة سياسة الفرص أي سياسة انتهازية في نظره، وربما جنح إلى العنف لو سمحت به الظروف أو اقتضاه الموقف. لكن قارئاً هندياً يرد بكل حرارة، على هذا الاتهام، الذي يعطي لبطل الساتياجراهة واللاعنف صورة الرجل ذي الوجهين. من يقرأ هذه السطور يشعر بأنها تتضمن أكثر من مجرد مناقشة بين رجلين، وإدلاء كل منهما برأيه في قضية معينة، إنها تعبر في الواقع، عن مقابلة ومقارنة، بين شخصين محددين، بين مركَّبين معينين، مقارنة مباشرة، وإن كانت غير متنظرة، تطرح فجأة على بساط النقاش قضية في غاية الأهمية، لأنها تتصل بمشكلة الثقافة من حيث الوفاء للمبادئ بصورة مطلقة، أو حسب الظروف أو بعبارة أخرى من حيث وحدة مبرراتها أو تنوعها حسب الظروف في مجتمع معين، وتشعرنا هذه المناقشة، عن طريق المشاهدة تقريباً بحدة هذه القضية في العالم، وتعطينا فكرة، مهما يكن فيها من الوضوح أو الغموض، عن موقف الإنسان الهندي إزاءها. ولقد سبق لنا في مقالة نشرت (١) منذ أشهر، أن بينا بقدر الإمكان ما

стр. 137

يستحق هذا المظهر في الثقافة، من اهتمام، تاركين لفرصة أخرى توضيح شأنه في ثقافة الهند على وجه الخصوص. ولا شك أن موضوعا كهذا يستحق دراسة متعمقة، ولكننا نقتصر هنا فقط على تقديم بعض المعلومات للشباب الجزائري، كي نلفت نظره إلى إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجهها الإنسانية في القرن العشرين. إنه لمن المعلوم عن أي بلد ((عصري)) أن الحياة الفكرية- التي تتضمن مجموعة الأفكار والمبادئ المتعارف عليها- لا تطابق فيه بالضبط الحياة العملية - التي تتضمن الواقع والوقائع (والواقع السياسي على وجه الخصوص) بحيث يشعر الفكر عندما ينتقل من مجال المبادئ إلى مجال الواقع أنه يخرق حدوداً تفصل بين عالمين. بينما القضية على غير هذا المنوال في بلاد نهرو- بالنسبة إلى جوهر الأشياء إن لم نقل إلى صورها وأشكالها- لأنها احتفظت بوحدتها بحيث لا ينفصل بين صورة البلاد التقليدية وصورتها العصرية فاصل أكيد، فالروح التي كانت تشع في عصر الفيدا في الممواقف الصوفية، هي التي تشع اليوم في المواقف السياسية في موقف الملايين من الهنود الذين يتمسكون بمبدأ الساتياجراهة. وهذا الاتصال في التطور ليس بالظاهرة السيكولوجية الزهيدة بحيث لا تثير الاهتمام والتأمل، فهي- حسبما يبدو- تعزى إلى عوامل متعددة وإلى اثنين بالخصوص: (١) الإطار الأخلاقي الذي تكونت فيه الهند ((العصرية)). (٢) والأوضاع النفسية الخاصة بشخصية ممتازة، غاندي، الذي تقمص شخصية الهند المعاصرة وأضفى عليها مما وهب له من صفات خاصة، ووجهها بما أوتي من اتجاه روحي، بحيث طبع بطابعه الشخصي رسالتها في العالم. أما الإطار الأخلاقي فهو يتمثل في نهضة روحية بدأ بصيص فجرها في الروح

стр. 138

الهندية- حسبما يبدو- باتصال هذه الروح بثقافة الغرب، ذلك البصيص من النور الذي أضاء على وجه الخصوص حياة فيفيكانندا وإنتاجه الفكري أي باكورة الانتاج الفكري في الهند بعد أفول طويل. لقد كان هذا البعث فعلا في غرة هذا القرن، وفي مجال الروح بالذات في صورة بعث للفكر التقليدي، أي في وقت سيكون فيه هذا البعث الروحي المقدمة التي تفرضها الظروف لليقظة السياسية التي ستتبع وستصنع الهند ((العصرية))، حتى يمكن القول إن الهند الجديدة هي الهند القديمة، لا في ظاهر الأشياء ولكن في جوهرها، لأنه في بلاد انتقال الأرواح ( Métempsychose) لأشياء لا تفنى، وإنما تتغير وتُصيَّر، فروح الهند القديمة لم تمت عندما أشرقت عليها الحضارة الغربية، وإنما بعثت بعثاً جديداً. فالهند الفتية وجدت في الروح التقليدية وفي الفكرة الفيدية ما صنعت به روح ثورة الستياجراها وفكرتها، وما كان لهذه الظاهرة- ظاهرة امتصاص فريدة- أن تتحقق لولا شخصية غاندي الذي لم يكن الرجل السياسي بالمعنى الدارج، أي بالمعنى الذي يضع السياسة تحت تصرف الظروف دون قيد ولا شرط، بل كان القسيس الذي يخضع العمل والسياسة لشروط القداسة. ومن المعلوم أن ميدان السياسة- بالمعنى الذي تضفيه الحضارة الغربية على هذه الكلمة- هو ميدان النفاق والكذب والشعوذة و ((الشطارة)) والانتهازية. فغاندي دخل هذا الميدان من أجل تحرير بلاده، ولكنه لم يدخله إلا بسلاح الصدق والاخلاص والوضوح واللاعنف. ولقد كان من نتيجة هذا السلوك وتحديد هذه الوسائل، في ميدان السياسة - أي في الميدان الذي وضعت عليه ظروف القرن العشرين طابع التصنع والخداع- أن أعيد له، في خطة الساتياجراها، ذلك الانسجام الذي فَرَّطَتْ فيه الحضارة العصرية وهو الانسجام بين الظاهر والباطن، بين النية والعمل، بين الخاطر والقول.

стр. 139

إن لكل ثورة فلسفة ثورية؛ ففلسفة غاندي لم تكن مركزة على مفاهيم القوة والعنف، بل على مفاهيم البقاء والشعور بالألم. ولقد مرت الأيام على هذه الصفحة الماجدة وعلى التجربة الفريدة، دون أن تكذب في هذه تفصيلا واحداً، أو في تلك سطراً واحدا. فجاء عهد التنفيد عندما تحررت البلاد فبقيت ((سياسة)) نهرو وفية لفكرة غاندي. وفي هذا أكبر دليل وأوضح برهان على وحدة ثقافة!! .. فالساتياجراها لم تلعن العنف فقط، بل طهرت ميدان السياسة من النفاق- وطردت منه ذلك الازدواج (مثالية- واقعية) في بلد لا يسمح فيه للعمل أن يكذب النية، ولا لمذهب أخلاقي يتعامل به الناس في الشارع أن يكذب مذهبا أخلاقيا مقبورا في الضمائر لا أثر له في الحياة. فليس اللاعنف إلا مظهرا- المظهر السياسي- للروح الفيدي، الذي جعلت منه الهند العصرية أساساً لوحدة ثقافتها ومضمون رسالتها، هذه الرسالة التي تكون في العالم الغاص بروح العنف وبالسلاح الذري، النقيض الوحيد لهذه الأشياء. ويمكن القول إِن هذه المناقضة هي السبب القوي- الذي دفع رومان رولان إلى رفع صوته وتوجيه ندائه إلى هذا الجيل، مناديا برسالة السلام التي تتضمن، في حيز القوة، وفيما تحتويه فكرة الساتياجراها من بذور المصير، تتضمن مصير الإنسانية إلى توحيدها وإلى وحدة ثقافتها. ومما هو جدير بالملاحظة، أن الضمير الهندي يتضمن اليوم أكثر من غيره، في نطاق السياسة، فكرة هذا المصير بل ربما هي في جوهره. وعندما يقرأ غاندي شيئاً من القرآن، بعد ما يكون قد قرأ شيئا من كتاب ((الأوبانيشاد)) أو الإنجيل، فليس لمجرد التسلية، بل هي صورة تعبر عن ثقافته واستعداداته الروحية في عالم الواقع.

стр. 140

وإن مثل هذا السفر بين الكتب المقدسة المختلفة، لا يتاح لكل سائح إن لم يكن في نفسه ما في نفس ذلك السائح، سوامي رامه، الذي أتاحت له نفسه، بل دفعته إلى ذلك الطواف البعيد من بلاد سيلان إلى بلاد التيبت، تلك الرحلة الروحية التي أعطانا عنها فكرة، المسيو مرسيل برييون في مقالة نشرتها صحيفة لوموند. إن روح الهند التقليدية دبت في العالم المتحضر، وأتته عن طرق متعددة، من بينها الطريق التي تتمثل في إنتاج علماء الآثار السانسكريتية، في ألمانيا بالختصوص، ولكن أكبر أثرها في العالم الحديث، قد أتى عن طريق رومان رولان، الذي أبرز هذا التيار الفكري، من مجال التفقه العلمي الذي اختص به علماء السانسكريتيا إلى المجال العملي، وأضافه إلى القوى التي تغير وجه العالم اليوم. وليس من مجرد الصدفة، أن بلاد الميكادو والساموراي، أي البلاد التي تغلغل في نفسها الروح العسكري، بدأت اليوم تكافح من أجل التخلص من سياسة الأحلاف ومن التسلح، كما يبدو من خلال إحصائية أجراها أخيراً باليابان صحفي غربي، وأن يكون بين الآراء التي سجلها هذا الصحفي رأي لشاب ياباني يرى أن بلاده يمكنها الصمود في وجه أي اعتداء بوسائل اللاعنف. أليس جديراً بنا أن نتساءل: من ألقى هذه البذور الجديدة في ضمير الجيل الياباني الحاضر؟ أليس صاحب كتاب ((جان كريستوف (١))) هو الذي ألقى تلك البذور في بلاد أوكاكورا ومدام كريزنتم، بمؤلفاته عن غاندي والساتياجراها؟ ولنذكر بالمناسبة شيئا يبدو لنا في منتهى الغرابة: إن العدد الخاص لمجلة ((كراسة الجنوب)) عن رسالة الهند، لم يذكر من بين من عرف هذه الرسالة ورفع صيتها في العالم، اسم رومان رولان .... إن حظ الإنسان يكون أحياناً

стр. 141

غريبا جداً. ولكن نتمنى، ونحن على أبواب الذكرى العاشرة لموت غاندي، أن الشرق يتدارك ما فرط فيه الغرب بجانب رومان رولان، ونتمنى أن الهند بالخصوص تأخذ على حسابها، في السنة المقبلة تنظيم يوم يليق بذكرى ذلك الكاتب الكبير الذي أذاع صيت رسالتها في العالم. ***

стр. 142

تَحِيَّةٌ إِلَى دَاعِيَةِ اللَّاعُنْفِ الشاب المسلم في ٣/ ١/ ١٩٥٣ ــ في عالم يسوده القلق، وهو يتأهب مرة أخرى الى انطلاق الوحشية والعنف، يبدو أنه ليس! من العبث أن نذكر من حين إلى اَخر سيرة غاندي. لقد كنت في تلك الليلة أستمع الى إِذاعة مؤثرة ... اجتهد من نظَّمَها في جمع شهادات من بعض الشخصيات الحية التي تستطيع تذكر نبذة عن غاندي، أو تدلي بذكرى احتفظت بها عن حياته، حتى تستطيع بذلك أن تكشف لنا جانبا ما زلنا نجهله في محيط تلك ((النفس الكبيرة)) (١). وكان يتخلل الإذاعة صوت متخافت يرتفع من حين إلى آخر ببعض المقتطفات من الكتب المقدسة فهذه مقتطفة من دي ((الابانيشاد)) أو تلك من ((البهاجفاتجيتا))، وكان هذا الصوت يثقب من حين إلى آخر كلام المذيع المتأثر، بنبرة خاصة كي يحيطه بهالة من القداسة. ولكن اللحظة المؤثرة كانت دون أي شك عندما ارتفع مرتين صوت غاندي نفسه، مسجلا على شريط هو من أثمن مخلفات الفقيد الكبير. نعم ... إِننا لا نفهم هذه الكلمات المكشكشة التي تنفلت من رئة استنفدت قوتها، ومن فم فقد أسنانه ... ولكن هذا الصوت المتخافت الغريب، صوت من وراء القبر، يستولي على شعورنا، ويأخذ إحساسنا ... إنه قوة غير مرئية، قوة لا يدركها التحديد، ولكننا نشعر بطاقتها الجبارة .. فهي تأخذ قلوبنا وتتركنا فاقدي الأنفاس لحظة ... بعدما يسكت ذلك الصوت المتخافت ...

стр. 143

ثم يستعيد العقل نفسه .. إن هذا الهمس الذي مر على الأمواج، يمثل بالضبط نقيض زوبعة الكلام التي تنتظر زوبعة من التصفيق، إنها نبرة اللاعنف ذاتها .. ، النبرة الوحيدة التي تستطيع التعبير عن اللاعنف بالصوت ذاته ... هذا الصوت الضعيف الذي أبدى قوته القهارة على أربعمائة مليون من البشر سلحها بالصبر والبشاشة. لقد رجعت الدبابات إلى الوراء وتقهقرت عند تلك الأجسام التي انفرشت على الأرض أمامها، تقهقرت أمام أفواه ترتل بعض الأذكار المقدسة وأمام أرواح منغمسة في صلوات صامتة. إن جهاز الاستعمار الضخم وقف عند حده، وباء بالخسران أمام معزة غاندي، وسرباله (الساري) ومغزله، وصلواته وصيامه مع الجماهير وفي خلواته. إن كل هذا المظهر الجذاب، الأسطوري لكفاح غاندي والانتصار الذي توجه بالتالي، أصبح مما تعارف عليه الناس في المستقبل على أنه فصل جميل من تاريخ الإنسانية التقليدي، ولكن هذا المظهر الذي ينعكس فيه بالخصوص الضمير الهندوكي، لا يفسر لنا وحده معنى اللاعنف .. فهناك مظهر آخر نريد لفت النظر إليه هنا لأنه يكمل فيما نعتقد، النبذة التي أردنا تقديمها في هذه السطور، مع مطابقة، من ناحية أخرى مع معنى من معاني القرآن. إِن اللاعنف ما كان ((مقاومة)) فقط وما كان يعبر فحسب عن نافية شكليه، عن كلمة (لا) التي أفضى بها الضمير الهندوكي في المعركة، أي عن موقف سلبي في هذه المعركة، فاللاعنف كان أيضا موقفا إيجابيا في نواح أخرى، موقف الضمير الانجليزي ذاته وهو يرد ضمنا بكلمة ((نعم)) عندما يأخذه تيار المعركة ويفرض عليه الرد. إنه كان في إمكان الجندي الانجليزي أن يدوس بدباباته تلك الحشود من البشر التي رقدت على عرض الطريق بشواع كلكوتا وبومباي أيام المقاومة

стр. 144

السلبية، ولكنه لو فعل لداس الثقة النبيلة التي يكنها ضمير تلك الحشود البشرية التي ألقت- حين ألقت بنفسها على عرض الطريق- ألقت على ضمير الجندي الانجليزي عبئا ثقيلا، عبء حياتها وطموحها وصلاتها، وهكذا تقهقر الجندي الانجليزي من أجل أن لا يدوس ضميرَه وعظمةَ وطنه، وشرف ثقافته. وكان موقفه هذا كأنه الرد بكلمة ((نعم)) على الثقة المتناهية التي عبرت بها تلك الحشود وكأنها واجهت العنف بكلمة ((لا)). وهذا الرد الفذ بـ ((نعم)) يكمل معنى اللاعنف، يكمله كأنه حوار وفلسفة يرتكز مرتين على الثقة في الضمير الانساني. وليس مما يخالف طبيعة المسلم أن يرى في هذه الفلسفة، انطباقها على التوجيهات التي يعرفها في دينه، حيث أن القرآن يحث على أن يكون الكلام مع الخصم، موجها إلى ضميره حتى يصبح كأنه (وليٌّ حميم). وليس في هذه المقارنة ما يفاجئنا، إذ كانت اللحظات الأخيرة التي قضاها غاندي في هذه الدنيا مليئة بتلاوة القرآن والإنجيل والعهد القديم والبهاجفاقجيتا، يتلو غاندي هذه الكتب الواحد بعد الآخر، وكان يتلو القرآن بالنص الأردي قبيل موته. ولكن هذه اللحظات التي كانت، في صورة ما، تحكي لحظات الحديث على الجبل، في حياة المسيح كانت في الوقت نفسه تنذر بخسارة لا تعوض، ستخسرها الإِنسانية في شخصه، لأن هذا الرجل كان يتقمص إلى درجة بليغة- الضمير الانساني في القرن العشرين، كان يستطيع إنقاذ وحدة الإنسانية الأدبية في أخطر لحظة من تاريخها. وهكذا قدر لغاندي، داعية اللاعنف، أن يموت على يد العنف (١). إِنها لسخرية نادرة، ولكنها تشبه إلى حد كبير، حكمة نادرة، تكررها

стр. 145

الطبيعة في كل فصل من فصول الربيع: فالبذرة التي يقدر لها أن تنبت، يجب أولا أن تدفن في التراب. إن الشعوب القديمة بنت أحيانا عقيدتها على هذه الحكمة، وكانت تستعير منها ربوبية أوثانها وأساطيرها ... نجد ذلك مثلا عند قدماء المصريين فالرب أزيريس- الرب الخلاق- يقتله ست (وربما يعين هذا الاسم ما يسمى الشيطان في الكتب المنزلة) يقتله ست الرب القائم بوظيفة التحطيم ولكن إيزيس، ربة الحب، تجمع أعضاء القتيل التي بعثرها خصمه الفتاك، تجمعها ويبعث إِيزيريس حياً منتصراً. هكذا رفات غاندي التي ذروها، طبقا للتقاليد، في مياه الغانج المقدسة ستجمعها الايام في أعماق ضمير الإِنسانية كيما ينطلق يوما انتصار اللاعنف، ونشيد السلم العالمي. ***
следующие страницы →