Полный текст (611 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فجعل توبتهم مقرونة بدعوة الداعي لهم إلى قتال القوم وهم أهل اليمامة وأبو بكر دعاهم أو فارس فعمر دعاهم، وفي ثثبيت إمامة عمر ثثبيت إمامة أبي بكر.
وقال قائلون: كان أبو بكر إماماً بعقد المسلمين له الإمامة وإجماعهم على إمامته وكان عمر إماماً بنص أبي بكر على إمامته وكان عثمان إماماً باتفاق أهل الشورى عليه وكان علي إماماً بعقد أهل العقد له بالمدينة.
وقال قائلون: كان أبو بكر إماماً ثم عمر ثم عثمان وأن علياً لم يكن إماماً لأنه لم يجتمع عليه وأن معاوية كان إماماً بعد علي لأن المسلمين اجتمعوا على إمامته في ذلك الوقت، وهذا قول الأصم.
وقال قائلون بإمامة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وأنكروا إمامة معاوية وقالوا: لم يكن إماماً بحال.
واختلفوا في قتال علي وطلحة وفي قتال علي ومعاوية:
فقالت الروافض والزيدية وبعض المعتزلة إبراهيم النظام وبشر بن المعتمر وبعض المرجئة أن علياً كان مصيباً في حروبه وأن من قاتله كان على الخطأ فخطئوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية.
стр. 457
وقال ضرار وأبو الهذيل ومعمر: نعلم أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ فنحن نتولى كل واحد من الفريقين على الانفراد وأنزلوا الفريقين منزلة المتلاعنين الذين
يعلمون أن أحدهما مخطئ ولا يعلمون المخطئ منهما، هذا قولهم في علي وطلحة والزبير وعائشة فأما معاوية فهم له مخطئون غير قائلين بإمامته.
وقال قائلون: سبيل علي وطلحة والزبير وعائشة في حربهم سبيل الاجتهاد وأنهم جميعاً كانوا مصيبين وكذلك قول هؤلاء في قتال معاوية وعلي، وهذا قول حسين الكرابيسي.
وقال بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد أن علياً وطلحة والزبير مشركون منافقون وهم في الجنة لقول النبي ﷺ أن الله سبحانه اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وقالت الخوارج بتصويب علي في قتال طلحة والزبير ومعاوية.
وقال الأصم في قتال علي وطلحة والزبير: إن كان قاتلهما ليتكاف الناس حتى يصطلحوا على إمام فقتاله لهما على هذا الوجه صواب وكذلك قال في قتالهما إياه وقال: إن كان معاوية قاتل علياً ليحوز الأمر إلى نفسه فهو ظالم وإن كان قاتل ليتكاف الناس حتى يصطلحوا
стр. 458
على إمام فقتاله على هذا الوجه صواب وإن كان قتاله لئلا يسلم ما في يديه إليه لم يتفق على إمامته فقتاله على هذا الوجه صواب.
وقال قائلون: نزعم أن علياً وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم وأن المصيبين هم القعود ونتولاهم جميعاً ونبرأ من حربهم ونرد أمرهم إلى الله.
وقال عباد: لم يكن بين طلحة والزبير وعلي قتال.
واختلفوا في التفضيل:
فقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.
وقال قائلون: نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت بعد ذلك.
وقال قائلون: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ علي ثم بعده أبو بكر.
وأجمع من ثبت فضل أبي بكر وعمر أن أبا بكر أفضل من عمر، وأجمع من ثبت فضل عمر وعثمان أن عمر أفضل من عثمان.
وقال قائلون: لا ندري أبو بكر أفضل أم علي فإن كان أبو بكر
стр. 459
أفضل فيجوز أن يكون عمر أفضل من علي ويجوز أن يكون علي أفضل من عمر وإن كان علي أفضل من عمر فهو أفضل من عثمان لأن عمر أفضل من عثمان وإن كان عمر أفضل من علي فيجوز أن يكون علي أفضل من عثمان ويجوز أن يكون عثمان أفضل من علي، وهذا قول الجبائي.
واختلفوا في الإمامة هل هي بنص أم قد تكون بغير نص:
فقال قائلون: لا تكون إلا بنص من الله سبحانه وتوقيف وكذلك كل إمام ينص على إمام بعده فهو بنص من الله سبحانه على ذلك وتوقيف عليه.
وقال قائلون: قد تكون بغير نص ولا توقيف بل بعقد أهل العقد.
واختلفوا هل يكون بعد علي إمام:
فقال أكثر الناس: قد يكون بعد علي إمام، وقال عباد بن سليمان: لا يجوز أن يكون بعد علي إمام واعتل بأنهم أجمعوا في عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنه جائز أن يكون إمام واختلفوا بعد علي هل يجوز أن يكون إمام أم لا فلو جاز أن يكون بعد علي إمام لم يختلفوا في أن يكون بعده إمام أو لا يكون كما لم يختلفوا في ذلك في عصره لأن الأمة لا تجتمع على شيء تختلف في مثله.
стр. 460
واختلفوا في كم تنعقد الإمامة من رجل:
فقال قائلون: تنعقد برجل واحد من أهل العلم والمعرفة والستر.
وقال قائلون: لا تنعقد الإمامة بأقل من رجلين، وقال قائلون: لا تنعقد بأقل من أربعة يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بخمسة رجال يعقدونها، وقال قائلون: لا تنعقد إلا بجماعة لا يجوز عليهم أن يتواطؤا على الكذب ولا تلحقهم الظنة، وقال الأصم: لا تنعقد إلا بإجماع المسلمين.
واختلفوا في وجوب الإمامة:
فقال الناس كلهم إلا الأصم: لا بد من إمام.
وقال الأصم: لو تكاف الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام.
واختلفوا هل يكون الإمام أكثر من واحد:
فقال قائلون: لا يكون في وقت واحد أكثر من إمام واحد.
وقال قائلون: يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد أحدهما صامت والآخر ناطق فإذا مات الناطق خلفه الصامت، وهذا قول
стр. 461
الرافضة، وجوز بعضهم ثلاثة أيمة في وقت واحد أحدهم صامت، وأنكر أكثرهم ذلك.
واختلفوا هل يجوز أن يخلو الناس من إمام:
فقالت الروافض: لا تخلو الأرض من إمام، وقال غيرهم: قد يجوز أن تخلو الأرض من إمام حتى يعقد لواحد.
واختلفوا في إمامة المفضول على مقالتين:
فقالت الزيدية وكثير من المعتزلة: جائز أن يكون في رعية الإمام من هو أفضل منه وجوزوا أن يكون الإمام مفضولاً كما يكون الأمير مفضولاً في رعيته من هو خير منه.
وقال قائلون: لا يكون الإمام إلا أفضل الناس.
واختلفوا هل يجوز أن يكون الأيمة في غير قريش على مقالتين:
فقال قائلون من المعتزلة والخوارج: جائز أن يكون الأيمة في غير قريش، وقال
قائلون من المعتزلة وغيرهم: لا يجوز أن يكون الأيمة إلا من قريش.
стр. 462
واختلف الذين قالوا لا يكون الأيمة إلا من قريش في أي قريش تكون على مقاليتن:
فقالت الروافض: لا يكون الأيمة من قريش إلا في بني هاشم خاصة، وقال قائلون: قد يكون الأيمة من غيرها من قريش.
واختلف الذين قالوا لا يكون الأيمة إلا من بني هاشم في أي بني هاشم على مقالتين:
فقال قائلون: في العباس بن عبد المطلب وفي ولده لا تكون في غيرهم، وهم الراوندية، وقال قائلون: هي في علي وولده لا تكون في غيرهم.
واختلفوا إذا اجتمع قرشي وأعجمي وتساويا في الفضل أيهما أولى على مقالتين:
فقال ضرار بن عمرو: يولى الأعجمي لأنه أقلهما عشيرة، وقال سائر الناس: يولى القرشي فهو أولى بها.
واختلفوا في الإمام إذا مات ببلده فبايع من بحضرته رجلاً وبايع غيرهم آخر في وقته أو قبله:
стр. 463
فقال قائلون: الإمام هو الذي عقد له في بلد الإمام دون غيره، وقال قائلون: هو الذي عقد له أولاً ببلد الإمام كان أم بغيره.
واختلفوا إذا بايع قوم إماماً وبايع آخرون إماماً آخر في وقت واحد:
فقال قائلون: يقرع بينهما فأيهما خرجت قرعته كان إماماً دون الآخر، وقال آخرون: يقال لهما أن يعتزلا ثم يعقد لأحدهما أو لغيرهما، وقال آخرون: أيهما امتنع من أن يعتزل لم يكن إماماً فإذا قيل له اعتزل فلم يعتزل لم يكن إماماً وكان الإمام الذي يقال له اعتزل ولم يأب ذلك.
واختلفوا في الإمامة هل تتوارث:
فقال قائلون: هي وراثة، وقال آخرون: ليست بوراثة.
واختلفوا هل للإمام أن يوصي إلى غيره في جهة وجوب الإمامة:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا هل الدار دار إيمان أم لا:
فقال أكثر المعتزلة والمرجئة: الدار دار إيمان.
وقالت الخوارج من الأزارقة والصفرية: هي دار كفر وشرك.
وقالت الزيدية: هي دار كفر نعمة.
стр. 464
وقال جعفر بن مبشر ومن وافقه: هي دار فسق.
وقال الجبائي: كل دار لا يمكن فيها أحداً أن يقيم بها أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر أو بإظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار كفر وكل دار أمكن القيام بها والاجتياز بها من غير إظهار ضرب من الكفر أو إظهار الرضى بشيء من الكفر وترك الإنكار له فهي دار إيمان، وبغداذ على قياس الجبائي دار كفر لا يمكن المقام بها عنده إلا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر أو الرضى كنحو القول أن القرآن غير مخلوق وأن الله سبحانه لم يزل متكلماً به وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها لأن هذا كله عنده كفر، وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله وفي سائر أمصار المسلمين، وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر ومعاذ الله من ذلك.
وقال بعضهم: الدار دار هدنة ولم يقولوا أنها دار إيمان ولا قالوا أنها دار كفر، وهذا قول بعض الروافض.
واختلفوا في أحكام الجائر على مقالتين:
فقال قائلون: هي جائزة لازمة إذا كانت على الحق وإن كان جائراً.
وقال قائلون: لا تلزم أحكامه ولا يلتفت إليها.
стр. 465
واختلفوا في الإمام إذا أخطأ في الحكم على مقالتين:
فقال قائلون: يمضي حكمه، وقال قائلون: لا بل يرجع عنه ويرد إلى الصواب.
واختلفوا في قتال البغاة على ثلاثة أقاويل:
فقال قائلون: لا يتبع من يولى منهم ولا يغنم أموالهم ولا يجاز على جرحاهم، وقال قائلون: بل يتبع من ولي منهم ويجاز على جرحاهم ويغنم أموالهم، وقال قائلون: يغنم ما حوى عسكرهم وما لم يكن في عسكرهم من أموالهم لم يغنم.
واختلفوا في دفن البغاة وتكفينهم والصلاة عليهم وسبي ذراريهم:
فقال قائلون: يدفن قتلاهم ويكفنون ويصلى عليهم ولا تسبى ذراريهم، وقال قائلون: لا يدفنون ولا يصلى عليهم ولا يكفنون وتسبى ذراريهم، وهذا قول الخوارج وغيرهم.
واختلفوا في قتل البغاة غيلة:
فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من لم يجز الغيلة، وكان في المعتزلة رجل يقال له عباد بن سليمان يرى قتل الغيلة في مخالفيه إذا لم يخف شيئاً، وقد ذهب إلى هذا قوم من الخوارج وقوم من غلاة الروافض
стр. 466
حتى استحلوا خنق المخالفين لهم وأخذ أموالهم وإقامة شهادة الزور عليهم واستباحوا الزنا بنساء مخالفيهم.
واختلفوا في المقدار الذي يجوز إذا بلغوا إليه أن يخرجوا على السلطان ويقاتلوا المسلمين:
فقالت المعتزلة: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا عقدنا للإمام ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد وفي قولنا في القدر وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه.
وقال قائلون من الزيدية: أقل المقدار الذي يجوز لهم الخروج أن يكونوا كعدة أهل
بدر فيعقدون الإمامة للإمام ثم يخرجون معه على السلطان.
وقال قائلون: أي عدد اجتمع عقدوا للإمام ونهضوا إذا كان من أهل الخير ذلك واجب عليهم.
وقال قائلون: إذا كان مقدار أهل الحق كمقدار أهل البغي لزمهم قتالهم لقول الله تعالى: الآن خفف الله عنكم.
стр. 467
واختلفوا هل يكون الظهور إلا مع إمام وهل يكون قطع السارق وأخذ القود وإنفاذ الأحكام إلا بإمام:
فقال عباد بن سليمان: لا يجوز أن يكون بعد علي إمام وأن المسلمين إذا أمكنهم الخروج خرجوا فأنفذوا الأحكام وقطعوا السراق وأقادوا وفعلوا ما كان يلزم الأيمة فعله.
وقال الأصم وابن علية: إذا كانوا جماعة لا يجوز على مثلهم أن يتواطئوا ولم تلحقهم ظنة ولا تهمة لكثرتهم جاز لهم أن يقيموا الأحكام.
وقال قائلون وهم أكثر المعتزلة: لا يكون الخروج إلا مع إمام عادل ولا يتولى إنفاذ الأحكام وقطع السارق والقود إلا الإمام العادل أو من يأمر الإمام العادل لا يجوز غير ذلك.
وقالت الروافض: لا يجوز شيء من ذلك إلا للإمام أو من يأمره.
واختلفوا في المكاسب هل هي جائزة أم لا:
فقال قائلون بتحريم المكاسب والتجارات وقالوا: لا يجوز بيع ولا شرىً حتى يظهر الإمام على الدار ويقسمها لأن الأشياء التي فيها لا ملك للناس عليها لفسادها ولكون الغصب والظلم فيها، وهم يرون أن يسألوا الناس ما يكفيهم لقوتهم وما فضل عن ذلك لم يروا أخذه
стр. 468
وليس يسألون الناس على أن الناس يملكون شيئاً عندهم ولكنهم إذا نظروا إلى أنفسهم تتلف سألوا الناس شيئاً وأقاموا ما يأخذونه
مقام الميتة للمضطر، وهذا قول طوائف من المعتزلة وهو مذهب قوم تكاسلوا عن التجارات، وقد جرى مجراهم قوم من أهل لتوكل وتركوا الأعمال وتكاسلوا عنها وقالوا: إذا توكلنا حقيقة التوكل جاءتنا أرزاقنا واستغنينا عن الاضطراب.
فقال أكثر الناس أن المكاسب من وجهها جائزة والبيع والشرى جائز إلا فيما عرفناه حراماً بعينه فأما ما لم نعرفه حراماً ورأيناه في أيدي قوم جائز لنا أن نشتري منهم وجائز لنا البيع والتجارة والأشياء على ظاهرها والدار دار إيمان لا يحرم فيها شيء إلا ما عرفناه حراماً.
واختلف الناس في مبايعة القاطع الباغي:
فقال قوم: يجوز أن نبايعه ونشتري منه إلا ما كان من آلات الحرب، وقال قوم: لا يجوز لنا مبايعته ولا الشرى إلا أن يرجع عن الفتة حتى نلجئه بذلك إلى ترك البغي.
واختلفوا فيمن اشترى جارية بمال حرام بعينه:
فقال قائلون: إذا اشترى بذلك المال الحرام بعينه كان البيع منتقضاً لا يجوز ولكن إذا اشترى لا بذلك المال بعينه كان البيع منعقداً وكان
стр. 469
المال في ذمة المشتري، وقال قائلون: جائز البيع والشرى وإن كان اشترى بعين ذلك المال.
واختلفوا فيمن حج أو قضى فرضاً من مال حرام:
فقال قائلون: لا يكون مؤدياً للحج ولا للفرض إذا كان المال الذي حج به حراماً، وقال قائلون: حجه ماض وكذلك الفرض الذي قضاه والمال في ذمته.
واختلفوا إذا ذبح بسكين مغتصبة:
فقال قائلون: لا تكون الذبحية ذكية، وقال قائلون: هي ذكية.
واختلفوا في الطلاق لغير العدة:
فقال أكثر الناس: عصى ربه وبانت منه امرأته وكذلك إذا طلقها ثلاثاً فقد لحقها
الطلاق ثلاثاً.
وقال قائلون: لا يقع الطلاق لغير العدة وليس طلاق الثلاث شيئاً ولا يقع الطلاق حتى يطلقها واحدة للعدة وهي طاهر من غير جماع ويشهد على ذلك شاهدين ولا يكون غضباناً ويكون قاصداً إلى الطلاق راضياً به، وقال قائلون: إذا طلقها ثلاثاً كانت واحدة.
стр. 470
واختلفوا في المسح على الخفين:
فقال أكثر أهل الإسلام بالمسح على الخفين، وأنكر المسيح على الخفين الروافض والخوارج.
واختلفوا في الفرائض هل فرضت لعلل أو لا لعلل:
فقال قائلون: فرض الله الفرائض وشرع الشرائع لا لعلة وإنما يكون الشيء محرماً بتحريم الله إياه محللاً بتحليله له مطلقاً بإطلاقه له لا لعلة غير ذلك وأنكر هؤلاء القياس في الأحكام.
وقال قائلون: إن الله سبحانه حرم أشياء عبادات وحرم أشياء لعلل يجب عليها وأنه لا قياس يقاس إلا على أصل معلول فيه علة يجب أن تطرد في الفرع.
وقال قائلون: الأشياء حرمها الله سبحانه وأحلها لعلة المصحة لا غير ذلك وإنما يقع القياس إذا اشتبه شيئان في معنى قيس أحدهما على الآخر لاشتباههما في ذلك المعنى.
واختلفوا في التقية:
فزعمت الروافض أنه جائز أن يظهر الإمام الكفر والرضى به والفسق على طريق التقية وجوزوا ذلك على الرسول ﵇،
стр. 471
وقال قائلون: لا يجوز ذلك على الرسول ﵇ ولا يجوز أيضاً على الإمام.
واختلفوا في إمامة يزيد:
فقال قائلون: كان إماماً بإجماع المسلمين على إمامته وبيعتهم له غير أن الحسين أنكر عليه أشياء مثلها ينكر، وقال قائلون بإمامته وتخطئة الحسين في إنكاره عليه، وقال قائلون: لم يكن إماماً على وجه من الوجوه.
واختلفوا في ول النبي ﷺ عشرة في الجنة:
فقال قائلون بإنكار هذا الخبر وإبطاله وهم الروافض.
وقال قائلون: هو فيهم على شريطة إن لم يتغيروا عما كانوا عليه حتى يموتوا وإن ماتوا على الإيمان.
وقال قائلون وهم أهل السنة والجماعة: هو في العشرة وهم في الجنة لا محالة.
واختلف الناس في المعارف والعلوم هل هي العالم منا أو غيره:
فقال قائلون: معارفنا وعلومنا غيرنا، وقال قائلون بنفي العلوم
стр. 472
والمعارف وقالوا: ليس إلا العالم العارف، وقال قائلون: صفات العالم منا لا هو ولا غيره.
واختلفوا في الصراط:
فقال قائلون: هو الطريق إلى الجنة وإلى النار ووصفوه فقالوا: هو أدق من الشعر وأحد من السيف ينجي الله عليه من يشاء.
وقال قائلون: هو الطريق وليس كما وصفوه بأنه أحد من السيف وأدق من الشعر ولو كان كذلك لاستحال المشي عليه.
واختلفوا في الميزان:
فقال أهل الحق: له لسان وكفتان توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات فمن رجحت حسناته دخل الجنة ومن رجحت سيئاته دخل النار ومن تساوت حسناته وسيئاته تفضل الله عليه فأدخله الجنة.
وقال أهل البدع بإبطال الميزان وقالوا: موازين وليس بمعنى كفات وألسن ولكنها المجازاة يجازيهم الله بأعمالهم وزناً بوزن، وأنكروا الميزان وقالوا: يستحيل وزن
الأعراض لأن الأعراض لا ثقل لها ولا خفة.
стр. 473
وقال قائلون بإثبات الميزان وأحالوا أن توزن الأعراض في كفتين ولكن إذا كانت حسنات الإنسان أعظم من سيئاته رجحت إحدى الكفتين على الأخرى فكان رجحانها دليلاً على أن الرجل من أهل الجنة وكذلك إذا رجحت الكفة الأخرى السوداء كان رجحانها دليلاً على أن الرجل من أهل النار.
وحقيقة قول المعتزلة في الموازنة أن الحسنات تكون محبطة للسيئات وتكون أعظم منها وأن السيئات تكون محبطة للحسنات وتكون أعظم منها.
القول في الحوض:
قال أهل السنة والاستقامة أن للنبي ﷺ حوضاً يسقي منه المؤمنين ولا يسقي منه الكافرين، وأنكر قوم الحوض ودفعوه.
واختلفوا في منكر ونكير هل يأتيان الإنسان في قبره:
فأنكر ذلك كثير من أهل الأهواء، وثبته أهل الاستقامة.
стр. 474
واختلفوا في شفاعة رسول الله ﷺ هل هي لأهل الكبائر:
فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله، وقال بعضهم: الشفاعة من النبي ﷺ للمؤمنين أن يزادوا في منازلهم من باب التفضيل، وقال أهل السنة والاستقامة بشفاعة رسول الله ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
واختلفوا في تخليد الفساق في النار:
فقالت المعتزلة الخوارج بتخليدهم وأن من دخل النار لا يخرج منها، وقال أهل السنة والاستقامة أن الله يخرج أهل القبلة الموحدين من النار ولا يخلدهم فيها.
القول في دوام نعيم أهل الجنة ودوام عذاب أهل النار:
أجمع أهل الإسلام جميعاً إلا الجهم أن نعيم أهل الجنة دائم لا انقطاع له وكذلك عذاب الكفار في النار.
وقال جهم بن صفوان أن الجنة والنار تفنين وتبيدان ويفنى من فيهما حتى لا يبقى إلا الله وحده كما كان وحده لا شيء معه.
стр. 475
وقال أبو الهذيل بانقطاع حركات أهل الجنة والنار وأنهم يسكنون سكوناً دائماً.
وقال قوم أن أهل الجنة ينعمون فيها وأن أهل النار ينعمون فيها بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل ودود العسل يتلذذ بالعسل، وهم البطيخية.
واختلفوا في الجنة والنار أخلقتا أم لا:
فقال أهل السنة والاستقامة: هما مخلوقتان، وقال كثير من أهل البدع: لم تخلقا.
واختلفوا هل تفنيان إذا أفنى الله الأشياء:
فثبت ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا في الإرجاء هل يجوز أن يتعبد الله سبحانه به:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
واختلفوا في الصغائر هل كان يجوز أن يأتي فيها وعيد فأجاز ذلك أبو الهذيل وغيره، وقال قائلون: لم يكن يجوز أن يأتي فيها وعيد لأنها مغفورة باجتناب الكبائر باستحقاق.
واختلفوا هل كان يجوز أن يعفو عن الكبائر لولا الأخبار:
فأجاز ذلك قوم وأنكره آخرون.
стр. 476
واختلفوا في غفران الصغائر بأي شيء هو:
فقال قائلون: يغفرها الله سبحانه تفضلاً بغير توبة، وقال قائلون: يغفرها لمجتنبي الكبائر باستحقاق، وقال قوم: لا يغفرها إلا بالتوبة، وقد ذكرنا اختلافهم قبل هذا في ماهية الصغائر.
واختلفوا فيما يقع من الإنسان على طريق السهو والخطأ هل يكون معصية:
فقال قائلون: قد يكون ذلك معصية، وقال قائلون: لا يكون ذلك معصية إلا أن يقع
بقصده.
واختلفوا في وجوب التوبة:
فقال قائلون: التوبة من المعاصي فريضة، وأنكر ذلك آخرون.
واختلف الناس في إكفار المتأولين وتفسيقهم:
فحكى زرقان أن المرجئة كلها لا تفسق أهل التأويل لأنهم تأولوا فأخطئوا، وهذا غلط منه في الحكاية لأن الأكثر من المرجئة يقولون: كل معصية فسق ويفسقون الخوارج بسفكهم الدماء وسبيهم النساء وأخذ الأموال وإن كانوا متأولين، فكيف يحكى عنهم أنهم
стр. 477
لا يفسقون أحداً من المتأولين وزعم أكثر المرجئة أنهم لا يكفرون أحداً من المتأولين ولا يكفرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره.
وزعم الجهم أنه لا كفر إلا الجهل ولا كافر إلا جاهل بالله سبحانه وأن قول القائل ثلاث ثلاثة ليس بكفر ولا يظهر إلا من كافر لأنا وقفنا على أن من قال ذلك فكافر.
وقال أكثر المرجئة: كل مرتكب معصية بتأويل أو بغير تأويل فهو فاسق.
وزعم أبو شمر أن المعرفة بالله وبما جاء من عنده والإقرار بذلك ومعرفة التوحيد والعدل - يعني قوله في القدر لأنه كان قدرياً - ما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالعقول مما فيه إثبات عدل الله سبحانه ونفي التشبيه عنه كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر.
وقال أبو الهذيل: من شبه الله سبحانه بخلقه أو جوره في حكمه أو كذبه في خبره فهو كافر.
стр. 478
واختلف الناس هل يعد خلاف أهل الأهواء إذا خالفوا في الأحكام خلافاً:
فقال قائلون أنهم يكونون خلافاً، وقال قائلون: لا يكونون خلافاً.
واختلفوا في الأمة تختلف في الشيء في وقت وتجتمع عليه بعد الاختلاف:
فقال قائلون: جائز أن نأخذ بالأمر الأول إذا كان مردوداً إلى أصل وجائز أن نأخذ بالإجماع، وقال قائلون: نأخذ بما أجمعوا عليه.
واختلفوا في الأمة هل يجوز أن تجتمع على أمر تختلف في مثله أم لا:
فقال أكثر الناس: ذلك جائز، وقال عباد: لا يجوز أن تجمع الأمة على أمر تختلف في مثله كما لا يجوز أن تجتمع على شيء تختلف فيه.
واختلف الناس في الناسخ والمنسوخ هل يجوز أن يكون في الأخبار ناسخ ومنسوخ أم لا يجوز ذلك:
فقال قائلون: الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.
стр. 479
وغلت الروافض في ذلك حتى زعمت أن الله سبحانه يخبر بالشيء ثم يبدو له فيه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
واختلفوا في القرآن هل ينسخ بالسنة أم لا على ثلاث مقالات:
فقال قائلون: لا ينسخ القرآن إلا قرآن وأبوا أن تنسخه السنة.
وقال قائلون: السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخها، وقال قائلون: القرآن ينسخ السنة والسنة تنسخ القرآن.
واختلفوا هل يكون قول الله : افعلوا! أمراً بنفس ظاهره أم لا:
فثبت ذلك مثبتون، وقال قائلون: لا حتى يدل على أنه فرض ذلك الشيء.
القول فيمن له أن يجتهد:
قال أهل الاجتهاد: لا يجوز الاجتهاد إلا لمن علم ما أنزل الله في كتابه من الأحكام وعلم السنن وما أجمع عليه المسلمون حتى يعرف الأشياء والنظائر ويرد الفروع إلى الأصول وقالوا في المستفتي أن له أن يفتي فيقلد بعض المفتين.
стр. 480
وقال بعض أهل القياس: ليس للمستفتي أن يقلد وعليه أن ينظر ويسأل عن الدليل والعلة حتى يستدل بالدليل ويضح له الحق.
القول فيما يعلم بالاجتهاد هل يكون ديناً:
قال قائلون: هو دين، وقال قائلون: ليس بدين.
واختلف الناس في البلوغ:
فقال قائلون: لا يكون البلوغ إلا بكمال العقل، ووصفوا العقل فقالوا: منه علم الاضطرار الذي يفرق الإنسان به بين نفسه وبين الحمار وبين السماء وبين الأرض وما أشبه ذلك ومنه القوة على اكتساب العلم، وزعموا أن العقل الحس نسميه عقلاً بمعنى أنه معقول، وهذا قول أبي الهذيل.
وقال قائلون: البلوغ هو تكامل العقل والعقل عندهم هو العلم وإنما سمي عقلاً لأن الإنسان يمنع نفسه به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه وأن ذلك مأخوذ من عقال البعير وإنما سمي عقاله عقالاً لأنه يمنع به، وزعم صاحب هذا القول أن هذه العلوم كثيرة منها اضطرار وأنه قد يمكن أن يدركه الإنسان قبل تكامل العقل فيه بامتحان الأشياء واختبارها والنظر فيها وفي بعض ما هو داخل في جملة العقل
стр. 481
كنحو تفكر الإنسان إذا شاهد الفيل أنه لا يدخل في خرق إبرة بحضرته فنظر في ذلك وفكر فيه حتى علم أنه يستحيل دخوله في خرق إبرة وإن لم يكن بحضرته، فإذا تكاملت هذه العلوم في الإنسان كان بالغاً، ومن لم يمتحن الأشياء فجائز أن يكمل الله سبحانه له العقل ويخلقه فيه ضرورة فيكون بالغاً كامل العقل مأموراً مكلفاً.
ومنع صاحب هذا القول أن تكون القوة على اكتساب العلم عقلاً غير أنه وإن لم تكن عنده عقلاً فليس بجائز أن يكلف الإنسان حتى يتكامل عقله ويكون مع تكامل عقله قوياً على اكتساب العلم بالله وزعم صاحب هذا القول أنه لا يجب على الإنسان التكليف ولا يكون كامل العقل ولا يكون بالغاً إلا وهو مضطر إلى العلم بحسن النظر وأن التكليف لا يلزمه حتى يخطر بباله أنك لا تأمن إن لم تنظر أن
يكون للأشياء صانع يعاقبك بترك النظر أو ما يقوم مقام هذا الخاطر من قول ملك أو رسول أو ما أشبه ذلك فحينئذ يلزمه التكليف ويجب عليه النظر، والقائل بهذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي.
وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغاً كاملاً داخلاً في حد التكليف إلا مع الخاطر والتنبيه وأنه لا بد في العلوم التي في الإنسان
стр. 482
والقوة التي فيه على اكتساب العلوم من خاطر وتنبيه وإن لم يكن مضطراً إلى العلم بحسن النظر، وهذا قول بعض البغداذيين.
وقال قائلون: لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأن يضطر إلى علوم الدين فمن اضطر إلى العلم بالله وبرسله وكتبه فالتكليف له لازم والأمر عليه واجب، ومن لم يضطر إلى ذلك فليس عليه تكليف وهو بمنزلة الأطفال، وهذا قول ثمامة بن أشرس النميري.
وأكثر المتكلمين متفقون على أن البلوغ كمال العقل.
وقال كثير من المتفقهة: لا يكون الإنسان بالغاً إلا بأحد شيئين إما أن يبلغ الحلم مع سلامة العقل أو تأتي عليه خمس عشرة سنة، وذهب ذاهبون إلى سبع عشرة سنة.
وقد شذ عن جملة الناس شاذون فقالوا: لا يكون الإنسان بالغاً ولو أتت عليه ثلاثون سنة وأكثر منها مع سلامة العقل حتى يحتلم.
стр. 483
وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات
الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له وأنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة له ولا سمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يوصف بها لنفسه، وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون
أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارئ علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن البارئ سبحانه عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة
стр. 484
ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن البارئ عالم قادر سميع بصير حكيم جليل في حقيقة القياس.
وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً تشتتت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم:
فقال شيخهم أبو الهذيل العلاف أن علم البارئ سبحانه هو هو وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته وكذلك كان قوله في سائر صفات ذاته، وكان يزعم أنه إذا زعم أن البارئ عالم فقد ثبت علماً هو الله ونفى عن الله جهلاً ودل على معلوم كان أو يكون، وإذا قال أن البارئ قادر فقد ثبت قدرة هي الله ونفى عن الله عجزاً ودل على مقدور يكون أو لا يكون، وكذلك كان قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب، وكان إذا قيل له: حدثنا عن علم الله سبحانه الذي هو الله أتزعم أنه قدرته؟ أبى ذلك، فإذا قيل له: فهو غير قدرته؟ أنكر ذلك، وهذا نظير ما أنكره من قول مخالفيه أن علم الله لا يقال هو الله ولا يقال غيره، وكان إذا قيل له: إذا قلت أن علم الله هو الله فقل أن الله تعالى علم ناقض ولم يقل أنه علم مع قوله أن علم الله هو الله
стр. 485
وكان يسأل الثنوية فيقول لهم: إذا قلتم أن تباين النور والظلمة هو هما وأن امتزاجهما هو هما فقولوا أن التباين هو الامتزاج، وكان يسأل من يزعم أن طول الشيء هو هو وكذلك عرضه هل طوله هو عرضه، وهذا راجع عليه في
قوله أن علم الله هو الله وأن قدرته هي هو لأنه إذا كان علمه هو هو وقدرته هي هو فواجب أن يكون علمه هو قدرته وإلا لزم التناقض كما لزم أصحاب الاثنين.
وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه أن البارئ علم كله قدرة كله حياة كله سمع كله بصر كله فحسن اللفظ عند نفسه وقال: علمه هو هو وقدرته هي هو.
وكان يقول أن لمقدورات الله ومعلوماته مما يكون ومما لا يكون كلاً وغاية وجميعاً كما أن لما كان كلاً وجميعاً، وأن أهل الجنة تنقطع حركاتهم فيسكنون سكوناً دائماً لا يتحركون، وكان يقول بانقطاع الأكل والشرب والنكاح.
وكان أبو الهذيل إذا قيل له: أتقول أن لله عالماً؟ قال: أقول أن له علماً هو هو وأنه عالم بعلم هو هو وكذلك كان قوله في سائر
стр. 486
صفات الذات، فنفى أبو الهذيل العلم من حيث أوهم أنه ثبته وذلك أنه لم يثبت إلا البارئ فقط وكان يقول: معنى أن الله عالم معنى أنه قادر ومعنى أنه حي أنه قادر، وهذا له لازم إذا كان لا يثبت للبارئ صفات لا هي هو ولا يثبت إلا البارئ فقط.
وكان إذا قيل له: فلم اختلفت الصفات فقيل عالم وقيل قادر وقيل حي؟ قال: لاختلاف المعلوم والمقدور.
وحكى عنه جعفر بن حرب أنه كان لا يقول أن الله سبحانه لم يزل سميعاً ولا بصيراً لا على أن يسمع ويبصر لأن ذلك يقتضي وجود المسموع والمبصر.
فأما النظام فإنه كان ينفي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وصفات الذات ويقول أن الله لم يزل عالماً حياً قادراً سميعاً بصيراً قديماً بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وقدم وكذلك قوله في سائر صفات الذات، وكان يقول: إذا ثبت البارئ عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً قديماً أثبت ذاته وأنفي عنه الجهل والعجز والموت والصمم والعمى، وكذلك قوله في سائر صفات الذات على
стр. 487
هذا
الترتيب، فإذا قيل له: فلم اختلف القول عالم والقول قادر والقول حي وأنت لا تثبت إلا الذات فما أنكرت أن يكون معنى عالم معنى قادر ومعنى حي؟ قال: لاختلاف الأشياء المتضادات المنفية عنه من الجهل والعجز والموت فلم يجب أن يكون معنى عالم معنى قادر ولا معنى عالم معنى حي.
وكان يقول: إن قولي عالم قادر سميع بصير إنما هو إيجاب التسمية ونفي التضاد، وكان إذا قيل له: تقول أن لله علماً؟ قال: أقول ذلك توسعاً وأرجع إلى تثبيته عالماً وكذلك أقول لله قدرة وأرجع إلى إثباته قادراً وكان لا يقول: له حياة وسمع وبصر لأن الله سبحانه أطلق العلم فقال: أنزله بعلمه وأطلق القوة فقال: أشد منهم قوة ولم يطلق الحياة والسمع والبصر.
وكان يقول أن الإنسان حي قادر بنفسه لا بحياة وقدرة كما يقول في البارئ سبحانه ويقول أنه عالم بعلم وأنه قد يدخل في الإنسان آفة فيصير عاجزاً ويدخل عليه آفة فيصير ميتاً.
وأما ضرار بن عمرو فكان يقول: أذهب من قولي أن الله
стр. 488
سبحانه عالم إلى نفي الجهل ومن قولي قادر إلى نفي العجز، وهو قول عامة المثبتة.
وأما معمر فحكى عنه محمد بن عيسى السيرافي النظامي أنه كان يقول أن البارئ عالم بعلم وأن علمه كان علماً له لمعنى وكان المعنى لمعنى لا إلى غاية، وكذلك قوله في سائر صفات الذات، فقال في الله بالمعاني وأنه عالم لمعان لا نهاية لها قادر حي سميع بصير لمعان لا غاية لها، أخبرني بذلك عن محمد بن عيسى أبو عمر الفراتي.
وقال هشام بن عمرو الفوطي أن الله لم يزل عالماً قادراً حياً، وكان إذا قيل له: أتقول أن الله لم يزل عالماً بالأشياء؟ أنكر ذلك وقال: أقول أنه لم يزل عالماً أنه واحد ولا أقول بالأشياء لأن قولي بالأشياء إثبات أنها لم تزل وقولي أيضاً بأن
ستكون الأشياء إشارة إليها ولا يجوز أن أشير إلا إلى موجود.
وكان يقول أن ما عدم وتقضى شيء ولا أقول أن ما لم يكن ولك يوجد شيء.
وكان لا يقول حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا يقول أن الله يعذب بالنار.
стр. 489
وهذه العلة التي اعتل بها هشام في العلم أخذها عن بعض الأزلية لأن بعض الأزلية يثبت قدم الأشياء مع بارئها وقالوا: قولنا لم يزل الله عالماً بالأشياء يوجب أن تكون الأشياء لم تزل فلذلك قلنا بقدمها، فقال الفوطي: لما استحال قدم الأشياء لم يجز أن يقال لم يزل عالماً بها، وكان لا يثبت لله علماً ولا قدرة ولا حياة ولا سمعاً ولا بصراً ولا شيئاً من صفات الذات.
وأنكر أكثر الروافض أن يكون الله سبحانه لم يزل عالماً وكانت أقيس لقولها من الفوطي فقالت بحدث العلم.
وقالت عامة الروافض إلا شرذمة قليلة أن الله سبحانه لا يعلم ما يكون قبل أن يكون.
وفريق منهم يقولون: لا يعلم الشيء حتى يؤثر أثره والتأثير عندهم الإرادة فإذا أراد الشيء علمه وإذا لم يرده لم يعلمه، ومعنى أنه أراد عندهم تحرك حركة فإذا تحرك تلك الحركة علم الشيء وإلا لم يجز الوصف له بأنه عالم به، وزعموا أنه لا يوصف بالعلم بما لا يكون.
وفريق منهم يقولون: لا يعلم الله الشيء حتى يحدث له إرادة فإذا
стр. 490
أحدث له الإرادة لأن يكون كان عالماً بأنه يكون وإن أحدث الإرادة لأن لا يكون كان عالماً بأنه لا يكون، وإن لم يحدث الإرادة لأن لا يكون ولا لأن يكون لم يكن عالماً بأنه يكون ولا عالماً بأنه لا يكون.
ومنهم من يقول: معنى يعلم هو معنى يفعل فإن قلت لهم: تقولون أنه لم يزل عالماً بنفسه؟ اختلفوا فمنهم من يقول: لم يكن يعلم نفسه حتى خلق العلم لأنه قد
كان ولما يفعل، ومنهم من يقول: لم يزل يعلم نفسه، فإن قلت لهم: فلم يزل يفعل؟ قالوا: نعم ولا نقول يقدم الفعل.
ومنهم من يقول: العلم صفة لله سبحانه في ذاته وأنه عالم في نفسه غير أنه لا يوصف بأنه عالم حتى يكون الشيء فإذا كان قيل عالم به وما لم يكن الشيء لم يوصف بأنه عالم به لأن الشيء ليس وليس يصح العلم بما ليس، وهذا قول يحكى عن السكاكية.
وفريق يقولون: لم يزل الله عالماً والعلم صفة له في ذاته ولا يوصف بأنه عالم بالشيء حتى يكون كما أن الإنسان موصوف بالبصر والسمع
стр. 491
ولا يقال أنه بصير بالشيء حتى يلاقيه الشيء ولا سميع له حتى يرد على سمعه وكما يقال عاقل ولا يقال عقل الشيء ما لم يرد عليه.
وحكى الجاحظ أن هشام بن الحكم قال أن الله سبحانه إنما علم ما تحت الثرى بالشعاع المنفصل منه الذاهب في عمق الأرض فلولا ملامسته لما هناك بشعاعه لما درى ما هناك، فزعم أن بعضه مشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه.
وطائفة يقولون أن معبودهم لا يوصف بأنه لم يزل قادراً ولا إلهاً ولا رباً ولا عالماً ولا سميعاً ولا بصيراً حتى يحدث الأشياء لأن الأشياء التي كانت قبل أن تكون ليست بشيء ولن يجوز أن يوصف بالقدرة على غير شيء.
وحكى حاك أن قائلاً قال من المشبهة أن البارئ لم يزل لا حياً ثم صار حياً.
وعامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء ويزعمون لأنه تبدو له البدوات.
стр. 492
ويقول بعضهم: قد يأمر ثم يبدو له وقد يريد أن يفعل الشيء في وقت من الأوقات ثم لا يفعله لما يحدث له من البداء وليس على معنى النسخ ولكن على معنى أنه لم يكن في الوقت الأول عالماً بما يحدث له من البداء.
وسمعت شيخاً من مشايخ الرافضة وهو الحسن بن محمد بن جمهور يقول: ما علمه الله سبحانه أن يكون ولم يطلع عليه أحداً من خلقه فجائز أن يبدو له فيه وما اطلع عليه عباده فلا يجوز أن يبدو له فيه.
وقالت طائفة أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون إلا أعمال العباد فإنه لا يعلمها إلا في حال كونها لأنه لو علم من يعصي ممن يطيع حال بين العاصي وبين المعصية.
وقالت طائفة من المعتزلة أن الوصف لله بأنه سميع من صفات الذات غير أنه لا يقال يسمع الشيء في حال كونه، وقد ذهب إلى هذا القول محمد بن عبد الوهاب الجبائي وزعم أنه يقال أن الله لم يزل سميعاً ولا يقال لم يزل سامعاً ولا يقال لم يزل يسمع، فيلزمه إذا لم
стр. 493
يقل البارئ لم يزل سامعاً أن يقول: لم يزل لا سامعاً وإذا لم يقل: لم يزل يسمع أن يقول: لم يزل لا يسمع، وإذا لم يقل: لم يزل مبصراً مدركاً أن يقول: لم يزل لا مبصراً ولا مدركاً كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالماً أن يقول: لم يزل لا عالماً.
وكذلك يلزم عباداً في إنكاره القول أن الله لم يزل سميعاً بصيراً أن يقول أن الله غير سميع ولا بصير كما ألزم من لم يقل أن الله لم يزل عالماً قادراً أن يقول: لم يزل غير عالم ولا قادر، ويقال له: أليس لا تقول أن الله لم يزل سميعاً ولا تلزم نفسك أن يكون له سمع محدث؟ فما الذي تنفصل به من مخالفيك إذا أنكروا القول أن القديم لم يزل عالماً ولم يقولوا أنه ذو علم محدث.
وقال شيطان الطاق وكثير من الروافض أن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما من قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئاً حتى يقدره وينشئه بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة.
وحكى أبو القاسم البلخي عن هشام بن الحكم أنه كان يقول: محال أن يكون الله لم يزل عالماً بنفسه وأنه إنما يعلم الأشياء بعد أن لم
стр. 494
يكن بها عالماً وأنه يعلمها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه، ولا يجوز أن يقال في العلم أنه محدث أو قديم لأنه صفة والصفة عنده لا توصف قال: ولو كان لم يزل عالماً لكان المعلوم لم يزل لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود، قال: ولو كان عالماً بما يفعله عباده لم يصح المحنة والاختبار، وليس قول هشام في القدرة والحياة قوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدثهما ولكنه يزعم أنهما صفتان لله لا هما الله ولا هما غيره ولا هما بعضه وإنما نفى أن يكون عالماً لما ذكرناه، وحكى حاك أن قول هشام في القدرة كقوله في العلم.
وقال جهم أن علم الله محدث هو أحدثه فعلم به وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالماً بالأشياء كلها قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها.
وحكى عنه حاك خلاف هذا فزعم أن الذي بلغه عنه أنه كان يقول أن الله يعلم الشيء في حال حدوثه ومحال أن يكون الشيء معلوماً وهو معدوم لأن الشيء عنده هو الجسم الموجود وما ليس بموجود فليس بشيء فيعلم أو يجهل فألزمه مخالفوه أن لله علماً محدثاً إذ زعم أن الله
стр. 495
قد كان غير عالم ثم علم، ويجب على أصله أن يقول في القدرة والحياة كقوله في العلم.
واختلفوا في العلم من وجه آخر:
فقال كثير منهم أن الله لم يزل عالماً أنه يعذب الكافر إن لم يتب وأنه لا يعذبه إن تاب.
وأنكر ذلك هشام الفوطي ومن ذهب مذهبه وعباد ومن قال بقوله، فقال هؤلاء: لا يجوز لما فيه من الشرط والله تعالى لا يوصف بأنه يعلم على شرط والشرط في المعلوم لا في العالم.
وكان عباد بن سليمان صاحب الفوطي يقول أن الله لم يزل عالماً قادراً حياً وأنه لم يزل عالماً بمعلومات قادراً على مقدورات عالماً بأشياء وجواهر وأعراض وأفعال، فإذا قيل له: تقول أن الله لم يزل عالماً بالمخلوقات وبالأجسام وبالمؤلفات؟ أنكر ذلك، وكلن يقول أن الأشياء أشياء قبل كونها وأن الجواهر جواهر قبل كونها وأن الأعراض أعراض قبل كونها والمخلوقات كانت بعد أن لم تكن
следующие страницы →