← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37614

مقالات الإسلاميين ت ريتر

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (611 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

زعموا أن المنافق كافر وليس بمشرك أن المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين وكانوا أصحاب كبائر. وقالوا: كل شيء أمر الله به عباده فهم عام ليس بخاص وقد أمر الله به الكافر والمؤمن. وقال قوم منهم: لا حجة لله على الخلق في التوحيد إلا بالخبر أو ما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء. وقال بعضهم: لا يجوز على الله أن يخلي عباده من التكليف لوحدانيته ومعرفته، وأجاز بعضهم أن يخليهم من ذلك. وقال بعضهم فيمن دخل في دين المسلمين: وجبت عليه الشرائع والأحكام وقف على ذلك أو لم يقف سمعه أو لم يسمعه. وقال بعضهم: لا يرسل الله نبياً إلا نصب دليلاً عليه ولا بد من أن يدا واحداً، وقال بعضهم: قد يجوز أن يبعث الله نبياً بلا دليل. وقال بعضهم: من ورد عليه الخبر بأن الخمر قد حرمت وأن القبلة قد حولت فعليه أن يعلم أن الذي أخبره مؤمن أو كافر وعليه أن يعلم ذلك بالخبر وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر. وقال بعضهم: من قال بلسانه أن الله واحد وعنى به المسيح فهو صادق في قوله مشرك بقلبه.

стр. 107

وقال بعضهم: ليس على الناس المشي إلى الصلاة والركوب إلى الحج ولا شيء من أسباب الطاعات التي يتوصل بها إليها وإنما عليهم فعلها بعينها فقط. وقالوا جميعاً أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل فإن تاب وإلا قتل كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله، وقالوا: من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم: ليس من جحد الله وأنكره مشركاً حتى يجعل معه إلهاً غيره، وقال بعضهم: ذلك شرك وكل جحد بأي جهة كان فهو شرك وكفر، وقالوا: الإصرار على أي ذنب كان كفر. وقالوا: العالم يفنى كله إذا أفنى الله أهل التكليف ولا يجوز إلا ذلك لأنه إنما خلقه لهم فإذا أفناهم لم يكن لبقائه لهم معنىً. وقال بعضهم بل جلهم: الاستطاعة والتكليف مع الفعل وأن الاستطاعة هي التخلية، وقال كثير منهم: ليس الاستطاعة هي التخلية بل هي معنىً في كونه كون الفعل وبه يكون الفعل وأن الاستطاعة

стр. 108

لا تبقى وقتين وأن استطاعة كل شيء غير استطاعة ضده، وأن الله كلف العباد ما لا يقدرون عليه لتركهم له لا لعجزهم عنه وأن قوة الطاعة توفيق وتسديد وفضل ونعمة وإحسان ولطف وأن استطاعة الكفر ضلال وخذلان وطبع وبلاء وشر، وأن الله لو لطف للكافرين لآمنوا وأن عنده لطفاً لو فعله بهم لآمنوا طوعاً وأن الله لم ينظر لهم في حال خلقه إياهم ولا فعل بهم أصلح الأشياء لهم ولا فعل بهم صلاحاً في الدين وأنه أضلهم وطبع على قلوبهم، وهذا قول يحيى بن كامل ومحمد بن حرب وإدريس الإباضي، وكانوا يقولون في كثير من الإباضية أن أعمال العباد مخلوقة وأن الله سبحانه لم يزل مريداً لما علم أنه يكون أن يكون ولما علم أنه لا يكون أن لا يكون وأنه مريد لما علم من طاعات العباد ومعاصيهم لا بأن أحب ذلك ولكن بمعنى أنه ليس بآب عنه ولا بمكره عليه، وسنشرح قولهم في سائر أبواب القدر إذا أخبرنا عن مذاهب الناس في القدر وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن. وقال جل الإباضية: قد يجوز أن يقع حكمان مختلفان في الشيء الواحد من وجهين فمن ذلك أن رجلاً لو دخل زرعاً بغير إذن صاحبه

стр. 109

لكان الله سبحانه قد نهاه عن الخروج منه لأن فيه فساد الزرع وقد أمره به لأنه ليس له. وقال جلهم بالخاطر ولا يجوز أن يخلي الله العباد البالغين منه وقالوا: ليس يجوز على شيء من الأعراض البقاء إلا إذا كان بعضا للجسم عند من يقول أن الجسم أعراض مجتمعة وأكثرهم يقول أنه أبعاض للجسم، وقالوا: جزاء الله في العباد أكثر من تفضله وعافيته أكثر من ابتلائه والثواب واجب بالاستحقاق والتفضل والابتلاء ابتداء وقال بعضهم بتحليل إلا شربة التي يسكر كثيرها إذا لم تكن الخمر بعينها وحرموا السكر، وليس يتبعون المولي في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحداً، ولا يقتلون امرأة ولا ذرية، ويرون قتل المشبهة وسبيهم وغنيمة أموالهم ويتبعون موليهم كما فعل أبو بكر بأهل الردة. ويدعون من السلف جابر بن زيد وعكرمة ومجاهد وعمرو بن دينار.

стр. 110

وكان رجل من الإباضية يقال له إبراهيم أفتى بأن بيع الإماء من مخالفيهم جائز فبرئ منه رجل يقال له ميمون وممن استحل ذلك، ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا بتحريم وكتبوا يستفتون العلماء منهم في ذلك فأفتوا بأن بيعهن حلال وهبتهن حلال في دار التقية ويستتاب أهل الوقف من وقفهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك وأن يستتاب ميمون من قوله وأن يبرءوا من امرأة كانت معهم وقفت فماتت قبل ورود الفتوى وأن يستتاب إبراهيم من عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه وهو مسلم يظهر إسلامه وأن يستتاب أهل الوقف من جحدهم البراءة عن ميمون وهو كافر يظهر كفره، فأما الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه فسموا الواقفة وبرئت الخوارج منهم، وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإماء من المخالفين وتاب ميمون. والإباضية يقولون أن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها.

стр. 111

ووقف كثير من الإباضية في إيلام أطفال المشركين في الآخرة فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلاً، ومنهم من قال أن الله سبحانه يؤلمهم على طريق الإيجاب لا على طريق التجويز. ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الاختلاف في أمر المرأة: فافترقت فرقة من الواقفة وهم الضحاكية فأجازوا أن يزوجوا المرأة المسلمة عندهم من كفار قومهم في دار التقية كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقية فأما في دار العلانية وقد جاز حكمهم فيها فإنهم لا يستحلون ذلك فيها. ومن الضحاكية فرقة وقفت فلم تبرأ ممن فعله وقالوا: لا نعطي هذه المرأة المتزوجة من كفار قومنا شيئاً من حقوق المسلمين ولا نصلي عليها إن ماتت ونقف فيها، ومنهم من برئ منها. واختلفوا في أصحاب الحدود: فمنهم من برئ منهم ومنهم من تولاهم ومنهم من وقف، واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال:

стр. 112

هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلاماً ونقف فيمن لم نعرف إسلامه، وتولى بعض هؤلاء بعضاً على اختلافهم وقالوا: الولاية تجمعنا فسموا أصحاب النساء، وسموا من خالفهم من الواقفة أصحاب المرأة، وصارت الواقفة فرقتين: فرقة تولوا الناكحة وفرقة ينسبون إلى عبد الجبار بن سليمان وهم الذين يتبرءون من المرأة المناكحة من كفار قومهم. وهذا خبر عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته ثم شك في بلوغها فسأل أمها عن ذلك حتى وقع الخلاف بين ثعلبة وعبد الكريم في الأطفال فاختلفا بعد أن كانا متفقين. فأما عبد الجبار الذي خطب إلى ثعلبة ابنته فسأل ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم فأرسل الخاطب إلى أم الجارية مع امرأة يقال لها أم سعيد يسأل هل بلغت ابنتهم أم لا وقال: إن كانت بلغت وأقرت بالإسلام لم أبال ما أمهرتها فلما بلغتها أم سعيد ذلك قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت فرد مرة أخرى ذلك عليها ودخل ثعلبة على تلك الحال فسمع بتنازعهما فنهاهما عنه ثم دخل

стр. 113

عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال فأخبره ثعلبة الخبر فزعم عبد الكريم أن يجب دعاؤها إذا بلغت وتجب البراءة منها حتى تدعى إلى الإسلام فرد عليه ثعلبة ذلك وقال: لا بل نثبت على ولايتها فإن لم تدع لم تعرف الإسلام، فبرئ بعضهم من بعض على ذلك. ومن الخوارج البيهسية أصحاب أبي بيهس ومما أحدث أنه زعم أن ميموناً كفر حين حرم بيع المملوكة في دار كفار قومنا وحين برئ ممن استحل ذلك وكفر أهل الثبت حين لم يعرفوا كفر ميمون وصواب إبراهيم - وأهل الثبت الواقفة - وكفر إبراهيم حين لم يتبرأ من أهل الوقف لوقفهم في أمرهم وجحدهم الولاية عنه وجحدهم البراءة من ميمون وذلك أن الوقف لا يسع على الأبدان ولكن يسع على الحكم بعينه ما لم يواقعه أحد من المسلمين فإذا واقعه أحد من المسلمين لم يسع من حضر ذلك أن لا يعرف من أظهر الحق ودان به ومن أظهر الباطل ودانه به.

стр. 114

وزعم أبو بيهس أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله ومعرفة رسوله ومعرفة ما جاء به محمد جملة والولاية لأولياء الله سبحانه والبراءة من أعداء الله وما حرم الله سبحانه مما جاء فيه الوعيد فلا يسع الإنسان إلا علمه ومعرفته بعينه وتفسيره ومنه ما ينبغي أن يعرفه باسمه ولا يبالي أن لا يعرف تفسيره وعينه حتى يبتلى به وعليه أن يقف عند ما لا يعلم ولا يأتي شيئاً إلا بعلم، فتابعه على ذلك ناس كثير من الخوارج وفارقه ناس كثير منهم فسموا البيهسية وسمت البيهسية من خالفهم من الخوارج الواقفة. وقال غيره من الناس: قد يسلم الإنسان بعرفة وظيفة الدين وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء من عند الله جملة والولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله وإن لم يعرف ما سوى ذلك فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل فمن واقع شيئاً من الحرام مما جاء فيه الوعيد وهو لا يعلم أنه حرام فقد كفر ومن ترك شيئاً من كبير ما افترضه الله سبحانه عليه وهو لا يعلم فقد كفر، فإن حضر أحد من أوليائه مواقعة من واقع الحرام وهو لا يدري أحلال

стр. 115

أم حرام أو اشتبه عليه وقف فيه فلم يتوله ولم يبرأ منه حتى يعرف أحلال ركب أم حرام، فبرئت منه البيهسية. ومن البيهسية فرقة يقال لهم العوفية وهم فرقتان: فرقة تقول: من رجع من دار هجرتهم ومن الجهاد إلى حال القعود نبرأ منهم، وفرقة تقول: لا نبرأ منهم لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالاً لهم، وكلا الفريقين من العوفية يقولون: إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد، والبيهسية يبرءون منهم وهم جميعاً يتولون أبا بيهس. ومن البيهسية فرقة يقال لهم أصحاب شبيب النجراني يعرفون بأصحاب السؤال والذي أبدعوه أنهم زعموا أن الرجل يكون مسلماً إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتولى أولياء الله وتبرأ من أعدائه وأقر بما جاء من عند الله جملة وإن لم يعلم سائر ما افترض الله سبحانه عليه مما سوى ذلك أفرض هو أم لا فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل به فيسأل، وفارقوا الواقفة وقالوا في

стр. 116

أطفال المؤمنين بقول الثعلبية أنهم مؤمنون أطفالاً وبالغين حتى يكفروا وأن أطفال الكفار كفار أطفالاً وبالغين حتى يؤمنوا، وقالوا بقول المعتزلة في القدر، فبرئت منهم البيهسية. وقال بعض البيهسية من واقع زناً لم نشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية إلا أنهم قالوا: نقف فيهم ولا نسميهم مؤمنين ولا كافرين وقالت طائفة من البيهسية إذا كفر الإمام كفرت الرعية وقالت: الدار دار شرك وأهلها جميعاً مشركون، وتركت الصلاة إلا خلف من تعرف، وذهبت إلى قتل أهل القبلة وأخذ الأموال واستحلت القتل والسبي على كل حال. وقالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين مشركون بمواقعة الذنوب وإن كان ذنب لم يحكم الله فيه حكماً مغلظاً ولم يوقفنا على تغليظه فهو مغفور ولا يجوز أن يكون أخفى أحكامه عنا في ذنوبنا ولو جاز ذلك جاز في الشرك، وقالوا: التائب في موضع الحدود وفي موضع القصاص والمقر على نفسه يلزمه الشرك إذا أقر من ذلك

стр. 117

بشيء وهو كافر لأنه لا يحكم بشيء من الحدود والقصاص إلا على كل كافر يشهد عليه بالكفر عند الله. وقال بعض البيهسية: السكر من كل شراب حلال موضوع عمن سكر منه وكل ما كان في السكر من ترك الصلاة أو شتم الله سبحانه فهو موضوع لا حد فيه ولا حكم ولا يكفر أهله بشيء من ذلك ما داموا في سكرهم وقالوا أن الشراب حلال الأصل ولم يأت فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في إكثار أو في سكر. ومن البيهسية فرقة يسمون أصحاب التفسير كان صاحب بدعتهم رجل يقال له الحكم بن مروان من أهل الكوفة زعم أنه من شهد على المسلمين لم تجز شهادتهم إلا بتفسير الشهادة كيف هي، قال: ولو أن أربعة شهدوا على رجل منهم بالزنا لم تجز شهادتهم حتى

стр. 118

يشهدوا كيف هو، وهكذا قالوا في سائر الحدود، فبرئت منهم البيهسية على ذلك وسموهم أصحاب التفسير. وقالت العوفية من البيهسية: السكر كفر ولا يشهدون أنه كفر حتى يأتي معه غيره كترك الصلاة وما أشبه ذلك لأنهم إنما يعلمون أن الشارب سكر إذا ضم إلى سكره غيره مما يدل على أنه سكران. ومن الخوارج أصحاب صالح ولم يحدث صالح قولاً تفرد به ويقال أنه كان صفرياً. ومن قول الصفرية وأكثر الخوارج أن كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك عبادة للشيطان. وقالت الفضلية: لا يكفر عندنا ولا يعصي من قال بضرب من الحق الذي يكون من المسلمين وأراد به غير الله أو وجهه على غير ما يوجهه المسلمون عليه نحو قول القائل لا إله إلا الله يريد بها قول النصارى الذي لا إله إلا هو الذي له الولد والزوجة أو يريد صنماً اتخذ إلهاً وكقول القائل: محمد رسول الله وهو يريد غيره ممن قال: هو حي

стр. 119

قائم وما أشبه ذلك من القول كله واعتقاد القلب والتوجه إلى غير الله . وحكى اليمان بن رباب الخارجي أن قوماً من الصفرية وافقوا بعض البيهسية على أن كل من واقع ذنباً عليه حرام لا يشهد عليه بأنه كفر حتى يرفع إلى السلطان ويحد عليه فإذا حد عليه فهو كافر إلا أن البيهسية لا يسمونهم مؤمنين ولا كافرين حتى يحكم عليهم وهذه الطائفة من الصفرية يثبتون لهم اسم الإيمان حتى تقام عليهم الحدود. وحكى أن صنفاً من الخوارج تفردوا بقول أحدثوه وهو قطعهم الشهادة على أنفسهم ومن وافقهم أنهم من أهل الجنة من غير شرط ولا استثناء. وذكر أن صنفاً منهم يدعون الحسينية ورئيسهم رجل يعرف بأبي الحسين يرون أن الدار دار حرب وأنه لا يجوز الإقدام على من فيها إلا بعد المحنة، ويقولون بالإرجاء في موافقيهم خاصة كما حكي عن نجدة، ويقولون فيمن خالفهم أنهم بارتكاب الكبائر كفار مشركون.

стр. 120

وذكر اليمان أيضاً أن صاحب الشمراخية وهو عبد الله بن شمراخ كان يقول أن دماء قومه حرام في السر حلال في العلانية وأن قتل الأبوين حرام في دار التقية ودار الهجرة وإن كانا مخالفين، والخوارج تبرأ منه. ومن العلماء باللغة وهو من الخوارج أبو عبيدة معمر بن المثنى وكان صفرياً، ومن شعرائهم: عمران بن حطان وهو صفري، ومن مؤلفي كتبهم ومتكلميهم: عبد الله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل وهؤلاء إباضية، واليمان بن رباب وكان ثعلبياً ثم صار بيهسياً وسعيد بن هارون وكان فيما أظن إباضياً. والخوارج تدعي من السلف الشعثاء جابر بن زيد وعكرمة وإسماعيل بن سميع وأبا هارون العبدي، وهبيرة بن مريم. ومن رجال الخوارج ممن لم يذكر أنه خرج ولا له مذهب يعرف به صالح بن مسرح وداود وكانا يتلاقيان ويحدثان مسائل يقع لها الخلاف بين الخوارج، ثم كانت لهما في آخر أيامهما خرجة ليست بالمشهورة، ورباب السجستاني وهو الذي أوقع الخلاف

стр. 121

بين الخوارج في قتيل وجد في عسكر حتى قال بعضهم أن حكم أهل العسكر حكم الكفار حتى يعلم أنه قتل بحق، وقال بعضهم: بل هم مؤمنون حتى يعلم أنه قتل بغير حق، وهارون الضعيف وقد حكي عنه إجازة تزويج نساء مخالفيه وأحل مخالفيه في هذا الباب محل أهل الكتاب. ومن الخوارج صنف يسمون الراجعة رجعوا عن صالح بن مسرح وبرئوا منه لأحكام حكم بها وذلك أن بعض طلائع صالح أتاه فأعلمه أن فارساً على تل واقف ينظر إلى عسكره فوجه إليه رجلين من أصحابه فلما نظر إليهما الفارس ولى مدبراً فلحقاه فطعنه أحدهما فصرعه ونزلا ليقتلاه فقال لهما: أنا رجل مسلم وأنا أخو ربعي بن حراش وكان ربعي بن حراش من رؤسائهم فكفا عنه وقالا له: هل يعرفك أحد في العسكر؟ قال: نعم وسمى رجلين من أصحاب صالح يسمى أحدهما جبيراً والآخر الوليد فصار الفرسان به إلى عسكر صالح فأخبراه بخبره فدعا صالح بن جبيراً والوليد فسألهما عنه فقالا: نعرفه بالخبث والكفر ونعرف أنه أخو ربعي وقد أخبرنا ربعي بخبثه وعداوته للمسلمين فأمر صالح بضرب عنقه فقالت الراجعة: قتل رجلاً مسلماً قد ادعى الإسلام فبرئوا بذلك من صالح، ومنها

стр. 122

أنه أتاه رجل من طلائعه فأخبره أن فارساً واقف على تل ينظر إلى العسكر بالليل فبعث أبا عمر ويزيد بن خارجة فلما نظر الفارس إليهما ولى مدبراً فطعنه أحدهما وضربه الآخر بالسيف ثم أتيا به صالحاً فدفعه صالح إلى رجل من أصحابه وأوصاه به وقال: إذا كان بالغداة فأتنا به حتى نقف على جراحته وننظر أتصير إلى دية النفس أو إلى دية الأرش فذهب الرجل إلى منزله وأباته عنده فلما نام الرجل الذي من أصحاب صالح قام الأسير فهرب من الليل، فبرئت الراجعة من صالح بذلك وقالوا: لم يبرأ من جراحته وقد ادعى أنه ذمي، ومنها أن رجلاً من أصحابه يقال له صخر قال لرجل منهم: هذا عدو الله فلم يستتبه صالح من ذلك، ومنها أنه احتبس من الغنائم فرساً فكان أصحابه يقترعون إذا أرادوا ركوبه ويتنافسون في القتال عليه، فاختلف أصحابه عند هذه الأشياء فبرئت منه فرقة فسميت الراجعة، وصوب أكثر الخوارج رأي صالح بن أبي صالح، ووقف شبيب في صالح بن أبي صالح والراجعة وقال: لا ندري ما حكم به صالح كان حقاً أو باطلاً، ويقال أن أكثر الراجعة عادوا إلى قول صالح ويصوبونه فيما صنع.

стр. 123

فأما بعض الإباضية فيذهب إلى أن الذين برئوا من صالح كفروا وأن من وقف في كفرهم كفر، وأحسنوا الظن بشبيب وقالوا: لم يكن مثله يبرأ منه وقالوا: ويدل على ذلك أنه كان معه حتى قتل، فهو عندهم على أصل إيمانه. ومنهم فرقة يسمون الشبيبية وذلك أن شبيباً وقف في صالح وفي الراجعة فقالوا: لا ندري أحق ما حكم به صالح أم جور وحق ما شهدت به الراجعة أم جور، فبرئت الخوارج منهم وسموهم مرجئة الخوارج، وكان شبيب أصاب أموالاً بجرجرايا فقسمها وبقيت رمكة ومنطقة وعمامة فقال لرجل من أصحابه: اركب هذه الدابة حتى نقسمها وقال لآخر: البس هذه العمامة والمنطقة حتى نقسمها فبلغ ذلك أصحابه فخرج إليه سالم بن أبي الجعد الأشجعي وابن دجاجة الحنفي فقالا: يا معشر المسلمين استقسم هذا الرجل بالأزلام فقال شبيب: إنما كانت رمكة وأحببت أن يركبها صاحبها يوماً أو يومين حتى نقسمها فقالوا: لم أعطيت هذا منطقة وعمامة فلو استشهد وأخذ متاعه؟ تب مما صنعت! فكره أن يخنع فقال: ما أرى

стр. 124

موضع توبة، فبرئوا منه فليس يتولاه خارجي فيما نعلم وهم يرجئون أمره ولا يكفرونه ولا يثبتون له الإيمان. فأما التوحيد فإن قول الخوارج فيه كقول المعتزلة وسنشرح قول المعتزلة في التوحيد إذا صرنا إلى شرح مذاهب المعتزلة. والخوارج جميعاً يقولون بخلق القرآن، والإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط لأنهم يزعمون أن الله سبحانه لم يزل مريداً لمعلوماته التي تكون أن تكون ولمعلوماته التي لا تكون أن لا تكون والمعتزلة إلا بشر بن المعتمر ينكرون ذلك. فأما القدر فقد ذكرنا من يذهب فيه إلى قول المعتزلة من الخوارج وذكرنا من يميل إلى الإثبات منهم. وأما الوعيد فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد لأنهم يقولون أن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدون فيها مخلدون غير أن الخوارج يقولون أن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الإسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون أن عذابهم ليس كعذاب الكافرين.

стр. 125

وأما السيف فإن الخوارج تقول به وتراه إلا أن الإباضيةلا ترى اعتراض الناس بالسيف ولكنه يرون إزالة أيمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أيمة بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغير السيف. فأما الوصف لله سبحانه على أن يظلم فإن الخوارج جميعاً تنكر ذلك. والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر وينكرون إمامة عثمان رضوان الله عليهم في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها ويقولون بإمامة علي قبل أن يحكم وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم ويكفرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري، ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقاً لذلك ولا يرون إمامة الجائر، وحكى زرقان عن النجدات أنهم يقولون أنهم لا يحتاجون إلى إمام وإنما عليهم أن يعلموا كتاب الله سبحانه فيما بينهم. وللخوارج في الأطفال ثلاثة أقاويل: صنف منهم يزعمون أن أطفال المشركين حكمهم حكم آبائهم

стр. 126

يعذبون في النار وأن أطفال المؤمنين حكمهم حكم آبائهم، واختلف هذا الصنف في الآباء إذا انتقلوا بعد موت أطفالهم عن أديانهم، فقال قائلون: ينتقلون إلى حكم آبائهم، وقال قائلون: هم على الحال التي كان آباؤهم عليها في حال موتهم لا ينتقلون بانتقالهم. وقال الصنف الثاني منهم: جائز أن يؤلم الله سبحانه في النار أطفال المشركين على غير المجازاة لهم وجائز أن لا يؤلمهم، وأطفال المؤمنين يلحقون بآبائهم لقول الله : بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم. وقال الصنف الثالث وهم القدرية: أطفال المشركين والمؤمنين في الجنة. وحكى حاك عن الأخنسية أنها تزوج النساء في نصبة الحرب وغير نصبة الحرب. وحكى أيضاً أن الشمراخية والصفرية تصلي خلف من لا تعرف. وحكى أن البيهسية تقول بقتل أهل القبلة وأخذ الأموال وترك الصلاة إلا خلف من تعرف والشهادة على الدار بالكفر. وحكى حاك أن البدعية تقول مثل مقالة الأزارقة غير أنها تزعم أن الصلاة ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي.

стр. 127

واختلفت الخوارج في اجتهاد الرأي وهم صنفان: فمنهم من يجيز الاجتهاد في الأحكام كنحو النجدات وغيرهم، ومنهم من ينكر ذلك ولا يقول إلا بظاهر القرآن وهم الأزارقة. وحكى حاك عن الخوارج أنهم لا يرون على الناس فرضاً ما لم يأتهم الرسل وأن الفرائض تلزم بالرسل واعتلوا بقول الله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً. والخوارج لا يقولون بعذاب القبر ولا ترى أن أحداً يعذب في قبره. فأما القول في البارئ هل يرزق عباده الحرام إذا غلبوا عليه وأكلوه فإن من مال منهم إلى قول المعتزلة في القدر ينكر ذلك، ومن قال منهم بالإثبات قال أن الله يرزق عباده الحرام إذا غلبوا عليه وأكلوه. وللخوارج ألقاب فمن ألقابهم الوصف لهم بأنهم خوارج، ومن ألقابهم: الحرورية ومن ألقابهم الشراة والحرارية ومن ألقابهم المارقة ومن ألقابهم المحكمة وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والسبب الذي له سموا خوارج خروجهم

стр. 128

على علي بن أبي طالب، والذي له سموا محكمة إنكارهم الحكمين وقولهم: لا حكم إلا لله، والذي سموا له حرورية نزولهم بحروراء في أول أمرهم، والذي له سموا شراة قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة. والكور التي الغالب عليها الخارجية: الجزيرة والموصل وعمان وحضرموت ونواح من نواحي المغرب ونواح من نواحي خراسان، وقد كان لرجل من الصفرية سلطان في موضع يقال له سجلماسة على طريق غانة. ويقال أن أول من حكم بصفين عروة بن بلال بن مرداس ويقال بل أول من حكم يزيد بن عاصم المحاربي ويقال بل رجل من سعد بن زيد مناة تميم، ويقال أن أول من تشرى رجل من بني يشكر. وكان أمير الخوارج أول ما اعتزلوا عبد الله بن الكواء وأمير قتالهم شبث بن ربعي ثم بايعوا لعبد الله بن وهب الراسبي لعشر بقين من شوال سنة سبع وثلاثين، وكان رئيس الخوارج الذين أقبلوا

стр. 129

من البصرة ليجتمعوا مع عبد الله بن وهب مسعر بن فدكي وهو الذي استعرض من لقي هو وأصحابه وقتل عبد الله بن خباب فبعض الخوارج يقولون أن عبد الله بن وهب كان كارهاً لذلك كله وكذلك أصحابه، وبعضهم يتأول لمسعر في قتل عبد الله، ويقال أنه سأله أن يحدثه عن أبيه عن النبي ﷺ بما سمعه منه فحدثه بحديث في الفتن يوجب القعود عن الحروب وأن يكون الرجل عبد الله المقتول، فتأولوا عليه أنه يدين بتخطئتهم في الخروج وتخطئة علي ﵁ أيضاً واستحلوا بهذا دمه. ولما قرب الأمر في محاربة علي بن أبي طالب عبد الله بن وهب استوحش كثير منهم من محاربته ففارق قوم منهم عبد الله بن الوهب منهم جويرية بن فادغ فارقه في ثلاثمائة، ومنهم مسعر بن فدكي انصرف إلى البصرة في مائتين ويقال بل صار إلى راية أبي أيوب الأنصاري وهو إذا ذاك مع علي بن أبي طالب، ومنهم فروة بن نوفل الأشجعي فارقه في خمسمائة، ومنهم عبد الله

стр. 130

الطائي رجع إلى الكوفة في ثلاثمائة ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم سالم بن ربيعة فارقه في ثمانية عشر ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم أبو مريم السعدي فارقه في مائتين ويقال بل لحق براية أبي أيوب الأنصاري، ومنهم أشرس بن عوف نزل الدسكرة في مائتين، وذكر المدائني أن قوماً من الخوارج قد كانوا خرجوا مع علي رضوان الله عليه لقتال أهل الشام فلما قصد علي أهل النهر اعتزلوا فصاروا إلى النخيلة فأقاموا بها، وكان مقتل عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه لسبع خلون من صفر سنة ثمان وثلاثين. وخرج على علي في حياته من الخوارج بعد عبد الله بن وهب الراسبي أشرس بن عوف فسرح إليه علي جيشاً فقتل بالأنبار هو وأصحابه في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين. ثم خرج ابن علفة التيمي فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وأصحابه بماسبذان في جمادى الأولى من هذه السنة. ثم خرج الأشهب بن بشر فوجه إليه علي جارية بن قدامة فقتل الأشهب وأصحابه بجرجرايا في جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج رجل من الخوارج يقال له سعد على علي رضي الله عنه

стр. 131

فكتب علي إلى سعد بن مسعود الثقفي وهو على المدائن فخرج إليه سعد فقتله وأصحابه في رجب من هذه السنة. ثم خرج أبو مريم السعدي فوجه إليه علي شريح بن هانىء وقد صاروا من الكوفة على فرسخين ثم أنفذ إليهم جارية بن قدامة السعدي فقتل أبا مريم وأصحابه إلا خمسين رجلاً سألوا الأمان وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، ثم قتل علي رضوان الله عليه ولو ذكرنا من خرج من الخوارج بعده لطال الكتاب. آخر مقالات الخوارج.

стр. 132

أول مقالات المرجئة ذكر اختلاف المرجئة اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو وهم اثنتا عشرة فرقة: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح. والفرقة الثانية من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا المعرفة به ولا كفر بالله إلا الجهل به وأن قول القائل أن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه

стр. 133

لا يظهر إلا من كافر وذلك أن الله سبحانه أكفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا من آمن بالرسول ليس لأن ذلك يستحيل ولكن لأن الرسول قال: ومن لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله، وزعموا أيضاً أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لا عبادة إلا الإيمان به وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي. والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفاً بالله غير أنه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري، وزعموا أن الإنسان وإن كان لا يكون مؤمناً إلا بجميع الخلال التي ذكرناها وقد يكون كافراً بترك خلة منها، ولم يكن يونس يقول بهذا.

стр. 134

والفرقة الرابعة منهم وهم أصحاب أبي شمر ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم، والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيماناً ولا بعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء ولا بعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمي ذلك بلقاً إذا كان بفرس فإن كان في جمل أو كلب سمي بقعاً، وجعلوا ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفراً، ولم يجعلوا الإيمان متبعضاً ولا محتملاً للزيادة والنقصان. وحكي عن أبي شمر أنه قال: لا أقول في الفاسق الملي فاسق مطلق دون أن أقيد فأقول فاسق في كذا. وحكى محمد بن شبيب وعباد بن سليمان عن أبي شمر أنه كان يقول أن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به وبما جاء من عنده

стр. 135

ومعرفة العدل يعني قوله في القدر ما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد وكل ذلك إيمان والعلم به إيمان والشاك فيه كافر والشاك في الشاك كافر أبداً، والمعرفة لا يقولون أنها إيمان ما لم تضم الإقرار وإذا وقعا كانا جميعاً إيماناً. والفرقة الخامسة من المرجئة أصحاب أبي ثوبان يزعمون أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما كان لا يجوز في العقل إلا أن يفعله وما كان جائزاً في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان. والفرقة السادسة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان فمن جهل شيئاً من ذلك فقامت به عليه حجة أو عرفه ولم يقر به كفر، ولم تسم كل خصلة من ذلك إيماناً كما حكينا عن أبي شمر وزعموا أن الخصال التي هي إيمان إذا وقعت فكل خصلة منها طاعة فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة لأن الله أمرنا بالإيمان جملة أمراً واحداً ومن لم يفعل ما أمر به لم يطع، وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصية وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس

стр. 136

يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضهم أعلم بالله وأكثر تصديقاً له من بعض وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وأن من كان مؤمناً لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه. والفرقة السابعة من المرجئة الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله سبحانه وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان. وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لا يقال لها إيمان إذا انفردت ولا يقال لها بعض إيمان إذا انفردت وأن الإيمان لا يحتمل الزيادة والنقصان، وأنهم خالفوهم في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورة والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب وجعلوا العلم بالنبي ﷺ وبما جاء من عند الله اكتساباً وزعموا أنه من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصاً بإجماع المسلمين ولم يجعلوا شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً. وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية والجهمية

стр. 137

والغيلانية والنجارية ينكرون أن يكون في الكفار إيمان وأن يقال أن فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم. وذكر زرقان عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان وهو التصديق وأن المعرفة بالله فعل الله وليست من الإيمان في قليل ولا كثير واعتل بأن الإيمان في اللغة هو التصديق. والفرقة الثامنة من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله ﷺ من الصلاة والصيام وأشباه ذلك مما لا اختلاف فيه بينهم ولا تنازع، وأما ما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء فإن الراد للحق لا يكفر وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يرد على رسول الله ﷺ ما جاء به من عند الله سبحانه ولا على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم ﷺ ونصوا عليه، والخضوع لله هو ترك الاستكبار وزعموا أن إبليس قد عرف الله سبحانه وأقر به وإنما كان كافراً لأنه استكبر ولولا

стр. 138

استكباره ما كان كافراً، وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمناً إلا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهو معرفته بالله وذلك أن الله أمره أن يعرفه ويقر بما كان عرف، وإن عرف ولم يقر أو عرف الله سبحانه وجحد أنبياءه فإذا فعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به وإذا كان الذي أمر به كله إيماناً فالواحد منه بعض إيمان. وكان محمد بن شبيب وسائر من قدمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله وبرسله المقرين به وبرسله مؤمنون بما معهم من الإيمان فاسقون بما معهم من الفسق. والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير، وذكر أبو عثمان الأدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبي عثمان الشمزي بمكة فسأله عمر فقال له: أخبرني عمن

стр. 139

زعم أن الله سبحانه حرم أكل الخنزير غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين، فقال: مؤمن، فقال له عمر: فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا، فقال: هذا مؤمن، قال: فإن قال أعلم أن الله سبحانه بعث محمداً وأنه رسول الله غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي، قال: هذا مؤمن، ولم يجعل أبو حنيفة شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً، وزعم أن الإيمان لا يتبعض ولا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه. فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه لا يزيد ولا ينقص. والفرقة العاشرة من المرجئة أصحاب أبي معاذ التومني يزعمون أن الإيمان ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافراً، فتلك الخصال التي يكفر بتركها وبترك خصلة منها إيمان ولا يقال للخصلة منها إيمان ولا بعض إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره فتلك الطاعة

стр. 140

شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يرصف بالفسق فيقال له أنه فسق ولا يسمى بالفسق ولا يقال فاسق، وليس تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم يكن كفر، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلاً مسوفاً يقول: الساعة أصلي وإذا فرغت من لهوي ومن عملي فليس بكافر إذا كان عزمه أن يصلي يوماً أو وقتاً من الأوقات ولكن نفسقه، وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبياً أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة والقتل كفر ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له، وكان يزعم أن الموصوف بالفسق من أصحاب الكبائر ليس بعدو لله ولا ولي له. وكل المرجئة يقولون أنه ليس في أحد من الكفار إيمان بالله . والفرقة الحادية عشرة من المرجئة أصحاب بشر المريسي يقولون أن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعاً وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية وليس يجوز

стр. 141

أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفراً ولا يجوز أن يكون إيماناً إلا ما كان في اللغة إيماناً، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر. والفرقة الثانية عشرة من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيماناً، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان. ومن المرجئة من يقول الفاسق من أهل القبلة لا يسمى بعد تقضي فعله فاسقاً، ومنهم من يسميه بعد تقضي فعله فاسقاً. ومنهم من يقول: لا أقول لمرتكب الكبائر فاسق على الإطلاق دون أن يقال فاسق في كذا، ومنهم من أطلق اسم الفاسق. واختلفت المرجئة في الكفر ما هو وهم سبع فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الكفر خصلة واحدة وبالقلب يكون وهو الجهل بالله، وهؤلاء هم الجهمية.

стр. 142

والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الكفر خصال كثيرة ويكون بالقلب وبغير القلب، والجهل بالله كفر وبالقلب يكون وكذلك البغض لله والاستكبار عليه كفر وكذلك التكذيب بالله وبرسله بالقلب واللسان وكذلك الجحود لهم والإنكار لهم ونفيهم وكذلك الاستخفاف بالله وبرسله كفر وكذلك ترك التوحيد إلى اعتقاد التثنية والتثليث أو ما هو أكثر من ذلك كفر، وزعم قائل هذا القول أن الكفر يكون بالقلب واللسان دون غيرهما من الجوارح وكذلك الإيمان، وزعم قائل هذا القول أن قاتل النبي ولاطمه لم يكفر من أجل القتل واللطمة ولكن من أجل الاستخفاف وكذلك تارك الصلاة مستخفاً لتركها إنما يكفر بالاستحلال لتركها لا بتركها، وزعم صاحب هذا القول أن من استحل ما حرم الله سبحانه مما نص الرسول ﷺ على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر بالله وأن استحلال ذلك كفر، وكذلك من قال قولاً أو اعتقد عقداً قد أجمع المسلمون على إكفار فاعله وكل فعل أجمعوا على إكفار فاعله كفر بأي جارحة كان ذلك الفعل.

стр. 143

والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الكفر بالله هو التكذيب والجحد له والإنكار له باللسان وأن الكفر لا يكون إلا باللسان دون غيره من الجوارح، وهذا قول محمد بن كرام وأصحابه. والفرقة الخامسة منهم يزعمون أن الكفر هو الجحود والإنكار والستر والتغطية وأن الكفر يكون بالقلب واللسان. والفرقة السادسة منهم أصحاب أبي شمر وقد تقدمت حكاية قولهم في إكفار من رد قولهم في التوحيد والقدر. والفرقة السابعة أصحاب محمد بن شبيب وقد ذكرنا قولهم في الإكفار عند ذكرنا قولهم في الإيمان. وأكثر المرجئة لا يكفرون أحداً من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره. واختلفت المرجئة في المعاصي هل هي كبائر أم لا على مقالتين: فقال قائلون منهم بشر المريسي وغيره: كل ما عصي الله سبحانه به كبيرة، وقال قائلون منهم: المعاصي على ضربين منها كبائر ومنها صغائر.

стр. 144

وأجمعت المرجئة بأسرها أن الدار دار إيمان وحكم أهلها الإيمان إلا من ظهر منه خلاف الإيمان. واختلفت المرجئة في الاعتقاد للتوحيد بغير نظر هل يكون علماً وإيماناً أم لا وهم فرقتان: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر لا يكون إيماناً، والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر إيمان. واختلفت المرجئة في الأخبار إذا وردت من قبل الله سبحانه وظاهرها ظاهر العموم على سبع فرق: فقالت الفرقة الأولى منهم: إذا جاء الخبر من الله سبحانه أنه يعذب القاتلين والآكلين أموال اليتامى ظلماً وأشباههم من أهل الكبائر وقفنا في عذابهم لقول الله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقالت هذه الفرقة: جائز أن يخبر الحكيم الصادق بالخبر ثم يستثني منه فيكون له أن يفعل وله أن لا يفعل للاستثناء ويكون صادقاً وإن هو لم يفعل ولا يكون ذلك مستنكراً في اللغة ولا كذباً، وهؤلاء هم الذين يزعمون أن الاستثناء ظاهره. وزعمت الفرقة الثانية أن الوعد ليس فيه استثناء وأن الوعيد

стр. 145

فيه استثناء مضمر وذلك جائز في اللغة عند أهلها لأن الرجل قد يوعد عبده أن يضربه ثم يعفو عنه ولا يرون ذلك كذباً للضمير الذي قال في الوعيد. وزعمت الفرقة الثالثة من أهل الوقف أن الأخبار إذا جاءت ومخرجها عام فسمعها السامع وكان الخبر وعداً أو وعيداً ولم يسمع القرآن كله والأخبار المجتمع عليها كلها فعليه أن يعلم أن الخبر في جميع أهل تلك الصفة الذين جاء فيهم الوعيد عام لا شك فيه وقد يجوز أن يكون على خلاف ذلك العلم الذي لا شك فيه عندهم على الحكم وهو نحو علم الرجل أنه ليس مع الرجل من المسلمين الموثوق بدينه حديدة يريد أن يعترض بها الناس ليقتلهم ونحو علم الأنساب التي على فراش أبيه علماً لا شك فيه ولا يخطر الشك فيه على البال إذا لم يكن ثم سبب يدعوهم إلى الشك من أسباب التهم فعليهم أن يثبتوا ذلك على ظاهره وإن كان خلاف ذلك جائزاً فيما غاب عنهم فعليهم أن لا يشكوا وإن جوزوا في المغيب خلاف ما لم يشكوا فيه في الظاهر. فزعموا في الوعد إذا انفرد والوعيد إذا انفرد فعليهم أن يثبتوا
следующие страницы →