Полный текст (611 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفراً ولا يجوز أن يكون إيماناً إلا ما كان في اللغة إيماناً، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه علم على الكفر لأن الله بين لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر.
والفرقة الثانية عشرة من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كرام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن يكون معرفة القلب أو شيء غير التصديق باللسان إيماناً، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان.
ومن المرجئة من يقول الفاسق من أهل القبلة لا يسمى بعد تقضي فعله فاسقاً، ومنهم من يسميه بعد تقضي فعله فاسقاً.
ومنهم من يقول: لا أقول لمرتكب الكبائر فاسق على الإطلاق دون أن يقال فاسق في كذا، ومنهم من أطلق اسم الفاسق.
واختلفت المرجئة في الكفر ما هو وهم سبع فرق:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الكفر خصلة واحدة وبالقلب يكون وهو الجهل بالله، وهؤلاء هم الجهمية.
стр. 142
والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الكفر خصال كثيرة ويكون بالقلب وبغير القلب،
والجهل بالله كفر وبالقلب يكون وكذلك البغض لله والاستكبار عليه كفر وكذلك التكذيب بالله وبرسله بالقلب واللسان وكذلك الجحود لهم والإنكار لهم ونفيهم وكذلك الاستخفاف بالله وبرسله كفر وكذلك ترك التوحيد إلى اعتقاد التثنية والتثليث أو ما هو أكثر من ذلك كفر، وزعم قائل هذا القول أن الكفر يكون بالقلب واللسان دون غيرهما من الجوارح وكذلك الإيمان، وزعم قائل هذا القول أن قاتل النبي ولاطمه لم يكفر من أجل القتل واللطمة ولكن من أجل الاستخفاف وكذلك تارك الصلاة مستخفاً لتركها إنما يكفر بالاستحلال لتركها لا بتركها، وزعم صاحب هذا القول أن من استحل ما حرم الله سبحانه مما نص الرسول ﷺ على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر بالله وأن استحلال ذلك كفر، وكذلك من قال قولاً أو اعتقد عقداً قد أجمع المسلمون على إكفار فاعله وكل فعل أجمعوا على إكفار فاعله كفر بأي جارحة كان ذلك الفعل.
стр. 143
والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الكفر بالله هو التكذيب والجحد له والإنكار له باللسان وأن الكفر لا يكون إلا باللسان دون غيره من الجوارح، وهذا قول محمد بن كرام وأصحابه.
والفرقة الخامسة منهم يزعمون أن الكفر هو الجحود والإنكار والستر والتغطية وأن الكفر يكون بالقلب واللسان.
والفرقة السادسة منهم أصحاب أبي شمر وقد تقدمت حكاية قولهم في إكفار من رد قولهم في التوحيد والقدر.
والفرقة السابعة أصحاب محمد بن شبيب وقد ذكرنا قولهم في الإكفار عند ذكرنا قولهم في الإيمان.
وأكثر المرجئة لا يكفرون أحداً من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.
واختلفت المرجئة في المعاصي هل هي كبائر أم لا على مقالتين:
فقال قائلون منهم بشر المريسي وغيره: كل ما عصي الله سبحانه به كبيرة، وقال قائلون منهم: المعاصي على ضربين منها كبائر ومنها صغائر.
стр. 144
وأجمعت المرجئة بأسرها أن الدار دار إيمان وحكم أهلها الإيمان إلا من ظهر منه خلاف الإيمان.
واختلفت المرجئة في الاعتقاد للتوحيد بغير نظر هل يكون علماً وإيماناً أم لا وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر لا يكون إيماناً، والفرقة الثانية منهم يزعمون أن الاعتقاد للتوحيد بغير نظر إيمان.
واختلفت المرجئة في الأخبار إذا وردت من قبل الله سبحانه وظاهرها ظاهر العموم على سبع فرق:
فقالت الفرقة الأولى منهم: إذا جاء الخبر من الله سبحانه أنه يعذب القاتلين والآكلين أموال اليتامى ظلماً وأشباههم من أهل الكبائر وقفنا في عذابهم لقول الله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقالت هذه الفرقة:
جائز أن يخبر الحكيم الصادق بالخبر ثم يستثني منه فيكون له أن يفعل وله أن لا يفعل للاستثناء ويكون صادقاً وإن هو لم يفعل ولا يكون ذلك مستنكراً في اللغة ولا كذباً، وهؤلاء هم الذين يزعمون أن الاستثناء ظاهره.
وزعمت الفرقة الثانية أن الوعد ليس فيه استثناء وأن الوعيد
стр. 145
فيه استثناء مضمر وذلك جائز في اللغة عند أهلها لأن الرجل قد يوعد عبده أن يضربه ثم يعفو عنه ولا يرون ذلك كذباً للضمير الذي قال في الوعيد.
وزعمت الفرقة الثالثة من أهل الوقف أن الأخبار إذا جاءت ومخرجها عام فسمعها
السامع وكان الخبر وعداً أو وعيداً ولم يسمع القرآن كله والأخبار المجتمع عليها كلها فعليه أن يعلم أن الخبر في جميع أهل تلك الصفة الذين جاء فيهم الوعيد عام لا شك فيه وقد يجوز أن يكون على خلاف ذلك العلم الذي لا شك فيه عندهم على الحكم وهو نحو علم الرجل أنه ليس مع الرجل من المسلمين الموثوق بدينه حديدة يريد أن يعترض بها الناس ليقتلهم ونحو علم الأنساب التي على فراش أبيه علماً لا شك فيه ولا يخطر الشك فيه على البال إذا لم يكن ثم سبب يدعوهم إلى الشك من أسباب التهم فعليهم أن يثبتوا ذلك على ظاهره وإن كان خلاف ذلك جائزاً فيما غاب عنهم فعليهم أن لا يشكوا وإن جوزوا في المغيب خلاف ما لم يشكوا فيه في الظاهر.
فزعموا في الوعد إذا انفرد والوعيد إذا انفرد فعليهم أن يثبتوا
стр. 146
بكل واحد منهما منفرداً ويعلموا أنه عام علماً لا شك فيه كما وصفنا ويجوز أن يكون على خلاف ذلك، فإذا جاء مع الوعيد الوعد عندهم في قوم فعليهم أن يعلموا أن أحدهما مستثنىً من الآخر إما أن يكون الوعد مستثنىً من الوعيد وإما أن يكون الوعيد مستثنىً من الوعد وعلى السامع لذلك أن يقف فلا يدري لعل الخبر في أهل التوحيد كلهم أو في بعضهم غير أنه لا يعلم أنه لا يجتمع الوعد والوعيد في رجل واحد لأن ذلك يتناقض.
وقالت الفرقة الرابعة وهم أصحاب محمد بن شبيب: وجدنا اللغة أجازت: جاء بنو تميم وجاءت الأزد وإنما يعني بعض بني تميم وبعض الأزد، وصرمت أرضى وإنما صرم بعضها، وضرب الأمير أهل السجن وإنما ضرب بعضهم، قالوا فلما وجدنا اللغة أجازت ذلك وسمعنا الأخبار في القرآن مما مخرجه عام أجزنا أن يكون معناها في الخاص من أهل كل طبقة ذكرهم الله سبحانه بوعيد وأجزنا أن يكون ذلك عاماً، وذلك مثل قوله: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم وكقوله:
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وكقوله: والذين يرمون المحصنات وأشباه ذلك من آي الوعيد التي جاءت مجيئاً عاماً فأجزنا ذلك لما ذكرنا من إجازة
стр. 147
اللغة فيما بينها أن يكون الخبر مخرجه مخرجاً عاماً وهو خاص وأن تكون الآي التي جاءت في الوعيد خاصة في بعض أهل الطباق التي جاءت فيهم من القاتلين والقاذفين وأكلة أموال الأيتام وأشباه ذلك وأجزنا أن تكون عامة في جميعهم، وإن كانت في بعضهم كانت في أعظمهم جرماً، وليس يجوز عندهم أن يعذب الله سبحانه على جرم ويعفو عما هو أعظم جرماً منه.
وزعمت الفرقة الخامسة من المرجئة أنه ليس في أهل الصلاة وعيد إنما الوعيد في المشركين، قالوا: وقول الله : ومن يقتل مؤمناً متعمداً وما أشبه ذلك من آي الوعيد في المستحلين دون المحرمين، قالوا: فأما الوعد من الله فهو واجب للمؤمنين والله جل وعز لا يخلف وعده والعفو أولى بالله والوعد لهم قول الله: والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون وقوله: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وما أشبه ذلك من آي القرآن، وزعم هؤلاء أنه كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع الإيمان عمل ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة.
стр. 148
وحكي عن بعض العلماء باللغة أنه قال: من أخبر الله أنه يثيبه أثابه ومن أخبر أنه يعاقبه من أهل القبلة لم يعاقبه ولم يعذبه وذلك يدل على كرمه، وزعم أن العرب كانت تمتدح الوعد والعفو عما توعدت عليه.
وزعمت الفرقة السابعة أن القرآن على الخصوص إلا ما أجمعوا على عمومه وكذلك الأمر والنهي.
واختلفت المرجئة في الأمر والنهي هل هما على العموم على مقالتين:
فقال قائلون بما حكيناه آنفاً من أن ذلك على الخصوص حتى تأتي دلالة على
العموم، وقالت الفرقة الثانية: الأمر والنهي هما على العموم إلا ما خصه دلالة.
واختلفت المرجئة في تخليد الله الكفار على مقالتين:
فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب جهم بن صفوان: الجنة
стр. 149
والنار تفنيان وتبيدان ويفنى أهلهما حتى يكون الله موجوداً لا شيء معه كما كان موجوداً لا شيء معه وأنه لا يجوز أن يخلد الله أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وهذا رد ما اتفق المسلمون عليه ونقلوه نصاً، وقال المسلمون كلهم إلا جهماً أن الله يخلد أهل الجنة في الجنة ويخلد الكفار في النار.
واختلفت المرجئة في فجار أهل القبلة هل يجوز أن يخلدهم الله في النار إن أدخلهم النار على خمسة أقاويل:
فزعمت الفرقة الأولى أصحاب بشر المريسي أنه محال أن يخلد الله الفجار من أهل القبلة في النار لقول الله : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وأنهم يصيرون إلى الجنة إن أدخلهم الله النار لا محالة وهو قول ابن الراوندي.
وزعمت الفرقة الثانية منهم أصحاب أبي شمر ومحمد بن شبيب أنه جائز أن يدخلهم الله النار وجائز أن يخلدهم فيها إن أدخلهم وجائز أن لا يخلدهم.
وقالت الفرقة الثالثة أن الله يدخل النار قوماً من المسلمين
стр. 150
إلا أنهم يخرجون بشفاعة رسول الله ﷺ ويصيرون إلى الجنة لا محالة.
وقالت الفرقة الرابعة وهم أصحاب غيلان: جائز أن يعذبهم الله وجائز أن يعفو عنهم وجائز أن لا يخلدهم فإن عذب أحداً عذب من ارتكب مثل ما ارتكبه وكذلك إن خلده وإن عفا عن أحد عفا عن كل من كان مثله.
وقالت الفرقة الخامسة منهم: جائز أن يعذبهم الله وجائز أن لا يعذبهم وجائز أن يخلدهم ولا يخلدهم وأن يعذب واحداً ويعفو عمن كان مثله كل ذلك لله
أن يفعله.
واختلفت المرجئة في الصغائر والكبائر على مقالتين:
فقالت الفرقة الأولى: كل معصية فهي كبيرة، وقالت الفرقة الثانية: المعاصي منها كبائر ومنها صغائر.
واختلفت المرجئة في غفران الله الكبائر بالتوبة وهل هو تفضل أم لا على مقالتين:
فقالت الفرقة الأولى منهم: غفران الله سبحانه الكبائر بالتوبة تفضل وليس باستحقاق، وقالت الفرقة الثانية منهم: غفران الله الكبائر بالتوبة استحقاق.
стр. 151
واختلفت المرجئة في معاصي الأنبياء هل هي كبائر أم لا على مقالتين:
فقالت الفرقة الأولى منهم: معاصيهم كبائر وجوزوا على الأنبياء فعل الكبائر من القتل والزنا وغير ذلك، وقالت الفرقة الثانية: معاصيهم صغائر ليست بكبائر.
واختلفت المرجئة في الموازنة على مقالتين:
فقال قائلون منهم: الإيمان يحبط عقاب الفسق لأنه أوزن منه وأن الله لا يعذب موحداً، وهذا قول مقاتل بن سليمان.
وقال قائلون منهم بتجويز عذاب الموحدين وأن الله يوازن حسناتهم بسيئاتهم فإن رجحت حسناتهم أدخلهم الجنة وإن رجحت سيئاتهم كان له أن يعذبهم وله أن يتفضل عليهم، وإن لم ترجح حسناتهم على سيئاتهم ولا رجحت سيئاتهم على حسناتهم تفضل عليهم بالجنة، وهذا قول أبي معاذ.
واختلفت المرجئة في إكفار المتأولين على ثلاثة أقاويل:
فقالت الفرقة الأولى منهم: لا نكفر أحداً من المتأولين إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.
стр. 152
وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب أبي شمر أنهم يكفرون من رد قولهم في القدر
والتوحيد ويكفرون الشاك في الشاك.
وقالت الفرقة الثالثة منهم: الكفر هو الجهل بالله فقط ولا يكفر بالله إلا الجاهل به، وهذا قول جهم بن صفوان.
واختلفت المرجئة في عفو الله عن عبد الله ما بينه وبين العباد من المظالم على مقالتين:
فقالت الفرقة الأولى منهم: ما كان من مظالم العباد فإنما العفو من الله عنهم في القيامة إذا جمع الله بينه وبين خصمه أن يعوض المظلوم بعوض فيهب لظالمه الجرم فيغفر له.
وقالت الفرقة الثانية منهم أن العفو عن جميع المذنبين في الدنيا جائز في العقول ما كان بينهم وبين الله وما كان بينهم وبين العباد.
واختلفت المرجئة في التوحيد: فقال قائلون منهم في التوحيد بقول المعتزلة وسنشرح قول المعتزلة إذا انتهينا إلى شرح أقاويلهم.
وقال قائلون منهم بالتشبيه فهم ثلاث فرق:
فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب مقاتل بن سليمان
стр. 153
أن الله جسم وأن له جمة وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه.
وقالت الفرقة الثانية منهم أصحاب الجواربي مثل ذلك غير أنه قال: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك.
وقالت الفرقة الثالثة منهم: هو جسم لا كالأجسام.
واختلفت المرجئة في الرؤية على مقالتين:
فمنهم من مال في ذلك إلى قول المعتزلة ونفى أن يرى البارئ بالأبصار.
وقالت الفرقة الثانية منهم أن الله يرى بالأبصار في الآخرة.
واختلفت المرجئة في القرآن هل هو مخلوق أم لا على ثلاث مقالات:
فقال قائلون منهم أنه مخلوق، وقال قائلون منهم أنه غير مخلوق، وقال قائلون منهم بالوقف وإنا نقول: كلام الله سبحانه لا نقول أنه مخلوق ولا غير مخلوق.
стр. 154
واختلفت المرجئة هل للبارئ ماهية أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: لله ماهية لا ندركها في الدنيا وأنه يخلق لنا في الآخرة حاسة سادسة فندرك بها ماهيته، وقال قائلون منهم بإنكار ذلك ونفيه.
واختلفت المرجئة في القدر:
فمنهم من مال إلى قول المعتزلة في القدر وسنشرح أقاويلهم في ذلك، وقال قائلون بالإثبات للقدر وسنشرح ذلك إذا انتهينا إلى شرح قول الحسين بن محمد النجار في القدر.
واختلفت المرجئة في أسماء الله وصفاته:
فمنهم من مال إلى قول المعتزلة في ذلك، ومنهم من قال بقول عبد الله بن كلاب وسنشرح قول عبد الله بن كلاب إذا انتهينا إليه وسنشرح أقاويل المرجئة في لطيف الكلام إذا انتهينا إلى وصف الاختلاف في لطيف الكلام وغامضه إن شاء الله.
تم اختلاف المرجئة.
стр. 155
مقالات المعتزلة
وهذا شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره
أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة
ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم ولا يوصف بأنه متناه ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار،
стр. 156
ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات، ولا تحل به العاهات، وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أولاً سابقاً متقدماً للمحدثات، موجوداً قبل المخلوقات، ولم يزل عالماً قادراً حياً ولا يزال كذلك، لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء، وأنه القديم وحده ولا قديم غيره ولا إله سواه، ولا شريك له في ملكه، ولا وزير له في سلطانه، ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق، لم يخلق الخلق على مثال سبق، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه، لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضار، ولا يناله السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام، ليس بذي غاية فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص، تقدس عن ملامسة النساء، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء.
فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيع وإن كانوا للجملة التي يظهرونها ناقضين ولها تاركين.
стр. 157
القول في المكان:
اختلفت المعتزلة في ذلك فقال قائلون: البارئ بكل مكان بمعنى أنه مدبر لكل مكان وأن تدبيره في كل مكان، والقائلون بهذا القول جمهور المعتزلة أبو الهذيل والجعفران والإسكافي ومحمد بن عبد الوهاب الجبائي.
وقال قائلون: البارئ لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه، وهو قول هشام الفوطي وعباد بن سليمان وأبي زفر وغيرهم من المعتزلة، وقالت المعتزلة في قول الله : الرحمن على العرش استوى: يعني استولى.
القول في رؤية الله :
أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لا يرى بالأبصار واختلفت هل يرى بالقلوب، فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي وعباد بن سليمان ذلك.
القول في أن الله عالم قادر:
اختلفت الناس في ذلك فأنكر كثير من الروافض وغيرهم أن يكون البارئ لم يزل عالماً قادراً، وأجمعت المعتزلة على أن الله لم يزل عالماً قادراً حياً.
стр. 158
واختلفت المعتزلة في البارئ هل يقال أنه لم يزل عالماً بالأجسام وهل المعلومات معلومات قبل كونها وهل الأشياء أشياء لم تزل أن تكون على سبع مقالات:
فقال هشام بن عمرو الفوطي: لم يزل الله عالماً قادراً، وكان إذا قيل له: لم يزل الله عالماً بالأشياء؟ قال: لا أقول لم يزل عالماً بالأشياء وأقول لم يزل عالماً أنه واحد لا ثاني له فإذا قلت: لم يزل عالماً بالأشياء ثبتها لم تزل مع الله ، وإذا قيل له: أفتقول أن الله لم يزل عالماً بأن ستكون الأشياء؟ قال: إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا يجوز أن أشير إلا إلى موجود، وكان لا يسمى ما لم يخلقه الله ولم يكن شيئاً ويسمى ما خلقه الله وأعدمه شيئاً وهو معدوم.
وكان أبو الحسين الصالحي يقول أن الله لم يزل عالماً بالأشياء في أوقاتها ولم يزل عالماً أنها ستكون في أوقاتها ولم يزل عالماً بالأجسام في أوقاتها وبالمخلوقات في أوقاتها، ويقول لا معلوم إلا موجود ولا يسمي المعدومات معلومات ولا يسمي ما لم يكن مقدوراً، ولا يسمي الأشياء أشياء إلا إذا وجدت ولا يسميها أشياء إذا عدمت.
وقال عباد بن سليمان: لم يزل الله عالماً بالمعلومات ولم يزل عالماً
стр. 159
بالأشياء ولم يزل عالماً بالجواهر والأعراض ولم يزل عالماً بالأفعال ولم يزل عالماً بالخلق، ولم يقل أنه لم يزل عالماً بالأجسام ولم يقل أنه لم يزل عالماً بالمفعولات ولم يقل أنه لم يزل عالماً بالمخلوقات، وقال في أجناس الأعراض كالألوان والحركات والطعوم أنه لم يزل عالماً بألوان وحركات وطعوم وأجرى هذا القول في سائر أجناس الأعراض، وكان يقول: المعلومات معلومات لله قبل كونها وأن المقدورات مقدورات قبل كونها وأن الأشياء أشياء قبل أن تكون وكذلك الجواهر جواهر قبل أن تكون وكذلك الأعراض أعراض قبل أن تكون والأفعال أفعال قبل أن تكون، ويحيل أن تكون الأجسام أجساماً قبل كونها والمخلوقات مخلوقات قبل أن تكون والمفعولات مفعولات قبل أن تكون، وفعل الشيء عنده غيره وكذلك خلقه غيره، وكان إذا قيل له: أتقول أن هذا الشيء موجود هو الذي لم يكن موجوداً؟ قال: لا أقول ذلك، وإذا قيل له: أتقول أنه غيره؟ قال: لا أقول ذلك.
وقال قائلون منهم ابن الراوندي أن الله سبحانه لم يزل عالماً بالأشياء على معنى أنه لم يزل عالماً أن ستكون أشياء، وكذلك القول عنده في الأجسام والجواهر المخلوقات أن الله لم يزل عالماً بأن ستكون الأجسام والجواهر المخلوقات، وكان يقول أن المعلومات
стр. 160
معلومات لله قبل كونها وأن إثباتها معلومات لله قبل كونها رجوع إلى أن الله يعلمها قبل كونها، وإثبات المعلوم معلوماً لزيد قبل كونه رجوع
إلى علم زيد به قبل كونه، وأن المقدورات مقدورات لله قبل كونها على سبيل ما حكينا عنه أنه قاله في المعلومات، وكذلك كل ما تعلق بغيره كالمأمور به إنما هو مأمور به لوجود الأمر والمنهي عنه لوجود النهي كان منهياً عنه وكذلك المراد لوجود إرادته كان مراداً فهو مراد قبل كونه ويرجع في ذلك إلى إثبات الإرادة قبل كونه، وكذلك القول في المأمور والمنهي وسائر ما يتعلق بغيره، وكان يزعم أن الأشياء إنما هي أشياء إذا وجدت ومعنى أنها أشياء أنها موجودات، وكذلك كل اسم لأشياء لا تتعلق بغيرها وهو رجوع إليها وخبر عنها فلا يجوز أن تسمى به قبل وجودها ولا في حال عدمها.
وقال قائلون من البغداذيين: نقول أن المعلومات معلومات قبل كونها وكذلك المقدورات مقدورات قبل كونها وكذلك الأشياء أشياء قبل كونها ومنعوا أن يقال أعراض.
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: أقول أن الله سبحانه لم يزل
стр. 161
عالماً بالأشياء والجواهر والأعراض، وكان يقول أن الأشياء تعلم أشياء قبل كونها وتسمى أشياء قبل كونها وأن الجواهر تسمى جواهر قبل كونها وكذلك الحركات والسكون والألوان والطعوم والأراييح والإرادات، وكان يقول أن الطاعة تسمى طاعة قبل كونها وكذلك المعصية تسمى معصية قبل كونها، وكان يقسم الأسماء على وجوه فما سمي به الشيء لنفسه فواجب أن يسمى به قبل كونه كالقول سواد إنما سمي سواداً لنفسه وكذلك البياض وكذلك الجوهر إنما سمي جوهراً لنفسه، وما سمي به الشيء لأنه يمكن أن يذكر ويخبر عنه فهو مسمىً بذلك قبل كونه كالقول شيء فإن أهل اللغة سموا بالقول شيء كل ما أمكنهم أن يذكروه ويخبروا عنه، وما سمي به الشيء للتفرقة بينه وبين أجناس أخر كالقول لون وما أشبه ذلك فهو مسمىً بذلك قبل كونه، وما سمي به الشيء لعلة فوجدت العلة قبل وجوده فواجب
أن يسمى بذلك قبل وجوده كالقول مأمور به إنما قيل مأمور به لوجود الأمر به فواجب أن يسمى مأموراً به في حال وجود الأمر وإن كان غير موجود في حال وجود الأمر،
стр. 162
وكذلك ما سمي به الشيء لوجود علة يجوز وجودها قبله، وما سمي به الشيء لحدوثه ولأنه فعل فلا يجوز أن يسمى بذلك قبل أن يحدث كالقول مفعول ومحدث، وما سمي به الشيء لوجود علة فيه فلا يجوز أن يسمى به قبل وجود العلة فيه كالقول جسم وكالقول متحرك وما أشبه ذلك، وكان ينكر قول من قال الأشياء أشياء قبل كونها ويقول: هذه عبارة فاسدة لأن كونها هو وجودها ليس غيرها فإذا قال القائل: الأشياء أشياء قبل كونها فكأنه قال: أشياء قبل أنفسها.
وقال قائلون: لم يزل الله يعلم عوالم وأجساماً لم يخلقها وكذلك لم يزل يعلم أشياء وجواهر وأعراضاً لم تكن ولا تكون، ولا نقول: لم يزل يعلم مؤمنين وكافرين وفاعلين ولكن نقول أن كل شيء يقدر الله أن يبتدئه بصفة من الصفات فهو يعلمه بتلك الصفة إذا كانت تلك الصفة مقدورة له إذ كان لم يزل مقدوراً له، قالوا: ويستحيل أن يقال للإنسان مؤمن في حال كونه أو كافر فلما استحال أن يوصف به في حال كونه فمستحيل أن يوصف به قبل كونه ولما كان الله سبحانه قد يبتدئه جسماً طويلاً قيل جسم طويل مقدور، وهذا قول الشحام، وقد ناهض هؤلاء لأن الجسم في حال كونه موجود مخلوق وهم لا يقولون أنه موجود مخلوق قبل كونه.
стр. 163
وقال قائلون: لم يزل الله يعلم أجساماً لم تكن ولا تكون ويعلم مؤمنين لم يكونوا وكافرين لم يخلقوا ومتحركين وساكنين مؤمنين وكافرين ومتحركين وساكنين في الصفات قبل أن يخلقوا وقاسوا قولهم حتى قالوا: معلومون معذبون بين أطباق النيران في الصفات وأن المؤمنين مثابون ممدوحون منعمون في الجنان في الصفات لا في الوجود إذ كان الله قادراً أن يخلق من يطيعه فيثيبه ومن يعصيه
فيعاقبه مقدور معلوم، وبلغني عن أنيب بن سهل الخراز أنه كان يقول: مخلوق في الصفات قبل الوجود ويقول: موجود في الصفات.
واختلفوا في معلومات الله ومقدوراته هل لها كل أو لا كل لها على مقالتين:
فقال أبو الهذيل أن لمعلومات الله كلاً وجميعاً ولما يقدر الله عليه كل وجميع وأن أهل الجنة تنقطع حركاتهم يسكنون سكوناً دائماً.
وقال أكثر أهل الإسلام: ليس لمعلومات الله ولا لما يقدر عليه كل ولا غاية.
стр. 164
واختلفوا أيضاً هل لأفعال الله سبحانه آخر أم لا آخر لها على مقالتين:
فقال جهم بن صفوان: لمقدورات الله تعالى ومعلوماته غاية ونهاية ولأفعاله آخر وأن الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلهما حتى يكون الله سبحانه آخراً لا شيء معه كما كان أولاً لا شيء معه.
وقال أهل الإسلام جميعاً: ليس للجنة والنار آخر وأنهما لا تزالان باقيتين وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون وأهل النار لا يزالون في النار يعذبون وليس لذلك آخر ولا لمعلوماته ومقدوراته غاية ولا نهاية.
واختلف الذين قالوا: لم يزل الله عالماً قادراً حياً من المعتزلة فيه أهو عالم قادر حي بنفسه أم بعلم وقدرة وحياة وما معنى القول عالم قادر حي.
فقال أكثر المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وبعض الزيدية أن الله عالم قادر حي بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة وأطلقوا أن لله علماً بمعنى أنه عالم وله قدرة بمعنى أنه قادر ولم يطلقوا ذلك
стр. 165
على الحياة ولم يقولوا: له حياة ولا قالوا سمع ولا بصر وإنما قالوا قوة وعلم لأن الله سبحانه أطلق ذلك.
ومنهم من قال: له علم بمعنى معلوم وله قدرة بمعنى مقدور ولم يطلقوا غير ذلك.
وقال أبو الهذيل: هو عالم بعلم هو هو وهو قادر بقدرة هي هو وهو حي بحياة
هي هو، وكذلك قال في سمعه وبصره وقدمه وعزته وعظمته وجلاله وكبريائه وفي سائر صفاته لذاته، وكان يقول: إذا قلت أن الله عالم ثبت له علماً هو الله ونفيت عن الله جهلاً ودللت على معلوم كان أو يكون، وإذا قلت قادر نفيت عن الله عجزاً وأثبت له قدرة هي الله سبحانه ودللت على مقدور، وإذا قلت لله حياة أثبت له حياة وهي الله ونفيت عن الله موتاً، وكان يقول: لله وجه هو هو فوجهه هو هو ونفسه هي هو ويتأول ما ذكره الله سبحانه من اليد أنها نعمة ويتأول قول الله : ولتصنع على عيني أي بعلمي.
وقال عباد: هو عالم قادر حي ولا أثبت له علماً ولا قدرة ولا
стр. 166
حياة ولا أثبت سمعاً ولا أثبت بصراً وأقول: هو عالم لا بعلم وقادر لا بقدرة حي لا بحياة وسميع لا بسمع وكذلك سائر ما يسمى به من الأسماء التي يسمى بها لا لفعله ولا لفعل غيره.
وكان ينكر قول من قال أنه عالم قادر حي لنفسه أو لذاته وينكر ذكر النفس وذكر الذات، وينكر أن يقال أن لله علماً أو قدرة أو سمعاً أو بصراً أو حياة أو قدماً، وكان يقول: قولي عالم إثبات اسم لله ومعه علم بعلوم وقولي قادر إثبات اسم لله ومعه علم بمقدور وقولي حي إثبات اسم لله، وكان ينكر أن يقال للبارئ وجهاً ويدين وعينين وجنباً وكان يقول:
أقرأ القرآن وما قال الله من ذلك فيه ولا أطلق ذلك بغير قراءة وينكر أن يكون معنى القول في البارئ أنه عالم معنى القول فيه أنه قادر وأن يكون معنى القول فيه أنه قادر معنى القول فيه أنه حي وكذلك صفات الله التي يوصف بها لا لفعله كالقول: سميع ليس معناه أنه بصير ولا معناه عالم.
وقال ضرار: معنى أن الله عالم أنه ليس بجاهل ومعنى أنه قادر أنه ليس بعاجز ومعنى أنه حي أنه ليس بميت.
وقال النظام: معنى قولي عالم إثبات ذاته ونفي الجهل عنه ومعنى
стр. 167
قولي قادر إثبات ذاته ونفي العجز عنه ومعنى قولي حي إثبات ذاته ونفي الموت عنه وكذلك قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب، وكان يقول أن الصفات للذات إنما اختلفت لاختلاف ما ينفى عنه من العجز والموت وسائر المتضادات من العمى والصمم وغير ذلك لا لاختلاف ذلك في نفسه - وقال غيره من المعتزلة: إنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف المعلوم والمقدور لا لاختلاف فيه - وكان يقول: ذكر الله سبحانه الوجه على التوسع لا لأنه له وجهاً في الحقيقة وإنما معنى ويبقى وجه ربك ويبقى ربك ومعنى اليد النعمة.
وقال آخرون من المعتزلة: إنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف الفوائد التي تقع عندها وذلك أنا إذا قلنا أن الله عالم أفدناك علماً به وبأنه خلاف ما لا يجوز أن يعلم وأفدناك إكذاب من زعم أنه جاهل ودللناك على أن له معلومات هذا معنى قولنا أن الله عالم، فإذا قلنا أن الله قادر أفدناك علماً بأنه لا خلاف ما لا يجوز أن يقدر وإكذاب من زعم أنه عاجز ودللناك على أن له مقدورات، وإذا قلنا أنه حي أفدناك
стр. 168
علماً بأنه بخلاف ما لا يجوز أن يكون حياً وأكذبنا من زعم أنه ميت وهذا معنى القول أنه حي، وهذا قول الجبائي قاله لي.
وقال أبو الحسين الصالحي: معنى قولي أن الله عالم لا كالعلماء قادر لا كالقادرين حي لا كالأحياء أنه شيء لا كالأشياء وكذلك كان قوله في سائر صفات النفس، وكان إذا قيل له: أفتقول أن معنى أنه عالم لا كالعلماء معنى أنه قادر لا كالقادرين؟ قال: نعم ومعنى ذلك أنه شيء لا كالأشياء، وكذلك قوله في سائر صفات النفس، وكان يقول أن معنى شيء لا كالأشياء معنى عالم لا كالعلماء.
وحكي عن معمر أنه كان يقول أن البارئ عالم بعلم وأن علمه كان علماً له لمعنى والمعنى كان لمعنى لا إلى غاية وكذلك كان قوله في سائر الصفات، أخبرني بذلك
أبو عمر الفراتي عن محمد بن عيسى السيرافي أن معمراً كان يقوله.
وقال قائلون من البغداذيين: ليس معنى أن البارئ عالم معنى قادر ولا معنى حي ولكن معنى أن البارئ حي معنى أنه قادر ومعنى أنه سميع معنى أنه عالم بالمسموعات ومعنى أنه بصير معنى أنه عالم بالمبصرات وليس معنى قديم عند هؤلاء معنى حي ولا معنى عالم قادر وكذلك ليس معنى القول في البارئ أنه قديم معنى أنه عالم ولا معنى أنه حي قادر.
стр. 169
وهذا شرح قول عبد الله بن كلاب في الأسماء والصفات
قال عبد الله بن كلاب: لم يزل الله عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً عزيزاً عظيماً جليلاً متكبراً جباراً كريماً جواداً واحداً صمداً فرداً باقياً أولاً رباً إلهاً مريداً كارهاً راضياً عمن يعلم أنه يموت مؤمناً وإن كان أكثر عمره كافراً، ساخطاً على من يعلم أنه يموت كافراً وإن كان أكثر عمره مؤمناً، محباً مبغضاً موالياً معادياً قائلاً متكلماً رحماناً بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وعزة وعظمة وجلال وكبرياء وجود وكرم وبقاء وإرادة وكراهة ورضىً وسخط وحب وبغض ومولاة ومعاداة وقول وكلام ورحمة وأنه قديم لم يزل بأسمائه وصفاته، وكان يقول أن أسماء الله وصفاته لذاته لا هي الله ولا هي غيره وأنها قائمة بالله ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول أن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له وكذلك يداه وعينه وبصره صفات له لا هي هو ولا غيره وأن ذاته هي هو
стр. 170
ونفسه هي هو وأنه موجود لا بوجود وشيء لا بمعنى له كان شيئاً، وكان يزعم أن صفات البارئ لا تتغاير وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها وكذلك كل صفة من صفات الذات لا هي الصفة الأخرى ولا غيرها.
واختلفت أصحاب عبد الله بن كلاب في القول بأن الله قديم بقدم أم لا بقدم على مقالتين:
فمنهم من زعم أن الله قديم لا بقدم، ومنهم من زعم أنه قديم بقدم.
واختلفوا هل يطلق في الصفات أنها لا هي الموصوف ولا غيره أم لا يطلق ذلك:
فقال قائلون: ليست الصفات هي الموصوف ولا غيره.
وقال قائلون: لا يقال للصفات هي الموصوف ولا يقال هي غيره وامتنعوا من أن يقولوا أن الصفات لا هي الموصوف ولا هي غيره.
واختلف من يثبت الصفات ولم يقل هي البارئ ولم يقل هي غيره هل الصفات تتغاير وهل كل صفة منها هي غير الصفة الأخرى أم ليست غيرها على ثلاث مقالات:
فقال بعضهم: الصفات تتغاير وهي أغيار وليس هي مع ذلك
стр. 171
غير البارئ، وقال قائلون: كل صفة لا هي البارئ ولا هي غيره، وقال قائلون: كل صفة لا يقال هي الأخرى ولا يقال هي غيرها ولم يقولوا: لا هي الأخرى ولا غيرها.
واختلف المثبتون لعلم البارئ سبحانه ووجهه أهو هو أم ليس هو على مقالتين:
فقال سليمان بن جرير: وجه الله هو الله وعلمه ليس هو، وقال بعضهم: وجه الله صفة لا يقال هي هو ولا يقال غيره وامتنعوا أن يقولوا لا هي هو ولا غيره.
واختلفوا في صفات البارئ سبحانه هل يقال أنها أشياء أو لا يقال أنها أشياء على ثلاث مقالات:
فقال سليمان بن جرير: علم البارئ شيء وقدرته شيء وحياته شيء ولا أقول: صفاته أشياء، وقال بعض أصحاب الصفات: صفات البارئ أشياء، وقال بعضهم: لا أقول العلم شيء ولا أقول الصفات أشياء لأني إذا قلت البارئ شيء بصفاته استغنيت عن أن أقول صفاته أشياء.
واختلف أصحاب الصفات في صفات البارئ هل هي قديمة أو محدثة على مقالتين:
стр. 172
فقال قائلون: إن صفات البارئ قديمة، وقال قائلون: إذا قلنا أن البارئ قديم بصفاته استغنينا عن أن نقول أن الصفات قديمة وقالوا: لا يقال أن الصفات قديمة ولا يقال أنها محدثة.
واختلفوا في اسم البارئ جل وعز هل هو البارئ أم غيره على أربع مقالات:
فقال قائلون: أسماؤه هي هو وإلى هذا القول يذهب أكثر أصحاب الحديث، وقال قائلون من أصحاب ابن كلاب أن أسماء البارئ لا هي البارئ ولا غيره، وقال قائلون من أصحابه: أسماء البارئ لا يقال هي البارئ ولا يقال هي غيره وامتنعوا من أن يقولوا: لا هي البارئ ولا غيره، وقال قائلون: أسماء البارئ هي غيره وكذلك صفاته، وهذا قول المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية.
واختلف الذين لم يقولوا الأسماء والصفات هي البارئ في الأسماء والصفات ما هي على مقالتين:
فقالت المعتزلة والخوارج: الأسماء والصفات هي الأقوال وهي قولنا: الله عالم الله قادر وما أشبه ذلك.
стр. 173
وقال عبد الله بن كلاب: أسماء الله هي صفاته وهي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر صفاته.
واختلف الناس في القول أن الله لم يزل سميعاً بصيراً على أربع مقالات:
فحكى جعفر بن حرب عن أبي الهذيل أنه قال: لا أقول أن الله لم يزل سميعاً بصيراً لا على أن يسمع ويبصر لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر، وأظن الحاكي هذا عن أبي الهذيل كان غالطاً.
وقال عباد بن سليمان: لا أقول أن البارئ لم يزل سميعاً بصيراً لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر لأن قولي أن الله سميع إثبات اسم لله ومعه علم بمسموع والقول بصير إثبات اسم لله ومعه علم بمبصر، وكان يقول: السميع لم يزل وسميع لم يزل قال ولا أقول: لم يزل السميع ولا أقول لم يزل سميعاً.
وقال النظام وأكثر المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية وعبد الله بن كلاب وأصحابه أن الله لم يزل سميعاً بصيراً، ومن ثبت من المعتزلة علم البارئ هو البارئ وإن معنى قولي
стр. 174
عالم إثبات علم هو الله وأنفي عن الله جهلاً فكذلك يقول في سمعه وبصره وإن معنى قولي سميع أني أثبت سمعاً هو الله وأنفي عن الله الصمم، وإن معنى قولي بصير أني أثبت بصراً هو الله وأنفي عن الله العمى.
ومن قال أن البارئ عالم بنفسه فكذلك يقولسميع بصير لا بسمع وبصر.
ومن قال أن القول عالم إثبات اسم الله ومعه علم بمعلوم فكذلك يقول قولي سميع إثبات اسم الله ومعه علم بمسموع وقولي بصير إثبات اسم الله ومعه علم بمبصر.
ومن قال: معنى عالم إثبات ذات البارئ ونفي الجهل عنها فكذلك يقول: معنى سميع بصير إثبات ذات البارئ ونفي الصمم والعمى عنها.
ومن قال: معنى عالم أنه ليس بجاهل فكذلك يقول: معنى سميع بصير أنه ليس أصم ولا أعمى.
ومن قال: اختلف القول عالم قادر لاختلاف ما نفينا عن الله
стр. 175
من الجهل والعجز فكذلك يقول: اختلف القول سميع بصير لاختلاف ما نفينا عن الله من الصمم والعمى.
ومن قال: اختلف القول عالم قادر لاختلاف المعلوم والمقدور لا لاختلاف القول به فكذلك يقول: اختلف القول سميع بصير لاختلاف المسموع والمبصر أو
لاختلاف الفوائد التي تقع عند قولنا سميع بصير.
واختلف الذين قالوا أن الله لم يزل سميعاً بصيراً هل يقال لم يزل سامعاً مبصراً أم لا يقال ذلك على مقالتين:
فقال الإسكافي والبغداذيون من المعتزلة أن الله لم يزل سميعاً بصيراً سامعاً مبصراً يسمع الأصوات والكلام ومعنى ذلك أنه يعلم الأصوات والكلام وأن ذلك لا يخفى عليه لأن معنى سميع وبصير عنده وعند من وافقه أنه لا تخفى عليه المسموعات والمبصرات.
وقال الجبائي: لم يزل الله سميعاً بصيراً وامتنع من أن يكون م يزل سامعاً مبصراً ومن أن يكون لم يزل يسمع لأن سامعاً مبصراً
стр. 176
يعدى إلى مسموع ومبصر فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمبصرات لم تزل موجودات لم يجز أن يكون لم يزل سامعاً مبصراً، وسميع بصير لا يعدى زعم إلى مسموع ومبصر لأنه يقال للنائم سميع بصير وإن لم يكن بحضرته ما يسمعه ويبصره ولا يقال للنائم أنه سامع مبصر.
وكان يقول: معنى قولي أن الله سميع إثبات لله وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع ودلالة على أن المسموعات إذا كانت سمعها وإكذاب لمن زعم أنه أصم، وكان يقول: القول في الله أنه بصير على وجهين: يقال بصير بمعنى عليم كما يقال رجل بصير بصناعته أي عالم بها وبصير بمعنى أنا نثبت ذاته ونوجب أنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر وندل على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، ونكذب من زعم أنه أعمى.
واختلف الناس في معنى القول في الله سبحانه أنه حي هل هو معنى أنه قادر أم لا على مقالتين:
فقالت المعتزلة من البصريين وأكثر الناس: ليس معنى القول أن الله حي معنى
القول أنه قادر.
стр. 177
وقالت طوائف من معتزلة البغداذيين منهم الإسكافي وغيره: معنى القول فيه أنه حي أنه قادر.
واختلف الذين قالوا لم يزل الله غنياً عزيزاً عظيماً جليلاً كبيراً سيداً مالكاً قاهراً عالياً في القول أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد مالك رب قاهر عال هل قيل ذلك لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وملك وربوبية وقهر وعلو أم لم يقل ذلك على خمس مقالات:
فقالت المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية أن الله غني عزيز عظيم جليل كبير سيد جبار مبصر رب مالك قاهر عال لا لعزة وعظمة وجلال وكبرياء وسودد وربوبية وقهر، وكذلك قالوا في القول أنه واحد فرد موجود باق رفيع أنه لم يوصف بذلك لإلهية وبقاء ووحدانية ووجود، وكذلك سائر الصفات التي ليست صفاته ولم يوصف بها لمعان.
وأما أبو الهذيل من المعتزلة فإنه أثبت العزة والعظمة والجلال والكبرياء وكذلك في سائر الصفات التي يوصف بها لنفسه وقال:
هي البارئ كما قال في العلم والقدرة، فإذا قيل له: العلم هو القدرة؟ قال: خطأ أن يقال هو القدرة وخطأ أن يقال هو غير القدرة، وهذا نحو ما أنكر من قول عبد الله بن كلاب.
стр. 178
وأما النظام فإنه رجع من إثباته أن البارئ عزيز إلى إثبات ذاته ونفي الذلة عنه، وكذلك قوله في سائر ما يوصف به البارئ لذاته على هذا الترتيب.
وأما عباد فكان إذا سئل عن القول عزيز قال: إثبات اسم لله ولم يقل أكثر من هذا، وكذلك جوابه في عظيم مالك سيد.
وقال ابن كلاب ما حكيناه عنه قبل هذا الموضع، واختلف عنه في الإلهية فمن
أصحابه من يثبت الإلهية معنىً، ومنهم من لا يثبتها معنىً.
واختلفوا في القول أن الله كريم هل هو من صفاته لنفسه أم لا على أربع مقالات:
فقال عيسى الصوفي في الوصف لله بأنه كريم أنه من صفات الفعل والكرم هو الجود، وكان إذا قيل له: أفتقول أنه لم يزل غير كريم؟ امتنع من ذلك، وكذلك كان يقول في الإحسان أنه من صفات الفعل ويمتنع من القول أنه لم يزل غير محسن وكذلك جوابه في العدل والحلم.
وقال الإسكافي: الوصف لله بأنه كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة فعل إذا كان الكرم بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء لنفسه.
стр. 179
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: الوصف لله بأنه كريم على وجهين: فالوصف له بأنه كريم بمعنى عزيز من صفات الله لنفسه والوصف له بأنه كريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل.
وقال ابن كلاب: الوصف لله بأنه كريم ليس من صفات الفعل واختلفوا في صفات الفعل عندهم من الإحسان والعدل وما أشبه ذلك هل يقال لم يزل الله غير محسن إذ كان للإحسان فاعلاً غير عادل إذ كان للعدل فاعلاً على مقالتين:
فمنهم من كان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل وقلت أن العدل فعل فقل أن الله لم يزل غير محسن ولا عادل! قال: نقول أنه لم يزل غير محسن ولا مسيء وغير عادل ولا جائر حتى يزول الإيهام ولم يزل غير صادق ولا كاذب، وهذا قول الجبائي.
وكان عباد إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل محسناً عادلاً؟ قال: لا أقول ذلك، فإن قيل له: فلم يزل غير محسن ولا عادل؟ قال: لا أقول ذلك، وكذلك إذا قيل له: لم يزل خالقاً؟ أنكر ذلك، وإذا قيل له: لم يزل غير خالق؟ أنكر ذلك.
وجميع المعتزلة لا ينكر أن يكون الله لم يزل غير خالق ولا رازق
стр. 180
ولا فاعل وكذلك كل ما ليس في نعته إيهام من صفات الفعل لا يمتنعون منه كالقول محي مميت باعث وارث وما أشبه ذلك.
واختلف المتكلمون في معنى القول في الله أنه قديم
فقال بعضهم: معنى القول أن الله قديم أنه لم يزل كائناً لا إلى أول وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية.
وقال عباد بن سليمان: معنى قولنا في الله أنه قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل هو أنه قديم، وأنكر عباد القول بأن الله كائن متقدم للمحدثات وقال: لا يجوز أن يقال ذلك.
وقال بعض البغداذيين: معنى قديم أنه إله.
وقال عبد الله بن كلاب: معنى قديم أن له قدماً.
وقال أبو الهذيل: معنى أن الله قديم إثبات قدم لله هو الله.
وحكي عم معمر أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم إلا إذا حدث المحدث.
وحكي عن بعض المتقدمين أنه قال: لا أقول أن البارئ قديم على وجه من الوجوه.
следующие страницы →