← Общие книги

Общие книги · id 37616

الدفاع عن الله ورسوله وشرعه

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (147 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

موقف أعداء الإسلام تجاه الإسلام إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: فما زال الكلام موصولاً عن الدفاع عن الله وعن الرسول الكريم ﷺ ، وعن العقيدة والشريعة في آن واحد. وإن الناظر اليوم إلى حال المسلمين شرقاً وغرباً في أنحاء الأرض لا بد أن نظره سيرتد إليه بنتيجة واحدة، وهي أن المسلمين يقتلون بأيدي أعدائهم وربما بأيدي بعضهم، فهذه روسيا قامت قومة رجل واحد على إخوانكم في الشيشان فقتلوهم وذبحوهم وأحرقوهم حتى جعلوهم رماداً، وقتلوا النساء والأطفال الأبرياء، وشقوا وبقروا بطون النساء، وقتلوا الأجنة في بطون أمهاتهم. في هذا الوقت لو أنك نظرت إلى ما تفعله أمريكا بالعالم لوجدت أن أمريكا أذكى بكثير من روسيا، فروسيا أدخلت نفسها في هوة سحيقة، ربما لا تستطيع أن تخرج منها مع مرور الوقت، فإن المسلمين رجعوا إلى ربهم ودينهم، أما أمريكا فهي دخلت كل بيت، وأفسدت كل عقل، وأفسدت عقيدة المسلمين بنهج لا يمكن لأحد قط أن يعترض عليه، وهذا ما قد تنبهوا له قديماً: أن حرب المسلمين وقتال المسلمين أمر لا يكاد يجدي ولا ينفع، فاستمالوا المسلمين بالنساء تارة، وبفساد الفكر تارة أخرى، وبالتطبيع ثالثة، وغير ذلك من هذه الأسلحة التي يسمونها أسلحة هادئة، وقد نفعت معهم هذه الأسلحة. ليس هذا هو المهم؛ لأن الحرب إنما أتت من خارج بلاد المسلمين، أتت من الكافرين الذين لا خلاف على كفرهم، ولكن الخلاف أن تبتلى بلاد المسلمين بآحاد أبنائها، وأن تبتلى الشريعة بمن ينسب إليها، وأن تبتلى العقيدة بمن يطعن فيها من بني جلدتها. واليوم نعيش مع أحد هؤلاء، لا أقول: الجهلة المتعالمين، ولكني أقول: مع أحد الملاحدة المفسدين الذي هو أيد سمينة وغنيمة باردة لليهود، فوالله لا تحلم اليهود أن تفعل في بلاد المسلمين في عقيدتهم وشريعتهم ما يفعله جمال البنا الشقيق الأصغر للشيخ المجاهد الداعية المصلح حسن البنا ﵀، الذي قضى حياته دعوة وإصلاحاً وجهاداً هنا وهناك لأجل رفع راية التوحيد، ورفع راية نصرة الإسلام على ضعف ينصره الله ، وهذا شأن البشر جميعاً، لا يخلو جهد بشري من نقص وعيب، والحال كما ذكرنا.

стр. 72

موقف جمال البنا من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ولكن جمال البنا نهج نهجاً لم يراع فيه عقيدة ولا شريعة، ولا حتى راعى فيه الأخوة الإيمانية لأخيه حسن البنا، وإنما تبرأ من هذه الأخوة بقوله: إنه قد ربطني بأخي حسن البنا رابطة عضوية. وهو يدري ما يقول، والرابطة العضوية إنما هي رابطة الدم والنسب، لا رابطة الإيمان والعقيدة والأخوة الإيمانية، فلم يقل: تربطني به عقيدة أو نهج أو فكر أو غير ذلك، وإنما قال: تربطني به رابطة عضوية، فهو من أول الأمر قد تبرأ مما عليه أخوه، وتبرأ من كل جماعة ودعوة على الساحة، حتى تبرأ من الصحابة ﵃، وتبرأ من التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فكان هذا الرجل صريحاً جداً مع نفسه، ومع الناس، وقد رد عليه علماء الأزهر ظناً منهم أنه جاهل، وفي كل رد يعقب عليه ويقول: أتدرون أني لم أقرأ ردودكم هذه؟! إنما قرأتها قبل أن يلتقي آباؤكم بأمهاتكم. كبر وعنجهية وغطرسة، بل -والله- إلحاد وزندقة وإفساد في الأرض، يقول: أتظنون أني لا أعلم تعقيبكم هذا أو ردكم علي؟ لا والله، أنا أعلمه، وقد قرأته وعندي من الكتب والمكتبات ما ليس عند واحد فيكم ولا حتى في المكتبات العامة. هذا الرجل ليس نكرة في المجتمع حتى أذكره أنا على المنبر، وإنما قد صنف أكثر من عشرين كتاباً يحارب فيها دين الله ، ولكن يبدو أن الوقت لا يسمح له بالطعن في القرآن الكريم، وإنما طعن في السنة النبوية فقال: السنة التي يقال: إنها نبوية -انظروا إلى هذا اللمز والغمز- تحتاج إلى إعادة نظر، والفقه لا بد أن يجمع عن بكرة أبيه ويحرق، ونحن في أمس الحاجة لفقه جديد، حتى قال: إني نظرت في كتب الفقه فوجدت أن معظم هذه الكتب تتكلم عن العبادات مما يؤدي في نهاية الأمر إلى توثين الصلاة! أي: جعل الصلاة وثناً. تصوروا أن رجلاً اسمه جمال -بل هو إلى القبح والفساد والزندقة والإلحاد أقرب- جعل الفقهاء القدامى وثناً يعبد، فهو آلمه جداً أن الفقهاء توسعوا في الكلام عن العبادات، وأخذ للعبادات رمزاً وهو الصلاة، وقال: جعلوها وثناً. أمر عجيب جداً! والأعجب منه أن ينبري علماء الأزهر للرد عليه، ظناً منهم أنه جاهل، على أية حال: جهد مشروع، وعمل مبذول لرد هؤلاء الملاحدة إلى الإسلام مرة أخرى، ولكن هيهات هيهات! الهداية بيد الله ، ففي صفحات الجرائد والمجلات والصحف الرد عليه، بل صنف بعضهم كتباً للرد عليه. لم كل هذا الجهد؟ هل أنتم تفرغتم تماماً لهؤلاء الملاحدة؟ عندنا دعوة عظيمة وطويلة وعريضة، عندنا شباب هو أحق بهذا الجهد، بأن يبذل لهم لتربيتهم والأخذ بنواصيهم إلى الله ، حتى لا يجتمع المسلمون شرقاً وغرباً للرد على كلب من كلاب اليهود والنصارى اسمه جمال البنا.

стр. 73

موقف جمال البنا من الغيب وتفاسير القرآن والسنة النبوية جمال البنا أنكر جميع المعلوم من الدين بالضرورة، وأول شيء أنكره الغيب، ثم قال: التفاسير كلها كلام فارغ، ورد عليه الدكتور المطعني حفظه الله، وقال: يا جمال! أين الكلام المليان؟ هل ننتظره منك؟ وهل نترك فقهاءنا وأئمتنا القدامى وسلفنا الصالح ونمشي خلفك؟ جمال البنا ينكر تماماً اتباع المسلمين لنبيهم ﵊، ويقول: وما يدرينا أن السنة قد ثبتت؟! هذا حرب للأصول؛ كان علماؤنا يردون على المعتزلة في إنكارهم حجية حديث الآحاد في العقيدة، أما الآن فلا أحاد ولا متواتر، ولا قرآن ولا سنة، فهذا أمر عجيب وخطير جداً، وإنني تكلمت مراراً عن حجية السنة وأنها من حيث الحجية هي والقرآن سواء بسواء، وإن الله ﵎ نفى الإيمان عمن لم يحتكم إلى الله ورسوله في الوقت نفسه، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] أي: يا محمد. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فهذه كلها شروط لأصل الإيمان، أن تلجأ إلى الله في كتابه، وأن تلجأ إلى الرسول ﷺ في حياته، أو إلى سنته بعد مماته، وإن إثبات السنة من عدمها له علماء وله محدثون قد وضعوا القواعد الأصيلة المتينة، وغربلوا السنة حتى لم يبق حديث قاله أو لم يقله النبي ﵊، أو فيه علة من العلل إلا ميزوه وحيزوه وجعلوا السنة الصحيحة في جانب، والضعيف منها في جانب آخر. فماذا يبقى لـ جمال البنا أن ينكر أو لغيره والأمر كما قال الله؟! وفي الأمة ألف جمال البنا وأكثر، والأمر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠]، فهم والله أبقار، بل الأبقار أعظم منهم نفعاً على الأقل، فإن النبي ﵊ قال: (اشربوا ألبان البقر؛ فإن ألبانها دواء)، أما هؤلاء فلا يأتي الداء إلا من قبلهم، وليس الدواء، والنبي ﵊ هو المبين والشارح لمجمل الكتاب، ولمطلقه، والمفصل لعمومه، ولا يمكن لعقل قط يحترم نفسه أن يقول: إنه يفهم القرآن لأول وهلة بغير الرجوع إلى رسول الله ﵊، ثم إلى الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، ومن سار على نهجهم من الأئمة المتبوعين وغيرهم إلى قيام الدين. لا يمكن -إلا أن يكون مخبولاً مجنوناً- أن يقول: أنا إذا فتحت الكتاب قرأته فعلمت مراد الله . لا بد أن يرجع إلى كلام أهل العلم من السلف أجمعين ﵃. ولذلك اقرأ قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، هل ذكر في القرآن أن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والصبح ركعتان؟! اقرأ قول الله : ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، ما كيفية السجود؟ وما عدده في كل الصلوات؟ أو في كل صلاة على حدة؟ وماذا تقول فيه؟ وما هو الواجب فيه؟ وما هو الذي يحرم عليك أن تقوله في السجود؟ وغير ذلك من الأحكام، هل تجدها في كتاب الله ؟! الجواب لا. وأما قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فزكاة ماذا؟ وكم زكاة البقر والغنم والإبل؟ وكم زكاة المال؟ وكم زكاة الذهب؟ وما مقدار هذه الزكوات، وما شروطها؟ اقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، متى تقطع يد السارق؟ فالسنة بينت أنه لا قطع في أقل من ربع دينار، ومتى يكون القطع؟ وهل يكون مع قيام الشبهة أو بعدمها؟ ومن أي موضع في اليد تقطع، هل من الكف أو المرفق؟ وهل تقطع اليد كلها أم شيء منها؟ وبينت ذلك كله السنة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة جداً التي وردت مجملة عامة، فصلها وبينها وشرحها النبي ﵊. ثم هؤلاء يشككون في السنة، فيقولون تارة بأن السنة ما هي إلا مجموعة أخلاق وآداب ونصائح، ومعلوم أن هذه الأخلاق وهذه الآداب والنصائح غير ملزمة، إذاً: السنة عندنا غير ملزمة. وتارة يطعنون في السنة بالطعن في رواتها الأوائل، كالطعن في أبي هريرة لعلمهم أن أبا هريرة يروي معظم أحاديث الشريعة، فقد روى آلافاً مؤلفة من الأحاديث، فأرادوا هدم كيان أبي هريرة ليهدم ما قد أتى به من مرويات، ولكن هيهات هيهات! فإن هذا هو دين الله ، وهو الذي تكفل بحفظه، وأجمع علماء السنة أن قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] أن الذكر هو الكتاب والسنة. وكل آية فيها الكتاب والحكمة أجمع العلماء على أن الحكمة هي سنة النبي ﵊، ولا يمكن أبداً أن تكون الحكمة هي الكتاب؛ لأن

стр. 74

الرؤية الجديدة لأصلي العلم عند جمال البنا وربما يقول جمال البنا: أنا كتبت كتاباً بهذا العنوان! وفعلاً قد كتب كتاباً هو معي الآن، قال فيه: الأصلان العظيمان الكتاب والسنة، وأضاف إلى ذلك عبارة: رؤية جديدة. فهو يطرح رؤية السلف وتفسير السلف وبيان السلف وفهم السلف للكتاب والسنة، ثم يتقدم هو بعقله النتن القذر الوسخ لينظر في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ من جديد، زاعماً أننا في عصر قد تقدم فيه كل شيء، ولم يبق لمجهود السلف واقع في حياتنا، ويقول: عندنا الكمبيوتر والتكنولوجيا والمطابع والأوراق والأقلام وغير ذلك، ولم يكن هذا عند السلف، فإذا نظرت إلى كتابه وجدت أنه وضع معظم السم في بعض العسل. ولكن ابن عبد البر يقول: أصول العلم عندنا الكتاب والسنة، والسنة تنقسم إلى متواتر وآحاد، والقرآن نقل إلينا بالتواتر، أي: نقل الجمع الغفير عن الجمع الغفير في كل طبقة، وهكذا ورد إلينا بعض السنة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصاً من نصوص الله يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعهم. والضرب الثاني: أحاديث الآحاد، وفيه خلاف، وقد ذكر أهل العلم من السلف أن حديث الآحاد يفيد العلم والعمل معاً، قال ابن حزم في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) في أثناء استدلاله على حجية السنة: لا يحل لأحد من المسلمين أن ينكر أن السنة بنفسها حجة في العقائد والأحكام، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، فالله تعالى يردنا إلى كلام نبينا ﵊، فلم يسع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن وسنة رسول الله ﷺ ، ولا أن يأبى عما وجد في القرآن والسنة، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمر الله ورسوله وموجباً لطاعة أحد هما عن الآخر فهو كافر، ولا شك عندنا في ذلك، وقد ذكر محمد بن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تأويل سائغ فهو كافر، ومن استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله ﵊ فهو كافر، والحجة في تكفيره قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وهذه الآية كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر، وأيقن أن العهد عهد ربه إليه ووصيته الواجبة عليه. ثم قال: وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١]، فليتق الله الذي إليه المعاد امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختاراً للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، فإن من نازل خصمه في مسألة من مسائل الديانة وأحكامها فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى وإلى كلام الرسول ﷺ فصده عنهما ودعاه إلى قياس أو إلى قول فلان وفلان، فليعلم أن الله قد سماه منافقاً. وقال ابن حزم: لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة. وهؤلاء هم القرآنيون، أما الملحدون في زماننا فلا يأخذون بقرآن ولا سنة، ولا يلزمهم شيء من هذين. وإجماع الأمة على أن من قال: أنا لا آخذ إلا بالقرآن فحسب دون السنة فإنه كافر، فكيف سيصلي وقد قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]؟ فالقرآن أمرنا بالصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل، فلا يلزمنا إلا أن نصلي في هذين الوقتين وصلاة أخرى حين طلوع الفجر؛ لأن ذلك أقل ما يطلق عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غلاة الرافضة. ابن حزم: لم يذهب هذا المذهب وهو الأخذ بالقرآن دون السنة إلا بعض غلاة الرافضة، أما الآن فقد وجد أن بعض المسلمين ممن ينسبون إلى السنة يقولون هذا. قال: وإنما ذهب إلى هذا بعض غلاة الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم، ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقاً بإجماع الأمة. قال ﵊: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: ما وجدنا في كتاب الله حلالاً أحللناه، وما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمنا

стр. 75

موقف جمال البنا من الاحتجاج بالحديث المتواتر والآحاد قال جمال البنا: والسنة قد خضعت لعدد كثير من المؤثرات التي جعلت مصداقيتها تحتاج إلى نقاش. فمثلاً: هناك عمليات الوضع في الأحاديث، وعمليات الرواية بالمعنى، وعمليات التفاوت بين الأحاديث بعضها مع بعض، فمثلاً: الحديث المتواتر ملحق بالقرآن من حيث الحجية، ومن حيث إنه متواتر. وهذا من تضاربه، فهو يقول: الحديث المتواتر كالقرآن تماماً بتمام، ويقول في موضع آخر: ليس هناك حديث متواتر. حتى تعلم أنه متضارب وأنه أحمق، وجاهل، واستخدمه الأعداء استخداماً غبياً أحمق. وقال: وبعد ذلك يقولون: أحاديث المهدي وأحاديث الدجال وأحاديث الحوض من المتواتر. أي: حوض النبي ﵊ الذي من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبداً. ثم يقول: وهذه أشياء كلها لا قيمة لها ولا معنى لها، وهي أبعد ما تكون عن مجرد الذكر فضلاً عن المتواتر، وهذه المعاني كلها وضعناها في كتاب (السنة ودورها في الفقه الجديد). والفقه الجديد هو فقه جمال، فهو يريد منا أن نترك ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة والنووي والسرخسي وغير هؤلاء من العلماء الأقطاب، أقطاب الدين. ويقول: فالمفروض أن السنة تضبط بضوابط القرآن. هو لا يقول: أنا أجحد السنة؛ لأنه يعلم أن الشباب المسلمين الذي يمشون في الشارع والذين لا يصلون سيكفرونه. لكنه قال: إن السنة دخلها الوضع والتحريف، فالأصل أن نضبط السنة بالقرآن، يعني: أن نأخذ الحديث ونعرضه على القرآن، فإذا وافق القرآن أخذنا به، وإلا فيكون حديثاً موضوعاً حتى وإن كان في الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم.

стр. 76

موقف جمال البنا من حكم الردة قال: وأما حديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، فإنه يعارض عدة آيات صريحة كل الصراحة في حرية الاعتقاد. طبعاً من مصلحة جمال البنا أنه يقول: لا يوجد حديث يقول: (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا الحديث في البخاري؛ لأنه من أول المبدلين لدينهم، فهو ينفي عن نفسه حد الردة تحت شعار حرية الفكر وحرية العقيدة، ولم يعلم أن هذه الآيات كقول الله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، إنما تطبق في حرية الاعتقاد أولاً لا آخراً، فالنبي ﵊ ما أقام الحد على المشركين وعبدة الأوثان وقتلهم؛ لأنهم بدلوا دينهم، بل هم باقون على ديانتهم الكفرية، ولذلك لم يقتلهم النبي ﵊، وإنما تركهم، وكان يدعو الواحد منهم بالحكمة والموعظة الحسنة, ولم يحكم عليه بالردة؛ لأنه كافر. أما هذا الحديث فإنه ينطبق على المسلم فقط؛ فإنه يقتل ردة بعد استتابته ثلاثاً. فإن الدين ليس مرتعاً لكل أحد أن يرتع فيه ما شاء، يخرج منه ويدخل فيه؛ بل لك الحرية أن تدخل في دين محمد، فإذا دخلت فيه فليس لك الحرية أن تخرج منه، فإذا خرجت منه فإن حدك القتل؛ لقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). إذاً: قوله : ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] أي: من شاء فليبق على كفره أو يكفر بعد إسلامه وله حد الردة.

стр. 77

موقف جمال البنا من الأحاديث التي ذكرت بعض أمور الغيب ولذلك يسأله سائل فيقول: هل ممكن أن تعطينا بعض أمثلة لأحاديث تتعارض في نظرك مع القرآن الكريم؟ فيقول: كل ما أتى عن الغيب: الجنة والنار والميزان والساعة والصراط والحساب والجزاء، وكل الغيب استأثر الله به، أي: لم يطلع عليه نبيه، ولم يخبرنا النبي ﷺ بشيء من هذا قط. فيقول: وأنه إذا اطلع الرسول على جزء منه فليس لكي يشيع هذا. يعني: أنه يقول: إن الرسول ﷺ مخطئ، حتى لو قال له ربنا وحدثه عن الجنة والنار والحساب والصراط والجزاء وغير ذلك؛ ما كان ينبغي للرسول ﷺ أن يخبر الأمة بهذا، فهو يصحح للنبي ﵊. وذكر له حديث أبي هريرة: (إن في الجنة شجرة يسير في ظلها الراكب مائة عام)، فأنكر هذا؛ بل ضحك وسخر حتى وقع على قفاه من شدة الضحك. اللهم احرمه منها، اللهم احرمه منها. يقول: وكل الآيات الصريحة بعلم الغيب الذي استأثر الله بعلمه تتنافى مع وجود آلاف الأحاديث التي تحدد تحديداً دقيقاً كل ما في الجنة والنار والحساب والعقاب منذ أن يموت الإنسان؛ فهذه نتوقف عنها ولا نقول فيها بشيء. هكذا يقول جمال البنا الإمام المجتهد! ويسأله سائل فيقول: في ضوء رؤيتك للتعامل مع السنة، كيف ترى أحاديث يأجوج ومأجوج والمهدي والمسيح الدجال وعذاب القبر وما إلى ذلك من أمور غيبية؟ يقول جمال البنا: كل هذا من الغيب، ولا قيمة له ولا يعنينا في شيء، فالإسلام لا يريد من المسلمين إلا أن يعيشوا سعداء في مجتمعهم وتكون أخلاقهم سليمة والعدالة سائدة بينهم، والعلاقة طيبة بين الحاكم والمحكوم، وبين الرأسمالي والعمال، وبين الزوج والزوجة، فالقيم هي أهم شيء. وهذه المقولة هي نفس مقولة مصطفى محمود. ويقول: والأستاذ البنا ﵀ كان يقول: كل علم لا يتعلق به عمل فهو لغو لا قيمة له. وهذا من غبائه؛ فقد استشهد بكلام الشيخ حسن البنا ﵀ ليؤيد ما هو عليه، فإذا بكلام الشيخ يخالف كلامه؛ س فإن الشيخ حسن البنا يقول: كل كلام لا ينبني عليه عمل لا قيمة له. وأي كلام في الشرع لا قيمة له أو لا ينبني عليه عمل؟! فكل كلام في الشرع له قيمة وينبني عليه عمل، ولذلك فإن العمل القلبي شرط في صحة الإيمان، وعمل الجوارح شرط في كماله وتمامه، والعمل إما أن يكون قلبياً أو متعلقاً بالجوارح لا ثالث لهما.

стр. 78

موقف جمال البنا من الفقه القديم ثم يقول السائل: هل تعتقد أننا مؤهلون للاجتهاد واستنباط فقه جديد، وهل عندنا علماء مثل هؤلاء الأفذاذ الذين صاغوا الفقه في الماضي؟ فيقول: نحن أقدر من الأوائل على إبداع فقه جديد؛ لأنه توافر لنا ما لم يتوافر للأوائل من أدوات البحث، فلم تكن المطبعة موجودة، وأكبر أسباب اختلاف المحدثين والأئمة الفقهاء: أن إماماً ألم بحديث لم يلم به الآخر وهكذا، وأما نحن فقد ألممنا بكل شيء. ثم يقول: هذه الدعوة لن تظهر لها ثمرة الآن. وهذا كما يقول الكفار: فامشوا واصبروا على آلهتكم. ويقول: وهذا المذهب الجديد والفقه الجديد ربما لا يكون له أنصار الآن، لكن لا بد حتماً أن يكون له أنصار في المستقبل. فهو يرسل قواعد الآن لتأتي بعد ذلك أجيال نوح فيعبدون هذا الكلام من دون الله . فيقول: هذه الدعوة لن تظهر لها ثمرة الآن، فليس من الطبيعي أن تضع البذرة وتثمر ثمرتها في نفس الوقت، فبقدر ما تكون البذرة تمثل زراعة ثمينة بقدر ما تتطلب الوقت، فهناك فرق بين أن تزرع برسيماً أو فجلاً أو جرجيراً وتأخذ منه بعد شهر مثلاً، وبين أن تزرع زيتونة تحتاج إلى عدة سنوات حتى تثمر، فالذي نقوله لن يثمر الآن، ولكن قطعاً سيسود في السنوات التالية وبعد أن يموت صاحبه. ثم يسأله السائل فيقول: هل تعتقد أنك صاحب هذا الفقه الجديد وصاحب الاجتهاد السديد؟ يقول: هذه أشياء يعلمها الله، والتطور هو الذي سيحكم بها. أي: أنه متواضع جداً! يقول: وضروري أن الداعية يموت حتى يمكن الاعتراف به، ويمكن أن هذه الأشياء ربنا رزقنا بها. يريد أن يقول: أن الله رزقه هذا الاجتهاد، لكن لا أستطيع أن أقول بهذا. يقول: وأعطانا هذه الصفة، فلم يجعلنا نرتبط بوظيفة ولا بحزب ولا بهيئة، ولا نحن مشايخ ولا ننتمي إلى أي شيء، ولسنا محتاجين مادياً إلى أحد، فقد رزقنا الله الاكتفاء ولم يجعل لأحد سلطاناً علينا يفصلنا أو يضطهدنا أو غير ذلك، ومع هذا فنحن نقول كلاماً نؤمن به -يعني: أنه ليس جاهلاً ويفهم ماذا يقول- وننشره، ولسنا مكلفين بشيء أكثر من ذلك، لكن أن ينجح هذا الكلام فهذه ليست قضيتنا. يعني: هو يقول هذا الكلام من أجل الأمة، لكنه ترك النتيجة على الله !

стр. 79

موقف جمال البنا من كتب التفسير ثم يقول مرة أخرى: كل تفاسير القرآن كلام فارغ، والأزهر مجرد مدرسة وشيخه ناظرها. يسأله سائل فيقول: ما معنى أنكم ترفضون تفسير القرآن؟ قال: هذا من ضمن أفكارنا الأساسية؛ لأن كل تفسيرات القرآن أساءت إليه إساءات بالغة وحجبت نوره وجوهره من أن يصل إلى النفوس، وطرحت فكرها وإيمانها على القرآن الكريم. ويضرب لذلك مثلاً ويقول: المعتزلة -مثلاً- عندما فسروا القرآن صبغوا القرآن بصبغة الاعتزال، والخوارج كذلك، والقدرية كذلك، والأشعرية كذلك، ثم يقول: حتى السلف صبغوا القرآن بالآثار والأحاديث التي لا يدري أحد ما صحتها. أي: أنه يشكك في السنة النبوية. ويقول له السائل: وكيف يفهم الناس القرآن دون تفسير؟ فيجيب المجتهد: الرسول ﵊ كان يدعو الناس إلى تلاوة القرآن ولم يفسره؛ لأنه في جوهره معجزة بموسيقاه وقوة آياته وترابطها، ففي المدينة انتشر الإسلام بالقرآن، وكان أكبر وأول فتح في الإسلام. وهذا من الغباء، فقد انتشر الإسلام في مكة بالقرآن، أما المدينة فكانت محلاً للأحكام والتشريع. ثم يقول: وكل التفاسير كلام فارغ، فهي عبارة عن أقاصيص وروايات مبتورة وأبيات شعر مجهولة منقولة عن التوراة وبني إسرائيل. ثم يسأله السائل: هل تلغون عقوبة المرتد؟ يقول: هذا الفرق بيننا وبين المذاهب الأخرى، فنحن نجزم بأنه ليس للمرتد عقوبة؛ بل إن القول بعقوبته يعتبر ضد القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فإذا أردت إنقاذ نفسك فلتؤمن وإذا لم ترد فلتكفر، ويوم القيامة هو الفيصل، وما يميز الإسلام عدم وجود مؤسسة دينية فيه، ولا يملك أحد حق التحريم أو التحليل، حتى الرسول ﵊ لا يملك ذلك. ويقول: وأحب أن أؤكد أن التعليم الديني كلام فارغ وإساءة للعقول وقتل للملكات والإبداع، ويسيء كذلك للإسلام، فالأزهر مدرسة وشيخ الأزهر ناظرها لا أكثر. أي: أن التعليم الديني وتعليم أولادنا في الأزهر حرام على مذهب جمال البنا، فلا يخرج كل الناس أبناءهم إلى المدرسة؛ حتى لا يقعوا في الإثم ويقعوا تحت طائلة العذاب ودخول النار يوم القيامة.

стр. 80

موقف جمال البنا من تطبيق الشريعة الإسلامية ويقول جمال البنا: أرفض شعار تطبيق الشريعة، والعلة أن العدل أهم شيء، وهو أن يعيش الناس بسعادة وبحب وبألفة وود ووطنية وقومية وديمقراطية، وهذا ما يريده منا ربنا. ويقول: تطبيق الشريعة سنة، والسنة -كما تعلمون- لم يثبت منها شيء. ثم يقول: وحجاب المرأة عرف. أي: أنه ليس ديناً. وآيات القرآن كلها التي تأمر المرأة عند البلوغ بالتزام الحجاب، وأحاديثه ﵊ التي بلغت العشرات في الأمر بالحجاب، والتوعد بالنار على من لم ترتد الحجاب، كل هذا لا علاقة له بالفقه ولا بالعلم ولا بالإيمان؛ لأن الحجاب عرف، فما تعارف عليه المجتمع فهو حسن، وما أنكره المجتمع فهو منكر. فقد جعل عرف الناس قاضياً على كتاب الله وسنة نبيه ﵊. ثم يقول: وأحاديث عذاب القبر، والشفاعة، ويوم القيامة لا تتفق مع القرآن الكريم. ثم يقول السائل: إذا كنت من دعاة التجديد فماذا تقول للمعارضين لك من الرافضين للتجديد؟ وبماذا تنصحهم؟ قال: هؤلاء لا يستحقون الرد، وعلينا أن نتركهم يعمهون في عالمهم؛ لأن سنة التطور مستمرة، فالقضية أنهم يقولون: لماذا نجدد في الفقه وليس هنالك فقه جديد؟ وأنا أقول: لماذا لا يكون فقه جديد؟ التجديد في الفقه هذا كلام فقهائنا، ومعناه: أن كل مستحدث في حياة الناس يجتهد المجتهدون من أهل كل عصر في إثبات حكم شرعي منشؤه الاجتهاد لهذه القضية، وهذا اسمه التجديد في الفقه لا الفقه الجديد. فالفقه الجديد هو إلقاء الفقه القديم في مزبلة التاريخ وإحلال فقه جديد مكانه على مذهب جمال البنا. والأئمة الذين وضعوا الفقه أوتوا من العبقرية والنبوغ والذكاء ما لم يؤته أحد من العالمين. يعني: الشافعي وأبو حنيفة أو أحمد بن حنبل أو عمر بن الخطاب وأبو بكر؛ لم يكونوا أحسن من جمال البنا. وهذا القول يصدر منه لأنه لم يجد من يربيه، ولم يجد من يضربه بالنعال على رأسه، فهو يرتع بما يشاء: ألا خلا لكِ الجو فبيضي واصفري. يقول: وبالتالي فأنا أقول بأعلى صوت: نحن أقدر على الاجتهاد بعصرنا من الفقهاء القدامى، بل إنني أقول: إن الرافضين لتجديد الفقه مرتبطون بمصالح ذاتية -أي أنه يطعن في نياتهم-، فدعوتنا لتجديد الفقه أو لفقه جديد ضرورية، ولا يساورني أدنى شك أنه ما بين خمسين إلى مائة سنة فإن كل هذا الركام العالي من الفقه التقليدي والتفاسير وغيرها ستنحى جانباً في الماضي السحيق ويأتي فقه جديد.

стр. 81

موقف جمال البنا من الاجتهاد يسأله السائل: هل معنى هذا أن نترك الباب لكل من هب ودب ليقول: أنا مجتهد ويفسر على حسب رأيه وهواه؟ يقول: نعم، فلنترك الباب لكل من هب ودب، ماذا يضايقكم في ذلك؟! فيرد عليه الدكتور الطعني ويقول: إذاً: نأذن لبائع البطاطا بالاجتهاد. فيقول: وما المانع أن نأذن لبائع البطاطا بالاجتهاد، فإن أخطئوا قومناهم، وإذا أصابوا باركنا إصابتهم. فاليهود لا يمكن أن يعملوا في الأمة مثلما عمل فيها جمال، وبوتين زعيم روسيا مع ما يصنعه مع إخواننا في الشيشان لا يجرؤ أن يعتدي على القرآن والسنة هذا الاعتداء، وأن يسفه جهود الفقهاء والعلماء والأئمة على مدار ألف وأربعمائة سنة، والذي يجرؤ على هذا هو من يقيم بيننا ويتكلم بألسنتنا ويدعي أنه على ديننا. يقول: فلنترك الباب لكل من هب ودب، ماذا يضايقكم في ذلك؟! وعلينا ألا نغلق الباب عليهم، بل علينا أن نعلق على ما يقولون ونرد عليه إن شط، فالمهم المقولة لا القائل. ثم يقول: دع الآراء كلها تتصارع وتتبارز وتشتبك حولها الأقلام؛ لأن هذا معناه أن هناك حياة فكرية نشطة وإعمال للذهن، أما هذا الصدأ والخمول -ويعني به الفقه القديم- والغفلة التي تحدث عنها القرآن وجعل أصحابها أقل من الأنعام في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، هكذا يصف المجتهدين. وهو سعيد بالدكتور إسماعيل منصور أحد المهرجين، وأحد الملاحدة، الذي صنف كتاباً عن موقفه من السنة، وإن كان في وقت من الأوقات شيخاً لي، وقد درست عليه أيام استقامته، ولكنه انحرف انحرافاً شديداً، بل ألحد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولذلك عندما نغضب في الرد عليهم يناقشوننا بهدوء وببرودة وكأن أعصابهم في ثلاجة، ويقولون: لماذا أنتم غاضبون؟! ولماذا أنتم -يا أهل السنة- تكفرون دائماً، وتحكمون بالردة، وتسيئون الظن؟! فنقول: أنت دمرت العقائد والفقه ودمرت كل شيء، وتطالبني ببرودة الأعصاب؟! أنت تطعن في ديني، ولو طعن أحد في امرأتك أو في ابنتك ماذا سيكون ردك؟! ذات مرة ذهب عالم إلى بعض الإخوة ليناقشه رداً على باطله، فكان يهدم في شريعة الرحمن بعقائدها وأصولها ما شاء الله له أن يهدم، ثم قال هذا الملحد: وشرف بنتي أنا لم آت إلى هنا بدفع من أحد إلا بوازع النصح. فقال له أحد الحاضرين: هل عند بنتك شرف حتى تحلف بشرفها؟! فغضب غضبة شديدة، وعندما كان يهدم في الدين من أوله إلى آخره لم يغضب مرة، ولم يكف لسانه عن الطعن في الشريعة قطعه الله هو وأمثاله. ثم يقول السائل: ألا ترى أن الحرية يجب ألا تتطرق إلى الثوابت كالصيام والصلاة والزكاة والحج والعقيدة وغير ذلك؟ فقال: لا، هذا الكلام غلط، ينبغي أن تذكر الحرية في مثل هذا، بل إنني أقول: إن الحرية يجب أن تتوجه إلى الثوابت، فالعلماء عندما قالوا: (من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة) يمكن أن نضع تحت هذه المقولة الفضفاضة مائة تهمة على أقل تقدير، فهذه الثوابت لو تركناها دون أن نتحدث عنها بحرية فإنها تتوثن وتصدأ، يعني: لو تركنا الصيام والصلاة والزكاة والحج وغيرها دون أن نطعن فيها وندمرها؛ ففي المستقبل ستكون عبارة عن أصنام يعبدها الناس، فعلينا أن ننشئ الأجيال القادمة على ألا يوجد شيء اسمه صلاة وصوم وزكاة وحج ولا شيء من هذا أبداً، لا تقل لي: أصلي؛ لأن تعودك على الصلاة يجعل الصلاة وثناً يعبد.

стр. 82

موقف جمال البنا من الحجاب ويسأله السائل: ما رأيكم في الحجاب؟ قال: الإسلام لا يريد الحجاب، وإنما يريد الحشمة، والحجاب ليس من العقيدة ولا من الأصول؛ لأنك حين تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا تضيف عبارة: وأشهد أن الحجاب حق أو واجب، إذاً: فالحجاب ليس من الدين! والرد عليه: أنه يحصل نفس الشيء لكي أدخل الإسلام أن أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولا أقول: وأشهد أن الصلاة حق وأن الزكاة حق وأن الصيام حق وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق، وغير ذلك من فرائض وواجبات الإسلام. إذاً: كل هذا ليس مطلوباً، والمطلوب أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالها اليهودي أو البوذي أو الوثني أو النصراني سيصبحون مسلمين، والأصل في القضية أن ربنا يريد أن يعيش الناس في عدل وسلام وحرية وأمان. أما عن قضية تطبيق الشريعة فقال: إنها من القضايا الشائكة التي اختلفت حولها الآراء بشدة ما بين مؤيد ومعارض، والموقف من ذلك أنني كتبت كتاباً عن تلك القضية، وأوضحت فيه أننا -للأسف- عبدة شعارات، تطبيق الشريعة ومطالبة الأمة بأسرها بتطبيق شريعة الله هو عبارة عن شعارات فضفاضة لا قيمة لها. ثم يقول: ولو كنا صادقين في تطبيق الشريعة لا بد أن تواجهنا عقبات تحملنا على المطالبة مرة ثانية بعدم تطبيق الشريعة، وهذه العقبات هي وجود المذاهب الفقهية، هل سنطبق الشريعة على مذهب أبي حنيفة أم على مذهب أحمد بن حنبل أم الشافعي أم مالك أم الظاهرية أم مذهب الليث أم مذهب إسحاق بن راهويه؟! يعني: لو أخذنا بمذهب أبي حنيفة سنغضب الشافعية وبقية المذاهب، وهكذا لو أخذنا في تطبيق الشريعة بأي مذهب لا بد أننا نغضب ونثير ثورة بقية المذاهب علينا. ثم يقول: وهناك مذاهب اعتقادية أيضاً، كوجود الشيعة، نحن لو طبقنا الشريعة على مذهب السنة سنفرط في حق إخواننا الرافضة، وغير ذلك من الكلام الكثير. على أية حال كلامه مذكور في كتبه، وقد نقل وبث على صفحات الجرائد، ولكني أكتفي بذكر هذا، وإن كان الكلام لا ينتهي، ولكني أسأل الله تعالى -وأنتم تسألونه معي- باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب أن يخلصنا من أمثال هؤلاء، اللهم خلصنا منهم، اللهم خلصنا منهم على خير، اللهم افضحهم يا رب العالمين، اللهم افضحهم بالليل والنار، اللهم افضحهم في قعر بيوتهم، اللهم افضحهم عند أبنائهم وزوجاتهم، اللهم عليك باليهود والنصارى ومن سار في ركابهم، اللهم عليك باليهود والنصارى ومن سار في ركابهم، ممن يدعي أنه مسلم، اللهم إما أن تردهم إلى دينهم رداً جميلاً أو تأخذهم كما أخذت فرعون وثمود، اللهم خلصنا منهم على خير، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد. في حقيقة الأمر العلماء قد رجعوا إلى أبواب العبادات في كتب الفقه فلم يجدوا الصلاة قد احتلت من الكتب إلا بمقدار (١٢%)، أي: أن هناك (٨٨%) لباقي أبواب الفقه، وقال عن التراث الفقهي: إنه من أكبر أسباب تخلف المسلمين ومجتمعاتهم في العصر الحاضر، وشكك في المنهج الفقهي الذي وضعه الأئمة بدءاً من الرسالة للإمام الشافعي، وقال: إن هذا المنهج لم يعد صالحاً للعصر. هل رأيتم رجلاً كافراً قال مثل هذا الكلام؟! هل رأيتم رئيس دولة كافرة -مثل بريطانيا أو روسيا أو أمريكا- قال هذا الكلام؟ لا يجرؤ أحد أن يقول هذا، بل -والله العظيم- إن الكفر كله مجتمع على أن الدين الإسلامي هو أعظم دين عرفته البشريه، لكن القضية أنهم خائفون من الدين، فيريدون أن يدفنوه ويقبروه حياً. والدين حي يحتاج إلى رجال يحملونه، ولذلك فإن اليهود لا يعبئون بكل أصحاب المعاصي والاتجاهات والأفكار، ولكنهم يخافون من الأصوليين، الذي هم نحن، مع أن كلمة الأصولية كلمة نصرانية أو يهودية في أصلها، لكن على أية حال هم يعبرون بها عنا، فيقولون: الأصولي الذي هو متمسك بأصله وتراثه، متمسك بالأصلين العظيمين وهما الكتاب والسنة، فهم خائفون؛ لعلمهم ويقينهم أن منهج الكتاب والسنة وأن منهج دين الإسلام هو أعظم دين عرفته البشرية، وهو الدين الحي الذي لو قام أصحابه به خير قيام لسادوا العالم الآن كما سادوه سابقاً، فهم يعلمون هذا، ولذلك لم يقولوا: هذا القرآن كلام فارغ، وهذه السنة كلام فارغ، والتفاسير كلام فارغ، والسنة فيها كذا وكذا وإنما يعملون بالليل والنهار مكراً ليطمسوا معالم الشريعة، وأن يصنعوا أجيالاً تتلو الأجيال سماتها قطع العلاقة بينها وبين دينها، حينئذ يستريح اليهود والنصارى. ولا يكون هذا، بل الحرب سجال إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨]. يقول جمال البنا: لم يعد هناك شك في أن التقيد بهذا الفقه كان من أكبر أسباب التخلف في المجتمعات الإسلامية؛ لأنه ض

стр. 83

الضوابط والمفاهيم التي يجب الاحتكام إليها والدكتور شعبان إسماعيل يقول تحت عنوان: (ضوابط ومفاهيم يجب الاحتكام إليها). أولاً: الدعوة إلى الاحتكام إلى القرآن وحده وترك السنة الصحيحة كفر لا مراء فيه، وقد انعقد الإجماع على ذلك كما نقلناه من كلام ابن حزم والشافعي وابن عبد البر وغيرهم. يقول: والسنة هي المصدر الثاني للتشريع، فتركها ترك لأكثر أحكام الشريعة والقرآن الكريم، ولذلك نجد آيات القرآن الكريم تحث على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﵊، فلا تكاد تجد آية تحث على طاعة الله تعالى إلا وتجدها تأمر بطاعة رسوله ﵊، والعلماء مجمعون على أن المراد بطاعة الرسول اتباع سنته الشريفة. ثانياً: دعوى أن الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن من التحريف والتبديل ولم يتكفل بحفظ السنة، وبالتالي فلا نأخذ منها الأحكام ونكتفي بالقرآن؛ دعوى مرفوضة يكذبها الواقع والشواهد الشرعية، فالله تعالى قد تكفل بحفظ شرعه كاملاً بمصدريه: القرآن والسنة. ثالثاً: دعوى عدم قبول أي حديث لا يؤيده القرآن دعوى مغلوطة ومرفوضة، فليست هناك أحاديث تعارض نص القرآن الكريم ومنطوقه، بمعنى أنه ليس هناك حكم شرعي يحله القرآن أو يحرمه وتأتي السنة بعكس ما جاء به القرآن، وهذا هو المعروف بالتعارض، ولو أحلت الآية القرآنية شيئاً ثم حرمته السنة أو العكس نظرنا في الناسخ والمنسوخ، فإن لم نجد حكمنا على الحديث بالوضع مباشرة، وهذا كلام اجتهد فيه المحدثون اجتهاداً عظيماً جداً، وصنف ابن القيم عليه كتاباً اسمه: المنار المنيف في إثبات الصحيح والضعيف، وذكر علامات الوضع في الحديث النبوي، وجاء بعد ذلك ابن الجوزي عليه رحمة الله، وكتب كتاباً بعنوان: (مقاييس المحدثين في نقد المتون) وغيرها من الرسائل العلمية الكثيرة في الدكتوراه والماجستير أثبتت أن علماء الحديث قد أفنوا أعمارهم في قطع معايير تميز صحيح السنة من ضعيفها، والثابت منها وغير الثابت. فليس هناك تعارض، وإذا كان هناك تعارض فالحكم كما قلنا، إنما مقصود جمال البنا وأصحابه بالتعارض هو أن السنة تنفرد بذكر أحكام عن القرآن الكريم، وهذا يتعارض عندهم، فيقولون: أحاديث الشفاعة أحاديث موضوعة وباطلة ومكذوبة على النبي ﷺ ؛ لأن القرآن كله نفى الشفاعة، نسأل الله تعالى ألا يشفع نبيه فيمن ينكر الشفاعة، قال أنس ﵁: إن النبي ﷺ قال: (من جحد الشفاعة فلا حظ له فيها). والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها يجوز على مذهب جمال البنا، بل إنهم قالوا: يجوز نكاح الأم! وهذا موجود في كتبهم تحت شعار الحرية الشخصية، وفي طبعة أخرى: الحرية الجسدية. والمحرمات التي ذكرت في سورة النساء لا تتعارض مع الأحاديث التي ذكرت المحرمات التي لم تذكر في كتاب الله ، وكذا لو تتبعنا الأحكام التي جاءت بها السنة ولم يأت بها القرآن لم نجد فيها تعارضاً مع القرآن الكريم، وإنما هي أحكام جاءت بها السنة زيادة على ما جاء به القرآن الكريم، والكل من عند الله تعالى، فالقرآن وحي الله تعالى لرسوله ﷺ . رابعاً: فتح باب الاجتهاد لكل من هب ودب دعوة مرفوضة عقلاً وعرفاً وشرعاً، ولا تحتاج إلى تعليق، فلكل فن وعلم وحرفة أو صناعة أهلها المتخصصون فيها، ولا يسمح لمن ليس من أهلها أن يدخل فيها، فلا يتصور أن بائع البطاطا يجري عملية جراحية لأحد المرضى، كما لا يتصور أن دكتوراً أو مهندساً أو صيدلياً يقوم بعمل شباك للحمام أو للمطبخ، إذاً: لكل فن أهله، وجمال البنا ليس من أهل هذا. والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فأهل الذكر في الأسواق هم الباعة، وأهل الذكر في الطب هم الأطباء، وأهل الذكر في الهندسة هم المهندسون، وأهل الذكر في العلم الشرعي وتعليم الناس هم العلماء والمشايخ والدعاة، وغير ذلك. أما قضية تطبيق الشريعة وعدم تطبيقها فهو المحك والفيصل بين الإسلام والكفر. وهذا كلام جميل جداً من الدكتور إسماعيل شعبان، فإنه يقول: تطبيق الشريعة ليس شعاراً، وإنما هو قضية حاسمة بين الإيمان والكفر، فإما أن تقول: إنك مؤمن وتطالب بتطبيق الشريعة، وإما أن تقول: أنك كافر صراحة، وحينها يكون تطبيق الشريعة شعاراً. خامساً: أستطيع من خلال قراءتي لما كتبه جمال البنا في الأعداد السابقة، وما صرح به في ندوة مركز ابن خلدون، هذا المركز الذي صنعه اليهود في مصر، أنا أسميه مركز ابن صهيون، فهو يضع البرامج التعليمية للابتدائي والإعدادي والثانوي، وأنت من غفلتك أنك لا تطلع على كتب أبنائ

стр. 84

موقف بعض العلماء الأشاعرة والصوفية من جمال البنا وأصبح كل العلماء وغير العلماء لا يعجبهم جمال البنا، حتى محمد داود، والدكتور محمد شاكر فؤاد، والدكتور محمد ربيع الجوهري، القائمون على مسجد العمرانية، وهم في المعتقد لو قلنا: أشعرية لظلمنا الأشعرية، وفي المسلك هم زعماء وأقطاب الطريقة الخلوتية، ومحمد ربيع الجوهري ألف كتاباً اسمه: عقيدتنا، وهذا الكتاب يدرس في معاهد إعداد الدعاة في الجمعية الشرعية وهو كتاب أشعري، والشاهد من هذا الكلام أن محمد ربيع ومحمد شاكر، ومحمد داود برغم ما فيهم لم يعجبهم جمال البنا، وردوا عليه. على أية حال: من بذل لله يشكر على بذله، فنحن نشكرهم على دفاعهم عن دين الله ضد جمال البنا. والدكتور محمد سيد أحمد المسير من أعلام الدعوة إلى الله وتاريخ الفقه والإفتاء وغير ذلك، رد على جمال البنا فقال له: طوعت النفوس لأهوائك، وعقوبة المرتد ثابتة في القرآن والعرف، فالخارج عن النظام خائن، فكيف لا يكون المرتد خائناً لدينه؟! وهذا كلام جميل جداً، ولو أن أحداً تهرب من الضرائب في بلاد الكفر في أمريكا ولندن وغيرها فحكمه الإعدام، وهنا لا أحد يستطيع أن يهرب من الضرائب، رغم أنها غير شرعية، بل هي مكوس لكنك ستدفعها، إلا إذا كنت من علية القوم فإنك تستطيع أن تأكل مائة مليون أو ثلاثمائة مليون أو المليار وغير ذلك. وليس هذا موضوعنا، موضوعنا أن الخارج عن أي نظام وضعي خائن يستحق العقوبة، فكيف بمن خرج عن دين الله لا يكون مرتداً يستحق العقوبة؟! ومن كتبه أيضاً: مسئولية فشل الدولة الإسلامية في العصر الحديث. انظر إلى العنوان! ويقول: يتساءلون: أين البرنامج؟ ها هو ذا البرنامج الإسلامي، وهو: الدولة والنظام السياسي والخلافة، القومية، الاشتراكية، النظام الاقتصادي، الربا، النظام الاجتماعي، الصحافة، تعليم المرأة، الفنون والأدب، وكل هذه الموضوعات قد عالجها الإمام المجتهد الفقيه الحبر النحرير جمال البنا في كتاب (نحو فقه جديد)، وهو من جزأين، ولم أحصل على الجزء الأول، وطبعاً يكون الجزء الأول بث فيه سمومه؛ لأن المؤلف ينشط في أول الكتابة وبعد ذلك يفتر في نهايتها، فأنا للأسف لم أحصل على الجزء الأول، أما الجزء الثاني فقد قال فيه: (نحو فقه جديد)، و (السنة ودورها في الفقه الجديد). ثم يقول: رسالة إلى الدعوات الإسلامية، إلى إخواننا المسلمين في مصر، والجماعة الإسلامية في باكستان، والجماعة الإسلامية في الجزائر، الجماعة الإسلامية القائمين على السودان، والشيعة الجعفرية في إيران، والوهابية في الحجاز إلخ، وإلى الشباب المسلم في العالم أجمع. وجمال البنا رق قلبه على هؤلاء، ويريد أن ينصح كل الفرق والشباب الذي ليسوا في الجماعات ولا في غيرها، فهو يبث السم الزعاف القاتل في هذا الكتاب الأزرق، تحت عنوان: نحو فقه جديد، وليس اجتهاد جديد أو تجديد الفقه. يقول في ضمن الموضوعات: البراءة الأصلية ودائرة الحلال والحرام التمييز بين العقيدة والشريعة أسباب تضخم فقه العبادات الاجتهاد هذا المعلوم المجهول فهم الخطاب القرآني أيام الرسول التفسيرات التقليدية محمد عبده هو محمد أركن. وهذا الكتاب موجود في دار ابن صهيون، فهؤلاء الغوغائيون كـ جمال البنا وإسماعيل منصور ونصر أبو زيد وحسن حنفي هم أعضاء مركز ابن خلدون. ثم يقول: فهم الخطاب القرآني كما يجب أن يكون، كما فهمه جمال البنا. والكتاب الأخير يقول: الأصلان العظيمان: الكتاب والسنة ورؤية جديدة. وهذا من وجهة نظره هو. وبعد ذلك: الإسلام هو الحل، لكن بعيداً عن أي شعارات.

стр. 85

الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على كتاب عمر أمة الإسلام [١] علم الساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولم يعلمه أحد من خلقه، فالخوض فيه خوض فيما لا ينبغي الخوض فيه، فقد أمر الله نبيه ﷺ أن يرد علم الساعة إليه، فهي أحد العلوم التي استأثر الله بها، فكل من خاض في هذا الباب فقد خاض فيما نهي عنه، وما لا علم له به.

стр. 86

إحاطة الفتن بالمسلمين من كل جانب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: حقاً إننا في زمن الفتن، وقد اقتربت الساعة كما أخبر ربنا ﵎، وإن الفتن لتمر على القلب أو على العبد، فإذا مرت عليه فتنة قال: هذه مهلكتي؛ لأنه لم يمر عليه أعظم منها، فيتصور أنها القاصمة والمهلكة، فإذا بفتنة أعظم منها تمر عليه، فيتبين أن السابقة ليست بشيء. وإن الفتن اليوم تحيط بالمسلمين من كل جانب، وتحدق عليهم من كل واد، والفتنة إذا كانت من خارج الصف كان أمرها أهون من أن تأتي من ابن من أبناء الدعوة.

стр. 87

مخالفة كتاب عمر أمة الإسلام لمنهج أهل السنة في تحديد وقت قيام الساعة وقد خرج علينا أخونا الكريم الشيخ أمين جمال الدين بكتاب عنون له بـ (عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي ﵇. وهذا الكتاب راج وشاع بين الشباب، وعم خطره جداً، وربما يكون مؤلفه مأجوراً عند الله، وربما يكون قد سطره وكتبه ابتغاء رضوان الله ، وأنا لا أعرف المؤلف، ولا يضره أني لا أعرفه، فكل الناس خير مني، فربما يزن عند الله أمثالي، ولو أن الدنيا امتلأت بمثلي فربما يكون أثقل في الميزان منا جميعاً، ولكن الحق أحق أن يتبع، فإن هذا الكتاب على قدر ما فيه من سقطات -وقد يعد الكثير منها من باب سبق القلم أو سوء الفهم- ولكن الذي يعنيني بالدرجة الأولى أنه قد خالف جمهور أهل السنة والجماعة في تحديد اليوم الذي تقوم فيه الساعة. وإنما عبرت بـ (اليوم) لعظم ما جاء من تحديد في هذا الكتاب، وإلا فقد استخدم المؤلف لغة الأرقام، وهي لغة غير معهودة في دين الله حتى يحدد به العام الذي تقوم فيه الساعة. فقد قال: ربما قامت الساعة عام ١٤٣٠هـ يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً. وأما قوله: (يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً) فربما ذلك من شدة حيائه، ولولا ذلك لقال: إن القيامة ستقوم في اليوم كذا في الساعة كذا. وهذا التحديد كان أولى به أن يحدده إبراهيم ﵇ أو موسى ﵇ أو عيسى ﵇ أو نبينا محمد ﵊، وكان أولى بهذا التحديد منه أبو بكر الصديق ﵁ أو عمر أو عثمان أو علي أو العشرة المبشرون، أو أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل. فكل هؤلاء أولى بالتحديد منه. فهل يتصور أن هذا الحق قد خفي على الأمة أجمع وظهر له؟! الجواب لا، وما استخدم علماؤنا من السلف لغة الأرقام قط فيما هو دون ذلك وأهون وأقل. وهذا الأمر -وهو تحديد الساعة- أمر خطير جداً وعظيم، ولقد اغتر بعض الشباب بهذا الكتاب حيث حثهم على العمل الصالح مخافة أن تدركهم الساعة، فبعض الشباب الذين لا ينظرون في دقائق الأمور ولا في بواطنها اغتروا بذلك، وقالوا: إن أعظم ثمرة لهذا الكتاب أنه أوقف الشباب على شفير جهنم، مما زادهم عملاً وطاعة لله . ورداً على هذه الشبهة أقول: إن العبد إذا لم تقرعه النصوص لم تقرعه أقوال الرجال، فإذا سمعت قول الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] فلم تنصدع؛ فاعلم أنه سرعان ما يزول انصداعك بأقوال الرجال وأهل العلم، فإن المرء الذي يسير على هدى من الله يكفيه أن يسمع (قال الله) و (قال رسول الله ﷺ ، وهذا كاف في إثبات الاستقامة والسير على الهدي والصراط المستقيم، وأما أن يسمع من الرجال كلاماً لا يوافق الكتاب والسنة ولا سلف الأمة ويقول: إنه كلام جميل ومفيد؛ فنقول: إن الجمال كل الجمال والصلاح كل الصلاح في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﵊، فلابد من أن نرجع في كل مسألة خاصة من مسائل الخلاف والنزاع إلى كتاب الله وسنة الرسول ﵊ بفهم سلف الأمة، وهذا الكلام قد حفظه الكثير، ولكن قل من يعقله ويفهمه، وأقل منهم من يعمل به. فهذه الكلمات والجمل قد حفظناها ورددناها على ألسنتنا، وربما لم تتجاوز هذه الأقوال ألسنتنا.

стр. 88

عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الغيب إن مسألة تحديد وقت الساعة على التعيين والتحديد مسألة عظيمة جداً، فلابد من تركها وعدم الخوض فيها، ولذلك فهذا الكتاب يحتاج منا إلى أمرين: الأمر الأول: بيان معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وفي أمثالها من أمور الغيب. والأمر الثاني: الرد على ما نراه قد جانب الصواب في الكتاب. وهذا الأمر يحتاج إلى محاضرتين أو أكثر، وقد سلكت مسلكاً في ردودي على مثل هذه الأمور التي أراها مخالفة للشرع: أن أبين أولاً شرع الله في المسألة؛ حتى إذا قرأ الطالب أو السامع الكتاب يكون قد عرف الحق في هذه المسألة مقروناً بالأدلة الشرعية. ومحاضرتنا اليوم -بإذن الله تعالى- تتعلق تعلقاً قوياً بمعتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الغيب عموماً، وخصوصاً في مسألة قيام الساعة، وقصدي بيان الحق في هذه المسألة، ولم أقصد الرد على كتاب بعينه أو شيخ بعينه، وإنما قصدت أن أبلغك أمر الله ﵎ بألا تخوض في أمر الغيب، إلا إذا كان عندك منه دليل أو سنة قوية. وسنذكر الأدلة في هذا الباب من كتاب الله ﵎، ومن سنة النبي ﷺ ، وليس قصدنا الاستقصاء، وإنما قصدنا إيراد آيات وأحاديث كثيرة التي تدل على معتقد أهل السنة والجماعة في مثل هذا الأمر. ثم إيراد أقوال الشراح والمفسرين في تفسير الآيات وشرح الأحاديث، وأجملنا القول في ذلك مخافة الملل. وفي المحاضرة الثانية -بإذن الله تعالى- يلزمك إحضار الكتاب معك إن كان عندك، حتى نقول: إنه قال كذا، في صفحة كذا والصواب كذا، فهو قد اعتمد على أدلة أيضاً فهم أنها تفيد ما ذهب إليه من تحديد نهاية العالم وفناء الدنيا في عام كذا زاد أو قل، وهو معذور في هذا الفهم، ولكنه قد جانب الصواب، ولابد من بيان الأمرين. ونقول: إنه معذور ومرفوع عنه الإثم بإذن الله، وأخطأ، ولكن يلزمنا أن نبين الصواب.

стр. 89

الدلائل القرآنية على أن الغيب لا يعلمه إلا الله ومعتقد أهل السنة والجماعة في مسائل الغيب أنه لا يعلمه إلا الله، والأدلة على ذلك ما يلي: قال تعالى في سورة الأنعام -الآية رقم (٥٠) -: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]. وهذه الآية نفس معناها في سورة هود الآية رقم: (٣١). قال الحافظ ابن كثير: أي: لا أقول لكم: إني أعلم الغيب، وإنما ذاك من علم الله ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ربي. وهذا يدل على أن الغيب غيبان: غيب استأثر الله ﵎ بعلمه، وغيب أطلع عليه بعض خلقه من رسله، وليس أحد غير الرسل قد أطلعه الله ﵎ على بعض الغيب، وهذا يرد على المتصوفة الذين وصلوا -بزعمهم- إلى درجة التجلي، فهم يقولون: المراتب عندنا ثلاث: مرتبة التخلية، ثم مرتبة التحلية، ثم مرتبة التجلية. فأما التخلية فهي التخلية من كل إثم وذنب ومعصية. وأما التحلية عندهم -وهي كذلك عند أهل السنة- فأن يتحلى بمكارم الأخلاق والفضائل والطاعات. وأما المرحلة الثالثة فهي التي اختلف فيها الصوفية عن بقية الأمة، وهذه المرحلة هي الكفر بعينه، وهي مرحلة التجلية، فقالوا: إذا تخلص العبد من معاصيه وتحلى بطاعة ربه تجلى الإله فيه وتجلى هو في الإله حتى يصير هو الله والله هو! كما قال ذلك ابن عربي. قال الحافظ ابن كثير: أي: لا أقول لكم إني أعلم الغيب، وإنما ذلك من علم الله ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ربي، فالجنة غيب، والنار غيب، والصراط غيب، والحساب والجزاء والمآل، ولكن هذا الغيب أطلع الله نبيه عليه، وأخبره بعلم منه، وأخبرنا النبي ﵊ بهذا، فلابد أن نؤمن بما أخبرنا به من جهة الغيب على سبيل الإجمال والتفصيل، فإذا أخبرنا بغيب وحجب عنا التفصيل وجب علينا أن نؤمن بهذا الغيب على الإجمال، كما أوجب علينا أن نؤمن بأن الله ﵎ يقيم الساعة، ولم يأمرنا بالبحث عنها، ولذلك سئل النبي ﵊ عدة أسئلة من البدو والأعراب وغيرهم عن الساعة فما كان عنده من جواب. وفي سورة الأنعام في الآية (٥٩) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، فقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩] ولم يقل: ومفاتح الغيب عنده، فقدم الظرف ليدل على التخصيص، أي: أن الله ﵎ مختص ومستأثر بعلم الغيب، ولم يطلع أحداً ولا حتى الرسل عليه، فقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. وقال الصرصري ﵀: فلا يخفى عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى فهو الذي يعلم الغيب والشهادة، فكل ما غاب عنك الله يعلمه، كما تعلم أنت ما تشاهده وما تراه. وقال العلامة الشنقيطي في (أضواء البيان) الجزء الثاني (صفحة ١٧٤): بين الله تعالى المراد بمفاتيح الغيب بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]. فعلم الغيب الذي استأثر الله ﵎ به إنما هو ما ذكر في هذه الخمس، وبذلك جاء الخبر عند البخاري وأحمد من حديث ابن عمر مرفوعاً، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك؛ لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وأخرج مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية). أي: قد افترى على الله افتراء عظيماً من زعم أن النبي ﵊ يعلم ما سيكون في الغد القريب، وهذا يدل على نفي علم الغيب عن النبي ﵊ إلا ما أطلعه ربه عليه، فكيف بادعائه علم الساعة؟ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. ولما رميت عائشة ﵂ بالإفك والمعصية والزنا لم يعلم النبي ﷺ أهي بريئة أم لا، حتى أخبره الله ﵎ وبرأها من فوق سبع سماوات، ولو كان يعلم الغيب لعلم ما وقع؛ لأنه قد وقع هذا الافتراء والإفك بالأمس، فلو كان يعلم الغيب لعلم ما وقع بالأمس، ولكنه

стр. 90

الأنبياء ومعرفة علم الغيب قد ذبح إبراهيم ﵇ العجل للملائكة ولم يعلم بأنهم ملائكة حتى أخبروه بقولهم: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠]. ولما جاءوا لوطاً لم يعلم أيضاً أنهم ملائكة، ولذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]؛ لأنه خاف عليهم من أن يفعل بهم قومه الفاحشة، حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود:٨١]. ويعقوب ﵇ ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وهو في مصر، ولم يدر خبره حتى أظهر له الله خبر يوسف، ولو كان يعلم الغيب لعلم خبر ولده. وسليمان ﵇ مع أن الله سخر له الشياطين والريح لم يكن يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس شيئاً حتى جاءه الهدهد وقال له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]. ونوح ﵇ ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله، أي: ليس من أهل السعادة والنجاة، وقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]. والملائكة المقربون ﵈ لما قال الله لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣١ - ٣٢]، أي: لا اطلاع لنا على الغيب إلا ما أطلعتنا عليه. فظهر بهذا أن أعلم المخلوقات -وهم الرسل والملائكة- لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، وهو تعالى يطلع رسله على ما يشاء من غيبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].

стр. 91

حرمة إتيان الكهنة ولما بين القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله عرف أن جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي إنما هي من الضلال البين، فإذا أردت الوصول إلى شيء من علم الغيب فاسلك طريق الوحي، فإن سلكت طريق الأرقام والحساب والكمبيوتر فاعلم أن هذا من الضلال المبين، ولذا ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، لمجرد السؤال فقط وإن تيقن من سأله أنه كاذب، وإذا أيقن بصدقه وأخذ كلامه بيقين فليعلم أن الله ﵎ قد برئ منه، ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم العيافة والكهانة والعرافة والطرق والزجر والنجوم، وكل ذلك يدخل في الكهانة؛ لأنها تشتمل على ادعاء الاطلاع على علم الغيب. قال الذهبي ﵀ في كتاب (الكبائر): والساحر لابد أن يكفر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وما للشيطان الملعون غرض من تعليمه الإنسان السحر إلا ليقع في الشرك. فترى خلقاً كثيراً من الضلال يدخلون في السحر ويظنونه حراماً فقط، وما يشعرون أنه الكفر، فيدخلون في تعليم السيمياء، وهي: إيجاد أحداث وخيالات ليس لها وجود في الحس، ويعملون بها وهي محض السحر، وفي عقد المرء عن زوجته وهو ما يسمى عند العامة بالربط، ربط الرجل عن امرأته وعدم استطاعته إتيانها، وهو سحر كذلك، كما أنهم يدخلون في عقد محبة الزوج لامرأته وفي بغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة وتمتمات وحروف وكلمات متقطعة أكثرها شرك وضلال. انتهى كلام الإمام الذهبي.

стр. 92

إطلاع الله تعالى بعض رسله على الغيب قال القرطبي في تفسيره في الجزء الرابع: فالله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، وهي الوحي، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله. أي: أن الله ﵎ لا يطلع على غيبه أحداً إلا من الرسل، وليس كل الرسل كذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]. وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. فمن قائل: المراد بالمفاتح: خزائن الرزق، وقال قائل: هي الآجال وأوقات انقضائها، وقيل: هي عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال. ثم قال القرطبي: من قال: إنه ينزل الغيث غداً وجزم فهو كافر. أي أن من قال: إن الله ينزل الغيث غداً وجزم بذلك فهو كافر، سواء أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فإن لم يجزم لم يكفر، إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبهاً بكلمة أهل الكفر، وجهلاً بلطيف حكمته. قال ابن العربي المالكي ﵀: وكذلك قول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجباً في الخلقة لم يكفر ولم يفسق، ولكن لا يستحب له الدخول في مثل هذا، ولو أن الطبيب ادعى ذلك من باب العادة، أو أن المرأة ادعت ذلك من باب العادة، وقد خلقت هذه المرأة في مجتمع كله يقول: لو كان الجنب الأيمن ثقيلاً بالحمل فإن الولد أنثى، ولو كان خفيفاً فإن الولد ذكر، فلو قالت ذلك من باب العادة لم تكفر ولم تفسق، أما لو قالت ذلك من باب الواجب الشرعي وأنه لابد أن يكون ذكراً، وليس عندها برهان ولا دليل في ذلك؛ فإنها تكفر. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضاً.

стр. 93

بيان آجال الأمم المعلومة لله تعالى قال الله ﵎ في سورة الأعراف في الآية رقم (٣٤): ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف:٣٤]، وأمة الإسلام أمة من الأمم، وهي خاتمة الأمم، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، أي أن الله ﵎ حدد لكل أمة أجلاً، فهذه الأمة إذا جاء أجلها لا يمكن أن تتأخر عنه لحظة، كما أنها لا يمكن أن تتقدم عليه لحظة. قال القرطبي: ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ)) أي: وقت مؤقت، ((فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ)) أي: الوقت المعلوم عند الله . وهذا هو الشاهد الذي أردت سوقه، إذا جاء أجلهم المعلوم عند الله، لا عند الخلق ولا عند الرسل ولا عند الملائكة المقربين؛ فإن آجال الأمم وأعمارها إنما هو عند الله ﵎، وهو من العلم الذي استأثر ﵎ به، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولا حتى الرسل ولا الملائكة المقربين. ومثل هذه الآية قد جاء معناها في آيات كثيرة، كما في سورة النحل في الآية (٦١): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل:٦١]. وقال تعالى في سورة يونس في الآيتين (٤٨ - ٤٩): ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨] استبعاداً وجحوداً وإنكاراً، ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [يونس:٤٩]، أي: كيف أعلم الساعة، ولو كنت أملك لنفسي الضر والنفع لأخذت حذري من قيام الساعة؟ ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]. وفي سورة سبأ في الآيتين (٢٩ - ٣٠) قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ:٢٩ - ٣٠]، فالله ﵎ قد نفى أن تتقدم أمة أجلها أو تتأخر عنه ولو ساعة، وذكر الساعة لأن أقل الوقت يذكر، وهذا يدل أن لكل أمة أجلاً محتوماً معلوماً، ولكنه معلوم عند الله ﵎ لا عند الخلق.

стр. 94

أمر النبي ﷺ برد علم وقوع الساعة إلى الله قال تعالى في سورة الأعراف في الآيتين (١٨٧ - ١٨٨): ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧ - ١٨٨]. وقد رجح الحافظ ابن كثير: أن هذه الآية نزلت في مشركي مكة، وكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى:١٨]، أي: يقولون: متى هي؟ فإن كنت صادقاً فائت بها، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى:١٨]، أي: خائفون وجلون موقنون بأنها قادمة لا محالة، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨]، والذين يمارون في الساعة ويقولون بتحديد أوقاتها وأوصافها فإنما هم في ضلال بعيد. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف:١٨٧] أي: متى وقتها وآخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:١٨٧]. ولا شك أن النبي ﵊ هو أعلم الخلق بالله وبآياته، ومع هذا فإن الله ﵎ أمره أن يرد علم الساعة على جهة الخصوص إليه سبحانه، فهو يقول له: يا محمد! مثلك مثل بقية الخلق لا تعلم عن وقت تعيينها وتحديدها شيئاً، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. فأمره سبحانه إذا سئل عن الساعة وعن وقتها أن يرد علمها إلى الله تعالى؛ فهو سبحانه الذي يعلم أمرها ووقتها على جهة التحديد، ولا يعلم ذلك غيره، ولهذا قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٧]. قال قتادة: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض. واختار هذا المعنى ابن جرير، ورجحه على غيره من التأويل. وقال السدي عليه رحمة الله: خفيت في السماوات والأرض -يعني: خفيت على الملائكة كما خفيت على الرسل- فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل. ولذلك قال: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧]، ولفظ: ((لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)) ورد في غير ما آية من كتاب الله ؛ ليدل على أن الأمر إنما يأتي فجأة، ولا يسبقها إلا أمارات وعلامات تدل عليها، وأما أن يطلع أحد أو يظن ظناً أن الساعة آتية بعد عدة أعوام فلا شك أن هذا من باب الرجم بالغيب، ((لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)) أي: فجأة، فتبغتهم بقيامها وتأتيهم على غفلة. وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف:١٨٧]، أي: كأنك عالم بها من كثرة ما استحفيت من السؤال عنها، وكأنك لكثرة ما استحفيت من السؤال عنها جاءك علمها، وهذا أرجح الأقوال. فنفى الله أن يكون النبي ﵊ عنده شيء من علم الساعة، أي: من علم قيامها ووقتها وتعيينها وتحديدها، فقد أخفى الله علمها على خلقه، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، أي: ليس عند أحد من الخلق. وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، أي: لا أملك لنفسي جلب خير ولا دفع ضر ولا شر إلا ما ملكني ربي وأمكنني فيه، فكيف أعرف علم وقت الساعة؟! ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨]، والمعنى: لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه، ولو كنت أعلم الغيب لأخذت حذري وما مسني السوء، كما أفاده القرطبي في التفسير. وقال تعالى في سورة يونس في الآية رقم (٢٠) رداً على مشركي مكة في طلبهم الآيات على سبيل التعجيز لرسول الله ﷺ : ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس:٢٠].

стр. 95

الإخبار عن اقتراب وقوع الساعة وقال الله ﵎ في سورة النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]. قال المفسرون: أمر الله هو قيام الساعة، ولما كان ذلك أمراً محققاً لا مرية فيه ولابد أنه واقع لا محالة عبر عنه بصيغة الماضي، فقال: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ))، وهو لم يأت بعد، ولكن هذه الآية دلت على قرب الساعة لا محالة وأنها واقعة، فعبر عنها بالماضي. وقال في نفس السورة في الآية ٧٧: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:٧٧]. قال الحافظ ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السماوات والأرض واختصاصه بعلم الغيب, فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه الله ﵎ على ما يشاء, وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع, وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون, كما قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠]، أي: فيكون ما يريد كطرف العين, بل وأسبق من ذلك؛ لأنه إذا قال للشيء: كن كان في لحظة، بل في أقل من طرفة العين. وقال القرطبي: إن الساعة لما كانت آتية ولابد جعلت من القرب كلمح البصر. وقيل: المعنى: هو عند الله كذلك لا عند المخلوقين، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، أي: إنهم يرون وقت وقوع الساعة وقيامها بعيداً، ولكن الله ﵎ يراها قريبة. وقال العلامة الشنقيطي في (أضواء البيان) في الجزء الثالث (صفحة ٢٩٦): أظهر الأقوال فيها -أي: في هذه الآية- أن الله إذا أراد الإتيان بها فهو قادر على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر؛ لأنه يقول للشيء: (كن) فيكون. وقال تعالى في سورة طه في الآيتين (١٥ - ١٦): ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥]، ومعنى ذلك: أنه لم يخفها، والمستقر في الأذهان والقلوب عند أهل السنة أن الله قد أخفاها حقاً. قال الحافظ ابن كثير: ((إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ))، أي: قائمة لا محالة وكائنة لابد منها، وأما قوله: ((أَكَادُ أُخْفِيهَا)) قال الضحاك عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها هكذا: (أكاد أخفيها من نفسي) , كأن الله ﵎ يقول: ولو شئت أن أخفيها عن نفسي لفعلت؛ لشدة استئثاره بعلم الغيب فيها، وعدم إطلاعه أحداً من خلقه عليها، ولذلك قال ابن عباس: (أكاد أخفيها من نفسي)؛ لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً. وفي رواية عنه: لا أطلع عليها أحداً غيري. وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض، أي: من الملائكة والرسل والخلق جميعاً- إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة. وثبت غير ذلك بنحوه عن ابن مسعود وقتادة وابن جبير، وغيرهم، حتى جاء في مصحف أبي وابن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها مخلوق؟! وقال تعالى في سورة الأنبياء في الآية الأولى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، وغيرها من الآيات التي تدل على قرب الساعة، وهذه الآيات نزلت على الصحابة، ولا شك أن الصحابة كانوا يظنون أن الساعة يمكن أن تقوم في زمانهم وفي قرنهم، ولذلك لما حدث النبي ﵊ أصحابه بظهور المسيح الدجال كأنهم يرونه رأي العين، فانزعجوا غاية الانزعاج، وقالوا: (يا رسول الله! فماذا نفعل إذا ظهر؟ قال: إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه) و (إن) هنا للشك، بخلاف (إذا) فهي للتحقيق، قال: (إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه)، أي: أنا له، وهذا يدل على أن النبي ﵊ لم يعلم أن المسيح الدجال سيظهر في زمانه أو لا، فكيف بالساعة؟! فقال: (إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه، قالوا: وإن ظهر بعدك يا رسول الله؟! قال: فاقرءوا عليه فواتح سورة الكهف). قال الله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، والمعنى: قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم، ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، وكل ما هو آت قريب، والموت لا محالة آت، وموت كل إنسان هو قيام ساعته، والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، أفاده القرطبي في التفسير. وقال في التذكرة صفحة (٧٠٩): فأما وقتها فلا يعلمه إلا الله. وقال تعالى في سورة الأنبياء في الآية (٩٧): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنب

стр. 96

الإخبار بمجيء الساعة بغتة وفي سورة سبأ في الآية الثالثة قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ:٣]، فهم ينكرون ويجحدون الساعة؛ لأنهم دهريون، يقولون: إنما هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ولا رجعة بعد ذلك. فقال الله ﵎ راداً عليهم: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]. وقال راداً على المنكرين للبعث والحساب في الآيتين (٢٩ - ٣٠) من نفس السورة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ:٢٩ - ٣١]. وقال تعالى في سورة الشورى في الآيتين (١٧ - ١٨): ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٧ - ١٨]، وهذه الآية فيها ترغيب وترهيب، كما أن فيها تزهيداً في الدنيا، وأما الكافرون الجاحدون فيقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨] على سبيل التعنت والتكذيب، وأما المؤمنون فهم خائفون وجلون من وقوعها، ويعلمون أنها الحق من ربهم، وأنها كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها، عاملون من أجلها، عالمون أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، وقال تعالى في سورة الزخرف في الآية (٦١): ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١]، وفي الآية (٦٦): ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦]، وفي الآية (٨٥) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف:٨٥]. وفي سورة محمد ﷺ قال الله تعالى في الآية (١٨): ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، أي: علاماتها وأماراتها. فالساعة لها أشراط صغرى وأشراط كبرى، ولم يظهر شيء من الأشراط الكبرى بعد. والله ﵎ قال: ((فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا))، فعبر عنها بصيغة الماضي؛ ليدل على أن هذه الأشراط لما كانت متحققة وواقعة لا محالة فكأنها وقعت بالفعل؛ ليدل على اقتراب الساعة. ومن أشراط الساعة بعثة النبي ﷺ ، قال ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين، وضم السبابة والوسطى). وليس بعد بعثة النبي ﵊ حدث أعظم من قيام الساعة، ولذلك قال: (بعثت أنا والساعة)، أي: ليس شيء بعدي إلا قيام الساعة، فليس هناك نبي يرسل ولا كتاب ينزل، بل قيام الساعة، فليس هناك حدث بعدي إلا هذا: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد:١٨]. فمن أشراط الساعة بعثة نبينا محمد، فهو أمارة اقترابها ودنوها، فهو خاتم الرسل الذي أقام الله به الحجة على العالمين وأكمل به الدين، وقد جاء في أسمائه ﵊ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، وهو الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، وهو العاقب الذي ليس بعده نبي. وفي سورة الجن في الآيات (٢٥ - ٢٨) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن:٢٥]، فالنبي ﵊ يتبرأ من علم الغيب ومنه علم غيب الساعة، وأنه لا يدري أقريب ما وعدهم الله به من قيام الساعة أم أن الله ﵎ جعل لذلك أمداً بعيداً أو قصيراً أو قريباً، فقال: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن:٢٥ - ٢٨]. وفي سورة الملك في الآيات (٢٥ - ٢٦) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَ

стр. 97

الأدلة من السنة على كون الساعة غيباً لا يعلمه إلا الله وأما الأحاديث فإننا سنكتفي بذكر بعض الأحاديث، وسنؤجل البعض الآخر إلى المحاضرة القادمة بإذن الله؛ لأنه يحتاج إلى كثير بيان وإيضاح.

стр. 98

حديث بعثه ﷺ والساعة قال النبي ﵊ فيما أخرجه الشيخان من حديث أنس: (بعثت أنا والساعة كهاتين، قال أنس: وضم السبابة والوسطى). وهذا الحديث يشير إلى تقريب أمرها وسرعة مجيئها، كما صرح بذلك القاضي عياض والقرطبي في التذكرة صفحة (٧٣٢)، وأضاف الصنعاني إلى هذا المعنى احتمالين آخرين، وهما: أن المراد قربها عند الله، أو أن المراد إنما هو قرب أشراطها لا قربها هي، وأنها تأتي بغتة. وقد اختلف العلماء في تعيين المقصود من قوله: (كهاتين. وأشار بالسبابة والوسطى)، والسبابة هي التي يسبح بها، وهي التي تلي الإبهام، وأما الوسطى فهي الأصبع الوسط، ولا شك أن الأصبع الأوسط أطول من بقية الأصابع، فقال البعض: المقصود منه الإشارة إلى قرب المجاورة بين البعثة وقيام الساعة، فإن الساعة إنما تأتي مقاربة ومجاورة لبعثة النبي ﵊، وقال البعض الآخر: إنما المقصود من الإشارة تفاوت ما بينهما طولاً، أي: في مدة الزمن، فليس بين بعثة النبي ﵊ وبين قيام الساعة إلا كما بين السبابة والوسطى من فرق في الطول، ولا شك أنه قصير، وهذا يدل على اقتراب الساعة كذلك، واختار هذا الطيبي والبيضاوي. وقيل: المقصود: ليس بينه وبينها نبي ولا واسطة؛ إذ ليس بعد بعثة النبي ﵊ بعثة ولا رسالة، وكل من ادعى الرسالة أو البعثة أو إنزال الكتب فهو كاذب، وقد حذرنا النبي ﵊ وأخبرنا أنه سيكون قبل قيام الساعة ثلاثون كذاباً، كلهم يدعي أنه نبي.

стр. 99

أحاديث قيام الساعة على المتبايعين وحالب ناقته وغيرهم الحديث الثاني: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه)، أي: أنها تقوم بغتة، فيذهب الرجل إلى السوق فيلقى البائع، فينشر الثوب، فبينما هما على هذه الحال تقوم الساعة، فلا يتمكن المشتري من الشراء، ولا يتمكن البائع من طي هذا الثوب وإدخاله المحل، (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه -أي: يطينه- فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها). والذي لا ينزجر من هذه الأحاديث فلن ينزجر من كلام الرجال. الحديث الثالث: أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تقوم الساعة والرجل يحلب ناقته -أي: لقحته- فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة وهو على تلك الحال، والرجلان يتبايعان الثوب فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يلوط حوضه فما يصدر -أي: فما ينصرف- حتى تقوم الساعة). الحديث الرابع: (إن الساعة تهيج بالناس أو تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه -أي: يطينه- والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه)، يعني: تقوم الساعة بغتة والناس في شغل، والناس قد شغلتهم دنياهم وأعمالهم.

стр. 100

حديث جبريل في سؤاله عن الساعة الحديث الخامس: جاء من حديث أبي هريرة وعمر بن الخطاب وابن عباس ﵃ أجمعين، وهو المعروف بحديث جبريل الطويل، وفيه: أن جبريل ﵇ سأل النبي ﵊ عن الإسلام فأجابه وعن الإيمان فأجابه وعن الإحسان فأجابه، وصدقه في كل ذلك ثم قال: (فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست أعلمها كما أنك لا تعلمها، فكما أنك تجهلها أيها السائل فأنا كذلك أجهلها، وهذا السائل قد خفي أمره على النبي ﵊، ولذلك جاء في بعض طرق الحديث: (لم تخف علي صورته غير هذه المرة). فقد كان في كل مرة يأتي فيها يعرفه إلا في هذه المرة. وفي هذا الحديث بيان أن الساعة استأثر بعلمها الله ، وأخفى ذلك عن الملائكة المقربين وعلى الأنبياء والمرسلين، فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد المرأة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في النبيان)، فذكر بعض أشراطها وعلاماتها، ولم يذكر جميع الأشراط والعلامات، وإنما ذكر علامات عظيمة وهي من صغائر العلامات، وأما كبرى العلامات فقد ذكرت كل علامة منها في غير ما آية وحديث.

стр. 101

حديث الأعرابي السائل عن الساعة الحديث السادس: (أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فناداه بصوت جهوري: يا محمد! فأجابه النبي ﵊ بنحو من صوته: هاؤم -يعني: ماذا تريد- قال: يا محمد! متى الساعة؟ قال النبي ﵊: ويحك! إن الساعة آتية لا ريب فيها). فلم يجبه على سؤاله تحديداً، وإنما دله على الأهم من ذلك، وبين له أنها آتية لا ريب فيها، فقال: (فما أعدت لها؟)، أي: هذا هو المطلوب منك. (فقال الرجل: ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله). ومعنى قوله: (ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام) أي: من النوافل، وأما الفرائض فلابد من الإتيان بها، قال: (ولكني أحب الله ورسوله، قال النبي ﵊: المرء مع من أحب، قال أنس بن مالك ﵁: فما فرح الصحابة بحديث فرحهم بهذا الحديث). وأشهدكم أنني أحب الله ورسوله، وأحب أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً. يقول الحافظ ابن كثير: وفي هذا الحديث أنه ﵊ كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك، والتهيؤ له قبل وقوعه ونزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته.

стр. 102

حديث سؤال الأعراب عن الساعة الحديث السابع: أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة، فينظر إلى أحد إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم). وبعض أهل العلم استندوا إلى هذا الحديث في تعيين وقت قيام الساعة، وليس الأمر كذلك، وإنما المعنى: قامت عليكم أنتم -أيها المخاطبون- ساعتكم؛ ليدل على أن المراد بالساعة هنا ساعة المخاطبين، وكما يقول أهل العلم: من مات قامت قيامته الصغرى. فهذا الحديث له تعلق بآجال المخاطبين لا بعمر الأمة ولا بآجال الأمم، وإنما بأعمار المخاطبين، ولذلك قال الحافظ: إنما يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. وبمعناه كذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال رسول الله ﷺ : إن يعش هذا الغلام فعسى ألا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة) ولهذا الحديث طرق متعددة في الصحيحين، وفيها أن هذا الغلام إنما كان من البادية، وقيل: إنه من أزد شنوءة، وقيل: إنه غلام المغيرة بن شعبة، وذهب بعض أهل العلم إلى تعدد الحوادث، وذهب الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله إلى أنه لا مانع أن يكون الغلام أصله من البادية وقد خدم المغيرة بن شعبة وهو من أزد شنوءة، فجمع بين الروايات المختلفة بهذا الجمع، فجزاه الله خيراً. والإطلاق في هذه الطرق محمول على التقييد الوارد في حديث عائشة: (قامت عليكم ساعتكم)، أي: ساعة المخاطبين. ويؤيده كذلك ما أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بشهر: (تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله؟!) وهذا سؤال استنكار. (تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله؟ وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة). فبعض أهل العلم نظر إلى ظاهر هذا الحديث وقال بقرب الساعة اعتماداً عليه، وليس الأمر كذلك، وهذا الحديث إنما تكلم فيه النبي ﷺ على قرنه، وأنه منذ ذلك اليوم لا يعيش أحد مائة عام، فلابد أن يفنى جميع أهل القرن ممن عاش في ذلك اليوم وفي تلك اللحظة، وأنه لن يعيش منهم أحد قرناً كاملاً بعد ذلك اليوم، ولذلك قال: (وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة). وقد فهم ذلك عبد الله بن عمر، فقد روى الشيخان أنه قال: إنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن.

стр. 103

سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) الحديث الثامن: أخرج وكيع في (الزهد) من حديث طارق بن شهاب قال: (كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف:١٨٧]). وكذلك أخرجه النسائي، قال الحافظ ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي. فهذا النبي الأمي سيد البشر وخاتم الرسل قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وأنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه. قال الحافظ ابن كثير: وأكابر أولو العزم من الرسل ليس عندهم علم عن الساعة على وجه التعيين، وإنما تكلموا جميعاً عن أشراطها وعلاماتها.

стр. 104

حديث مفاتح الغيب الخمسة الحديث التاسع: أخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤])، وأخرجه أحمد من هذا الطريق بلفظ: (أوتيت مفاتح كل شيء إلا الخمس)، فالنبي ﵊ نفى عن نفسه علم الساعة، بل علم الأرحام والكسب والموت، وغير ذلك، وهذا -بلا شك- دون علم الساعة، فقال: (أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس، ثم تلا الآية السابقة). وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: (أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس، ثم تلا الآية). وسند ابن مسعود حسن.

стр. 105

حديث الإخبار عما لا يعلمه إلا الله من العلم الحديث العاشر: أخرج الإمام أحمد عن رجل من بني عامر من أصحاب النبي ﷺ قال: (إنه استأذن على رسول الله ﵊ فقال: أألج؟). وهذا من سوء الأدب في الاستئذان، فقال النبي ﵊ لخادمه له: (اخرجي إليه فإنه لا يحسن الاستئذان، فقولي له فليقل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن لي، فدخلت فقلت: بم أتيتنا؟ فقال النبي ﵊: لم آتكم إلا بخير). وما وجد النبي ﵊ خيراً إلا وقد دلنا عليه، ولو كان علم تحديد الساعة خيراً لأخبرنا به. (قال: أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تدعوا اللات والعزى -أي: ألا تشركوا بالله شيئاً- وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهراً، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من أغنيائكم فتردوها على فقرائكم، قال الرجل: فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه، قال الرسول ﵊: قد علمني الله خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله . وهذا يدل أيضاً على أن العلم علمان والغيب غيبان: غيب أطلع الله رسله عليه، وغيب استأثر به في علم الغيب عنده. (قال: فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ فقال الرسول ﵊: قد علمني الله خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، إلى آخر الآية). وهذا يدل على أن علم الساعة على جهة الخصوص مما استأثر الله ﵎ به، فلا يجوز الخوض فيه. قال ابن كثير: إسناد هذا الحديث صحيح. وقال مجاهد: هي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]. وقال قتادة: هي أشياء استأثر الله بهن فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة. وهذه هي عقيدتنا، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر أو ليل أو نهار، ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلاً أو نهاراً، ولا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، أو هو شقي أم سعيد، أو خير هو أم شر، ولا تدري يا بن آدم متى تموت، فلعلك الميت غداً، أو المصاب غداً، وليس أحد من الناس يدري مضجعه من الأرض أفي بحر أم بر، أو في سهل أو جبل، وقد جاء في الحديث الصحيح: (إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة). وفي رواية ابن ماجه بزيادة: (فإذا بلغ أقصى أثره توفاه، فتقول الأرض يوم القيامة: يا رب! هذا ما استودعتني).

стр. 106

حديث الإخبار عن وقوع الساعة يوم الجمعة الحديث الحادي عشر: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت عليه الشمس هو يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة). والدعاوى الفارغة التي تظهر في الصحف والمجلات ويروجها الفساق والملاحدة والزنادقة ما بين الحين والحين من أن الساعة ستقوم يوم ١٧ فبراير أو يوم الإثنين القادم أو يوم السبت بعد القادم، قد عاصرناها، ومصدرها بلاد الكفر، يروجونها ليشوشوا بها عقائد المسلمين، وليس لنا عذر في ترك التعلم، وخاصة ما أوجب الله ﵎ علينا تعلمه من أمر الغيب الذي تعلق بالساعة، فنؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنها تقوم في يوم جمعة، وتقوم في النهار دون الليل؛ لأن النبي ﵊ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس). واليوم يطلق في اللغة والاصطلاح على النهار دون الليل، فقال: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة). فهذا دليل على أن الساعة تقوم في يوم جمعة، وأما أي جمعة فهذا ما استأثر الله ﵎ به، وقد ورد في بعض الروايات والطرق: (إن كل شيء يشفق في صبيحة الجمعة حتى ممسى اليوم من أن تقوم الساعة في ذلك اليوم إلا الإنس والجن)، وفي رواية ضعيفة عند أبي نعيم: (لا تقوم الساعة إلا نهاراً)، ويغني عن هذه الرواية الضعيفة ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (خير يوم طلعت عليه الشمس)، فاليوم كاف في إثبات أن القيامة إنما تقوم في النهار دون الليل. قال شيخ الإسلام ابن القيم حول سؤال من سأل رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! ما أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه): لا جواب لهذه المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله. وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما تنتهي إليه من ذلك، وإن كنا ننتهي إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يجبه النبي ﷺ على سؤاله. هذا ما أردت بيانه في عقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالغيب الذي استأثر الله ﵎ بعلمه، وأكتفي بذكر ما أوردت من أدلة خشية الملل والطول، وما ذكرت فيه غنية وكفاية. لا يجوز لأحد أن يخوض في شيء من علم الغيب الذي استأثر الله ﵎ به، لا بالقول ولا بالفعل ولا بالتصنيف وتشويش عقائد المسلمين، وإنما عليه أن يقف، ويسعه ما وسع النبي ﷺ ووسع الرسل جميعاً وعباد الله العلماء والصالحين منهم، ويتوقف ويقول: آمنت بالله ورسله. نسأل الله ﵎ لنا ولكم التوفيق والهداية والسداد.

стр. 107

الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على كتاب عمر أمة الإسلام [٢] الابتعاد عن فهم أهل العلم سبب للوقوع في الخطأ والزلل، وفيما لا يحمد عقباه، وهذا هو ما وقع فيه مؤلف كتاب عمر أمة الإسلام، فقد خالف منهج العلماء في الفهم والاستدلال، وخاض في قضايا الغيب وما لا علم له به، وحاول تطويع النصوص لمراده، فأبان بذلك عن فساد منهجه وفهمه، ووقع فيما نهي عنه من الخوض في الغيبيات.

стр. 108

سبب الرد على كتاب عمر أمة الإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الله ﵎ علمنا العدل والإنصاف، والنبي ﵊ أمرنا بالنصح، فقد ثبت في حديث تميم الداري ﵁ قال: قال النبي ﵊: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). ويعلم الله أننا ما تطرقنا للرد على هذا الكتاب، وما فكرنا في هذا إلا من باب النصيحة بعد أن عم خطره في نظرنا، ولما كان الإنصاف والعدل من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه نقول: إن الله ﵎ لما ذكر أهل الكتاب -خاصة اليهود وهم شر خلق الله على الإطلاق، بل شر من الخنازير والقردة- أثنى على بعضهم ونعى على الكثرة، فقال الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فذكر محاسنهم أولاً، ثم ذكر مساوئهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. فهذه الآيات والنصوص توقفنا عن أن نظلم أو نجور، فليس قصدنا فضح الكاتب، ولا سبه والشماتة فيه، وإنما هي محاولة لإظهار الحق في نظرنا. هذا الكتاب لم يخل من فوائد، ولما سألنا الكثير من الطلاب عن هذا الكتاب قلنا: هو في الجملة كتاب جيد، إلا الفصل الفلاني وإلا الباب الفلاني، فلم نعمم الحكم ولم نطلقه، وإنما قيدنا كلامنا بما هو منتقد عند أهل العلم. وهذا الكتاب -بلا شك- قد حمل التخويف والتهديد، كما أنه رغب في الآخرة بعمل الصالحات والطاعات، وحذر من قرب الفتن والساعة، وهذا باب في التخويف جيد، فلا شك أنه يزهد الناس في دنياهم ويقربهم من رب العالمين، ومن كل طاعة تؤدي إلى مرضاته ، ولا شك أن هذا قصد عظيم للمصنف، وهو حسنة للمصنف. وكذلك من الحسنات أنه نبهنا على أن العدو متربص بنا في كل وقت وحين، وهذا لفت نظر منه جيد ومتين؛ لأن الخير والشر يتناطحان إلى يوم القيامة، فلا يمكن أن يسكت عنك الشيطان، ولذلك حذرك إلى ما يحاك من حولك خاصة من جهة اليهود والنصارى، وعلى جهة الخصوص من جهة اليهود.

стр. 109

أدلة مصنف عمر أمة الإسلام على قرب الساعة وتحديد وقوعها وأما المثالب فإنه لما أراد المصنف الاستدلال على قرب الساعة اعتمد في ذلك على حديثين أخرجهما البخاري في صحيحه: الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا). والعجز هنا بمعنى الترك والإباء والعناد وعدم الإيمان، (فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا -أي: ثم كفروا- فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب)، والراجح أنهم اليهود؛ لأنه في رواية البخاري في كتاب التوحيد قال: (فقال أهل التوراة)، (فقال أهل الكتاب: أي ربنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أكثر عملاً؟ قال: قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء). والحديث الثاني: حديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ﵁، قال: قال النبي ﵊: (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً إلى الليل -يعني: من أول النهار إلى الليل- فعلموا إلى نصف النهار)، وهذا تبينه الرواية الأولى: (فعجزوا)، أي: لما بلغوا إلى منتصف النهار عجزوا وامتنعوا عن العمل: (فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك -أي: ننصرف ولا نريد أجراً- ولكن دعنا ننصرف، فاستأجر آخرين، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا -أي: عجزوا، وامتنعوا عن العمل، وقالوا للذي استأجرهم: لك ما عملنا- ولا نريد أجراً، ولكن دعنا ننصرف، فاستأجر قوماً فعملوا بقية يومهم -أي: على الشرط الذي شرط عليهم- حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين)، أي: وأخذوا أجر الفريقين الذين شرط المؤجر لهم من أول الأمر.

стр. 110

ذكر الأبواب التي أخرج فيها البخاري الحديثين اللذين استدل بهما المصنف على قرب الساعة قبل أن نتطرق لفهم المصنف أو الكاتب إلى المعنى العام والشرح العام لهذين الحديثين لابد أن نعرج على هذين الحديثين كما أخرجهما البخاري في صحيحه في أي الكتب والأبواب أخرجهما، وقيمة هذه الفائدة أن أهل العلم قالوا: إن وضع الحديث تحت باب معين يدل على أنه من جنس ذلك الباب، ومن الخبل وضع الحديث تحت باب لا يناسبه. فلو أنك أردت أن تبحث -مثلاً- عن حديث وصف عثمان ﵁ لصفة وضوء النبي ﵊ لبحثت عنه في باب الوضوء، ولو بحثت عنه في كتب الفتن أو الفضائل فليس عندك رائحة العلم؛ لأن هذا الحديث لا علاقة له بالفتن ولا بالفضائل، وإنما علاقته بأحكام الوضوء، فأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن تبحث عنه في كتب الوضوء من كتب السنة. والإمام البخاري الذي استدل أهل العلم على عظيم فقهه من مجرد تبويبه ووضعه الأحاديث تحت الأبواب المناسبة لها لم يفهم من هذه الأحاديث ما فهمه المصنف، فالإمام البخاري روى الحديث في أبواب متعددة، فرواه في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وعلاقة الحديث بهذا الباب واضحة، فوقت العصر ممتد إلى غروب الشمس، ويبينه قول النبي ﵊: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فالإمام البخاري لم يورد هذا الحديث في كتاب الفتن، وإنما أورده في كتب الفقه، وأورده في كتاب الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار، وباب: الإجارة إلى صلاة العصر، وباب: الإجارة من العصر إلى الليل، وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر حديث أبي موسى الأشعري الحديث الثاني. وأورده كذلك في كتاب الأنبياء، باب: ما جاء عن بني إسرائيل. فأورد الحديث هناك ليدل على أن بني إسرائيل قوم غدر وخيانة وظلم وتعد واستنكاف وامتناع عن الائتمار بأوامر الله ، ويدل عليه قوله: (فعجزوا)، فاليهود عجزوا في منتصف النهار، والنصارى عجزوا في العصر، بمعنى: امتنعوا ولم يؤمنوا، وأورده كذلك في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، أي: فضل القرآن على التوراة والإنجيل. قال الحافظ ابن حجر في الجزء التاسع صفحة (٦٧): وهذا الحديث يدل على ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وثبوت الفضل لها إنما ذلك بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به، كما أورده كذلك في كتاب التوحيد، وهو في المجلد الثالث عشر، باب في المشيئة والإرادة؛ لقول الله : (إنما هو فضلي أوتيه من أشاء)، ولما اعترض اليهود على أن الله ﵎ كافأ أمة محمد ﵊ بما لم يكافئهم به مع أنهم أطول في الزمن من أمة محمد قال: (هل غمصتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: هو فضلي أوتيه من أشاء). ولذلك أورده البخاري في كتاب التوحيد، في المشيئة والإرادة. قال الحافظ ابن حجر في المجلد الثالث عشر صفحة (٤٥١): وفي قوله: (ذلك فضلي أوتيه من أشاء) إشارة إلى جميع الثواب، لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يزعم أهل الاعتزال. فوضع الكاتب والمصنف هذه الأحاديث في باب الفتن وأشراط الساعة وقربها فهم غير مستقيم، ولو كان مستقيماً لسبقه إليه سلف الأمة، وعلى رأسهم النبي ﷺ ؛ فإنه لا يتصور أن هذا المعنى قد خفي عليه ﵊، أو على أصحابه أو على التابعين أو أتباعهم، أو علماء الأمة على وجه العموم، وظهر للأخ المصنف الذي صنف كتاب (عمر أمة الإسلام).
следующие страницы →