← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 37614

مقالات الإسلاميين ت ريتر

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (611 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولا يقال أنه بصير بالشيء حتى يلاقيه الشيء ولا سميع له حتى يرد على سمعه وكما يقال عاقل ولا يقال عقل الشيء ما لم يرد عليه. وحكى الجاحظ أن هشام بن الحكم قال أن الله سبحانه إنما علم ما تحت الثرى بالشعاع المنفصل منه الذاهب في عمق الأرض فلولا ملامسته لما هناك بشعاعه لما درى ما هناك، فزعم أن بعضه مشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه. وطائفة يقولون أن معبودهم لا يوصف بأنه لم يزل قادراً ولا إلهاً ولا رباً ولا عالماً ولا سميعاً ولا بصيراً حتى يحدث الأشياء لأن الأشياء التي كانت قبل أن تكون ليست بشيء ولن يجوز أن يوصف بالقدرة على غير شيء. وحكى حاك أن قائلاً قال من المشبهة أن البارئ لم يزل لا حياً ثم صار حياً. وعامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء ويزعمون لأنه تبدو له البدوات.

стр. 492

ويقول بعضهم: قد يأمر ثم يبدو له وقد يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يفعله لما يحدث له من البداء وليس على معنى النسخ ولكن على معنى أنه لم يكن في الوقت الأول عالماً بما يحدث له من البداء. وسمعت شيخاً من مشايخ الرافضة وهو الحسن بن محمد بن جمهور يقول: ما علمه الله سبحانه أن يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز أن يبدو له فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز أن يبدو له فيه. وقالت طائفة أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون إلا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها لأنه لو علم من يعصي ممن يطيع حال بين العاصي وبين المعصية. وقالت طائفة من المعتزلة أن الوصف لله بأنه سميع من صفات الذات غير أنه لا يقال يسمع الشيء في حال كونه، وقد ذهب إلى هذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي وزعم أنه يقال أن الله لم يزل سميعاً ولا يقال لم يزل سامعاً ولا يقال لم يزل يسمع، فيلزمه إذا لم

стр. 493

يقل البارئ لم يزل سامعاً أن يقول: لم يزل لا سامعاً وإذا لم يقل: لم يزل يسمع أن يقول: لم يزل لا يسمع، وإذا لم يقل: لم يزل مبصراً مدركاً أن يقول: لم يزل لا مبصراً ولا مدركاً كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالماً أن يقول: لم يزل لا عالماً. وكذلك يلزم عباداً في إنكاره القول أن الله لم يزل سميعاً بصيراً أن يقول أن الله غير سميع ولا بصير كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالماً قادراً أن يقول: لم يزل غير عالم ولا قادر، ويقال له: أليس لا تقول أن الله لم يزل سميعاً ولا تلزم نفسك أن يكون له سمع محدث؟ فما الذي تنفصل به من مخالفيك إذا أنكروا القول أن القديم لم يزل عالماً ولم يقولوا أنه ذو علم محدث. وقال شيطان الطاق وكثير من الروافض أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما من قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئاً حتى يقدره وينشئه بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة. وحكى أبو القاسم البلخي عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: محال أن يكون الله لم يزل عالماً بنفسه وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم

стр. 494

يكن بها عالماً وأنه يعلمها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه، ولا يجوز أن يقال في العلم أنه محدث أو قديم لأنه صفة والصفة عنده لا توصف قال: ولو كان لم يزل عالماً لكان المعلوم لم يزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود، قال: ولو كان عالماً بما يفعله عباده لم يصح المحنة والاختبار، وليس قول هشام في القدرة والحياة قوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدثهما ولكنه يزعم أنهما صفتان لله لا هما الله ولا هما غيره ولا هما بعضه وإنما نفى أن يكون عالماً لما ذكرناه، وحكى حاك أن قول هشام في القدرة كقوله في العلم. وقال جهم أن علم الله محدث هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالماً بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها. وحكى عنه حاك خلاف هذا فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول أن الله يعلم الشيء في حال حدوثه ومحال أن يكون الشيء معلوماً وهو معدوم لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود وما ليس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل فألزمه مخالفوه أن لله علماً محدثاً إذ زعم أن الله

стр. 495

قد كان غير عالم ثم علم، ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم. واختلفوا في العلم من وجه آخر: فقال كثير منهم أن الله لم يزل عالماً أنه يعذب الكافر إن لم يتب وأنه لا يعذبه إن تاب. وأنكر ذلك هشام الفوطي ومن ذهب مذهبه وعباد ومن قال بقوله، فقال هؤلاء: لا يجوز لما فيه من الشرط والله تعالى لا يوصف بأنه يعلم على شرط والشرط في المعلوم لا في العالم. وكان عباد بن سليمان صاحب الفوطي يقول أن الله لم يزل عالماً قادراً حياً وأنه لم يزل عالماً بمعلومات قادراً على مقدورات عالماً بأشياء وجواهر وأعراض وأفعال، فإذا قيل له: تقول أن الله لم يزل عالماً بالمخلوقات وبالأجسام وبالمؤلفات؟ أنكر ذلك، وكلن يقول أن الأشياء أشياء قبل كونها وأن الجواهر جواهر قبل كونها وأن الأعراض أعراض قبل كونها والمخلوقات كانت بعد أن لم تكن

стр. 496

ولا أن حقيقته أنه لم يكن ثم كان كما يقول سائر الناس وكان يأبى ذلك ويقول أن حقيقة المحدث أنه مفعول. وكان إذا قيل له: تقول أن البارئ عالم بنفسه أو يعلم؟ أنكر القول بنفسه أو بعلم وقال: قولكم عالم صواب وقولكم بنفسه خطأ وقولكم بعلم خطأ وكلك القول بذاته خطأ. وكان ينكر قول من قال أن لله وجهاً وينكر القول وجه الله ونفس الله وينكر القول ذات الله وينكر أن يكون الله ذا عين وأن يكون له يدان هما يداه. وكان يقول أن الله غير لا كالأغيار ولا يقول أنه معنى. وكان إذا قيل له: تقول أن الله عالم قادر حي سميع بصير عزيز عظيم جليل في حقيقة القياس؟ أنكر ذلك ولم يقله. وكان لا يقول أن البارئ قبل الأشياء ولا يقول أنه أول الأشياء ولا يقول أن الأشياء كانت بعده. وكان لا يقول أن الله لطيف، وحكى لي حاك أنه كان يطلق ذلك مقيداً فيقول لطيف بعباده.

стр. 497

وكان إذا قيل له: أتقول أن لله علماً؟ قال: خطأ أن يقال له علم وأنه ذو علم وأنه عالم بعلم، فإذا قيل له: تقول أنه لا علم لله؟ قال: خطأ أن يقال لا علم له، وكذلك في سائر ما سمي به البارئ. وكان يقول أن القديم لم يزل في حقيقة القياس لأن ما لم يزل فقديم والقديم لم يزل، وليس يقال في البارئ عالم قادر في حقيقة القياس لأن هذا يوجب أنه لا عالم قادر إلا هو. وكان لا يقول أن الله لم يزل سميعاً بصيراً ولا يقول لم يزل السميع البصير ويقول أن الله السميع البصير لم يزل ويقول أن الله سميع بصير لم يزل. وكان إذا سئل عن معنى القول أن الله عالم قال: إثبات اسم لله سبحانه ومعه علم بمعلوم والقول قادر إثبات اسم لله سبحانه ومعه على بمقدور والقول سميع إثبات اسم لله ومعه علم بمسموع والقول بصير إثبات اسم لله سبحانه ومعه علم بمبصر، وكان لا يقول أن له سمعاً ولا يقول أنه ذو سمع قديم ولا أنه ذو سمع محدث وكذلك جوابه

стр. 498

إذا سئل عن القول بصير، ومعنى القول حي إثبات اسم لله عنده، ومعنى القول في الله أنه قديم أنه لم يزل. وكان يقول: معنى حي معنى قادر ولا معنى عالم معنى قادر ولا يقول معنى سميع بصير معنى عالم بالمسموعات والمبصرات كما يقول ذلك البغداذيون. وكان يقول أن صفات البارئ هي الأقوال كنحو القول يعلم ويقدر ويسمع ويبصر وأن الأسماء هي الأقوال كنحو القول عالم قادر حي سميع بصير، وكان يقول: أسماء الله سبحانه ما أجمعت الأمة على تخطئة نافيه وكل اسم أجمعوا على تخطئة نافيه فهو من أسمائه كالقول عالم أجمعت الأمة على تخطئة من قال أن الله سبحانه ليس بعالم وكالقول قادر أجمعت الأمر على تخطئة من قال ليس بقادر وكذلك سائر أسمائه، وما لم يجمعوا على تخطئة نافيه فليس من أسمائه. وكان عباد لا يقول أن الله سبحانه متكلم ويقول هو مكلم. وكان لا يقول أن البارئ لم يزل قادراً على أن يخلق ولا يقول لم يزل قادراً على الأجسام والمخلوقات ولا يقول أن البارئ لم يزل

стр. 499

جواداً محسناً عادلاً ولا منعماً متفضلاً خالقاً مكلماً صادقاً مختاراً مريداً راضياً ساخطاً موالياً معادياً ويقول: هذه أسماء يسمى بها البارئ سبحانه لفعله، وزعم أن الأسماء على وجوه منها ما يسمى به البارئ لا لفعله ولا لفعل غيره كالقول عالم قادر حي سميع بصير قديم إله ومنها ما يسمى به لفعله كالقول خالق رازق بارئ متفضل محسن منعم ومنها ما يسمى به لفعل غيره كالقول معلوم ومدعو، وكان إذا قيل له: فتقول أن الله سبحانه لم يزل غير خالق وغير رازق وغير منعم وغير متفضل؟ أنكر ذلك ولم يقل لم يزل خالقاً ولم يقل لم يزل غير خالق، وقد حكي عنه أنه قال: لم يزل رحماناً. وكان لا يستدل بالشاهد على الغائب ولا يستدل بالأفعال على أن البارئ عالم حي قادر، وكان ينكر دلالة مجيء الشجرة وكلام الذئب وسائر الأعراض على نبوة رسول الله ﷺ ويقول: لا أقول ذلك يدل ولا أقول لا يدل، وكان لا يستدل على البارئ بالأعراض. وكان لا يقول أن الله فرد وينكر القول بذلك وكان يقول

стр. 500

ما حكينا عنه من أنه لا يستدل بالأعراض، وإذا قيل له: من كم وجه يعرف الحق؟ قال: من كتاب الله وإجماع المسلمين وحجج العقول، وهذا نقض قوله: لا أقول أن الأعراض تدل على الحق. وكان الناشي لا يستدل بالأفعال المشتقة في الحكمة من البارئ على أن فاعلها عالم قادر لأنها قد تظهر من الإنسان وليس بعالم في الحقيقة ولا قادر، وكان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم عزيز عظيم جليل كبير في الحقيقة والإنسان يسمى بهذه الأسماء على المجاز، وكان يقول أن الاسم إذا وقع على المسميين لم يخل من أربعة أقسام: إما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ذاتيهما كقولنا جوهر وجوهر وإما أن يكون وقع عليهما لاشتباه ما احتملته الذاتان كقولنا متحرك ومتحرك وأسود وأسود أو يكون وقع عليهما لمضاف أضيفا إليه وميزا منه لولاه ما كانا كذلك كقولنا محسوس ومحسوس ومحدث ومحدث أو يكون وقع عليهما وهو في أحدهما بالمجاز وفي الآخر بالحقيقة كقولنا للصندل المجتلب من معدنه صندل وهو واقع عليه في الحقيقة وقولنا للإنسان صندل وهو تسمية له على

стр. 501

المجاز، قال: فإذا قلنا أن البارئ عالم والإنسان عالم والإنسان قادر والبارئ قادر وكذلك حي وحي فليس هذا واقعاً عليهما لاشتباه ذاتيهما ولا لاشتباه ما احتملته الذاتان ولا لمضاف أضيفا إليه وميزا منه وإنما يقع ذلك عليهما وهو في البارئ سبحانه بالحقيقة وفي الإنسان بالمجاز، وكان يقول أن البارئ سبحانه غير المحدثات في الحقيقة وهي غيره في الحقيقة وهذا نقض دليله هذا، وكان لا يقول أن الإنسان فاعل في الحقيقة ولا محدث في الحقيقة ولا يقول أن البارئ سبحانه أحدث كسبه وفعله. وأما أبو الحسن محمد بن مسلم المعروف بالصالحي فإنه كان يقول أن البارئ سبحانه لم يزل عالماً بمعلومات وأجسام مؤلفات ومخلوقات في أوقاتها ولم يزل يعلم موجوداً في وقت كذا ولم يزل عالماً بأن إذا كان وقت كذا فالمخلوق مخلوق فيه، ولا يثبت المعلومات قبل كونها معلومات ولا مقدورات ولا أشياء قبل كونها. وكان ينفي العلم والقدرة وسائر الصفات ويقول: معنى أن البارئ شيء لا كالأشياء أنه قادر لا كالقادرين ومعنى أنه حي لا كالأحياء هو معنى أنه عالم لا كالعلماء، وكذلك كان يقول في سائر الأسماء والصفات للذات وإنما هذا بمنزلة قول القائل أقبل وهلم وتعال والمعنى واحد.

стр. 502

وبلغني أن ابن النجراني كان يقول: لا معلوم إلا موجود فقيل له: فكيف تقول في المقدور؟ فقال: لا أقول أن مقدوراً في الحقيقة لأنه كان يحيل القدرة على الموجود، وكان الصالحي يقول: القدرة على الشيء في وقته وقبل وقته ومعه، وكان يثبته مقدوراً موجوداً في حال كونه. وكان ابن الراوندي يقول أن المعلومات معلومات قبل كونها وأنه لا شيء إلا موجود وأن المأمور به والمنهي عنه وكذلك كل ما تعلق بغيره يوصف به الشيء قبل كونه وكل ما كان رجوعاً إلى نفس الشيء لم يسم ولم يوصف به قبل كونه. وكان الصالحي يخطئ من قال: إذا ثبت الله عالماً نفيت جهلاً وإذا ثبته قادراً نفيت عجزاً. وكان يجيز أن يقدر الله الميت فيفعل وهو ميت غير حي وإذا جاز أن يقدر منا من ليس بحي ويظهر الفعل منا ممن ليس بحي فقد بطلت دلالة أفعال البارئ على أنه حي وبطل أن يدل أنه حي على أنه قادر إذا جاز أن يقدر عنده من ليس بحي.

стр. 503

وبلغني أن سائلاً سأله مرة فقال: من أين علمت أن البارئ حي؟ فلم يأت بجواب مقنع، وأن سائلاً سأله فقال: إذا كان معنى أسماء الله لذاته أنه شيء لا كالأشياء فهل يجوز أن يسمي نفسه جاهلاً بدلاً من تسميته عالماً واللغة بحالها إذا كان لا يرجع بقوله لا كالعلماء إلا إلى معنى أنه شيء لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك، فقال له: وكذلك يسمي نفسه عاجزاً ومواتاً ويسمي نفسه إنساناً ويسمي نفسه حماراً ويسمي نفسه فرساً ومعنى ذلك أنه لا كالأشياء؟ فأجاز ذلك نعوذ بالله من الخذلان المتهور ومن الحور بعد الكور ومن الكفر بعد الإيمان. وبلغني أن أبا الحسين سأله سائل فقال له: إذا قلت أن البارئ متكلم بكلام في غيره فقل: يسكت بسكوت في غيره! فقال: كذلك أقول فوصف الله سبحانه بالسكوت. وأما البغداذيون فيقولون أن البارئ لم يزل عالماً كبيراً قادراً حياً سميعاً بصيراً إلهاً قديماً عزيزاً عظيماً غنياً جليلاً واحداً أحداً فرداً سيداً مالكاً رباً قاهراً رفيعاً عالياً كائناً موجوداً أولاً باقياً رائياً مدركاً سامعاً مبصراً بنفسه لا بعلم وحياة وقدرة وسمع وبصر وإلهية وقدم وعزة وعظم ولا بجلال وكبرياء وعنى ولا سودد وقهر وربوبية

стр. 504

وبقاء وكذلك سائر صفات الذات، وهم ينفون صفات الذات أجمع، ويقولون البارئ شيء لا كالأشياء، وأنه لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها أجسامها وأعراضها، وأن الجسم جسم قبل كونه مؤلف قبل كونه. وغلا بعضهم حتى قال: مؤمن في الصفة قبل كونه كافر في الصفة وأنه ملعون في الصفة ومثاب في الصفة ومعاقب في الصفة قبل كونه وأنه يصرخ ويستغيث من العذاب في الصفات وأن في الصفات مثل هذا العالم عوالم لا يحصيها إلا الله تتحرك وتسكن. وبلغني أن بعضهم أجاب إلى أن المخلوق مخلوق قبل كونه، وهذا من غريب التجاهل. وقال بعض الحوادث منهم أن المعلوم معلوم قبل كونه وكذلك المقدور وكل ما كان متعلقاً بغيره كالمأمور به والمنهي عنه، وأنه لا شيء إلا موجود ولا جسم إلا موجود. ومن البغداذيين من يقول أن المعلومات معلومات قبل كونها والأشياء أشياء قبل كونها ويمنع أجساماً وجواهر وأعراضاً. وبعض البصريين وهو الشحام وطوائف من البغداذيين

стр. 505

يقولون: ما استحال أن يوصف الشيء به في حال وجوده فمستحيل أن يوصف به قبل كونه كالقول متحرك ومؤمن وكافر فأما جسم مؤلف فقد يوصف به في حال كونه، فألزم هؤلاء أن يقولوا موجود قبل كونه فأبوا ذلك. وأنكروا أن يكون البارئ سبحانه لم يزل مريداً متكلماً راضياً ساخطاً موالياً معادياً جواداً حكيماً عادلاً محسناً صادقاً خالقاً رازقاً وزعموا أن هذا أجمع من صفات الأفعال وزعموا أن الصفات على وجوه فمنها ما يوصف به البارئ لنفسه كالقول عالم قادر حي سميع بصير وشيء يوصف به لفعله كالقول خالق رازق محسن منعم متفضل عادل جواد حكيم متكلم صادق آمر ناه مادح ذام محي مميت ممرض مصح وما أشبه ذلك وشيء يوصف به البارئ لذاته وقد يوصف به لفعله كالقول حكيم بمعنى عليم من صفات النفس والقول حكيم على طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل وكالقول صمد بمعنى سيد يوصف به لذاته وقد يوصف به بمعنى أنه مصمود إليه في النوائب فيوصف به من طريق الاشتقاق من الفعل، ومعنى أن الله عالم عندهم

стр. 506

أنه متبين للأشياء وأنه لا يخفى عليه شيء، ومعنى أنه قادر أنه يمكنه الفعل ويجوز منه. وزعم أكثرهم أن معنى القول أنه حي أنه قادر ومعنى أنه سميع أنه لا يخفى عليه الأصوات والكلام ومعنى أنه بصير أنه لا يخفى عليه المبصرات ومعنى أن الله راء عندهم أنه عالم. وكان الإسكافي يقول أن الله لم يزل سامعاً مبصراً ببصر وسمع وأنه لم يزل مدركاً. واختلف البغداذيون في القول أن الله كريم هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل: فقال عيسى الصوفي: الوصف لله بأنه كريم من صفات الفعل والكرم هو الجود، وكان إذا قيل له: فتقول أن القديم لم يزل غير كريم؟ قال: هذا لا يلزمني كما لا يلزمني إذا كان الإحسان والعدل من صفات الفعل أن أقول: لم يزل البارئ غير صادق ولا عادل ولا محسن لأن ذلك يوهم الذم فكذلك وإن كان الكرم فعلاً فإني لا أقول أن الله لم يزل غير كريم. وكان الإسكافي يقول: كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة

стр. 507

فعل إذا كان الكرم بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء بنفسه، وحجته في ذلك أنه يقال: أرض كريمة يراد بذلك أي هي أرفع الأرضين ويقال: فرس رافع كريم. وكان الجبائي يقول: كريم بمعنى عزيز من صفات الله لذاته وكريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل، وكان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل فقل أن الله سبحانه لم يزل غير محسن! قال: أقول غير محسن ولا مسيء حتى يزول الإيهام ولم يزل غير عادل ولا جائر ولم يزل غير صادق ولا كاذب وكذلك لم يزل غير حليم ولا سفيه وكذلك يقول: لم يزل لا خالق ولا رازق. والمعتزلة كلها إلا عباداً يقولون أن الوصف لله بأنه رحمان وأنه رحيم من صفات الفعل، وكان عباد يقول: لم يزل الله رحماناً. وكان حسين النجار يزعم أن الله لم يزل جواداً بنفي البخل عنه لا على أنه أثبت جواداً. وكافة المعتزلة يقولون أن الوصف لله بأنه حليم جواد كريم

стр. 508

محسن صادق خالق رازق من صفات الفعل، والبغداذيون يقولون أن الوصف لله بأنه حليم معناه أنه ناه عن السفه كاره له. وكثير من البغداذيين يعبرون في الصفات وفي معنى القول أن الله عالم قادر بعبارة، وكذلك قول النظام. وفي البغداذيين من يقول: لله علم بمعنى أنه عالم وله قدرة بمعنى أنه قادر ولا يقولن له حياة بمعنى أنه حي وله سمع بمعنى أنه سميع لأن الله سبحانه أطلق العلم والقوة ولم يطلق الحياة والسمع. ومنهم من يقول: لله علم بمعنى معلوم كما قال: ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومه وله قدرة بمعنى مقدور كما يقول المسلمون إذا رأوا المطر: هذه قدرة الله بمعنى مقدوره. والمعتزلة تفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات لا يجوز أن يوصف البارئ بأضدادها ولا بالقدرة على أضدادها كالقول عالم لا يوصف بالجهل ولا بالقدرة على أن يجهل وصفات الأفعال يجوز أن يوصف البارئ سبحانه بأضدادها وبالقدرة على أضدادها كالإرادة يوصف البارئ بضدها من الكراهة وبالقدرة على

стр. 509

أن يكره وكذلك الحب يوصف البارئ بضده من البغض وكذلك الرضى والسخط والأمر والنهي والصدق قد يوصف البارئ بالقدرة على ضده من الكذب وإن لم يوصف بالكذب وقد يوصف بالمتضاد من كلامه كالأمر والنهي، وكل اسم اشتق للبارئ من فعله كالقول متفضل منعم محسن خالق رازق عادل جراد وما أشبه ذلك فهو من صفات الفعل وكذلك كل اسم اشتق للبارئ من فعل غيره كالقول معبود من العبادة وكالقول مدعو من دعاء غيره إياه فليس من صفات الذات، وكل ما جاز أن يرغب إلى البارئ فيه ليس من صفات الذات. وقالت المعتزلة بأسرها أن الوصف لله سبحانه بأنه مريد من صفات الفعل إلا بشر بن المعتمر فإنه زعم أن الله لم يزل مريداً لطاعته دون معصيته. وزعم جماعة من البغداذيين من المعتزلة أن الوصف لله بأنه مريد قد يكون بمعنى أنه كون الشيء والإرادة لتكوين الشيء هي الشيء، وقد يكون الوصف لله بأنه مريد للشيء بمعنى أنه أمر بالشيء كنحو الوصف له بأنه مريد بمعنى أنه حاكم بالشيء مخبر عنه وكنحو

стр. 510

إرادته الساعة أن تقوم القيامة في وقتها ومعنى ذلك أنه حاكم بذلك مخبر عنه، وهذا قول إبراهيم النظام. وقال أبو الهذيل: إرادة الله سبحانه لكون الشيء هي غير الشيء المكون وهي توجد لا في مكان وإرادته للإيمان غيره وغير الأمر به وهي مخلوقة ولم يجعل الإرادة أمراً ولا حكماً ولا خبراً، وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي إلا أن أبا الهذيل كان يزعم أن الإرادة لتكوين الشيء والقول له كن خلق للشيء وكان الجبائي يقول أن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له ولا جائز أن يقول الله سبحانه للشيء كن، وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق، وكان أبو الهذيل لا يثبت الخلق مخلوقاً. وكان بشر بن المعتمر يقول: خلق الشيء غيره ويجعل الإرادة خلقاً له وينكر قول أبي الهذيل أن الخلق إرادة وقول وكان ينكر القول.

стр. 511

وكان أبو الهذيل يقول أن الخلق الذي هو إرادة وقول لا يقال أنه مخلوق إلا على المجاز وخلق الله سبحانه للشيء مؤلفاً الذي هو تأليف وخلقه للشيء ملوناً الذي هو لون وخلقه للشيء طويلاً الذي هو طول مخلوق في الحقيقة. وكان أبو موسى الدردار يقول: خلق الشيء غيره وهو مخلوق لا بخلق. وحكى زرقان أن بشر بن المعتمر قال: خلق الشيء غيره وهو قبله، وأن معمراً قال: خلق الشيء غيره وهو قبله وللخلق خلق إلى ما لا نهاية له وهي كلها معاً، وأن هشام بن الحكم قال: خلق الشيء صفة له لا هو هو ولا غيره. وقال الفوطي: ابتداء ما يجوز أن يعاد غيره وابتداء ما لا يجوز أن يعاد هو هو. وقال عباد: خلق الشيء غير الشيء وهما معاً وخطأ من قال: الخلق غير المخلوق ومن قال: خلق الشيء غيره لأن القول مخلوق خبر

стр. 512

عن شيء وخلق وإذا قلت خلق الشيء غيره أوهم هذا الكلام أنه غير نفسه. ولم يقل أحد أن الخلق إرادة وقول غير أبي الهذيل. وقال عبد الله بن كلاب: لا يخلق الله شيئاً حتى يقول له كن وليس القول خلقاً. وزعمت المعتزلة كلها غير أبي موسى الدردار أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه مريداً للمعاصي على وجه من الوجوه أن يكون موجوداً ولا يجوز أن يأمر بما لا يريد أن يكون وأن ينهى عما يريد كونه وأن الله سبحانه قد أراد ما لم يكن وكان ما لم يرد وأنه قادر على المنع مما لا يريد وأن يلجئ إلى ما أراد. وقال أبو موسى فيما حكى عنه أبو الهذيل أن الله سبحانه أراد المعاصي بمعنى أنه خلى بين العباد وبينها. وقالت المعتزلة كلها غير بشر وعباد أن الله سبحانه لم يزل غير مريد لما علم أنه يكون ثم أراده. وقال عباد: لا يجوز أن يقال لم يزل مريداً ولا يجوز أن يقال لم يزل غير مريد، والوصف له بأنه مريد من صفات الفعل عنده.

стр. 513

وقال بشر بن المعتمر ومن ذهب مذهبه: إرادة الله غير الله والإرادة على ضربين: إرادة وصف بها وهي فعل من فعله وإرادة وصف بها في ذاته وأن إرادته الموصوف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي خلقه وجوز وقوعها على سائر الأشياء. وقالت الفضلية وهم أصحاب فضل الرقاشي أن أفعال العباد لا يقال أن الله سبحانه أرادها إذا لم تكن ولا يقال لم يردها فإن كانت جاز القول بأنه أرادها، فما كان من فعلهم طاعة قيل أراده الله سبحانه في وقته وإن كان معصية قيل لم يرده، وأجاز القول أن الله يريد أمراً فلا يكون وجوز أن يكون ما لا يريد وأنكر أن يكون الله سبحانه يريد أن يطيعه الخلق قبل أن يطيعوه أو يريد أن لا يعصوه قبل أن يعصوه، وكل ما كان من فعل الله فإنه قد يكون إذا أراده وإن لم يرده لم يكن وجوز أن يفعل الله الأمور وإن لم يردها، وقد حكي نحو هذا عن غيلان. واختلفت المعتزلة فقال جعفر بن حرب: قد يجوز القول بأن الله سبحانه أراد الكفر مخالفاً للإيمان وأراد أن يكون قبيحاً غير

стр. 514

حسن ويكون المعنى أنه حكم بذلك كما قلت أنه جعل الكفر مخالفاً للإيمان وجعله قبيحاً. وأبى ذلك سائر المعتزلة وقالوا: لم نقل أن الله جعل الكفر مخالفاً للإيمان قياساً وإنما قلناه اتباعاً فليس يلزمنا أن نقيس عليه، وقول القائل: أراد أن يكون الكفر قبيحاً مخالفاً للإيمان ليس يقع إلا على الكفر لأنه ليس هناك مخالفة ولا قبح وهذا إذا كان هكذا فقد أوجب القائل أن الله سبحانه أراد الكفر بوجه من الوجوه. وكل المعتزلة إلا الفضلية أصحاب فضل الرقاشي يقولون أن الله سبحانه يريد أمراً ولا يكون وأنه يكون ما لا يريد. وقال معمر: إرادة الله سبحانه غير مراده وهي غير الخلق وغير الأمر والإخبار عنه والحكم به. وقال حسين النجار أن الله لم يزل مريداً أن يكون ما علم أنه يكون وأن لا يكون ما علم أنه لا يكون بنفسه لا بإرادة بل بمعنى أنه لم يزل غير آب ولا مكره. وقال سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاب أن الله سبحانه لم يزل مريداً بإرادة يستحيل أن يقال هي الله أو يقال هي غيره.

стр. 515

وقال ضرار بن عمرو: إرادة الله سبحانه على ضربين: إرادة هي المراد وإرادة هي الأمر بالفعل، وزعم أن إرادته لفعل الخلق هي فعل الخلق وإرادته لفعل العباد هي خلق فعل العباد وخلق فعل العباد هو فعل العباد وذلك أنه كان يزعم أن خلق الشيء هو الشيء. وقال بشر المريسي وحفص الفرد ومن قال بقولهما: إرادة الله على ضربين: إرادة هي صفة له في ذاته وإرادة هي صفة له في فعله وهي غيره فالإرادة التي زعموا أنها صفة لله سبحانه في فعله وأنها غيره هي أمره بالطاعة والإرادة التي ثبتوها صفة لله في ذاته واقعة على كل شيء سوى الله من فعله وفعل خلقه. وقال هشام بن الحكم وهشام الجواليقي وغيرهما من الروافض: إرادة الله سبحانه حركة وهي معنى لا هي الله ولا غيره وأنها صفة لله، وذلك أنهم زعموا أن الله إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ووصف أكثر الروافض ربهم بالبداء وأنه يريد الشيء ثم يبدو له فيريد خلافه وذلك أنه يتحرك حركة لخلق شيء ثم يتحرك

стр. 516

خلاف تلك الحركة فيكون ضد ذلك الشيء ولا يكون الذي أراده قبل. وقال أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم: إرادة الله غيره وهي حركة يتحرك بها تعالى الله عما قالوه. وأما القول في البارئ أنه متكلم: فقد اختلفت المعتزلة في ذلك فقال عباد بن سليمان: لا أقول أن البارئ متكلم وأقول أنه مكلم، وهذا خلاف إجماع المسلمين، وزعم أن متكلم متفعل فيلزمه أن لا يقول أن البارئ متفضل لأن متفضل متفعل ولا يقول قيوم لأن قيوم فيعول. وقال أكثر المعتزلة إلا من قال منها بالطباع أن كلام الله سبحانه فعله وأن لله كلاماً فعله وأنه محال أن يكون الله سبحانه لم يزل متكلماً. وقال بعض مشايخ المعتزلة أن الله سبحانه لم يخلق الكلام إلا على معنى أنه خلق ما أوجبه وأن الله لا يكلم أحداً في الحقيقة ولا يفعل الكلام على التصحيح وأن كلام الله فعل الجسم بطباعه، وحقيقة

стр. 517

قول هؤلاء أنه لا كلام لله في الحقيقة وأن الله ليس بمتكلم في الحقيقة ولا مكلم، وهذا قول معمر وأصحاب الطبائع. وقالت شرذمة أن الله لم يزل متكلماً بمعنى أنه لم يزل مقتدراً على الكلام وأن كلام الله محدث، وافترقوا فرقتين: فقال بعضهم: مخلوق، وقال بعضهم: غير مخلوق. وقال ابن كلاب أن الله لم يزل متكلماً والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة، وسنذكر اختلاف الناس في القرآن بعد هذا الموضع من كتابنا. واختلف المتكلمون في معنى القول أن الله قديم: فقال بعضهم: معنى أن الله قديم أنه لم يزل كائناً لا إلى أول وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية، وهذا قول الجبائي. وقال عباد: معنى قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل أنه قديم. وقال بعضهم: معنى قديم بمعنى إله. وقال من ثبت القديم قديماً بقدم: معنى أن الله قديم إثبات قدم لله كان به قديماً، وكذلك معنى عالم عندهم إثبات علم وكذلك القول في سائر الصفات.

стр. 518

وقد حكي عن بعض المتفلسفة أنه كان لا يقول أن البارئ قديم. وحكي عن معمر أنه كان لا يقول أن البارئ قديم إلا إذا أوجد المحدثات. واختلف المتكلمون هل يسمى البارئ شيئاً أم لا: فقال جهم بن صفوان أن البارئ لا يقال أنه شيء لأن الشيء عنده هو المخلوق الذي له مثل، وقال أكثر أهل الصلاة أن البارئ شيء. واختلف القائلون أنه شيء في معنى القول أنه شيء: فقالت المشبهة: معنى أن الله شيء معنى أنه جسم. وقال قائلون: معنى أن الله شيء معنى أنه موجود، وهذا مذهب من قال: لا شيء إلا موجود. وقال قائلون: معنى أن الله شيء هو إثباته، وقد ذهب إلى هذا قوم زعموا أن الأشياء أشياء قبل وجودها وأنها مثبتة أشياء قبل وجودها، وهذا القول مناقضه لأنه لا فرق بين أن تكون ثابتة وبين أن تكون موجودة، وهذا قول أبي الحسين الخياط.

стр. 519

وقال عباد بن سليمان: معنى القول أن الله شيء أنه غير فلا شيء إلا غير ولا غير إلا شيء. وقال الصالحي: معنى أن الله شيء لا كالأشياء معنى أنه قديم وهو معنى أنه عالم لا كالعلماء قادر لا كالقادرين، وما قال بهذا غيره أحد علمناه. وقال الجبائي: القول شيء سمة لكل معلوم ولكل ما أمكن ذكره والإخبار عنه فلما كان الله معلوماً يمكن ذكره والإخبار عنه وجب أنه شيء. وكان الجبائي يقول أن البارئ لم يزل غير الأشياء التي يعلم أنها تكون والتي يعلم أنها لا تكون وأنها تعلم أغياراً له قبل كونها وأن الغيرين لأنفسهما كانا غيرين، ومعنى أنه غير الأشياء أنه يفرق بينه وبين غيره من سائر المعلومات وأنه بمنزلة أنه ليس بعضاً لشيء منها وليس شيء منها بعضاً له، وكذلك كان يقول أن البارئ لم يزل غير الأشياء. وزعم عباد بن سليمان أن الله يقال أنه قبل ولا يقال قبل الأشياء

стр. 520

فكان لا يقال أول الأشياء ولا يقال أن الأشياء كانت بعده، ولا يقول أن البارئ فرد. وأما الصالحي فإنه كان يقول أن البارئ لم يزل قبل الأشياء بضم اللام من قبل ولا يقول لم يزل قبل الأشياء بنصب اللام من قبل لأن ذلك لو قيل بنصب اللام لكان قبل ظرفاً. ومن أهل الكلام من لا يقول أن البارئ غير الأشياء قبل وجودها لأن هذا يوجب أنها غيره قبل كونها وذلك يستحيل عنده، وزعم هذا القائل أن الغير لا يكون غيراً إلا إذا وجد غيره. وكان الجبائي لا يجيز قول القائل لم يزل البارئ ولا يزال دون أن يصل ذلك بقول آخر فيقول: لم يزل البارئ عالماً فإذا وصله بقول يكون خبراً له جاز. وأما القول في البارئ أنه موجود: فزعم الجبائي أن القول في البارئ أنه موجود قد يكون بمعنى معلوم وأن البارئ لم يزل واجداً للأشياء بمعنى أنه لم يزل عالماً وأن المعلومات لم تزل موجودات لله معلومات له بمعنى أنه لم يزل يعلمها، وقد يكون موجوداً بمعنى لم يزل معلوماً وبمعنى لم يزل كائناً.

стр. 521

وزعم هشام بن الحكم أن معنى موجود في البارئ أنه جسم لأنه موجود شيء. وأنكر عباد القول في البارئ أنه كائن. وقال قائلون: معنى أن البارئ موجود معنى أنه شيء. وقال قائلون: معنى أنه موجود معنى أنه محدود، وهذا قول المشبهة. وقال قائلون: معنى أنه موجود بنفسه معنى أنه قائم بنفسه. وقال قائلون: معنى أنه موجود العين لم يزل أنه لم يزل ثابت العين وإنما يرجع بهذا القول إلى إثباته. وقال عباد: معنى القول أن البارئ موجود إثبات اسم لله، وكان عباد ينكر أن يقال أن البارئ قائم بنفسه وأنه عين وأنه نفس وأن له وجهاً وأن وجهه هو هو وأن له يدين وعينين وجنباً، ولا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل إلا أن يقرأ القرآن فإما أن يطلق ذلك إطلاقاً فلا، ويتأول ما ذكره الله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك أي تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، وكان لا يقول أن الله كفيل. وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله ويقول

стр. 522

أن نفس الله سبحانه هي الله وأن الله غير لا كالأغيار وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه ويتأولون قول الله : لأخذناه منه باليمين أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله. وقال عباد بن كلاب أن وجه الله لا هو الله ولا هو غيره وهو صفة له وكذلك يداه وعيناه. وكان الجبائي يقول أن الله لم يزل عالماً قادراً على الأشياء قبل كونها بنفسه، وأن الأشياء خطأ أن يقال أشياء قبل كونها لأن كونها هو هي وكان ينكر أن يقال أشياء قبل أنفسها، ولكنها تعلم أشياء قبل كونها وتسمى أشياء قبل كونها وكذلك الجواهر عنده تسمى جواهر قبل كونها والألوان تسمى ألواناً قبل كونها، وكان يمنع أن تسمى الهيئات هيئات قبل كونها ويمنع أن تسمى الأجسام أجساماً قبل كونها وأن تسمى الأفعال أفعالاً قبل كونها. وكان يزعم أن القول شيء سمة لكل معلوم فلما كانت الأشياء

стр. 523

معلومات قبل كونها سميت أشياء قبل كونها، وما سمي به الشيء لنفسه فواجب أن يسمى به قبل كونه كالقول جوهر وكذلك سواد وبياض وما أشبه ذلك، وما سمي به لوجود علة لا فيه فقد يجوز أن يسمى به مع عدمه وقبل كونه إذا وجدت العلة التي كان لها مسمى بالاسم كالقول مدعو ومخبر عنه إذا وجد ذكره والإخبار عنه وكالقول فان يسمى به الشيء مع عدمه إذا وجد فناؤه، قال: وما سمي به الشيء لوجود علة فيه فلا يجوز أن يسمى به قبل كونه مع عدمه كالقول متحرك وأسود وما أشبه ذلك، وما سمي به الشيء لأنه فعل وحديث نفسه كالقول مفعول ومحدث لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم قبل كونه، وما سمي به الشيء وسميت به أشياء للتفريق بين أجناسها وغيرها من الأجناس سماها بذلك الاسم قبل كونها، وما سمي به الشيء كان إخباراً عن إثباته أو دلالة على ذلك القول كائن ثابت وما أشبه ذلك يجوز أن يسمى به قبل كونه، وكان لا يسمى العلم علماً قبل كونه لأنه اعتقاد الشيء على ما هو به بضرورة أو بدليل ولا يسمى الأمر أمراً قبل كونه لأنه إنما يكون أمراً بقصد القاصد إلى ذلك وذلك أنه قد يكون الشيء مخرجه مخرج الأمر وهو تهدد ليس بأمر وكان يقول أن الموجودات التي وجدت هي التي لم تكون قبل كونها

стр. 524

موجودة وكان لا يمنع من القول لم يزل البارئ عالماً بالأجسام والمخلوقات لا على أنه يسميها أجساماً قبل كونها ومخلوقات قبل كونها ولكن على معنى أنه لم يزل عالماً بأن ستكون أجساماً مخلوقات. وكان لا يثبت للبارئ علماً في الحقيقة به كان عالماً ولا قدرة في الحقيقة بها كان قادراً وكذلك جوابه في سائر ما يوصف به القديم لنفسه وكان يفرق بين صفات النفس وصفات الفعل بما حكيناه عن المعتزلة قبل هذا الوضع. وكان يزعم أن معنى الوصف لله بأنه عالم إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يعلم وإكذاب من زعم أنه جاهل ودلالة على أن له معلومات وأن معنى القول أن الله قادر إثباته والدلالة على أنه بخلاق ما لا يجوز أن يقدر وإكذاب من زعم أنه عاجز والدلالة على أن له مقدورات ومعنى القول أنه حي إثباته واحداً وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يكون حياً وإكذاب من زعم أنه ميت، والقول سميع إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع وإكذاب من زعم أنه أصم والدلالة على أن المسموعات إذا كانت سمعها، ومعنى القول بصير إثباته وأنه بخلاف

стр. 525

ما لا يجوز أن يبصر وإكذاب من زعم أنه أعمى والدليل على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، وقد شرحنا قوله في أنه شيء موجود قديم غير الأشياء قبل هذا الموضع. وكان يزعم أن العقل إذا دل على أن البارئ عالم فواجب أن نسميه عالماً وإن لم يسم نفسه بذلك إذا دل العقل على المعنى وكذلك في سائر الأسماء، وأن أسماء البارئ لا يجوز أن تكون على التقليب له. وخالفه البغداذيون فزعموا أنه لا يجوز أن نسمي الله باسم قد دل العقل على صحة معناه إلا أن يسمي نفسه بذلك، وزعموا أن معنى عالم معنى عارف ولكن نسميه عالماً لأنه سمى نفسه به ولا نسميه عارفاً، وكذلك القول فهم وعاقل معناه عالم ولا نسميه به وكذلك معنى يغضب معنى يغتاظ ولا يقال يغتاظ وكذلك قديم وعتيق معناهما واحد. وزعم الصالحي أنه جائز أن يسمي الله سبحانه نفسه جاهلاً ميتاً ويسمي نفسه إنساناً وحماراً واللغة على ما هي عليه اليوم ويجوز أن يسمى البارئ على طريق التقليب بهذه الأسماء، وأبى الناس جميعاً هذا.

стр. 526

واختلفوا هل كان يجوز أن يقلب الله تعالى اللغة فيسمي نفسه جاهلاً بدلاً من تسميته عالماً: فجوز ذلك قوم، وقال عباد: لا يجوز أن يقلب الله اللغة ولا يجوز أن يسمي نفسه بغير هذه الأسماء. وكان الجبائي يزعم أن معنى القول أن الله عالم معنى القول أنه عارف وأنه يدري الأشياء وكان يسميه عالماً عارفاً دارياً وكان لا يسميه فهماً ولا فقيهاً ولا موقناً ولا مستبصراً ولا مستبيناً لأن الفهم والفقه هو استدراك العلم بالشيء بعد أن لم يكن الإنسان به عالماً وكذلك قول القائل أحسست بالشيء وفطنت له وشعرت به معناه هذا، واليقين هو العلم بالشيء بعد الشك، ومعنى العقل إنما هو المنع عنده وهو مأخوذ من عقال البعير وإنما سمي علمه عقلاً من هذا، قال: فلما لم يجز أن يكون البارئ ممنوعاً لم يجز أن يكون عاقلاً وليس معنى عالم عنده معنى عاقل، والاستبصار والتحقق هو العلم بعد الشك، وكان يزعم أن البارئ يجد الأشياء بمعنى يعلمها. وكان يزعم أن البارئ لم يزل عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً ولا

стр. 527

يقول لم يزل سامعاً مبصراً ولا يقول لم يزل يسمع ويبصر ويدرك لأن ذلك يعدى إلى مسموع ومبصر ومدرك، وكان يقول أن الوصف لله بأنه سامع مبصر من صفات الذات وإن كان لا يقال لم يزل سامعاً مبصراً كما أن وصفنا له بأنه عالم بأن زيداً مخلوق من صفات الذات وإن كان لا يقال لم يزل عالماً بأنه يخلق، قال: وقد نقول سميع بمعنى يسمع الدعاء ومعناه يجيب الدعاء وهو من صفات الفعل، وكان يقول أن البارئ لم يزل رائياً بمعنى لم يزل عالماً ويقول يرى نفسه بمعنى يعلمها، وكان يزعم أن البارئ لم يزل عالماً ولا يقول لم يزل رائياً بمعنى لم يزل مدركاً والرائي عنده قد يكون بمعنى عالم وبمعنى مدرك، وكذلك القول بصير قد يكون عنده بمعنى عالم كالقول: فلان بصير بصناعته أي عالم بها فيقول البارئ لم يزل بصيراً بمعنى لم يزل عالماً ويقول لم يزل بصيراً بمعنى يرى نفسه وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر ونكذب من زعم أنه أعمى وندل بهذا القول على أن المبصرات إذا كانت أبصرها، فيلزمه أن يقول أن البارئ لم يزل مدركاً على هذا المعنى، وكان يقول أن البارئ لم يزل قوياً قاهراً عالماً مستولياً مالكاً وكذلك القول بأنه متعال على معنى أنه منزه كقوله:

стр. 528

تعالى الله عما يشركون وأنه لم يزل مالكاً سيداً رباً بمعنى أنه لم يزل قادراً، ولا يقول أن البارئ رفيع شريف في الحقيقة لأن هذا مأخوذ من شرف المكان وارتفاعه، فيلزمه أن لا يقول أنه عال في الحقيقة لأن هذا مأخوذ من علو المكان، وكان يزعم أن معنى عظيم وكبير وجليل أنه السيد ومعنى هذا أنه مالك مقتدر، وكان يقول أن البارئ جبار بمعنى أنه لا يلحقه قهر ولا يناله ذل ولا يغلبه شيء فهذا عنده قريب من معنى عزيز والوصف له بذلك من صفات النفس، ويقول في كريم ما قد شرحناه قبل هذا الموضع، ويقول مجيد بمعنى عزيز ويقول لم يزل البارئ غنياً بنفسه، فأما القول كريم فقد يكون عنده من صفات النفس إذا كان بمعنى عزيز ويكون عنده من صفات الأفعال إذا كان بمعنى جواد، والقول حكيم بمعنى عليم من صفات النفس عنده، والقول حكيم من طريق الاشتقاق من فعله الحكمة من صفات الفعل، والقول صمد بمعنى سيد من صفات الذات والقول صمد بمعنى أنه مصمود إليه لا من صفات الذات عنده وقد يكون عنده بمعنى أنه عين لا ينقسم ولا يتجزأ، ويكون معنى واحد أنه لا شبه له ولا مثل - وكذلك يقول النجار في معنى واحد -

стр. 529

ويكون بمعنى أنه لا شريك له في قدمه وإلهيته، والقول إله عنده معناه أنه لا تحق العبادة إلا له وهو من صفات الذات عنده، ومعنى القول الله أنه الإله فحذفت الهمزة الثانية فلزم إدغام إحدى اللامين في الأخرى ووجب أن يقال أنه الله. وكان لا يقول أن البارئ معنى لأن المعنى هو معنى الكلام، وكان يقول أن البارئ لم يزل باقياً في الحقيقة بنفسه لا ببقاء ومعنى أنه باق أنه كائن لا بحدوث، وأنه لا يوصف البارئ بأنه لم يزل دائماً لا يفنى بل يوصف بأنه لا يزال دائماً لأن هذا مما يوصف به في المستقبل ويوصف بأنه لم يزل دائماً لا إلى أول له كما يقال لم يزل دائم الوجود أي لا أول لوجوده، ومعنى قائم وقيوم أي دائم وهو من صفات الذات وكان ينكر قول من قال أن معنى القديم أنه حي قادر وأن معنى سميع أنه يعلم الأصوات والكلام ومعنى بصير أنه يعلم المبصرات، وكان يقول: لم يزل القديم أولاً ولا يزال آخراً. وكان يزعم أن الوصف هو الصفة وأن التسمية هي الاسم وهو قولنا: الله عالم قادر، فإذا قيل له: تقول أن العلم صفة والقدرة صفة؟ قال: لم نثبت علماً فنقول صفة أم لا ولا ثبتنا علماً في الحقيقة فنقول قديم أو محدث أو هو الله أو غيره، فإذا قيل له: القديم

стр. 530

صفة؟ قال خطأ لأن القديم هو الموصوف ولكن الصفة قولنا الله وقولنا القديم. وكان يقول أن الوصف لله بأنه مريد محب ودود راض ساخط غضبان موال معاد حليم رحمان رحيم راحم خالق رازق بارئ مصور محي مميت من صفات الفعل وأن كل ما يحب إلى القديم فيه أو وصف بضده أو بالقدرة على ضده فهو من صفات الفعل، وكان يزعم أن الوصف لله بأنه متكلم أنه فعل الكلام، وكان يزعم أن معنى الإرادة منه كمعنى الإرادة منا وهي محبته للشيء وكذلك الكراهة هي البغض للشيء، وأن الرضى منه هو الرضى عنا ولعملنا ورضاه عنا لهذا العمل معنى واحد وهو أن نكون قد فعلنا ما لم يرد منا أكثر منه وهو كما قال مراده منا، وكان يقول أن غضبه هو سخطه، وكان يفرق بين الإرادة والشهوة ولا يجوز الشهوة على البارئ، وكان يزعم أن حلم الله سبحانه هو إمهاله لعباده وفعل النعم التي يضاد كونها كون الانتقام وهي صرف الانتقام عنهم وأنه لو يفعل ذلك لم يوصف بالحلم، وكان لا يصف البارئ بالصبر
следующие страницы →