قد رأت في باكستان أرض النجاة الموعودة، كما رأت فيها الملايين من الهندوك أرض الحقد والعدوان ...
ولكن قد تكون للأقدار كرة ... وإذا بالشعوب التي انخدعت ((بمحررين)) مأجورين، والتي خدرتها شعارات مخدرة، ونومتها كلمات جوفاء لا يرى فيها سمة الاستعمار إلا ذلك الفاحص المتدرب، وإذا بهذه الشعوب ترجع إلى رشدها.
فالانتخابات التي جرت أخيراً بالبنغال دلت على أن الجماهير الإِسلامية بتلك المقاطعة لم تبق في خبل التخدير، ولا تحت سلطة ذلك المكر الذي يخفي حقيقته وراء تذهيب غلاف وضع على وجهه عنوان ((دستور قرآني)).
وليست هذه المرة الأولى التي يرفع فيها القرآن كي يخدع به المسلمون، إن معاوية استخدم هذه الخديعة في خصومته مع علي، عندما رفع أصحابه القرآن الكريم على الرماح، وهم يقولون في وجه أشياع علي: هذا حكم بيننا وبينكم.
ولم ينخدع علي حين قال: ((كلمة حق يراد بها باطل)) غير أن جمهور المسلمين انخدع فعلا حينئذ، كي يسير التاريخ في الاتجاه الذي قدرته الأقدار.
ولكن بعد ثلاثة عشر قرنا، نرى النزعة التي تمثل علياً تنتصر على النزعة الجاهلية، تمثلها الحركة الاصلاحية في الجزائر.
إن للأقدار كرة ... وما انتخابات البنغال إلا إرهاص ندرك معناه في الصورة الرمزية التي نراها في العدد الأخير من مجلة ((إفريقيا والشرق)) حيث نرى صورة مسلم وهندوكي يتعانقان ...
***
стр. 72
أَقْلَامُ وَأَبْوَاقُ الاِسْتِعْمَارِ
الشاب المسلم في ١٤/ ٥/ ١٩٥٤
ــ
يقال أحيانا (في الصحافة الاستعمارية) أن للاستعمار قصداً واستعدادا حضاريا، وقد يكون هذا صحيحاً إذا اعتبرنا الكلمة بالنسبة لنواياه نحو نفسه لا بالنسبة لنواياه نحو الغير. فنحن نعترف فعلا أن الاستعمار يستطيع أن يحضر نفسه، إِذا اتخذنا هذه الكلمة بالمعنى الذي تضفيه عليها حضارة المادة في القرن العشرين، أي أنه يستطيع أن يحسن وسائله ويدقق خططه الاستعمارية حسبما تقتضيه الظروف.
إن جيل جدودنا الأقربين، بالجزائر على سبيل المثال، قد أدرك عصر ((الحاوي)) الذي يخضع الثعبان لسحره، فهو عصر البندير و ((الفتة)) الطرقية.
لقد كان هذا كافيا لاستعمار تلك الجماهير التي غطت في سباتها الشتوي قرونا، قرون عصر ما بعد الموحدين، فقد كانت هذه الوسائل، رغم ما بها من البساطة، في مستوى ذلك الوسط البسيط القابل للاستعمار.
ولكن هذا الوسط الخامل قد بدأ فجأة يتحرك، كأنما شحنة كهربائية أفرغت في شعوره ... ثم بدأت رعشة- فكرية تحدث على سطح ضميره الهادي الذي غط في النوم منذ عهد طويل .. تحدث تموجات خفيفة.
وكان ذلك في عصر آبائنا الذين سمعوا بصورة غامضة، كلاما عن جمال الدين الأفغاني، حيث انتقلت فكرته، من فم إلى أذن حتى وردت الضمير الجزائري ... فأحدثت على سطحه الهادئ تلك التموجات ...
стр. 73
لقد كانت هذه الرعشة تدل على الحياة في عالم الموت ... وصرخة تعلو في عالم الصمت ... و ((خطراً)) في عالم الاستعمار!!
وشعر الاستعمار فعلا بالخطر ... فأخرج من شنطته رجلا تأخذه من حين إلى حين الحالة الصوفية ... أخرجه كي يجدد به عصر الدراويش.
فكان النظر جذابا ... يدفت نظر الشعب البسيط ... المتعطش لخوارق المعجزات ... فيأتي بنقوده يقدمها نذورا عندما يدق البندير.
وفكر الرجل الذي تأخذه الحالة الصوفية كي يزيد تأثيره على مشاعر الشعب البسيط، فوضع حوله حلقة من ((العلماء)) يتقبلون تبرعات البسطاء، ويباركون هؤلاء البسطاء المتعطشين للمعجزات.
فكان ذلك عصر الشيخ ابن عليوا، ورفقائه أمثال الشيخ الحافظي ...
ولكن الفكرة استمرت في طريقها ... مثابرة ... مثابرة في عالم لا زال في خدر النوم، حيث كان آباؤنا يعيشون، فلم تستطع البنادير والشطحات الصوفية، أن تبعث عهد المرابطين من جديد.
وكما يقول المثل الجزائري: ((فعندما يتمزق البندير، تتفرق حلقة المداحين)) ولكن يجدر بنا أن نضيف: أن الجماهير أيضا تتفرق حينئذ.
وذهبت فعلا الجماهير المتفرقة إلى حيث يدعوها واجبها، فأخرج حينئذ الاستعمار من شنطته وثنا يتكلم كلاما خلاباً ... كي يلفت الأنظار عن الفكرة.
ولم يصبح حينئذ الحديث عن الواجبات، ولكن عن الحقوق التي ((تؤخذ)) عندما نمد أيدينا .... إلى القمر ... مثلا.
وهكذا انتهى عصر آبائنا وبدأ عصرنا ... وعلى بابه كرمز اليد الممدودة إلى القمر!
ولكن الفكرة استمرت جادة في طريقها وفي عملها، وانتهت الجماهير المنومة،
стр. 74
التي نومتها الأوثان، فانتهت في مصر مثلا (١)، الى أن التاريخ لا يبدأ من مرحلة الحقوق، بل من مرحلة الواجبات المتواضعة في أبسط معنى للكلمة، الواجبات الخاصة بكل يوم، بكل ساعة، بكل دقيقة، لا في معناها المعقد، كما يعقده عن قصد أولئك الذين يعطلون جهود البناء اليومي بكلمات جوفاء، وشعارات كاذبة يعطلون بها التاريخ، بدعوى أنهم ينتظرون الساعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة.
ولكن الفكرة استمرت في طريقها أيضاً، وقد رأينا منذ ثلاث سنوات فئة من الشباب في إحدى ضواحي العاصمة الجزائرية تدخل مباشرة حلبة التاريخ ... دون أن تنتظر الساعات الخطيرة، واللحظات الكبيرة والظروف الخيالية، فدخلت ميدان العمل بكل بساطة وتواضع، والمعول بأيديها كي تشق طريقها، طريقا بسيطا متواضعا بضاحية القديس سان أوجين.
وربما لم يكن هؤلاء الشبان يعلمون أن دخولهم في ميدان العمل هو الساعة الخطيرة التي يخشاها الاستعمار واللحظة الكبيرة في تاريخ الجزائر، ومهما يكن الأمر، فها هي الفكرة تستمر في الطريق، وكأن طريقها كان يمر يومئذ بناحية القديس سان أوجين، حتى شعر الاستعمار فعلا بالخطر. وفكر في إيقاف الفكرة الخطيرة عند حدها ... ففتح شنطته مرة أخرى وأخرج منها أشياء كثيرة مسلية، لتسلية الجماهير عن واجباتها وأخرج آلات ميكانيكية تتكلم عن ((تقاليد الإِسلام)) مثل الكتاني والجلاوي، ومن بين الآلات ما يتكلم عن السياسة فيعرضها الاستعمار في المعارض الانتخابية تحت اسم ((النواب الأحرار)).
ثم يخرج من شنطته آلات أكثر تعقيداً ... تلفظ بخطب وطنية: تقدم هذه الآلات للجماهير المنخدعة، كي تلهيها وتمسكها بعيداً عن ساحة الواجبات والعمل، تقدم في صورة أوثان مزينة مجهزة لتأخذ الأبصار وتذهل الألباب. ولكن الجماهير بدأت تشعر بالفتور نحو هذه الألاعيب والأكاذيب والآلات،
стр. 75
وبدأت تلتفت عنها ... باحثة عن أشياء أخرى، وعن عمل أجدى من أن تبقي يدها ممدودة نحو ... القمر.
وها إِن الاستعمار يشعر بأكبر خطر، ويلجأ إلى آخر وسيلة عنده، يلجأ للمرة الأخيرة إلى شنطته فيخرج منها أرَضَةً قد امتلأ بطنها من غبار تاريخ عصر ما بعد الموحدين عصر الانحطاط، لقد امتلأت من هذا الانحطاط وأصبحت تلقي منه في كل جشأ تكتبه أو تقوله.
إننا نرى هذه الأرَضَة تحت ملامح الطالب الجاد، نراها جادة في الانحطاط على مدرج كلية جادة في تحضير مؤهلات ((النائب الحر)) (١).
وقد يكفي للحصول على هذه المؤهلات أن يكون للطالب قلم حسن أو بوق جيد في التعبير عن رغبات الاستعمار وأفكاره. إن الاستعمار الذي كان يقتنع بمن يعبر عن رغباته بلغة الصعاليك، أصبح في حاجة إلى من يعبر عنها بلغة تقرب إلى الفصحى، وهذه الحاجة الجديدة اتي يشعر بها الاستعمار، تشهد على أنه يستطيع أن يتحضر وإن لم يكن مستعدا لتحضير غيره.
تَعْليِقٌ
إِنه يجب أن نعلق على هذا المقال بأن الاستعمار لا زال في حاجة إلى أقلام يكتب بها، وإلى أبواق يتكلم بها، حتى لا يعرف خطه ولا صوته عندما يخادع الجماهير الطيبة، وهذا يعني أن الأرَضَةَ المتعلمة لا زالت منتشرة في البلاد الإِسلامية على وجه العموم، وقد عرفنا منها أصنافا بالجزائر على وجه الخصوص.
إن هذا النوع من الحشرات لا ينقطع ما دامت ثقافتنا تفقد المبدأ الأخلاقي المهيمن على سلوك المثقفين.
стр. 76
ولا زال الاستعمار يستخدم فعلا هذه الحشرات المدسوسة في صفوف الطلبة لمهمات معينة حسب الظروف.
وقد بلغني على وجه المثال أن بعض هذه الأبواق المختارة لإذاعة أنباء الاستعمار شرعت تذيع بين صفوف الطلبة الجزائريين أن مالك بن نبي رجل انعزل في برجه العاجي عن الثورة الجزائرية ولم يساهم فيها بشيء.
ومن طبيعة الحشرات أن لا تحقق مهماتها، كما أن الأبواق لا تتحرى فيما تذيع، وإلا فإن كل طالب جزائري يعلم أنني نشرت بوسائلي الخاصة (دون أي تأييد مادي أو معنوي) ما هو مسجل في إِنتاجي الفكري منذ حضوري القاهرة مثل رسالة ((النجدة!! الشعب الجزائري يباد)).
وبالإِضافة إلى هذا فإنني بمجرد وصولي إلى القاهرة وضعت نفسي تحت تصرف من يتكلم باسم الثورة الجزائرية، ولم أقتنع بالعرض الشفاهي، بل كتبت إِلى المسؤولين هذا الخطاب الذي أترجمه بالحرف:
القاهرة في ١ سبتمبر ١٩٥٦
إلى السادة ممثلي جبهة التحرير الجزائري
بالقاهرة
إنني حضرت إلى القاهرة للقيام بواجبين:
أحدهما يخص مهمتي ككاتب يريد نشر كتابه ((الفكرة الأفريقية - الآسيوية))، وقد يدلكم عنوانه عن صلته بالقضية الجزائرية سواء اعتبرناها من الناحية الداخلية (كتوجيهات تخص الكفاح) أو من الناحية الخارجية (كنشر هذه القضية في المجال الدولي).
وبخصوص هذا الواجب فقد قمت به بالقدر المستطاع، حيث أنني وضعت كتابي في أيدي من سيعنى بنشره، حتى أنني أعتبر نفسي متحرراً في المستقبل من مسؤولية هذا النشر.
стр. 77
وأما الواجب الثاني الذي حضرت من أجله إلى القاهرة، فهو يتعلق بشخصي كجزائري ساهم في الكفاح ضد الاستعمار منذ ربع قرن، ويأتي الآن كي يواصل هذا الكفاح تحت راية الثورة الجزائرية.
وأعتقد أنني إذا وجهت داخل الجزائر كممرض عسكري في جبهة القتال - أستطيع في نفس الوقت إن أقوم بكتابة تاريخ الثورة الجزائرية على طريق المشاهدة تقريبا.
كما أعتقد أنه يفيد أن أوجه بهذه المناسبة خطاباً مفتوحاً إلى رئيس الوزراء الفرنسي (١)، حتى يعلم ما هي الأسباب الإنسانية التي تدفع بكاتب جزائري - في المعركة.
وتقبلوا تحياتي
مالك بن نبي
وقد يتساءل الآن القارئ لماذا لم يأتني رد؟
فربما اعتقد المسؤولون أن الثورة الجزائرية ليست في حاجة إلى تطوعي، وربما فكروا أن مؤهلاتي ليست كافية، وربما ..
...
стр. 78
رَجُلٌ وَوَجْهَانِ
الجمهورية الجزائرية في ٢٤/ ١/ ١٩٥٤
ــ
إننا في انتظار مؤتمر دولي وشيك، يبدو أن جدول أعماله سيتضمن مسبقا قضية السلم في العالم، ودراسة الوضع الجديد فيه، الوضع الذي ينتظر أن يجد في كل واحد- فرداً أو شعباً- نصيبه من السعادة الأرضية.
ومن الطبيعي أن ظروفا كهذه، تنصب أمام عيوننا موضوع تأمل يتناسب مع الملابسة الحالية.
ولكن يبدو أن الإِنسان المستعمر لا تستهويه أطياف التأمل الجذاب ولا تستدرجه للخوض في قضية السلم والحرب، بما يرى لهذه القضية- من الناحية السياسية على وجه الخصوص- من سمات تجعلها قضية برجوازية ... نعم، إِنها تهم الضمير الإنساني على الإطلاق كيفما كان الحال، ولكنها تأخذ ما لها من نتوء في لندن، أو موسكو أو واشنطن، أي في كل بلد يجد أهله في حوزتهم السمن مع المدفع في وقت واحد (١).
بينما لا يجد الشعب الجزائري أما نظره مدفعا سوى مدافع الاستعمار، أما فيما يخص السمن فاسألوا ٩٥% من العائلات الجزائرية، إنها لم تعد تتذكر طعمه منذ زمن.
وفي جملة واحدة، فنحن نكون طبقة المنبوذين أو الصعاليك الذين لا يعترف لهم البرجوازيون- الذين بيدهم السمن والمدفع- بحق النظر في الأشياء، عندما يتكلمون في مصالح هذا العالم الذي يملكون فيه كل شيء: هذه الأنابيب للبترول وهذا المنجم للأورانيوم، وتلك القاعدة الحربية للطيران ...
стр. 79
ولكن عندما نراهم يتكلمون عن الحرية- تلك العذراء المتمردة التي تستهوي قلوبنا- فإِننا نشعر برعشة في أحشائنا، تأخذنا كما تأخذنا رعشة الاستياء عندما نشاهد منكرا.
إن الشعوب المستعمرة تؤمن بالحرية، ولها حساسية كبيرة لدى هذه العقيدة الثمينة، العقيدة التي لم يستأصلها من روحها قرنان كاملان من هذه ((الحضارة)) الاستعمارية.
ولكن هذه الشعوب المرتبطة، بمقتضى واقعها السياسي أو الجغرافي، بما يسمى ((العالم الحر))، لا تدري عندما يتكلم قادة العالم عن الحرية، هل هذه السخرية اللاذعة، سخرية الأقدار أم سخرية العباد.
ولا نجد مفراً من تأويل الأشياء على هذا النحو أم على ذاك، عندما نرى تصريحات لبعض الشخصيات البارزة، مثل التصريح الذي أفضى به إلى مراسل صحيفة ألمانية من ميونخ، المستر وينستون شرشل، عندما تحدث عن ((مهمته الأخيرة)) وقال: إِنني أحاول تلافي التوتر العالمي، وتمهيد السبل إلى السلم والحرية.
ولا شك أنها مهمة ورسالة في مستوى ذلك ((الضرو البارز)) كيما يسميه مورياك- ذلك الضرو الذي وضع على وجه العالم الذي صنعته الحربان العالميتان، وصمة مخلبه الجبار.
ولكن .. أليس لهذا المخلب أثره أيضا في مصير شعوب مستعمرة لا زالت تسلب حرياتها الأساسية؟.
إننا لا ندعي أن شخصية من الطراز الأول ومعقدة إلى حد كبير، مثل شخصية القطب الانجليزي، يجب عليها أن تتبسط لمجرد أن لا يؤذي تعقدها أذواقنا وأن لا يجرح حساسيتنا، ولكننا في نفس الوقت لا ننتظر أن نجد فيها جوانب تتعارض تعارضا كليا وتتناقض إلى حد أننا نتصور من خلال كلامها عن ((الحرية))، أنها تتكلم عن مسرحيتين، بلغة رجلين.
إنه لا يوجد بأصغر قرية من قرى أوروبا الغربية من لا تبقى عنده تلك
стр. 80
الذكرى المؤثرة فيه أيام الحرب، عندما كان يرى حرف (( V)) مكتوبا على الجدران (١).
ولم يبق طفل أوروبي، أو يهودي، لم يكتب هذا الحرف على جدران قريته. ولم يذكر في الوقت نفسه، ذلك الرجل ((أبو النصر)) الذي خلده، لأنه في ساعات الظلام الحالك في خضم المعركة، قد تمثل في شخصه كفاح التحرير من أجل حرية الملايين من البشر.
ولكن العالم لا زال يعيش على أحر من الجمر المأساة الاستعمارية ولا يمكن أن نعيش فيه دون أن نحقد تلقائيا بعض المقارنات التي تتبادر إلى الذهن.
فعندما يتكلم المستر شرشل ((أبو النصر)) عن ((الحرية)) كما تكلم في حديثه مع الصحافي الألماني، فإننا لا نستطيع في هذه الأيام أن ننسى مصير ((الماو- ماو)) الذين سلبوا في خطوة أولى في سبيل ((الحضارة)) أراضيهم الخصبة، والذين يقصد بهم، في خطوة ثانية، التنكيل والإبادة.
كما لا ننسى أيضاً في هذه الأيام ما يتجرع أهالي الملايو من طعم ((السلم والحرية))، تحت مطر من القنابل التي تلقيها على قراهم أسراب القوات الجوية الانجليزية.
وهل نستطيع أن ننسى أن هذا ((المخلب)) الذي يريد وضع وصمته على العهد الجديد، كذكرى تذكرها الأجيال المقبلة، انه هو ((المخلب)) الذي أعدم بجرة قلم دستور الجوييانه، أي جميع الحريات التي يضمنها لشعبها.
لقد وددنا لو استطعنا أن نوحد فكرنا، حتى نرى في المأساة الإنسانية مأساة واحدة، وفي شخص المستر شرشل شخصاً واحداً: رجل التحرير.
ولكن الواقع يضطرنا، بكل أسف، أن نرى مأساة أخرى تعيشها الشعوب المستعمرة، ووجها آخر لمستر شرشل تعرفه تلك الشعوب: وجه المستعمر.
стр. 81
بَصِيصُ الْأَمَلِ
الجمهورية الجزائرية في ٢٨/ ٥/ ١٩٤٥
ــ
لقد استفاد العلم من ظاهرة ((استمرار الرؤيا)) التي تجعلنا نبصر شيئا، ولو لحظة، بعد أن يكون قد فقد من الناحية النظرية ما يجعله مرئيا، لقد استفاد العلم من هذه الخاصية البصرية المبدأ الذي أسس عليه فن السينما وفن التنوير بالتيار المذبذب، كما استفاد منها في بعض الطرق لفحص الأجهزة المتحركة، لفحص الحالة الميكانيكية للمواد المركبة منها تلك الأجهزة لدراسة التغيرات التي تحدث فيها أثناء الحركة.
وميزة هذه الطرق كلها، هي أنها تستطيع، أن تتيح دراسة الأشياء المتحركة كما لو كانت، في ظاهر الأمر ساكنة تماما.
وإنني أعتقد أن هذه الطرق قد تفيد أو تغري بالفائدة في دراسة الواقع الاجتماعي، أي أنها تتيح دراسته كما لو كان مستقلا عن الاطراد، وكامنا في سكون مطلق وفي زمن جامد.
إن هذا سيكون بطبيعة الحال لعِباً غريباً .. حيث أنه سيضفي على حياة الأفراد والشعوب ما يجعلها كتلة جامدة لا يعتريها تغير. وهذا اللعب سيعطينا عن الحياة، الشعور الغريب بأنها مفروضة على نفسها كما هي من دون تغير ممكن، ولا تطور متوقع.
وهذه الطريقة، لو طبقت في السياسة سيكون لها من الأنصار كل من يهتم بتجميد حياة البشر، أو بإظهار جمودها على الأقل، أي كل من يتمسك في السياسة بمبدأ ((الاستمرار)) ومبدأ ((التقليد)).
стр. 82
كما سيكون لها ضحايا، كلما تفرض سلطة أجنبية على مصير العباد، وتصرخ لتاريخ الشعوب كلمة يوشع: يا شمس! قفي!!
فكما سيكون لهذه الطريقة أنصار يطبقونها لمصلحتهم وضحايا تطبق على حسابهم، قد يكون لها ضحايا أخرى، في مستوى الفهم للأشياء أولئك الذين يغترون بظاهرها في أقوالهم وفيما يكتبون.
وقد كان فكرنا مع هؤلاء المغتربين، عندما كنا نطالع ذلك العدد من (فرانس أوبسيرفاتور) حيث كتب مراسل هذه الصحيفة بطهران، نبذة قصيرة عن الوضع بعد أن أخذ الجنرال زاهدي بزمام الأمور بإيران، فقال هذا المراسل: ((إن بصيص الأمل الذي أتى به الدكتور مصدق قد انطفأ)).
فهذه الخاطرة، هي دون شك نتيجة انفعال المراسل المذكور تحت تأثير الظاهرة التي أشرنا إليها، حيث يبدو وكأنه يفحص الحالة الاجتماعية والسياسية بإيران، في حالتين معينتين، نكون- إذا وصلنا بينهما على شاشة التاريخ دون اعتبار ما يفصل بينهما في الواقع- نكون قد أعطينا فكرة غير صحيحة عن الوضع هناك أي فكرة مقتضبة تعبر عن حالة نرى فيها شخصاً معينا، اسمه رزماره (١)، يعقبه ((رزمارة)) آخر اسمه زاهدي ..
إن ظاهرة ((استمرار الرؤيا)) التي أشرنا إليها، قد ألغت في نظر مراسل الصحيفة الباريسية الفاصل الضخم الذي أحدثه الدكتور مصدق في تاريخ بلاده، كأنما هذا البلد العريق البشوش استمر منذ خمس سنوات في طريقه العتيق، وناي حفيز بين إصبعيه ورباعيات الخيام على شفتيه، وهو يسد أذنيه كي لا يسمع ذلك الضجيج المحموم، المتصاعد في سماء عبادان، ويسد أنفه كي لا يشم رائحة البترول، عندما يعرج طريقه المفروش بالزرابي المبثوثة، وبالزهور المنثورة فيكون على مقربة من المملكة التي تحركها الحمى، ويرفع صولجانها من بيده مصالح
стр. 83
شركة AOIC (١) .
ومن ذا الجريء الذي يدعي أن الشعب الإيراني يريد أن يستنشق رائحة بتروله المنعشة أو أنه يريد تأميم إنتاجه، أو أنه يريد أن يكون صولجان الحكم بيده هو؟.
هل صحيح أن ((بصيص الأمل)) قد انطفأ لأن مصدق أصبح سجينا؟ وأن فاطمي خرَّ تحت خنجر المجرمين؟ وأن قصتهما ما كانت إلا حلما انفلت من عالم النوم؟
من هو ((الوهم)) ومن هو ((الحقيقة))، بين زاهدي ومصدق؟.
إن الأول هو صورة ((الاستمرار)): الصورة المزدوجة والملعونة للاستعمار والقابلية للاستعمار، والدليل المحسوس الذي يبرهن به على أن ((الإسلام عالم اللاحركة)) والذي يجب تحريكه وتحضيره.
أما الثاني، مصدق، فهو حركة وطن مركزة في رجل، وهو صوت تطوره، وهو إرادته كيما يكون في التاريخ هو نفسه، أن يتحقق بذاته.
أين الحقيقة؟ وأين الوهم؟
نعم، إنه من البين- لو حكمنا منطق مسيو دولا باليس (٢) - لو جردنا الأشياء من الحركة ومن أسبابها، لم تبق إلا حقيقة واحدة، حقيقة عالم ساكن لا ((أمس)) فيه ولا ((غد))، فلو أننا قبضنا على عجلة التاريخ في إيران، وأوقفناه في يوم زاهدي، وهو كما بينا لا يختلف في شيء عن يوم رزمارة، وقصرنا ملاحظتنا، بتوقيف الزمن والحركة، على هذين اليومين بقطع النظر عن الفترة التي بينهما فإننا شنشعر أن تلك العجلة لم تدر منذ خمس سنوات، وأن شيئا لم يتغير في هذه الفترة في طهران.
стр. 84
أوليس الأمر يبدو كذلك بدمشق؟، حيث لو أننا أوقفنا عجلة التاريخ فترة معينة، لوجدنا أن رجلا اسمه الأتاسي قد خلفه رجل اسمه الأتاسي، كما خلف زاهدي رزمارة بطهران وفي نفس الظروف ... حتى أننا لو عممنا هذه الملاحظات المقتضبة لقطعنا بأن الإسلام ((هو العالم الذي لا يتحرك فيه شيء)).
وعندما نرفع هذا الحكم المغامر إلى مستوى حكم آخر قدمناه كمسلمة بنينا عليها كتاب ((وجهة العالم الإسلامي))، حيث رأينا في كارثة فلسطين الحدث الجوهري الذي يؤثر، في المستقبل في تحديد تلك ((الوجهة)) سنجد أنفسنا مضطرين، نظرا إلى الأحداث الأخيرة التي جرت بإيران وبسوريا، إلى أن نتساءل هل تبقى قيمة لمسلمتنا؟
إِن الجواب على هذا السؤال يفصل في سؤال آخر سبق، عندما تساءلنا: هل شخص الدكتور مصدق يمثل في تاريخ بلاده حقيقة تتصل بواقعها، أم مجرد ((وهم))؟
إن عودة الأتاسي إلى منبر السياسة، وعودة رزمارة ممثلا في شخص زاهدي، قد تدفعنا الى الاعتقاد بأن صدمة فلسطين قد انتهى دويها أو قد انخفض في البلاد الإسلامية بصورة تشعرنا بأن هذه البلاد تمر بلحظة سكون في تطورها، أو بلحظة نكسة، كأنها تنزع للرجوع إلى الحالة التي كانت عليها هذه البلاد قبل الكارثة.
ولكن النظرة الفاحصة تدل على غير ذلك: إن الفترة الحاضرة ليست إلا لحظة من تاريخ تلك البلاد، اللحظة التي تساوت فيها القوات الرجعية المسلطة من الخارج، والقوات الدافعة المنبعثة من الداخل، أي من صميم واقع تلك البلاد.
إنها الفترة التي يحاول فيها الاستعمار محاولة يائسة، عن شعور أو غير شعور، ليستعيد سلطاته في المستعمرات، مع مساعدة القابلية للاستعمار التي
стр. 85
تتمثل في شخص باؤ داي على سبيل المثال؛ وهذه المحاولة هي التي تطبع المرحلة التطورية الحاضرة في العالم الإسلامي بشيء من التردد بين مواقف متعارضة حتى نراه أحيانا يعود أدراجه إلى موقف سابق عندما نرى زاهيدي يخلف رزمارة، كأنما مصدق لم يوجد.
ولكن هذه الصورة هي ((الوهم)) أو ((المظهر)) لأن حقيقة التاريخ شيء آخر، فهي منوطة بنفسية وإِرادة شعب، لا بمغامرات فرد وشهواته.
إِن الشيء الذي يصنع تاريخ شعب، هو ما في نفسه من استعدادات، لاكمية النقود الأجنبية التي تتقاضاها حكومته.
وهذا هو السبب الذي يجعلنا، رغم الظواهر التي خدعت مراسل الصحيفة الباريسية، نبقى واثقين أن ((بصيص الأمل)) الذي جاء به مصدق، لن ينطفئ وأن كارثة فلسطين لم تفقد أثرها التوجيهي على تاريخ العالم الإسلامي الحديث.
***
стр. 86
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
فِي الْحَقْلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ
• من أجل إصلاح التراب الجزائري
• قضية المرأة المسلمة
• تهور أم تطور
• ضرورة مؤتمر جزائري لتوجيه العمل
• تفاهات جزائرية
• باعة الحضارة
• ثمن حضارتنا
ــ
стр. 87
مِنْ أَجْلِ إِصْلَاحِ التُّرَابِ الْجَزَائِريِّ
الجمهورية الجزائرية في ٣٠/ ٤/ ١٩٥٤
ــ
لقد قرأنا في جريدة ((الفيجارو)) مقالتين لمسيو انجلهرد، تثري بصفة محسوسة معلوماتنا عن مشكلة التراب.
لقد نعلم أن هذه المشكلة قائمة في الشمال الافريقي بصفة خاصة وأنني وضعت، فيما يخصني، مصطلحاً لهذه المشكلة أعتقد أنه يعبر عن جوهرها بكلمة Saharisation ( أو مصير التراب إلى الصحراء).
ولكن المسيو أنجلهرد يعمم هذه النظرية، حيث يضع الظاهرة التي نشير إليها في الشمال الأفريقي، في نطاق ظاهرة عالمية تتصل منذ القدم بفناء الحضارات، عندما يفقد التراب العناصر العضوية اللازمة للحياة بسبب ( érosion) التآكل.
وكأن هذه المعلومات تأتي، في عبارة في منتهى الوضوح، غداة التجارب النووية التي ألقت أضواءها الرهيبة على الجانب السياسي والعلمي في مأساة زماننا، لتؤكد في تلك المأساة جانباً طبيعياً وكونياً، وتكشف لنا دور الإنسان إزاء هذا الجانب الطبيعي: دور ((تلميذ الساحر)) الذي يطلق عن علم أو غير علم، عنان بعض طاقات الطبيعة، ثم يفقد التصرف فيها.
وقد يبدو في ضوء المعلومات التي اكتسبناها من المسيو أنجلهرد أن بعض الإجراءات- مثل قطع الأشجار ونزع قشرة النبات الطبيعي على وجه الأرض- تؤدي إلى اختلال التوازن الموجود في ذلك المركب الطبيعي- شجر ونبات وتراب- الذي يكوّن الشرط الأساسي لحياة البشر، ولحياة الحضارة بصورة خاصة.
وعندما يحدث هذا الخلل في المركب الطبيعي المذكور، فإن الرياح والمياه
стр. 88
تبتدئ عمل التخريب، تلك المأساة التي تنتهي بموت التراب، وتترك شعباً بدون خبز.
والمسيو أنجلهرد يذكرنا أن القارات في طريقها إلى الذوبان مثل قطعة سكر في الماء، ويذكر أرقاماً في منتهى الدلالة، ففي إِيطاليا على سبيل المثال، نرى أن نهر ((البو)) يلقي وحده في الإدرياتيكي أكثر من أربعين مليون طناً من التراب سنوياً، أي مساحة مائة وأربعين كيلو متراً مربعاً.
وفي أمريكا، حيث يبدو أن هذه الظاهرة بدأت مفعولها حوالي لسنة ١٨٩٠، على أثر الإجراءات الزراعية الكبيرة التي أجريت في المناطق الغربية فإن أثرها بلغ أوجه حوالي سنة ١٩٢٠ وكان تخريب الرياح بالمقدار الذي جعل مزارعاً من ((التكساس)) يعبر عن المأساة ((بنكتة))، فيقول: إِنني أرى ((عزب)) منطقة الأكلاهومة تطير فوق رأسي، فمن الصبح إلى الآن قد غرق منها أكثر من مياه عزبة في خليج المكسيكي.
وقد تتأكد خطورة المشكلة في نظرنا، إذا ما عقدنا المقارنة بين الأرقام التي تدل على نقصان الأرض الصالحة للزراعة والتي تدل على زيادة السكان في العالم.
وقد تتضمن هذه المناقضة كل مشكلات العالم الاجتماعية والسياسية المقبلة.
وفيما يخص الشمال الإشريقي، فإِن هذه المشكلات قائمة منذ الآن، وقائمة بالحدة التي تكون عليها الأشياء عندما لا تصبح المصلحة العليا- مصلحة الشعب- مقدمة على المصالح الخاصة، إذ أنه كلما كانت الأولوية للمصلحة العليا، فإن أعمال أولي الأمر تتصف بتلك الأولية حتى لا يبلغ السيل الزبى.
فأولو الأمر في أمريكا، مثلا، بعد أن قاموا بأعنمال تؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي الذي ذكرناه، قد تداركوا الأمر في الوقت المناسب وضربوا لنا مثلا قد نخطئ إِن لم نحتذه.
والاتحاد السوفييتي أيضاً واجه هذه المشكلة، بل منذ عهد القياصرة،
стр. 89
إذ على أثر أزمة جفاف لم يسبق له مثيل، اهتمت السلطات بالموضوح، وعينت حوالي ١٨٩٢، العالم دوكتشايف لدراسته، فأسس هذا العالم الروسي معهداً علمياً من أجل ذلك، معهداً ولد فيه علم جديد ( Pédologie) أي علم تكوين التراب.
ولا شك أن تأسيس المصلحة التي تقوم بإصلاح التراب بالجزائر، تلبي ضرورة حيوية في البلاد، ولكن نجاحها في مهمتها- وهي تعويض الأشجار والغابات التي قطعت- لا يتم إلا بقدر ما تعيد ذلك التوازن الطبيعي الذي أشرنا إليه، بينما لا نرى أن السلطات التي بيدها الأمر تقاوم كما ينبغي عوامل التخريب للتراب الذي تستهدف إصلاحه.
إن الصحافة قد نوهت، منذ بضعة أشهر، بما حدث في ناحية مدينة باتنة، حيث أن ما يقرب من عشرين ألف شجرة قد قطعت بموافقة بعض ممثلي إدارة المياه والغابات.
ولم يبلغ إلى علمنا أن السلطات قامت بأي تحر لتحديد المسؤوليات في هذه القضية.
حتى إن الحالة التي تواجهها مصلحة إصلاح التراب بوسائل ربما ليست كافية بالنسبة لاتساع الرتق، قد تزيد تفاقماً وتصبح تلك الوسائل مضحكة، إذا ما زادت الأعمال التخريبية التي نشير إليها في خطورة الحالة.
ومما يزيد في هذه الخطورة، هو أن المسؤولين يقررون موقفمهم إزاء القضية، على مبدأ أن المسلم هو المسؤول عن الخلل الذي حدث في توازن العناصر الفعالة - شجر، نبات، تراب- في صلاحية التراب للزراعة بالشمال الإفريقي.
وقد نعلم الأعمال الاضطهادية التي تعرض لها الشعب الجزائري بسبب هذا المبدأ عندما يطبق في صورة قانون المسؤولية الجماعية.
وقد نجد أثر هذا الرأي الرسمي حتى في وجهة نظر المسيو أنجلهرد ذاته، كما يبدو من خلال أحد التفاصيل التاريخية التي تتناولها دراسته، حيث من بين الأسباب التي أضرت بمنطقة الغابات الموجودة بأوروبا الجنوبية، يذكر صناعة السفن
стр. 90
الخشبية في ذلك العصر، ومعها .. العرب الفاتحين.
والغريب في الأمر: أن المسيو أنجلهرد، عندما يذكر العرب من بين أسباب تخريب الغابات بجنوب أوروبا، يقع في مناقضة دون أن يشعر بذلك عندما يعترف من ناحية أخرى بأن شبه الجزيرة الأبيرية (أي بلاد أسبانيا والبرتغال) التي تتسم اليوم بمظهر القحط الخاص بالمناطق الجبلية العارية من الأشجار، كان ترابها يغذي ثلاثين مليوناً من السكان في عصر الخليفة عبد الرحمن.
وإذا كان هذا الخطأ الذي وقع فيه هذا الاختصاصي المحترم من الأخطاء التي ربما لا نقدرها من الناحية الأخلاقية (كمناقضة للحقيقة) أو من الناحية التاريخية (كمناقضة للواقع)، فإننا لا نستطيع أن نزهد في أثره من ناحية سيكولوجة الإدارة، حيث يصبح هذا الخطأ القناع الذي يخفي الحقيقة بالنسبة إلى ما يحدث اليوم من تخريب في شبكة الغابات الموجودة بالجزائر، ويعطي المبررات التي يقدمها أصحاب هذا التخريب الحقيقيين، كما يقدم للمسؤولين ما يعفيهم مسبقاً من المسؤولية حتى أنه ينشأ من هذا الخطأ أكبر صعوبة تقف في وجه مشروع إصلاح التراب بالجزائر، ذلك المشروع الذي يلاقي من الآن الصعوبات التي يلاقيها بمقتضى وسائل قليلة ومهمات كبيرة في بلد لم يستيقظ فيه بعد الرأي العام إِلى أههمية هذه المهمات.
وليس مما هو أقل إفادة فيما كتبه المسيو أنجلهرد، أن أمريكا نفسها واجهت مثل هذه الصعوبات النفسية، حتى التجأت إلى ما يسميه الكاتب ((تلقين ضمير الشعب)) حتى يستيقظ لأهمية هذه القضية.
وكنت، قبل أن أقرأ شيئاً في الموضوع، خصصت مقالاً سنة ١٩٥١، كي ألفت الرأي العام إليه، ويسرني، بعدما قرأت المسيو أنجلهرد، أن وجهة نظري تطابق الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأمريكية، تلك الإجراءات التي غيرت وجه الأرياف الأمريكية في مدة عشرين سنة.
ونتمنى أن تتكرر هذه المعجزة في أرض الجزائر حيث نرى الإنسان مهدداً في قوته اليومي بسبب قضية التراب.
стр. 91
قَضِيَّةُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ
الجمهورية الجزائرية في ٢٦/ ٢/ ١٩٥٤
ــ
إِن مقالتي الأخيرة كانت مخصصة إلى جانب من الحركة النسائية عندنا، يتصل بصورة المرأة وقد بينت أنه الجانب ((القشري)) أو السطحي من حياة المرأة، بينما المشكلة على مقدار من الخطورة، بحيث لا يمكن أن نقتنع فيها بدراسة ((القشرة)).
بل إنه لا يمكن في دراستها إغفال وجهة ((فرودية)) ذات أهمية كبرى، عندما نقدر الأشياء بالمقياس الاجتماعي والأخلاقي، وحسب آثارها في التاريخ.
إن تطور المجتمع يرتبط، فعلا، بتطور المرأة والعكس صحيح، وطبيعة هذا الرباط كانت تستحق دراسة منهجية، نراها أتت في كتاب صدر هذه الأيام بانجلترا، تحت عنوان ((الجنس والتاريخ Sex in history ونوهت به الصحيفة الباريسية ((الإكسبريس)).
إن صاحب الكتاب، جوردون ريتري تيلور، لا يبدو أنه تناول قضية المرأة مباشرة، وإنما اعتبرها من زاوية النتائج الاجتماعية، أي أنه اعتبر آثار المرأة في تطور المجتمع.
والكتاب يفتح هكذا باباً جديداً في علم الاجتماع ينظر إِلى الأمور من زاوية ((فرودية))، فمن هذه الزاوية ينطلق المؤلف من ((احتمالين)) يكتشفهما التحليل النفسي في الإنسان ويترجمهما صاحب الكتاب بهذه العبارة: إنه يوجد في الإِنسان نزعة إيروس Eros، وهو حب وقدرة خلاقة، ويوجد فيه أيضا نزعة تناتوس ( Thanatos)، وهو حقد وقدرة تحطيم من ناحية، وقدرة مراقبة
стр. 92
وتنظيم من ناحية أخرى.
وبقدر ما تكون النزعة الأولى أو الثانية هي المسيطرة، يكون على المجتمع طابع الأمومة، بما في ذلك من عبقرية الأنثى، َ أو طابع الأبوة، بما في ذلك من عبقرية الذكر.
وهذه الصفات قد يكون أثرها ظاهراً في نظام الأسرة، حيث تكون الأسرة تحت سلطة الأم ( Matriarcat) أو تحت سلطة الأب ( Patriarcat) ولكن وبصفة عامة، فإِن هذه الصفات تحدد صورتين أو مرحلتين من الحضارة، تتسم كل واحدة منها بسمات معينة.
ويمكننا أن نتصور هاتين السورتين أو المرحلتين من خلال طبيعة المرأة والرجل.
إِن عنصر الأنثى يعني الخصوبة والتغيير السريع، ونشاهد أثره في أشياء مثل ((الموضة)) و ((التقدم))، كما يحتوي ذوق جمال وشاعرية.
أما عنصر الذكر، فإِنه يعني القوة والاستمرار والمبدأ الأخلاقي والتصوف.
إِنني لا أعتقد أن الكاتب الإنجليزي واصل التحليل إلى نهاية دور حضاري كامل، لأنه يفقد هذا المفهوم ذاته، حيث أن الثقافة الغربية في دراستها تاريخ الحضارات لا تقف عند مفهوم ((الدور الحضاري)).
أما إذا واصلنا نحن التحليل، فإننا سنرى الحضارة التي تطبعها عبقرية الأنثى ستنتهي عندما تصبح المرأة ((فارسة)) Omazone (١) ويصبح فيها الرجل مخنثاً- وهي تنتهي إلى فجور وميوعة وانحلال، أما الحضارة التي عليها طابع الذكر فتنتهي إلى الجفاف والعقم والتحجر.
لقد كان المجتمع الجاهلي كله تحت سلطة الذكر، وقد كان فيه ما فيه من قسوة ( Chanatos) ، وفيه ما فيه من نزعة التحطيم، حتى إِن المولودة كانت
стр. 93
توأد، يئدها أبوها. وحين جاء الإسلام أكبت في الذكر دوافع الجفاء والتحطيم، ولم يترك له إِلا قدرة التغلب على النفس، وقدرة التنظيم والتوجيه، فكوَّن بذلك مجتمعاً تتمتع فيه المرأ بكثير من الحقوق، مقابل بعض الواجبات. حتى أن الفقه الإِسلامي لم يفرض عليها إِلا واجب الزوجية، أما الواجبات المنزلة، كالغسيل والطبخ فإنها ليست مطلوبة منها، وحتى الرضاعة ليست فرضاً عليها، بل على الزوج أن يأتي بمرضعة لولده.
وقد نتصور أن هذه التسهيلات، التي يقررها الفقه الإسلامي للمرأة غير معمول بها من الوجهة الواقعية، لأنها ربما تبالغ قي تحرير المرأة من أسر الحياة المنزلية، ولكن هذه المبالغة من الناحية النظرية، تلفت نظرنا للحالة الحقيقية التي تقع فيها المرأة المسلمة اليوم من حيث الأعباء المنزلية، تقع فيها أو تعود إليها بنكسة المجتمع الإِسلامي، إِذ يبدو أن هذا المجتمع، بقدر ما فقد خصوبته وقوته في التنظيم، قد عاد إلى الحالة التي كان عليها المجتمع الجاهلي من حيث الشدة والعقم.
إننا لا نئد البنات اليوم، لأن قانوناً ورثناه عن الإسلام لا زال يمسكنا، ولأن قانوناً جنائياً يقفنا عند حدنا ولكن إِذا لم ندفنهن على قيد الحياة في الترات، فإننا ندفنهن في الجهل.
ولكن هذا الوأد لا ينسينا ما تركت لنا الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، من تقاليد تعلي من شأن المرأة، ومن أسماء نساء لامعات تبقى آثارهن كمعالم الطريق لحركة نسائية إسلامية مجددة.
إِن تلك الآثار تشمل الأدب والفنون والتصوف وعمل الخير. إن سيدات مسلمات قد تسابقن إلى الخيرات وتنافسن في البر والتقوى حتى تركن للأجيال المقبلة قدوة نقتدي بها إذ نجد في سماء الأدب الأندلسي اسم ((ولادة)) يلمع حين كانت تشرف على ((صالون أدبي)) يجتمع فيه فحول الأدباء والشعراء، قبل أن يلمع اسم مدام دي رمبولييه في الأدب الفرنسي بقرون.
ولقد بقي اسم رابعة العدوية يرفرف في أذهان الأجيال المؤمنة من المسلمين،
стр. 94
نذكر قصتها عندما وقفت بشارع من شوارع بغداد، وكان يمر موكب حافل يشيع جنازة الرازي، فسألت:
- لماذا احتشد الناس وراء هذا الميت؟!
فرد عليها من رد:
- إنه وجد البراهين التي تدل على وجود الله.
فقالت العدوية:
- وهل وجود الله في حاجة لبراهين هذا الرجل؟
وفي عهد أقرب منا، أليس الفضل فيما تمتعت به البلاد التونسية من وسائل الصحة منذ عهد بعيد، يعود إلى عزيزة عثمانة التي وهبت للبلاد جهازها الصحي الأول ... ؟
ويجب أن نقول من ناحية أخرى: إن أوروبا تدين إلى المجمع الإسلامي بالثقافة التي انتشرت فيها في العصور الوسطى، ونشرت في أرجائها تلك الفكرة التي تجعل تقدير المرأة من تقاليد الفروسية ... ولكننا نرى أوروبا اليوم في طريقها إِلى وضع ((الفارسة)) مكان ((السيدة))، وتضع، بالتالي المخنث ( Sy barite) مكان الرجل.
إن هذا التغيير حدث بلا شك بسبب ((التهور)) الذي يطلقون عليه ((تحرر المرأة)) كما يصفه فيكتور مارجريت في كتابه ((لا جرصون)) (١) وهو كأنه يصفه في مرحلة الأولى، مبشراً بظهور المجتمع الذي تسوده نزعات الأنثى في أوروبا، هذا في الوقت الذي ألغت فيه تركيا الحجاب والحروف العربية.
والآن، لقد اتضحت القضية تماماً: إنه يجب علينا أن نعيد إلى المرأة الكرامة التي وهبها لها الإسلام، عندما أنقذها من عادات الجاهلية القاسية، ولكن فلنعد لها كرامتها لنجعل منها ((السيدة) التي توحي إلى الرجل بالعواطف الشريفة، لا ((الفارسة)) التي تسيطر عليه.
стр. 95
تَهَوُّرٌ أَمْ تَطَوُّرٌ
الجمهورية الجزائرية في ٥/ ٢/ ١٩٥٤
ــ
لقد حذرت، في مقالة سابقة، شبابنا من الخطأ الذي نقع فيه أحياناً، عندما نتناول مشكلة في مكان غير مكانها، ولعل القارئ وجد في هذا التحذير شيئاً من المبالغة. إذ أننا، في نظره، لم نتعود على هذا الخدط ((بين أنبولة بقر وفانوس))، حتى يبدو أننا في غير حاجة إلى مثل هذا التحذير.
ولكنني أدين بفكرة هذا الاحتياط، مهما يبدو فيه من المبالغة في نظر البعض أو البساطة في نظر الآخرين، إنني أدين بهذه الفكرة إلى رجل أدين إِليه أيضاً بالفضل الكبير في ميدان الفكر فهو وجه من الوجوه المشرقة بنور العلم، يجمع في شخصه المواهب الفكرية والميزات الأخلاقية التي يتسم بها رجل علم فرنسي كنت تلميذه بباريس.
إن هذا الأستاذ الكبير كان يعلم تلاميذه كي يحتاطوا من ((البديهيات)) الخادعة التي تخدع الفكر بظاهر الأشياء ...
وكان هذا الأستاذ الكبير يستشهد في هذا الدرس، الذي يتعلق بفلسفة العلم، بقصة غاليلي ( Galilée) الذي دفع حياته ثمناً في مقابل الخطأ الذي وقع فيه معاصروه عندما أخرج لهم نظريته المدهشة، التي تقول لأول مرة، بأن ((الأرض هي التي تدور حول الشمس)) بينما كان الناس يعتقدون أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. ولقد كان الخلاف بين من يرى مرأى الفكر مثل غاليلي، ومن يرى مرأى العين أي كافة الناس الذين كانوا ((يرون بكل وضوح الشمس تدور ... ))
стр. 96
فغاليلي ذهب ضحية هذا ((الوضوح)) الخَادع الذي أخر العلم قروناً ...
فكنت أتذكر هذه القصة، عندما تناولت في مقالة مضت قضية المرأة عندنا، وكانت تتجلى لي ((البديهيات)) الخطيرة التي تحوم حول هذه القضية! ونحن نرى في كل ((بديهية)) منها، الفخ الذي ربما يقع فيه عقلنا عندما نفكر في هذه المسألة. ومهما يكن الأمر، فإِنه ليس في نيتي أن أقدم هنا منهاجاً كاملا للحركة النسائية عندنا، وقد اجتهدت، أن أبين بالقدر المستطاع، مبادئها في محاولة سابقة (١)، وإنما أريد أن أعقد المقارنة بين مظهرين من مظاهر هذه الحركة، وهما مظهران يخشى أن يؤدي الخلط بينهما إلى عواقب غير محمودة في بلادنا.
ويجب منذ أول الأمر، أن نقصي عن مجال الحديث اشتباها قد نقع فيه بسبب العنوان نفسه، إذا اتخذناه في صورة متحارجة ليست في طبيعة الموضوع، إننا لا نضع نقطة الاستفهام على طرفي مناقضة، وإنما نضعها فقط للتعبير عن الفرق بين مظهرين مختلفين من مظاهر القضية، مع الاشارة إلى أهمية كل واحد منهما وارتباط كل واحد منهما بمعطيات الموضوع.
ولسنا في حاجة إلى القول بأن هذا التمييز لا يظهر تلقائياً كبديهية من بديهيات الحياة الاجتماعية، لأن الحياة لا تحلل الأشياء وإنما تجمعها وتركبها أو تلفقها، حسب درجة انسجامها.
ولكن الحياة تعطينا أحياناً المثل المقنع، الذي يضيء بضوئه المباشر الموضوع الذي نريد فحصه أو فحص مظهر من مظاهره على وجه الخصوص.
ولا شك أن سكان العاصمة يتذكرون، تلك ((الهجرة)) التي حدثت في أوساط الطائفة اليهودية بالجزائر، بعد أن تأسست دولة إسرائيل، ولا شك أنه كان بين ((المهاجرين)) عدد من النساء اليهوديات، من أهالي وادي ميزاب، ومن واحات وادي سوف ...
стр. 97
فهل نتصور النظر، منظر هؤلاء اليهوديات من الواحات الجنوبية بالجزائر، إِذا ما نزلن بتل أبيب وعليهن ملامح نساء تلك الواحات، أي في عيونهن الكحل، وفي أرجلهن ((البلغة)) وعلى رؤوسهن الملاءة اللف؟
إننا نتصور لا شك ((الثورة)) التي كانت تحدث بتل أبيب لو حدث في شوارعها هذا المنظر ... ورأته المهاجرات، الأخريات اللواتي ينزلن من انجلترا ومن ألمانيا ...
ولكن القيادة اليهودية أدركت هذا، وقد اتخذت الإجراءات اللازمة كي لا تحدث مثل هذه ((الثورة)) ...
ولا شك أن القارئ المسلم، إذا كان من سكان العاصمة يتذكر ذلك الضجيج الملون الذي كان يسود حول تلك البناية الضخمة، بشارع باب عزون، حيث كنا نشاهد، عندما يأتي قطار الجنوب، بيهوديات يعبرن الباب ويدخلن في تلك البناية في صورة ((بلديات)) الواحات الصحراوية، ثم نشاهد، بعد أسبوع، يهوديات يخرجن من ذلك المبنى في صورة ((المواطانات)) المتأهبات إلى الباخرة التي ستنقلهن إلى إسرائيل.
ومن يشاهد هذا المنظر يندهش من سرعة التغيير الذي حدث في صورة هؤلاء النسوة، اللائي تركن بسرعة البرق ((البلغة)) كي يلبسن الحذاء الأنيق، وتركن ((الملحفة)) (١) كي يرتدين ((الفستان)) وتركن زجاجة الكحل كي يتزودن بأدوات التجميل العصرية ....
ولا يشاهد المسلم هؤلاء اليهوديات قد تركن الأشياء القديمة فحسب، بل يرى أنهن انسجمن مع الأشياء الجديدة، كان الملقن الذي أشرف على هذا التغيير، أو الملقنة التي أشرفت عليه، لم ينسيا كلاهما أي تفصيل في تكييف اليهودية كي تصير ((مواطنة)) في إسرائيل حتى في كيفية المشي برشاقة ... وكيفية الابتسام بأناقة ...
стр. 98
ولكننا ندرك أن العصا السحرية التي أحدثت هذا التغيير في أسبوع لم تحدث، في الواقع، إلا تغييراً سطحياً لم يؤثر إلا في مظهر شخصية يهودية جنوب الجزائر، دون أن يغير كيفية تصورها ولا شعورها ولا تفكيرها.
فنحن هنا أمام تخطيط واطراد يخصان بتعبير بافلوف الحالة ((القشرية)) في الشخصية، لا حالتها الداخلية.
ولكننا نعرف عن القادة اليهود، أنهم لا يباشرون المشكلات بمنطق السهولة، حتى أننا نعتقد أنهم لا يقتنعون بهذا التغيير الشكلي أو ((القشري)) في المرأة اليهودية المستعدة للسفر إلى إسرائيل، إلا كخطوة أولى تمليها ظروف خاصة في سلسلة تطورية معينة.
ولا شك أننا نخطىء إِذا قدرنا هؤلاء القادة اليهود على أنهم يخلطون بين هذه ((الخطوة الأولى)) التي تحدث في لمحة بصر تغييراً شكلياً مرموقاً، وبين الاطراد الطويل الذي يغير ((النفس)).
ها نحن الآن قد وصلنا إلى الشيء الذي هو بيت القصيد في هذه المقالة: إن الفرق الذي بيناه بين تغير ((القشرة)) وتغيير ((النفس)) هو ما كنا نريد إباتنه بين ((التهور)) و ((التطور))، أي بين ما يتصل بمظهر الشخصية، وما يتصل بجوهرها.
فإِذا استفدنا من يهود الجزائر، من الناحية الفنية، فيما يتعلق بمظهر المرأة، فيجب علينا أن لا نقتنع بهذا الجانب، الذي يعني أحياناً تهور المرأة، كي نفكر فيما يتعلق بتطورها.
ولو أننا تتبعنا خطوات اليهودية بعد خروجها من ((مصنع)) باب عزون، حيث صنعت قشرتتها الجديدة، ورأيناها بعد وصولها إلى تل أبيب في صورة ((مواطنة))، كيف تتكيف مع الحياة الجديدة باجتهاد شخصي، تتكيف بكبت العناصر النفسية التي لا تتمشى مع الشخصية الجديدة- شخصية المواطنة- وباكتساب عناصر أخرى من شأنها أن تغير الـ ((أنا)) في اتجاه التطور المنشود حسب رغبة
стр. 99
المجتمع، وأهدافه، ومصلحته.
ومن الواضح أن هذا ((الاجتهاد الشخصي)) من أجل التكيف في الوسط الجديد، هو من جانب الفرد ((الرد)) على أفعال المجتمع الذي يكون في الواقع العامل الأساسي في تطوير الفرد.
أو بعبارة أخرى: إن الفرد لا يتطور في مجتمع جامد، وإنما يتهور فيه أحياناً.
والآن، لو طبقنا هذه الاعتبارات العامة، في الحركة النسائية الجزائرية على وجه الخصوص، فإننا نرى أنها تتضمن جانبين:
١ - درس شروط التغيير الشكلي عندما يمر المجتمع بظروف خاصة تقتضي بأن تكون صورة المرأة مطابقة لنموذج معين، وأن يكون لها أسلوب معين، هذا بالنسبة للفرد.
٢ - درس الشروط التي يجب فرضها على المجتمع كي يقوم بدور التوجيه، أو التطوير للمرأة في الاتجاه المقصود.
وإننا ندرك كم يجب، في هذا الفصل، أن نعتني أولا بتحرير سيكولوجية الرجل- الأب، والأخ، والزوج- كي تتمشى مع مقتضيات المشروع في عمومه.
ويجب أن نلاحط أن هذا التخطيط المصنوع صناعة نظرية، هو ما تقتضيه ظروف خاصة عندما يجب أن تسير الأمور بالسرعة والتعجيل، أما في الظروف العادية، عندما تسير الأمور بطبيعتها، فالنموذج الذي تكون عليه صورة المرأة في المجتمع، يكون نتيجة لتطور بطيء ينحت هذه الصورة نحتاً عبر القرون.
ولكن كيف يتسنى لنا أن نحدد هذه الشروط كلها، بالنسبة لأفعال المجتمع وبالنسبة لرد الفرد (المرأة) عليها، إن لم تعرض القضية على مؤتمر يدرسها بكل تفاصيلها في مناقشة عامة تهيئ الجو لتطبيق الحل، وربما تجد الحل ذاته ...
стр. 100
ضَرُورَةُ مُؤْتَمَرٍ جَزَائِرِيٍ لِتَوْجِيهِ الْعَمَلِ
الجمهورية الجزائرية في ١٠/ ١/ ١٩٥٤
ــ
إن المقالة التي نشرتها بخصوص قضية العطلة، قد سببت رداً عليها باسم شباب حزب البيان، أي فيما يبدو، باسم الفئة التي كان لها الفضل في توجيه نداء للرأي العام من أجل دراسة القضية. ولقد كنت أهدف بمقالتي إلى إنشاء حوار حول قضية حيوية في بلادنا، ولعل هذا الرد صورة من الحوار الذي كنت أتمناه مهما يكن في الأمر من الغرابة، حيث أن الحوار يكون عادة، بين أشخاص من نوع واحد، لا بين شخص معين وشخصية مجردة، تمضي باسم ((شباب البيان)) ...
وعليه فإنني أتصور الحوار بيني وبين جماعة من الشباب الجزائري من ذلك الشباب الذي نحبه، لأنه في مقدمة الكفاح ضد الاستعمار ... ، ونحييهم بالخصوص عندما نراهم يواجهون مشكلة العطلة، تلك المشكلة التي تخص مباشرة وبحدة الشعب الجزائري، كل يوم، أي أنها تؤثر في حياننا في كل يوم.
ولكنني أتساءل- عندما أقرأ الرد المذكور- هل زل قلمي حتى أن ما أردت أن أبلغ من شكر للشباب الذي وجه النداء انقلب ذما حينما انتقل من فكرة في خاطري إلى جملة على الورق؟
في الحقيقة إنني أخشى أن يكون ((النقد)) لم يدخل بعد في عاداتنا ولم يستقر في جونا العقلي، وأن الكلمة ذاتها لم تبرح أجنبية عن قاموسنا، أو أنها تعني شيئاً آخر، كان كلمة ((نقد)) وكلمة ((تشويه)) مترادفان في لغتنا.
إنني أخشى هذا، وأتذكر أن هذه الخشية قد اعترتني في مناسبة أخرى عندما نشرت كتاب ((شروط النهضة))، وكنت خصصت فيه فصلا لذكر الحركة
стр. 101
الإصلاحية التي قامت بها جمعية العلماء في البلاد، وإذا بي أجد، يوماً في جريدة جمعية العلماء ((البصائر)) رداً من قلم أحد أعضائها المتكلمين باسمها، يرد علي كأن كتابي المذكور لم يكن همه إلا الكلام في هذه الجمعية بما يشوه سمعتها (١).
وذلك لأنني هممت في هذا الكتاب، بعد أن بينت فضل الحركة الإصلاحية في بلادنا، هممت أن أبين جوانب الضعف فيها، بالخصوص على أثر ((ورطتها في الوحل السياسي سنة ١٩٣٦)).
وكانت دهشتي تزيد عنفاً، عندما أتصور موقف هذا المفتش في جمعية العلماء. موقف من كان يعيش حياته بكل هدوء وطمأنينة، في الأيام التي كنت أعيش فيها بباريس، وأحمل بها وحدي لواء الإِصلاح في وجه العواصف والأعاصير التي يثيرها الاستعمار على خصومه!. حتى جاء اليوم الذي بلغ فيه السيل الزبى، في نظر المستعمرين، اليوم الذي رشحت فيه اسم ابن باديس لرئاسة الشرف لجمعية الطلبة المسلمين الجزائريين (٢).
فليطمئن ((شباب حزب البيان)) أن أحداً لا يشك في صفاء نياتهم ولا في طيبة قلوبهم، ولا في جد جدهم، وأنني على وجه الخصوص لا أريد، عندما أقدم نقدي في موضوع ما، لا أريد أن أحملهم ((وحدهم)) إثمنا ((جميعاً)). لا سيما في المقالة المتهمة، عندما أقول أن في رأي من ((يشبهنا بفراشات جميلة)) مزيداً من تبرير مراجعة نفوسنا، بطريقة النقد الذاتي.
ومهما يكن الأمر، فإن أحسن مواهب الإِنسان وأطيب نياته لا تمنع من تأثير نوائب الزمن، الملازمة للقوانين التي تحكم مصيره.
وفي المجال الاجتماعي بالخصوص، فإن مشكلة تطرح على بساط البحث
стр. 102
لا يعني أنها حلت. والفضل في طرح مشكلة للبحث مثل فضل الشباب الذي دعي إلى بحث مشكلة العطلة، لا يربطها بحل معين، ولا يرفض هذا الحل مسبقاً.
فالحل منوط بمجموعة شروط، تكون المقياس الذي يجب التمسك به للوصول إلى الهدف المقصود، بجهد لا ينزل عن مستواه، ولا ينحرف عن اتجاهه. لأن الخطأ قريب من العقل، ومن أقرب الأشياء إليه أن يتناول مشكلة في مكان أخرى وليس من الكوارث ما يتكرر مثل كارثة الكلام عن شيء، والعمل كأننا نريد شيئاً آخر. إننا أحياناً نتكلم مثلا عن تطور المرأة ونعمل كأننا نريد تهور المرأة.
والشيء الذي يجب أن نلاحظه بخصوص موضوعنا، هو أن شباب حزب البيان لم يخطئ في المشكلة، ولكن كان معرضاً للخطأ في محاولته لحلها.
فلنعد إلى القضية بصورة موجزة: إن شبابنا المناضل تناول مشكلة حيوية، وأوحت له خطورتها ببعض المبادرات: بعض ((الاحتجاجات الشديدة)) موجهة إلى الخارج، وبعض ((المطالب الملحة)) موجهة إلى الداخل.
فهذه، لا شك نيات طيبة، وجهود محمودة.
وإنني لأقرأ، من ناحية أخرى، على أعمدة هذه الجريدة مقالة مفيدة تتضمن أفكاراً قيمة في الموضوع. ويفيدنا بالخصوص صاحبها فيما يتعلق بالتكوين المهني المستعجل.
ولكن كل هذه الأشياء القيمة لا تأتي بحل، ولا تضعنا في طريقه، بل هي على العكس جديرة بأن تلفتنا عن هذا الطريق، وجديرة بأن تزيد هكذا في تعقيد المشكلة، دون أن نشعر بذلك.
فلنوضح موقفنا كما ينبغي: إن مشكلة البطالة بالجزائر تتميز بطبيعة خاحة، لأنها ليست قضية فئة من الناس تحرمهما من الشغل أزمة اجتماعية مؤقتة، فينتظرون، على أبواب المصانع والورشات، عودتهم إِلى الشغل، بل هي قضية
стр. 103
الشعب بأكمله، شعب وضعته ظروف اجتماعية وسياسية ونفسية خارج دائرة العمل (١).
وعليه، فإذا كان الحل على صورة ((مكتب تشغيل)) يصلح في الحالة الأولى - عندما تخص القضية فئة من الناس- فإِنه لا يصلح في الحالة الثانية وربما كان مضراً إذا أضاف عنصراً نفسانياً يعقد المشكلة، ويغير الاتجاه إزاءها، ويمكن أن نستدل على هذا الخطأ بمثل ملموس يعطيه لنا ذلك الشاب الذي كان رده على نداء ((شباب حزب البيان)) بأنه وجه إلى هذه الهيئة طلب تشغيل كـ ((نصف مهندس)) وهذا خطأ في تفهم فرد للقضية ...
ولكن عندما نرى الهيئة التي يتوجه إليها هذا الشاب تنشر طلبه في جريدتها، كأن القضية قضية فرد أو أفراد معدودين، فالخطأ هنا أكبر، لأنه يتضمن عنصراً فكرياً ونفسياً، يؤدي إلى محاولة عابثة، كأن الحل منوط بصحيفة تنشر على أعمدتها طلبات الذين يبحثون عن شغل ... إذ الطريقة ستكون مضحكة، بلا ريب عندما يكون عدد الطلبات يبلغ الملايين ...
وزيادة على هذا، فإنني على يقين من أن الطلب الذي وجهه الشاب الذي يبحث عن عمل ((نصف مهندس)) لم يجد في سوق العمل من يلبيه ... (وأتمنى أن يأتيني النبأ الذي يجعلني أخطأت في تقديري) ... (٢)
وعليه يجب أن ندرك كيف يكون الحل الذي نقدمه أو نقترحه في صورة ((مكتب تشغيل)) ... ؟ قد يكون صداه، في حياتنا العامة، سلبياً من وجهين، لأن الفشل المزدوج الذي ينتج عنه يزيد من ناحية ((الجمهور)) في عدم الثقة، ومن ناحية ((النخبة)) قد يزيد في الشعور بالعجز الذي يؤدي إلى اليأس والتقليل من الإِرادة في العمل ...
стр. 104
وهكذا يدخل عنصر سلبي جديد في حياتنا، ويضع ثقله على نشاطنا في المستقبل.
وإذاً، أين الحل؟
لو كان لي به دراية، فإنني لا أنتظر أن يطلب مني رأي في الموضوع، أو أن يطلب مني ((شباب حزب البيان)) بأن أعيره مما في ((تجربتي)) كما يقترح علي من قام بالرد باسمه.
ولكن، إِذا لم تكن تجربتي جديرة بتقديم حل جاهز، فإِنها توحي لي بأن هذا الحل سينتج بكل تأكيد من البحث والمناقشة، لو انعقد مؤتمر، لأنه سيجمع حتماً عناصر هذه المناقشة ويجمع كل ما يقال أو يفعل فيما يتصل بالموضوع، يجمعه مع أشياء أخرى يشملها البحث، كي يصوغ من كل هذا الحل المشروع أي الحل الذي لا يغير في الحين الرجل المتعطل إلى رجل يعمل ولكنه يدل على كل الشروط الباطنة والظاهرة لهذا التغيير.
وهكذا فإِن ((تجربتي))، إن لم تدل فوراً على الحل نفسه، فإنها تدل على الطريق الذي يؤدي حتماً إلى هذا الحل، وهذا الطريق يمر بـ ((مؤتمر جزائري لتوجيه العمل)).
وهذا بالضبط ما قلته من دون تفاصيل في المقالة التي سببت الرد الذي دفعني إلى هذا الجواب ... ولو أن الشاب الذي قام بالرد قرأ هذه المقالة بإمعان، لوجد فيها أكثر من تسلية ((صحافية)) أو ((أدبية)) ..
تَعْلِيقٌ
لقد ذكرت على هامش المقالة السابقة بعض الإجراءات التي يتخذها الاستعمار في نطاق الصراع الفكري بصورة عامة، وكيف كان موقفه إزاء المقالة التي نشير إليها على وجه الخصوص، ولكنني لم أذكر كل هذه الإجراءات إزاء ما نشرت بخصوص قضية العطلة.
стр. 105
إنني قلت كيف يسخر ((قلماً)) من أقلامه كي لا يكشف القناع عن وجهه.
ولكن يجب أن نضيف أن الاستعمار لا يسخر قلماً واحداً في قضية هامة بل أقلاماً: فيكتب القلم الأول كي يحرم الأفكار المقصودة من التأييد العاطفي في البلاد، لأن هذا القلم يمضي سخافته باسم ((هيئة الشباب)) حتى تؤدي مفعولها دون أن ترد عليها. ثم يكتب القلم الثاني، كي يسلب- بالإيحاء ومجرد الإِشارة- المقالة المذكورة قيمتها الفنية وحيث أنها ركزت جهدها على جانب ((الأسباب)) في القضية المعروضة، فيقول هذا القلم ((إذ البحث عن الأسباب الاقتصادية والسياسية والنفسية، لا بأس به، لكن عرض ((الوسائل)) النافعة الفعالة يكون أجدى .. ))
الجمهورية ١٥/ ١/ ١٩٥٤ كأن الوسائل تنبع وحدها من العدم دون أن نعرف ((الأسباب)) التي تدعو إليها ثم لا يقتنع الاستعمار بهذا الهجوم فقط، بل يشن غارة أخرى ويسخر لها صحافة حزب ((وطني)) آخر، حزب مصالي حاج، فبمجرد ما أشير في مقالتي السابقة إلي عقد مؤتمر لدرس قضية العطلة يصدر حزب مصالي نداء لجمع هذا المؤتمر نفسه، حتى لا يبقى فضل لصاحب الفكرة في ذلك لأن هذا النداء لم يذكر ما سبق في الموضوع.
وهكذا تحاط الأفكار من كل جانب، ويقاومها الاستعمار بكل ما لديه من الوسائل، وقد رأينا عدد الوسائل الذي يتصرف فيها في قضية واحدة.
***
стр. 106
تَفَاهَاتٌ جَزَائِرِيَّةٌ
لو أن أحداً استساغ أن يشبهنا- باللسان أو بالقلم- فشبهنا بفراشات جميلة تتفسح في يوم الربيع، تطير رشاقتها الملونة من زهرة إلى أخرى، وهي تداعب حينا البنفسج وتارة تداعب النرجس ... لنظرنا إلى من يشبهنا بهذا التشبيه اللطيف على أنه يستخف بنا ... وأنه يقصد بهذا التشبيه إهانتنا، لأن عقله لا يتورع عن السخرية ...
ولكن، لو رجعنا لنفوسنا بالنقد الذاتي، فلربما نغير موقفنا من هذا الرجل، فلا نحمله الإِثم الذي نحمله.
ورجوعنا لنفوسنا يمكن بفحص أي قطعة محددة من نشاطنا الاجتماعي، وإننا لنجد في حدث قريب المثل الذي يبرر هذه الاعتبارات في غاية الوضوح.
إِن طليعة الشباب في حزب البيان، في منظمته الخاصة بالشبان قد أطلقت منذ أسبوعين- وهي صاحبة الفضل الكبير في ذلك- أطلقت صرخة مثيرة فيما يتعلق بخصوص قضية العطلة في الجزائر.
وإننا نعرف، فعلا، الحالة المثيرة التي تجد فيها نفسها شبيبتنا التي تقضي ساعاتها وسنواتها في الشارع.
وإنه لمن الأشياء التي لا تحتاج إلى دليل أن حجم الجهد الاجتماعي- ويجب أن يكون كذلك- بقدر المشروع الذي يريد تحقيقه بحيث يكون هذا مقياساً للأول.
فهذا أمر في منتهى الوضوح.
والآن فنحن نعرف جيداً حجم قضية العطلة في الجزائر، حيث أن هذه القضية تشغل، مع الأمية المكان الأول بين العاهات الاجتماعية في هذه البلاد.
стр. 107
وعليه، فإن صرخة شباب حزب البيان، كانت، فيما يبدو، تبشر بعهد جديد بالنسبة إلى العطلة، كدعوة لدراسة هذه القضية دراسة مثمرة، من شأنها أن تأتي بالحلول المناسبة للمشكلة المعروضة.
ومما كان يزيد في توقع هذا الأمر، أن نداء الشباب كان يطلب الردود متعمداً ... فكان إذاً من المنتظر أن تقع مناقشة بين هؤلاء الشبان الذين لم يتقرر مصيرهم، فيعرضون مطالبهم ويعبرون عن رأيهم، ويقترحون فيها ... ما يرونه مناسباً من الحلول، ويشرعون في مبادرات أو يساهمون فيها ... أي بكلمة موجزة، أنهم سيتخذون في هذا الأمر موقفاً حاسماً.
وكانت أهمية هذه الفرصة تتزايد في نظرنا، بقدر ما كنا ننتظر أنها ستجلي في ضوء واحد، موقفين: موقف أصحاب النداء أي النخبة، وموقف من يتوجه إليه النداء أي الجمهور، أي موقف الطائفتين اللتين تكونان العناصر المحركة لحياة اجتماعية وكانت الفرصة هكذا تفسح المجال لاختبار أهم جانبين في الشباب الجزائري ولكن لقد مضت الأمور، في الأول، كأنما نداء شباب حزب البيان لم يخص حالة عامة، وإنما بعض الحالات الخاصة، لم نعرف منها بالتالي إلا حالة واحدة، حالة شاب ميكانيكي كان له الفضل في الدخول في المناقشة المطلوبة.
فدخل فيها وحده ... دون أن يكون له رفيق ... فالواقع أن المناقشة لم تقع، لأن الجانب الذي كان سيمثل فيها ((الجمهور)) يفقد الروح الاجتماعية، كما يعبر عن ذلك موقفه السلبي، وسنقول فيما يتبع شيئاً عن معنى هذا الفقر الاجتماعي الذي يؤدي إِلى نتيجة غير منتظرة، لأنه من الوجهة العلمية كأنه نافية تنفي وجود القضية المعروضة للبحث.
ومن ناحية أخرى، يجب أن نلاحظ أن الجانب الآخر الذي كان سيمثل في القضية ((النخبة)) كان مصاباً أيضاً بفقر اجتماعي ولكن من نوع آخر كما يدل على ذلك عدم تنبهها إلى سلبية ((الجمهور)) التي أشرنا إِليها، كمشكلة اجتماعية، قائمة بذاتها يجب إضافتها إلى القضية المعروضة كي تدرس كجزء منها يزيد بضوئه
стр. 108
الخاص في توضيح القضية.
وهذا يجعلنا نقول إن ((النخبة)) عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فهي على هذا كأنها اقتنعت بتسجيل الفشل ولكن دون أن تسعى في تفهم أسبابه ... وإننا نتمنى أن تكون قد شعرت بهذا الفشل، حين لم يكن لندائها صدى يذكر.
فلو أن النخبة درست هذا الفشل، لاستفادت منه أكثر مما يفيدها نصف، نجاح خداع ... لأنها تدرك من خلال تلك الدراسة حقيقة الأمر، أعني حقيقة الشروط الخاصة التي يجب أن تخضع لها جهدها كي تحقق به نجاحاً كاملا.
فمن الواضح أن الصمت، الذي كان الرد الوحيد على النداء الذي وجهته هذه ((النخبة))، يعني من ناحية ((الجمهور)) التهيب وفقدان الثقة والأمل، ويعني من ناحيتها نقصاً في التنظيم.
وعليه فالفشل يتضمن جانباً سيكولوجياً وجانباً فنياً (١).
ومن البين أن الجانب الفني أي النقص في التنظيم وفي التخطيط وفي توجيه العمل المشترك، هو عمود القضية، لأننا لو وضعنا هذا الجانب موضع التأمل والدراسة، لدعانا ذلك إلى مزيد من التأمل في القضية الرئيسية، قضية العطلة.
ولكن إذا أردنا أن نذهب في هذا السياق إلى أقصى التحليل يجب أن نقول، إن المشكلتين بقيتا معاً دون حلول، فلا ((الجمهور)) اكتسب الروح الاجتماعية التي يفقدها، ولا ((النخبة)) اكتسبت الفكر الفني الذي يعوزها.
ولكن الشيء الذي يزيد في الطين بلة أعني يزيد فيما يعاني الشعب من فقدان الأمل وعدم الثقة، هو أننا سجلنا الفشل في مشكلة معينة، وتركناها في الطريق
стр. 109
دون حل، وذهبنا إِلى آفاق أخرى وإِلى مشكلات جديدة، كأن المشكلة التي مررنا بها لا وجود لها. فنتاول مثلا مشكلة المرأة، ثم نتركها بدورها في الطريق، ونمر هكذا مر الكرام على الأشياء ....
أليس في هذا ما يجعلنا نستحق فعلا التشبه بالفراش ... لأننا ننتقل من مشكلة إلى أخرى ... تسلية وتضييعاً للوقت.
ومن الناحية الجدية: أليس في هذا الدلالة بأن موقفنا الاجتماعي لا يتسم بالإرادة المتصلة والجهد المتواصل، ولكنه يتسم بالمحاولات المتتابعة ... والإرادات الخافقة.
وإذا حللنا مجهودنا تحليلا جذرياً وجدناه متفكك الأجزاء كأنه مركب على صورة الخط المنقط، الخط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئاً.
وإننا نجد هنا، في صورته الاجتماعية، المرض الذي سميناه ((الذرية)) في تفكيرنا، ذلك المرض الذي أشار إليه عالم إنجليزي بحق.
وربما حان الوقت كي نتناول المشكلات في عمقها، في مناقشة تتسع بقدر ما يمكن إلى دراسة مدققة، أي في مؤتمر يكون موضوعه دراسة القضايا القائمة مثل قضية الرجل بلا شغل، والمرأة بلا مركز اجتماعي، والطفل بلا مدرسة (١) ..
стр. 110
بَاعَةُ الْحَضَارَةِ
الشاب المسلم في ١٦/ ٤/ ١٩٥٤
ــ
إننا نعرف في الجزائر، وفي البلاد الإِسلامية الأخرى، ذلك الوجه المألوف، وهو يشق طريقه بين الجماهير في أسواق المدينة وبطحائها، يوزع مجاناً ماء غدقاً يسكبه من قربة يحملها بجنبه يمر وهو يكرر كلمته المعروفة لدى أجيال المسلمين:
- في سبيل الله! السبيل! ..
إننا نعرف هذا الوجه الأصيل، بين وجوه أخرى كذلك المؤذن، وهو يوزع في الواقع زهده، وطمأنينة عقيدته وروحانيته العميقة في الأسواق ..
فكل حضارة تصنع هكذا نماذج اجتماعية ووجوهاً تقليدية تتعاقب في الأجيال، تضع عليها طابعها، وترسم على ملامحها ما يعبر عن رسالتها الخاصة.
فالحضارة الغربية، باعتبارها شغالة ومهنية، قد صنعت النموذج الاجتماعي المطبوع بما نسميه مثاليتها، أي المطبوع بالعبقرية التي تتمثل فيما يطلق عليه الإنجليزي ((الشغل)) ( Business) وبالحكمة التي يعبر عنها هذا الرجل فيقول:
- إن الوقت درهم ...
ومن الطبيعي أن يكون هذا النموذج متنوعاً حسب الحاجة في مجتمع اعتنى أكثر من غيره بالتخصص وتوزيع العمل.
إِننا لا نجد هذا النموذج متمثلا فحسب في البقال، وفي السمسار الذي يعرض العمارات للبيع، وفي بائع الحديد القديم، وفي بائع المخلفات أي في كل بائع لشيء من الأشياء، بل نجده متمثلا في البائع الذي يبيع ((لا شيء)) .. أي