Полный текст (147 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على منكري الشفاعة
الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن أنكرها فقد خالف ما عليه إجماع المسلمين، وهي أنواع، منها الشفاعة العظمى، وسائر شفاعات سيد المرسلين، فإنه ﵊ يشفع للمؤمنين الصالحين والعصاة الموحدين، ومنها شفاعة المؤمنين والملائكة، والأبناء الصالحين والأبناء الذين لم يبلغوا الحلم لآبائهم، وفوق ذلك كله شفاعة رب العالمين.
стр. 2
إخبار عمر الناس بمجيء أقوام ينكرون الشفاعة والرجم والدجال وعذاب القبر وغير ذلك
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أخرج أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عباس ﵄: (أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوماً فكان مما قال: إنه سيأتي أقوام من بعدكم يكذبون بالرجم وبـ الدجال وبالشفاعة وبعذاب القبر وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا فيها، أي: بعد أن صاروا فيها فحماً).
فهذا الأثر يدل على أن هذه الأمور مستقرة لدى السلف، لم يكن أحد منهم يكذب بواحدة منها، فالرجم ثابت في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، ولم يثبت عن واحد من السلف أنه كذب به، والدجال حقيقة لا خرافة، وبه صحت الآثار والأحاديث التي بلغت حد التواتر وزيادة، والشفاعة جاءت في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﵊ وفي آثار الصحابة كذلك، بل في أشعار العرب، وعذاب القبر حق، وهو جزء أصيل من عقيدة أهل السنة والجماعة، والشفاعة المعقودة يوم القيامة، وهي متنوعة وأقسام سنتعرف عليها، وهي موضوع حديثنا في هذه اللحظات.
أخرج الآجري في كتاب الشريعة -وهو كتاب قد وضع لبيان مسائل الاعتقاد- قال: قال النبي ﵊: (من كذب بشفاعتي فليس له نصيب منها)، والصحيح: أن هذا الأثر موقوف على أنس، وسواء كان موقوفاً أو مرفوعاً فإنه لابد من الحكم برفعه؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، فلابد أن يكون خبراً عن المعصوم ﵊.
إذا تكلمنا عن الشفاعة فالكلام فيها يطول، والأحاديث فيها متعددة، ولكن لما كان هذا موضوع الساعة يحسن بنا أن نعرج على بعض الآثار الواردة فيه، ولذا فإن منكر الشفاعة لابد أن يكون واحداً من ثلاث: إما أن يكون ملحداً في أسماء الله وصفاته، وفي أخبار الغيب التي هي من أعظم الأمور في الإيمان، فإننا لم نر الله ، ومع ذلك فقد آمنا به، ولم نر النبي ﵊ ومع ذلك فإننا نؤمن به، ولم نر الجنة ولا النار ولا الصراط ولا الحساب ولا الجزاء ولا العقاب ومع هذا فقد آمنا بكل ما أخبرنا الله به، وأخبرنا به نبينا ﵊.
ومنها الشفاعة؛ لأنه لم يكن منها شيء في الدنيا إلا ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، كما في قوله ﵊: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء)، فإذا كان ملحداً أوكلنا أمره إلى الله يعامله بما يستحق، وإن كان مؤدياً لرسالة أعداء الإسلام بلسان محمد وأحمد وعبد الله وإبراهيم وغير ذلك من أسماء المسلمين، فإننا نكل أمره إلى الله، ولا طاقة لنا بلقائه، وإن كان معتزلياً ينكر هذا كما أنكرته المعتزلة قديماً بحجة أن ذلك طريقه آحاد ولا يقوى للاحتجاج به في مسائل الاعتقاد، فإننا نقول: إن هذا المعتقد إنما هو دسيسة لا علم لسلفنا بها، وهذا المعتقد البدعي الذي أتت به المعتزلة لم يكن معلوماً لدى النبي ﵊ ولا عند أصحابه، فهو بدعة محدثة وضلالة، أن خبر الواحد لا ينهض للاحتجاج به في مسائل العقيدة، ويكفينا من ذلك قول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، ولم يقل سبحانه: وما آتاكم الرسول بخبر التواتر فخذوه، وإنما قال: ((فَخُذُوهُ)) بغير تقييد، دل ذلك على صلاحيته في الاحتجاج سواء كان آحاداً أو تواتراً.
فكل خبر رواه الثقة عن مثله إلى منتهاه حتى يبلغ قائله فهو حجة في دين الله ، سواء كثرت الطرق إليه أم قلت، وهذا معتقد جماهير علماء الإسلام، لاسيما في ذلك أن الله تعالى نفى الإيمان عمن رد شيئاً من ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
والنبي ﵊ كان يرسل أصحابه في الأمصار والولايات ليعلموا الناس الدين، وأعظم ما كانوا يعلمونهم هي مسائل الاعتقاد ومن بينها الشفاعة، فلا مناص لمسلم يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وما فيه إلا أن يؤمن بالشفاعة، أما عن الآثار أو الآيات التي تعلقت بها، فمن الآيات ما ينفي ثبوت الشفاعة، ومنها ما يثبت ثبوت الشفاعة، فإذا ثبت هناك آيات تنفي الشفاعة وآيات تثبت الشفاعة، فإما أن نقول: إن هذا القرآن من عند غير الله، وبذلك يكفر من يقول ذلك، وإما أن نقول: هناك آيات نفت شفاعة معينة مقيدة بقيود، وهناك آيات أثبت
стр. 3
الجمع بين الآيات التي تثبت الشفاعة والآيات التي تنفيها
أما الآيات التي وردت تنفي وتثبت الشفاعة؛ فهي قول الله : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨].
هذه الآية ادعى فيها المشركون أن لهم شفعاء، فالله نفى عنهم ذلك، وهي تدل دلالة عظيمة على أنه لا شفاعة لأحد عند الله إلا إذا كان قادراً على هذه الشفاعة.
فالشرط الأول: الشفاعة بالحق.
قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
إذاً: هناك شفاعة، ولكن لا شفاعة لأحد إلا إذا كان يشفع بالحق وهو يعلم أنه يشفع بالحق.
والشرط الثاني: إسلام المشفوع له؛ لأنه لا شفاعة لمشرك قط إلا لـ أبي طالب، قال الله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، والظالمون هم الكافرون، فما لهم من شفيع ولا حميم، ويستثنى من المشركين أبو طالب كما قلنا؛ لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: (يا رسول الله! أرأيت أبا طالب وما كان يحوطك به ويغضب لك.
أينفعه ذلك؟) وأبو طالب مات على الكفر البواح على الشرك، ولم يقبل دعوة الله ولا هداه.
قال: (أينفعه ذلك يا رسول الله؟! قال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فإني أشفع له، فيخرج من قعر جهنم إلى ضحضاح) أي: ما زال باقياً فيها.
وفي رواية عند البخاري ومسلم: أن النبي ﵊ قال: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل يخرج من قعر جهنم حتى يقف على جمرتين يغلي منهما دماغه هو أبو طالب).
فشفاعة النبي ﵊ أخرجت أبا طالب من أسفل سافلين إلى ضحضاح -ضاحية- من النار يقف على حجرين من نار يغلي منهما دماغه، ومع هذا نفعته شفاعة النبي ﵊.
الشرط الثالث: الإذن للشافع؛ لأنه لا يأذن عند الله أحد إلا بإذن؛ ولذا قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]؟ لا أحد.
والشرط الرابع: الرضا عن المشفوع له، وإن الله لا يرضى عن مشرك قط، وإنما يرضى عن المسلم وإن كان صاحب كبيرة، فإن الله يرضى بالشفاعة له، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
فهذه هي الشروط التي اشترطها الله لحدوث الشفاعة يوم القيامة، وبهذه الشروط نستطيع أن نجمع بين الآيات التي تنفي الشفاعة والآيات التي تثبتها.
стр. 4
الشفاعة الكبرى يوم القيامة وما ثبت فيها
أما موضوع الشفاعة العظمى والشفاعة الكبرى فهي الحادثة يوم القيامة، وصاحبها هو صاحب الشفاعة العظمى نبينا ﵊.
وإن الأحاديث التي وردت تثبت الشفاعة للنبي يوم القيامة قد بلغت حد التواتر، ومن قال بغير ذلك فلا علم له بسنة النبي ﵊، وإنما يهرف ويخرف بما لا يعرف، وهو لا يعرف النص المتواتر من غيره، ولم يدرس دين الله ، ولم يتعرف عليه لا من قريب ولا من بعيد، وكثير من الناس يتكلم في دين الله دون أن تربطه بالكتاب والسنة أي رابطة، فيأتي بالأعاجيب، بل ينكر ويرد كثيراً من المعلوم من دين الله بالضرورة، فهو على خطر عظيم جداً.
ولعلكم قرأتم مجلة الحوادث الصادرة في هذا الأسبوع أن امرأة أنكرت معجزات الأنبياء، وأنكرت أن الله نجى إبراهيم من النار، وأنكرت أن يونس ﵇ ابتلعه الحوت، وأنكرت الإسراء والمعراج للنبي ﵊، وقالت: إنما ذلك تهيؤات وتخيلات! لماذا؟! وأقحمت هذا الفصل في رسالتها في علم النفس، ولا علاقة لهذا الفصل بأصل الرسالة، وحازت على مرتبة الشرف الأولى! وهناك مشكلة قائمة بين جامعات مصر وجامعة عين شمس التي منحت هذه الرسالة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والذي يقف معها ويؤيدها أكثر من الذي ينكر عليها أنها أنكرت معلوماً من دين الله بالضرورة.
وإنا لا ندري إلى أي حد ستستمر هذه المهزلة، مهزلة زعزعة الثوابت في حياة المسلمين وفي معتقدهم.
стр. 5
حديث أبي هريرة وأنس في الشفاعة الكبرى يوم القيامة
أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵊ أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغهم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، اذهبوا إليه، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم ﵇ فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح! إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي.
نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات -فذكرهن أبو حيان في الحديث- ثم قال: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى ﵇، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى! أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس.
اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها.
نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنباً لنفسه- ثم قال: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمداً، فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ قال النبي ﵊: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك.
سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب! أمتي يا رب! أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال النبي ﵊: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة -أي: ما بين قائمي الباب الواحد من أبواب الجنة- كما بين مكة وحمير -كما بين مكة واليمن- وفي رواية: أو كما بين مكة وبصرى -وهي اسم بلد من بلاد الشام-، وفي رواية: ما بين مكة وهجر).
هذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وأخرجاه كذلك من حديث أنس أن النبي ﵊ قال: (يجتمع الله المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم! أما ترى الناس ويذكرونه بما ذكروه من قبل حتى يأتوا محمداً ﵊ عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال النبي ﷺ : فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع.
فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد الله لي حداً فأدخلهم الجنة -يعني: يقسم لي من الناس قسماً فيدخلون الجنة بشفاعة النبي ﵊ ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً حتى قال النبي ﵊: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود).
يا رب! لم يبق في النار أحد إلا من حبسه كفره بالقرآن الكريم، فهو من أهل الخلود فيها، فإنه لا شفاعة حينئذ.
وعند البخاري ومسلم من حديث مع
стр. 6
حديث أبي هريرة وحذيفة في الشفاعة الكبرى يوم القيامة
وعند مسلم من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة -أي: تقرب لهم الجنة-، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة -اطلب من ربك أن يفتحها لنا-، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟! لست بصاحب ذاك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم ﵇ ويذكر بقية الأنبياء حتى يصل إلى النبي ﵊، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق، كما يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كالريح، ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم! يا رب سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ ما أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفاً) إن قعر جهنم لسبعون خريفاً تحت الأرض.
وهذا الحديث أخرجه كذلك الإمام أحمد بن حنبل والدارمي في سننه وغيرهم من أهل العلم كثير، ولا أظن أن الوقت يسمح بسرد جميع النصوص.
стр. 7
أحاديث متفرقة في إثبات الشفاعة الكبرى لرسول الله ﷺ
وعن البخاري من حديث آدم بن علي قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: (إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاً -يعني: يبركون على ركبهم- كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان! اشفع لنا.
حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)، والمقام المحمود: هي الشفاعة الثابتة للنبي ﵊.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر ويأتي إلى ربه، وأول شافع، وأول مشفع) ﵊.
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﵊ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] قال: هي الشفاعة)، فالشفاعة من كذب بها فقد كذب بالقرآن، أي: بالمقام المحمود المذكور في القرآن.
وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: قال النبي ﵊: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع يوم القيامة ولا فخر).
لماذا أصر على تكرار هذه الآثار والأحاديث رغم أنها تدل على معنى واحد وهو إثبات الشفاعة؟ لأبين لك أن هذه العقيدة أتت إلينا بطريقة التواتر كالقرآن الكريم تماماً، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن, وغير ذلك من الطرق والروايات التي أتت بالشفاعة العظمى للنبي ﵊؛ لأبين لك أن من قال: إن الشفاعة أتت بطريق الآحاد ليس له حظ علم في ذلك، بل هي متواترة، أو قد يقول قائل: إن الشفاعة لا تدخل في حدود العقل والعقل لا يتصورها.
فنقول له: دع عنك عقلك وآمن بالله العظيم، ولو أن لك عقلاً لسألناك عن كل غيب لله .
أتى رجل من المبتدعة إلى عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى إمام من أئمة السنة، وقال: يا إمام! يسأله في ذات الله ، وإن كان اللسان والقلب لا يقوى على سرد ذلك الآن، لدلالة جرحه، فقال ابن مهدي: يا فلان! يرحمك الله، دع عنك هذا وسل عن المخلوق، فإن الخالق لا يعلم كنهه أحد إلا الله، بل من المخلوقات من لا يعلمها إلا الله ، ألا تعلم أن الله تعالى خلق جبريل ﵇ وله ستمائة جناح؟ قال: بلى، قال: صف لي جبريل ﵇ على هيئته التي خلقه الله عليها؟ صف لي مخلوقاً له ستمائة جناح؟ فعجز الرجل أن ينطق بجواب، فقال ابن مهدي: وأنا أعافيك من خمسمائة وسبعة وتسعين جناحاً، صف لي مخلوقاً واحداً بثلاثة أجنحة، وركب الجناح الثالث حيث ركبه الله ، فعجز الغلام واعتذر لـ عبد الرحمن بن مهدي ولم يتكلم في ذات الله بعد ذلك.
هذا الأثر إنما نسوقه لوجوب الإيمان بالغيب الذي أمر الله به، حتى وإن لم يكن ذلك في مقدور عقولنا، ومتى كان العقل يحكم على النص؟! إن ذلك منهج عقلي اعتزالي لا قيمة له عند أهل السنة والجماعة.
ومن حديث أبي بن كعب عند مسلم، قال: (كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه)، وأنتم تعلمون أن أبي بن كعب من قراء الصحابة، بل من أسياد قراء الصحابة.
فلما قرأ ذلك الرجل قراءة أنكرها أبي لا علم له بها، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه أنكرها كذلك أبي ودخل ثالث، فلما قضوا الصلاة قال: (إنكم قرأتم قراءة أنكرتها، فقالوا: نذهب إلى النبي ﵊، فقرأ كل واحد بالقراءة التي قرأها أمام النبي ﵊ فأقر الجميع ونصح أبياً بذلك) وفي آخر الحديث: قال النبي ﵊: (فلك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت: يا رب! اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلائق، حتى إبراهيم ﵇ يأتي إلى النبي ﵊ في هذا المحشر وفي هذا الموقف فيسأله الشفاعة له وللناس)، وفي رواية: (واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وعن أبي بن كعب أن النبي ﵊ قال: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر)، يعني: لست أفاخر بذلك، ولكني أخبركم بما سيكون يوم القيامة.
وعند البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﵊: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) يعني: خص النبي ﵊ بخمس، وخصائصه كثيرة، لكن هذا الحديث أثبت خمساً.
قا
стр. 8
أنواع من الشفاعة
أما موضوع الشفاعة العظمى والشفاعة الكبرى فهي الحادثة يوم القيامة، وصاحبها هو صاحب الشفاعة العظمى نبينا ﵊.
وإن الأحاديث التي وردت تثبت الشفاعة للنبي يوم القيامة قد بلغت حد التواتر، ومن قال بغير ذلك فلا علم له بسنة النبي ﵊، وإنما يهرف ويخرف بما لا يعرف، وهو لا يعرف النص المتواتر من غيره، ولم يدرس دين الله ، ولم يتعرف عليه لا من قريب ولا من بعيد، وكثير من الناس يتكلم في دين الله دون أن تربطه بالكتاب والسنة أي رابطة، فيأتي بالأعاجيب، بل ينكر ويرد كثيراً من المعلوم من دين الله بالضرورة، فهو على خطر عظيم جداً.
ولعلكم قرأتم مجلة الحوادث الصادرة في هذا الأسبوع أن امرأة أنكرت معجزات الأنبياء، وأنكرت أن الله نجى إبراهيم من النار، وأنكرت أن يونس ﵇ ابتلعه الحوت، وأنكرت الإسراء والمعراج للنبي ﵊، وقالت: إنما ذلك تهيؤات وتخيلات! لماذا؟! وأقحمت هذا الفصل في رسالتها في علم النفس، ولا علاقة لهذا الفصل بأصل الرسالة، وحازت على مرتبة الشرف الأولى! وهناك مشكلة قائمة بين جامعات مصر وجامعة عين شمس التي منحت هذه الرسالة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والذي يقف معها ويؤيدها أكثر من الذي ينكر عليها أنها أنكرت معلوماً من دين الله بالضرورة.
وإنا لا ندري إلى أي حد ستستمر هذه المهزلة، مهزلة زعزعة الثوابت في حياة المسلمين وفي معتقدهم.
стр. 9
شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر
والشفاعة لأهل الكبائر على جهة الخصوص ثابتة للنبي ﵊، وما مضى من آثار إنما وردت في إثبات الشفاعة العامة لأهل الموقف إلا من كان مشركاً كافراً.
وأما أهل الكبائر فلهم شفاعة خاصة بهم؛ أصحاب الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من كبائر المعاصي، فإن الله قد حرم هذا، وجعله من كبائر الذنوب، وليعلم صاحب الكبيرة أن الله إما أن يأذن في الشفاعة له وإما لا يأذن، فهو على خطر عظيم؛ ولذلك إقامة الحد على صاحب الكبيرة كفارة له، فإن تاب وتصدع قلبه ندماً وحسرة على كبيرته تاب الله عليه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، ومن مات مصراً عليها فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي ﵊: يا أبا هريرة! لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك -يعني: لقد ظننت أنه لا يسألني أحد قبلك- لما رأيت من حرصك على الحديث والعلم؛ أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي رواية: (صادقاً من قلبه)، وفي رواية: (على ما كان عليه من عمل)، يعني: يقول: لا إله إلا الله ويأتي بمقتضياتها وواجباتها وملزوماتها، فالعبد إذا قال: لا إله إلا الله، وأبغض الله وأبغض الرسول، وحارب الله وحارب الرسول، وحارب القرآن والسنة هل تنفعه لا إله إلا الله؟ لا والله لا تنفعه؛ لأن (لا إله إلا الله) لها شروط ومقتضيات لابد أن يحققها العبد، وإلا فهو على خطر عظيم جداً بين يدي الله يوم القيامة.
وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة).
فاللهم ارزقنا شفاعته ﵊.
وقال النبي ﵊ فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته -كل نبي دعا بدعوته في الدنيا- وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)، أي: فهي مصيبة كل واحد من أمتي مات لا يشرك بالله شيئاً، أي: أنها من حظ كل مسلم مات على التوحيد وإن كان صاحب كبيرة، لكن ذلك مشروط بمشيئة الله .
وأخرج ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﵊: (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل الله نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة)، فاختار الشفاعة؛ لأنها تنال أكثر من نصف الأمة في الموقف، فاختار النبي ﵊ الشفاعة حرصاً على عصاة أمته، والدعاء المأثور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) والمقام المحمود: هو الشفاعة، قال النبي ﵊: (من سأل الله لي الوسيلة والفضيلة حلت له الشفاعة) أي: وجبت له شفاعتي يوم القيامة.
وعند الترمذي من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت النبي ﵊ يقول: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربي)، انظروا إلى هذا الفضل العظيم، يعني: سبعون ألفاً في سبعين ألفاً، زد على ذلك ثلاث حثيات يحثوها الرب ﵎ بيمينه، وهي من حثيات الرب لا من حثيات العبد.
وجاء عند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ تماماً لهذا الحديث: (فقال النبي ﵊: أي رب! إن لم يكن هؤلاء مهاجري أمتي.
قال: إذاً: أكملهم لك من الأعراب).
وعند البيهقي من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله! قال: وهكذا وجمع يديه -أي: يحثو حثوة رب العزة ﵎ فقال: زدنا يا رسول الله! قال: وهكذا -أي: حثا بيديه بحثيات الرحمن ﵎ فقال عمر لـ أبي بكر: حسبك.
-أي: كفى هذا- فقال أبو بكر ﵁ لـ عمر: دعني يا عمر! وما عليك أن يدخلنا الجنة كلنا؟!)، أبو بكر الصديق ﵁ لما سمع النبي ﵊ يقول: (
стр. 10
شفاعة الله والملائكة والمؤمنين
وكذلك يشفع الله والملائكة والمؤمنون، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: (قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كان صحواً -يعني: ليس بينكم وبينها ضباب ولا سحاب ولا غيم-؟ قلنا: لا.
قال: فإنكم لا تضارون ولا تضامون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما -أي: في الشمس والقمر ليس دونها سحاب-، ثم قال: ينادي مناد.
ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم؛ حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر -ومعنى فاجر: صاحب كبيرة أو صاحب معصية، ولكنه موحد غير مشرك- وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا)، انظر إلى الدناءة: نريد أن تسقينا شربة ماء؛ لأن الموقف رهيب عصيب، الشمس تدنو من رءوس الخلائق حتى تكون منهم على قدر ميل، والميل: هو المرود الذي تكتحل به المرأة، فتصور أنكم تمكثون الآن في بيت من بيوت الله، وكل واحد منا يتصبب عرقاً، وبيننا وبين الشمس مئات الملايين من الأميال! فلو أن الشمس دنت من رأسك حتى كان بينك وبينها قدر عقدة أو عقدتين من عقد أصابعك ماذا تصنع؟ ولذلك يغرق الناس في عرقهم حتى يلجموا إلجاماً، (ما تريدون؟ قالوا: أن تسقينا).
ولذلك جاء في سنن أبي داود: (اللهم أدخلني القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال له أبوه: ليس هكذا يا بني! فإني سمعت النبي ﵊ يقول: سيأتي أقوام من بعدي يعتدون في الدعاء والطهور، قال: فماذا أقول يا أبي؟! قال: إذا دعوت فقل: اللهم ارزقني الفردوس الأعلى)، اللهم ارزقني الفردوس الأعلى وإياكم.
هؤلاء اليهود تدنو همتهم حتى في المحشر، وحتى في هذا الموقف العصيب، حتى لا يتمنوا إلا شربة ماء، وينسيهم الله أن يطلبوا دخول الجنة أو أن يطلبوا الشفاعة.
(فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟! فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر إلهنا ومعبودنا، قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه أول مرة عليها -أي: في أول المحشر- فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها -هل هناك علامة تعرفون بها الله يوم القيامة-؟ فيقولون: الساق -أي: ساق الرحمن ﵎ نعرفه بها، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيقع ظهره طبقاً واحداً، ثم يؤتى بالجسر -أي: جسر جهنم- فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد، يقال لها: السعدان، المؤمن عليها كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم ليسحب سحباً، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا)، فانظر إلى شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض.
(يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا؟ فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله تعالى صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرءوا قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠]، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار وهي بكف الرحمن، فيخرج أقواماً قد امتحشوا -أي: قد صاروا فحماً من فحم جهنم- فيلقون في نهر بأفواه الجنة -أي: على أطراف الجنة- هذا النهر يسمى نهر الحياة، وماؤه يسمى ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض،
стр. 11
شفاعة الأفراط لآبائهم
وهناك شفاعة عزيزة جداً، شفاعة الأولاد الصغار لآبائهم.
أخرج أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب! أنى لي هذه -يعني: كيف بلغت هذه المرتبة العالية في الجنة ولم أعمل عملاً أكافأ بها-؟ قال: باستغفار ولدك الصالح لك).
فلا ينفعك إلا ولدك الصالح، أما الطالح فلا، فإن شئت أن تربيه على المعصية والفجور فهو لن ينفعك، وإن ربيته على الصلاح فهو ينفعك؛ فلذلك قال النبي ﵊: (ثلاثة تنفع العبد بعد موته: ولد صالح يدعو له).
وعند مسلم من حديث أبي حسان قال: (قلت لـ أبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان -مات لي ولدان- فما أنت بمحدثي عن رسول الله ﵊ حديثاً تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه -وفي رواية: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك الآن، فلا يتناهى ولا ينتهي حتى يدخله الله الجنة وأبويه).
يعني: يأتي الرجل يوم القيامة وقد مات له ولد أو ولدان أو ثلاثة، فإذا كان يوم القيامة تمسك الأولاد بأثواب وتلاليب آبائهم وأقسموا على الله ألا يدخلوا حتى يكون الداخل قبلهم آباؤهم وأمهاتهم، وتلك شفاعة الصغار الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وقبل أن يجري عليهم القلم.
ولذلك قال ﵊: (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث -أي: لم يبلغوا الإثم والذنب- إلا أدخلهم الله وأبويهم بفضل رحمته الجنة.
وقال: يقال لهم: ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم).
هذه شفاعة الصغار لآبائهم.
стр. 12
أسباب الشفاعة
أسباب الشفاعة منها القرآن الكريم كما ورد في الحديث: أن النبي ﵊ قال: (القرآن والصيام يشفعان للعبد، فيقول الصيام: يا رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب! أسهرت ليله فشفعني فيه)، وقال ﵊: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
وكذلك سكنى المدينة ممن لهم شفاعة خاصة، ولذلك قال النبي ﵊: (فإني أشفع لأهل البقيع)، وفي رواية: جاء أبو سعيد مولى المهري إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على بلاء المدينة وجهدها، فقال له: ويحك! لا آمرك بالجلاء عنها -أي: لا آمرك أن تذهب وتترك المدينة- إني سمعت النبي ﵊ يقول: (لا يصبر أحد على لأوائها -أي: شدتها- فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً).
وفي رواية: أن النبي ﵊ يقول: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).
ويكفي أن المدينة لا يدخلها الدجال، فهي معصومة مأمونة من هذه الفتنة التي هي أعظم فتنة بين يدي الساعة.
والصلاة على النبي ﵊ كذلك تستجلب شفاعته ﵊، ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم: أن النبي ﵊ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).
وصلاة المصلين على الميت له شفاعة، أخرج مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﵊: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) ما من ميت يموت فتصلي عليه أمة يبلغون مائة شخص إلا شفعوا فيه.
ومن حديث عبد الله بن عباس: (أنه مات ابن له بعسفان فقال لمولاه كريب: يا كريب! انظر ما اجتمع له من الناس -يعني: انظر كم عدد الذين اجتمعوا- قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته، فقال: تقول يا كريب! إنهم أربعون؟ فخرجت فعددتهم، فقلت: نعم.
قال: أخرجوا الميت؛ فإني سمعت النبي ﵊ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه).
ولكن انظروا إلى الشرط: (لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)، أنت الآن لو نظرت إلى كثير ممن يصلي على الأموات وتحققت هذا الشرط لوجدت أنهم يشركون بالله شيئاً، ولرجع إليك الطرف خاسئاً حاسراً، ثلاثة أرباع -إن لم يكن أزيد- يشركون بالله في الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح والطواف وغير ذلك.
وكان النبي ﵊ يقول لخادمه: (ألك حاجة؟ قال: حتى كان ذات يوم، فقال لخادمه: ألك حاجة؟ فقال: نعم.
قال: ما هي؟ قلت: يا رسول الله! حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، إذاً: طول الصلاة وتحسينها وإخلاص العمل فيها لله يجلب شفاعة النبي ﵊ يوم القيامة.
стр. 13
موانع الشفاعة
قال ﵊: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) وهذا مانع من موانع الشهادة والشفاعة: أن المرء سباب لعان شتام مؤذٍ مجرم فليست له الشفاعة، بل ربما لا يحصل على شفاعة غيره من الشفعاء، من الملائكة والنبيين وصالح المؤمنين.
وهناك شفاعة لها تعلق بالدنيا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء:٨٥].
قال الحافظ ابن كثير: ((مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)) أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له في هذا الخير نصيب، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء).
وعند البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (كان النبي ﵊ إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء).
وهناك أمور لا تحل الشفاعة فيها في الدنيا، منها الحدود إذا بلغت السلطان فإنه لا شفاعة فيها، بل ليس للسلطان أن يقيم الحد أو لا يقيمه؛ لأن الله تعالى أوجب عليه قيام الحد إذا بلغه؛ ولذلك ثبت عند البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت.
قالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ من يشفع فيها عند الرسول؟ قالوا: ومن يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد، فهو حبه وابن حبه، فذهب أسامة ليشفع، فقال النبي ﵊: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فلا شفاعة في الحدود.
وعند أبي داود عن يحيى بن راشد قال: (خرجنا لـ عبد الله بن عمر فخرج إلينا، فقال: سمعت النبي ﵊ يقول: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله وحاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلم أنه باطل لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس منه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال).
وعن أنس ﵁ عن النبي ﵊ قال: (من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله تعالى عليه ملكاً يسدده).
من طلب الشفاعة في القضاء بشفاعة الشفعاء أوكله الله لنفسه، ومن حمل على هذه المنزلة سخر الله له ملكاً يسدده ويثبته.
أسأل الله ﵎ أن يرزقني وإياكم شفاعة الملائكة والنبيين وصالح المؤمنين.
اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد ﵊ اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد ﵊ اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد ﵊.
اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
стр. 14
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الدفاع عن موسى ﵇
لقد بين العلماء حقيقة لطمة موسى لملك الموت ﵉ وأنه لا مطعن في الحديث الراوي لها، ذلك أنه لما أمر الله تعالى ملك الموت بقبض روح موسى ﵊ تمثل ملك الموت لموسى ﵉ في صورة آدمي وفاجأه بقوله: أجب ربك، فلطمه موسى حتى فقأ عينه؛ لأنه لم يكن يعلم أنه ملك الموت، ولأنه فاجأه بالكلام ولم يستأذنه، وظن موسى أن الرجل صائل فأراد دفعه وصده.
стр. 15
بيان مقالة مفتر على الصحيحين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول أحد الملاحدة: إن الذي دس الروايات الإجرامية هو البخاري ومسلم! فهذا المجرم والملحد والزنديق ما تعلم أدب الحوار وأدب المناقشة العلمية حتى رمى خصمه بالإجرام، وأنه دس في عقيدة الأمة ما ليس من عقيدتها، فيقول: حتى يهدم فينا العقيدة الصحيحة، ويوقع بيننا وبين ربنا سبحانه فيحول بيننا وبين رضاه جل شأنه، فتشقى أمتنا بذلك إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل! ترى من فعل هذا؟ هي والله ما دست، إنما هي صحيحة النسبة إلى نبينا ﵊، فالدفاع عن هذا الحديث وجلاء أمره إنما يلزمه بيان عدة أمور قبل أن أدخل فيه: الأمر الأول: الكلام عن الملائكة، وعن خلق الله ﵎ للملائكة، فالملائكة عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور كما خلق الجن أو الجان من نار، وكما خلقك أنت من تراب، فأصل الخلق عند الملائكة يختلف عن أصل الخلق عند الجان، ويختلف عن أصل الخلق عند الإنسان، فالله خلق الملائكة من نور، وهم أجسام لا أرواح، ولذلك فإن الله ﵎ جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة، والأجنحة لا تكون إلا في الأجساد، أما الأرواح فلا أجنحة لها، وخلقهم الله من نور وجعلهم طائعين لهم متذللين خاضعين، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وموسى ﵇ مأمور بالإيمان بملك الموت، بل وبجميع الملائكة؛ لأن هذا أصل الإيمان في كل شريعة جاء بها رسول أو نبي.
إذاً: الذي يكفر بملك واحد كالذي يكفر بجميع الملائكة، والذي يكفر بنبي واحد كالذي يكفر بجميع الأنبياء، وهذا وجه من وجوه تكفير اليهود والنصارى أنهم آمنوا بموسى وبعيسى وكفروا بمحمد ﵊، فاستحقوا أن يكونوا كفاراً بعيسى وبموسى عليهما الصلاة والسلام.
وهذا وجه من وجوه تكفيرهم.
والملائكة هم خلق من خلق الله، وقد أمر الله ﵎ بقية الخلق أن يؤمنوا بأن الله تعالى خلق الملائكة وجعل لكل ملك مهمة يقوم بها، فمنهم من كلف بالوحي، ومنهم من كلف بالمطر، ومنهم من كلف بالرعد، ومنهم من كلف بكتابة الحسنات والسيئات، ومنهم من كلف بقبض الأرواح، وهو ملك الموت المعلوم عند كثير من الناس أنه عزرائيل، وهذه التسمية لملك الموت تسمية غير صحيحة، فإن اسمه الذي سماه الله تعالى به هو ملك الموت لا عزرائيل، وليس في الملائكة قط ملك اسمه عزرائيل، وجعل الله تعالى لكل ملك رسالة ومهمة يقوم بها، لا يقصر في أدائها، ورسالة ملك الموت إنما هي قبض الأرواح، وقد جاء في ذلك آيات كثيرة، فموسى ﵇ مكلف أن يؤمن بملك الموت لا بضربه وفقء عينه، فلم فقأ عينه؟!
стр. 16
الجمع بين آيات الإخبار عمن يتوفى الأنفس
قبل الجواب عن هذا السؤال نقول: إنه قد وردت ثلاث آيات في كتاب الله فيما يتعلق بمهمة قبض الروح، الله ﵎ يقول: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، هذه الآية تقضي بأن ملك الموت هو الذي يميت ويقبض الأرواح من الأبدان، وهذا لا خلاف عليه بل هو مستقر معلوم في أذهان العامة فضلاً عن أهل العلم، فإذا قبضها سلمها إلى رسل آخرين ليصعدوا بها إلى الله ، ولذلك هذا تأويل الآية الثانية: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) أي: كانوا في انتظار عند رأسه في حال الاحتضار، فالذي يتولى نزع الروح هو ملك الموت، ثم الذي يتولى استلام الروح من ملك الموت هم هؤلاء الرسل، فيصنعون بها ما أمرهم الله به، فإذا كان صاحب هذه الروح من أهل الجنة فإنهم ينتظرون عند رأسه ومعهم حنوط من حنوط الجنة، وكفن من أكفان الجنة، فيلفون تلك الروح في حنوط الجنة وكفن الجنة، فيصعدون بها حتى يبلغوا بها السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي هذا في عليين، ثم أعيدوه إلى الأرض.
فتعاد الروح إلى الأرض وقد قبر الميت ودفن جسده فتركب فيه الروح، فيقام ويقعد ويسأله منكر ونكير، وهو حي حياة برزخية تليق بالبرزخ، فيسأل: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ ، وديني هو الإسلام، فينيمانه نومة العروس، ويفتح له في قبره حتى يكون مد بصره ويكون له روضة من رياض الجنة.
وإذا كان صاحب هذه الروح من أهل النار فإنهم يكون معهم حنوط من حنوط النار، وكفن من أكفان النار، فيلفون هذه الروح في هذا الحنوط وفي هذا الكفن، فإذا أرادوا أن يصعدوا بها أغلقت السماء دونها، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في سجيل، أي: في أسفل سافلين، فتعاد الروح إلى البدن، فيسأل في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: هاه.
هاه هاه.
كأنه لا يدري ما يقول؛ لأنه لم يكن عاملاً بمقتضى هذه الأسئلة في الدنيا، فلا بد أن يشقى بها في حياته الدنيوية وفي برزخه وبين يدي الله .
والآية الثالثة تقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢].
فالمتوفي حقيقة هو الله ؛ لأنه الآمر لملك الموت بقبض الروح فينسب الفعل إليه، كما لو أن فلاناً انتصر في غزوة كذا، فنقول: إن النبي ﷺ انتصر في غزوة بدر مع أن النبي ﵊ لم يكن في غزوة بدر وحده، ولكنه لما كان القائد الأعلى والآمر بهذه الغزوة ينسب النصر إليه، فالله -ولله المثل الأعلى- لما كان هو الآمر لملك الموت بقبض الروح نسبت الوفاة إليه فكان هو المتوفي في الحقيقة، وهذا تأويل قول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فلا إشكال حينئذ بين هذه الآيات الثلاث، حتى لا يقول قائل: لقد وقعت على اختلاف وتضاد في كلام الله ! ف
الجواب
﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلما كان من عند الله يقيناً دل هذا على أنه ليس فيه اختلاف البتة، والله تعالى قادر على أن يهلك أعداءه، قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، أي: يزيد في خلق الأجنحة للملائكة ما يشاء، (والنبي ﵊ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق) وقد جاء في رواية: (أن جناحاً واحداً يسد الأفق) يعني: لو أراد ناظر أن ينظر إلى السماء ما رأى من السماء شيئاً، لا نجماً ولا قمراً ولا شمساً ولا ضباباً ولا غيماً؛ بسبب جناح واحد من أجنحة ملك واحد، فما بالكم بملك قد ركب فيه ستمائة جناح، من يقوى عليه؟! والله تعالى خلق ملكاً واحداً ووكله بالجبال فهو يحفظها بأمر الله، وأنتم تعلمون أن ملك الجبال أتى إلى النبي ﵊ وقال له: (لو شئت يا محمد لأطبقت عليهم الأخشبين)، أي: لهدمت عليهم الجبلين، فقال النبي ﵊: (لعل الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبده) وفي رواية: (من يوحده).
فالنبي ﷺ عفا عنهم وكان بإمكانه أن يأمر ملك الجبال فيأتي بعاليها على سافلها، وبسافلها على عاليها، ولكنه عفا وأصلح.
فالملائكة غلاظ شداد، لا يقوى على أحدهم موسى ﵇، ولكن الملاحدة أبوا إلا أن يرفعوا عقيرتهم في هذا الزمان لأنه لا حارس، من أراد أن يطعن في الله فليتفضل! ومن أراد أن يطعن في الرسول فليفعل! وم
стр. 17
صور الدفاع عن موسى ﵊ في لطمه ملك الموت
ثم الدفاع عن موسى بعد ذلك يأتي في صور: أولها: أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، لينظر ماذا يصنع موسى، والله ﵎ عالم بما يصنع موسى، لكنها على أية حال رسالة ابتلاء واختبار، والله ﵎ لما أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده لم يكن يريد هذا الأمر؛ لأن إبراهيم ﵇ لما عزم على ذبح ولده وتله للجبين، أي: ألقاه على جبينه، وأراد أن يذبحه، فجاءه الله بالذبح العظيم.
إذاً: الله أراد بهذا ابتلاء إبراهيم واختبار إبراهيم ليظهر إيمان إبراهيم، وغير ذلك.
وكذلك الملائكة تتصور في غير صورتها، وإذا تصورت في غير صورتها لا يعرفها أحد حتى الأنبياء والمرسلون، ألا ترون أن الملائكة أتوا إلى إبراهيم ﵇ فأوجس منهم خيفة، فقالوا: لا تخف.
ثم إنه عد هؤلاء أضيافاً، وجاءهم بعجل حنيذ وقربه إليهم وقال: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا رسل ربك، فلو رأى إبراهيم ﵊ ملائكة الله على الهيئة والوصف الذي خلقهم الله عليه لبهت، ولكنه ولأول مرة يرى ملائكة قد تصوروا في صورة آدميين، وأوجس منهم خيفة؛ لأنهم أضياف لا يعرفهم، فقام بواجب الضيافة إليهم فذبح العجل وقربه إليهم، فاعتذروا لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون.
والنبي ﵊ لما جاءه جبريل فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ثم سأله عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وأشراط الساعة فأجاب النبي ﵊ على أسئلته، ثم أمر الصحابة أن يحضروه مرة أخرى، فذهبوا ليأتوا به، والمدينة صغيرة يرى فيها كل الناس فضلاً عن الغريب، فلما ذهبوا ليلتمسوه لم يجدوا أحداً، فقالوا: ما وجدناه يا رسول الله؟ قال: إنه جبريل، في وقت الأسئلة لم يفطن النبي ﵊ إلى أنه جبريل، لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، وهي رؤية النبي ﵊ والصحابة للملائكة، كما أن هذه القدرة -وهي التصور في صورة غير الصورة الحقيقة التي خلقهم الله عليها- كانت كذلك للجن والشياطين، فإنهم يتصورون في صورة طير وحيوان ودواب وإنسان.
فإن النبي ﵊ كلف أبا هريرة ﵁ بحراسة بيت المال، فأتاه شيطان في صورة إنسان يشكو فاقة وفقراً وعيالاً، فقال: أعطني فإني صاحب عيال وذو فاقة، ثم أتاه في الليلة الثانية ففعل مثلما فعل في الأولى، ثم أتاه في الليلة الثالثة ففعل مثلما فعل في الليلتين السابقتين، وفي كل ليلة يقول النبي ﵊ لـ أبي هريرة: (ماذا فعل صاحبك؟ قال: يا رسول الله! أتاني رجل فسألني حاجة وقال إنه ذو فقر وذو عيال) وفي الليلة الثالثة لما امتنع أبو هريرة عن إعطاء هذا الرجل شيئاً، قال: ألا أعلمك آية في كتاب الله لو قلتها من الصباح لا يزال عليك من الله حافظ حتى المساء، ولو قلتها في المساء لا يزال عليك من الله حافظ حتى الصباح.
فقال: بلى.
قال: اقرأ آية الكرسي حين تصبح وحين تمسي، فلما قال أبو هريرة للنبي ﵊: إنه قال لي كيت وكيت فقال النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب).
فقوله: (صدقك) هذا كلام حق لا مصلحة؛ لأن يكذب فيه الشيطان، ولكن الأصل فيه أنه كذاب، بل كذوب، فتبين أن الملائكة إنما منحهم الله ﵎ القدرة على أن يتشكلوا في غير الصورة التي خلقهم عليها وأنهم أجساد نورانية لهم أجنحة.
هذا الكلام ستأتي فائدته فيما بعد بإذن الله تعالى.
وبعض الشرائع تتفق مع بعضها في بعض الأحكام، فهذا جبريل ﵇ نزل إلى نبينا ﵊ وصلى به الخمس الفرائض في أول الوقت مرة وفي آخرها مرة، وقال: (يا محمد! هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك).
إذاً: الأنبياء كانوا مكلفين بفرض الصلاة في مواقيت معينة ومحددة، وتبين بهذا النص أن بعض الشرائع تتفق مع بعضها، ولذلك لما سئل النبي ﵊ عن النظر في كتب بني إسرائيل قال: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، قال العلماء: ما وافق من شريعة من قبلنا شريعتنا يعمل به استئناساً، وإذا خالف شرع من قبلنا شرعنا لا نعمل به، وإذا لم يخالف ولم يوافق فنحن مخيرون بين العمل به وتركه.
قال النبي ﵊: (من نظر في دار أخيه بغير إذنه ففقأ عينه فلا حرج عليه ولا قود).
ومعنى فلا حرج عليه، أي: لا يقاد، فلا يطبق هنا العين بالعين والسن بالسن، لأنه انتهك حرمة البيت، فكان جزاؤه من جنس عمله، ولأن صاحب الدار دافع عن نفسه، وعن حريمه، وعن أهل بيته.
ويقول النبي ﷺ : (إنما جعل الاستئذان لأجل النظر)، فإذا صوبت عينيك في البيت ثم طرقت الباب فما قيمة هذا الطرق؟! والشرع إنما أوجب علينا الاستئذان وطرق الباب وصرف البصر إلى الناحية الأخرى حتى لا نقع على محارم أصحاب البيت فنستاء من ذلك إن كنا
стр. 18
بيان تأويل قصة موسى في لطمته لملك الموت ﵉
فموسى ﵇ فوجئ في داره برجل لا بملك، والملك كان يأتي عياناً لقبض الأرواح، وهذا فرق بين رحمة الله لهذه الأمة وبين ما جعله على الأمم السابقة، أن ملك الموت كان يأتي على صورته التي خلقه الله عليها لمن أراد أن يقبض روحه، وكم من إنسان قبض روحه في مجلس موسى، فرأى موسى ملك الموت على صورته التي خلقه الله عليها كما رآه من جاء إليه ملك الموت ليقبض روحه، أما غيره فإنهم لا يرون ملك الموت، بل لا يراه إلا من جاءه الموت.
أما الأنبياء والمرسلون فإن الحجب قد كشفت لهم فرأوا الملائكة، فقد قال النبي ﷺ في جنازة سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز له عرش الرحمن: (والله! لم يكن هناك شبر أو موضع أربع أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد).
وهذا يبين أن النبي ﵊ قد كشفت له الحجب حتى رأى الملائكة وهم على هذا النحو، فكذلك موسى ﵇، ولكن لما أتى ملك الموت ولأول مرة في صورة رجل غريب لا يعرفه موسى ﵇، ثم فوجئ موسى بأنه في داخل داره ويقول له: أجب ربك.
لأن موسى لما رآه في داره قام إليه فلطمه، وهذا من باب دفع المعتدي، والنبي ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد)، فهذا موسى ﵇ قد اتفقت شريعته مع شريعة محمد ﵊ في دفع الصائل ومقاتلة من دخل الدار بغير إذن، وأنا أصر على أنه قام إلى الرجل ولم يقم إلى ملك الموت، ولكن ملك الموت قال له لما لطم: أجب ربك.
قال العلماء: وما المانع أن يكون موسى قد ظن أن ملك الموت لما لطم وفقئت عينه قال لموسى أجب ربك تعوذاً وهروباً أن تفقأ عينه الأخرى؟! وأنتم تعلمون أن التعوذ في مثل هذه المواطن أمر قد وقع فيه كثير من الناس، فصعد ملك الموت إلى الله بعينه التي فقئت، فقال: يا رب! إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وفقأ عيني، فرد الله على ملك الموت عينه؛ لأنه أراد أن يبقى في صورته قبل التحول على خلقته التي تخلق فيها لا على أصل صورته التي عليها أولاً، فلما ردت عينه أتى هذا الرجل إلى موسى ﵇ في صورة الرجل الذي أتاه أول مرة، وقال: يا موسى! الله تعالى يقول لك: آلحياة تريد؟ وهنا لا بد من وقفة عظيمة، وهي أنه ما من نبي مرض مرض الموت إلا خير بين الدنيا والآخرة، والنبي ﵊ كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (غشي على النبي ﵊ وهو في حجري.
ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السماء، ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى، فعلمت أنه خُيِّر).
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من نبي أتاه أجله إلا خير بين الموت والحياة).
فما من نبي قبضه ربه إلا بعد أن خيره، ولما أتى ملك الموت إلى موسى ﵇ في أول مرة لم يخيره، وإنما دخل عليه ففوجئ موسى برجل غريب فقام إليه فلطمه ففقأ عينه، فصعد الملك ثم نزل، فقال: يا موسى! الله تعالى يقول لك: آلحياة تريد؟ وهذا هو التخيير، فلما علم موسى أنه ملك الموت وأنه تصور بصورة رجل، وأن موسى يعلم علماً يقيناً أنه لن يقبض حتى يخير، فلما لم يخير في الأولى وخير في الثانية علم أن هذا الرجل الذي أتاه أولاً هو الذي أتاه ثانياً، ولكنه في هذه المرة أتاه بالعلامة التي ينتظرها موسى، فقال: الله تعالى يقول لك: آلحياة تريد؟ فوقف موسى ولم يلطمه؛ لأنه عرف وهو مؤمن به، والأصل أن من آمن بأحد استجاب وامتثل أمره، فقال ملك الموت: الله تعالى يقول إذا كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ظهر ثور، فلك بكل شعرة غطتها يدك سنة، ولكن موسى سأل: ثم ماذا؟ أي: بعد هذه الآلاف السنين بعدد شعر رأس الثور.
قال: الموت.
لأن كل شيء هالك إلا وجهه، ومعنى التخيير: إذا كنت تريد البقاء فلك ذلك، وإذا كنت تريد الموت فلك ذلك، واعلم أنك لو اخترت البقاء فستختاره بإذنك وأمرك وبينك وبين ربك علامة، وهي أنك ستعيش بكل شعرة غطتها يدك من جلد الثور عاماً كاملاً، قال موسى: ثم ماذا؟ قال: الموت.
قال: فالآن.
فموسى ﵇ لم يكن محباً للحياة ولم يكن كارهاً للقاء الله، وإنما ظن أن الذي دخل عليه رجل غريب يريد أن ينتهك حرمة بيته، فدافع عن نفسه، والمعلوم في كل الشرائع أن الدفاع عن النفس مباح وجائز على قدر ما يدفع به الصائل، فإن دخل عليك رجل يريد أن يأخذ مالك، وينتهك عرضك، ولا يمكن دفعه إلا بالقتل؛ فالقتل جائز، وإذا كان دفعه بالضرب يؤدي المهمة فقتله غير مباح، وإذا كان تخويفه حتى يهرب من البيت فلا يجوز ضربه، وهذه أحكام الصائل، فلما لم يندفع هذا الرجل وثبت في موقفه وقال: أجب ربك، ومعنى (أجب ربك) أي: سلمني روحك أقبضها، وهذا كلام يخرج من الآدميين، أنا إذا أردت أن أهدد واحداً بالقتل قلت له: سلم لي نفسك أنا سأقتلك، أو سأزهق روحك، وهذا الذي حدث من م
стр. 19
مناقب موسى ﵇
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الرسول المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأصلي وأسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه وأهل بيته إلى يوم الدين.
أما بعد: جاء في مناقب موسى ﵇ أنه كان رجلاً حيياً، مهذب الخلق، أرسل في قوم لا حياء لهم، ولا خلق لهم كما جاء من حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين وغيرهما أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وهذا الخلق موجود إلى الآن في حمامات السباحة، وفي شواطئ البحار والأنهار والترع وغيرها، خاصة في الريف، فإن الناس يتجردون من ملابسهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، فهذا الخلق إنما هو خلق اليهود لا أخلاق المسلمين، فكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى ﵇ رجلاً حيياً يغتسل وحده، وفي هذا جواز الاغتسال عرياناً في الأماكن البعيدة عن الأنظار، والأولى ستر العورة؛ لأن الله تعالى أحق أن يستحيا منه، فقال بنو إسرائيل لما رأوا موسى ﵇ يغتسل وحده ويبتعد عنهم: إنه آدر.
أي: به عيب خلقي، وهو أنه عظيم الخصيتين.
وقيل: (آدِر)، ومن هنا تأتي خطورة قولك لعبد القادر: يا عبد الآدِر؛ لأن الآدر عيب، والله تعالى لا يتسمى باسم فيه عيب، بل هو المتصف بالكمال والجلال والمسمى بالأسماء الحسنى سبحانه، فلا بد من قولك ونداءك لعبد القادر يا عبد القادر، يا عبد الخالق، وليس (يا عبد الخالئ!) بالهمز، هذا خطأ عظيم جداً في الاعتقاد وفي جناب المولى ، بل لا بد من نداء العبد الذي انتسب إلى الله في التسمية بما سمى الله ﵎ به نفسه، نحو: يا عبد الخالق، يا عبد القادر، وغير ذلك.
قالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر.
قال الرسول ﷺ : (فذهب موسى مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر) يعني: على عادة من ينزل البحر فإنه يخلع ثوبه ويجعله على حجر أو على الشط ثم ينزل الماء، قال: (ففر الحجر بثوبه) أي: بثوب موسى ﵇، (فجنح موسى خلفه) أي: فأسرع موسى خلف الحجر.
(ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر.
ويضربه بالعصا حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى) لأن موسى ظل يجري خلف الحجر حتى دخل في ملأ وفي جمع من بني إسرائيل، فرأوا موسى على هذا النحو دون أن يقصد موسى أن يظهر عورته، ولكنه انشغل بالجري والإسراع خلف الحجر ليأخذ ثوبه وملابسه، وإلا فكيف يفعل موسى حينئذ؟ (قالوا: والله ما بموسى من بأس) أي: لما رأوه.
انظروا إلى سفالة ووقاحة اليهود أنهم يسبون ويتهمون ويعيبون نبيهم، ثم لما رأوه رأي العين قالوا: والله ما به من بأس، ولذلك قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، فهذه تزكية الله تعالى لموسى: (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا).
قال: (فأخذ موسى وطفق بالحجر ضرباً وقال أبو هريرة: إن بالحجر ندباً -أي: أثر الضرب- ستة أو سبعة)، فبقي أثر الضرب على الحجر إلى زمن الصحابة حتى رأوها عليه، ليعتبر من اعتبر، وإن شئت فقل: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢].
وفي هذا الحديث معجزتين لموسى ﵇: أن الحجر مشى بثوبه حتى وصل إلى بني إسرائيل، وإظهار براءة موسى أمام قومه وملئه، وهذا ليس فيه كبير ما ينكر، وليس فيه غضاضة، فإن الحجر سلم على النبي ﷺ في مكة، وإن الجذع الذي كان يقف عليه النبي ﷺ حين يخطب الناس، فلما صنع للنبي ﷺ منبر ووقف عليه كان الجذع بجواره، فلما ترك النبي ﷺ الوقوف بجوار الجذع ووقف على المنبر بكى الجذع، حتى سمع له صوت وبكاء، فليس بغريب أن يأتي هذا من الحجر بموسى ﵇.
وهذا الحديث فيه: إظهار ما ابتلي به الأنبياء والصالحون من أذى السفهاء والجهال وصبرهم على ذلك، والنبي ﵊ يقول: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) ويقول: (إن الله ليبتلي عبده بالبلاء فإذا كان في دينه صلابة زيد له في البلاء حتى يمشي في الأرض وليس عليه خطيئة).
فالبلاء منحة من الله ، إن كان عندك ذنب غفره، وإن لم يكن رفعت لك بهذا البلاء درجات، فالابتلاء إما تكفير للسيئات وإما رفع للدرجات.
وما نزل من البلاء بالأنبياء فله حكم آخر، منها: رفع الدرجات حتى يكونوا في أعلى عليين، في جنة عرضها السماوات والأرض، ومنها: أن الله ﵎ يبتلي الأنبياء حتى يكونوا قدوة لمن وقع به البلاء ممن أتى بعدهم من أممهم فيصبروا كما صبر أنبياؤهم، وغير ذلك من الحكم العظيمة.
وآخر فائدة أ
стр. 20
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على كتاب وليمة لأعشاب البحر
لقد أخبر النبي ﷺ بفتن كقطع الليل المظلم في آخر الزمان، وأخبر أنه يتقارب الزمان، وينقص العلم والعمل، ويكثر القتل، وتضيع الأمانة، فيتبع رءوس الزيغ والضلال كل ناعق ملحد، وما من زمن إلا والذي بعده شر منه، فيتجمع المنافقون والملحدون ومن باع دينه بعرض من الدنيا لمحاربة دين الله بالقوة تارة، وبالشبهات تارة، وبهدم أصول الدين تارة، وهذا هو دأب الأعداء في كل زمن وحين.
стр. 21
الفتن المظلمة في عصرنا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة الكرام! قد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (ستكون فتن)، وفي رواية: (فتناً كقطع الليل المظلم يُصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا).
فبيّن النبي ﵊ في هذا الحديث أن المرء يتحول ويتقلب عدة مرات في يومه وليله، فتارة يكون مؤمناً، وتارة يكون كافراً، لم يقل: فاسقاً، وإنما ذلك اتباعاً لشهواته واتباعاً لملذاته وإيثاره الدنيا على الآخرة، وإيثاره الفانية على الباقية، أمر يجعله يتحول من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان إذا راجع نفسه، ولكنه يُختم له بالكفر.
والنبي ﵊ يقول: (ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان)، وهذا من أعلام نبوته ﵊، أن السلطان في واد والقرآن في واد آخر، وإننا قد بلغنا في زمان حارب فيه السلطان وأعوانه كتاب الله ، ليس فقط رضي بأن يكون في واد والقرآن في واد آخر، بل سعى سعياً حثيثاً بالليل والنهار هو وأعوانه على أن يضربوا القرآن في الصميم وفي مقتل، وهيهات هيهات فإنه دين الله ، وإنه كلام الله الباقي الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمهما سعى السلطان وأعوانه لتحريف آية واحدة أو لترك العمل بآية من كتاب الله فهيهات هيهات أن يبلغ مراده، وإن الله ﵎ بيده أن يرسل صاعقة من السماء أو يمطر حجارة من السماء فتهلك الأمة صالحها وفاسدها، ثم يبعث الناس جميعاً على نياتهم وأعمالهم.
(ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان)، ثم بيّن العلاج: (فدوروا مع القرآن حيث دار).
إن الأمة الآن تمر بفتن تتلاطم كموج البحر، فما تكاد فتنة تذهب إلا وتتبعها أختها ثم أختها ثم أختها، وتُعرض هذه الفتن جميعاً على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فمن أُشرب منها واحدة نُكت في قلبه نكتة سوداء حتى يتشرب جميع الفتن، ويُحيط الران الأسود بجميع قلبه، فلا يرى معروفاً ولا يرى منكراً، بل ربما رأى المنكر معروفاً والمعروف منكراً.
هكذا تظلم الحياة أمامه تماماً حتى لا يعرف الحق من الباطل، ولا يعرف الخير من الشر، ولا يعرف الصالح من الطالح، فحينئذ سيكون تبعاً لكل ناعق، فإذا نعق مصطفى محمود تبعه، وإذا نعق فاروق حسني تبعه، وإذا نعق فلان أو علان -وهم كثرة- تبعهم، والأمر فيهم كما أخبرنا الله تعالى على لسان بني إسرائيل: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠].
فأنا لا أريد أن أعدّد أسماء هؤلاء الكفار الفجرة المجرمين؛ لأنهم كثرة، وإنما أقول: إنهم البقر الذي تشابه علينا في هذا الزمان, وإنه سيهدينا الله تعالى إلى معرفتهم بأعيانهم وذواتهم وأسمائهم، بل ومخططاتهم، ثم يوفقنا لفضحها واحداً تلو الآخر، وإن هذه الطائفة المؤمنة لابد أن تكون قائمة إلى قيام الساعة، وهذا مصداق قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وهم على هذا الحق الذي يعرفونه جيداً، ثم يعرفون المخالفين لهم، فيفضحونهم ويكشفون عوارهم ويهتكون سترهم، وهذا من فضل الله ورحمته.
فاعلموا -أيها الإخوة الكرام- أن مخططات الأعداء كثيرة ومتنوعة، لكن أصولها ظهرت في الزمن الأول وهو زمن النبوة على يد المنافقين، وعلى يد المحاربين للنبي ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِن
стр. 22
إخبار النبي ﷺ بما سيقع من فتن في آخر الزمان
وعن أسامة بن زيد قال: (أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة -أي: على مكان مرتفع من الأماكن المرتفعة في المدينة المنورة -فقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا يا رسول الله.
قال: إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم مواقع القطر)، أي: إني لأرى الفتن تنزل من السماء حتى تتخلل بيوتكم وبين بيوتكم كما يتخلل المطر كل مكان فارغ، فشبّه النبي ﵊ الفتن في آخر الزمان بالمطر الذي لا يترك مكاناً إلا وعمّه، فتن تأكل الأخضر واليابس، فتن تجعل الحليم حيران لا يدري أين الحق.
وقال ﷺ : (يتقارب الزمان، وينقص العلم والعمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: القتل القتل).
انظروا إلى هذا الحديث وهو من علامات الساعة الكبرى، قال: (يتقارب الزمان) أرجح أقوال أهل العلم في معنى قوله: (يتقارب الزمان) أي: تُنزع البركة من الوقت، فالليل هو الليل، والنهار هو النهار، والزمان هو الزمان، والساعات هي الساعات، والناظر إلى أحوال سلفنا ﵃ -بل المتأخرين من السلف- ليجد عجباً عجاباً كيف حصّل هؤلاء العلم، وكم تعلموا وكيف تعلموا؟ ثم كم صنّفوا من العلم مصنفات تعجز عن حملها الإبل، ولم يبلغوا من العمر أربعين عاماً أو خمسين عاماً، والواحد منا قد بلغ السبعين والثمانين وهو لا يزال يلعب في بوله وبرازه، ولا يعرف أحكام الطهارة ولا ما يُنتقض به وضوؤه، ولا يعرف شروط صحة صلاته، ولا يعرف إذا كان صاحب مال كيف يحج؟ وما هي مقادير الزكاة؟ وهذا علم واجب على كل إنسان.
الشافعي ظهر علمه في الآفاق وانتشر في حياته ولم يبلغ من العمر إلا (٥٤) عاماً، وهكذا كثير من أئمة الدين، وحملة الراية لم يبلغوا نصف قرن من الزمان، مع أننا نعيش ونغط في علمهم وفضلهم حتى قيام الساعة، الواحد منا الآن لو نظر إلى عمر ابن تيمية عليه رحمة الله، ألّف مئات المجلدات من العلم، متى تعلم هذا؟ ومتى كتب؟ مع أنه مشهور بالجهاد أكثر من العلم، ومشهور بحبسه وسجنه أكثر من الجهاد، فكيف تحصّل له كل هذا في عمر قليل؟! والواحد منا ربما يكون الآن قد بلغ ما بلغ ابن تيمية من العمر وهو لا يعرف فروض العين فضلاً عن فروض الكفاية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: (وينقص العلم والعمل) ينقص العلم بموت العلماء أو بضلالهم، ويقل العمل ويقل الإخلاص، ويقل التوجه والإخبات والإنابة لله .
قال: (ويلقى الشح)، مع أن أصول الشح موجودة حتى قبل البعثة، بل الشح أمر فطري مركوز في النفوس والقلوب، وإن كانت العقول السليمة تكرهه، والقلوب المؤمنة تأباه، ولكن أصوله موجودة، فما معنى قوله: (ويلقى الشح) وهو من علامات الساعة؟ قال العلماء: أن يبخل العالم بعلمه فلا يعلمه أحد، وأن يبخل الصانع بصنعته فلا يعلمها غيره، وأن يبخل كل ذو فن بفنه فيضن به أن يعلمه أفراد الأمة، فإذا مات مات معه العلم حتى تبقى الأمة في نهاية أمرها حثالة الأمم، كما نحن الآن.
قال: (وتظهر الفتن) أي: التي لم تكن موجودة في زمن النبوة ولا في صدر الخلافة الراشدة.
قال: (ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج يا رسول الله؟!) وهي لغة حبشية: (قال: القتل.
القتل) أكد أن الهرج هو القتل، ولم يكن موجوداً في زمنه ولا بعد زمنه بعشرين عاماً أو أقل من ذلك، ثم ظهر القتل في الأمة إلى يومنا هذا.
وفي رواية قال: (إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل من السماء، ويرفع فيها العلم إلى السماء، ويكثر فيها الهرج) إلى آخر الحديث.
وقال ﵊: (لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم).
(لا يأتي عليكم زمان) أي: لا يمر عليكم يوم إلا والذي بعده مباشرة أشر منه، وهذا مستمر حتى تلقوا ربكم، فنحن في زمان هو شر بالنسبة إلى الأزمنة السابقة، وهو خير نسبياً بالنسبة إلى الأيام المقبلة، فالأمة في نزول حتى تلقى ربها ﵎.
وقال ﵊: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم) القاعد في الفتنة خير من الذي يقوم ويأخذ سيفه ويقحم نفسه في الدخول في هذه الفتنة، فلو قعد عن ذلك لكان أفضل من القائم فيها، قال: (والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرّف إليها استشرفته) أي: من تطّلع إليها برأسه وطل فيها أهلكته: (فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ)، فمن وجد منها ملجأ -أي: مهرباً- فليهرب، أو معاذاً فليعذ به، أي: فليلجأ إليه، وليخبئ نفسه مخافة أن يُقحم في هذه الفتنة.
وقال ﵊: (يوشك أن يكون خير مال المرء -أو قال: المسلم- غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)، يوشك أن يكون أحسن حال المسلم غنيمات يأخذها ويتبع بها قمم الجبال يرعاها؛ ليفر بدينه من الفتن، وهذا
стр. 23
ظهور المنافقين في الأمة
قال حذيفة ﵁: (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﵊، يقول هذا بعد وفاة النبي ولا يزال في وفرة من أصحابه ﵊، ثم يقول: إن المنافقين اليوم أشر من المنافقين في زمن النبي ﵊، (فإنهم يومئذ يسرون واليوم يجهرون)، أي أن المنافقين في زمنه ﵊ كانوا يسرون بالنفاق، والله تعالى يخبر نبيه بهم، وهم اليوم -أي: في زمن حذيفة - يجهرون.
والعجيب أنهم الآن يجهرون بالكفر البواح ولا يرضون أن يتسموا بالمنافقين، ووضع النقاط على الحروف أنهم في حقيقة أمرهم عند الله وعند المؤمنين هم كفار، لكن يتسترون بثوب جميل؛ ليحسنوا وجههم القبيح.
لماذا النفاق؟ لقد آن الأوان أن ينضح كل بئر بما فيه، بل يجد المنافق والكافر الآن على كفره ونفاقه من الأعوان آلاف وآلاف وملايين يتبنونه هنا وهناك، فعلام النفاق إذاً؟ كن صريحاً، لو كنت رجلاً فكن صريحاً.
وفي رواية: (إنما كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان).
стр. 24
الإخبار بما سيقع من البأس بين المسلمين
وقال كعب: (أقبل رسول الله ﷺ ذات يوم من العالية -أي: من مكان مرتفع- حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا، فقال: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة)، هذا الدعاء الطويل أنه كان يسأل ويلح على ربه أن يعطيه ثلاثاً، فأذن الله في اثنتين ومنع واحدة، قال: (سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسنة)، أي: بالقحط والفقر والجوع والجدب (فأعطانيها)، وأنتم تعلمون الآن أن الأمة تغط في النعيم غطاً، وينقصها الحمد على أية حال، والله لو أراد الله أن يعاملنا بأعمالنا لقذفنا في النار ولا يبالي، فإن الأمة الآن ليس عندها من المؤهلات ما يدخلها الجنة، غير أن ذلك محض فضل الله ، أما القلوب فإنها أسود من السواد، والعمل أقل من القليل.
قال: (وسألت ربي ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألت ربي ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها).
أي: سأل ربه أن الأمة لا يحارب بعضها البعض، ولا يقتل بعضها البعض، ولا يعادي بعضها البعض، فأبى الله أن يعطي ذلك لنبيه، وهذا يدل على أن بأس الأمة بينها الآن.
إننا في ظل حكم الإنجليز كنا أفضل ملايين المرات من حكمنا بالحديد والنار الآن، لم نر دولة في العالم تُحكم بقانون الطوارئ خمسين عاماً، أي إسلام هذا؟ وأي دين هذا؟ وأي فجور في الادعاء بأن هذا إسلام؟ وأنهم يحبون القرآن ويحبون السنة ويعملون بها؟! عجيب! الكلام كثير جداً، لكن إغلاق صدر الإنسان لا يجعله ينطلق؛ لأن الانطلاقة ربما تؤدي إلى الانتحار أو الهلاك.
وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض -أي: جمعها وأظهرها في رقعة حتى نظر إليها النبي ﵊ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أُهلكهم بسنة عامة، وألا أُسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً).
أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 25
كشف سوآت كتاب وليمة لأعشاب البحر
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فهذه فتن تجتمع على القلوب فتفسدها، ويكاد الراشد أن يتبلد إحساسه لتفريطه فيتأثر بهذه الفتن، فلو فتحت كتاباً ككتاب (وليمة لأعشاب البحر) الذي أتوا به مؤخراً على صفحات الجرائد، لو ظهر في زمن الصحابة أو زمن التابعين فقرأه الصحابة والتابعون ماذا كان سيصيبهم؟ أنا أتوقع أنهم لو قرءوه لخروا جميعاً موتى؛ لأن الكتاب يحارب الإسلام والمسلمين، فإن هذا الكتاب فيه من العبارات أن القرآن (خرف) هكذا باللفظ، والحقيقة أن الخرف على أم رأس كاتبه، وناشره ومشجعه، ومن رضي به ومن طبعه في بلده.
والعجيب أن حيدر حيدر لعنه الله -كاتب الكتاب- يقول: العجب أنني فوجئت بأن وزارة الثقافة المصرية طبعت هذا الكتاب دون علمي، وعلى أية حال شكر الله سعيهم، فإن هذا الكتاب وغيره من الكتب ممنوع من جميع الدول العربية بأسرها؛ لأن كتبي جميعاً تدور على محاور ثلاثة: على السياسة، والجنس، وهتك المقدسات الدينية كلها.
إن هذا الكاتب يعتز بأنه من أكفر الخلق ويعترف بأنه كافر، فكيف لا نكفره نحن، وإن كفّرناه كنا نحن الإرهابيين والمتخلفين، وكنا نحن الشباب المتهور الذي لم يتعلم ولم يتلق علمه عن طنطاوي الذي يعمل في الإسلام ما لا تعمله أمريكا ولا يعمله الغرب والشرق، أو لم يتلق علمه على يد أحمد عمر هاشم الأستاذ الدكتور في علم حديث النبي ﷺ الذي قرأ هذه الأحاديث التي سمعتموها الآن قبل أكثر من خمسين عاماً، ولكنه الثمن المدفوع مقدماً الذي يؤهله إلى نار جهنم إن مات على ذلك ولم يتب، وهم يعدون الذي لا يتلقى العلم في الأزهر إنساناً جاهلاً.
نعم الأزهر خرّج فطاحل وعلماء، لكن جُل من تخرج في الأزهر لا يعرفون شيئاً، خاصة خريجو هذه الأيام الذين يريدون أن يكونوا في جميع المساجد، كي يقطعوا الحبل بينكم وبين دعاتكم؛ وذلك لأن الدعاة يقولون ذلك، فالحداد والنجار والسمكري والمحامي والدكتور والمهندس أناس ما عرفوا طرق العلم الشرعي، وهذا العلم تخصص والتخصص هو في الأزهر، فاذهبوا إلى محاضرة أزهرية الآن وهذه دعوة مني، اذهب إلى الأزهر، وإن كنت أيضاً مدخناً أتحداك أن تصبر على أن تبقى محاضرة كاملة؛ لكثرة ما فيه من دخان وغيره، سواء من الأستاذ أو الطلاب، الكل يدخنون، مع احترامي الشديد جداً لكل من حمل راية التوحيد ورفع راية السنة، وهذا قطع للصلة بين الأمة وبين ربها، وأنتم لا تعلمون هذه الصلة إلا من خلال دعاتكم المخلصين الذين يدعون إلى الله بالليل والنهار، أما هؤلاء فإنهم موظفون إن لم يكونوا تجاراً، تاجروا بدينهم وآثروا أن يعيشوا حياة كريمة بزعمهم حتى ولو كان الثمن قذفاً في نار جهنم.
هذا الذي يدار الآن لابد وأن يكون وراءه فعل عظيم جلل وخطير، ونحن لسنا بأغبياء إلى هذا الحد، فإن انشغل العالم الآن بكتاب يتعرض للذات الإلهية ويقول: (إن الرسول ﷺ صاحب نسوان).
هكذا يقول، وغير ذلك من الكفر البواح، هذا الكتاب بلغ (٦٥٠) ورقة، ونشر ما في الكتاب من كفر على يد جريدة الأسبوع العلمانية الملحدة، وهذا مخطط لشغل الأمة، ثم نفاجأ بأننا شغلنا بكتاب فيه مخطط ضياع الأمة.
إن هذه الدولة الأزهرية بدأت تنظم حفلات ترفيهية، ورحلات علمية لجميع المدارس: ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعات، لماذا؟ هل هذه الرحلات إلى بلاد الحرمين الشريفين؛ لقضاء العمرة وتأدية المناسك، أو لمبحث علمي وللتعارف على آثار الأمة القائمة؟ لا، إنما يساقون إلى فلسطين المنكوبة المسلوبة، ويقولون: رحلة ترفيهية إلى دولة إسرائيل، وذلك للقضاء على البقية الباقية، وإن شئت فقل: لإفساد فطر الأطفال، وأننا واليهود والنصارى شيء واحد، وأننا جميعاً بشر، والنصارى كذلك بشر، وأن هؤلاء أصحاب ديانة كما أننا أصحاب ديانة، وكل واحد له نبي يصلي عليه وهكذا، حتى تنشأ الأجيال القادمة وعندها من الميوعة ما ليس عند آبائها، ولا عند أجدادها، وحتى يكون اليهود والنصارى والمسلمون شيئاً واحداً، وتكون الأديان كلها ديناً واحداً، وخليط مخلوطاً ببناء مجمّع الأديان في ديننا، في بلد الأزهر وفي بلد العلم.
стр. 26
كشف سوآت كتاب منشور يبيح للمرأة المسلمة التعدد والزواج بغير المسلم
وفي كتاب آخر نُشر حديثاً وكذلك نشرته وزارة الثقافة صدر أخيراً يطالب فيه كاتبه بعدم التزام المرأة بفترة العدة، فلو طلقها زوجها اليوم ففي نفس اليوم لها أن تتزوج رجلاً آخر، هذه واحدة، واستباحوا للمرأة المسلمة بالزواج من غير المسلم؛ لأنه إنسان مثله مثلها، وربما يكون أطيب منها وأحسن منها، فلا مانع أن يتزوج الكافر المسلمة، لا يهمه قول الله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، ولا يهم: لا تتزوج المسلمة من كافر، المهم أنها تتعايش في سلم وسلام وأمن وإيمان، وإخاء ومحبة، وهذا السلام! واستباحوا للمرأة المسلمة تعدد الأزواج، لكن تعدد الزوجات لا.
يقولون: هذا حرب! حرب أن يجدوا الشخص متزوجاً من واحدة أو اثنتين أو ثلاث، ويدعون أن للمرأة الحق في تعدد الأزواج، الأولى دين والثانية كفر يدعون إليه، تصور أن امرأتك تستأذنك في الصباح وتقول: أنا سأذهب إلى زوجي الثاني، وسأعود إليك بعد ثلاثة أيام أو أربعة، فتذهب إلى الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، ثم تضع، ثم تنسب المرأة الولد إلى من شاءت، أو يلحق الولد بمن يشبهه من أزواجها الأربعة! كلام يجعل الواحد يخر ميتاً، لكن قست قلوبنا فنحن لا نتأثر بذلك؛ وذلك لكثرة الفتن ومعرفتنا بها.
قال: والمساواة في الميراث، لماذا تأخذ البنت نصف الرجل؟ لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ هذا كلام لا يصح؟ كلام الله كلام لا يصح؟! بل يصح كلام هؤلاء الكفار الملاحدة العلمانيين، ويقولون: إن هذا هو العدل؟! أي عدل أيها الكلاب؟! أي عدل أيها المجرمون الفجرة؟! يا كفرة يا مجرمون، يا من أفسدتم الأمة ولم تبقوا فيها أخضر ولا يابساً، إن الرجل الذي يتحمل أعباء البيت والإنفاق ويعمل ليل نهار منحه الشرع شيئاً زائداً؛ ليميزه عن المرأة التي تمكث في بيتها ولا تكترث بشيء مما يعنى به الرجل! تدعون إلى العدل ومساواة الرجل والمرأة في الميراث؟! ثم يقولون: وإن الله ظلم المرأة، بل حتى في الجنة يظلمها؛ فهل قلم يكتب هذا؟ لو ظهر الآن عباد الأوثان الذين حاربهم النبي ﷺ في مكة قبل أن يهاجر فإنهم لا يقولون بحرف من هذا نهائياً، فهؤلاء قد بلغوا في الكفر والإلحاد والزندقة ما لم يبلغه أصحاب الفترة.
ثم يقولون: وما المانع من أن تزني المرأة، فالزنا إنما هو عملية رياضية، كرياضة الجمباز وكرة القدم وكرة السلة، ومصدر الزنا عاطفة جياشة بين الرجل والمرأة.
هل يقبل هذا أن يقول له غيره: أعطني امرأتك لأزني بها، ربما سيقول: نعم.
ويقبل ذلك؛ لأنه كلب ولأنه حمار ونجس وتيس وبليد الحس، بل قد مات قلبه بالكلية، ولو وجد كلباً -لا أقول: رجلاً- أو تيساً أو حماراً جثم على صدر امرأته وزنى بها لربما ضحك واستبشر خيراً.
إن كثرة البلاء يوجه بعضه بعضاً، فإن هذه الحملة المسعورة تأتينا بالبث المباشر على الهواء، والذين حركوا هذه الحملة هم طائفة روز اليوسف، هؤلاء المجرمون الفجّار الذين بلغوا في النفاق والفساد ما لم يبلغه أبو لهب ولا أبو جهل، وبلغوا في حربهم وعدائهم للإسلام ما لم يشهده النبي وأصحابه الكرام ﵃ أجمعين، هم الذين حرقوا الأنفس.
والأزهر في ظل هذه العمائم الحمراء -وإن شئت فقل: السوداء والعمائم البيضاء سودها الله على رءوسهم- ليس في حاجة إلى تحريك؛ لأنهم قد قبضوا الثمن قبل أن يتعينوا، فإنهم يقومون بدورهم على أحسن وجه.
هل نحن خوارج حقاً؟! أفنكون كذلك ونحن لا ندري؟! بل إننا في كل صباح ومساء نتبرأ من الخوارج ومن فكر الخوارج ومن التطرف ومن التنطّع، بل نهاجم كل فكر منحرف عن هدي النبوة، وندعو إلى السنة والالتزام بالسنة، فأنا لا أدري كيف نكون من الخوارج؟! ربما تكون خارجيتنا تخطط في الخفاء، ربما يكون هذا هو العلة وهذا هو السبب.
فكيف تنجو الأمة من الهلاك في الدنيا والآخرة، ودعاتها وسادتها وقادتها بهذا الشكل؟! اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 27
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على مصطفى محمود
سيكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، تتلاطم كالأمواج، تفتن المرء في دينه، فلا يميز الحق من الباطل، من هذه الفتن فتنة أذناب اليهود والنصارى والملحدين من أبناء جلدتنا، الذين يجحدون القرآن أو السنة، أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فينكرون الشفاعة، أو يرمون حديثاً صحيحاً بالشبهات أو يردونه؛ لذلك يجب على كل متبصر بدينه غيور عليه أن يدافع عن الله ورسوله وشرعه ما استطاع.
стр. 28
شرح حديث حذيفة في الفتنة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة بن اليمان ﵄: (أن عمر بن الخطاب ﵁ قال في مجلس حذيفة: من منكم يحفظ عن النبي ﷺ في الفتن شيئاً؟ قال حذيفة: أنا أحفظها كما قال.
قال عمر: هات ما عندك، والله إنك لعليها لجريء)، وفي رواية مسلم: (لا أب لك، هات ما عندك؛ إنك لعليه لجريء.
قال حذيفة: سمعت النبي ﷺ يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجيرانه تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال عمر: لكن هذه لا أعني، وإنما أعني التي تموج كموج البحر.
قال حذيفة: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، فإن بينك وبينها باباً)، وفي رواية قال: (إن بينك وبينها باباً مغلقاً.
قال أمير المؤمنين ﵁: أيُكسر الباب أم يُفتح؟ قال حذيفة: لا، بل يُكسر.
قال عمر: إنه لحري ألا يُغلق)، إذا كُسر لا يُغلق؛ لأنه لا يصلح للإغلاق بعد ذلك.
قال الراوي عن حذيفة وهو مسروق بن الأجدع: (قلنا: هل علم عمر الباب؟ أو من هذا الباب؟ قال حذيفة: نعم.
علم عمر من الباب.
ولكنا هبنا أن نسأله -أي: أنهم هابوا أن يسألوا حذيفة مَن الباب-قالوا: فأمرنا مسروقاً أن يسأله من الباب؟ فلما سأله قال: الباب: عمر).
هذا الحديث مليء بالفوائد، ولكني أجتزئ منه وأستل منه فائدة واحدة، إن هذا الحديث في مطلعه بيّن أن الفتن نوعان: نوع منه يسير تكفّره الأعمال الصالحة، والعبادات والطاعات؛ لأن حذيفة قال: (سمعته ﵊ يقول: فتنة الرجل في أهله -أي: في أزواجه- وأولاده وجيرانه وماله تكفّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ولكن ليس هذا هو المقصود.
فتنة الرجل في أهله بعدم القسم بينهن، وبالميل إلى أحداهن دون الأخرى، بالتقتير وعدم الإنفاق عليهن وضياعهن وغير ذلك.
وفتنته في أولاده بإيثار أحد الأولاد على الآخرين، والوصاية له دون الآخرين، والميل إلى أحد أبنائه دون الآخرين وغير ذلك.
وفتنته في ماله: أن ينشغل به دون الدعوة إلى الله ، إن كان من أهل الدعوة إليه سبحانه، أو أنه ينشغل بماله عن طاعة الله وعبادته، وتلهيه أمواله عن أداء ما أوجبه الله عليه.
وكذلك فتنته في جاره أن يجور عليه، وأن يحسده، وأن يبغي عليه، وأن يهضمه في حقه، وغير ذلك، كل هذا تكفّره الأعمال الصالحات.
لكن هذه الفتنة ليست هي التي عناها عمر في سؤاله، قال: ليست هذه التي أعني، إنما التي تموج كموج البحر، تتلاطم من كثرتها وشدتها، وشبهها بموج البحر الذي يكسر الحديد والخشب حين يهيج، فلا يصمد أمامه جسم قط؛ ولذلك شبّه عمر بن الخطاب ﵁ الفتن العظيمة بأنها كموج البحر، إذا تعرض لها أحد اجتاحته وأخذته ضمن أمواجها وضمن هياجها وضمن شدتها، قال: هذه التي أعني.
فهذا الحديث قد بيّن أن الفتن نوعان: فتن تكفّرها الطاعات، وفتن تموج كموج البحر قل أن يسلم منها أحد، والعامة والدهماء إنما يقعون في هذه الأمواج.
стр. 29
إنكار مصطفى محمود لحدود شرعية في كتاب الله وسنته
صدرت الخطبة بهذا الحديث لأن الصحف كل يوم تطالعنا بجاحد للقرآن وبجاحد للسنة عمداً، أو بجاحد لإلهية الله ، وإن شئت فقل: بمدّع للإلهية، أو مدّع للنبوة، أو مُنكر للرسالات والنبوات وغير ذلك، هذا الزمان قد امتلأ شرقاً وغرباً بهذه الدعاوى، كل يوم لا بد أن تسمع أذناك شيئاً من هذا، أو أن ترى وتقرأ عيناك شيئاً من هذا.
إني استخرت الله في مقابلة هؤلاء الذين لا يستحون أن يتكلموا بما عندهم من كفر وإلحاد، وأن أذكر أسماءهم ولا حرج في ذلك؛ لأن الفاسق قد أذن لنا الشرع بفضحه حتى يحذره الخلق، فإذا كان الأمر كذلك، فقد طالعتنا جريدة الأهرام القومية -ولا بد أن تعلم أنها قومية- مقالاً للمزعوم مصطفى محمود عليه من الله ما يستحق، هذا الجاهل، بل إنه ليس جاهلاً، فإنه يدري ما يقول، وإن شئت فقل: هذا الملحد الذي ألحد في الله وأسمائه وصفاته، وألحد في النبوة والرسالة عدة مرات، فقد طالعتنا مجلة (صباح الخير) -لا صبّحها الله بأي خير- في يوم (٢٦/ ١٢/١٩٧٦م) في عددها رقم (١٠٩٣): أن مصطفى محمود ذلك العالم الفذ خرج على الأمة منذ (٢٥) عاماً قال: لا شيء في دين محمد اسمه حد السرقة.
يهدم بذلك القرآن، ويهدم بذلك سنة النبي ﵊ العملية والقولية.
ثم يقول: وكذلك حد الجلد ليس في كتاب الله آية واحدة تتكلم عن حد الجلد، وإنما ذلك ورد في كتب السير، هكذا يقول بجهله.
قال: وأصحاب السير يعلمون أن معظم كتبهم مدسوسة، وأن الأخبار التي فيها ليست بصحيحة.
هكذا يقول، وهكذا يحكم، وهكذا يقضي من مسجد محمود مسجد أبيه؛ لأنه ليس مسجداً لله ، هو مسجد أبيه.
ثم يقول: الرجم ليس ثابتاً في الكتاب ولا في السنة، ثم يقول: وهب أنه في سنة النبي ﵊ فهل المقصود به: أن المرأة إذا زنت تُرجم بالرجم المعروف اصطلاحاً لدى الفقهاء؟ ثم يجيب هو فيقول: لا، فالمرأة إذا زنت مرة ومرتين وثلاثاً لا تُرجم؛ لأن الزنا ليس حرفة لها، ولا بد من حمل الروايات في السنة على جلد أو رجم المرأة الزانية إذا اتخذت الزنا حرفة لها، وأما دون ذلك فلا.
ثم يقول: حتى لو قضى القاضي بوجوب رجمها أو جلدها لا يجب تنفيذ أمر القاضي.
ثم يقول: ورجمها وجلدها الذي أعنيه ليس ضرباً بالعصا ولا بالحجارة، إنما هو حبسها في بيتها حتى يتوفاها الموت أو يجعل الله لها سبيلاً.
هكذا يتفضّل علينا مصطفى محمود يضرب بالقرآن والسنة وإجماع الخلفاء وإجماع الصحابة -بل إجماع أمة- عرض الحائط، ويأتينا بفهم لم يفهمه من قبل إلا شيخه رشاد خليفة الذي ادعى النبوة في أمريكا، فرزقه الله عام (١٩٨٨م) بمن يقتله، ولا ندري إلى الآن من قتله، ولا أحد حقق في حادثة قتله، ثم هو تلقى ذلك مشافهة -كما يقول- من صديقه الحميم وأستاذه العزيز (أحمد صبحي منصور) ذلك الأزهري الذي تبرأ منه الأزهر بمجرد أن عاد من أمريكا؛ لأنه كان يعمل هناك سكرتيراً للنبي رشاد خليفة، فلا بد أن تعرفوا أعداءكم، لا بد.
أتى أحمد صبحي منصور وكانت له حملة وشنة ورنة في الجرائد والصحف، ثم بحمد الله كُشف عواره وبان فساده على أيدي المخلصين من الدعاة إلى الله ، ولا أزعم أنني منهم وإنما أنا أنقل عنهم.
ثم يأتينا مصطفى محمود فيثير ضجة وحملة، فيرد عليه العلماء والمخلصون، ثم يهدأ حتى تمر العاصفة ثم يخرج بعاصفة أخرى، أو بنفس العاصفة مرة أخرى، ولذلك حينما طالعتنا هذه المحافل العلمانية الإلحادية التي قُصد منها تدمير المجتمع المسلم في شتى بقاع الأرض قام المخلصون ببيان هذا الفساد، وأنه ما أريد به وجه الله ، فربما يكون هو في أصله كلمة حق، لكن أريد بها باطل.
стр. 30
كشف حقيقة مؤتمرات قضايا المرأة
في الوقت الذي عُقدت فيه المؤتمرات في بكين وغيرها لنصرة المرأة بزعمهم، وإعطاء المرأة حقها بزعمهم، وإعطاء المرأة فرصة لممارسة حريتها بزعمهم، هم في ذاتهم يعترفون في بلاد الغرب والكفر أن هذه المؤتمرات هي التي أحدثت انحلالاً في مجتمعات الكفر يوشك أن ينهار بهذه المجتمعات؛ لأن المرأة لما أُعطيت حريتها أفسدت فساداً عظيماً، والنبي ﵊ بشّر بذلك وأخبر به، قال: (ما تركت فيكم بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، اليهود وهم أصحاب الأيدي الخبيثة على وجه الأرض في طول التاريخ وعرضه علموا أن السلاح الفتاك هو سلاح المرأة، فاستخدموها من أول لحظة، أيقنوا أن الحرب العسكرية الدموية لا تصلح مع المسلمين، وأن المسلمين عندهم من روح الجهاد ما يكفي لمواجهة الواحد منهم ألفاً من اليهود، فلما فشلوا في هذا من جهة العسكر لجئوا إليهم من جهة المرأة، ثم لجئوا بعد ذلك إلى ما يسمى بالتطبيع وإلى ما يسمى بالثقافة الدخيلة، وإلى ما يسمى وما يسمى وأساليب اليهود لا تنتهي.
ثم تُعقد هذه المؤتمرات المعروفة بمؤتمرات السكان أو الإسكان، حتى عقدت في مصر أخيراً، وقرروا أن هذه المرأة آدمية، وهذه بلية عظيمة أن تُعقد مؤتمرات حتى تبيّن أن المرأة حيوان أم إنسان، ولكنهم -لا جزاهم الله خيراً- قد خرجوا بنتيجة، وهي أن المرأة إنسان وليست حيواناً.
ثم لزاماً في المحافظة على إنسانية المرأة أن يسنوا لها القوانين؛ لأن المرأة كالرجل تماماً بتمام، ولا بأس عندهم أن تحمل المرأة عاماً وأن يحمل الرجل عاماً، وأن ترضع المرأة عاماً وأن يرضع الرجل أعواماً، وأن يكون للرجل ثدي وفرج وأن يكون للمرأة ثدي وفرج فلا بأس بهذا كله، والتكنولوجيا الحديثة تساعدهم على فعل كل هذا، لا بأس به.
ولكن البأس كل البأس أن ينعقد مؤتمر السكان في مصر عدة مرات، منها السري ومنها العلني، حفظاً لماء الوجه القبيح، ثم يقرر مؤتمر السكان: أن الختان حرام، أي: أنه حرام قانوناً؛ لأنهم لا يعرفون لغة الشرع، فهو يحرّم دولياً، وقامت مصر بأسرها على هذا المؤتمر قومة رجل واحد، لم يخالف منهم إلا أذناب المستشرقين من العمائم ومن غيرهم، ولكن الساسة والقادة وجُل العلماء والدعاة إلى الله أنكروا هذا المؤتمر برمته، وقالوا: إذا قرر شيئاً يخالف شرع الله فإننا لا نُلزَم بقبوله، هذا على أية حال خير، ولكن الغريب أنه لا يُسمح لهذه المؤتمرات -التي لا أقول: إنها المشبوهة، ولكن التي أسفرت عن وجهها القبيح- في ضرب المجتمعات الإسلامية في صميم قلبها، فأقول: إذا كان كذلك فلِم يؤذن لها بالانعقاد هنا؟ وقد انعقدت.
стр. 31
أحمد صبحي منصور وأذنابه بين الدس والإنكار
إن أذناب هذا المؤتمر وتلاميذ هؤلاء الأذناب من أصحاب الكفر الصريح والإلحاد القبيح يخرجون علينا كل يوم بقضية، حتى شغلونا عن تعليم الناس دين الله ، عن تعليمهم الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج، وكان أحرى بنا أن نتناول مسائل الحج في مثل هذا المقام، والناس يتهيئون لزيارة بيت الله الحرام، ولكن حسن الاعتقاد في قلبك أهم من معرفتك ببعض مسائل الزكاة التي يمكن أن تحصلها من هنا أو من هناك.
فأقول: إن بعضهم يخرج علينا فيقول: السنة قد دخلها الدس والتحريف ولذلك لا نحتج بها، ومنهم من يفرق بين المتواتر والآحاد، ومنهم من يقول: إنني قرأت القرآن، وهذا أحمد صبحي منصور المجرم الذي يعيش هنيئاً مريئاً في أرض مصر الآن، يقول: لقد قرأت القرآن كله فأعجبني! وعلمت أنه ليس كلام محمد! وكأنه كان يعتقد من قبل أنه كلام محمد! فعلمت أنه كله كلام جميل لا يمكن أن يصدر من محمد، وإنما هذا وحي السماء، فأعجبني هذا القرآن إلا في موضعين! نعم لا بد أن تعلم أعداءك.
وذكر هذين الموضعين، ولو كان محقاً في ذكره -عياذاً بالله وأبرأ إلى الله ﵎ من كل ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع علماء الأمة، والقياس الصحيح، أبرأ منه أنا وأنتم إلى الله ، وحُسن ظني بكم يدفعني إلى ذلك- هذا الذي أعجبه القرآن إلا في موضعين هو شيخ وأستاذ وقدوة وأسوة مصطفى محمود الذي خرج علينا منذ أشهر ينكر الشفاعة، أسأل الله تعالى أن يحرم جميع من أنكر الشفاعة الشفاعة، أسأل الله ﵎ أن يهلك الملاحدة، اللهم سلط بعضهم على بعض اللهم سلط بعضهم على بعض اللهم سلط بعضهم على بعض، اللهم لا تبق منهم أحداً اللهم لا تبق منهم أحداً، اللهم طهّر الأرض منهم، اللهم نجنا منهم اللهم نجنا منهم اللهم نجنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 32
الرد على مصطفى محمود في مقالته (كلمة هادئة)
لما قامت العواصف على مصطفى محمود من كل اتجاه سكن وخنس؛ لأنه شيطان يعلم متى يوسوس ومتى يخنس، ولكنه لا يهدأ إلى الأبد، ورد عليه علماء الأزهر، بل رد عليه أساتذته وقالوا: إنك أخطأت التوقيت؛ أي أنهم لم يختلفوا معه في أصل القضية، ولكن اختلفوا معه أنه غبي، فقد اختار وقتاً ليس مناسباً، فظن أن يوم السبت الماضي كان يوماً مناسباً، فأتى بهذا المقال مرة أخرى، فماذا قال مصطفى محمود؟ قال تحت عنوان: (كلمة هادئة) وكأنه يقول: لا تتعصبوا؛ فالمسألة كلها حرية رأي، وحرية فكر ولعب ومزاح، فلماذا أنتم تتضايقون؟ ثم افرض أنني قلت كلمة تعني شيئاً، هل تستحق هذه الغارة كلها؟ فأنا أمزح وأنا كنت نائماً وأحلم.
فقال تحت: (كلمة هادئة): في صحيح البخاري وصحيح مسلم.
وهو يعلم أن الحديث في الصحيحين، وأن الأمة منذ أن صنّف البخاري ومسلم صحيحيهما تلقت الكتابين بالقبول، وهذا إلى قيام الساعة عند أهل الحق، ولكن عند أهل الباطل يقول: (في صحيح البخاري وصحيح مسلم في باب التوحيد عن أبي سعيد الخدري نقرأ هذا الحديث العجيب عن يوم القيامة) هكذا يقول.
ثم يقول: (يقول الجبار قبل إقفال باب الحساب: بقيت شفاعتي، ويقبض قبضة من النار فيُخرج أقواماً قد امتحشوا -أي تفحّموا- فيضعهم في نهر في الجنة اسمه الريان).
هكذا قال وهو جاهل وغبي وأحمق، بل هو أجهل من حمار أهله؛ لأن باب الريان لأهل الصيام، ولم يقل: (باب) أيضاً، بل قال: (نهر) اسمه نهر الحياة، وهكذا أعمى الله تعالى بصيرته.
فقال: (فيضعهم في نهر في الجنة اسمه الريان، فتنمو أجسادهم كما تنمو الحبة في حميل السيل، ويوضع في رقابهم الخواتيم، ويقال: هؤلاء عتقاء الرحمن، دخلوا الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه).
стр. 33
الرد على مصطفى محمود في إنكار عتقاء الرحمن يوم القيامة
قال: وهو كلام يخالف صريح القرآن، بل يناقض القرآن في (٣٥) موقعاً يؤكد فيها القرآن أنه لا دخول للجنة إلا بعمل صالح)، أي: أنه بذكائه وفطنته عندما قرأ القرآن لأول مرة علم أن هذا الحديث يخالف (٣٥) موقعاً في القرآن الكريم، كل هذه المواقع في القرآن تقضي بأنه لا أحد يدخل الجنة إلا بالعمل.
وطبعاً لو قلنا له: إن النبي ﷺ يقول: (لن يدخل الله أحداً منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل)؛ لقال: لا.
هذا أيضاً حديث مدسوس! وهكذا لا نخرج من الدس، والذي يميّز لنا المدسوس من غير المدسوس، الصحيح من السقيم، الباطل من الحق هو فضيلة الشيخ العلامة المحدث الكبير الخبيث مصطفى محمود، نعم هو الذي يميّز لنا هذا! ويجب علينا وجوباً لازماً أن نتّبعه في ذلك، ولكن لو اتبعناه فإنه حظنا ونحن حظه، إنه رزؤنا -أي: مصيبتنا- ونحن رزؤه، أي: مصيبته، نحن تبع له إن تبعناه في الدنيا يوم القيامة، نحن نُحشر معه إن رضينا بأن نكون في زمرته من الآن، وللأسف الشديد أن الناس ثلاثة: عالم معلم، وطالب علم على سبيل النجاة، ورعاع دهماء أتباع كل ناعق، وعلى رأس الناعقين هو، فمن تبعه لا بد أن يكون معه يوم القيامة.
ثم بعد ذلك يأتي بهذه الآيات التي تثبت أنه لا دخول للجنة إلا بعمل، ويقول: (وعلى الرغم من هذا التكرار القرآني الذي يؤكد المعنى بلا لبس وبلا إيهام ولا استثناء)، نعم هذه الآيات قد لُبّست على علماء الأمة شرقاً وغرباً منذ (١٤) قرناً وزيادة وظهرت عنده؛ لأنه ليس فيها لبس ولا إيهام على عقل المجرم الفذ! فقال: (يفاجئنا رواة الأحاديث بهذا الحديث العجيب عن هؤلاء الأقوام الذين يخرجهم ربنا من النار وقد تفحّموا ويدخلهم الجنة بلا عمل عملوه ولا خير قدموه.
قال: فإذا رفضنا هذا الحديث اتهمونا بإنكار السنة).
لا.
لا، فأنت مبرأ، وما هي إلا محاولة للاستئناف، إما أن يؤدي بك إلى الجنة وإما أن يؤدي بك إلى النار.
قال: (اتهمونا بإنكار السنة وإنكار الشفاعة، وقال عني الشيخ القرضاوي: إنني رجل مكابر.
سامح الله الشيخ القرضاوي).
أرأيت قلبه الرحيم! فهو لا يقابل الإساءة بالإساءة ولا التهمة بالتهمة، إنما يعفو ويصفح، قلب رحيم تربى على يد رشاد خليفة وأحمد صبحي منصور وأيدي الملاحدة.
ثم يقول: (فأنا على كثرة عيوبي قد عافاني الله من داء الكبر، ولا أزكي نفسي، فهذه منة امتن بها عليّ ربي.
قال: وأخون أمانة القرآن في عنقي إن لم أُنكر هذا الحديث الذي تقولون به).
أمانة القرآن؟! ما هي علاقتك بالقرآن؟! وما هي علاقتك بالسنة؟! هل أنت عالم؟! أنت لا تفهم إلا في لغة الحيوان والصيد والحشرات والنبات وغير ذلك، فالعجيب أنكم تصدقون كلامه، ولو أن الواحد منكم مرِض هل يذهب إلى نجار ليعالجه؟! وإذا احتاج الواحد منكم إلى صناعة باب لبيته هل يذهب إلى طبيب ليصنعه؟! لِم تحترمون التخصص في كل شيء وتستبيحون دين الله ، أهو الشيء المستباح لديكم؟! أكل من يقول في دين الله اتهاماً محل احترام وتقدير عندكم وأنه مجتهد: إما مصيب وإما مخطئ! ثم يقول: (وأخون أمانة القرآن في عنقي إن لم أُنكر هذا الحديث الذي تقوّلوا به زوراً وبهتاناً على سيدنا رسول الله).
ولكني أخشى أن يكون سيدهم رسول الله هو أحمد صبحي منصور أو رشاد خليفة.
ويقول: (وحاشا لرسول الله الذي جاءنا بالقرآن أن يقول هذا الكلام الذي ينقض به القرآن في معنى أكده القرآن (٣٥) مرة في (٣٥) موقعاً.
إن الجنة جزاء على خير العمل، حتى يكاد يكون هو قانون القرآن الأول ودستوره الثابت وروح العدالة المبثوثة في ثناياه) أي: العمل.
يقول: (ولا غرابة؛ فهو الدس والتحريف حينما عجزوا عن المساس بآيات القرآن).
هل نحن الذين نمس القرآن؟! هل البخاري هو الذي يمس القرآن؟! مسلم هو الذي يمس القرآن؟! أحمد بن حنبل في مسنده هو الذي يمس القرآن؟! أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم من بعده عجزوا عن تحريف آيات القرآن فحرفوا السنة النبوية؟! إنه يريد أن يهدم قدسية العلماء وقدسية الإجماع في قلوب أبناء العصر؛ حتى ينحرفوا عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﵊ وهم مطمئنون كل الاطمئنان أنهم غير آثمين.
ثم يقول: (ولم يجدوا وسيلة إلى تحريفه -أي: القرآن الكريم- فاستداروا إلى الأحاديث يحرفونها ويختلقونها اختلاقاً، وقد اعترف رواة الأحاديث أنفسهم بأن فيها الضعيف والموضوع والمدسوس والمنحرف).
نعم قد اعترفوا، ولكنهم ميزوا بين هذا وذاك، هم الذين اعترفوا بأن السنة قد دخلها تحريف، وهم حينما عرفوا بهذا التحريف قاموا بجهد انبهر به علماء الغرب في وضع قواعد لتمييز الصحيح والسقيم، ولذلك اعتبر الغرب أن قواعد الجرح والتعديل التي تفضّل بها علماء المس
стр. 34
بيان الحديث الذي أنكره مصطفى محمود
نتعرض لنفس الحديث الذي تعرض له مصطفى محمود وأنكره.
هو حقاً في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري، وجاء بغير هذه الزيادة التي أنكرها مصطفى محمود من رواية أبي هريرة وغيره، والحديث مستفيض حتى بلغ درجة التواتر أو كاد يكون كذلك، وهذا الحديث قد اشتمل على الفوائد بالشيء الكثير، أذكرها لكم سريعاً.
قال الإمام النووي: (باب: معرفة طريق رؤية الله وإثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار).
لا بد أن تقف عند قول الإمام النووي وفهمه لهذا الحديث، قال: (باب إخراج الموحدين من النار)، عنى النووي بذلك قول النبي ﵊ فيه: (إن الله تعالى يخرج أقواماً من النار قد امتحشوا وصاروا حمماً -أي: فحماً- فيلقي بهم في نهر الحياة) وفي رواية: (في نهر الحياء أو الحيا، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل من غير عمل عملوه ولا خير قدموه).
فالإمام النووي قصد بالموحدين هؤلاء الأقوام الذين امتحشوا في نار جهنم وأخرجهم الله برحمته لأنهم موحدون؛ ولأنهم قالوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، قصّروا في العمل وتركوا الطاعة، ولكنهم لم يرتكبوا المنهيات من الزنا وشرب الخمر والسرقة والإلحاد في أسماء الله وصفاته، ورفض شرعه وغير ذلك مما يفعله ملاحدة الزمان، فكل الذي عملوه أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسول الله، وصدّقوا بالقرآن، وصدّقوا بالسنة ولم ينكروا منها شيئاً، ولكنهم لم يعملوا بشيء من القرآن ولا بشيء من السنة، وأنت ترى الآن في الشوارع والطرقات شباباً يتسكّعون، هم من أهل ملتنا ومن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولو رأوا واحداً من اليهود أو النصارى قالوا: هذا ابن كلب، هذا كافر، هذا رجس، هذا آكل للحم الخنزير.
يقول ذلك وهو تارك للصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحج كذلك تخلف عنه مع قدرته واستطاعته.
أقول: الصلاة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن تارك الصلاة كافر خارج بالكلية من دين الله ، وحجتهم وجيهة، وجمهور العلماء فرقوا بين تارك الصلاة كسلاً وتاركها متعمداً، أما الذي قال بأن تارك الصلاة عمداً كافر فيستدل بقول النبي ﷺ (بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)، وتارك الصلاة كسلاً لا يخرج من الملة، ولكن يصدق عليه اسم الكفر؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله البجلي أن النبي ﵊ قال: (بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر وأشرك) وفي رواية: (فقد كفر أو أشرك).
ويقول أبو وائل شقيق بن سلمة: (أدركنا أصحاب النبي ﵊ وهم لا يعدون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة).
فلما كانت هذه النصوص وغيرها في شأن تارك الصلاة من عدمه؛ قال العلماء: إن حديث أبي سعيد الخدري ينطبق على من فرّط في الطاعة دون التوحيد والصلاة، والجمهور يقول: هذا من فرّط في طاعة الله جملة إلا التوحيد.
النووي عليه رحمة الله حينما بوب لهذا الحديث بباب إخراج الموحدين من النار: إنما عنى أن الموحد من قال: لا إله إلا الله، وفي ذلك خلاف أيضاً: هل الموحدون هؤلاء هم من أمة النبي ﵊ فقط أم من جميع الأمم قبل مبعث النبي ﷺ ؟ أي: هل هؤلاء من أمة اليهود قبل مبعث عيسى، أو من أمة عيسى قبل أن يبعث الله محمداً، أو هم من أمة محمد ﵊ فقط؟ وقع الخلاف.
والراجح: أنهم من أمة محمد ﵊.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 35
شرح حديث أبي هريرة في رؤية الله يوم القيامة وفي الشفاعة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
عن أبي هريرة ﵁: أن ناساً قالوا لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبي ﵊: هل تُضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا -بمعنى: هل يصيبكم ضرر أو ضيم أو غيم يحول بينكم وبين رؤية القمر ليلة البدر؟ - قال: هل تُضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فإنكم ترونه كذلك) أي: فإنكم ترون الله عياناً يوم القيامة وفي الجنة كما ترون القمر والشمس، وشبّه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة) وهو الحشر ليوم القيامة، وهو يوم واحد (فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه.
فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت) وهذا مصداق قول الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
يقول: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) بعد أن يذهب كل معبود بعبدته إلى النار، ويدخلون في هذه الدركات الست، وتبقى جهنم، ويبقى محمد ﵊ وأمته، أما المنافقون الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر يأذن الله لهم أن يستتروا بالمؤمنين في الموقف؛ حتى يفضحهم ويبيّن للأمة أن هؤلاء هم المنافقون، وهم المخادعون: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
فيبقى في هذه الأمة المنافقون وهم ليسوا منها، كما أن الله تعالى أذن لإبليس أن يكون في الملائكة حين وجّه إليهم الأمر بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس لم يسجد ولم يمتثل، وإنما أبى وعصى وفسق.
فإجماع أهل السنة والجماعة على أن إبليس ليس من الملائكة، وإنما كان بين الملائكة حين صدور الأمر للملائكة بالسجود فنُسب إليهم تغليباً، أنتم الآن تغلبون ألفاً أو زيادة، فلو أن فيكم امرأة جلست معكم هنا لوجِّه الأمر إليكم كرجال، ويشمل هذا الأمر المرأة وإن لم تكن منكم في الحقيقة ولا من جنسكم الذكري، وإنما يشملها الأمر، وكذلك إبليس كان مع الملائكة حين صدور الأمر، فصدر الأمر للملائكة بالسجود بما فيهم إبليس، رغم أنه ليس منهم: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]، فهو كان من الجن وليس من الملائكة، وكذلك هؤلاء المنافقون الذين كانوا يصلون معكم ويصومون ويجاهدون وبريق السيوف فوق رقابهم، ويحتمل أن كل هذا في مقابل دغل قلبه ومرض قلبه، وألا يقال عنه: إنه كافر، فهو يرضى أن يكون مسلماً في الظاهر وإن كان في القيامة من أهل النار المخلدين فيها، ولذلك يؤمر بهم فيكونون في أسفل دركة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، ولذلك قال النبي ﵊: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) وفي رواية: (إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذن -أي: نادى مناد-: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر) حتى تعلم أن الفجور يجتمع مع الإيمان.
وإلا فانظر لنفسك: هل أنت كافر؟ هل أنت زنديق وملحد؟ هل أنت منافق؟ مع أنك تعصي، بل لا يمر يوم إلا ولك مع الله معصية، ولك مع الله هتك ستر، ومع هذا فإنك في أمة محمد ﵊، وتحقق لك الشفاعة يوم القيامة، حتى وإن كنت خالياً من المعاصي فإن الشفاعة تنفعك.
قال: (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب) أي: بقايا من اليهود والنصارى (فيُدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟) اذهبوا إلى هناك فاشربوا (فيُحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار، ثم يُدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن مريم، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا! فاسقنا، قال: فيُشار إليهم: ألا تردون؟) أي: ألا تردون الماء الذي هناك؟ ألا تعرفون هذا السراب؟ وأنت بأرض صحراء قفر ترى من بعيد شيئاً يتلاطم كأنه أمواج ماء وهو سراب خادع: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩] أي: أنه دخل النار (فيُحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بع
стр. 36
شفاعة الأنبياء
قال النبي ﵊: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) أي: أول من يعبر هذا الصراط، ويتخطاه إلى الجنة (ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم) وهذا فيه إثبات شفاعة الرسل، دعوى الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم التي يسقط فيها الفجرة والعصاة من فوق هذا الصراط كلاليب خطاطيف، مثل شوك السعدان، شوك صغير ينبت في نجد، قال: (هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله) وفي رواية: (منهم المؤمن يوقى بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى)، وفي رواية: (ثم يُضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون -أي: الأنبياء-: اللهم سلّم سلّم، قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مذلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلَّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم) اللهم سلّم سلّم (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد) إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وهو القضاء الإلهي (وأراد أن يُخرج برحمته من أراد من أهل النار) فهذا الإخراج برحمة الله لا بالعمل، حتى لا يزعم الزاعم أنه لا دخول للجنة إلا بعمل، نعم العمل مطلوب، وهو من مكمّلات الإيمان وشروطه وتمامه ومزيده، لكن من كان موحداً وقصّر في العمل ألا يدخل الجنة؟ نعم يدخل، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
стр. 37
شفاعة الملائكة
قال: (وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً) إذاً: الذي يشرك بالله لا يخرج من النار؛ لأن المشرك مخلّد فيها أبد الآبدين، أما لو نجا من الشرك وقصّر في العمل فإنه تنفعه شفاعة الشافعين، شفاعة الأنبياء، ثم هذه الشفاعة شفاعة الملائكة (أمر الله الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار) أي: أن الملائكة تعرف هؤلاء في النار.
فإن قيل: كيف تعرف الملائكة هؤلاء في النار؟ نقول: قال النبي ﵊: (يعرفونهم بأثر السجود) وهذا حجة لمن قال: إن الصلاة من التوحيد، فمن تركها فقد كفر.
يقول: (تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود) فقد حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود؛ ولذلك أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب المواقيت تحت باب: فضل السجود، وأن ابن آدم يُحرق ويصير فحماً إلا أثر السجود، واختلفوا في أثر السجود: هل هو السبعة الأعضاء أم أنها الجبهة فقط، الراجح: أنها السبعة أعضاء: الركبتان، والكفان، والجبهة مع الأنف -والجبهة مع الأنف عضو واحد- وأطراف القدمين.
هذه ستة، والجبهة العضو السابع؛ ولذلك قال ﵊: (يسجد المرء على سبعة أعظم) وفي رواية: (على سبعة آراب).
إذاً: هل النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا هذه السبعة، أو تأكل كل شيء إلا موضع السجود في الجبهة؟ ذكر مسلم حديثاً آخر قال: (تأكل النار كل شيء من ابن آدم إلا دارات الوجوه) أي: إلا هذا المكان الدائري الذي هو موضع السجود.
قال العلماء: هذا الحديث الذي فيه (يسجد المرء على سبعة أعظم) حديث عام مخصوص بحديث دارات الوجوه، فإن الله ﵎ يمن على عباده بألا تأكل النار منهم سبعة أعضاء، ولكن هناك أقوام تأكل النار منهم ستة أعضاء، ولا يبقى إلا دارات الوجوه على حسب أعمالهم.
قال: (يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا) أي: احترقوا وصاروا فحماً، ولا بد أن تعلم أنهم موحدون، وأنهم من أهل الصلاة؛ لأن هذه المواضع لم تؤكل منهم فضلاً للسجود، فكيف يزعم مصطفى محمود أنهم لم يعملوا خيراً قط.
يقول: (فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل) أي: فيما يحمله السيل.
стр. 38
شفاعة المؤمنين
قال رسول الله ﷺ : (ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد) وفي رواية: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استبقاء الحق من المؤمنين بالله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون) وهذه شفاعة المؤمنين.
فيقال لهم: (أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار، فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا ﵎: لم نذر فيها خيراً) أي: لم يكن فيها أحد له عمل يُذكر، لم نعلم فيها أحداً من أهل العمل.
يقول: أبو سعيد الخدري راوي الحديث: إن لم تصدقوني في هذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
стр. 39
شفاعة الله
قال رسول الله ﷺ : (فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل.
ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيضاً؟ فقالوا: يا رسول الله! كأنك كنت ترعى بالبادية.
قال: فيخرجون كاللؤلؤ) أي: في صفائهم ونقائهم (في رقابهم الخواتيم أو الخواتم) أي: الذهب يعرفون به (يعرفهم أهل الجنة.
يقولون: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم.
فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا! أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
وفي رواية: قال النبي ﵊: (أما أهل النار الذين هم أهلها) ولا بد أن تفرق بين هذا (أما أهل النار الذين هم أهلها) أي: المخلدون فيها وهم الأصناف الثلاثة الذين ذكرتهم لك آنفاً (فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم وبخطاياهم فأماتهم الله تعالى إماتة حتى إذا كانوا فحماً أُذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر -يعني: لفالف لفالف- فبثوا على أنهار الجنة).
إذاً: تفحيم هؤلاء وصيرورتهم فحماً في نار جهنم من أول وهلة يدخلون فيها الجنة هو من رحمة الله لعصاة الموحدين؛ لأنهم يفقدون الإحساس والشعور في النار حينئذ حتى يؤذن بالشفاعة، وتبقى شفاعة أرحم الراحمين، فهؤلاء الذين احترقوا وصاروا فحماً يلقون في نار جهنم ويخرجهم الرحمن وهم عتقاؤه.
قال: (فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية).
قال النووي: معناه -أي: معنى هذا الكلام- أن المسلمين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذّب المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس، ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحماً، فيُحملون ضبائر ضبائر كما تُحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل، كما تأتي بحبة وتلقيها على هذا القش الذي يحمله الماء في البحار والأنهار، فإذا ألقيت حبة على الشاطئ نبتت، فكذلك، وهو على الله أهون.
قال النووي ﵀: وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج بضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوتهم بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، فهذا الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، وهم موحدون.
стр. 40
آخر الناس خروجاً من النار وآخرهم دخولاً الجنة
ثم تمام الحديث سريعاً: قال رسول الله ﷺ : (ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار)، وهذا الرجل هو آخر الناس خروجاً من النار، وآخر الناس دخولاً الجنة، (فيقول: أي رب! اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها) أي: سمني وغاظني وخنقني (وأحرقني ذكاؤها) أي: اشتعالها (فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم قول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره) أي: تعدني وتعطيني المواثيق والعهود على أنني إن صرفت وجهك عن النار ألا تسألني شيئاً بعده؟ قال: (لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله له أن يعطي، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله له أن يسكت، ثم يقول: أي رب! قدمني إلى باب الجنة)، وفي رواية البخاري: (أنه رأى شجرة بعيدة عن الجنة بينه وبين الجنة، بعد أن صرف وجهه عن النار.
قال: يا رب! قربني إلى الشجرة، فحصل العتاب والملامة حتى قربه ربه بعد العهود والمواثيق، ثم رأى شجرة أقرب منها فرجع إلى نفس الغدر الأول، ثم رأى شجرة على باب الجنة هي أزكى وأحلى وأطيب ريحاً من اللتين قبلها، فقال: يا رب! قربني إلى باب الجنة).
فقال: (قدمني إلى باب الجنة.
فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك، ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك، فيقول: أي رب! ويدعو الله حتى يقول له: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا يا رب وعزتك وجلالك، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة) أي: اتسعت وانشرحت له (فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله له أن يسكت، ثم يقول: أي رب! أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسأل غير ما أُعطيت، ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك، فيقول: أي رب! لا أكون أشقى خلقك عليك) أي: لا تجعلني أشقى الخلق، أدخلني معهم ولو خلف باب الجنة، (فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله ﵎ وهو ضحك يليق بجلاله وكماله ليس كضحك المخلوق (فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه!) أي: تمن فيها ما شئت (فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا) انظروا إلى رحمة الله ورأفته بعباده، الرجل يتمنى ما شاء الله له أن يتمنى، ثم تنقطع به الأماني فيقول الله ﵎ له: يا عبدي! تمن من كذا، وتمن من كذا ويذكره؛ لأن في الجنة شيئاً لم يتمنه (قال: حتى انقطعت به الأماني.
قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه، قال: يا رب! أتهزأ بي! أتسخر بي وأنت رب العالمين! قال: لا).
قال أبو سعيد الخدري معترضاً على أبي هريرة ﵁ حين قال: (ذلك لك ومثله معه).
قال أبو سعيد: أما أنا فوالله لقد حفظت من في رسول الله ﷺ أنه قال: (ذلك لك وعشرة أمثاله ذلك لك وعشرة أمثاله ذلك لك وعشرة أمثاله).
نسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →