Полный текст (611 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وأنكر عباد أن يخلق الله سبحانه شيئاً نسميه شراً أو سيئة في الحقيقة.
واختلفوا في اللطف على أربعة أقاويل:
فقال بشر بن المعتمر ومن قال بقوله:
عند الله سبحانه لطف لو فعله بمن يعلم أنه لا يؤمن لآمن وليس يجب على الله سبحانه فعل ذلك ولو فعل الله سبحانه ذلك اللطف فآمنوا عنده لكانوا يستحقون من الثواب على الإيمان الذي يفعلونه عند وجوده ما يستحقونه لو فعلوه مع عدمه، وليس على الله سبحانه أن يفعل بعباده أصلح الأشياء بل ذلك محال لأنه لا غاية ولا نهاية لما يقدر عليه من الصلاح وإنما عليه أن يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم وأن يزيح عللهم فيما يحتاجون إليه لأداء ما كلفهم وماتيسر عليهم مع وجوده العمل بما ليس هم به وقد فعل ذلك بهم وقطع مننهم.
وكان جعفر بن حرب يقول أن عند الله لطفاً لو أتى به الكافرين لآمنوا اختياراً
إيماناً لا يستحقون عليه من الثواب ما يستحقونه مع عدم اللطف إذا آمنوا، والأصلح لهم ما فعل الله بهم لأن الله لا يعرض
стр. 247
عباده إلا لأعلى المنازل وأشرفها وأفضل الثواب وأكثره، وذكر عنه أنه رجع عن هذا القول إلى قول أكثر أصحابه.
وقال جمهور المعتزلة: ليس في مقدور الله سبحانه لطف لو فعله بمن علم أنه لا يؤمن آمن عنده وأنه لا لطف عنده لو فعله بهم لآمنوا فيقال يقدر على ذلك ولا يقدر عليه وأنه لا يفعل بالعباد كلهم إلا ما هو أصلح لهم في دينهم وأدعى لهم إلى العمل بما أمرهم به وأنه لا يدخر عنهم شيئاً يعلم أنهم يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم أداءه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة التي يستحقون عليها ثوابه الذي وعدهم، وقالوا في الجواب عن مسألة من سألهم هل يقدر الله سبحانه أن يفعل بعباده أصلح مما فعله بهم: إن أردت أنه يقدر على أمثال الذي هو أصلح فالله يقدر على أمثاله على ما لا غاية له ولا نهاية وإن أردت يقدر على شيء أصلح من هذا أي يفوقه في الصلاح قد ادخره عن عباده فلم يفعله بهم مع علمه بحاجتهم إليه في أداء ما كلفهم فإن أصلح الأشياء هو الغاية ولا شيء يتوهم وراء الغاية فيقدر عليه أو يعجز عنه.
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: لا لطف عند الله سبحانه يوصف
стр. 248
بالقدرة على أن يفعله بمن علم أنه لا يؤمن فيؤمن عنده، وقد فعل الله بعباده ما هو أصلح لهم في دينهم ولو كان في معلومه شيء يؤمنون عنده أو يصلحون به ثم لم يفعله بهم لكان مريداً لفسادهم غير أنه يقدر أن يفعل بالعباد ما لو فعله بهم ازدادوا طاعة فيزيدهم ثواباً وليس فعل ذلك واجباً عليه ولا إذا تركه كان عابثاً في الاستدعاء لهم في الإيمان.
واختلفوا في الألم واللذة على مقالتين:
فقال قوم: لن يجوز أن يؤلم الله سبحانه أحداً بألم تقوم اللذة في الصلاح مقامه، وقال قوم: يجوز ذلك.
واختلفوا هل كان يجوز أن يبتدئ الله الخلق في الجنة ويتفضل عليهم باللذات دون الأذوات ولا يكلفهم شيئاً على مقالتين:
فقال أكثر المعتزلة لن يجوز ذلك لأن الله سبحانه لا يجوز عليه في حكمته أن يعرض عباده إلا لأعلى المنازل وأعلى المنازل منزلة الثواب وقال: لا يجوز أن لا يكلفهم الله المعرفة ويستحيل أن يكونوا إليها مضطرين فلو لم يكونوا بها مأمورين لكان الله قد أباح لهم الجهل به وذلك خروج من الحكمة.
стр. 249
وقال قائلون: كان جائزاً أن يبتدئ الله سبحانه الخلق في الجنة ويبتدئهم بالتفضل ولا يعرضهم لمنزلة الثواب ولا يكلفهم شيئاً من المعرفة ويضطرهم إلى معرفته، وهذا قول الجبائي وغيره.
واختلفت المعتزلة في لعن الله الكفار في الدنيا على مقالتين:
فقال أكثرهم: ذلك عدل وحكمة وخير وصلاح للكفار لأن فيه زجراً لهم عن المعصية وغلوا في ذلك حتى زعموا أن عذاب جهنم في الآخرة نظر للكافرين في الدنيا ورحمة لهم بمعنى أن ذلك نظر لهم إذا كان قد زجرهم بكون ذلك في الآخرة عن معاصيه في الدنيا واستدعاء لهم إلى طاعته، وهذا قول الإسكافي.
وقال قائلون منهم: ذلك عدل وحكمة ولا نقول هو خير وصلاح ونعمة ورحمة.
واختلفت المعتزلة في الصلاح الذي يقدر الله عليه هل له كل أم لا كل له على ثلاثة أقاويل:
فقال أبو الهذيل: لما يقدر الله من الصلاح والخير كل وجميع وكذلك سائر مقدوراته لها كل ولا صلاح أصلح مما فعل.
стр. 250
وقال غيره: لا غاية لما يقدر الله عليه من الصلاح ولا كل لذلك وقالوا أن الله
يقدر على صلاح لم يفعله إلا أنه مثل ما فعله.
وقال قائلون: كل ما يفعله يجوز ولا يجوز أن يكون صلاح لا يفعله، وهذا قول عباد.
وقال قائلون: فيما يقدر الله أن يفعله بعباده شيء أصلح من شيء وقد يجوز أن يترك فعلاً هو صلاح إلى فعل آخر وهو صلاح يقوم مقامه.
واختلفت المعتزلة فيمن علم الله أن يؤمن من الأطفال والكفار أو يتوب من الفساق هل يجوز أن يميته قبل ذلك على مقالتين:
فقال قائلون: لا يجوز ذلك بل واجب في حكمة الله أن لا يميتهم حتى يؤمنوا أو يتوبوا.
وأجاز بشر بن المعتمر وغيره أن يميتهم قبل أن يؤمنوا أو يتوبوا.
واختلفوا فيمن علم الله سبحانه أنه يزداد إيماناً خل يجوز أن يخترمه على مقالتين:
فقال قوم من أصحاب الصلح: لا يجوز ذلك وقالوا في النبي ﷺ أن الله امتحنه قبل موته بما بلغ ثوابه على طاعته إياه
стр. 251
قبل مبلغ ثوابه على طاعاته إياه لو أبقاه إلى يوم القيامة وجعل في هذه المحنة إعلامه أنه يموت في الوقت الذي مات فيه.
وقال قوم منهم أن ذلك جائز.
وأجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه خلق عباده لينفعهم لا ليضرهم وأن ما كان من الخلق غير مكلف فإنما خلقه لينتفع به المكلف ممن خلق وليكون عبرة لمن يخلقه ودليلاً، واختلفوا في خلق الشيء لا ليعتبر به على مقالتين:
فقال أكثرهم: لن يجوز أن يخلق الله سبحانه الأشياء إلا ليعتبر بها العباد وينتفعوا بها ولا يجوز أن يخلق شيئاً لا يراه أحد ولا يحس به أحد من المكلفين.
وقال بعضهم ممن ذهب إلى أن الله لم يأمر بالمعرفة إن جميع ما خلقه
الله فلم يخلقه ليعتبر به أحد ويستدل به أحد، وهذا قول ثمامة بن أشرس فيما أظن.
стр. 252
واختلفوا فيمن قطعت يده وهو مؤمن ثم كفر ومن قطعت يده وهو كافر ثم آمن على ثلاثة أقاويل:
فقال قوم أنه يبدل يداً أخرى لا يجوز غير ذلك.
وقال قائلون لو أن مؤمناً قطعت يده فأدخل النار لبدلت يده المقطوعة في حال إيمانه وكذلك الكافر إذا قطعت يده ثم آمن لأن الكافر والمؤمن ليس هما اليد والرجل.
وقال قائلون: توصل يد المؤمن الذي كفر ومات على الكفر بكافر قطعت يده وهو كافر ثم آمن ثم مات على إيمانه وتوصل يد الكافر الذي قطعت يده وهو كافر ثم آمن ثم مات على إيمانه بالمؤمن الذي قطعت يده وهو مؤمن ثم مات على الكفر.
واختلفت المعتزلة هل خلق الله سبحانه الخلق لعلة أم لا على أربعة أقاويل:
فقال أبو الهذيل: خلق الله خلقه لعلة والعلة هي الخلق والخلق هو الإرادة والقول، وأنه إنما خلق الخلق لمنفعتهم ولولا ذلك كان لا وجه لخلقهم لأن من خلق ما لا ينتفع به ولا يزيل بخلقه عنه ضرراً ولا ينتفع به غيره ولا يضر به غيره فهو عابث.
وقال النظام: خلق الله الخلق لعلة تكون وهي المنفعة والعلة
стр. 253
هي الغرض في خلقه لهم وما أراد من منفعتهم ولم يثبت علة معه لها كان مخلوقاً كما قال أبو الهذيل بل قال: هي علة تكون وهي الغرض.
وقال معمر: خلق الله الخلق لعلة والعلة لعلة وليس للعلل غاية ولا كل.
وقال عباد خلق الله سبحانه الخلق لا لعلة.
واختلفت المعتزلة في إيلام الأطفال على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: الله يؤلمهم لا لعلة ولم يقولوا أنه يعوضهم من إيلامه إياهم وأنكروا
ذلك وأنكروا أن يعذبهم في الآخرة.
وقال أكثر المعتزلة أن الله سبحانه يؤلمهم عبرة للبالغين ثم يعوضهم ولولا أنه يعوضهم لكان إيلامه إياهم ظلماً.
وقال أصحاب اللطف أنه آلمهم ليعوضهم وقد يجوز أن يكون إعطاؤه إياهم ذلك العوض من غير ألم أصلح وليس عليه أن يفعل الأصلح.
واختلفوا هل يجوز أن يبتدئ الله سبحانه الأطفال بمثل العوض من غير ألم أم لا على مقالتين:
فأجاز ذلك بعض المعتزلة وأنكره بعضهم.
стр. 254
واختلفوا في العوض الذي يستحقه الأطفال هل هو عوض دائم أم لا على مقالتين:
فقال قائلون: الذي يستحقونه من العوض الدائم.
وقال قائلون: إدامة العوض تفضل وليس باستحقاق.
وأجمعت المعتزلة على أنه لا يجوز أن يؤلم الله سبحانه الأطفال في الآخرة ولا يجوز أن يعذبهم.
واختلفوا في عوض البهائم على خمسة أقاويل:
فقال قوم أن الله سبحانه يعوضها في المعاد وأنها تنعم في الجنة وتصور في أحسن الصور فيكون نعيمها لا انقطاع له.
وقال قوم: يجوز أن يعوضها الله سبحانه في دار الدنيا ويجوز أن يعوضها في الموقف ويجوز أن يكون في الجنة على ما حكينا عن المتقدمين.
وقال جعفر بن حرب والإسكافي: قد يجوز أن تكون الحيات والعقارب وما أشبهها من الهوام والسباع تعوض في الدنيا أو في الموقف ثم تدخل جهنم فتكون عذاباً على الكافرين والفجار ولا ينالهم من ألم جهنم شيء كما لا ينال خزنة جهنم.
стр. 255
وقال قوم: قد نعلم أن لهم عوضاً ولا ندري كيف هو.
وقال عباد أنها تحشر وتبطل.
واختلف الذين قالوا بإدامة عوضها على مقالتين:
فقال قوم أن الله يكمل عقولهم حتى يعطوا دوام عوضهم لا يؤلم بعضهم بعضاً، وقال قوم: بل تكون على حالها في الدنيا.
واختلفوا في الاقتصاص لبعضها من بعض على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: يقتص لبعضها من بعض في الموقف وأنه لا يجوز إلا ذلك وليس يجوز الاقتصاص والعقوبة بالنار ولا بالتخليد في العذاب لأنهم ليسوا بمكلفين، وقال قوم: لا قصاص بينهم.
وقال قوم أن الله سبحانه يعوض البهيمة لتمكينه البهيمة التي جنت عليها ليكون ذلك العوض عوضاً لتمكينه إياها منها، هذا قول الجبائي.
واختلفوا فيمن دخل زرعاً لغيره على مقالتين:
فقال أبو شمر وهو يوافقهم في التوحيد والقدر: إذا دخل الرجل زرعاً لغيره فحرام عليه أن يقف فيه أو يتقدم أو يتأخر فإن تاب وندم فليس يمكنه إلا أن يكون عاصياً لله وأنه ملوم على ذلك، وقال غيره: الواجب عليه إذا ندم أن يخرج منه ويضمن جميع ما استهلك.
стр. 256
واختلفوا في نعيم الجنة هل هو تفضل أو ثواب على مقالتين:
فقال قائلون: كل ما في الجنة ثواب ليس بتفضل.
وقال بعضهم: بل ما فيها تفضل ليس بثواب.
القول في الآجال:
اختلفت المعتزلة في ذلك على قولين:
فقال أكثر المعتزلة: الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله سبحانه أن الإنسان يموت فيه أو يقتل فإذا قتل قتل بأجله وإذا مات مات بأجله وشذ قوم من جهالهم فزعموا
أن الوقت الذي في معلوم الله سبحانه أن الإنسان لو لم يقتل لبقي إليه هو أجله دون الوقت الذي قتل فيه.
واختلف الذين زعموا أن الأجل هو الوقت الذي في معلوم الله سبحانه أن الإنسان يموت فيه أو يقتل في المقتول الذي لو لم يقتل هل كان يموت أم لا على ثلاثة أقاويل:
стр. 257
فقال بعضهم: إن الرجل لو لم يقتل مات في ذلك الوقت، وهذا قول أبي الهذيل.
وقال بعضهم: يجوز لو لم يقتله القاتل أن يموت ويجوز أن يعيش، وأحال منهم محيلون هذا القول.
القول في الأرزاق:
قالت المعتزلة أن الأجسام الله خالقها وكذلك الأرزاق وهي أرزاق الله سبحانه فمن غصب إنساناً مالاً أو طعاماً فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه، وزعموا بأجمعهم أن الله سبحانه لا يرزق الحرام كما لا يملك الله الحرام وأن الله سبحانه إنما رزق الذي ملكه إياهم دون الذي غصبه.
وقال أهل الإثبات: الأرزاق على ضربين: منها ما ملكه الله الإنسان ومنها ما جعله غذاءً له وقواماً لجسمه وإن كان حراماً عليه فهو رزقه إذ جعله الله سبحانه غذاءً له لأنه قوام لجسمه.
стр. 258
القول في الشهادة:
اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل:
فقال قائلون: هو الصبر على ما ينال الإنسان من ألم الجراح المؤدي إلى القتل والعزم على ذلك وعلى التقدم إلى الحرب وعلى الصبر على ما يصيبه وكذلك قالوا في المبطون والغريق ومن مات تحت الهدم، قالوا: وإن غوفص إنسان من المسلمين بشيء مما ذكرنا فكان عزمه على التسليم والصبر قد كان تقدم ودخل
في جملة اعتقاده.
وقال قائلون: الشهادة هي الحكم من الله سبحانه لمن قتل من المؤمنين في المعركة بأنه شهيد وتسميته بذلك.
وقال قائلون: الشهادة هي الحضور لقتال العدو إذا قتل سمي شهادة.
وقال قائلون: الشهداء هم العدول قتلوا أو لم يقتلوا وزعموا أن الله سبحانه قال: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس فالشهداء هو المشاهدون لهم ولأعمالهم وهم العدول المرضيون.
стр. 259
القول في الختم والطبع:
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
فزعم بعضهم أن الختم من الله سبحانه والطبع على قلوب الكفار هو الشهادة والحكم أنهم لا يؤمنون وليس ذلك بمانع لهم من الإيمان.
وقال قائلون: الختم والطبع هو السواد في القلب كما يقال طبع السيف إذا صدئ من غير أن يكون ذلك مانعاً لهم عما أمرهم به، وقالوا: جعل الله ذلك سمة لهم تعرف الملائكة بتلك السمة في القلب أهل ولاية الله سبحانه من أهل عداوته.
وقال أهل الإثبات: قوة الكفر طبع، وقال بعضهم: معنى أن الله طبع على قلوب الكافرين أي خلق فيها الكفر، وقالت البكرية ما سنذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله.
القول في الهدى: اختلفت المعتزلة هل يقال أن الله سبحانه هدى الكافرين أم لا على مقالتين:
стр. 260
فقال أكثر المعتزلة أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا ونفعهم بأن قواهم على الطاعة فلم ينتفعوا وأصلحهم فلم يصلحوا.
وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى الكافرين على وجه من الوجوه بأن بين لهم
ودلهم لأن بيان الله ودعاءه هدى لمن قبل دون من لم يقبل كما أن دعاء إبليس إضلال لمن قبل دون من لم يقبل.
وقال أهل الإثبات: لو هدى الله الكافرين لاهتدوا فلما لم يهدهم لم يهتدوا وقد يهديهم بأن يقويهم على الهدى فتسمى القدرة على الهدى هدى وقد يهديهم بأن يخلق هداهم.
واختلف الذين قالوا أن الله هدى الكافرين بأن بين لهم ودلهم وأن هذا هو الهدى العام في الهدى الذي يفعله بالمؤمنين دون الكافرين على مقالتين:
فقال قائلون: قد نقول أن الله هدى المؤمنين بأن سماهم مهتدين وحكم لهم بذلك وقالوا: ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الفوائد والألطاف هو هدى كما قال: والذين اهتدوا زادهم هدى.
وقال قائلون: لا نقول أن الله هدى بأن سمى وحكم ولكن
стр. 261
نقول هدى الخلق أجمعين بأن دلهم وبين لهم وأنه هدى المؤمنين بما يزيدهم من ألطافه وذلك ثواب يفعله بهم في الدنيا وأنه يهديهم في الآخرة إلى الجنة وذلك ثواب من الله سبحانه لهم كما قال: يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، هذا قول الجبائي.
وزعم إبراهيم النظام أنه قد يجوز أن يسمى طاعة المؤمنين وإيمانهم بالهدى وبأنه هدى الله فيقال هذا هدى الله أي دينه.
القول في الضلال:
اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقاويل:
فقال أكثر المعتزلة: معنى الضلال من الله يحتمل أن يكون التسمية لهم والحكم بأنهم ضالون، ويحتمل أن يكون لما ضلوا عن أمر الله سبحانه أخبر أنه أضلهم أي أنهم ضلوا عن دينه، ويحتمل أن يكون الإضلال هو ترك إحداث اللطف
والتسديد والتأييد الذي يفعله الله بالمؤمنين فيكون ترك ذلك إضلالاً ويكون الإضلال فعلاً حادثاً، ويحتمل أن يكون لما وجدهم ضلالاً أخبر أنه أضلهم كما يقال أجبن فلان فلاناً إذا وجده جباناً.
стр. 262
وقال بعضهم: إضلال الله الكافرين هو إهلاكه إياهم وهو عقوبة منه لهم واعتل بقول الله : في ضلال وسعر والسعر سعر النار وبقوله: أئذا ضللنا في الأرض أي هلكنا وتفرقت أجزاؤنا.
وقال أهل الإثبات أقاويل: قال بعضهم: الإضلال عن الدين قوة على الكفر، وقال بعضهم: الإضلال عن الدين هو الترك، هذا قول الكوساني، وقال بعضهم: معنى أضلهم أي خلق ضلالهم، وامتنعت المعتزلة أن تقول أن الله سبحانه أضل عن الدين أحداً من خلقه.
القول في التوفيق والتسديد:
اختلفوا في التوفيق والتسديد على أربعة أقاويل:
فقال قائلون: التوفيق من الله سبحانه ثواب يفعله مع إيمان العبد ولا يقال للكافر موفق وكذلك التسديد.
وقال جعفر بن حرب: التوفيق والتسديد لطفان من ألطاف الله سبحانه لا يوجبان الطاعة في العبد ولا يضطرانه إليها فإذا أتى الإنسان بالطاعة كان موفقاً مسدداً.
стр. 263
وقال الجبائي: التوفيق هو اللطف الذي في معلوم الله سبحانه أنه إذا فعله وفق الإنسان للإيمان في الوقت فيكون ذلك اللطف توفيقاً لأن يؤمن وأن الكافر إذا فعل به اللطف الذي يوفق للإيمان في الوقت الثاني فهو موفق لأن يؤمن في الثاني ولو كان في هذا الوقت كافراً، وكذلك العصمة عنده لطف من ألطاف الله.
وقال أهل الإثبات: التوفيق هو قوة الإيمان وكذلك العصمة.
القول في العصمة:
اختلفوا في العصمة فقال بعضهم: العصمة من الله سبحانه ثواب للمعتصمين.
وقال بعضهم: العصمة لطف من الله يفعله بالعبد فيكون به معتصماً.
وقال بعضهم: العصمة على وجهين: أحدهما هو الدعاء والبيان والزجر والوعد والوعيد وقد فعله بالكافرين ولكن لا يطلق أنه معصوم ويقال أن الله عصمه فلم يعتصم، والوجه الآخر ما يزيد الله المؤمنين بإيمانهم من الألطاف والأحكام والتأييد، وقد يتفاضل الناس في العصمة ويكون ضرب من العصمة إذا آتاه بعض عبيده آمن طوعاً وإذا أعطاه
стр. 264
غيره ازداد كفراً وإذا منعه إياه أتى بكفر دون ذلك فيتفضل به على من يعلم أنه ينتفع ويمنعه من يعلم أنه يزداد كفراً قالوا وقد يجوز أن يكون شيء صلاحاً لواحد ضرراً على غيره قالوا وقد يعصم الله سبحانه من الشيء باضطرار كالعصمة من قتل نبيه ﷺ .
القول في النصرة والخذلان:
قالت المعتزلة أن نصر الله المؤمنين قد يكون على معنى نصرهم بالحجة كما قال: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا وقد تكون النصرة بمعنى أن يزلزل أقدام الكافرين ويرعب قلوبهم فينهزموا فيكون ناصراً للمؤمنين عليهم وخاذلاً لهم بما طرحه من الرعب في قلوبهم فإن انهزم المؤمنون لم يكن ذلك بخذلان من الله سبحانه لهم بل هم منصورون بالحجة على الكافرين وإن كانوا منهزمين.
وقال أهل الإثبات: النصر من الله ما يفعله ويقذفه في قلوب المؤمنين من الجرأة على الكافرين وقد تسمى القوة على الإيمان نصراً.
فأما الخذلان فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
فقال بعضهم: الخذلان هو ترك الله سبحانه أن يحدث من الألطاف والزيادات ما يفعله بالمؤمنين كنحو قوله: والذين اهتدوا زادهم
стр. 265
هدى فترك الله سبحانه أن يفعل هو الخذلان من الله للكافرين.
وقال بعضهم: الخذلان من الله سبحانه هو تسميته إياهم والحكم بأنهم مخذولون.
وقال بعضهم: الخذلان عقوبة من الله سبحانه وهو ما يفعله بهم من العقوبات.
وقال أهل الإثبات قولين: قال بعضهم: الخذلان قوة الكفر، وقال بعضهم: خذلهم أي خلق كفرهم.
القول في الولاية والعداوة:
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
فقالت المعتزلة إلا بشر بن المعتمر وطوائف منهم أن الولاية من الله سبحانه للمؤمنين مع إيمانهم وكذلك عداوته للكافرين مع كفرهم والولاية عندهم الأحكام الشرعية والمدح وأحداث الألطاف والعداوة ضد ذلك وكذلك قالوا في الرضى والسخط.
وقال بشر بن المعتمر: الولاية والعداوة تكونان بعد حال الإيمان والكفر.
стр. 266
وقال قائلون منهم: الولاية مع الإيمان والعداوة مع الكفر وهما غير الأحكام والأسماء وكذلك الرضى والسخط غير الأحكام والأسماء.
وقال غير المعتزلة: الولاية والعداوة من صفات الذات وكذلك الرضى والسخط.
القول في الثواب في الدنيا:
اختلفت المعتزلة في ذلك على مقالتين:
فقال إبراهيم النظام لا يكون الثواب إلا في الآخرة وإن ما يفعله الله سبحانه بالمؤمنين في الدنيا من المحبة والولاية ليس بثواب لأنه إنما يفعله بهم ليزدادوا إيماناً وليمتحنهم بالشكر عليه.
وقال سائر المعتزلة أن الثواب قد يكون في الدنيا وأن ما يفعله الله سبحانه من الولاية والرضى على المؤمنين فهو ثواب.
واختلفت المعتزلة في الإيمان ما هو على ستة أقاويل:
فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها وأن المعاصي على ضربين: منها صغائر ومنها كبائر وأن الكبائر على ضربين: منها ما هو كفر ومنها ما ليس بكفر وأن الناس يكفرون من ثلاثة أوجه:
стр. 267
رجل شبه الله سبحانه بخلقه ورجل جوره في حكمه أو كذبه في خبره ورجل رد ما أجمع المسلمون عليه عن نبيهم ﷺ نصاً وتوقيفاً فأكفر هؤلاء من زعم أن البارئ جسم مؤلف محدود ولم يكفروا من سماه جسماً ولم يعطه معاني الأجسام، وأكفروا من زعم أن الله سبحانه يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالاً فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات، وأكفروا من زعم أن الله خلق الجور وأراد السفه وكلف الزمنى والعجزة الذين فيهم العجز ثابت لأن هؤلاء بزعمهم سفهوا الله وجوروه، ولم يكفروا من قصد إلى قادر على الفعل فقال قد كلفه الله سبحانه وليس بقادر لأنه قد كذب على القادر عندهم فأخبر أنه ليس بقادر ولم يكذب على الله في تكليفه إياه ولا وصفه بالعبث عندهم، والقائل بهذا القول هم أصحاب أبي الهذيل وإلى هذا القول كان يذهب أبو الهذيل، وحكي عنه أن الصغائر تغفر لمن اجتنب الكبائر على طريق التفضل لا على طريق الاستحقاق، وزعم أن الإيمان كله إيمان بالله منه ما تركه كفر ومنه ما تركه فسق ليس بكفر كالصلاة وصيام شهر رمضان ومنه ما تركه صغير ليس بفسق ولا كفر ومنه ما تركه ليس بكفر ولا بعصيان كالنوافل.
стр. 268
وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها والإيمان على ضربين: إيمان بالله وإيمان لله ولا يقال أنه إيمان بالله فالإيمان بالله ما كان تركه كفراً بالله والإيمان لله يكون تركه كفراً ويكون تركه فسقاً ليس بكفر نحو الصلاة والزكاة فذلك إيمان لله فمن تركه على الاستحلال كفر ومن تركه على التحريم كان تركه فسقاً ليس بكفر، ومما هو إيمان لله عند هشام ما يكون تركه صغيراً ليس بفسق.
وقال عباد بن سليمان: الإيمان هو جميع ما أمر الله سبحانه به من الفرض وما رغب فيه من النفل، والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيء منه كافراً كالملة والتوحيد والإيمان لله إذا تركه تارك لم يكفر ومن ذلك ما يكون تركه ضلالاً وفسقاً ومنه ما يكون تركه صغيراً وكل أفعال الجاهل بالله عنده كفر بالله.
وقال إبراهيم النظام: الإيمان اجتناب الكبائر والكبائر ما جاء فيه الوعيد وقد يجوز أن يكون فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير عند الله ويجوز أن لا يكون فيه كبير، وإن لم يكن فيه كبير فالإيمان اجتناب
стр. 269
ما فيه الوعيد عندنا وعند الله سبحانه وإن كان فيما لم يجئ فيه الوعيد كبير فالتسمية له بالإيمان وبأنه مؤمن يلزم باجتناب ما فيه الوعيد عندنا فأما عند الله سبحانه فاجتناب كل كبير.
وقال آخرون: الإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله وهو ما يلزم به الاسم وما سوى ذلك فصغير مغفور باجتناب الكبير.
وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله سبحانه على عباده وأن النوافل ليس بإيمان وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه فهي بعض إيمان لله وهي أيضاً إيمان بالله وأن الفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة بما فعله من الإيمان، وكان يزعم أن الأسماء على ضربين: منها أسماء اللغة ومنها أسماء الدين فأسماء اللغة المشتقة من الأفعال تتقضى مع تقضي الأفعال وأسماء الدين يسمى بها الإنسان بعد تقضي فعله وفي حالة فعله فالفاسق الملي مؤمن من أسماء اللغة يتقضى الاسم عنه مع تقضي فعله للإيمان وليس يسمى بالإيمان من أسماء الدين، وكان يزعم أن في اليهودي إيماناً نسميه به مؤمناً مسلماً من أسماء اللغة.
وكانت المعتزلة بأسرها قبله إلا الأصم تنكر أن يكون الفاسق
стр. 270
مؤمناً وتقول أن
الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر وتسميه منزلة بين المنزلتين وتقول: في الفاسق إيمان لا نسميه به مؤمناً وفي اليهودي إيمان لا نسميه به مؤمناً.
وكان الجبائي يزعم أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن الصغائر يستحق غفرانها باجتناب الكبائر وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان واجتناب الكبائر يحبط عقاب الصغائر، وكان يزعم أن العزم على الكبير كبير والعزم على الصغير صغير والعزم على الكفر كفر، وكذلك قول أبي الهذيل كان يقول في العازم أنه كالمقدم عليه.
وقال أبو بكر الأصم: الإيمان جميع الطاعات ومن عمل كبيراً ليس بكفر من أهل الملة فهو فاسق بفعله للكبير لا كافر ولا منافق مؤمن بتوحيده وما فعل من طاعته.
وزعمت المعتزلة أن الله سمى إيماناً ما لم يكن في اللغة إيماناً.
واختلفت المعتزلة مع إقرارها بالصغائر والكبائر في الصغائر والكبائر على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون منهم: كل ما أتى فيه الوعيد فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد فهو صغير.
стр. 271
وقال قائلون: كل ما أتى فيه الوعيد فكبير وكل ما كان مثله في العظم فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد أو في مثله فقد يجوز أن يكون كله صغيراً ويجوز أن يكون بعضه كبيراً وبعضه صغيراً وليس يجوز أن لا يكون صغيراً ولا شيئاً منه.
وقال جعفر بم مبشر: كل عمد كبير وكل مرتكب لمعصية متعمداً لها فهو مرتكب لكبيرة.
واختلفت المعتزلة في غفران الصغائر على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون أن الله سبحانه يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلاً.
وقال قائلون: يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق، وقال قائلون: لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة.
واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يجتمع ما ليس بكبير وما ليس بكبير فيكون كبيراً على مقالتين:
فقال كثير من المعتزلة: لا يجوز أن يجتمع ما ليس بكبير وما ليس بكبير فيكون كبيراً وليس يجوز أن يجتمع ما ليس بكفر وما ليس
стр. 272
بكفر فيكون كفراً.
وقال الجبائي: الصغائر تقع من مجتنبي الكبائر مغفورة ويجوز أن يجتمع ما ليس بكبير وما ليس بكبير من مجتنبي الكبائر فيكون ذلك كبيراً كالرجل يسرق درهماً ثم درهماً حتى يكون سارقاً لخمسة دراهم يسرقها درهماً درهماً قد يجوز أن يكون سرقه كل درهم على انفراده صغيراً فإذا اجتمع ذلك كان كبيراً.
وقال غيره من المعتزلة: إن لم يكن سرقه كل درهم على انفراده كبيراً فليس ذلك إذا اجتمع كبيراً ولكن الذنب الكبير منعه الخمسة دراهم.
واختلفت المعتزلة في التائب يتوب من الذنب ثم يعود إليه هل يؤخذ به على مقالتين:
فقال قائلون: يؤخذ بالذنب الذي تاب منه إذا عاد إليه.
وقال قائلون: لا يؤخذ بما سلف لأنه قد تاب منه.
واختلفوا في آخذ الدرهم وسارقه من حرز هل يفسق أم لا على مقالتين:
فزعم أبو الهذيل أنه فاسق لأنه قد أباح يده فقهاء من فقهاء
стр. 273
المسلمين ولم يفسقه غيره من المعتزلة إلا جعفر بن مبشر إذا اعتمد ذلك.
واختلفوا في خائن درهم فصاعداً على خمسة أقاويل:
فزعم جعفر بن مبشر أن مرتكب معصية متعمداً لها فاسق وإن كانت سرقة درهم أو أقل أو أكثر وأي معصية كانت.
وقال الجبائي: من عزم أن يخون في درهم وثلثين في الوقت الثاني من حال عزمه ثم جاء الوقت الثاني فأراد ذلك وفعله فسق لأن العزم على ذلك كفعل المعزوم عليه والإرادة لأخذ الدرهم وثلثين كأخذ الدرهم وثلثين فإذا اجتمع ذلك فهو كخائن خمسة دراهم.
وقال أبو الهذيل: لا يفسق إلا بأخذ خمسة دراهم من غير حلها أو بمنعها ولا يفسق في أقل من ذلك إلا سارق الدرهم بإباحة يده فقهاء من فقهاء الأمة.
وقال قائلون: لا يفسق السارق لأقل من عشرة دراهم والخائن لأقل منها وإنما يفسق من سرق عشرة دراهم فصاعداً أو خانها.
وقال قائلون: لا يفسق الخائن إلا في مائتي درهم، وهذا قول النظام.
стр. 274
واختلفت المعتزلة فيمن لم يؤد زكاته على مقالتين:
فزعم هشام الفوطي أنه لا يكون مانعاً للزكاة إلا إذا عزم أن لا يؤديها أبداً فمن عزم أن لا يؤديها وقتاً ما فليس بضال.
وقال غيره من المعتزلة: من منعها أهل الحاجة وقد وجبت عليه لزمه الفسق إذا منع خمسة دراهم على قول أصحاب الخمسة أو عشرة على قول أصحاب العشرة أو مائتين على قول أصحاب المائتين.
وأجمع أصحاب الوعيد من المعتزلة أن من أدخله الله النار خلده فيها.
واختلفت المعتزلة هل يقال للفاسق مؤمن أم لا على ثلاث مقالات:
فزعم بعضهم أنه يقال له آمن ولا يقال له مؤمن، وهذا قول عباد.
وقال قائلون: لا يقال آمن ولا يقال مؤمن.
وقال الجبائي: يقال آمن من أوصاف اللغة ويقال مؤمن من أسماء اللغة.
واختلفت المعتزلة هل يعلم وعيد الكفار بالعقل أو بالخبر دون العقل على ستة أقاويل:
стр. 275
فقال بعضهم: العذاب على الكبائر كلها الكفر منها وغير الكفر واجب في العقول وأن إدامته كذلك.
وقال بعضهم: ليس يجب هذا في كل الذنوب ولكن في الكفر خاصة.
وقال بعضهم: ليس يجب في العقول إلا التفريق بين المحسن والمسيء والولي والعدو والتفرقة تكون بضروب شتى منها تعذيب المذنب بعذاب لا ينقطع وسلامة المطيع من ذلك ومنها إفناؤه وإبقاء المطيع ومنها تفضيل المطيع في النعم، ولله عندهم أن يعفو عن جميع المذنبين ويديم نعيمهم تفضلاً.
وقال بعض من يميل إلى هذا القول: مظالم العباد لا يجوز العفو عنها إلا بعد عفو أهلها وإن لم يقع العفو منهم فالقصاص واجب فيها.
وقال عباد بن سليمان: إن أهل العفو يعلمون أن الله سبحانه يجازي على كل ذنب كائناً ما كان حتى يفرق بين الفاعل وغيره ولا يعلمون ما ذلك الجزاء والجزاء والله يعلم ما هو وإن يكون إلا من قبل السمع.
وقال قائلون: ليس يعلم عقاب الكفار إلا من جهة الخبر.
стр. 276
واختلفوا هل كان في العقل يجوز أن يغفر الله لعبده ذنباً ويعذب غيره على مثله أم لا على مقالتين:
فأجاز ذلك بعضهم وهو الجبائي وأنكره أكثرهم.
وأجمعت المعتزلة القائلون بالوعيد أن الأخبار إذا جاءت من عند الله ومخرجها عام كقوله: وإن الفجار لفي جحيم ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فليس بجائز إلا أن تكون عامة في جميع أهل الصنف الذي جاء فيهم الخبر من مستحليهم ومحرميهم، وزعموا جميعاً أنه لا يجوز أن يكون الخبر خاصاً أو مستثنى منه والخبر ظاهر الإخبار والاستثناء والخصوصية ليسا بظاهرين، وليس يجوز عندهم أن يكون الخبر خاصاً وقد جاء مجيئاً عاماً إلا ومع
الخبر ما يخصصه أو تكون خصوصيته في العقل ولا يجوز أن يكون خاصاً ثم يجيء الخصوصية بعد الخبر.
واختلفوا إذا سمع السامع الخبر الذي ظاهره العموم ولم يكن في العقل ما يخصصه ما الذي عليه في ذلك على مقالتين:
فقال قائلون: عليه أن يقف في عمومه حتى يتصفح القرآن
стр. 277
والإجماع والأخبار فإذا لم يجد للخبر تخصيصاً في القرآن ولا في الإجماع ولا في الأخبار ولا في السنن قضى على عمومه، وهذا قول النظام.
وقال قائلون: إذا جاء الخبر ومخرجه العموم فعلى السامع لذلك أن يجعله في جميع من لزمه الاسم الذي سمي به أهل تلك الصفة الذين جاء فيهم الخبر ولا يعرف من يلزمه ذلك الاسم حتى يلقى أهل اللغة فيعفونه من الذي يلزمه ذلك الاسم فإذا علم ذلك من قبل أهل اللغة سمى به أهلها وقضى بعموم الخبر لمن لزمه الاسم، وزعم قائل هذا أنه لو كان في معلوم الله سبحانه أنه يسمع الآية التي ظاهرها العموم من لا يسمع ما يخصصها لم يجز أن ينزلها إلا ومعها تخصيصها فلما كان في معلومه أنه لا يسمع الآية التي ظاهرها العموم والمراد بها الخصوص إلا من يسمع تخصيصها إذا نزلها أوجب على كل من سمع آية ظاهرها العموم ولم يسمع لها تخصيصاً أن يقضي على عمومها، وهذا قول أبي الهذيل والشحام.
واختلفوا بأي شيء يعلم وعيد أهل الكبائر على ثلاثة أقاويل:
فزعم زاعمون أن ذلك يعلم من جهة التنزيل، هذا قول أبي الهذيل
стр. 278
وقال بعضهم: ليس يعلم ذلك من قبل التنزيل ولكن من قبل التأويل، وهذا قول الفوطي.
وقال الأصم أنه ليس من قبل التنزيل علم بذلك ولا من قبل التأويل ولكن من قبل أن أهل الفسق مشتومون عند أهل الصلاة ولا يكون أحد مشتوماً إلا وهو عدو لله ومن كان عدواً لله كان من أهل النار.
وأجمعت المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك.
فهذه أصول المعتزلة الخمسة التي يبنون عليها أمرهم قد أخبرنا عن اختلافهم فيها وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإثبات الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 279
ذكر قول الجهمية
الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز كما يقال: تحركت الشجرة ودار الفلك وزالت الشمس وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً له بذلك كما خلق له طولاً كان به طويلاً ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 280
وقتل جهم بمرو قتله سلم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية ويحكى عنه أنه كان يقول: لا أقول أن الله سبحانه شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول أن علم الله سبحانه محدث فيما يحكى عنه ويقول بخلق القرآن وأنه لا يقال أن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون.
стр. 281
ذكر قول الضرارية
أصحاب ضرار بن عمر
والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله أن أعمال العباد مخلوقة وأن فعلاً
واحداً لفاعلين أحدهما خلقه وهو الله والآخر اكتسبه وهو العبد، وأن الله فاعل لأفعال العباد في الحقيقة وهم فاعلون لها في الحقيقة، وكان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل وأنها بعض المستطيع، وأن الإنسان أعراض مجتمعة وكذلك الجسم أعراض مجتمعة من لون وطعم ورائحة وحرارة وبرودة ومجسة وغير ذلك، وأن الأعراض قد يجوز أن تنقلب أجساماً، وأبى ذلك أكثر الناس، وأن الإنسان قد يفعل الطول والعرض والعمق وإن كان ذلك أبعاضاً للجسم.
وكلن يزعم أن كل ما تولد عن فعله كالألم الحادث عن الضربة وذهاب الحجر الحادث عن الدفعة فعل لله سبحانه وللإنسان.
وكان يزعم أن معنى أن الله قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات البارئ لنفسه.
стр. 282
وحكي عنه أنه كان ينكر حرف ابن مسعود ويشهد أن الله سبحانه لم ينزله وكذلك حرف أبي بن كعب وأنه كان يزعم أنه لا يدري لعل سرائر العامة كلها كفر وتكذيب قال: ولو عرضوا علي إنساناً لوسعني أن أقول لعله يضمر الكفر قال وكذلك إذا سئلت عنهم جميعاً قلت لا أدري لعلهم يسرون الكفر.
وكان يزعم أن الله سبحانه يخلق حاسة سادسة يوم القيامة للمؤمنين يرون بها ماهيته أي ما هو وقد تابعه على ذلك حفص الفرد وغيره.
стр. 283
ذكر قول الحسينية
الحسين بن محمد النجار
زعم الحسين بن محمد النجار وأصحابه وهم الحسينية أن أعمال العباد مخلوقة لله وهم فاعلون لها وأنه لا يكون في ملك الله سبحانه إلا ما يريده وأن الله سبحانه لم يزل مريداً أن يكون في وقته ما علم أنه يكون في وقته مريداً أن لا يكون ما علم
أنه لا يكون.
وأن الاستطاعة لا يجوز أن تتقدم الفعل وأن العون من الله سبحانه يحدث في حال الفعل مع الفعل وهو الاستطاعة، وأن الاستطاعة الواحدة لا يفعل بها فعلان وأن لكل فعل استطاعة تحدث معه إذا حدث، وأن الاستطاعة لا تبقى وأن في وجودها وجود الفعل وفي عدمها عدم الفعل وأن استطاعة الإيمان توفيق وتسديد وفضل ونعمة وإحسان وهدى وأن استطاعة الكفر ضلال وخذلان وبلاء وشر، وأنه جائز كون الطاعة في حال المعصية التي هي تركها بأن لا تكون كانت المعصية التي هي تركها في ذلك الوقت وبأن لا يكون كان الوقت وقتاً للمعصية التي هي تركها.
وأن المؤمن مؤمن مهتد وفقه الله سبحانه وهداه وأن الكافر
стр. 284
مخذول خذله الله سبحانه وأضله وطبع على قلبه ولم يهده ولم ينظر له وخلق كفره ولم يصلحه ولو نظر له وأصلحه لكان صالحاً.
وأنه جائز أن يؤلم الأطفال في الآخرة وجائز أن يتفضل عليهم فلا يؤلمهم.
وأن الله سبحانه لو لطف بجميع الكافرين لآمنوا وهو قادر أن يفعل بهم من الألطاف ما لو فعله بهم لآمنوا، وأن الله سبحانه كلف الكفار ما لا يقدرون عليه لتركهم له لا لعجز حل فيهم ولا لآفة نزلت بهم.
وأن الإنسان لا يفعل في غيره وأنه لا يفعل الأفعال إلا في نفسه كنحو الحركات والسكون والإرادات والعلوم والكفر والإيمان وأن الإنسان لا يفعل ألماً ولا إدراكاً ولا رؤية ولا يفعل شيئاً على طريق التولد - وكان برغوث يميل إلى قوله ويزعم أن الأشياء المتولدة فعل الله بإيجاب الطبع وذلك أن الله سبحانه طبع الحجر طبعاً يذهب إذا دفع وطبع الحيوان طبعاً يألم إذا ضرب وقطع -.
وكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جواداً بنفي البخل عنه وأنه لم يزل متكلماً بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق.
стр. 285
وكان يقول في التوحيد بقول المعتزلة إلا في باب الإرادة والجود وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء.
وكان يزعم أنه جائز أن يحول الله سبحانه العين إلى القلب ويجعل في العين قوة القلب فيرى الله سبحانه الإنسان بعينه أي يعلمه بها، وكان ينكر الرؤية لله بالأبصار على غير هذا الوجه.
وكان يقول أن الميت يموت بأجله وكذلك المقتول يقتل بأجله.
وأن الله سبحانه يرزق الحلال ويرزق الحرام وأن الرزق على ضربين: رزق غذاء ورزق ملك.
следующие страницы →