Полный текст (147 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حديث الإخبار عن وقوع الساعة يوم الجمعة
الحديث الحادي عشر: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس هو يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة).
والدعاوى الفارغة التي تظهر في الصحف والمجلات ويروجها الفساق والملاحدة والزنادقة ما بين الحين والحين من أن الساعة ستقوم يوم ١٧ فبراير أو يوم الإثنين القادم أو يوم السبت بعد القادم، قد عاصرناها، ومصدرها بلاد الكفر، يروجونها ليشوشوا بها عقائد المسلمين، وليس لنا عذر في ترك التعلم، وخاصة ما أوجب الله ﵎ علينا تعلمه من أمر الغيب الذي تعلق بالساعة، فنؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنها تقوم في يوم جمعة، وتقوم في النهار دون الليل؛ لأن النبي ﵊ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس).
واليوم يطلق في اللغة والاصطلاح على النهار دون الليل، فقال: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة).
فهذا دليل على أن الساعة تقوم في يوم جمعة، وأما أي جمعة فهذا ما استأثر الله ﵎ به، وقد ورد في بعض الروايات والطرق: (إن كل شيء يشفق في صبيحة الجمعة حتى ممسى اليوم من أن تقوم الساعة في ذلك اليوم إلا الإنس والجن)، وفي رواية ضعيفة عند أبي نعيم: (لا تقوم الساعة إلا نهاراً)، ويغني عن هذه الرواية الضعيفة ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (خير يوم طلعت عليه الشمس)، فاليوم كاف في إثبات أن القيامة إنما تقوم في النهار دون الليل.
قال شيخ الإسلام ابن القيم حول سؤال من سأل رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! ما أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه): لا جواب لهذه المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله.
وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما تنتهي إليه من ذلك، وإن كنا ننتهي إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يجبه النبي ﷺ على سؤاله.
هذا ما أردت بيانه في عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالغيب الذي استأثر الله ﵎ بعلمه، وأكتفي بذكر ما أوردت من أدلة خشية الملل والطول، وما ذكرت فيه غنية وكفاية.
لا يجوز لأحد أن يخوض في شيء من علم الغيب الذي استأثر الله ﵎ به، لا بالقول ولا بالفعل ولا بالتصنيف وتشويش عقائد المسلمين، وإنما عليه أن يقف، ويسعه ما وسع النبي ﷺ ووسع الرسل جميعاً وعباد الله العلماء والصالحين منهم، ويتوقف ويقول: آمنت بالله ورسله.
نسأل الله ﵎ لنا ولكم التوفيق والهداية والسداد.
стр. 107
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على كتاب عمر أمة الإسلام [٢]
الابتعاد عن فهم أهل العلم سبب للوقوع في الخطأ والزلل، وفيما لا يحمد عقباه، وهذا هو ما وقع فيه مؤلف كتاب عمر أمة الإسلام، فقد خالف منهج العلماء في الفهم والاستدلال، وخاض في قضايا الغيب وما لا علم له به، وحاول تطويع النصوص لمراده، فأبان بذلك عن فساد منهجه وفهمه، ووقع فيما نهي عنه من الخوض في الغيبيات.
стр. 108
سبب الرد على كتاب عمر أمة الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الله ﵎ علمنا العدل والإنصاف، والنبي ﵊ أمرنا بالنصح، فقد ثبت في حديث تميم الداري ﵁ قال: قال النبي ﵊: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
ويعلم الله أننا ما تطرقنا للرد على هذا الكتاب، وما فكرنا في هذا إلا من باب النصيحة بعد أن عم خطره في نظرنا، ولما كان الإنصاف والعدل من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه نقول: إن الله ﵎ لما ذكر أهل الكتاب -خاصة اليهود وهم شر خلق الله على الإطلاق، بل شر من الخنازير والقردة- أثنى على بعضهم ونعى على الكثرة، فقال الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فذكر محاسنهم أولاً، ثم ذكر مساوئهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
فهذه الآيات والنصوص توقفنا عن أن نظلم أو نجور، فليس قصدنا فضح الكاتب، ولا سبه والشماتة فيه، وإنما هي محاولة لإظهار الحق في نظرنا.
هذا الكتاب لم يخل من فوائد، ولما سألنا الكثير من الطلاب عن هذا الكتاب قلنا: هو في الجملة كتاب جيد، إلا الفصل الفلاني وإلا الباب الفلاني، فلم نعمم الحكم ولم نطلقه، وإنما قيدنا كلامنا بما هو منتقد عند أهل العلم.
وهذا الكتاب -بلا شك- قد حمل التخويف والتهديد، كما أنه رغب في الآخرة بعمل الصالحات والطاعات، وحذر من قرب الفتن والساعة، وهذا باب في التخويف جيد، فلا شك أنه يزهد الناس في دنياهم ويقربهم من رب العالمين، ومن كل طاعة تؤدي إلى مرضاته ، ولا شك أن هذا قصد عظيم للمصنف، وهو حسنة للمصنف.
وكذلك من الحسنات أنه نبهنا على أن العدو متربص بنا في كل وقت وحين، وهذا لفت نظر منه جيد ومتين؛ لأن الخير والشر يتناطحان إلى يوم القيامة، فلا يمكن أن يسكت عنك الشيطان، ولذلك حذرك إلى ما يحاك من حولك خاصة من جهة اليهود والنصارى، وعلى جهة الخصوص من جهة اليهود.
стр. 109
أدلة مصنف عمر أمة الإسلام على قرب الساعة وتحديد وقوعها
وأما المثالب فإنه لما أراد المصنف الاستدلال على قرب الساعة اعتمد في ذلك على حديثين أخرجهما البخاري في صحيحه: الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا).
والعجز هنا بمعنى الترك والإباء والعناد وعدم الإيمان، (فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا -أي: ثم كفروا- فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب)، والراجح أنهم اليهود؛ لأنه في رواية البخاري في كتاب التوحيد قال: (فقال أهل التوراة)، (فقال أهل الكتاب: أي ربنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثر عملاً؟ قال: قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء).
والحديث الثاني: حديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ﵁، قال: قال النبي ﵊: (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً إلى الليل -يعني: من أول النهار إلى الليل- فعلموا إلى نصف النهار)، وهذا تبينه الرواية الأولى: (فعجزوا)، أي: لما بلغوا إلى منتصف النهار عجزوا وامتنعوا عن العمل: (فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك -أي: ننصرف ولا نريد أجراً- ولكن دعنا ننصرف، فاستأجر آخرين، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا -أي: عجزوا، وامتنعوا عن العمل، وقالوا للذي استأجرهم: لك ما عملنا- ولا نريد أجراً، ولكن دعنا ننصرف، فاستأجر قوماً فعملوا بقية يومهم -أي: على الشرط الذي شرط عليهم- حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين)، أي: وأخذوا أجر الفريقين الذين شرط المؤجر لهم من أول الأمر.
стр. 110
ذكر الأبواب التي أخرج فيها البخاري الحديثين اللذين استدل بهما المصنف على قرب الساعة
قبل أن نتطرق لفهم المصنف أو الكاتب إلى المعنى العام والشرح العام لهذين الحديثين لابد أن نعرج على هذين الحديثين كما أخرجهما البخاري في صحيحه في أي الكتب والأبواب أخرجهما، وقيمة هذه الفائدة أن أهل العلم قالوا: إن وضع الحديث تحت باب معين يدل على أنه من جنس ذلك الباب، ومن الخبل وضع الحديث تحت باب لا يناسبه.
فلو أنك أردت أن تبحث -مثلاً- عن حديث وصف عثمان ﵁ لصفة وضوء النبي ﵊ لبحثت عنه في باب الوضوء، ولو بحثت عنه في كتب الفتن أو الفضائل فليس عندك رائحة العلم؛ لأن هذا الحديث لا علاقة له بالفتن ولا بالفضائل، وإنما علاقته بأحكام الوضوء، فأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن تبحث عنه في كتب الوضوء من كتب السنة.
والإمام البخاري الذي استدل أهل العلم على عظيم فقهه من مجرد تبويبه ووضعه الأحاديث تحت الأبواب المناسبة لها لم يفهم من هذه الأحاديث ما فهمه المصنف، فالإمام البخاري روى الحديث في أبواب متعددة، فرواه في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وعلاقة الحديث بهذا الباب واضحة، فوقت العصر ممتد إلى غروب الشمس، ويبينه قول النبي ﵊: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فالإمام البخاري لم يورد هذا الحديث في كتاب الفتن، وإنما أورده في كتب الفقه، وأورده في كتاب الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار، وباب: الإجارة إلى صلاة العصر، وباب: الإجارة من العصر إلى الليل، وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر حديث أبي موسى الأشعري الحديث الثاني.
وأورده كذلك في كتاب الأنبياء، باب: ما جاء عن بني إسرائيل.
فأورد الحديث هناك ليدل على أن بني إسرائيل قوم غدر وخيانة وظلم وتعد واستنكاف وامتناع عن الائتمار بأوامر الله ، ويدل عليه قوله: (فعجزوا)، فاليهود عجزوا في منتصف النهار، والنصارى عجزوا في العصر، بمعنى: امتنعوا ولم يؤمنوا، وأورده كذلك في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، أي: فضل القرآن على التوراة والإنجيل.
قال الحافظ ابن حجر في الجزء التاسع صفحة (٦٧): وهذا الحديث يدل على ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وثبوت الفضل لها إنما ذلك بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به، كما أورده كذلك في كتاب التوحيد، وهو في المجلد الثالث عشر، باب في المشيئة والإرادة؛ لقول الله : (إنما هو فضلي أوتيه من أشاء)، ولما اعترض اليهود على أن الله ﵎ كافأ أمة محمد ﵊ بما لم يكافئهم به مع أنهم أطول في الزمن من أمة محمد قال: (هل غمصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هو فضلي أوتيه من أشاء).
ولذلك أورده البخاري في كتاب التوحيد، في المشيئة والإرادة.
قال الحافظ ابن حجر في المجلد الثالث عشر صفحة (٤٥١): وفي قوله: (ذلك فضلي أوتيه من أشاء) إشارة إلى جميع الثواب، لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يزعم أهل الاعتزال.
فوضع الكاتب والمصنف هذه الأحاديث في باب الفتن وأشراط الساعة وقربها فهم غير مستقيم، ولو كان مستقيماً لسبقه إليه سلف الأمة، وعلى رأسهم النبي ﷺ ؛ فإنه لا يتصور أن هذا المعنى قد خفي عليه ﵊، أو على أصحابه أو على التابعين أو أتباعهم، أو علماء الأمة على وجه العموم، وظهر للأخ المصنف الذي صنف كتاب (عمر أمة الإسلام).
стр. 111
تأويلات العلماء لمعنى الحديثين اللذين استدل بهما المصنف على قرب قيام الساعة
من الأصول الثابتة عندنا أننا نقول: إننا -كسلفيين- نعمل بكتاب الله وسنة رسوله على فهم سلف الأمة، وجميع الناس يقولون: إنهم يعملون بكتاب الله وسنة رسوله، فنقول: الفرق بيننا وبينكم أننا نعمل بالنصوص من خلال فهم سلفنا لهذه النصوص، وسلفنا لم يفهموا هذين النصين كما فهمهما الأخ أمين، بل إن السلف أولوا الأحاديث التي ظاهرها يدل على تحديد حساب زمني لقيام الساعة أو قرب الأشراط أو حدوثها، ولم يستنبطوا من هذه الأدلة مفهوم العدد الحسابي، وإنما استنبطوا عدة مفهومات، وهي: أن مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس، ولا يدري أحد عمر الأمم السابقة كلها، وقد علمنا من خلال كتب أهل الكتاب أعمار بعض الأمم وليس كلها.
فقال في الحديث: (مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار)، أي: أن ما بقي من الدنيا شيء يسير بالنسبة لما مضى؛ لأن ما بقي كمثل ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، ولا شك أن هذه الحقبة الزمنية بالنسبة لبقية النهار قليلة نسبياً، ولكن مقدار القلة والكثرة لا يعلمه إلا الله.
التأويل الثاني لهذه الأحاديث عند أهل العلم: الاستحقاق بعمل البعض أجر الكل، وهذا بين في هذه الأحاديث، فالله ﵎ ضاعف الثواب لهذه الأمة ما لم يضاعفه لغيرها من الأمم، ووقت العمل من العصر إلى غروب الشمس، ولو استأجرت رجلاً يعمل لك في النهار فتوقف عن العمل عند العصر فلك أن تحتج عليه بأن العمل والشرط الذي بينكما لم يتم؛ لأن إطلاق لفظ النهار يعني أن آخره غروب الشمس، وليس المراد أن العمل خاص بهذا الوقت.
التأويل الثالث: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب استحق أجر من أدرك الصلاة من أولها.
التأويل الرابع: أن هذه الأحاديث إنما هي لضرب الأمثال، يعني: أراد الله ﵎ وأراد النبي ﵊ أن يضربا لنا مثلاً يقرب المفهوم، ولذلك كثر ضرب الأمثال في الكتاب والسنة، ضرب الأمثال يكون للعظة والعبرة والاتعاظ والتخويف والترغيب والترهيب وتقريب المفهوم، وفي بعض الأحيان قد لا تدرك المقصود في مسألة من المسائل إلا بضرب مثال يوضح المقال، ولذلك العرب يقولون: بالمثال يتضح المقال.
فهذه الأحاديث إنما هي لضرب الأمثال التي تقرب المفهوم والمراد، وليست مرادة لحقيقتها، يعني: ليس هذا التحديد من الصبح إلى الظهر، ثم من الظهر إلى العصر، ثم من العصر إلى المغرب مقصوداً لذاته، وليس فيه تحديد الوقت، بقدر ما هو ضرب مثال فقط لتقريب المفهوم.
ومعلوم قطعاً عند أهل العلم جميعاً أن الأحكام لا تؤخذ من ضرب الأمثال، ولا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل وجه.
التأويل الخامس: أن المراد كثرة العمل وقلته، لا طول الوقت وقصره، وإنما كثرة العمل، فإن الشخص قد يعمل في الوقت القليل ما لا يعمله غيره في الوقت الكثير، وكذلك هذه الأمة عملت من العصر إلى المغرب أكثر مما عملته اليهود من الصبح إلى الظهر، والنصارى من الظهر إلى العصر.
التأويل السادس: أن المراد الإيمان بما أمرهم الله به، فإن الله ﵎ لما بعث موسى أمر بني إسرائيل أن يؤمنوا به وأن يتبعوه، فإذا ما جاء عيسى وجب عليهم أن يتخلوا عن شريعة موسى ويتبعوا شريعة عيسى ويؤمنوا به ﵇، فلما جاء عيسى ﵇ كفر به اليهود ولم يؤمنوا به، وهذا معنى قوله ﵊: (حتى إذا انتصف النهار عجزوا -أي: لم يؤمنوا بعيسى- وعمل النصارى)، حتى إذا جاء محمد ﵊ وقد أمروا جميعاً أن يؤمنوا به عجزوا وكفروا به وردوا دعوته وجحدوها.
ولذلك قال أهل العلم: معنى هذه الأحاديث: هو الإيمان بما أمرهم الله به، فكفر اليهود بعيسى ومحمد، وكفر النصارى بمحمد، وآمن المسلمون بمحمد وعيسى وموسى، فلا شك أن الذي يؤمن بجميع الأنبياء يستحق جميع الأجر، بخلاف من كفر بنبي أو باثنين أو أكثر؛ فإن الأصل الأصيل في الإيمان بالأنبياء أن من آمن بني واحد وكفر بجميع الأنبياء لا شك أنه كافر بجميعهم، بما فيهم ذلك النبي الذي ادعى أنه قد آمن به، فلو أن واحداً من أمة محمد الآن قال: أنا أكفر بعيسى وموسى، ولكن أؤمن بمحمد فإننا نقول له: إنك قد كفرت أولاً بمحمد؛ لأنه هو الذي أمرك أن تؤمن بجميع الأنبياء، فأنت قد رددت أمره وخالفته.
التأويل السابع: شدة اقتراب الساعة، يعني: هذه الأحاديث لا تدل على قرب الساعة فقط، وإنما على شدة اقترابها، ولذلك عبر الله ﵎ عنها بلفظ الماضي فقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] تعبيراً عن شدة قربها، فقال: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ))، وكذلك هذه الأحاديث تدل على قرب الساعة.
التأويل الثامن: تحديد عمر الأمة حسابياً، وأول من ابتدع القول بالحساب في عمر الأمم هو إمام المفسرين وسيد المؤرخين ابن جرير الطبري عليه رحمة الله، وتبعه السهيلي، ثم لما ثبت بطلان ما ذهب إليه ابن جرير الطبري أراد
стр. 112
شرح المصنف للحديثين اللذين استدل بهما على قرب قيام الساعة والرد عليه
وقال المصنف في شرح هذه الأحاديث في صفحة (٤٦): يخبرنا النبي ﷺ في هذين الحديثين عن مدة بقاء أمة الإسلام في هذه الحياة الدنيا بالنسبة للأمم قبلها، وأنها تمتد من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
وهذا أحد التأويلات التسعة، وليس هو قول أهل العلم قاطبة، ومدة اليهود هي الفترة من الفجر إلى صلاة الظهر، أي: نصف النهار.
ومدة النصارى من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، أي: أن مدة اليهود نظير مدتي المسلمين والنصارى مجتمعين؛ لأن نصف النهار من الفجر إلى الظهر، والنصف الثاني من الظهر إلى المغرب.
فعمر اليهود يساوي عمر النصارى زائداً عمر المسلمين.
وقال في صفحة (٤٨): قال الحافظ ابن حجر في كتابه القيم فتح الباري تعليقاً على أحاديث عمر الأمم ما نصه: واستدل به -أي: بالحديثين المذكورين، حديث ابن عمر وحديث أبي موسى - على أن بقاء هذه الأمة -أي: أمة الإسلام- يزيد على ألف.
وقول الحافظ ابن حجر واستدل كأنه للتمريض، وكأنه قال: وقيل: إن هذا الحديث فيه من الفوائد أن مدة عمر المسلمين ما بين صلاة العصر إلى المغرب، وهذه تدل على أن عمر أمة الإسلام يزيد على ألف؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين.
وقال: وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي ﷺ كانت أكثر من (٢٠٠٠) سنة.
هذا الكلام مردود غير مقبول؛ لأن اتفاق أهل النقل والإخباريين على أمر بغير دليل قول مردود، وإن قبلناه فإننا نقبله من باب الاستئناس به، ولا يدري أهل النقل بالأخبار عن عمر الدنيا السابق، أو عن عمر الأمم السابقة أو حتى عن عمر أمة اليهود شيئاً؛ إذ كل ذلك ليس مسطوراً ولا منصوصاً عليه.
وهب أن مدة اليهود إلى بعثة النبي ﷺ كانت أكثر من ألفي سنة، فألف سنة صارت الآن في عداد اليقين، ولكنه لم يقل: ألفا سنة، وإنما قال: أكثر من ألفي سنة، فما هي هذه المدة التي عبر عنها بلفظ أكثر، هل هي ألفان ومائة أو ومائتان أو وثلاث أو وأربع أو وخمس أو وست، كل هذا يحتاج إلى دليل.
وقد رجح أن هذا الأكثر مائة عام فقط بدون دليل.
قال: ومدة النصارى من ذلك ستمائة سنة.
وقال أيضاً: إن مدة عمر اليهود نظير -أي: تساوي- مدتي عمر النصارى والمسلمين مجتمعة.
وقال في صفحة (٤٩): وحيث إن مدة عمر اليهود والنصارى تزيد على ألفي سنة، ومدة عمر النصارى هي ستمائة سنة، فإذاً: بالطرح الجبري يكون عمر أمة اليهود ألف وأربعمائة سنة؛ لأنه قال: إن عمر أمة اليهود زائد عمر أمة النصارى ألفي سنة، فلما ثبت أن عمر أمة النصارى ستمائة سنة بقى لليهود ألف وأربعمائة سنة.
وقال: وذكر أهل النقل وكتب التاريخ العام أن هذه الزيادة تزيد عن مائة سنة قليلاً.
ولم يبين مدة هذا القليل، وهذا القول قول مردود، وأحق منه بالرد أن هذا إنما جاء في كتب التاريخ فقط، وكتب التاريخ لا علم لها بأعمار الأمم، فيبقى الموضوع من أصله ساقطاً وهابطاً.
قال: إذاً: عمر أمة اليهود (١٥٠٠)؛ لأن (١٤٠٠) زائد (١٠٠) وزيادة قليلاً يساوي أن عمر أمة اليهود (١٥٠٠) سنة وتزيد قليلاً، وحيث إن عمر أمة الإسلام يساوي عمر أمة اليهود الذي هو (١٥٠٠) سنة ناقص عمر النصارى الذي هو (٦٠٠) سنة، فإذاً: عمر أمة الإسلام يساوي (٩٠٠) سنة.
وهذا ما ذهب إليه أن عمر أمة الإسلام (٩٠٠) سنة.
وقد وقع الإمام الطبري في هذا الفخ؛ لأنه أول من عد عمر الأمة بالحساب، واليهود هم أول من اخترع العد الحسابي في عمر الأمم، وتبعهم بعض أهل على التاريخ وعلى رأسهم الطبري فوقعوا في المحظور.
يقول الكاتب بالعنوان العريض: إذاً: عمر أمة الإسلام يساوي (١٤٠٠) سنة تزيد قليلاً، وقد أتى بـ (١٤٠٠) سنة من حديث سعد بن أبي وقاص، فإنه لما قال: إن عمر أمة الإسلام بالحساب مع عمر أمة اليهود والنصارى (٩٠٠) سنة ضم إلى هذه (٩٠٠) سنة (٥٠٠) سنة أخرى من حديث سعد بن أبي وقاص الذي فيه: (لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم)، فقال عن اليوم: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، ونصف اليوم عند الله يساوي خمسمائة سنة، فبإضافة (٥٠٠) سنة إلى (٩٠٠) سنة يساوي (١٤٠٠) سنة، قال: تزيد قليلاً؛ لقوله: إن عمر أمة اليهود يزيد عن (١٤٠٠) سنة قليلاً، فسحب هذا القليل كذلك على عمر أمة الإسلام حتى يستقيم له الحساب الجبري.
ثم قال: مضى من هذا القليل (٣٠) عاماً.
وللسيوطي رسالة بعنوان: (الكشف عن تجاوز هذه الأمة الألف)، ورغم أنه إمام وعلم مبجل إلا أنه في السنة على جهة الخصوص حاطب ليل، فهو جمّاعة، وليس من المحققين، وقال في رسالته (الكشف): الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف ولا تبلغ الزيادة (٥٠٠) أصلاً، والسيوطي مات في القرن العاشر سنة (٩١١هـ).
وقد عضد المصنف كلامه بكلام الحافظ
стр. 113
تحديد المصنف لعمر أمة الإسلام والرد عليه
قال: إن عمر أمة الإسلام هو منذ بعثة محمد وإلى أن تقوم الساعة.
فلو قلت: إن سنة (١٥٠٠هـ) هي لحظة قيام الساعة فهذا هو معنى كلام المصنف في صفحة (٤٣): إن عمر أمة الإسلام هو منذ بعثة محمد ﷺ وإلى أن تقوم الساعة.
ثم يضرب ضربة أخرى حتى لا تمسك عليه الضربة الأولى فيقول: أو بالتحديد إلى أن تأتي ريح لينة من قبل اليمن فتقبض نفس كل مؤمن، ويكون ذلك بعد موت عيسى بن مريم ﵇.
وهذه الريح اللينة من علامات الساعة الكبرى، وهي من علم الغيب، فتحديد الزمن من زمن البعثة إلى وقت هذه الريح اللينة التي تقبض كل عبد مؤمن بـ (١٥٠٠) سنة هذا كلام في الغيب، وهذا لا يجوز.
ونقول له: هذه الريح اللينة هي أول العلامات أو وسطها أو آخرها؟ فلابد أنه سيقول: إنها ليست آخر العلامات؛ لأن هذه الريح اللينة لا تقبض جميع الخلق ثم تقوم الساعة بعد ذلك، وإنما تقبض روح كل عبد مؤمن فقط، ويبقى شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.
ثم كلمة (يبقى شرار الخلق)، كم يبقون؟ الله أعلم.
وهو قد اعتمد على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (المدة بين أن تطلع الشمس من مغربها وإلى قيام الساعة مائة وعشرون عاماً).
فنقول: هل هذه الأعوام كأعوامنا، وأيامها كأيامنا؟! وعلى افتراض أنها كذلك فهل صح هذا الخبر مرفوعاً؟
الجواب
لا.
وقد رجح المؤلف هنا أنه من قول عبد الله بن عمرو؛ لأنه اطلع على نقد أهل الحديث لهذا الحديث، وأنه لم يصح مرفوعاً، فقال بوقفه على عبد الله بن عمرو بن العاص.
ونقول له: وعلى فرض صحته موقوفاً على عبد الله بن عمرو فإن أهل العلم يقولون: لا يجوز الاعتماد على خبر في الغيبيات -أي: في العقائد- موقوفاً إلا بشرط أن يكون الآخذ أو الراوي لهذا الحديث ليس من أحبار ورهبان أهل الكتاب ثم أسلم بعد ذلك؛ لأن غالب الظن أنه ينقل عن أهل الكتاب، وألا يكون ممن أخذ عن أهل الكتاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص معروف أنه كان يروي عن أهل الكتاب كـ كعب الأحبار ووهب بن منه وعبد الله بن عباس، وغيرهم، فالجميع كان يروي عن أهل الكتاب.
فلا يؤمن أن يكون عبد الله بن عمرو بن العاص أخذ هذا التحديد الزمني عن أهل الكتاب، فضلاً أنه لم يصح فيه خبر في كتاب الله ولا في سنة النبي ﵊، فيكون هذا الدليل الذي اعتمد عليه المؤلف دليلاً ساقطاً لا يجوز اعتباره والاحتجاج به في هذا المقام.
стр. 114
مثالب كتاب عمر أمة الإسلام
стр. 115
إبراز الأمور الظنية في صورة اليقين
ومن المساوئ والمثالب التي يمكن أن توجه على سبيل الإجمال لهذا الكتاب: أن الكاتب ذكر فيه أموراً ظنية وأبرزها في صورة اليقين، وأن الحرب التي تكلم عنها في صفحة (٣٥) إلى (٣٧)، وهي المعروفة بحرب هرمجدون تكلم عنها كأنها واقع مشاهد الآن، وأنها تسبق السلام المشوه المزعوم الذي نسمع عنه الآن مع اليهود والنصارى، فقال: هذه الحرب إنما يسبقها ذلك السلام المشوه.
ونقول له: وما علمك بهذا؟ ويقول: حرب هرمجدون هذه حرب عالمية مدمرة، وهي حرب تدور على أرض فلسطين في واد يسمى وادي مجيدو، وبعضهم يسميه وادي عبد المجيد.
وهذه الحرب يسميها المؤلف الحرب المدمرة التي لا تبقي ولا تذر.
ثم يقول بعد ذلك: إنها الحرب التي يسبقها السلام المشوه -أي: الآن- الذي نسمع عنه في كل وقت وحين.
ثم يقول: إن هذه الحرب هي حلقة الوصل بين الحقبة الزمنية التي نعيشها وبين ظهور المهدي.
وكأنه يريد أن يقول: بعد هذه الحرب مباشرة سيظهر المهدي المنتظر.
ثم يقول: إنها بداية النهاية.
فجعلها من العلامات الكبرى التي تساوي الخسف والزلازل التي تسبق قيام الساعة.
فهذه الحرب لما تكلم عنها تكلم عنها وكاد أن يحدد وقتها؛ لأنه حدد أنها بعد السلام المشوه وقبل ظهور المهدي، أو أن المهدي يظهر بعدها، ويشعرك كأن هذه الحرب في هذه الأيام، وإبراز هذه الحرب في صورة يقينية أمر يعاب الكاتب عليه؛ لأنها كلها ظنون؛ لأنها محل اجتهاد، وهو لم يعبر عنها بالظن، وإنما عبر عنها بألفاظ تدل على اليقين.
والاحتمال واسع يقبل ويرد كما ذكرنا ولا يعاقب صاحبه، فلو أخبرك شخص أن حرباً ستدور غداً، وقال: أنا أتوقع أن تدور على أرض فلان حرب في الغد لقلنا: يحتمل أن تقع ويحتمل ألا تقع، وأما هو فقد أكد أن هذه الحرب ستدور في واد مجيدو، وأنها ستدور بين فلان وفلان، وهذا على سبيل الجزم، وهو مما يعاب عليه.
ثم لما تكلم في أمر المهدي المنتظر قال: المهدي ﵇.
وأهل العلم لا يقولون المهدي ﵇؛ لأن إطلاق لفظ ﵇ يدل على أنه نبي مرسل، وليس الأمر كذلك، بل هو رجل من الصالحين يصلح الله ﵎ به الدنيا والدين.
ولما تكلم المصنف عن المهدي تكلم بكلام في غاية الخطورة، فقد نفى أن يكون هناك خير قبل ظهور المهدي، وكأنه أراد أن يقول لك: أرح نفسك، فلا يوجد خير قبل وجود المهدي، فلا تنتظر خلافة ولا تمكيناً ولا عملاً للإسلام ولا شيء من هذا.
ثم يقول في مكان آخر: ولست بهذا أقول، ولا أدعو أن ندع العمل، بل لابد من العمل، وكل ميسر لما خلق.
وهذا الكلام الذي قاله محتمل، يعني: يحتمل ألا يكون هناك خير بمعنى الخلافة الراشدة إلا في ظل المهدي، ويحتمل أن يكون ذلك قبل ظهور المهدي، ولكنه في معظم مواطن الكتاب يائس تماماً من حصول الخير والرشاد والخلافة الراشدة في الأرض إلا على يد المهدي، وكأنه يريد أن يقول لك: أرح نفسك لا يوجد خير أبداً، ولا تنتظر شيئاً؛ لأن ذلك لا يكون إلا بظهور المهدي، ثم يقول لك: ولكن انتبه، فلا يحملك هذا على ترك العمل، بل اعمل حتى تعذر.
стр. 116
تبني الأقوال الضعيفة في تفسير الأحاديث
الأمر الثاني: أنه لما سرد أحاديث عمر أمة الإسلام بزعمه تبنى في تأويلها أضعف الأقوال وأخفى أقواها، وهذا ليس من الأمانة العلمية في شيء، فقد تبنى التأويل الحسابي، وجعله راجحاً بدون مرجح، في حين أن الصواب عندما يكون عندي في دليل واحد عدة آراء واحتمالات، وأردت أن أختار رأياً منها، فلابد أن يكون هذا الرأي من الآراء الراجحة أو -على أقل- أن يكون رأياً من الآراء غير المنقوضة، ولا يجوز لي أن أقول: إن هذا الرأي بعينه هو الرأي الراجح إلا إذا كان هناك مرجح يؤيد كلامي.
والترجيح بغير مرجح عند أهل العلم تحكم بلا دليل، والتحكم بغير دليل ساقط لا عبرة به.
والكتاب فيه أمور ظنية كثيرة، وقد جعلها المصنف يقينية قطعية، كهرمجدون وتأويل النصوص وقيام حرب قبل الساعة وانتهاء أشراط الساعة الصغرى، وكاد المؤلف أن يجزم أن كل أشراط الساعة قد ظهرت، مع أن أهل العلم لا يزالون يعتقدون أن العلامات الصغرى منها ما قد ظهر ومنها ما لم يظهر، والنبي ﵊ لم يحدد في حديث واحد أن العلامات هي كذا، ثم كذا ثم كذا، ولا حتى وردت نصوص في العلامات الكبرى فضلاً عن الصغرى، فكيف يجزم هو بأن جميع العلامات الصغرى قد ظهرت وفرغ من أمرها، حتى ننتظر بعد ذلك العلامات الكبرى؟! وما هي المدة الزمنية بين انتهاء العلامات الصغرى والعلامات الكبرى؟! هذا أيضاً غيب لا يعلمه إلا الله .
وظهور العلامات الكبرى من جنس الغيب، فإذا قال المؤلف: إنني أتكلم عن عمر أمة الإسلام قلنا له: هذا من الغيب، فلا يجوز لك أن تتكلم عن الساعة ووقتها وتحديدها، وهو ينفي في مواضع من كتابه أن يتكلم عنها، ثم يقرر ذلك، كما قرأت عليكم قوله: (إن عمر أمة الإسلام إنما هو بظهور تلك الريح التي تقبض روح العبد المؤمن)، وهذا كلام أيضاً ساقط وهابط؛ لأن عمر الأمة لا ينتهي عند هذا الحد؛ لأنك إذا قلت هذا يلزمك أن تقول: إن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة ليسوا من أمة محمد، وعلى هذا يلزمك أن تعتقد أن الله ﵎ خلق خلقاً ولم يبعث إليهم رسولاً ولا نبياً، فهم معذورون؛ لأن الله ﵎ لم يرسل إليهم رسولاً ولا نبياً، والحديث قد وصفهم أنهم من شرار الخلق، وليس هناك من أهل العلم من يقول بهذا، فلابد أن تقول: إن هؤلاء القوم الأشرار هم من أمة النبي محمد ﵊، وليسوا من أمة اليهود؛ لأن المؤلف ذكر أن حرب هرمجدون ينتهي فيها ثلثي اليهود والنصارى، ثم بظهور المهدي يتخلص من الثلث الثالث.
إذاً: شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة هم من أمة محمد، وأما القول بأنهم ليسوا من أمة محمد فهذا يلزم منه الدور، وهذا أمر بعيد.
стр. 117
تعويل المصنف على أقوال أهل الكتاب
ثالثاً: وما يعاب على الكتاب: أنه عول في المسألة التي ظهر له فيها الخلاف أو الاحتمال على أقوال أهل الكتاب، فلو أنك نظرت وقرأت في الكتاب بعين الفحص والتمحيص لوجدت أنه في غالب الأبواب يعتمد على كلام أهل الكتاب، وهذا عيب أيما عيب؛ لأن اللجوء إلى الاعتماد على كلام أهل الكتاب مثلبة عظيمة جداً لكتاب الله وسنة رسوله ﵊، والنبي ﵇ لما وجد الصحابة يتحرزون كل التحرز من نقل كلام أهل الكتاب أو أنهم امتنعوا أن يروون أي شيء عنهم.
قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فلما رآهم متحرجين قال: (لا حرج) في التحديث عنه، ولكنه قيد ذلك بقيد أهم من الإباحة، فالأولى ألا نصدقهم وألا نكذبهم، فقال: (إذا حدثتم عن بني إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم).
(فلا تصدقوهم) لاحتمال أن تكون هذه الرواية مما دخلها التبديل والتحريف الذي صنعه أهل الكتاب.
(ولا تكذبوهم) لاحتمال الصدق، فنفى أن نصدقهم ونفى أن نكذبهم.
والمؤلف هنا في أغلب الأبواب يستشهد بكلام أهل الكتاب، ونحن نقول: إنه لا يجوز له أن يستشهد بكلام أهل الكتاب ولا يستأنس به، ولو قرأت في حرب هرمجدون وحساب عمر أمة الإسلام فإنك تجد عجباً، فقد كاد المؤلف يعتمد اعتماداً كلياً على كلام أهل الكتاب، فمثلاً: في كتاب حرب هرمجدون يقول في صفحة (٣٦): وجمعت الأرواح الشيطانية جيوش العالم كلها في مكان يسمى هرمجدون.
هذا في الإنجيل صفحة (٣٨٨).
وجاء في كتاب البعد الديني في السياسة الأمريكية أن سبعة من رؤساء أمريكا يؤمنون بمعركة هرمجدون.
ويقول رونالد ريجان الرئيس الأمريكي الأسبق: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون.
ويقول: كل شيء سوف ينتهي في بضع سنوات، وستكون المعركة العالمية الكبرى معركة هرمجدون أو سهل مجيدو.
ويقول جيمي سواجارت وهو من القساوسة الكبار: كنت أتمنى أن أستطيع القول إننا سنحصل على السلام، ولكني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون قادمة وسيخاض غمارها في وادي مجيدو، إنها قادمة، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، إن ذلك لن يحقق شيئاً، هناك أيام سوداء قادمة.
وغير ذلك من الأقوال، وينقل عقائد اليهود وعقائد النصارى، ويعتمدها في هذه الأمور التي اعتبرها هو يقينية وليست ظنية.
وذهب إلى ذلك أيضاً في حساب عمر أمة الإسلام، في صفحة (٥١) يقول: جاء في الإنجيل الرسالة الأولى أما مسألة الأزمنة والأوقات المحددة فلستم في حاجة لأن يكتب إليكم فيها؛ لأنكم تعلمون يقيناً أن يوم الرب سيأتي كما يأتي اللص في الليل، فبينما الناس يقولون: حل السلام والأمن، ينزل بهم الهلاك المفاجئ كالمخاض الذي يدهم الحبلى، فلا يستطيعون أبداً أن يفلتوا.
ويقول نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق: في عام (١٩٩٩م) نكون قد حققنا السيادة الكاملة على العالم، وبعد ذلك يبقى ما بقي على المسيح.
فالنصارى واليهود يؤمنون الآن بما يسمى العيد الألفي، ويعتقدون أن عيسى ﵇ حي في السماء وسينزل على رأس كل (١٠٠٠) عام فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً، فلما خذلهم عيسى ﵇، بل خذلهم الله ﵎ في الألف الأول فهم يستعدون لنزول عيسى على رأس الألف الثانية، أو في نهاية الألف الثانية، وهذا يسمى عند اليهود والنصارى بالعيد الألفي، ومعناه عندهم: أن عيسى ينزل على رأس كل (١٠٠٠) سنة، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
ويقول روبارت ديسون: إن إعادة مولد إسرائيل هي الإشارة الوحيدة إلى أن العد التنازلي لنهاية الكون قد بدأ، كما أن مع مولد إسرائيل أخذت بقية التنبؤات تتحقق بسرعة.
وهذا الكلام الذي ساقه المؤلف هنا وغيره يدل على خطورة عظيمة جداً، وهي أن الكاتب اعتمد على كلام أهل الكتاب واستشهد به.
وكلام أهل الكتاب لا يعد باباً من أبواب الحكم أو الدلالات، وليس مصدراً من مصادر التشريع ولا مرجحاً عند النزاع.
والكاتب اعتبر أن كلام أهل الكتاب مرجح عند النزاع، ولذلك لما ذكر حديث أبي موسى الأشعري وحديث عبد الله بن عمر قال: ومن العجب أنك تجد في التوراة والإنجيل ما يوافق هذين الحديثين! فجعل كلام أهل الكتاب مرجحاً لما اختاره هو من بين الآراء التسعة لأهل العلم.
وهذا كلام ساقط وهابط، ولا يمكن أبداً اعتماده، ولا يصح أن يقال هنا: إنه اعتمد على ما في كتب أهل الكتاب على سبيل الاستئناس لا الاستشهاد؛ لأنه احتج به واعتبره في معرض الترجيح بين عدة تأويلات في المسألة الواحدة، ورجح من هذه التأويلات التأويل الحسابي مع أنه أضعف التأويلات عند أهل العلم، وإن أردت الإجمال والتفصيل في تأويلات أهل العلم فارجع إلى فتح الباري الجزء الرابع صفحة (٤٤٨ - ٤٤٩)، ومن أنفع ما كتب في هذا الأمر هو كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه (فتح الباري) (الجزء الرابع) من صفحة (٣٣٣) حتى صفحة (٣٥
стр. 118
ردود العلماء على من حسب عمر أمة الإسلام بالعد الحسابي
стр. 119
رد القاضي عياض على من قال بالعد الحسابي
وقد رد أهل العلم على ابن جرير الطبري والسهيلي والسيوطي الذين قالوا بالعد الحسابي، وحسبوا عمر أمة الإسلام من خلال العد الحسابي.
قال القاضي عياض وهو يتكلم على حديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين.
وأشار بالسبابة والوسطى): حاول بعضهم في تأويله -أي: في تأويل هذا الحديث- أن نسبة ما بين الأصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس مرفوعاً أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وجاء هذا عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه، والثلاثة إنما كانوا يأخذون من أهل الكتاب، كما أن هذه الآثار والأحاديث لم يصح منها شيء، لا مرفوع ولا موقوف، وهذا لما كان من أصول الغيب فلا يجوز الخوض فيه إلا بدليل من المعصوم ﷺ ، فلما انتفى ذلك لابد وأن ينتفي الكلام في عمر الدنيا وفي عمر الأمة.
ولهذا الطبري اعتبر حديث ابن مسعود أصلاً في حساب عمر الأمم، قال: الدنيا سبعة آلاف، وفرق ما بين السبابة والوسطى.
يعني: هذا الفرق اليسير في الطول بين السبابة -وهي التي يشير بها المصلي- وبين الوسطى قال: نصف السبع، ونصف السُّبع (٥٠٠)، ولذلك قال الإمام الطبري: لا تتجاوز هذه الأمة الألف، ثم لما تجاوزت الألف بعد موت الطبري جاء السهيلي وقال: ممكن أن يكون أكثر من (١٠٠٠).
وقال القاضي عياض: حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الأصبعين كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تصح.
وانتبه إلى هذا الكلام؛ لأن المؤلف اعتمد على هذا الكلام ولم يلتزم الأمانة العلمية في نقد أهل العلم لهذه الروايات المروية، بل اعتمد عليها على أنها يقين ثابت.
قال: وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخير هذه الأمة نصف يوم وفسره بخمسمائة سنة، فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصف سبع، وهو قريب مما بين السبابة والوسطى في الطول، قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك، لوقوع خلافه ومجاوزة هذا المقدار، وإذا كان ذلك ثابتاً صحيحاً لم يقع خلافه، فلما وقع خلافه دل على أنه غير صحيح.
وقد نقل المؤلف كلام الحافظ ابن حجر، مع أن الحافظ ابن حجر ينقل عن غيره، ولكنه نسبه إلى الحافظ ابن حجر ليعضد مذهبه ورأيه.
قال الحافظ ابن حجر: وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلاثمائة سنة، وقال ابن العربي: قيل: الوسطى تزيد على السبابة نصف سبعها، وكذلك الباقي من الدنيا من البعث إلى قيام الساعة، وهذا بعيد، ولا يعلم مقدار الدنيا، فكيف يتحصل لنا نصف سبع أمد مجهول، إذا كانت الدنيا لم يصح في مقدارها وتعيينها وتحديد عمرها حديث بعينه؛ فكيف يصح لنا أن نقول: إن عمر أمة الإسلام في الدنيا نصف السبع؟! فإذا كان السبع عندنا كله غير معلوم، فكيف نقول بأن عمر أمة الإسلام نصف السبع، وهو (٥٠٠) عام؟! قال القاضي عياض: فالصواب الإعراض عن ذلك، يعني: السكوت عنه.
стр. 120
رد الحافظ ابن حجر على من قال بالعد الحسابي
قال الحافظ ابن حجر: السابق إلى ذلك -أي: الذي سبق إلى العد الحسابي- أبو جعفر بن جرير الطبري، فإنه أورد في مقدمة التاريخ عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة (٧٠٠٠) سنة، وقد مضى (٦١٠٠) سنة، فالباقي (٩٠٠) سنة.
وأورده من طريق يحيى بن يعقوب عن حماد بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عنه، ويحيى هو أبو طالب القاص الأنصاري قال البخاري: منكر الحديث.
ثم يروي بعد ذلك حديث ابن عمر: (كنا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان -وهو اسم جبل في مكة- مرتفعة بعد العصر، فقال: ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه)، وذكر حديث أبي سعيد الخدري وحديث أنس بن مالك: (خطبنا رسول الله ﷺ يوماً وقد كادت الشمس أن تغيب -وحديث أبي سعيد: عند غروب الشمس-: إن مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه).
وهذه الأحاديث لم يصح منها إلا حديث عبد الله بن عمر ﵁.
قال: وعلى صحة هذه الأدلة فلها احتمالات: أن المراد بالتشبيه التقريب، أي: تقريب الساعة، ولا يراد حقيقة المقدار، فبه يجتمع مع حديث أنس وأبي سعيد على تقدير ثبوتهما.
والاحتمال الثاني: أن يحمل على ظاهره، فيقدم حديث ابن عمر لصحته، ويكون حديث أنس وأبي سعيد مردودان.
ثم أيد الطبري كلامه بحديث الباب، أي: بحديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وبحديث أبي ثعلبة الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم ولفظه: (والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم).
فنصف السبع في حديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، يعني: (٥٠٠) عام، وبإضافة ال (٥٠٠) عام في حديث أبي ثعلبة الخشني إليها يكون المجموع (١٠٠٠) سنة.
ثم قال: من حديث سعد بن أبي وقاص: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرها نصف يوم، قيل لـ سعد: كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة).
وهذا الحديث أيضاً فيه انقطاع.
قال الطبري: ونصف اليوم (٥٠٠) سنة، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج:٤٧]، فإذا انضم إلى قول ابن عباس: إن الدنيا (٧٠٠٠) سنة توافقت الأخبار، فيكون الماضي إلى وقت الحديث المذكور (٦٠٠٠) سنة، وقد أورد السهيلي كلام الطبري وأيده بما وقع عنده في حديث المستورد، وأكده بحديث ابن زمل رفعه: (الدنيا سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها)، أي: في القرن الأخير أو في الألف الأخير.
قلت: وهذا الحديث إنما هو عن ابن زميل أو ابن زمل، وسنده ضعيف جداً، وفي إسناده مجهول.
ثم يقول السهيلي: ثم جوز أن يكون في عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر ما يوافق حديث ابن زمل.
فقد تكلف في التأويل لإثبات ما في حديث ابن زمل، مع أنه حديث منكر أو ضعيف مردود.
قال: وذكر أن عدتها -أي: عدة الحروف- (٩٣٠).
يقول الحافظ ابن حجر: وهو مبني على طريقة المغاربة في عد الحروف -وابن زمل مغربي- وأما المشارقة فينقص العدد عندهم (٢١٠)؛ لأن حرف السين عند المغاربة بـ (٣٠٠) والصاد بـ (٦٠)، وأما المشارقة فالسين عندهم (٦٠) والصاد (٩٠) -فهذا الكلام قريب من السحر- فيكون المقدار عندهم (٦٩٣)، وقد مضت وزيادة عليها (١٤٥) سنة، فالحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل.
فالحافظ ابن حجر رد العد الحسابي الأول، ثم رد العد على حساب الحروف القرآنية.
قال: وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عد أبي جاد -أي: عد الحروف الأبجدية- والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر؛ وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل لها في الشريعة.
وقال ابن العربي: ومن الباطل الحروف المقطعة في أوائل السور، أي: ومن الباطل العد على حساب الحروف، وليست الحروف ذاتها.
قال: وقد تحصل لي فيها عشرون قولاً وأزيد، ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم ولا يصل فيها إلى فهم.
يقول الحافظ ابن حجر: وأما عد الحروف بخصوصه فإنما جاء عن بعض اليهود، كما حكاه ابن إسحاق في السيرة النبوية عن أبي ياسر بن أخطب وغيره أنهم حملوا الحروف في أوائل السور على هذا الحساب، واستقصروا المدة أول ما نزل: (الم)، و (الر)، وقالوا: هذا لا يمكن أ
стр. 121
جواب شيخ الإسلام على من تكلم في تعيين وقت الساعة
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل يعلم النبي ﵇ وقت الساعة؟ فقال: من تكلم في وقتها المعين، مثل الذي صنف كتاباً سماه: الدر المنظم في معرفة الأعظم؛ فهذا البلاء موجود منذ القدم.
وذكر في هذا الكتاب عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من حروف المعجم والذي تكلم في عنقاء مغرب وأمثال هؤلاء فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند أتباعهم فغالبهم كاذبون مفترون، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم، وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، خاصة وقد قال الله تبارك تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
стр. 122
حكم ابن القيم على حديث تحديد عمر الدنيا بالوضع
وشيخ الإسلام ابن القيم تلميذ ابن تيمية قال في كتابه (المنار المنيف) في صفحة (٨٠): ومن الدلالات الصريحة على وضع الأحاديث أن يخالف صريح القرآن، مثل حديث مقدار الدنيا وأنها (٧٠٠٠) سنة ونحن في الألف السابعة.
قال: وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحاً لكان كل أحد عالماً أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا ٢٥١ سنة، أي: أنه باستطاعتنا أن نعلم وقت قيام الساعة بالساعة واليوم والشهر والسنة.
وهذا من أبين الكذب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن القيم.
стр. 123
رد ابن كثير على من حدد وقتاً لقيام الساعة
وقال ابن كثير عليه رحمة الله: وكل ما قيل من توقع وقت قيام الساعة فهو ظن وتخمين باطل مردود على قائله؛ لمخالفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وهذه المخالفة قد ذكرها في الفتن والملاحم فقال: لا يعلم ما مضى إلا الله، أي: مقدار ما مضى من الدنيا.
وهذا يدل على عدم صحة القول بأنه قد مضى من الدنيا ستة آلاف، قال: لا يعلم مقدار ما مضى إلا الله ، ولا يعلم مقدار ما بقي إلا الله ، والذي في كتب الإسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف أو مئات من السنين قد نص غير واحد من العلماء على تخبطهم فيه وتغليطهم، وهم جديرون بذلك حقيقون به.
ثم قال: وكل حديث ورد فيه تحديد وقت يوم الساعة أو وقت قيام الساعة على التعيين لا يثبت إسناده.
стр. 124
إنكار شيخ الإسلام على الطبري والسهيلي
وقد عقب شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المقالات للسهيلي والطبري وغيرهما بقوله: وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن دين الإسلام محرمة فيه، فيجب إنكارها، والنهي عنها على المسلمين على كل قادر بالعلم والبيان واليد واللسان؛ فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأنه متعلق بالعلم الذي استأثر الله ﵎ به، وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسوس الملوك.
стр. 125
تحذير الشيخ صفوت نور الدين من الاشتغال بتحديد وقت الساعة
ويقول الشيخ صفوت نور الدين الرئيس العام لأنصار السنة: فاشتغال الناس بوقت الساعة وتحديد زمان للفتن بعد أن علمنا الشرع قرب وقوعها اشتغال بما لا ينبني عليه العمل، فأنا أعرف أن أجلي سابق على الساعة، فعلي -إذاً- أن أجتهد في العمل الذي ينجيني بين يدي الله، والانشغال بالتحديد لزمان الفتن من الدجال وغيره ينبغي أن ينهى عنه أهل العلم، فلا يدخل فيه أحد؛ لأنه لا طريق للعلم به إلا الشرع، ولا دليل من الشرع، فكيف نعلمه؟! والعجيب أن تروج رواجاً الكتب التي تكتب عن ذلك وينشغل بها الكثير من الناس، وقد قال النبي ﷺ : (ويحك ما أعدت لها؟!).
وذكر الأحاديث التي تدل على قرب الساعة.
стр. 126
وقوع علامات الساعة الصغرى لا يستلزم أن تعقبها العلامات الكبرى
ومن المثالب على الكتاب من جهة التفصيل أنه من المعلوم لم يرد نص يبين أن هذه علامات صغرى بحيث يقتصر عليها ولا يلتفت إلى ما دونها أو يسقط ما دونها، وإنما ذكر النبي ﵊ بعض العلامات، وذكر بعض النصوص التي تدل على أحداث تسبق العلامات الكبرى وهذه الأحداث التي تسبق العلامات الكبرى، لا تدل من الناحية الشرعية على قرب العلامات الكبرى، ولا تستلزم أن تعقبها العلامات الكبرى؛ لأن هذه الحرب والخسف والزلازل التي تسبق العلامات الكبرى بينها وبين العلامات الكبرى مدة من الزمان لا يعلمها إلا الله .
وقد قال العلماء: إن هذه العلامات إذا وقعت لزم من ذلك حدوث العلامات الكبرى بعد حين بزمن لا يعلمه إلا الله، وبعثة النبي ﵊ هي على رأس علامات الساعة الصغرى، فهو القائل: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، وهو القائل: (بعثت أنا والساعة كفرسي رهان).
وقد حدث النبي ﵊ أصحابه عن الدجال فخفض فيه رفع، فقام عنه أصحابه يبحثون عن المسيح الدجال في طائفة من النخل، والمسيح الدجال من العلامات الكبرى وليس أولها، ومع هذا فإن الصحابة لما حدثهم النبي ﵊ عن الدجال فخفض فيه ورفع وعظم من شأنه وفخم ذهبوا يبحثون عنه في المزارع والبساتين، لعلهم يجدونه، وهذا يدل على شدة إيمان الصحابة بالغيب، فالساعة محتملة حتى في زمن النبوة، وعلامة إيمانك بالغيب أن تؤمن به الآن كما تؤمن به بعد ألف سنة، لو أن الله ﵎ أخبرك أن الجبال تسير سيراً وأن السماء تمور موراً وسمعت هذا لأول مرة فقد وجب عليك أن تعتقد أن ذلك بالإمكان أن يكون الآن.
وإذا كان الله ﵎ أخبرك بأن الساعة قادمة لا محالة وجب عليك الاعتقاد أنها تقوم الآن كما تقوم بعد سنة أو عشر أو مائة أو ألف أو أكثر أو أقل، فهذه علامة إيمانك بالغيب.
ولو أتاك طبيب وأخبرك بأنك ستعيش أسبوعاً، وبعد هذا الأسبوع فيحتمل أن تموت ويحتمل ألا تموت فهذا إخبار عن شيء من الغيب، ولو قلنا: إن عمر الدنيا سيبقى سبعين سنة على حساب الكاتب لكنا قد أخبرنا بشيء من الغيب.
ولو قلت لك: إن عمر الأمة سينتهي بعد سبعين سنة فكأني أقول لك: ارتع والعب وعربد ما شئت، فالأمر بعيد ولا يزال، ولو قلت لشخص: إنك ستعيش ثلاث سنوات لقال لك: سأعمل في سنتين ونصف الذي أريده من الفجور والمعاصي، وبعد ذلك أتوب.
والذي يخبرك بهذا لا شك أنه يخبرك بضرب من ضروب الغيب ولا يحل له ذلك.
وقد ذكرنا أن أهل العلم ردوا على ابن جرير والسهيلي والسيوطي، وتبين بهذا أن الكاتب ترك الآراء التي هي محل اتفاق وذهب إلى رأي منتقد، وكذلك خان الأمانة العلمية في أنه لم يذكر أن هذا الرأي قد انتقده أهل العلم، بل إنه جعله رأياً سديداً وراجحاً وبنى عليه مسألة من مسائل العقيدة في غاية الخطورة؛ لأنها متعلقة بالساعة وأشراطها وعمر الأمة، وعمر الأمة كذلك غيب.
والأمم السابقة قد انتهى أجلها، ويبقى عمر أمة الإسلام، فإذا تكلمت عن انتهاء عمر أمة الإسلام أو قرب انتهائها وجعلت لذلك علامات وأمارات فإنك تكون بذلك قد ولجت مولجاً خطيراً، وهو الكلام في أمر غيبي.
стр. 127
ترتيب علامات الساعة الكبرى مسألة اجتهادية
إن ترتيب العلامات الكبرى محل نزاع بين أهل العلم، لماذا؟ لأن النبي ﵊ لم يذكر العلامات بالترتيب، ولم يقل: سيظهر كذا، ثم كذا ثم كذا، وقد ورد في بعض الروايات عند مسلم أنه قال: إذا ظهر كذا فسيكون بعده كذا ثم كذا ثم كذا، ولكنه لم يذكر كل العلامات، فقد ذكر علامات كبرى في غير هذا الدليل، ولكن المتفق عليه أن آخر العلامات نار تحشر الناس من المشرق، وأما أول العلامات وترتيبها بعد ذلك فهو محل اجتهاد أهل العلم.
стр. 128
التلازم بين انتهاء عمر أمة الإسلام وقيام الساعة
ثم ما هو الفرق بين عمر أمة الإسلام وقيام الساعة، وقد ناقشت الشيخ محمد عبد المقصود والشيخ فضل سعيد والشيخ سيد العربي وكثيراً من أهل العلم فيما هو الفرق بين عمر أمة الإسلام وقيام الساعة؟ فقالوا: كلاهما مرتبطان، فعمر أمة الإسلام مرتبط بقيام الساعة، فإذا انتهى عمر أمة الإسلام قامت الساعة؛ لأن الساعة تقوم على شرار الخلق من أمة الإسلام، فالذي يفرق بين عمر أمة الإسلام وبين قيام الساعة فعليه الدليل.
стр. 129
الأثر السيء لتحديد وقت الساعة
إنني أعرف أن معظم الحاضرين أتوا ليعلموا المآخذ على الكتاب، فالكتاب عندهم حلو وجميل، فجاءوا ليرون ما الذي عليه، وأنا قد ذكرت ما في الكتاب، وقد ذكر المؤلف أنه بقي على الأشراط الكبرى سبعون سنة، وهذا سلاح ذو حدين، وكلا الحدين شر، فأما شره على المتقين فهو بالتسويف، فالمتقي عندما يعرف أنه بقي له سبعون سنة يعلم أنه ما زال هناك فسحة من الوقت، وأما شره بالنسبة للظالمين أو الكافرين أو الملاحدة أو العلمانيين على جهة الخصوص فقد اتخذوا الأمر تندراً وطرفة وأضحوكة واستهزاء وسخرية فقط، فقالوا قولك: القيامة بقي لها سبعون سنة من أين أتيت بهذا الكلام، فقال: من كتب أهل الكتاب.
وهذا أمر في منتهى الخطورة؛ لأن القرآن سكت عن ذلك وتكلمت عنه كتب أهل الكتاب، فيعتقد عامة الناس أن كتب أهل الكتاب أكثر انضباطاً ودقة من القرآن الكريم؛ لأن هذه الكتب قد حددت الساعة بالضبط، ولذلك نرى من يقول: إنها في سنة (٢٠٠١) أو (٢٠٠٣) أو (٢٠٠٥) أو (٢٠٢٣)، حتى ظهر شخص من الكويت يقسم ثلاثاً أن القيامة ستقوم سنة (٢٠٢٣م)، وهذا إجرام وإن كان في صورة شيخ تقي إلا أنه قد فتن بالعد الحسابي حتى صار عنده هو الأصل في دين الله ، وكل شيء عنده مبني على الكمبيوتر، وأصبح العد الحسابي عنده دليلاً أصلياً ومصدراً شرعياً، وقد اختلفت الأنظار في العام الذي تظهر فيه الفتن أو الأشراط أو الساعة.
ولا شك أن من تكلم بشيء من هذا فقد تكلم في الغيب شاء أم أبى.
وإذا كان الهدف من رسالة أخينا الشيخ أمين تخويف الناس فهذا المعنى يناقض ما قصده وصبا إليه، وكان بإمكانه أن يلجأ إلى طريق شرعي للتخويف، وهو أن يكلم الناس عن ساعتهم لا عن الساعة الكبرى، ويكلمهم عن الموت وعن العذاب وعن القبر وعن الجنة، ويرغبهم ويرهبهم، وأما الكلام عن الساعة الكبرى التي تعم الناس فلا شك أنه من باب الكلام في الغيب، ومن علامة الإيمان بالغيب أن تؤمن بالغيب الآن كما تؤمن به بعد مئات السنين، وأن تتوقع أن يقوم الآن كما يقوم بعد عشرات أو مئات السنين.
стр. 130
النهي عن التكلم فيما لم يقع
وينبغي الانتباه لباب عظيم جداً غفل عنه كثير من الناس، وهو ما صنفه العلماء في كتب العقيدة من النهي عن التحدث بالأغلوطات، وهي الافتراضات والآراء التي لم تقع بعد، وقد كان الرجل يأتي إلى أحد السلف كـ عمر بن الخطاب وغيره ويسأله في مسألة فيجيبه: أثم هو -يعني: أوقع؟ - فيول: لا، فيقول: دعنا منها حتى إذا وقعت أعاننا الله عليها.
فما كانوا يتعرضون لشيء مما لم يقع وإن كان من أمور الفقه، فما بالكم بأمور الغيب؟! والأدلة على النهي عن التكلم في الغيب كثيرة جداً، يحكمها قول ابن مسعود ﵁ أنه قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)، فالتحدث في هذه الأبواب يثير الفتن والقلاقل، وما جمعنا في هذا المسجد في هذا الوقت إلا تلك الفتنة التي أحدثها أخونا الشيخ أمين.
ويقول علي بن أبي طالب: (حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) ولا شك أن المرء إذا طرحت على مسامعه شيئاً لا يستطيع أن يستوعبه فإنه يبادر بالتكذيب، أي: بتكذيب ذلك الخبر، وربما كان صحيحاً.
وأبو هريرة ﵁ كان له كيسان من الحديث، وقال: (أما أحدهما فقد بثثته -أي: قد حدثت به- وأما الآخر فلو حدثت به لضربتموني هاهنا.
وأشار إلى حلقومه)، ولكنه حدث به بعضهم - معاذاً وحذيفة - قبل موته تأثماً، قال العلماء: كان ذلك الكيس الذي خزنه أبو هريرة متعلق بالفتن والساعة وأشراطها وأحاديث الصفات؛ لأن هذه الأمور لو طرحها على عامة الناس لأحدث فتناً وقلاقل، فمذهب السلف فيما يمكن أن ينتج عنه فتنة عظيمة تعم الناس أنهم يمسكون عنه كل الإمساك، فما بال أخينا لم يمسك عن هذا حتى بعد أن أحدث فتنة؟! وقد حدثه كثير من الناس، وأرسل إليه كثير من أهل العلم رسالات متعددة وجلسوا معه عدة مرات، وبلغني مؤخراً أنه رفض وأبى أن يستجيب لدعوة أحد للمناظرة أو للمجادلة أو لبيان الحق أو غير ذلك، وقال: أنا لا أجلس مع أحد، ثم أعقب ذلك بقوله: أنا الذي في رأسي في رأسي، والذي في رأسه شيء يضرب برأسه في الجدار، وأقسم من حدثني أنه قال ذلك، والعهدة عليه.
وهذا ليس من باب النقاش العلمي، ولا حتى هذا من باب أدب طلاب العلم، وليس هذا منهجاً لأهل العلم.
стр. 131
الرد على مصنف عمر أمة الإسلام في كونه مسبوقاً في العد الحسابي
والشيخ أمين يقول في رسالته: ليست مسألة الحساب بدعة، وأنه قد سبق إلى ذلك بأقوال السلف، والجواب عليه قد سبق، فقد سبق بذلك سبقاً غير مرضي ولا محمود، ومن سبقه بهذا الكلام قد رد عليه أهل العلم، فالإمام الطبري رد عليه من هو مثله وأعلى منه قدراً.
فنقول: إن اعتماده على كلام الطبري والسهيلي والسيوطي ليس مرضياً ولا محموداً؛ لأنه قد ثبت بطلانه، فإن الإمام الطبري عليه رحمة الله اعتمد الحساب وقال: إن هذه الأمة لا يزيد عمرها عن ألف، وقد زاد بالفعل، فثبت تكذيبه، وكذلك ثبت تكذيب السهيلي، ويبقى تكذيب السيوطي، ثم أمين جمال الدين.
إذاً: فلم يعرض الكاتب نفسه لأن يكون في يوم من الأيام كاذباً؟! فهو الآن عند الناس متنبئ؛ لأن العمر الذي افترضه لم يحن بعد، ولكنه بعد حين سيكون كاذباً كما كان سلفه الطبري والسهيلي.
وهب أن القيامة قامت والأشراط تحققت قبل سنة (١٥٠٠) فهذا ليس دليلاً على صدق أخينا الشيخ أمين أو السيوطي؛ لأنهما يخبران عن الغيب وهذا لا يجوز في حقهما، والطبيب إذا أعطاك الدواء وقال له: إنك ستشفى به بإذن الله؛ فلا يعني ذلك أن الطبيب كان على يقين جازم أن الشفاء سيتحقق عن طريق هذا الدواء، فالدواء سبب، وقد يتخلف السبب عن المسبب والمسبب عن السبب، فلو أن القيامة قامت قبل العام الذي حدده السيوطي ومن بعده الشيخ أمين فليس في هذا دليل على مصداقيتهما أبداً، وليس فيه كذلك صحة هذه النبوءة، وإنما نقول: إن الذي يتكلم في أمر الساعة أو أشراطها أو عمر هذه الأمة إنما يتكلم رجماً بالغيب، ولا يجوز له ذلك.
стр. 132
الأسئلة
والشيخ أمين يقول في رسالته: ليست مسألة الحساب بدعة، وأنه قد سبق إلى ذلك بأقوال السلف، والجواب عليه قد سبق، فقد سبق بذلك سبقاً غير مرضي ولا محمود، ومن سبقه بهذا الكلام قد رد عليه أهل العلم، فالإمام الطبري رد عليه من هو مثله وأعلى منه قدراً.
فنقول: إن اعتماده على كلام الطبري والسهيلي والسيوطي ليس مرضياً ولا محموداً؛ لأنه قد ثبت بطلانه، فإن الإمام الطبري عليه رحمة الله اعتمد الحساب وقال: إن هذه الأمة لا يزيد عمرها عن ألف، وقد زاد بالفعل، فثبت تكذيبه، وكذلك ثبت تكذيب السهيلي، ويبقى تكذيب السيوطي، ثم أمين جمال الدين.
إذاً: فلم يعرض الكاتب نفسه لأن يكون في يوم من الأيام كاذباً؟! فهو الآن عند الناس متنبئ؛ لأن العمر الذي افترضه لم يحن بعد، ولكنه بعد حين سيكون كاذباً كما كان سلفه الطبري والسهيلي.
وهب أن القيامة قامت والأشراط تحققت قبل سنة (١٥٠٠) فهذا ليس دليلاً على صدق أخينا الشيخ أمين أو السيوطي؛ لأنهما يخبران عن الغيب وهذا لا يجوز في حقهما، والطبيب إذا أعطاك الدواء وقال له: إنك ستشفى به بإذن الله؛ فلا يعني ذلك أن الطبيب كان على يقين جازم أن الشفاء سيتحقق عن طريق هذا الدواء، فالدواء سبب، وقد يتخلف السبب عن المسبب والمسبب عن السبب، فلو أن القيامة قامت قبل العام الذي حدده السيوطي ومن بعده الشيخ أمين فليس في هذا دليل على مصداقيتهما أبداً، وليس فيه كذلك صحة هذه النبوءة، وإنما نقول: إن الذي يتكلم في أمر الساعة أو أشراطها أو عمر هذه الأمة إنما يتكلم رجماً بالغيب، ولا يجوز له ذلك.
стр. 133
الرد على تحديد المصنف عمر الأمة بانتهاء العلامات وتناقضه في ذلك
السؤال
إن الشيخ أمين لم يقل بتحديد الساعة، وإنما قال بتحديد عمر الأمة، وأن عمرها سينتهي بانتهاء العلامات الكبرى؟
الجواب
الشيخ أمين يقول في الكتاب: إن عمر الأمة ينتهي بانتهاء العلامات، وأحياناً يقول: ينتهي بخروج الدابة، وأحياناً يقول: ينتهي بالنار التي تحشر الناس، وأحياناً يقول: بالريح التي تقبض أرواح الناس، فنحن لا نعرف متى ينتهي عمر الأمة، ومع أي علامة؛ لأننا كلما أمسكنا به في علامة هرب منها إلى علامة أخرى، وكلما أمسكنا به في جملة قال غيرها، فنحن لا ندري على مذهب الشيخ متى تقوم الساعة ومتى ينتهي عمر الأمة، ولو على سبيل التقريب.
ثم هذا الكلام مردود من وجوه: الوجه الأول: أن ذلك فيه ادعاء علم الغيب، وعمر الأمة غيب، إلا ما سبق من عمر الأمم السابقة كما ذكرنا.
الوجه الثاني: ما الذي يقصده الشيخ أمين حفظه الله بمصطلح (عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي ﵇، فقرب ظهور المهدي قد عرفناه، ولكن ما الذي يقصده بعمر أمة الإسلام، وما هو ارتباطه بـ المهدي ﵇؟! فـ المهدي في أول العلامات الكبرى التي تعقبها الساعة، فهل يقصد أن عمر أمة الإسلام سينتهي بظهور المهدي؟! لو قال ذلك فإننا لا نوافقه؛ لأن معنى ذلك أن الأمة ستفنى وتنتهي قبل ظهور المهدي، فمن سيبايع -إذاً- المهدي عند ظهوره؟! فـ المهدي لا يبايعه إلا الطائفة المؤمنة عند الكعبة، فلابد أن تبقى الأمة، كما أن المهدي سيقاتل ويصول ويجول بالمؤمنين أتباع النبي ﵊، والمهدي يعقبه نزول عيسى ﵇، وعيسى ﵇ ينزل فيحكم بشريعة محمد ﵇، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقيم في الناس دين محمد ﵊.
إذاً: الأمة باقية بعد ظهور المهدي، وأما إلى أي مدى ستبقى فهذا أمر لا يعلمه إلا الله ﵎ على وجه التحديد.
ونسأل الشيخ أمين: ماذا يقصد بعمر الأمة؟ هل يقصد بعمر الأمة وجود المسلمين أو وجود الإسلام أو وجود القرآن؟ فهذه أسئلة لابد لها من إجابات، فإذا قال: أنا أقصد به الإسلام، قلنا: لا يدري متى يرفع الإسلام إلا الله ، وليس هناك دليل من كتاب ولا سنة يبين متى يرفع الإسلام من قلوب وصدور الناس، وإذا كان يقصد بكلمة عمر الأمة رفع القرآن فلا يعلم ذلك كذلك إلا الله ﵎، وإذا كان يتكلم عن وجود المسلمين فيلزمه أن يقول بفناء الموحدين وبقاء الكفار أو الذين لا دين لهم ولم يرسل إليهم نبي، وهذا محال، وقيام الساعة الذي نفهمه ويفهمه كل أهل العلم مرتبط بفناء الأمة، أي: أن الساعة تأتي بعد فناء الأمة، والمعلوم قطعاً أن عمر الأمة إلى قيام الساعة؛ لأن المراد بالأمة أمة الدعوة، والشيخ أمين قال: المراد عمر أمة الإجابة؛ لأنه قال: عمر أمة الإسلام، ولم يقل: عمر الأمة فقط؛ لأن عمر الأمة -أي: عمر جميع المكلفين وعمر جميع الخلق- كذلك، والنبي ﵊ ثبت عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي واحد من هذه الأمة ثم لا يتبعني إلا دخل النار).
فهذا الحديث يتكلم عن أمة الدعوة، أي: الأمة التي محلها دعوة الرسول ﷺ ، فالأمة أمتان: أمة الإجابة، وهي التي استجابت وآمنت وصدقت وعملت واتبعت وهي أمة الإسلام، والشيخ أمين تكلم هنا عن فناء عمر أمة الإسلام، وأما عمر أمة الدعوة فلم يتكلم عنه، وهم جميع الخلق الذين خوطبوا بدعوة النبي ﵇، واليهود والنصارى من أمة النبي ﵊؛ لأنهم مطالبون بالاتباع، فلما لم يتبعوا وعجزوا وأنكروا وجحدوا استحقوا النار عياذاً بالله؛ لأنهم كالذين ارتدوا من أمة محمد ﵊.
стр. 134
أتباع المهدي هم أمة الإجابة
السؤال
إذا ظهر المهدي بعد انتشار الشر فهل يطلب من أمة الدعوة أو من أمة الإجابة اتباعه؟
الجواب
يطلب ذلك من أمة الإجابة الذين أرسل فيهم محمد ﷺ ، وهي ممتدة إلى قيام الساعة، ولابد أن تعتقد أن أمة الإجابة ممتدة إلى قيام الساعة، فقوله ﵊ في حديث أبي موسى الأشعري: (مثلي ومثلكم) الخطاب هنا متعلق بالمتبعين الذين اتبعوه، فهم لن ينقطعوا قبل المهدي، وهذا يدل على أن أمة الإجابة باقية إلى قيام الساعة، فإذا كنت تتكلم عن قيام الساعة وعن عمر أمة الإسلام فيلزمك أن تقول: إنه في اللحظة التي يتم فيها فناء أمة الإسلام لابد وأن تقوم فيها الساعة، فالذي يتكلم عن عمر أمة الإسلام هو من طرف خفي يتكلم عن وقت الساعة.
والذين يقاتلون مع المهدي يستمر بقاؤهم إلى ظهور العلامات الكبرى بناء على ما دلت عليه النصوص وقد تقدم بعضها.
وهنا نسأل المصنف: هل قصدت بعمر الأمة بداية العلامات أم وسطها أم آخرها؟ وسنجد أن جوابه مضطرب غاية الاضطراب في الكتاب.
وهذا الرد كاف على سبيل الإجمال على ما في الكتاب، وأهم شيء أريد أن أؤكد عليه أن الكلام عن الساعة وأشراطها كذلك إنما هو ضرب من ضروب الغيب، لا يجوز لأحد أن يخوض فيه، وكما قال ابن كثير في الفتن والملاحم وابن حجر وغيرهما من أهل العلم كـ الصنعاني: إن عمر الدنيا لا يعلمه إلا الله ، كما أنه لا يعلم أحد ما مضى من عمر الدنيا وما بقي من عمرها، وإنه لم يصح دليل على حساب عمر الدنيا من آدم ﵇ وإلى قيام الساعة، وأما الذي اعتمد على هذه النصوص التي لم يصح منها شيء ولم يثبت منها شيء، وبناء عليها أنزل العد الحسابي على حديث ابن عمر وعلى حديث أبي موسى الأشعري، فهذا في غير محله، وترجيح بغير مرجح، ودلالة بغير دليل، ولذلك وجب التوبة منه والبراءة منه كل البراءة.
ولا يهمني بعد هذا الجهد أن يعتقد إنسان ما في الكتاب من كلام أو لا يعتقد، ولا أقول إلا كما قال النبي ﵇: (اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد).
وأقول إجمالاً: إن الكاتب أعرض عن جميع الاحتمالات التي هي محل احترام من عند أهل العلم، ورجح بغير مرجح احتمالاً ساقطاً هابطاً ليس مرضياً ولا مستحباً عند أهل العلم، بل قد قاموا عليه كلهم قومة رجل واحد بالنقد والثلب وبيان عواره وفساده، والإمام الطبري هو أول من ذهب إلى ذلك أخذاً من كتب أهل الكتاب، وهو جبل من جبال العلم في ذلك الزمان قبل مرور الألف، ولكن كل الناس يؤخذ من قوله ويرد إلا هو ﵊.
والإمام الطبري والسهيلي والسيوطي الذين أخطئوا في هذه المسألة هم أئمة عظام أجلاء، وقد بان خطؤهم وفساد منهجهم في العد الحسابي، فقد أنزلوا هذه الأدلة على غير منازلها وفي غير وجهها، والأئمة جميعاً إنما أوردوها في أبواب المواقيت وأبواب الإجارة، وهذا يدل على أن هذه الأحاديث لا علاقة لها البتة بعمر الدنيا، ولذلك نقول: لا يجوز لأحد في هذا الزمان ولا الذي بعده أن يحتج بهذه الأحاديث في أبواب الفتن؛ لأنه إن احتج بها في ذلك فقد احتج بها في غير بابها، وأرجو أن تخمد هذه الفتنة -على الأقل- في منطقتنا.
стр. 135
واجبنا تجاه كتاب (عمر أمة الإسلام)
السؤال
ما هو واجب الملتزمين وغيرهم تجاه هذا الكتاب، نرجو التوضيح وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذا الكتاب -كما قلت- فيه نفع وشر، وشره غالب، فلو اتخذناه كالخمر للزم أن نقول بتركه وعدم الاطلاع فيه، وعندما قرأت في هذا الكتاب كأني قرأت في التوراة والإنجيل من كثرة استشهاده واحتجاجه بهما، وضاق صدري جداً، وعانيت أن أكمل هذا الكتاب عندما وقع في يدي أول مرة، ثم لما كلفت بالرد عليه قرأته عدة مرات؛ لأن التكليف بخلاف الاطلاع، فعندما اطلعت عليه لأول مرة ظننت أن الذي بين يدي هو الإنجيل أو التوراة، وكنت أظن أني مأمور من قبل الرسول ﵊ بألا أقرأ هذا الكتاب، وطالب العلم الحاذق العاقل الذي يستطيع أن يميز بين الحق والباطل له أن يقرأ هذا الكتاب، فينفي ما فيه من كدر ويأخذ ما فيه من خير.
وأما الذي يخشى على نفسه أن يقرأ في التوراة والإنجيل فأقول: يخشى عليك أيضاً أن تقرأ في هذا الكتاب.
стр. 136
حكم شراء كتاب (عمر أمة الإسلام) واقتراح بالرد عليه في كتاب
السؤال
ألا يمكنكم الرد على كتاب (عمر أمة الإسلام) في كتيب صغير يتناوله جميع الناس ليعلموا الحقيقة؛ حتى تخمد الفتنة؛ لأن الكتاب منتشر جداً، وأنا أحد الناس الذين قرءوا الكتاب واعتقدوا بما فيه، وقد اشتريته لبعض الإخوة حتى يقرءوه، فهل أنا آثم في ذلك أم لا؟
الجواب
أنت قبل ذلك غير آثم، وأما الآن فلا أقول: آثم، ولكني أتحرج من شراء الكتاب وانتشاره، وإن شاء الله ﵎ ربما نلبي هذا الطلب ويصدر كتيب بنقد الكتاب بصفة علمية منظمة ومرتبة أحسن من هذه العجلة، فقد بينت في المحاضرة الماضية معتقد أهل السنة والجماعة في مسألة الغيبيات، ومن أجل ذلك قلت في المحاضرة الماضية: من أراد أن يأتي بعد ذلك، يأتي والذي لا يريد أن يأتي فلا يأتي؛ لأن الكتاب لا يعنيني في شيء، وإنما يعنيني بيان الحق في المسألة ثم الرد على الشبهات، وقد جمعت في الرد عليه ما يكفي لعشر محاضرات بالجزء والصفحة والسطر والكلمة، ومن الصعب جداً أن أتناوله في المسجد، فإن شاء الله ﵎ سنجعل هذا في الكتيب بإذن الله.
стр. 137
مدى صحة نبوة هرمجدون والقضاء على ثلثي اليهود
السؤال
هل كل ما ذكره المؤلف في كتابه من حرب هرمجدون وظهور المهدي واتحاد أمم المسلمين والقضاء على ثلثي اليهود وغيره صحيح إذا تغاضينا عن التوقيت؟
الجواب
الله أعلم، وبإمكانك أن تأخذ الجواب من أول المحاضرة.
стр. 138
الموقف من جماعة التبليغ
السؤال
لا أجد مسجداً قريباً مني سوى مسجد يقوم عليه جماعة التبليغ فأصلي معهم الجماعة، وهم يدعونني للخروج معهم، فأرفض بطريق غير مباشر مرة، وصراحة مرة، وقلت لهم مرة: إن الخروج معكم بدعة، فجلس الأخ يدعو لي بالهداية، وقال: إن الإنسان عندما يموت لن يسأله الملكان على البخاري ومسلم أو غيرهما من الكتب، وإنما سيسألانه عن الإيمان والتقوى وعن تبليغ الناس سنة الرسول ﷺ ومنهجه، فكيف تصلون وتصومون وآخرون لا يفعلون ذلك ولا تدعونهم إلى الإيمان؟! وأسمع منهم كثيراً وأجادلهم، وقد يكون عندي شك في ذلك، فأرجو النصيحة حتى أسير على الطريق الصحيح؟
الجواب
إخواننا في جماعة التبليغ لهم من المناقب والفضائل الشيء الكثير، وليس هذا وقت سرده، وفي سنة (٨٤) وجد أحد زعماء الجماعة في الكويت بين يدي كتاب (خصائص أمة الإسلام)، فقال: يا شيخ! بعدما تفرغ من الكتاب أخبرني أزيدك خصيصة، فقلت: قد فرغت من الكتاب، قال: هل ورد شيء عن جماعة التبليغ في الكتاب؟ قلت: لا، قال: جماعة التبليغ يزيدون عن أمة الإسلام بخصيصة، قلت: وما هي؟ قال: إنهم يأتون يوم القيامة مستوري العورة! قلت: وما الدليل؟ قال: البطانية، قلت: البطانية دليل؟! قال: نعم دليل، قلت: ومن الذي قال ذلك؟ قال: الكاندهلوي والشيخ راشد، قلت: وهل كلامهما دليل؟ قال: أعوذ بالله يا سلفيين! أنتم هكذا، إن كلام أهل العلم عندكم لا وزن له! وإذا كنا ليس لنا مراد غير كلام أهل العلم فكيف يكون كلام أهل العلم لا وزن له عندنا؟! ثم سألته عدة أسئلة، فلما رأى ما بي من هول وفزع امتنع عن الجواب.
وهذه الأسئلة سأذكرها في المحاضرات القادمة إن شاء الله، ولجماعة التبليغ مخالفات كثيرة في العقيدة، ولكن مادام الأمر مستوراً فليكن مستوراً، فنحن لا نريد شماتة الأعداء بنا، فلا يصح لأحد أن يتكلم عليهم.
ورأس جماعة التبليغ في مصر الشيخ فريد العراقي، وهو من تلاميذ الشيخ إبراهيم عزت ﵀، والشيخ فريد هو الذي أدخل جماعة التبليغ إلى مصر، وهو رأسها الكبير، فإذا أخطأ فلابد أن يتوب على الملأ؛ لأن خطأ الرأس غير خطأ الفرع؛ لأن الفرع لا ينتبه إليه أحد، أما لو أخطأ رجل مسموع الكلمة له الصدارة والوجاهة فيجب تبيين هذا الخطأ.
وقد قال الشيخ فريد في شريط سمعته بالنص: الذي لا يخرج مع جماعة التبليغ على منهجنا وعلى أصول دعوتنا فهو كافر مرتد عن ملة الإسلام! وهذا الكلام ليس جديداً، فأنا أعرفهم من زمان، وهذا الكلام قد سمعناه بكثرة من صغارهم.
ثم يقول: والقدس ذهبت، والأندلس ذهبت، وخل العلم ينفعهم.
وهذا لمز للسلفيين، وهذا من أشد التخبط في العقيدة.
والآخر يقول: إن الإنسان عندما يموت لن يسأله الملكان: أقرأت البخاري ومسلماً؟ فهذه دعوة خبيثة لنبذ طلب العلم.
ولما سئلت عن جماعة التبليغ وقلت سأرد عليهم بعد ذلك جاءني أناس كثير جداً إلى البيت، ومنهم من اتصل بي في التلفونات، ومنهم من ترجاني وقال: سأقبل يديك ورجليك بشرط ألا ترد على الجماعة، فنحن لا نريد فتناً، ولا تنقصنا الفتن، فقلت لهم: ولماذا لا تقولون لهم: نحن غير ناقصين فساداً وضلالاً في العقيدة؟! ولماذا يكفرون عامة المسلمين؟! وقد سطرت رسالة تقطر أدباً لفضيلة الشيخ فريد العراقي قبل أن أرد عليه، وقلت له فيها: بعد التحية والإكرام والسلام والأدب والاحتشام، قد سمعنا كاستاً بصوتك فيه تكفير عامة المسلمين والاستهزاء بأهل العلم والعلماء وغير ذلك، وإرجاع كل نكبة ومصيبة حلت بالإسلام والمسلمين إلى انشغال المسلمين بطلب العلم، ونحن لا نعرف صوتكم ولا يضركم أننا لا نعرفكم، ويغلب على الظن أنه ليس صوتكم لأننا نجلكم عن هذا الكلام، وإلا إن كان هذا صوتكم فنسأل الله تعالى أن يجعلها زلة لسان يغفرها الرحمن، وإن كانت هذه عقيدة ثابتة راسخة فلا أقل من أن تسمح لنا بالرد والبيان.
فأخذ أحد أعضاء جماعة التبليغ على عاتقه أن يوصل له الرسالة، فلما ذهب إلى الشيخ وجلس أمامه ارتعدت فرائصه وخاف وكأنه جالس أمام ملك من الملائكة، ثم رجع إلي وقال: لم أسلمه الرسالة التي فيها نقده؛ (أنه سيكون بعد ذلك مصيبة) وقال لي: أقربت الساعة؟ قلت له: لماذا؟ قال: من أجل أن تنتقد الشيخ فريد.
وهذا نستفيد منه في باب التربية، فأصحاب البدع يجل بعضهم بعضاً أشد الإجلال، وأما صاحب الحق فمهما كان عظيماً وكبيراً تجد صعلوكاً من الصعاليك جالساً يقل أدبه ويطيل لسانه عليه، وقد يكون صاحب الحق عالماً جليلاً مثل الشيخ الألباني أو ابن باز أو غيرهما، فتجد الطفل الصغير الذي لا علاقة له بطلب العلم يمد رجليه في وجهه، ولا يستطيع أن يمد يده برسالة تقطر أدباً، وفيها مصلحة عظيمة جداً لشيخه من أهل البدع.
فأعطيت الرسالة لبائع سمك في سوق الجملة لا يهمه الشيخ فريد
стр. 139
العلامات الصغرى في كتاب (عمر أمة الإسلام)
السؤال
هل العلامات الصغرى التي أوردها المؤلف في أول الكتاب صحيحة كلها، وخاصة علامات ظهور السيارة، وحصار العراق والشام وغير ذلك؟
الجواب
هذه الأحاديث التي أوردها المحدثون وأهل العلم فيما يتعلق بأشراط الساعة الصغرى، ومنها ما هو صحيح ومنها ما ضعيف.
والإمام الترمذي أخرج حديثاً طويلاً بلغ صفحتين، ذكر فيه أكثر من سبعين أو ثمانين علامة من علامات الساعة الصغرى، وهو حديث ضعيف، ويغني عن ذلك ورود أحاديث كثيرة جداً صحت في تعداد علامات الساعة الصغرى.
стр. 140
المتكلمون المعاصرون عن علامات الساعة
السؤال
الرجاء تخصيص محاضرة خاصة لعلامات الساعة الصغرى والكبرى بالتفصيل، مع الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة؟
الجواب
تكلم الشيخ عمر عبد الكافي حول هذا، وليس له باع في الحديث، فخبط كثيراً، وهناك كتاب حول أشراط الساعة للشيخ عمر الأشقر، وهو من أضبط الناس لما يخرج من لسانه ويخطه قلمه، وكتابه في الساعة الكبرى والساعة الصغرى كتاب متين وجميل جداً، وهناك كتاب أكثر منه استيعاباً لأخ سعودي بعنوان (أشراط الساعة)، بإمكانكم أن ترجعوا إليه.
стр. 141
العلماء الذين ردوا على كتاب (عمر أمة الإسلام)
السؤال
من هم أهل العلم الذين عرض عليهم الكاتب كتابه، هل هم من مصر أم من خارجها؟
الجواب
هم من مصر، وقد عرض المؤلف الكتاب -وهو بخط يده- على الشيخ سيد العربي، والشيخ سيد العربي نصحه عدة مرات ألا يخرجه، وأنه إن أخرجه فسيحدث فتنة عظيمة، وكذلك الشيخ الكريم أبو ذر القلموني والشيخ محمد عبد المقصود أرسل رسالة إلى الشيخ أمين يستعد فيها للمناظرة، ويقول: هذا الكتاب لا يصح أن يكون عقيدة للمسلمين، والشيخ علي الدرويش لما قرأ الكتاب جن جنونه وقال: أريد أن أعرف من من أهل العلم فهم هذه الأدلة كما فهمها المصنف؟! فليأت بواحد فهم هذه الأدلة فهماً مستقيماً ولقي قبولاً عند أهل العلم، فهل هذه المسألة خفيت على أهل العلم جميعاً وبانت لك يا شيخ أمين؟! والشيخ أسامة القوصي رد على الكتاب، والشيخ ماجد أبو الليل رد فيه في حوالي ستة أشرطة أو سبعة، وقد رد على كل شيء في الكتاب، وأنا نفسي لم أطق أن أسمع إلا شريطاً واحداً، وقلت له: يا شيخ ماجد! المقصود الرد على الكتاب على سبيل الإجمال في الأخطاء العامة، وقد رد عليه حتى في الأخطاء النحوية، وليس هذا هو المقصود من الرد، فالرد ليس رسالة دكتوراه! وإنما المقصود من الرد بيان خطورة اعتقاد ما جاء في هذا الكتاب.
ودكاترة الجامعة الذين هم أساتذة أكاديميون معظمهم يعتقد أن المسيح الدجال والمهدي المنتظر خرافة وشعوذة، وهذا الاتجاه سائد في الأزهر كذلك، ويقولون: ليس هناك نص صح في هذا الأمر أبداً، وهذا كلام فارغ؛ لأن أدلة الكتاب والسنة ترد عليهم، والشيخ أمين يطالب من يريد منه أن يرجع عن هذا الكتاب بأن يأتيه بنقد من كل أهل العلم الذين في مصر، ومن الذي سيتفرغ ليمر على المشايخ والعلماء؟ والمشايخ والعلماء لا يقبلون هذا، وليس عندهم وقت لهذا.
وأهل العلم لم يقصروا في نصحه، ولقد نصحوه قبل إخراج الكتاب وبعد إخراجه.
стр. 142
الجواب عن إشارة مصنف (عمر أمة الإسلام) إلى قيام الخلافة على يد المهدي
السؤال
لقد فهمت من هذا الكتاب أن الخلافة الإسلامية القادمة -إن شاء الله- لن تقوم إلا على يد المهدي المنتظر، فما رأيكم بذلك؟
الجواب
الكلام هذا أجبت عليه أثناء المحاضرة، فيحتمل هذا، وهذا احتمال من غير قطع ولا يقين، ويحتمل أن يمكن الله لطائفة من الناس، وليس بعيداً على الله أن يمكن لطائفة السلفيين أو الإخوان أو التبليغ أو أي أحد، أو حتى للصوفية، فانتظار الخلافة الإسلامية على يد المهدي هذا احتمال، ولكن لا تجزم، فالعيب أن الشيخ أمين يجزم بهذا، ومعنى كلامه أنه يقول: لا تنتظروا خيراً إلا على يد المهدي، ثم يقول: أنا لم أقل هذا، أنا قلت: لابد أن تعملوا.
وكلامه صحيح، ولكن هناك فرق بين العمل للخلافة الراشدة وانتظار الخير العظيم، وبين العمل من أجل أن أقول: لقد عملت يا رب وأديت الذي علي، فإذا قلت: إن الخلافة الراشدة لا تقوم إلا على يد المهدي لزمك إبطال كل هذه الجهود؛ لأن هذه الجهود كلها تبذل لإيجاد الخلافة الراشدة أو للتهيئة لها، فإذا منعت هذا الخير فهذا يعني أنك تدعو إلى تثبيط الناس وإقعادهم عن الدعوة إلى الله ، وهذا بخلاف المواطن التي صرح فيها في الكتاب.
стр. 143
بيان حال إسماعيل منصور
السؤال
نرجو الرد على إسماعيل منصور فإنه يكتب من البلاء ما تعم به البلوى؟
الجواب
إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا العلم علمان: علم ابتدائي وعلم للرد على البدع، فإذا فتحت صحيح مسلم وقرأت فيه فإنك تتعلم العلم بطريقة منهجية.
وإسماعيل منصور كان من أكابر شيوخي لما كان مستقيماً على منهج السلف في مسجد الجمعية الشرعية في المنصورة، وكنت أنا من أحب التلاميذ إليه وأقربهم إليه، وقد قال لي: يا حسن! لو استطعت ألا تقلب ياقة الجاكت إلا بدليل فافعل، فقلت له من باب المزاح: وما هو الدليل على لبس الجاكت أصلاً؟! فكان يسر بي وأنا أسر به جداً، ثم لما فتن كبني إسرائيل تبرأت منه، ولا أنفي أنني تعلمت منه الكثير والكثير، وهذا من باب الإنصاف والعدل، وأول شيء أنكر النقاب.
يقول الإمام الشاطبي: إذا اختلف السلف في مسألة على رأيين فأتى من بعدهم برأي ثالث فهو باطل، يعني: إذا اختلف السلف في مسألة الحجاب والنقاب على رأيين، ثم جاء هذا يقول: النقاب حرام -وهذا القول لم يصدر من أحد من السلف- فيكفي في سقوطه أنه رأي مستحدث خبيث.
ثم بعد ذلك أنكر عذاب القبر، ثم أصدر كتاباً آخر كبير جداً أنكر فيه نصف البخاري ومسلم أو أكثر، وطعن في أبي هريرة، ولولا الحياء لأنكر السنة.
ولو سألت إسماعيل منصور: ما الفرق بينك وبين جماعة (روز اليوسف) فستكون النتيجة أنه لا فرق؛ فهو يمشي على سلسلة الإنكار، وقد كنا في رحلة إلى أثينا في الشهر الماضي مع الشيخ صفوت نور الدين، فقلت له: صدر كتاب لـ إسماعيل منصور، فقال لي: أنكر فيه ماذا؟ فقد أصبح معروفاً عنه أنه إذا أخرج كتاباً جديداً أنه ينكر فيه شيئاً عظيماً جداً.
стр. 144
محاولة الشيخ محمد حسان إقناع مصنف (عمر أمة الإسلام) بالتراجع عنه
السؤال
علمنا أنه كان هناك اتصالات بينكم وبين الشيخ أمين جمال الدين وأنه رفض الحضور لمناقشة الكتاب، فنقترح أن تستعين بالشيخ محمد حسان في إلقاء خطبة جمعة أو درس لكي يعم معرفة الأمور الخاطئة في هذا الكتاب؟
الجواب
الشيخ محمد حسان رجاه أيما رجاء أن يرجع عن الكتاب فقال: لا أرجع عنه، وقد أخبرني الشيخ محمد حسان أنه التقى بالشيخ أمين ورجاه أيما رجاء فقال: أنا فيما أنا عليه، والذي يريد أن يرد يرد.
وهذا عنت، بل إنه في مقدمة الكتاب بعد أن شكر الذين طبعوه والذين وزعوه قال: وأيضاً نشكر الإخوة المعارضين الذين ساهموا من حيث لا يشعرون في ذيوع صيته وانتشار أمره، فهو فرح بهذا، وهذا تبلد في الحس وسوء في الأدب.
стр. 145
موضع رد ابن حجر على تحديد الساعة بالعد الحسابي
السؤال
أين رد الحافظ ابن حجر على حساب الأرقام والحروف؟
الجواب
في الجزء الحادي عشر في كتاب الرقائق صفحة (٣٥٠).
следующие страницы →