Полный текст (147 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شفاعة الأنبياء
قال النبي ﵊: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) أي: أول من يعبر هذا الصراط، ويتخطاه إلى الجنة (ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم) وهذا فيه إثبات شفاعة الرسل، دعوى الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم التي يسقط فيها الفجرة والعصاة من فوق هذا الصراط كلاليب خطاطيف، مثل شوك السعدان، شوك صغير ينبت في نجد، قال: (هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن بقي بعمله) وفي رواية: (منهم المؤمن يوقى بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجى)، وفي رواية: (ثم يُضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون -أي: الأنبياء-: اللهم سلّم سلّم، قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مذلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلَّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم) اللهم سلّم سلّم (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد) إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وهو القضاء الإلهي (وأراد أن يُخرج برحمته من أراد من أهل النار) فهذا الإخراج برحمة الله لا بالعمل، حتى لا يزعم الزاعم أنه لا دخول للجنة إلا بعمل، نعم العمل مطلوب، وهو من مكمّلات الإيمان وشروطه وتمامه ومزيده، لكن من كان موحداً وقصّر في العمل ألا يدخل الجنة؟ نعم يدخل، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
стр. 37
شفاعة الملائكة
قال: (وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً) إذاً: الذي يشرك بالله لا يخرج من النار؛ لأن المشرك مخلّد فيها أبد الآبدين، أما لو نجا من الشرك وقصّر في العمل فإنه تنفعه شفاعة الشافعين، شفاعة الأنبياء، ثم هذه الشفاعة شفاعة الملائكة (أمر الله الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار) أي: أن الملائكة تعرف هؤلاء في النار.
فإن قيل: كيف تعرف الملائكة هؤلاء في النار؟ نقول: قال النبي ﵊: (يعرفونهم بأثر السجود) وهذا حجة لمن قال: إن الصلاة من التوحيد، فمن تركها فقد كفر.
يقول: (تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود) فقد حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود؛ ولذلك أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب المواقيت تحت باب: فضل السجود، وأن ابن آدم يُحرق ويصير فحماً إلا أثر السجود، واختلفوا في أثر السجود: هل هو السبعة الأعضاء أم أنها الجبهة فقط، الراجح: أنها السبعة أعضاء: الركبتان، والكفان، والجبهة مع الأنف -والجبهة مع الأنف عضو واحد- وأطراف القدمين.
هذه ستة، والجبهة العضو السابع؛ ولذلك قال ﵊: (يسجد المرء على سبعة أعظم) وفي رواية: (على سبعة آراب).
إذاً: هل النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا هذه السبعة، أو تأكل كل شيء إلا موضع السجود في الجبهة؟ ذكر مسلم حديثاً آخر قال: (تأكل النار كل شيء من ابن آدم إلا دارات الوجوه) أي: إلا هذا المكان الدائري الذي هو موضع السجود.
قال العلماء: هذا الحديث الذي فيه (يسجد المرء على سبعة أعظم) حديث عام مخصوص بحديث دارات الوجوه، فإن الله ﵎ يمن على عباده بألا تأكل النار منهم سبعة أعضاء، ولكن هناك أقوام تأكل النار منهم ستة أعضاء، ولا يبقى إلا دارات الوجوه على حسب أعمالهم.
قال: (يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا) أي: احترقوا وصاروا فحماً، ولا بد أن تعلم أنهم موحدون، وأنهم من أهل الصلاة؛ لأن هذه المواضع لم تؤكل منهم فضلاً للسجود، فكيف يزعم مصطفى محمود أنهم لم يعملوا خيراً قط.
يقول: (فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل) أي: فيما يحمله السيل.
стр. 38
شفاعة المؤمنين
قال رسول الله ﷺ : (ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد) وفي رواية: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استبقاء الحق من المؤمنين بالله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون) وهذه شفاعة المؤمنين.
فيقال لهم: (أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار، فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا ﵎: لم نذر فيها خيراً) أي: لم يكن فيها أحد له عمل يُذكر، لم نعلم فيها أحداً من أهل العمل.
يقول: أبو سعيد الخدري راوي الحديث: إن لم تصدقوني في هذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
стр. 39
شفاعة الله
قال رسول الله ﷺ : (فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل.
ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيضاً؟ فقالوا: يا رسول الله! كأنك كنت ترعى بالبادية.
قال: فيخرجون كاللؤلؤ) أي: في صفائهم ونقائهم (في رقابهم الخواتيم أو الخواتم) أي: الذهب يعرفون به (يعرفهم أهل الجنة.
يقولون: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم.
فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا! أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
وفي رواية: قال النبي ﵊: (أما أهل النار الذين هم أهلها) ولا بد أن تفرق بين هذا (أما أهل النار الذين هم أهلها) أي: المخلدون فيها وهم الأصناف الثلاثة الذين ذكرتهم لك آنفاً (فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم وبخطاياهم فأماتهم الله تعالى إماتة حتى إذا كانوا فحماً أُذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر -يعني: لفالف لفالف- فبثوا على أنهار الجنة).
إذاً: تفحيم هؤلاء وصيرورتهم فحماً في نار جهنم من أول وهلة يدخلون فيها الجنة هو من رحمة الله لعصاة الموحدين؛ لأنهم يفقدون الإحساس والشعور في النار حينئذ حتى يؤذن بالشفاعة، وتبقى شفاعة أرحم الراحمين، فهؤلاء الذين احترقوا وصاروا فحماً يلقون في نار جهنم ويخرجهم الرحمن وهم عتقاؤه.
قال: (فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل، فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية).
قال النووي: معناه -أي: معنى هذا الكلام- أن المسلمين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذّب المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس، ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحماً، فيُحملون ضبائر ضبائر كما تُحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل، كما تأتي بحبة وتلقيها على هذا القش الذي يحمله الماء في البحار والأنهار، فإذا ألقيت حبة على الشاطئ نبتت، فكذلك، وهو على الله أهون.
قال النووي ﵀: وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج بضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوتهم بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، فهذا الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، وهم موحدون.
стр. 40
آخر الناس خروجاً من النار وآخرهم دخولاً الجنة
ثم تمام الحديث سريعاً: قال رسول الله ﷺ : (ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار)، وهذا الرجل هو آخر الناس خروجاً من النار، وآخر الناس دخولاً الجنة، (فيقول: أي رب! اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها) أي: سمني وغاظني وخنقني (وأحرقني ذكاؤها) أي: اشتعالها (فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه، ثم قول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره) أي: تعدني وتعطيني المواثيق والعهود على أنني إن صرفت وجهك عن النار ألا تسألني شيئاً بعده؟ قال: (لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله له أن يعطي، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله له أن يسكت، ثم يقول: أي رب! قدمني إلى باب الجنة)، وفي رواية البخاري: (أنه رأى شجرة بعيدة عن الجنة بينه وبين الجنة، بعد أن صرف وجهه عن النار.
قال: يا رب! قربني إلى الشجرة، فحصل العتاب والملامة حتى قربه ربه بعد العهود والمواثيق، ثم رأى شجرة أقرب منها فرجع إلى نفس الغدر الأول، ثم رأى شجرة على باب الجنة هي أزكى وأحلى وأطيب ريحاً من اللتين قبلها، فقال: يا رب! قربني إلى باب الجنة).
فقال: (قدمني إلى باب الجنة.
فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك، ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك، فيقول: أي رب! ويدعو الله حتى يقول له: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا يا رب وعزتك وجلالك، فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة) أي: اتسعت وانشرحت له (فرأى ما فيها من الخير والسرور، فيسكت ما شاء الله له أن يسكت، ثم يقول: أي رب! أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسأل غير ما أُعطيت، ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك، فيقول: أي رب! لا أكون أشقى خلقك عليك) أي: لا تجعلني أشقى الخلق، أدخلني معهم ولو خلف باب الجنة، (فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله ﵎ وهو ضحك يليق بجلاله وكماله ليس كضحك المخلوق (فإذا ضحك الله منه قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه!) أي: تمن فيها ما شئت (فيسأل ربه ويتمنى، حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا) انظروا إلى رحمة الله ورأفته بعباده، الرجل يتمنى ما شاء الله له أن يتمنى، ثم تنقطع به الأماني فيقول الله ﵎ له: يا عبدي! تمن من كذا، وتمن من كذا ويذكره؛ لأن في الجنة شيئاً لم يتمنه (قال: حتى انقطعت به الأماني.
قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه، قال: يا رب! أتهزأ بي! أتسخر بي وأنت رب العالمين! قال: لا).
قال أبو سعيد الخدري معترضاً على أبي هريرة ﵁ حين قال: (ذلك لك ومثله معه).
قال أبو سعيد: أما أنا فوالله لقد حفظت من في رسول الله ﷺ أنه قال: (ذلك لك وعشرة أمثاله ذلك لك وعشرة أمثاله ذلك لك وعشرة أمثاله).
نسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 41
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على علماء السوء
علماء السوء أناس باعوا دينهم بدنيا غيرهم، دندنتهم المال والجاه، ووسيلتهم التقرب من السلاطين، فألسنتهم عن النكير عليهم معقودة، وبالتشهير على أهل الصدق من العلماء وطلبة العلم ممدودة، وقد حذر منهم النبي ﷺ وأصحابه وخيار التابعين؛ لضررهم البالغ على الدين والملة.
стр. 42
علماء السوء وقبيح أفعالهم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
أما بعد: فقد صح عنه ﵊ أنه قال: (ستكون فتن، وستنقض عرى الإسلام عروة عروة، فأولها نقضاً الحكم وآخرها الخشوع).
ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد نقض الحكم منذ زمن طويل، والناس قد حكموا بغير كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، حتى صار الحكم بغير ما أنزل الله تعالى مألوفاً في قلوب العامة، ثم كاد الخشوع أن يرفع فلا تكاد تجد خاشعاً، والخشوع لم يرفع بالكلية، بل الأمة فيها خير، والخير فيها مستمر إلى قيام الساعة.
أما قوله ﵊: (ستكون فتن) أي: ستقع بين يدي الساعة فتن.
إن الناس يستعظمون الحكم بغير ما أنزل الله، وهو عظيم حقاً، وهو بلاء ما بعده بلاء، ولكن أشد منه بلاءً هم هؤلاء العلماء الذين ابتليت الأمة بهم، فهم بلاء عليها وعلى الإسلام، إنهم علماء ولكنهم غير عاملين بما علموا، وليس هذا فحسب؛ بل حملهم الحسد والبغض على محاربة أبناء الصحوة وشبابها زعماً منهم أن هؤلاء متطرفون وأنهم غير متعلمين، وغير متخصصين، وغير أزهريين.
إذاً: لم لا تفتحون أبواب الأزهر أمام الشباب المغرر بهم بزعمكم، حتى يتعلم وينهل من علمكم، ويستقيم كاستقامتكم؟ لم تدعونهم هكذا عرضة لكل من أراد أن يأخذ بنواصيهم إلى الشر كما تقولون؟! وإن هؤلاء الذين يبيتون كل ليلة هماً وغماً ونكداً وحسرة على ما وصل إليه المسلمون من ترد واضمحلال، بل ونزولاً عن أصول دينهم أصلاً أصلاً؛ لِمَ لا تعلمونهم؟! وإذا كنا فعلاً متطرفين والعلاج عندكم في الأزهر؛ فلم فتحتم أبوابه ثلاثة أعوام ثم أغلقتموه بعد ذلك إلى الأبد؟! ثم هب أن الأزهر أغلق بغير سبب منكم، لم لا يكون لكل عالم من علماء الأزهر مسجد كهذا المسجد يدرس فيه العلم، ويجمع حوله الشباب ويربيهم كما يحلو له كما أمر الله تعالى ورسوله؟! وإنا لا ندري هل نحن على ما أمر الله تعالى ورسوله أم نحن متطرفون وإرهابيون حقاً؟! وهل إذا وقع الإرهاب من البعض ممن ينتسب للصحوة، فلينظر ما سبب هذا الإرهاب، وما علاجه، وما مظاهره، تبحث هذه المسائل حتى تجتث جذور الفتنة من أصلها، ولا تكتفون بكيل السباب والشتائم والتهم للصحوة وأبنائها؟ أما يكفيكم عاراً أن واحداً منكم لا يجرؤ أن يقول: أنا السبب في هذه الصحوة؟ أما يكفيكم شناراً أن أحداً فيكم لا يجرؤ أن يواجه هذه الصحوة بكلمة منذ أكثر من خمسين عاماً؟! ولذلك فإن هذه الصحوة التي يمر بها الإسلام اليوم، وتمر بها الأمة إنما هي محض فضل الله على يد أئمة وعلماء ليسوا من أبناء هذا البلد، ولكن الذي من أبناء هذا البلد هم شباب حملوا راية الدعوة وهمَّ الإسلام ونشره بين العامة والخاصة، فالله ﵎ كتب توفيقه لهؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣].
إي والله! الأمر لا يعدو ذلك، ولن يعدو أمر الله تعالى فينا ولا فيهم، فالذي قدره الله ﵎ لهم ولنا لا بد أن يقع، وأنه سيكون إن عاجلاً أو آجلاً، فهؤلاء علماء نعترف لهم بالعلم، ولكنهم وظفوا علمهم لغير الدين، وطلبوا به الدنيا، والرئاسة، والجاه، ووقفوا به على أبواب السلطان، وقعدوا به على موائد الأمراء، فهل يكون هذا علم وهدى وتقوى؟! وعلموا كما علم غيرهم أن الصحوة هي عدوهم الوحيد، فلا بد أن يتخلصوا منها بأي سبيل، فقاموا بدس الوشايات بيننا وبين المسئولين حتى نقتل في مهدنا، وهيهات هيهات؛ فإنه دين الله .
وإن الله ﵎ سخرنا لهذا، وإننا نعتبر أن هذا التسخير تكليف من الله لا تشريف فيه، وهم يعتبرون أن ما هم عليه من لباس وعمائم وعلم إنما هو تشريف، ولذلك يكتفي الواحد م
стр. 43
الأحاديث والأخبار في ذم علماء السوء
قال ثوبان ﵁: قال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي الأئمة المضلون).
وسماهم أئمة؛ لأنهم أئمة وخطباء ووعاظ وعلماء وقادة، وساسة، وخاف النبي ﵊ من هؤلاء؛ لأنهم يزخرفون الباطل فيبدو في أعين الناس كأنه الحق الذي ليس بعده حق، ولذلك فإن عالم الدين يفسد في الدين وفي الأمة أكثر مما يفسده مائة قائد أو زعيم أو رئيس؛ لأن الناس ينظرون إلى هذا العالم على أنه صورة الإسلام، والواسطة بين الله وبينهم في فهم كلام الله وترجمته لعامة الأمة، فإذا لوى النصوص، وحرف الكلم عن مواضعه، وبين للناس مراده هو من النصوص ولم يبين مراد الله ، مع علمه أنه يقول عن الله ما لم يقله؛ فحسبه من ذلك جهنم.
وأول ما تسعر النار بالعالم الذي لم يعمل بعلمه والمرائي به الذي طلبه لغير الله ، إنما طلبه تفاخراً ورياءً وسمعة وإعجاباً.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (إن أخوف ما أخاف عليكم تغير الزمان، وزيغة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلين يضلون الناس بغير علم).
وقال أيضاً: (يهدم الإسلام ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون).
(زلة عالم) أي: خطأ عالم مرة أو مرتين، أما أنه قائم على الزلل بالليل والنهار، وعلى حرب الإسلام وأهله بالليل والنار من تحت طربوشه الأحمر أو عمامته البيضاء؛ فليس هذا هو الذي عناه عمر، إنما عناه هو ومن قبله النبي ﵊ بـ (الأئمة المضلين).
وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال: قال النبي ﷺ : (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى).
وعن عمر قال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان) أي: فصيح بليغ.
ولذلك فهم يأتوننا بهؤلاء البلغاء الفصحاء فيتكلمون بكلام ما أروعه وما أجمله وما أحسنه وما أزينه! حتى يقول كل مشاهد وكل سامع: إن الحق في هذا الكلام، وإن هذا العالم هو العالم على الحقيقة، ثم يأتون بإنسان ليس أهلاً -في الحقيقة- للدعوة لدين الله ، يتكلم بكلام بعضه سخف وبعضه جهل، ثم يقول القائل: هؤلاء هم الشباب الذين يقال عنهم: شباب الصحوة أو شباب الدعوة.
ثم يأتون برجل يثور ثورة عارمة ويرفع صوته حتى تتقطع أحبال صوته، ثم لا يسمع من كلامه ولا كلمة واحدة فيأتون به في صورة مزرية إلى أقصى حد، ويقولون: انظروا إلى هذا الغضب الشديد الذي يتملكه مع أن أحداً لا يفهم منه شيئاً! فهم يتخيرون أسوأ النماذج.
وأنتم لستم صادقين ولو أقسمتم بالله مليون قسم، فأنتم ملاحدة يا أبناء روز اليوسف، ويا أبناء الصحافة والإعلام، وأنتم مغرضون، لا يمكن أن يأتي الصدق من جهتكم، إنما أنتم تبدون بمظهر جميل وملمح عظيم، وملمس في وجوهكم وأبدانكم كملمس النساء في النعومة، ثم تتكلمون بكلام يقطر عسلاً، لكن هذا الكلام قد تكلم به -بل وبأحسن منه- عبد الله بن أبي بن سلول عليه لعنة الله، وأنتم لا تخفون على الله .
ثم يأتون بعالم فصيح بليغ فيجلسون أمامه الواحد والاثنين والثلاثة للمناظرة، ونحن لسنا أهلاً للمناظرة، ولم ندع في يوم أننا علماء، إنما نقول: إننا طلاب علم نسعى في الوصول إلى الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، أحياناً نتعثر وأحياناً نوفق، وهذا شأن البشر جميعاً، وعندنا من الأخطاء ما عندنا، لكن غيرنا عنده نفاق، وشتان ما بين الخطأ والنفاق.
وإنما نبتغي بهذا وجه الله تعالى، والله ﵎ حسيبنا بهذا، وغيرنا ممن يحاربنا ابتغى بعلمه ولسانه الدنيا، والله ﵎ يكافئ كلاً على نيته.
قال عمر: (إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان يتكلم بالحكمة ويعمل بالفجور).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال في حديث مرفوع: (إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، فأما المؤمن فيمنعه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه شركه، ولكني أخاف عليها منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون).
وعن حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن مما أتخوف عليكم رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رأيت بهجته، وكان ردءاً للإسلام؛ اغتره الشيطان -أي: أخذه من ناصيته- إلى ما شاء -أي: إلى ما شاء الشيطان-، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك.
قال حذيفة: يا رسول الله! أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: لا، بل الرامي أولى بالشرك).
وصدق حذيفة حيث قال: (المنافقون اليوم شر ممن كان على عهد رسول الله ﷺ .
قيل: وكيف ذلك؟ قال: إنهم كانوا على عهد رسول الله ﵊ يخفون النفاق، واليوم يظهرونه!) بل قال: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى ال
стр. 44
أهمية طلب العلم من أهله العدول
اعلموا -أيها الإخوة الكرام- أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، ليس هذا كلامي بل قد ورد هذا الكلام مرفوعاً من قوله ﵊، ولكن الإسناد إليه غير صحيح، إنما صح هذا الكلام من قول أبي هريرة، وابن عباس وأنس وابن سيرين وزيد بن أسلم، والحسن البصري والضحاك بن مزاحم وإبراهيم النخعي وابن المبارك ومالك وغيرهم.
وقال هشيم: (كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه العلم نظرنا إلى سمته وهديه وإلى صلاته، ثم أخذنا عنه بعد ذلك).
ودين الله أحق ما طلب له العدول، إذا طلبت العلم فاطلبه من عدل ثقة مأمون على نقل هذا الدين إليك، وعلى نقل مراد الله ورسوله إليك، أما أن تطلب العلم على يد رجل إنما يتخذ العلم سلماً لنيل الأغراض والأعراض وغيرها، فهذا ما لا يعرفه سلفنا، بل حذرونا منه.
ولذلك قال خالد بن الخداج: ودعت مالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله! أوصني، قال: عليك بتقوى الله وطلب العلم من عند أهله.
وقال الشافعي ﵀: لا يكمل الرجل في الدنيا إلا بأربعة: بالديانة والأمانة، والصيانة والرزانة.
هذه الأربع إذا اكتملت في رجل فهو الكامل.
وعن أبي أمية اللخمي قال: قال النبي ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، فهم يحتجون بهذا الحديث ويقولون: نحن العلماء وهؤلاء صغار قوم أنى لهم العلم؟! ومتى حصلوا عليه؟! وعلى يد من؟! وفي أي مؤسسة؟! أقسم بالله العظيم أنهم لا يعترفون بما اعترفت به الأمة وأجمعت عليه في إمامتهم وعلمهم وورعهم وتقواهم؛ لأنهم إلى الآن لا يعترفون لا بـ ابن باز ولا بـ الألباني ولا بـ ابن عثيمين ولا بـ ابن جبرين ولا غيرهم من أهل العلم هنا وهناك، مع أن الأمة أطبقت على إمامتهم وعلمهم وفضلهم، وحازوا على جوائز شتى إثباتاً لجهودهم في بث الدعوة ونشر العلم بين الأمة شرقاً وغرباً، فليست القضية قضية شباب، وإنما القضية قضية أن من تخرج من الأزهر وإن كان من أفسق الناس فهو العالم، وما سواه فلا.
افتحوا للناس باب الأزهر، دعوا الشباب يتعلمون.
وحديث: (إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر) يقولون عنه: وهذا حديث صحيح أخرجه الترمذي وفلان وفلان! نعم، وهذا كلام جميل.
ثم إن المذيعة أو المقدمة التي جلست مع الشيخ على أحدث موديل، وأظهرت جميع مفاتنها إلا ما أخفته لزوجتها، وتضحك وتبتسم مع الكلام الجميل وهو يقابلها بنفس الشعور حتى لا يكون جلفاً! ثم يقول: والنبي ﵊ حذر من هؤلاء وبين أنهم من أشراط الساعة ومن علاماتها، والدليل على ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أمية اللخمي.
أما تفسير أهل العلم للأصاغر.
فقد قال عبد الله بن المبارك ومالك بن أنس وابن عبد البر وغيرهم من أهل العلم: الأصاغر هم أهل البدع.
وأما صغير يؤدي عن كبير فليس بصغير، صغير يربطك بالله وبرسول الله وبسلف الأمة فليس بصغير على الحقيقة، بل الصغار هم أهل البدع، يلوون ألسنتهم لي البقر ألسنتها في المرعى، ويقولون: إننا خوارج العصر مع أننا نتبرأ من الخوارج بالليل والنهار، ومن منهجهم ومن أخلاقهم وسلوكياتهم، والخوارج هم شر خلق الله بعد اليهود والنصارى، وربما يكونون قبل اليهود والنصارى، نقول هذا في كل وقت وحين.
إننا لسنا بخوارج، نحن طلاب حق، نتعثر ونصيب، ارحمونا، خذوا بأيدينا، ولو كنا ضللنا فاعلموا منا سبب ضلالنا وخذوا بأيدينا إلى النجاة والجنة إذا كنتم تزعمون أنكم على الحق المبين، ولذلك قال الشعبي: (ما حدثك هؤلاء عن أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم فشد يداً به -يعني: فشد عليه يدك- وعض عليه بالنواجذ، وما حدثوك عن رأي فألقه في الحجر) وفي رواية: (فبل عليه)؛ لأننا لسنا في حاجة إلى آراء الرجال، وإنما حاجتنا إلى (قال الله) و (قال الرسول).
وقال الشافعي: إنما يتكلم في هذا الدين من كان مأموناً على عقيدة هذه الدين.
قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: فأي مسلم يدين الله تعالى يستحسن أن يأخذ دينه ممن يستهزئ بحديث رسول الله ﷺ ، ويزدري بأهله؟! وأنى يهدى السبيل من يبغيها عوجاً؟! بل قد أوصى النبي ﷺ بالغلمان والصغار إلى طلب العلم، فعن أبي هارون العبدي وشهر بن حوشب أنهما قالا: كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري ﵁ قال: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ .
يعني: أنتم وصية النبي عليه الصلاة والس
стр. 45
مواقف في امتناع علماء السلف من غشيان الأمراء والسلاطين
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: إن أعظم ما يعيب العالم أن يهين علمه وأن يجعله في الوحل، ولا أعظم وحلاً من دخول العالم على السلطان، إن على باب السلطان فتناً لا يعلمها إلا الله ، وإن العالم لأهون عليه أن يقطع وأن يمزق إرباً إرباً وخير له من أن يأتي باب السلطان، ولذلك ذم النبي ﵊ ذلك، وبين موطن الفتنة في هذا، فقال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن).
وفي رواية: (وما ازداد عبد من سلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً).
فـ (السلطان والقرآن سيفترقان، فدوروا مع القرآن حيث دار)، لا مع السلطان.
стр. 46
موقف ابن المبارك مع ابن والي خراسان
ولذلك فإن سلفنا الصالح رضي الله ﵎ عنهم حققوا أمثلة عظيمة جداً -بل بالغة الروعة- في البعد عن السلطان، فـ عبد الله بن المبارك أتاه ابن والي خراسان ليحدثه، فأبى ابن المبارك أن يحدث ابن الأمير، فلما أراد ابن الأمير أن ينصرف قام معه عبد الله بن المبارك إلى الباب ليبلغه، قال: يا إمام! إني طلبت أن تحدثني فامتنعت، فما بالك تخرج معي تودعني؟! قال: أما نفسي فأهنتها لك، وأما علم الله فأنا أجله عن أن أهينه بين يديك.
وأبناء السلاطين الآن لا يطلبون العلم.
стр. 47
موقف قبيصة بن عقبة من ابن أبي دلم
وقال جعفر بن حمدون: كنا بالكوفة على باب قبيصة بن عقبة، ومعنا دلم بن أبي دلم الأمير، قال ومعه الخدم والحشم، فأبطأ قبيصة بالخروج، فقيل له: اخرج؛ فإن ابن ملك الجبال موجود بالخارج، فخرج يتباطأ وفي يده كسرة خبز، وقد لبس إزاراً جره خلفه، فقيل له: زين نفسك، إنك تلقي ملك الجبال، قال: وماذا يصنع مثلي -وإنما يكفيه من الدنيا كسرة خبز- بابن ملك الجبال، لا حاجة لي فيه.
فهذا موقف عز.
стр. 48
موقف ربيعة الرأي من الوليد بن يزيد
ولما دخل ربيعة بن أبي عبد الرحمن على الوليد بن يزيد وهو خليفة قال: يا ربيعة! حدثنا.
وربيعة هو شيخ الإمام مالك بن أنس، وهو مفتي المدينة قبل مالك فقال ربيعة: ما أحدث شيئاً.
فلما خرج من عنده قال ربيعة لأصحابه: أما سمعتم هذا الذي يقول: يا ربيعة حدثنا كأنه يقول: يا ربيعة غننا!
стр. 49
موقف الأعمش من رسول المنصور
وكان أبو جعفر المنصور قد استخفى عند رجل قبل أن يتولى الخلافة هروباً من السلطان الذي كان قبله، فلما تولى الخلافة أتى إليه ذلك الرجل الذي استخفى عنده أبو جعفر، فأراد أبو جعفر أن يكرمه، فقال له: لا أقبل صحبتك، وإنك تعلم ما بي من نعمة، ولكني أتيتك لترسل معي رسالة إلى الأعمش حتى يحدثني ولو بحديث؛ فإن الأعمش متشدد بالرواية، فكتب إليه: من أمير المؤمنين إلى سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، إذا أتاك رسولي فحدثه بمائة حديث.
فأخذ الرجل الرسالة وذهب إلى الأعمش فطرق الباب، وكان الأعمش يكره أن يدق عليه بابه، وكان الأعمش يعلف دابته، فلما دخل عليه ذلك الرجل قال الأعمش: من أين أتيت؟ قال: من عند الخليفة.
قال: وما معك؟ قال: رسالة.
قال: هات، فأخذ الرسالة وقطعها ثم لواها وناولها العنز فأكلتها.
قال: يا أعمش! أقول لك: هذه رسالة الخليفة! قال: وما بها؟ قال: إنه يأمرك أن تحدثني.
قال: والله لا أحدثك ولا أحدث قوماً أنت فيهم.
والأعمش مع أنه كان من أفقر الناس في زمانه، إلا أن أذل الناس عنده كانوا هم السلاطين والأمراء.
وهم مشايخنا الذين نتحمل عنهم، فإن كانوا هم فالحق معنا، وإن لم يكونوا كذلك فدعونا على باطلنا وضلالنا نلقى الله ﵎، فإنا قد رضينا أن يكون الأعمش ومالك والشافعي وأبو حنيفة وغير هؤلاء هم أئمتنا إذا فسد علماء زماننا.
وقال النبي ﵊: (يكون عليكم الأمراء تعرفون منهم ما تنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع فأبعده الله.
قيل: يا رسول الله! أفنقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا) يعني: لا تقاتلوهم ما دامت الصلاة قائمة وأنكم تصلون بلا أدنى حرج.
وقال أبو حازم: إن العلماء كانوا يفرون من السلطان ويطلبهم، وهم اليوم يأتون أبواب السلطان والسلطان يفر منهم.
стр. 50
موقف ابن المبارك من ابن علية بعد توليه القضاء
ولما ولي إسماعيل بن علية تولى خزائن البصرة أو بغداد أرسل إلى عبد الله بن المبارك في خراسان أن: أرسل إلي القراء والعلماء ليساعدوني على هذه المهمة العظيمة: مهمة بيت المال، فأرسل إليه ابن المبارك يقول: يا جاعل العلم له بازياً يصطاد أموال المساكين احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنوناً بها بعدما كنت دواءً للمجانين أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين وتركك الدنيا ولذاتها وهجر أبواب السلاطين تقول أكرهت فما حيلتي زل حمار العلم في الطين لا تبع الدين بدنيا كما يفعل ضلال الرهابين وقال ابن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ويورثك الذل إدمانها وترك الذنوب حياة للقلوب وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس فلم يربحوا ولم يغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة يدين لذي العقل إنتانها وقال أبو العتاهية: عجباً لأرباب العقول والحرص في طلب الفضول سلاب أكسية الأرامل واليتامى والكهول والجامعين المكثرين من الخيانة والغلول والمؤثرين لدار رحلتهم على دار الحلول وضعوا عقولهم من الدنيا بمدرجة السيول ولهوا بأطراف الفروع وأغفلوا علم الأصول وتتبعوا جمع الحطام وفارقوا أثر الرسول
стр. 51
أقوال السلف في فتنة الدخول على السلطان
قال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن.
قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء؛ يدخلها أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول له ما ليس فيه.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: إن على أبواب السلطان فتناً كمبارك الإبل، والذي نفسي بيده لا تصيبوا من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينكم مثليه.
وقال وهب ابن منبه: إن جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان ضاريان سقطا في حظيرة غنم فباتا يدوسان حتى أصبحا.
وهذا المعنى يشهد له قول الرسول ﵊: (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
لو أن المرء أو العالم حرص بعلمه على جمع المال أو أن يتصدر ويتوجه وأن يكون رئيساً أو زعيماً؛ فإنه يفسد في دين الله أكثر مما يفسد السلاطين والأمراء وأصحاب الكبائر وظهور الفتن بالليل والنهار، إن العالم يفعل أعظم من ذلك كله إذا انحرف عن هدي طريق نبينا ﷺ .
وقال سفيان الثوري: كان خيار الناس وأشرافهم والمنظور إليهم في الدين الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم ليسوا عندهم بشيء.
يعني: كانوا يسكتون لا ينصحون الحكام وكأنهم ليس لهم أي علاقة أبداً، هؤلاء هم الذين لم يكن لهم أي خير، أما الخير فكان في الذين يذهبون إليهم وينهونهم.
قال: وكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون -أي: هؤلاء الساكتون-، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم ولم يأتوهم فهم خيار الناس.
أي: انعكست الصورة وتغير الزمان.
قال قتادة ﵀: العلم كالملح، إذا فسد الشيء صلح بالملح، وإذا فسد الملح لم يصلح بشيء.
نعم، العلماء في الناس وفي الأمة كالملح، إذا فسدت الأمة أصلحها العلماء، فما بالك لو فسد العلماء؟! وقيل للأعمش: يا أبا محمد! لقد أحييت العلم بكثرة من يأخذه عنك، فيرحمك الله.
قال: لا تعجبوا؛ فإن ثلثاً منهم يموتون قبل أن يدركوا، وثلثاً يكرمون السلطان فهم شر من الموتى، ومن الثلث الثالث قليل من يفلح.
وقالوا: شر الأمراء أبعدهم عن العلماء، وشر العلماء أقربهم إلى الأمراء.
وقال محمد بن سحنون: كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل يسلم عليهما، فكتب له أخوه كتاباً فقال: أما بعد: فإن الذي يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك.
قال ابن سحنون: لما قرأ ذلك فأعجبه قال: ما أسمج العالم أن يؤتى إليه في حلقته فلا يوجد، فيسأل الناس: أين العالم؟ فيقولون: عند الأمير أو عند السلطان.
والمعنى: ما أسمج هذا العالم، وما أغباه، وما أحمقه أن يترك هذه المساجد ويذهب ويرتع هنا وهناك جمعاً للدنيا والمال والحطام والكراسي والمناصب والرئاسة وغيرها.
قال سحنون: إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متوالية بلا حاجة ولا عذر؛ فينبغي ألا تقبل شهادته.
فإني أسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعصمني وإياكم من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم هيأ لنا أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، اللهم اهد علماء الأمة، وشباب الأمة، ونساء الأمة، اللهم احفظ بنات الأمة، اللهم احفظ شباب الأمة، اللهم اجعلنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله العظيم، اللهم إنا قد آمنا بك وبرسولك الكريم، وصدقنا كتابك، وآمنا بسنة نبيك ﵊، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 52
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على منكري الختان
أعداء الإسلام كثر، فمنهم من يسيء إليه وهم من بني جلدتنا، ومنهم من يكشر أنيابه عداوة وبغضاً من أهل الكفر والطغيان، فيروجون الشبهات ويعقدون المؤتمرات لمحاربة هذا الدين، كإنكار مشروعية الختان الثابت في سنة النبي ﷺ وفي آثار السلف رحمة الله عليهم، لاسيما ختان الإناث الذي شرعه الله مكرمة للمرأة ونظارة لوجهها وحفظاً لشرفها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
стр. 53
الفريقان المسيئان إلى الإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فريقان من الناس يسيئان غاية الإساءة إلى دين الله : أما الفريق الأول: فهو من بني جلدتنا وممن يتكلم بلساننا ويدين بديننا، المسلم والمسلمة كلاهما يمارس شعائر الدين على غير الوجه المرضي الذي أراده الله ﵎، فلا هو أدى الشعيرة كما ينبغي، ولا هو صان الشريعة عن لعبه وعبثه.
ولذلك هذا مدخل عظيم جداً لأهل الإلحاد زمن العلمنة، أنهم ينسبون الأخطاء إلى الدين نفسه، فيقولون مثلاً: إذا أخطأ فلان من الناس شيخ أو عالم أو شاب من شباب الصحوة في مسألة يقول مرضى القلوب: انظروا أهذا هو دينكم؟ أهذا هو الإسلام؟! ولذلك يحسن بي في هذه المناسبة أن أنبّه شباب الصحوة إلى أن كل خطأ منهم -وإن كان خطأ شخصياً- محسوب عليهم وعلى دين الله ، فليتق الله ﵎ شباب الصحوة في أقوالهم وأفعالهم؛ لأن العلمانيين ينسبون الأخطاء إلى دين الله ؛ لأنهم يتغافلون أو يتناسون القاعدة التي تقضي بإن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق، ولذلك أهل العلم من السلف قالوا: اعرف الحق تعرف أهله، فمعرفة الحق أولاً.
فالميزان الذي تُقاس به الأمور ويُقاس به الصواب والخطأ، ويُقاس به البطلان وغيره هو الكتاب والسنة، هذا هو الميزان المنضبط الذي تُقاس وتوزن به الأعمال والأقوال، فهو الحاكم على الرجال، وليس الرجال هم الحاكمون عليه.
هذا الفريق الأول من بني جلدتنا، يسيء إلى الإسلام باستخدام الإسلام نفسه، وبعبادة الله على غير مراد الله .
ولذلك فنحن ننبه مرة ثانية إلى أنه ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يراعي مراد الله ﵎ في النص، فليس النص وحده كافياً حتى يقال: إنك متبّع، بل فهم النص أولى من النص نفسه.
هذا الفريق الأول، وسنعلم في أمر الختان -وهو محل الدرس- أن الإسلام قد أُتي من هذه الزاوية، أي من قِبل هؤلاء الجُهّال المغفلين.
وأما الصنف الثاني: عدو كاشح ليس من الإسلام أصلاً، أو أن يكون مظهراً للإسلام مبطناً للكفر، أي: من المنافقين، عدو كافر يتلمس الأخطاء التي أخطأ بها الفريق الأول، فيدفعه بغضاؤه إلى الحمل على هذا الدين والكيد له، وإطلاق ألسنة حداد على شرائعه وفرائضه، وهؤلاء هم الذين قال الله ﵎ في شأنهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
إنَّ الحرب دائرة بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، بين الصواب والخطأ منذ أن خلق الله ﵎ آدم ووقعت الخطيئة، وافترق الناس فريقين، والحرب دائرة بين الخير والشر يتناطحان إلى قيام الساعة، وأهل الشر لا يرضون أبداً من أهل الإيمان أن يضبطوا أفعالهم ولا أقوالهم، ولا يرضون إلا بالخروج من هذا الإيمان والدخول في الكفر؛ ولذلك الله ﵎ قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
فاليهود والنصارى ليس غاية أمانيهم أن يترك المسلمون الختان، وإنما غاية أمانيهم أن يخرجوا من دائرة الإيمان فيدخلون معهم في الكفر فيكونون سواء، في هذه اللحظة يتم الرضا، وبدون هذا لا يكون هناك رضا، ولذلك قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى﴾ [البقرة:١٢٠] فالرضا لن يكون إلا بعد خلع الإيمان ولبس لباس الكفر، عافانا الله ﵎ منه.
وهذا الفريق أيضاً قال الله ﵎ فيه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] الكلام الذي يخرج من أفواههم غايتهم ومرادهم به أن يطفئوا نور الله، وأن يطفئوا نور الكتاب ونور السنة، ليس لهم مراد ولا غاية إلا هذا ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَل
стр. 54
المؤتمرات المنعقدة للنقاش حول مشروعية ختان الإناث
فهنا يتبين أن من شرائع الإسلام وشعائره ختان الذكور والإناث، وخاصة ختان الإناث، فقد كثُر حوله اللغط والغلط والجدل، ويجعلونه من الموضوعات الشائكة التي نالت النقاش الطويل من قديم الزمان قبل الإسلام وبعده، وكل يفتي ويدلي برأيه، والله ﵎ من وراء القصد، فجاءت السنة النبوية بعد القرآن الكريم موضحة ومفسرة لنصوص القرآن الكريم.
وقضية الختان من القضايا التي أولتها الشريعة الإسلامية الغراء اهتماماً خاصاً، فأزالت عنها الغموض وتكلم فيها أئمة الفقه الإسلامي، ولم يغفلوا هذا الجانب.
إن أعداء هذا الدين عقدوا المؤتمرات والندوات الطويلة منذ العقد الخامس من هذا القرن، بل وقبل ذلك، ولم ينصب العداء إلا في سنة ١٩٥١م عندما عُقد مؤتمر في (نيروبي) في دراسة موضوع رأي الدين في ختان الإناث، وبناء على دعوة من الهيئة الدولية لصحة الأمومة والطفولة دعت الهيئة فضيلة الشيخ: عبد الوهاب النجار، وأوضح فضيلته أن الختان لم يرد في القرآن الكريم، وورد عنه في السنة أحاديث قال العلماء فيها: إن أسانيدها فيها طعون، وإذا افترضنا صحتها فلا نجد أمراً من النبي ﷺ بختان الأنثى أو دعوة صريحة منه تفيد هذا الختان، وذلك فضلاً عما يترتب على الختان من متاعب صحية ونفسية على الفتاة قبل الزواج وبعده؛ ولذلك فإن بعض الدول العربية التي تشدد في تطبيق السنة -يقصد بذلك السعودية- لا تمارس عادة الختان للفتاة.
وكان قد دعا فضيلته الأمهات في المؤتمر إلى أن يُعلن في نساء بلادهن ضرورة الإقلاع عن هذه العادة التي ثبت أن إثمها أكثر من نفعها كالخمر تماماً.
وبذلك نحمي الفتاة من العدوان البدني عليها عن طريق أحب الناس إليها وهم الآباء والأمهات.
هذه فتوى فضيلة الشيخ، واستمر الوضع كذلك حتى طالعتنا الأنباء بعقد مؤتمر السكان المشئوم المنعقد سنة ١٩٩٤م الذي عُقد في صعيد مصر، واجتمع إليه حثالة العالم أجمع؛ ليقرروا بعد ذلك شرعية اللواط وحرمة الختان، بل أوجبوا على الأمم الأعضاء التي شاركت في هذا المؤتمر تقرير الإباحية وجواز الاختلاط، وجواز الاستمتاع بين الرجال والنساء دون عقد زواج أو غير ذلك، كل في دولة العلم والإيمان، وقد استضفناهم وأكرمناهم غاية الإكرام كما أكرمونا وأفسدوا علينا ديننا وشريعتنا، ولذلك في هذه المناسبة بالذات سنة ١٩٩٤م وفي أثناء انعقاد المؤتمر شُغل الشعب المصري أجمع بمشروعية الختان من عدمه، هل هو مشروع أم غير مشروع؟ والناس يحيكون الكيد والفساد والانحلال هناك في أقصى الصعيد، ونحن هنا مشغولون بالختان، هل هو مشروع أم غير مشروع؟ حتى انفض ذلك الاجتماع، ولا يزال الناس مشغولون بالختان: أهو جائز أم غير جائز؟ في الشهر العاشر من سنة ١٩٩٦م قامت هذه الحملة من جديد: الختان جائز أم غير جائز؟ فتطالعنا أخبار ٢/ ١٠ / ١٩٩٦م تقول: أعلن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، أنه يتحدى أن يأتي أحد بحديث نبوي صحيح أو بحديث حسن يبيح أو يلزم بختان الإناث، وقال: إنه يتحدى أيضاً أن يثبت أحد أن صحيح البخاري أو مسلم يوجد به حديث يفهم منه مشروعية ختان الإناث بمجرد إشارة، وأضاف أنه سبق أن أعلن بصراحة رأيه في الختان، وأن ختان الذكور أمر واجب، أما ختان الإناث لا سند له من الشرع، وأن الرأي فيه يرجع إلى الأطباء المتخصصين؛ لأنه عادة وليست عبادة، وأن الأطباء إن قالوا: إن الختان عادة حسنة نقول لهم كعلماء للدين: سمعاً وطاعة.
وإن قالوا لنا: إن ذلك عادة سيئة وضارة نقول لهم: سمعاً وطاعة.
وأضاف شيخ الأزهر أن الأطباء جميعاً قالوا: إن ختان الإناث شيء ضار، إذاً: عادة سيئة.
ولذلك (المانشت) يقول: الختان عادة مصرية سيئة ولا سند لها في الشريعة، والبنوك التي تحدد الربح هي البنوك الأقرب للإسلام.
دعونا من فتوى البنوك؛ لأن الفلاحين ردوا عليها فضلاً عن أهل العلم، الذي يمسك المعول ويضرب به الأرض قد رد هذه الفتوى ولم يقبلها لنفسه.
فدعونا منها ولنكن مع الختان، جاء هذا مساء أمس الأول خلال الحوار الذي أداره شيخ الأزهر والدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف، والدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر مع طلاب جامعة القاهرة فرع (بني سويف)، وشاركت فيه جماهير المحافظة، وأداره صبري القاضي محافظ (بني سويف)، وأكد الدكتور زقزوق وزير الأوقاف أن هناك من افترى على الداعية الإسلامي الراحل الشيخ محمد الغزالي وقال: إن الشيخ الغزالي يرى أن ختان الإناث سنة عن النبي ﵊، وهو لم يقل ذلك مطلقاً، أي: أن الشيخ الغزالي لم يقل ذلك مطلقاً -يدافع عنه- بل كان رأيه في كل جلسات مجمع البحوث الإسلامية وجوب التوقف عن هذه العادة السيئة.
وأضاف: إنه لم يثبت أن الرسول الكريم ﷺ قام بختان أي واحدة من بناته، كما أكد الدكتور عم
стр. 55
الرد على من نفى وجود حديث في الصحيحين يفهم منه مشروعية الختان
وقائل يقول: ليس في صحيح البخاري ولا مسلم حديث واحد يفهم منه مشروعية الختان، والرد على هذه المقولة من زاويتين: الرد الأول: أنه ليس بلازم أن يأتيك النص في البخاري أو مسلم، فليس البخاري ومسلم هما الكتابين اللذين يعتمد عليهما في أحاديث النبي ﵊ فحسب، فقد وضع أهل العلم شروطاً لقبول الحديث أو رده، ولم يضعوا من بين هذه الشروط أن يكون الحديث في البخاري ومسلم، ولا يشرط هذا الشرط إلا جاهل بقواعد أهل العلم في اعتبار الأدلة من عدمها، فهل يلزم أن يكون الحديث الذي أحتج به في البخاري ومسلم؟! إن البخاري ومسلماً لم يزيدا عن مجموع ستة آلاف حديث.
إذاً: أين نحن من أحاديث النبي ﷺ ؟ لم لا نأخذها من أبي داود أو من الترمذي أو من ابن ماجة أو من النسائي أو من مسند أحمد، أو من المعاجم الثلاثة للطبراني وغيرها من دواوين السنة؟ هذا الكلام لم يقل به أحد، بل الشرط أن يكون الحديث صحيحاً أو حسناً، ويستوي ذلك كونه في الصحيحين أو في غيرهما، فالمهم لاعتبار الحديث والعمل به أن يكون صحيحاً.
فهذه أول شبهة، وإنما قال بهذه المقولة من قال ليلبّس على عوام الناس، فهو الذين لا يريد لهم في يوم من الأيام أن يتعلموا العلم؛ وما ذلك إلا ليلبّس عليهم أمر دينهم، فالعوام يجلّون صحيحي البخاري ومسلم، فيقول ويبني أنه ليس فيهما حديث واحد يفيد مشروعية الختان، فيقول العوام: نعم، فيفرح بذلك ويسعد كأنه وقع على فريسته، وهذه شبهة أوهى من بيت العنكبوت.
الرد الثاني: أن الأحاديث قد ثبتت في البخاري ومسلم تصرّح صراحة ما بعدها صراحة بالختان ومشروعيته، وستأتي هذه الأدلة.
стр. 56
الرد على شبهات المخالفين والمعاندين لمشروعية الختان
يتبين لنا من مجموع شبه المخالفين والمعاندين للختان أن الختان إنما هو عملية وحشية تسبب للفتاة أضراراً نفسية واجتماعية خطيرة، فنقول لهم: ما هي هذه الأضرار النفسية والاجتماعية الخطيرة؟ وهل الختان عملية وحشية؟! إن العمليات الجراحية كلها عمليات وحشية بهذا المنطلق، فلماذا لا تحرمون المساس ببدن المرء سواء كان كافراً أو مسلماً؟ ثم من الذي قال: إن الختان عملية وحشية؟
الجواب
( الخواجات) الذين قالوا هذا، ووجدوا لهم أبواقاً ممن يتكلمون بأسمائنا وينتحلون نحلتنا وهم من بني جلدتنا.
فالختان ليست عملية وحشية، لا، يقول بعض الطبيبات وكثير من الأطباء: الختان عملية تجميلية تكميلية لأصل خلق الإنسان وجبلته وفطرته التي فطر الله ﵎ الناس عليها، فهو عملية تجميلية وتحسينية وليست عملية وحشية.
الشبهة الثانية: أنهم قالوا: إن الختان عادة سيئة وقبيحة.
أقول: لا ينبغي أبداً أن نقول عن الختان: إنه عادة فضلاً عن كونها عادة سيئة وقبيحة لوجهين: الوجه الأول: أن الختان عبادة وليست عادة، يتقرب بها المرء إلى الله ﵎، وسيأتينا الدليل الذي يبيّن صحة ما نقول وما ندّعي.
ثم قولك: إن الختان عادة سيئة وقبيحة فهذا ينافي الأدب من وجهين: الوجه الثاني: بعد أن قلنا: إنه عبادة، فلا يجوز أن تكون هذه العبادة سيئة وقبيحة، وإنما الذي يوصف بذلك العادات دون العبادات، والختان عبادة.
وهب أنه عادة فلا يوصف بالسوء والقُبح؛ لأنه أقل ما يقال فيه: إنه خلاف معتبر بين أهل العلم، فلو أني معك اختلفت في مسألة من المسائل فاستندت أنا إلى أدلة وأنت قد استندت إلى أدلة أخرى وكل له وجهة نظره، فلا يوصف المخالف بأنه على سوء وعلى قبح، أو أن رأيه قبيح وسيئ، إلا أن يكون طاعناً في الدليل وفي النص، وليس أمر الختان كذلك: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ولم يكن قولهم كما قالت بنو إسرائيل: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣] فالسمع والطاعة يدخل فيه كثير من أبواب الابتلاء، فينبغي للمرء المسلم أن يستسلم لله ولأحكامه، ولا يسعه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، علم العلة أو لم يعلمها، ولا يوصف شيء من دين الله بالقبح أبداً، فدين الله ﵎ خير كله، وما وجد النبي ﷺ الأمة على خير إلا وقد أقرها عليه، بل ما وجد خيراً إلا قد دلّ أمته عليه، وما وجد شراً إلا نهاها عنه.
والله ﵎ بيّن ذلك في كتابه فقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] فالكتاب قد اشتمل على كليات وأصول ما يلزم المسلم في دينه ودنياه إلى قيام الساعة، وقال الله ﵎ آمراً لهذه الأمة بطاعة الرسول ﷺ وأن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله ﵎، فقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، وقال ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧].
فتبيّن من هذه الأدلة أنها قواعد كلية تفيد طاعة الرسول ﷺ ، ولذلك نجد أن من تكلم في أمر الختان من بعض أهل العلم قال: لا توجد في السنة أي إشارة.
نقول: قد وجد، بل وجد التصريح بجواز ذلك فضلاً عن استحبابه.
ويقولون: ولا يوجد شرع يبرر هذا الإجرام، وسموه إجراماً، وقالوا: لا يوجد طبيب يبرر هذا، ولا يوجد في الفقه الإسلامي نص عن إمام من الأئمة المعتبرين يشير إلى ختان البنات من قريب أو من بعيد، وسنعلم أن الأئمة الأربعة تكلموا عن الختان وعلى مشروعيته، ومعلوم أن الأمة لا تجتمع على ضلال.
ويقولون: إن الختان يسبب البرود الجنسي، أي: أن الختان عند الإناث يسبب البرود الجنسي، فنواة المرأة التي هي محل الطهارة في أعلى فرجها بعد الشطرين الصغيرين لها عرف كعرف الديك، هذا العرف يطول ويقصر حسب حجم البنت وصحتها، وحسب الجو والطقس من البلاد الحارة عنه في البلاد الباردة، فهو في البلاد الحارة يطول عند البنات، وفي البلاد الباردة يصغر وينكمش، فمن النساء من تحتاج إلى عملية الختان، ومنهن من لا تحتاج إلى ذلك، والبحث هنا أن بعض الجاهلات من الفلاحات ومن ليس له تمرّس بهذا الأمر إذا دُعي إلى ختان البنت استأصل هذا العرف من جذره، فهذا خطأ عظيم؛ لأنه يفقد البنت شهوتها بالكلية، فتُصاب بالبرود الجنسي، والخطأ هنا ليس متعلقاً بالشرع، وإنما هو متعلق بذلك الجاهل الذي أجرى عملية الختان؛ لأنه استأصل العضو من جذره، وتأتينا بعد ذلك السنة لتبيّن ما هو القدر الذي يؤخذ من ذكر الرجل ومن فرج البنت، حتى نعلم أن الإسلام كله خير.
فالختان معنا
стр. 57
أدلة مشروعية الختان من السنة المطهرة وآثار السلف
فأدلة مشروعية الختان من السنة النبوية المطهرة رداً على من زعم أنه ليس في السنة حديث صحيح على مشروعيته:
стр. 58
حديث سنن الفطرة
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خمس من الفطرة: الاستحداد) أي: حلق العانة، وهو استخدام الحديدة والموسى في حلق العانة (والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار).
إذاً: هذه الخمس من سنن الفطرة، ولذلك قال الخطابي كما نقل عنه أكثر العلماء: إن المقصود بالفطرة: السنة أو الدين.
فهذه الخصال الخمس من السنة ومن الدين، ولذلك قال بعض أهل العلم: بل هي الخلق والجبلّة والإبداع والاختراع، كما قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة) أي: على فطرة الإسلام وعلى جبلّة الإسلام (فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه) فأصل خلقته على الإسلام؛ ولذلك أهل العلم يقولون: إذا تزوج المسلم من كافرة فأبناؤه مسلمون.
وإذا تزوجت المسلمة من نصراني كان الأبناء نصرانيين، وهذا لا يجوز، لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فلا يجوز أبداً زواج المسلمة من كافر.
فلو أن رجلاً كافراً تزوج بامرأة كافرة فأسلم هل يصير الولد له أم لها؟ له، ولكن إذا أسلمت المرأة فيخيّر الأولاد عند البلوغ بين الإسلام والكفر.
فهنا قال البيضاوي: الفطرة المذكورة في الحديث: هي السنة القديمة.
السنة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلّي فُطروا عليها، أي: خُلقوا عليها.
وقال الحافظ ابن حجر: المراد بالفطرة في حديث الباب: أن هذه الأشياء الخمس إذا فُعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، والتي من بينها الختان.
وقال الخطابي: هذه الخصال كلها من السنن إلا الختان، فقد اختلف أهل العلم في وجوبه من عدمه، أي: كلها سنن إلا الختان فقد اختلفوا فيه بين الوجوب والندب والاستحباب.
هذا هو الدليل الأول وكما ذكرنا أنه في الصحيحين، نرد به على من يقول: ليس في الصحيحين دليل يُفهم منه مشروعية الختان.
стр. 59
حديث التقاء الختانين
الدليل الثاني: قوله ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسل) والختانان: هما موضع القطع عند الذكر وعند الأنثى، لم يقل: إذا التقى ختان الرجل مع فرج المرأة فقد وجب الغسل، بل قال: (إذا التقى الختانان) دل على مشروعية الختان عند الرجل وعند المرأة على السواء، أما تقسيم الحديث بوجوب الختان للرجل، وأنه عادة سيئة قبيحة للنساء فهذا تقسيم بغير دليل؛ لأن معنى الختان لا يتم إلا بهذا؛ ولذلك ورد في صحيح مسلم: (إذا مس الختان الختان وجب الغسل).
يقول الإمام النووي وغيره من أهل العلم: المس ليس مقصوداً على حقيقته، وإنما المقصود به: ملاقاة الختان للختان ومحاذاة الختان للختان؛ لأن المس بإجماع أهل العلم لا يوجب الغسل، ولو أن رجلاً وامرأة تماسّا، بمعنى: أن الرجل مس ذكره فرج المرأة هل يجب عليه الغُسل؟ إجماع أهل العلم: أنه لا يجب غليه الغسل، ولا يجب الغسل إلا بتغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، أما المس من الخارج وإن كانا عريانين لا يوجب الغُسل، وهذا إجماع أهل العلم.
فقوله ﷺ : (وإذا مس الختان الختان) أي: إذا حاذى والتقى، يشهد له الحديث الثاني: (إذا التقى الختانان وجب الغُسل).
والمراد: ختان الرجل والمرأة على السواء؛ مما يدل على مشروعيته عند الإناث كما فهم ذلك أهل العلم كـ أحمد بن حنبل وغيره، ونقله عنهم ابن قدامة في كتاب المغني كتاب الطهارة، قال: فيه بيان أن النساء كن يختتن.
وهذا رد على من يقول: ليس هناك أحد من أهل العلم ولا من الفقهاء تكلم عن هذا،
و
الجواب
جميع الفقهاء تكلموا عن هذا.
стр. 60
حديث أم عطية الأنصارية في ختان الأنثى
الحديث الثالث: هو حديث في غاية الأهمية، حديث أم عطية الأنصارية، وكانت خاتنة بالمدينة، قال لها النبي ﵊ عندما قدم المدينة: (يا أم عطية! إذا خفضتِ فأشمي ولا تنهكي) ويقال لختان البنات: خفض، كما يقال لختان الذكور: إعذار، فالختان عند الذكور يسمى إعذاراً، وعند الإناث يسمى خفضاً؛ ولذلك يقال للخاتنة: خافضة، فقال النبي ﷺ : (يا أم عطية! إذا خفضتِ فأشمي) أي: خذي القدر الزائد فقط، قال لها: (ولا تنهكي) أي: ولا تستأصلي كل العضو.
ومن هنا تعرف أن الخطأ ليس في الشريعة، وإنما فيمن يطبّق الشريعة، وهذا ما قلته في بداية المحاضرة: أن الإسلام أُتي من قِبل أهله الجُهّال أو الذين يحسنون النية.
قال: (يا أم عطية! إذا خفضتِ) أي: إذا ختنتِ (فأشمي) والإشمام: هو أخذ القدر الزائد من العضو عند النساء.
ولذلك ترى بنات في سن السابعة والثامنة قد خرج العرف من فرجها وظهر وبدا للناظر، هذا القدر الزائد هو الذي أمر النبي ﵊ بأخذه وقطعه؛ لأنه يؤذي الزوج ويتأفف منه، وربما يكون سبباً لوقوع البغضاء والشحناء بين الزوجين، وسبب صرف الرجل عن امرأته والزهد فيها.
فقال لها: (فأشمي ولا تنهكي) أي: لا تستأصلي كل العضو؛ لأن إبقاء العضو على حاله رغم حاجته الماسة إلى أخذ الزائد منه ينفّر الزوج، ويجعل المرأة في حياة بئيسة في بيتها ومع زوجها، واستئصال العضو بالكامل يجعل المرأة مصابة بالبرود الجنسي الذي تكلمنا عنه، فلا تلتذ بمساس زوجها لها، وإبقاء هذا العضو بطوله وبالقدر الزائد يجعل المرأة تهيج، وتطلب الرجال في حل وحرمة، فبمجرد مساس ذلك العضو الزائد بالملابس يهيج الشهوة عند النساء، وناهيك عن هيجان البنت الجامعية التي حُرمت من الحجاب والنقاب، وسُنت لأجل انحرافها القوانين التي تحرم وتجرّم من يختنها، ومن يضبط لها شهوتها في منتصف الطريق بين الإفراط والتفريط، وكيف لو أن فتاة الجامعة هُيّجت من جهة ملابسها وهي تعيش بين ذئاب في صورة آدميين، ماذا تفعل هذه المرأة؟ وماذا سيكون موقفها من الشباب الخنع المقنّع المتسكّع على قارعة الطريق وعلى النوادي، وهي تأكل نفسها أكلاً بسبب هياجها وزيادة شهوتها؟ ونحن نعيش في بلاد حارة، وهذا أيضاً أحد العوامل التي تهيّج الشباب فضلاً عن التلفاز والمسرحيات والأفلام والسينمائيات والبث المباشر والفيديو والدش الذي ينقل إليك إذاعات العالم كله، وأنت بين أربعة جدر، ماذا سيكون موقف الشباب؟ وماذا سيكون موقف الفتيات؟ فلا بد من ضبط الشهوة عندهن، ولا يمكن ضبطها إلا من خلال دين الله ، فقال لها: (يا أم عطية! إذا خفضتِ فأشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه) يجعل في الوجه السرور والنضرة (وأحظى عند الزوج) أي: أن المرأة إذا كانت معتدلة في شهوتها فإن ذلك يكسبها نضرة وسروراً في وجهها يظهر على بدنها وعلى صحتها، كما أنه يكون أحظى وأكرم عند الزوج.
ولذلك بين الحين والحين نجد رجلاً يشكو من إقبال امرأته عليه جنسياً، ويقول: أنا أريد أن أُطلّق هذه المرأة؛ لأنها تحتاج إلى عملية الجماع في اليوم عدة مرات، فهي تكاد تهلكني، ويقول: من الخطورة بمكان أن أعيش مع هذه المرأة وهي مختتنة، فما بالك لو أنها لم تختتن، كيف تكون شهوتها؟ إن حديث أم عطية ﵂ وإن كان في سنده مقال -أي: ضعف- إلا أن له شواهد كثيرة من حديث أنس بن مالك، وحديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وشاهد آخر من حديث الضحاك بن قيس عند البيهقي في السنن؛ ولذا ذهب إلى تحسين هذا الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال شيخنا الألباني حفظه الله في كتاب السلسلة الصحيحة في الحديث رقم (٧٢٢) بعد أن أورد شواهد هذا الحديث: ومجيء الحديث من طرق متعددة ومخارج متباينة -أي: مختلفة- لا يبعد أن يعطي ذلك للحديث قوة يرتقي بها إلى درجة الحسن، بل إنه بهذه الطرق والشواهد حديث صحيح، والله أعلم.
стр. 61
مشروعية الختان واحتفاء السلف به
ثم قال الألباني حفظه الله: واعلم أن ختن النساء كان معروفاً عند السلف، خلافاً لما يظنه من لا علم عنده.
فإليك بعض الآثار في ذلك: عن الحسن البصري قال: دُعي عثمان بن أبي العاص إلى طعام فقيل: هل تدري ما هذا؟ قال: هذا ختان جارية.
أي: صُنع بسبب ختان جارية، أي: بنت، فقال عثمان بن أبي العاص: هذا شيء ما كنا نراه على عهد رسول الله ﷺ ، فأبى أن يأكل من هذا الطعام.
هذا النص بظاهره يفيد أن الختان بدعة، ولكن هذا اللغز يُحل عندما نعرف أن السلف كانوا يُظهرون ختان الذكور ويُخفون ختان الإناث.
ولذلك يقول أبو عبد الله بن الحاج في كتاب (المدخل): إن السنة إظهار ختان الذكر وإخفاء ختان الأنثى.
وقال الحافظ في كتاب النكاح في باب الوليمة: مشروعية الدعوة للختان.
قال: وهذا يصدّق ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة والبيهقي وابن أبي الدنيا في كتاب (العيال) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: (أن رسول الله ﷺ نحر عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام) (نحر) بمعنى: صنع وليمة وطعاماً، وختنهما لسبعة أيام.
قال الحافظ في الفتح: إن القلفة من المستقذرات عند العرب، أي: تلك الجلدة في ذكر الغلام من المستقذرات عند العرب، وقد كثر ذم الأقلف -أي: الذي لم يُختن- في أشعار العرب، وكان للختان عندهم قدر وقيمة وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك.
إذاً: تحوّل من كونه عادة إلى كونه عبادة؛ لأن الإسلام أقر ذلك.
وأخرج ابن أبي الدنيا الآثار الآتية: عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: (دخل عليّ خالد بن عبيد الله الملائي وقد ختنت، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة)، وهذا نص يدل على مشروعية الختان وقيام الحفلات له.
وعن نافع قال: كان ابن عمر يُطعم على الختان، أي: إذا ختن أولاده صنع وليمة، ونافع هو مولى ابن عمر وهو أروى الناس عن ابن عمر، ومعلوم أن من لازم أحداً فهو أدرى بأحواله، فـ نافع ينقل إلينا أن عبد الله بن عمر؛ وما أدراك من هو عبد الله بن عمر، وتمسكه بسنة النبي ﵊ في كل كبيرة وصغيرة، بل كذلك العادات كان يلتزم ما كان عليه النبي ﷺ ، فهنا نافع ينقل أن عبد الله بن عمر كان يُطعم على الختان.
وعن ابن سيرين قال: إن ابن عمر كان إذا سمع صوت دُف أنكر ذلك، فإذا قيل له: عرس أو ختان سكت، وهذا إقرار منه على مشروعية هذا الأمر والاحتفاء به.
وقال مكحول لـ نافع: أكان ابن عمر يجيب دعوة صاحب الختان إلى طعامه؟ قال: نعم.
وعن القاسم قال: أرسلت إليّ عائشة ﵂ بمائة درهم، فقالت: أطعم بها على ختان ابنك، أي: وكأنها أرسلت إليه بهذا المال مساعدة له على ختان ابنه في صنع الوليمة والعقيقة.
وعن ابن عباس ﵄ أنه ختن بنيه وأرسل عكرمة فجاءه بلعّابين فلعبوا وأعطاهم أربعة دراهم، أي: يأتي بأناس يلعبون كثيراً ويقيمون هذا الحفل.
وعن القاسم: أن وصياً أنفق على ختان (٥٠٠) دينار، والدينار عند العرب بمعنى: دينار الذهب، والدينار الذهب بـ (١٦٠) جنيهاً الآن، فهو مبلغ ضخم أنفقه على الختان.
وهذا خير ممن يزوّج ابنته بمليار دولار من بلاد العرب، والعرب كلهم جرب إلا من بر واتقى، وهذا بلاء عظيم، فإن هذه الأمة لا يمكن أن تنتصر إلا أن ترجع وتتوب وتبرأ إلى الله ﵎ من معاصيها، فهي سنن كونية وربانية، فالله ﵎ يجريها على أيدينا نحن؛ حتى يبيّن أننا نحن السبب فيما نحن فيه من ذلة وهوان على كل أمم الأرض؛ لأننا قد تخلينا عن أعظم دستور على الإطلاق وهو الكتاب والسنة.
وعن عبد الله بن يزيد أنه سئل عن واثلة بن الأسقع -وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق-: هل رأيته؟ أي: يا عبد الله بن يزيد! أرأيت واثلة بن الأسقع؟ قال: نعم.
كان في ختان ابنه حين صنع طعاماً، وكان يقول: كلوا واشربوا بارك الله فيكم.
وهكذا نجد السلف والخلف قد درجوا على إشهار هذه السنة المباركة، والاحتفاء بها إلى درجة الضرب بالدفوف وإطعام الطعام.
وأخرج البخاري في كتاب الأدب المفرد عن أم المهاجر قالت: سُبيت وجواري من الروم.
أي: أن المسلمين أخذونا سبياً في الحرب التي دارت بين المسلمين والروم، وكنت أنا من السبي
стр. 62
الختان ملة أبينا إبراهيم ﵇
رابعاً: أخرج البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه -لا يقال: لم يذكر مشروعية الختان في الصحيح، أو أنه لا يوجد حديث في الصحيحين- من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: (اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم).
قال يحيى بن سعيد الأنصاري راوي الحديث: القُدوم: هو الفأس، ولذلك هذا يرد تفسير من فسّر القدوم باسم الموضع في الشام، هناك قرية في الشام اسمها القدّوم بتشديد الدال، فقالوا: اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين بالقدّوم، والرواية بالتخفيف: بالقُدوم، والقُدوم: هو الفأس، وإذا كان الراوي هو الذي فسّر مروياته فهو أولى الناس بفهم هذا المروي، فإذا خالفه غيره لا يعتبر كلام الغير، ناهيك أن القدوم: اسم موضع أو اسم آلة، فالنص يقول: إن إبراهيم ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وهناك بعض الروايات: أن إبراهيم ﵇ هو أول من اختتن، وهناك روايات أخرى وردت في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل: أن آدم أول من خُتن، بل وردت بعض الروايات التي تقول: إن آدم نذر لله إن قبِل الله توبته ليستأصلن شيئاً من بدنه، فنزل جبريل ولفت نظره إلى قطع القلفة فقطعها.
لكن نحن لا نعتمد هذا الخبر ولا نعده أصلاً من الأصول، ولنكن مع الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في شأن إبراهيم ﵇.
وقد صح عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤].
صح عن ابن عباس أنه قال: هذه الكلمات خمس في البدن وخمس في الرأس، ابتلى الله ﵎ إبراهيم ﵇ -أي: اختبره وامتحنه- فيها، ومعنى (فأتمّهن): أتى بهن إبراهيم ﵇ على التمام والكمال، خمس في الرأس منها: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وحلق الشعر.
والتي في البدن منها: نتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والختان من ملة أبينا إبراهيم.
فإن قيل: هذا إبراهيم ﵇ قد أمره الله ﵎ بهذا ولم يأمرنا؟ ف
الجواب
أن الله ﵎ أمرنا، فقد قال النبي ﷺ : (خمس من الفطرة)، وقال: (يا أم عطية! أشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج).
وقال ﷺ حاكياً عن إبراهيم: (اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة).
يقول ابن عباس: هي خصال الفطرة ومنهن الختان، والابتلاء غالباً إنما يقع إذا كان الأمر واجباً، فدل على أن الختان واجب، وقد أقر الله نبيه محمداً ﷺ ، وأمره باتباع ملة إبراهيم ﵇، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النحل:١٢٣] الضمير عائد على النبي محمد ﷺ ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل:١٢٣] ومن ملة إبراهيم الختان، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وليس إبراهيم ﵇ أول من اختتن، بل قد وردت نصوص في الكتب السابقة تفيد أن أول من اختتن هو آدم ﵇، بل يدّعي الشعب اليهودي أن الله خصهم بميزة دون سائر الأمم وهي الختان، وأن الله قد أخذ عليهم العهد بذلك، فهو محفوظ بينهم وبين الله ﵎ أبد الآبدين، وعندهم ما يسمى بخرافة كرسي (النبي إلياهو) بمعنى: النبي (إيليا)، ومضمون هذه الخرافة عندهم: أنهم يقيمون حفلاً للمختون، فتوضع الكراسي للمدعوين، ويبقى كرسي في مكان مميز عال عن بقية الكراسي، هذا الكرسي فارغ تماماً ويحرم على أحد من المدعوين أن يجلس عليه، ويعتقدون أن النبي (إلياهو) ينزل فيجلس على هذا الكرسي، فيشهد حفل الختان، ولا يراه أحد من الحاضرين.
اليهود يفعلون هذا، ويعتقدون هذا فيما بينهم، ويدّعون أن الختانة عند المسلمين وحشية وعملية إجرامية ويجب محاربتها، في الوقت الذي يعتقدون فيه أن الأنبياء يحضرون حفل الختان، فيأمروننا نحن بعدم ختان الإناث؛ لأنها عملية وحشية، والوحشية كل الوحشية في ترك البنات عرضة للوقوع في الفواحش بسبب التهييج الذي تقدم ذكره.
ويذكر التاريخ أنه حينما ظهر اليونان على اليهود جعل اليونان عقوبة من قام بإجراء عملية الختان الإعدام، وكان هذا قبل ميلاد المسيح ﵇، فقد كان اليهود واليونانيون قوتين عظيمتين، ودارت الحروب الكثيرة بينهما، وسبب هذه الحروب هو الختان، وهم الآن يحاربوننا في الختان، لكن بشكل آخر، وطالما هم وجدوا أبواقاً منا فلماذا يحاربوننا بالسيف؟ فقد علموا على مر التاريخ أن السيف لا يجدي معنا، وأننا أمة مجاهدة نحظى بإحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر، فلجئوا إلى أسلوب آخر من أساليبهم الخبيثة، وهي تربية أبناء منا ليتكلموا باسم الإسلام يهدمون بهم
стр. 63
الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء
خامساً: قوله ﷺ : (الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء).
أي: يسبب الحظوة للنساء عند الأزواج، أي: تكون للمرأة كرامة وحظوة عند زوجها، فمن بركات الختان أن يقبلها زوجها.
قال: (والختان سنة للرجال) وقوله: (سنة) ليس المقصود بها: التي تقابل الواجب عند الأصوليين، بل يقصد بها السبيل والطريق والهدي الذي عليه النبي ﷺ ، وقد ادعى قوم أن ذكر الختان مع بقية المسنونات يدل على أنه سنة، كما في حديث: خمس من الفطرة، وقد ذكرنا أن الخطابي يقول: وكلها مسنونة إلا الختان، فإنه واجب عند كثير من أهل العلم.
فقال ابن القيم: دلالة الاقتران -أي: اقتران الختان بغيره من سنن الفطرة- لا تقوى على معارضة أدلة الوجوب التي اختص بها الختان دون سائر سنن الفطرة، ثم إن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والاستنشاق والاستنجاء، ومنها ما هو مستحب كالسواك، وأما تقليم الأظفار فإن الظفر إذا طال جداً بحيث يجتمع تحته الوسخ وجب تقليمه لصحة الطهارة، وأما قص الشارب فالدليل يقتضي وجوبه إذا طال، وهذا الذي يتعين القول به لأمر رسول الله ﷺ ، ولقوله: (من لم يأخذ شاربه فليس منا) من حديث البراء بن عازب عند أحمد والترمذي والنسائي بإسناد جيد، أي: فليس على سنتنا ومنهجنا وطريقتنا وشريعتنا.
وهذا يدل على أن السنة: هي الطريقة والشريعة والمنهاج والسبيل، لا السنة الاصطلاحية التي تقابل الواجب عند الأصوليين، فقوله: سننت لك كذا، أي: شرعت، فقوله: (الختان سنة للرجال) أي: مشروع لهم، لا أنه ندب غير واجب، فالسنة هي الطريقة المتبعة وجوباً واستحباباً؛ لقوله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني)، وقوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي).
وقول ابن عباس ﵄: (من خالف السنة كفر) فليس المقصود: السنة التي تؤديها أنت بعد صلاة المغرب، أو بعد العشاء، أو بعد الظهر، إنما يقصد بها: الهدي والطريق والسبيل، وتخصيص السنة بما يجوز تركه اصطلاح حالي، وإلا فالسنة هي ما سنة رسول الله ﷺ لأمته من واجب ومستحب ومندوب.
ولذا نرى أن بعض الأئمة -كـ الشافعي مثلاً- يستعمل الكراهة بمعنى التحريم، كما أن بعض أهل العلم استخدموا لفظ السنة في الشرعة والمنهاج والسبيل والطريق، وللشافعي ﵀ في ذلك دليل من كتاب الله في أوائل سورة الإسراء، حينما عد الله ﵎ الشرك والقتل وأكل مال اليتيم وغير ذلك، ثم قال: في آخر الآيات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] هل الشرك مكروه؟ قتل النفس بغير حق مكروه؟ أكل مال اليتيم مكروه؟ أبداً بل ذلك حرام أشد الحرمة، ومع هذا عبر عنه بالمكروه، أي: مبغّض عند الله ﵎.
فقول النبي ﵊: (الختان سنة للرجال) أي: شريعة ومنهاج وسبيل وهدي (مكرمة للنساء).
هذا الحديث أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني والبغوي من حديث شداد بن أوس مرفوعاً بسند ضعيف، والمعنى صحيح، وإن كان الحافظ ابن حجر في الفتح أشار إلى تحسينه بشواهده، وكذا في التلخيص، ورجّح البيهقي وقفه على ابن عباس من قوله.
стр. 64
مشروعية الختان في الكبر
سادساً: أخرج البخاري في كتاب الاستئذان: (باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط).
عن ابن عباس (سُئِل: مثل من أنت حين قُبض رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا يومئذ مختون)، فلو لم يكن الختان معروفاً عند العرب وعند المسلمين وعند الأوائل وفي القرون الخيرية لما قال ابن عباس: أنا يومئذ مختون.
قال: (وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك)، أي: حتى يبلغ.
وقد ورد أن إبراهيم ﵇ ختن ولده إسماعيل ﵇ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام، هذا الأثر والحديث أخرجه البيهقي وغيره.
وهذا يدل على أن وقت الختان ثلاثة: وقت اختيار، ووقت استحباب، ووقت وجوب.
فوقت الاختيار أول يوم من الولادة، فلو أن المولّدة أو الطبيبة ختنت الولد مع ولادته جاز هذا وإن كان بعض أهل العلم -وخاصة الأطباء- بيّنوا خطورة هذا الأمر؛ لأن الجلطات لم تتكون بعد عند المولود، ولا يتكون الدم الذي يُجلّط ويسد هذه الشعيرات إلا بعد أسبوع من الولادة، ولذلك قالوا: وقت الاستحباب هو وقت السابع، وقد ختن إبراهيم ولده في اليوم السابع.
وأما ابن عباس وإسماعيل ﵇ فقد خُتنا في سن الثالثة عشرة، وهذا وقت الوجوب، مع جواز ختان الكبير إن قوي على ذلك وقدر عليه، كما في حديث أم المهاجر، وأي: إنسان دخل في الإسلام ولم يكن قد خُتن فإن قدر على الختان وجب عليه، وإن لم يقدر عليه فليس إلى ختانه من سبيل ولا بأس بتركه؛ لأن أهل العلم بوّبوا باباً لمسقطات الختان.
قالوا: لا تحتاج المرأة إلى ختان لكونها عليلة أي: فيها علة، فلو خُتنت ماتت.
قالوا: وربما تكون البنت في بلاد باردة فلا تحتاج إلى ختان بخلاف البلاد الحارة فإنها في الغالب تحتاج إلى ختان، وقالوا: ربما تكون البنت هزيلة البدن، ويكون عضوها صغيراً فلا يحتاج إلى الأخذ منه؛ لأنه ليس فيه زيادة؛ ولذلك سألت بعض الطبيبات وبعض الأطباء، بل قد سألت بعض الأطباء النصارى: هل يحتاج كل مخلوق إلى الختان؟ قالوا: لا، فمن البنات من تحتاج، ومنهن من لا تحتاج، وأيضاً في مصر هذا باعتبار الحر؛ لأن الأمر يختلف من طبيعة البنت عن طبيعة بنت أخرى، وقد ذهبت عدة مرات مع بعض أصدقائي لختان بناتهم، فقالت الطبيبة: هذه تختن وهذه لا تُختن، وقد اختارت إحدى الطبيبات ذات مرة الصغرى للختان، والكبرى قالت: لا تحتاج إلى ختان، والإسلام لم يأمر بختان جميع البنات وإنما بختان من تحتاج إلى ختان، هذا يُفهم من قوله ﷺ : (أشمي ولا تنهكي) أي: خذي القدر الزائد، فإذا لم يكن هناك قدر زائد فلا يستحب أخذ القدر الموجود، وإلا أدى إلى المفاسد التي ذكرناها.
وكان ابن عباس يشدد في وجوب الختان فيقول: الأقلف -أي: الرجل الذي لم يُختن- لا تجوز شهادته، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تُقبل صلاته.
وسُئل الحسن البصري عن الغلام يُختن يوم سابعه، فكرهه خلافاً لليهود، أي: أن اليهود يختنون أبناءهم في السن السابعة، فيكون الختان في أي يوم غير اليوم السابع مخالفة لليهود، ولكن النص يرد عليه.
وسُئل زيد بن أسلم عن خفض الجارية: إلى متى يؤخر؟ قال: إلى ثمان سنين.
لأن هذا الجزء وهذا العضو في البنت أو في الجارية لا يظهر طوله ونموه إلا في سن متأخرة مثل (٨) أو (١٠) أو (١٢)؛ ولذلك يستحب للرجل أن يعرض ابنته على طبيبة في سن السابعة أو الثامنة، فإذا قررت الطبيبة أنها لا تحتاج إلى ختان يعرضها على الطبيبة في سن العاشرة من عمرها، وفي سن الثانية عشرة، وقد حدثتني طبيبة أنها أجرت عملية الختان لامرأة مع الولادة، أي: أن المرأة قد تزوجت، فالدكتورة رأت هذا العضو طويلاً فأجرت عملية الولادة مع عملية الختان في وقت واحد، وهو ألم واحد.
فالشاهد من هذا أن المرأة لا تُختن إلا إذا احتاجت إلى الختان.
стр. 65
حشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً
سابعاً: أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلاً يوم القيامة) والأغرل: هو الأقلف التي لم تُقطع غُرلته أو قلفته أو جلدته.
وعندهما برواية أخرى: (يا أيها الناس! إنكم تُحشرون إلى الله حفاة عراة غُرلاً: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]) وذكر الحديث.
وعند مسلم من حديث عائشة بنحوه.
قال النووي ﵀: الغرل -بضم الغين وإسكان الراء- معناه: غير مختونين، جمع أغرل، وهو الذي لم يُختن وبقيت معه غرلته وهي قلفته، وهي الجلدة التي لم تُقطع في الختان.
والمقصود: أنهم يُحشرون كما خُلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء، أي: أنه ليس لهم زيادة ولا نقصان، حتى الغرلة تكون معه.
قال ابن القيم ﵀ ليرد شبهة من قال: الله خلقه بغرلة فلماذا قطعتها؟ قال ابن القيم: إنما شُرع الختان في الدنيا لتكميل الطهارة والتنزّه من البول، وأهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون.
إذاً: هناك ضرورة في الدنيا ليست في الآخرة.
إذاً: قطعت القلفة للضرورة فضلاً عن ورود النص؛ ولعدم احتباس البول والمني في القلفة وفي فرج المرأة، فليس هناك نجاسة تُصيب الغرلة فيحتاج إلى التحرج منها، كما أن القلفة لا تمنع لذة الجماع، هذا إن قُدّر استمرارهم على الحالة التي هم عليها، فلا يبعد أن يتغير داخل الجنة على غير هذه الهيئة التي نعلمها، والعلم عند الله ﵎.
стр. 66
أحاديث الختان وعمومها للرجال والنساء
ثامناً: إن هذه الأحاديث الواردة في الختان ثبت بها أن الختان من سنن الفطرة والدين وأصل الخلقة، ولا يجوز ادعاء أن هذه الأدلة خاص بالرجال دون النساء؛ لأن هذا تخصيص للأدلة دون مخصص، والعام يبقى على عمومه ما لم يرد له مخصص كما هو معروف عند الأصوليين، ولا مخصص لهذه الأحاديث والأدلة؛ فتبقى على عمومها لتشمل الذكور والإناث جميعاً، بل قد خُص ختان الإناث بحديث أم عطية.
стр. 67
الختان عند الفقهاء
تاسعاً: الختان عند الفقهاء: أجابت دار الإفتاء المصرية سنة ١٩٥٠م على لسان العلامة علام نصار بيك مفتي الديار آنذاك قائلاً: إن ختان الأنثى من شعائر الإسلام، لا يجوز لأهل بلد الاجتماع على خلافه، وإلا وجب على الحاكم أن يحاربهم، وقد وردت به السنة النبوية واتفقت كلمة المسلمين وأئمتهم على مشروعيتها، مع اختلافهم في كونه واجباً أو سنة.
والحكمة في مشروعيته ما فيه من توطيد الميل الجنسي في المرأة، والاتجاه به إلى الاعتدال الممدوح والمحمود.
أرأيتم الحكمة! توطيد الشهوة وجعلها بين الإفراط والتفريط، وخير الأمور أوسطها.
قال فضيلة الأستاذ محمد إبراهيم سالم بيك رئيس المحكمة الشرعية العليا: ختان البنات عادة قديمة جاء الإسلام فأقرها؛ لما فيها من المصلحة والخير للمرأة نفسها وللمجتمع، وجعل ختان البنات مكرمة مستحبة، فهو مندوب ومن الخير فعله كما قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧].
وقد أجمع الفقهاء على استحسان ختان البنات؛ لما فيه من الحفظ والصيانة من التعرض للالتهابات العضوية والتضخم في أجهزة التناسل الظاهرية والانفعالات النفسية، وإثارة الغرائز الجنسية التي تؤدي إلى الاضطراب العصبي في حالة كبتها، أو إلى السقوط في مهاوي الرذيلة إذا أُطلقت من عقالها، وخاصة في سن الشباب ونشاط الغدة التناسلية.
وحين كان الختان الشرعي هو إزالة الجزء البارز من البذر المرتفع عن البشرة؛ لينخفض إلى مستواها حتى لا يكون عرضة للتهييج من الحركة أو الملابس أو الركوب، حين كان الختان على هذا النحو من الاعتدال دون إفراط أو تفريط؛ فإنه يُكسب المختونة صحة في الجسم وجمالاً في الأنوثة، وصيانة في الخلق، ومناعة في العفّة والشرف، مع الإبقاء على الحساسية الجنسية بالقدر المناسب الذي لا شطط فيه.
وبهذا يتضح أنه لا وجه لاعتراض بعض الأطباء في ختان البنات بالطريقة الشرعية، ولا مبرر لاقتراحهم منعه منعاً مطلقاً، ولعل اعتراضهم منصب على ما تخيلوه من أن ختان البنات يجري كله على طريقة الجهلة من أهل الريف، أو بالطريقة الوحشية المتّبعة في السودان.
انتهت الفتوى للأستاذ محمد إبراهيم سالم.
وقال فضيلة الأستاذ محمد اللبان بعد أن ساق الأدلة في مذاهب الفقهاء: من هذا نرى أن الحكم بتعاليه عن الاستحباب -أي: الختان أعلى من كونه مستحباً- وتنزله عن الوجوب يفيد السنة المؤكدة -أي: أنه ذهب إلى أن الختان سنة مؤكدة- والسنة بمعنى الطريقة والمنهج، وهذا أصل من الأصول أخذ به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأن الترك لا يكون إلا لعارض -أي: جواز ترك الختان لا يكون إلا لعلة- كمرض أو ظواهر كونية، كالمناطق الباردة والمناطق الحارة.
ثم يقول: كما أن الإشمام للنساء -أي: أخذ القدر الزائد- فيه إزالة لذلك الزائد الذي يمنع من نقاء دماء الحيض والبول، ولا تصل به المياه المطهّرة إلى الداخل، فتبقى رواسب وبقايا دماء الحيض والبول على جوانبه، مما يؤدي إلى الصنان وهي الرائحة الكريهة المنتنة، ويفسد بتكون البقايا نشاط دورة الشعيرات الدموية.
وبهذا قال أيضاً فضيلة الأستاذ القاضي الشرعي محمود عرنوس رئيس التفتيش الشرعي الأسبق، وفضيلة الأستاذ الدكتور زكريا البري ﵀ أستاذ رئيس قسم الشريعة في كلية الحقوق جامعة القاهرة سابقاً، ووزير الأوقاف الأسبق، وكذا الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العدوي الأستاذ في كلية الدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف سابقاً.
стр. 68
الختان عند الأئمة الأربعة
عاشراً: لو نظرنا إلى حكم الختان عند الأئمة -أي: الأئمة الأربعة لوجدنا أن الإمام الشافعي وربيعة الرأي والأوزاعي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد قالوا: هو واجب، وشدد فيه مالك حتى قال: من لم يُختتن لم تجز إمامته ولم تُقبل شهادته.
ولكن الإمام مالك قال: الختان سنة ولم يقل: واجب، لكن بمعنى الشريعة والمنهاج.
قال: ونقل كثير من الفقهاء عن مالك سنة، حتى قال القاضي عياض: الاختتان عند مالك وعامة العلماء سنة، ولكن السنة عندهم يأثم تاركها، فهم يطلقونها على مرتبة بين الفرض والندب.
وقال الحسن البصري وأبو حنيفة: لا يجب، بل هو سنة.
وفي فقه الإمام أبي حنيفة أن الختان للرجال سنة وهو من الفطرة، وهو للنساء مكرمة، فلو اجتمع أهل مصر أي بلد على ترك الختان قاتلهم الإمام؛ لأنه من شعائر الإسلام وخصائصه، والمشهور في فقه الإمام مالك في حكم الختان للرجال والختان للنساء كالحكم في فقه الإمام أبي حنيفة، وأما فقه الإمام الشافعي فالختان واجب على الرجال والنساء.
بعد هذا الخلاف كله هل يقال: إن الفقهاء لم يتعرضوا للختان ولم يقولوا فيه قولهم؟! بل تكلموا فيه.
وعند أحمد بن حنبل: إن الختان واجب على الرجال ومكرمة في حق النساء، وليس بواجب عليهن؛ لأنه ليس بواجب إلا إذا احتاجت المرأة إلى ذلك، وفي رواية أخرى عنه: أنه واجب على الرجال والنساء كمذهب الإمام الشافعي.
وخلاصة هذه الأقوال: أن الفقهاء اتفقوا على أن الختان في حق الرجال والخفاض في حق الإناث مشروع، أي: أنهم اتفقوا على مشروعية الختان في حق الرجال وفي حق النساء على السواء، وكل ما هنالك أنهم اختلفوا في الوجوب أو الندب والاستحباب، ولم يقل منهم أحد: عادة سيئة قبيحة يجب محاربتها، ولم يؤلبوا الحُكام على سن القوانين التي تجرّم وتحذّر الأطباء والطبيبات من إجراء عملية الختان، حتى صار الواحد والواحدة سؤاله: أنا أريد أن أختن ابني أو ابنتي، ماذا أعمل؟ أنا خائف، والطبيب خائف، والمستشفى لا يقبل هذا! أقول: يكفيك دعوة الطبيبة في بيتك، وإجراء هذه العملية في بيتك لا إله إلا الله! يعبد ربه في بيته خفية وخلسة، فتأتي بالطبيبة عندك في البيت، واجعلها تجري هذه العملية ولا داعي أن يشعر بذلك أحد.
وانظر -يا أخي-! إلى فتوى الشيخ جاد الحق ﵀ ﵎، أليس هذا من مشايخ الأزهر المعتمدين والمعتبرين؟! لكي لا نعترض ونرد نحن على شيخ الأزهر الموجود، فهذا المفتي هو الذي يرد عليه، وشيخ الأزهر السابق هو الذي يرد عليه، لا يذهب يوم إلا والذي بعده شر منه.
يقول الشيخ جاد الحق: وأميل إلى تفسيرها بما فسرها الشوكاني -أي: عملية الختان- بأنها السنة التي هي طريقة الإسلام، ومن شعائره وخصائصه كما جاء في فقه الحنفيين، وليس المراد: السنة الاصطلاحية كما تقدم آنفاً، ويؤيد هذا ما ذهب إليه الفقه الشافعي والحنبلي ومقتضى قول شيخ من المالكية من أن الختان واجب على الرجال والنساء، وهو مقتضى قول الحنفية: أنه لو اجتمع أهل بلدة على ترك الختان حاربهم الإمام كما لو تركوا الإمام، وهذا ما أميل إليه في الفتوى به.
وإذ قد استبان مما تقدم أن ختان البنات -موضوع هذا البحث- من فطرة الإسلام وطريقته على الوجه الذي بينه رسول الله ﷺ ، فإنه لا يصح أن يترك توجيهه وتعليمه إلى قول غيره، أي: لا يصح أن يدع قول الرسول إلى قول طبيب جاهل، أو معاند عدو كاشح.
قال: ولو كان طبيباً حاذقاً ماهراً؛ لأن الطب علم والعلم متطور.
وهذا الكلام جميل جداً، وتحته شرح كبير جداً أختصره.
يقول الشيخ: لا يجوز خضع الشرع للعلم؛ لأنك لو أخضعت الشرع للعلم فإنك تقول: أرأيت الآية الفلانية يؤيدها ويثبتها النظرية العلمية الفلانية، فحينما تتكلم عن الشمس والقمر يدوران أو لا يدوران؟ تقول: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، هل الأرض كروية أم غير كروية؟ ثم تذهب إلى أن الأرض كروية، وتستشهد بآيات من الكتاب والسنة على صحة هذه النظرية العلمية، وبعد عشر سنين بالضبط يثبت فشل هذه النظرية العلمية، إذاً: أنت أثبت فشل الآية مع النظرية.
نقول: إن كتاب الله ﵎ هو كتاب إيمان وشرع وأحكام وحلال وحرام ووعظ وقصص وكتاب علم، لكن لا يجوز أبداً أن تخضع كتاب الله للنظريات العقلية القاصرة؛ لأنك لو أثبت وربطت بين الاثنين ربطاً مؤكداً فمع فشل هذه النظرية العلمية تستحي، أو يلزمك أن ترد الآية، أو يشك ضعاف الإيمان وضعاف العلم والجهلة في الآية نفسها.
ثم يقول الشيخ جاد الحق: وفي ختام هذا البحث وفي شأن ال
стр. 69
مقتطفات من حكمة الختان وفوائده لابن القيم
الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب (تحفة الودود بأحكام المولود) ذكر تحت باب الختان أربعة عشر فصلاً، سأذكر لك مقتطفات من فصل بعنوان: (حكمة الختان وفوائده).
قال الإمام: الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله ﵎ لعباده، وكمّل بها محاسنهم الظاهرة والباطنة، فهو مكمل للفطرة التي فطرهم عليها؛ ولهذا كان من تمام الحنيفبة ملة إبراهيم، وأصل مشروعية الختان لتكميل الحنيفية، فإن الله حينما عاهد إبراهيم وعده أن يجعله للناس إماماً، ووعده أن يكون أباً لشعوب كثيرة، وأن يكون الأنبياء والملوك من صلبه، وأن يكثر نسله، وأخبره أنه جاعل بينه وبين نسله علامة العهد أن يختنوا كل مولود منهم، ويكون عهدي هذا ميسماً في أجسادهم -أي: علامة وأمارة- فالختان علم للدخول في ملة إبراهيم، وهذا موافق لتأويل من تأول قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]: أنها الختان.
فالختان للحنفاء بمنزلة الصبغ والتعميد لعبّاد الصليب، فهم يطهرون أولادهم بزعمهم حين يصبغونهم في ماء معمودية ويقولون: الآن صار نصرانياً، فشرع الله للحنفاء صبغة الحنيفية، وجعل ميسمها الختان فقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] فجعل الله سبحانه الختان علماً وأمارة لمن يضاف إليه وإلى دينه وملته، وينسب إليه بنسبة العبودية والحنيفية، حتى إذا جُهلت حال إنسان في دينه عُرف بسمة الختان ودينه، وكانت العرب تدعى بأمة الختان؛ ولهذا جاء في حديث هرقل الذي أخرجه البخاري في صحيحه قال: إني أجد ملك الختان قد ظهر، أو مُلك الختان قد ظهر على روايتين، فقال له أصحابه: لا يهمنك.
هذا فإنما تختتن اليهود فاقتلهم، فبينما هم على ذلك وإذا برسول رسول الله ﷺ قد جاء بكتابه -أي: إلى هرقل عظيم الروم- فأمر به أن يُكشف ويُنظر: هل هو مختون أم لا؟ فوجد مختوناً، فلما أخبره أن العرب تختتن قال: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.
ولما كانت وقعة أجنادين بين المسلمين والروم جعل هشام بن العاص يقول: يا معشر المسلمين! إن هؤلاء القلف -أي: الذين لم يختنوا وهم الروم- لا صبر لهم على السيف: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤].
ليس هناك شعوب أجبن من شعوب اليهود والنصارى، تصور أن الواحد منهم يكون مدججاً بالسلاح وبالآربيجي ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه، وقد حدثني أخ كريم من الذين ذهبوا إلى أفغانستان أراد أن يتسلق سوراً لجيش سوفيتي فقال له إخوانه: لا تذهب.
قال: لا بد أني فاعل.
قالوا: اذهب وقلوبنا معك.
قال: فبمجرد أن قفزت على السور وأتيت على خيام معسكر العدو السوفيتي قلت: بخ.
فترك الجميع أسلحتهم وخرجوا من الخيام رافعين الأيدي، فسقتهم أمام الجميع وكانوا (٣١٧) جندياً إلى أرض أفغانستان، (٣١٧) جندي بـ (بخ)! فهم يعرفون أنه لا شيء بعد القتل سوى النار، فهم من غير عقيدة، وهناك أناس يذهبون من هنا لأجل الشهادة، تصور أن واحداً يذهب من أجل أن يموت من ماذا يخاف وقد أتى من أجل الموت؟ ولذلك المسلم له هدف، وهذه سنن، والشهادة رزق من الله ، وينبغي الإيمان والصبر والتسليم بذلك، فمن الممكن أن عدم الشهادة خير لك، فأنت لا تدري أين الخير؟ فقد تكون الحياة خير لك؛ ولذلك النبي ﷺ كان في دعائه يقول: (اللهم أحينا إذا كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا).
والمقصود: أن صبغة الله هي الحنيفية التي صبغت القلوب بمعرفته ومحبته والإخلاص له وعبادته وحده لا شريك له، وصبغت الأبدان بخصال الفطرة من الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، والاستنجاء، فظهرت فطرة الله على قلوب الحنفاء وأبدانهم في وقت واحد.
قال محمد بن جرير قي قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٨] يعني بالصبغة: صبغة الإسلام، وذلك أن النصارى إذا أرادت أن تنصّر أطفالها جعلتهم في أبوالهم، وتزعم أن ذلك مما يقدس بمنزلة الختان لأهل الإسلام -لا بأس! فالأصل فيهم النجاسة، أما نحن فالأصل فينا الطهارة- وأنه صبغة لهم في النصرانية، فقال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ حينما قال اليهود والنصارى: ((كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)): ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] إلى قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨].
قال قتادة: إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة
стр. 70
الدفاع عن الله ورسوله وشرعه - الرد على جمال البنا
لم يسلم ديننا الإسلامي من الاعتداءات والانتقاصات والذم والقدح من قبل أعدائه في الداخل والخارج، وأعداء الإسلام من أبناء جلدتنا أشد خطراً وأكثر ضرراً من أعدائنا اليهود والنصارى وغيرهما، وجمال البنا أحد هؤلاء المارقين الذين سخروا كتبهم للطعن في أحكام الشريعة وإنكار دلالات السنة النبوية.
стр. 71
موقف أعداء الإسلام تجاه الإسلام
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: فما زال الكلام موصولاً عن الدفاع عن الله وعن الرسول الكريم ﷺ ، وعن العقيدة والشريعة في آن واحد.
وإن الناظر اليوم إلى حال المسلمين شرقاً وغرباً في أنحاء الأرض لا بد أن نظره سيرتد إليه بنتيجة واحدة، وهي أن المسلمين يقتلون بأيدي أعدائهم وربما بأيدي بعضهم، فهذه روسيا قامت قومة رجل واحد على إخوانكم في الشيشان فقتلوهم وذبحوهم وأحرقوهم حتى جعلوهم رماداً، وقتلوا النساء والأطفال الأبرياء، وشقوا وبقروا بطون النساء، وقتلوا الأجنة في بطون أمهاتهم.
في هذا الوقت لو أنك نظرت إلى ما تفعله أمريكا بالعالم لوجدت أن أمريكا أذكى بكثير من روسيا، فروسيا أدخلت نفسها في هوة سحيقة، ربما لا تستطيع أن تخرج منها مع مرور الوقت، فإن المسلمين رجعوا إلى ربهم ودينهم، أما أمريكا فهي دخلت كل بيت، وأفسدت كل عقل، وأفسدت عقيدة المسلمين بنهج لا يمكن لأحد قط أن يعترض عليه، وهذا ما قد تنبهوا له قديماً: أن حرب المسلمين وقتال المسلمين أمر لا يكاد يجدي ولا ينفع، فاستمالوا المسلمين بالنساء تارة، وبفساد الفكر تارة أخرى، وبالتطبيع ثالثة، وغير ذلك من هذه الأسلحة التي يسمونها أسلحة هادئة، وقد نفعت معهم هذه الأسلحة.
ليس هذا هو المهم؛ لأن الحرب إنما أتت من خارج بلاد المسلمين، أتت من الكافرين الذين لا خلاف على كفرهم، ولكن الخلاف أن تبتلى بلاد المسلمين بآحاد أبنائها، وأن تبتلى الشريعة بمن ينسب إليها، وأن تبتلى العقيدة بمن يطعن فيها من بني جلدتها.
واليوم نعيش مع أحد هؤلاء، لا أقول: الجهلة المتعالمين، ولكني أقول: مع أحد الملاحدة المفسدين الذي هو أيد سمينة وغنيمة باردة لليهود، فوالله لا تحلم اليهود أن تفعل في بلاد المسلمين في عقيدتهم وشريعتهم ما يفعله جمال البنا الشقيق الأصغر للشيخ المجاهد الداعية المصلح حسن البنا ﵀، الذي قضى حياته دعوة وإصلاحاً وجهاداً هنا وهناك لأجل رفع راية التوحيد، ورفع راية نصرة الإسلام على ضعف ينصره الله ، وهذا شأن البشر جميعاً، لا يخلو جهد بشري من نقص وعيب، والحال كما ذكرنا.
стр. 72
موقف جمال البنا من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة
ولكن جمال البنا نهج نهجاً لم يراع فيه عقيدة ولا شريعة، ولا حتى راعى فيه الأخوة الإيمانية لأخيه حسن البنا، وإنما تبرأ من هذه الأخوة بقوله: إنه قد ربطني بأخي حسن البنا رابطة عضوية.
وهو يدري ما يقول، والرابطة العضوية إنما هي رابطة الدم والنسب، لا رابطة الإيمان والعقيدة والأخوة الإيمانية، فلم يقل: تربطني به عقيدة أو نهج أو فكر أو غير ذلك، وإنما قال: تربطني به رابطة عضوية، فهو من أول الأمر قد تبرأ مما عليه أخوه، وتبرأ من كل جماعة ودعوة على الساحة، حتى تبرأ من الصحابة ﵃، وتبرأ من التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فكان هذا الرجل صريحاً جداً مع نفسه، ومع الناس، وقد رد عليه علماء الأزهر ظناً منهم أنه جاهل، وفي كل رد يعقب عليه ويقول: أتدرون أني لم أقرأ ردودكم هذه؟! إنما قرأتها قبل أن يلتقي آباؤكم بأمهاتكم.
كبر وعنجهية وغطرسة، بل -والله- إلحاد وزندقة وإفساد في الأرض، يقول: أتظنون أني لا أعلم تعقيبكم هذا أو ردكم علي؟ لا والله، أنا أعلمه، وقد قرأته وعندي من الكتب والمكتبات ما ليس عند واحد فيكم ولا حتى في المكتبات العامة.
هذا الرجل ليس نكرة في المجتمع حتى أذكره أنا على المنبر، وإنما قد صنف أكثر من عشرين كتاباً يحارب فيها دين الله ، ولكن يبدو أن الوقت لا يسمح له بالطعن في القرآن الكريم، وإنما طعن في السنة النبوية فقال: السنة التي يقال: إنها نبوية -انظروا إلى هذا اللمز والغمز- تحتاج إلى إعادة نظر، والفقه لا بد أن يجمع عن بكرة أبيه ويحرق، ونحن في أمس الحاجة لفقه جديد، حتى قال: إني نظرت في كتب الفقه فوجدت أن معظم هذه الكتب تتكلم عن العبادات مما يؤدي في نهاية الأمر إلى توثين الصلاة! أي: جعل الصلاة وثناً.
تصوروا أن رجلاً اسمه جمال -بل هو إلى القبح والفساد والزندقة والإلحاد أقرب- جعل الفقهاء القدامى وثناً يعبد، فهو آلمه جداً أن الفقهاء توسعوا في الكلام عن العبادات، وأخذ للعبادات رمزاً وهو الصلاة، وقال: جعلوها وثناً.
أمر عجيب جداً! والأعجب منه أن ينبري علماء الأزهر للرد عليه، ظناً منهم أنه جاهل، على أية حال: جهد مشروع، وعمل مبذول لرد هؤلاء الملاحدة إلى الإسلام مرة أخرى، ولكن هيهات هيهات! الهداية بيد الله ، ففي صفحات الجرائد والمجلات والصحف الرد عليه، بل صنف بعضهم كتباً للرد عليه.
لم كل هذا الجهد؟ هل أنتم تفرغتم تماماً لهؤلاء الملاحدة؟ عندنا دعوة عظيمة وطويلة وعريضة، عندنا شباب هو أحق بهذا الجهد، بأن يبذل لهم لتربيتهم والأخذ بنواصيهم إلى الله ، حتى لا يجتمع المسلمون شرقاً وغرباً للرد على كلب من كلاب اليهود والنصارى اسمه جمال البنا.
стр. 73
موقف جمال البنا من الغيب وتفاسير القرآن والسنة النبوية
جمال البنا أنكر جميع المعلوم من الدين بالضرورة، وأول شيء أنكره الغيب، ثم قال: التفاسير كلها كلام فارغ، ورد عليه الدكتور المطعني حفظه الله، وقال: يا جمال! أين الكلام المليان؟ هل ننتظره منك؟ وهل نترك فقهاءنا وأئمتنا القدامى وسلفنا الصالح ونمشي خلفك؟ جمال البنا ينكر تماماً اتباع المسلمين لنبيهم ﵊، ويقول: وما يدرينا أن السنة قد ثبتت؟! هذا حرب للأصول؛ كان علماؤنا يردون على المعتزلة في إنكارهم حجية حديث الآحاد في العقيدة، أما الآن فلا أحاد ولا متواتر، ولا قرآن ولا سنة، فهذا أمر عجيب وخطير جداً، وإنني تكلمت مراراً عن حجية السنة وأنها من حيث الحجية هي والقرآن سواء بسواء، وإن الله ﵎ نفى الإيمان عمن لم يحتكم إلى الله ورسوله في الوقت نفسه، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] أي: يا محمد.
﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فهذه كلها شروط لأصل الإيمان، أن تلجأ إلى الله في كتابه، وأن تلجأ إلى الرسول ﷺ في حياته، أو إلى سنته بعد مماته، وإن إثبات السنة من عدمها له علماء وله محدثون قد وضعوا القواعد الأصيلة المتينة، وغربلوا السنة حتى لم يبق حديث قاله أو لم يقله النبي ﵊، أو فيه علة من العلل إلا ميزوه وحيزوه وجعلوا السنة الصحيحة في جانب، والضعيف منها في جانب آخر.
فماذا يبقى لـ جمال البنا أن ينكر أو لغيره والأمر كما قال الله؟! وفي الأمة ألف جمال البنا وأكثر، والأمر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠]، فهم والله أبقار، بل الأبقار أعظم منهم نفعاً على الأقل، فإن النبي ﵊ قال: (اشربوا ألبان البقر؛ فإن ألبانها دواء)، أما هؤلاء فلا يأتي الداء إلا من قبلهم، وليس الدواء، والنبي ﵊ هو المبين والشارح لمجمل الكتاب، ولمطلقه، والمفصل لعمومه، ولا يمكن لعقل قط يحترم نفسه أن يقول: إنه يفهم القرآن لأول وهلة بغير الرجوع إلى رسول الله ﵊، ثم إلى الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، ومن سار على نهجهم من الأئمة المتبوعين وغيرهم إلى قيام الدين.
لا يمكن -إلا أن يكون مخبولاً مجنوناً- أن يقول: أنا إذا فتحت الكتاب قرأته فعلمت مراد الله .
لا بد أن يرجع إلى كلام أهل العلم من السلف أجمعين ﵃.
ولذلك اقرأ قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، هل ذكر في القرآن أن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والصبح ركعتان؟! اقرأ قول الله : ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، ما كيفية السجود؟ وما عدده في كل الصلوات؟ أو في كل صلاة على حدة؟ وماذا تقول فيه؟ وما هو الواجب فيه؟ وما هو الذي يحرم عليك أن تقوله في السجود؟ وغير ذلك من الأحكام، هل تجدها في كتاب الله ؟!
الجواب
لا.
وأما قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فزكاة ماذا؟ وكم زكاة البقر والغنم والإبل؟ وكم زكاة المال؟ وكم زكاة الذهب؟ وما مقدار هذه الزكوات، وما شروطها؟ اقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، متى تقطع يد السارق؟ فالسنة بينت أنه لا قطع في أقل من ربع دينار، ومتى يكون القطع؟ وهل يكون مع قيام الشبهة أو بعدمها؟ ومن أي موضع في اليد تقطع، هل من الكف أو المرفق؟ وهل تقطع اليد كلها أم شيء منها؟ وبينت ذلك كله السنة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة جداً التي وردت مجملة عامة، فصلها وبينها وشرحها النبي ﵊.
ثم هؤلاء يشككون في السنة، فيقولون تارة بأن السنة ما هي إلا مجموعة أخلاق وآداب ونصائح، ومعلوم أن هذه الأخلاق وهذه الآداب والنصائح غير ملزمة، إذاً: السنة عندنا غير ملزمة.
وتارة يطعنون في السنة بالطعن في رواتها الأوائل، كالطعن في أبي هريرة لعلمهم أن أبا هريرة يروي معظم أحاديث الشريعة، فقد روى آلافاً مؤلفة من الأحاديث، فأرادوا هدم كيان أبي هريرة ليهدم ما قد أتى به من مرويات، ولكن هيهات هيهات! فإن هذا هو دين الله ، وهو الذي تكفل بحفظه، وأجمع علماء السنة أن قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] أن الذكر هو الكتاب والسنة.
وكل آية فيها الكتاب والحكمة أجمع العلماء على أن الحكمة هي سنة النبي ﵊، ولا يمكن أبداً أن تكون الحكمة هي الكتاب؛ لأن
стр. 74
الرؤية الجديدة لأصلي العلم عند جمال البنا
وربما يقول جمال البنا: أنا كتبت كتاباً بهذا العنوان! وفعلاً قد كتب كتاباً هو معي الآن، قال فيه: الأصلان العظيمان الكتاب والسنة، وأضاف إلى ذلك عبارة: رؤية جديدة.
فهو يطرح رؤية السلف وتفسير السلف وبيان السلف وفهم السلف للكتاب والسنة، ثم يتقدم هو بعقله النتن القذر الوسخ لينظر في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ من جديد، زاعماً أننا في عصر قد تقدم فيه كل شيء، ولم يبق لمجهود السلف واقع في حياتنا، ويقول: عندنا الكمبيوتر والتكنولوجيا والمطابع والأوراق والأقلام وغير ذلك، ولم يكن هذا عند السلف، فإذا نظرت إلى كتابه وجدت أنه وضع معظم السم في بعض العسل.
ولكن ابن عبد البر يقول: أصول العلم عندنا الكتاب والسنة، والسنة تنقسم إلى متواتر وآحاد، والقرآن نقل إلينا بالتواتر، أي: نقل الجمع الغفير عن الجمع الغفير في كل طبقة، وهكذا ورد إلينا بعض السنة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصاً من نصوص الله يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعهم.
والضرب الثاني: أحاديث الآحاد، وفيه خلاف، وقد ذكر أهل العلم من السلف أن حديث الآحاد يفيد العلم والعمل معاً، قال ابن حزم في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) في أثناء استدلاله على حجية السنة: لا يحل لأحد من المسلمين أن ينكر أن السنة بنفسها حجة في العقائد والأحكام، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، فالله تعالى يردنا إلى كلام نبينا ﵊، فلم يسع مسلماً يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن وسنة رسول الله ﷺ ، ولا أن يأبى عما وجد في القرآن والسنة، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلاً للخروج عن أمر الله ورسوله وموجباً لطاعة أحد هما عن الآخر فهو كافر، ولا شك عندنا في ذلك، وقد ذكر محمد بن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تأويل سائغ فهو كافر، ومن استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله ﵊ فهو كافر، والحجة في تكفيره قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وهذه الآية كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر، وأيقن أن العهد عهد ربه إليه ووصيته الواجبة عليه.
ثم قال: وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١]، فليتق الله الذي إليه المعاد امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختاراً للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار، فإن من نازل خصمه في مسألة من مسائل الديانة وأحكامها فدعاه خصمه إلى ما أنزل الله تعالى وإلى كلام الرسول ﷺ فصده عنهما ودعاه إلى قياس أو إلى قول فلان وفلان، فليعلم أن الله قد سماه منافقاً.
وقال ابن حزم: لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة.
وهؤلاء هم القرآنيون، أما الملحدون في زماننا فلا يأخذون بقرآن ولا سنة، ولا يلزمهم شيء من هذين.
وإجماع الأمة على أن من قال: أنا لا آخذ إلا بالقرآن فحسب دون السنة فإنه كافر، فكيف سيصلي وقد قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]؟ فالقرآن أمرنا بالصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل، فلا يلزمنا إلا أن نصلي في هذين الوقتين وصلاة أخرى حين طلوع الفجر؛ لأن ذلك أقل ما يطلق عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غلاة الرافضة.
ابن حزم: لم يذهب هذا المذهب وهو الأخذ بالقرآن دون السنة إلا بعض غلاة الرافضة، أما الآن فقد وجد أن بعض المسلمين ممن ينسبون إلى السنة يقولون هذا.
قال: وإنما ذهب إلى هذا بعض غلاة الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم، ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص لكان فاسقاً بإجماع الأمة.
قال ﵊: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: ما وجدنا في كتاب الله حلالاً أحللناه، وما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمنا
стр. 75
موقف جمال البنا من الاحتجاج بالحديث المتواتر والآحاد
قال جمال البنا: والسنة قد خضعت لعدد كثير من المؤثرات التي جعلت مصداقيتها تحتاج إلى نقاش.
فمثلاً: هناك عمليات الوضع في الأحاديث، وعمليات الرواية بالمعنى، وعمليات التفاوت بين الأحاديث بعضها مع بعض، فمثلاً: الحديث المتواتر ملحق بالقرآن من حيث الحجية، ومن حيث إنه متواتر.
وهذا من تضاربه، فهو يقول: الحديث المتواتر كالقرآن تماماً بتمام، ويقول في موضع آخر: ليس هناك حديث متواتر.
حتى تعلم أنه متضارب وأنه أحمق، وجاهل، واستخدمه الأعداء استخداماً غبياً أحمق.
وقال: وبعد ذلك يقولون: أحاديث المهدي وأحاديث الدجال وأحاديث الحوض من المتواتر.
أي: حوض النبي ﵊ الذي من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبداً.
ثم يقول: وهذه أشياء كلها لا قيمة لها ولا معنى لها، وهي أبعد ما تكون عن مجرد الذكر فضلاً عن المتواتر، وهذه المعاني كلها وضعناها في كتاب (السنة ودورها في الفقه الجديد).
والفقه الجديد هو فقه جمال، فهو يريد منا أن نترك ابن تيمية وابن القيم وابن قدامة والنووي والسرخسي وغير هؤلاء من العلماء الأقطاب، أقطاب الدين.
ويقول: فالمفروض أن السنة تضبط بضوابط القرآن.
هو لا يقول: أنا أجحد السنة؛ لأنه يعلم أن الشباب المسلمين الذي يمشون في الشارع والذين لا يصلون سيكفرونه.
لكنه قال: إن السنة دخلها الوضع والتحريف، فالأصل أن نضبط السنة بالقرآن، يعني: أن نأخذ الحديث ونعرضه على القرآن، فإذا وافق القرآن أخذنا به، وإلا فيكون حديثاً موضوعاً حتى وإن كان في الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم.
следующие страницы →