← Книги сунны

Книги сунны · id 37618

المطالب العالية محققا

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (21 641 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سنين أربعا- حب العلم والحديث ... الأمر الذي كان له الثمار التي آتت أُكُلَها في مرحلة الطلَب. وأما المرحلة الثانية: فتبدأ منذ وفاة والِدِه وذلك في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة للهجرة (١)، فيكون له من العمر أربع سنين، وكان قد فَقَد أمه قَبل ذلك وهو طفل (٢). وعليه فقد نشأ ﵀ لَطِيمًا (٣)، إلَاّ أن اهْتِمَام والده به يَظهَر حينما أوصى به قبل وفاته كبير التجار الزّكي أبا بكر الخَرُّوبِيّ (٤)، فقام على أمْره خَيْر قيام ولم يَأل جُهْدًا في رعايته والعناية به ... مِما كان له أعظم الأثر في تنشِئَتِهِ، فكانت في غاية العِفة والنزاهة والطهر والعفاف والأخلاق الحميدة (٥). ويظهر أثر وَصِيَّة الخَرُوبِي فيه من الناحية العِلْمية في الأمور التالية: ١ - دخل المكتب، لَمَّا أكمَل خمس سنوات، ورُزِق سرعة الحِفْظ بحيث حَفِظ سورة "مريم" في يوم واحد (٦). ٢ - أتَمَّ حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين (٧).

стр. 37

٣ - حَفِظ بعد ذلك الكتب المختصرة في مبادئ العلوم مثل "العُمْدَة في الأحكام" للمقدسي، ومختصر ابن الحَاجِب في علم الأصول، وألفِية العراقيّ، وكتاب "الحاوي" الصغير لأبيه. ٤ - في سنة ٧٨٥ هـ جاور بمكة وسمع بها: "صحيح البخاري" على العفيف النشاوري (١). ٥ - واجتهد في طلب العلم فاهْتَم بالأدب والتاريخ وهو لا يزال في المَكتَب .. وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مَبْلغًا جعله يَسْتَأجِر أحيانًا بعض الكتب (٢) ويطلب إعَارَتَها له. كلُّ هذا وغَيره كثير مِمّا يدل على نَهَم هذا الغلام، وحبّه للعلم، لِمَا رزقه الله مِنْ سرعةِ في الحفظ، وشِدة في الذكاء ... إلَاّ أنْ ذلك ما لبث أنْ تناقص ورجع إلى الوراء، فأصابه فتور عن التحصيل. وتعزو المصادر سبب هذا الفتور إلى عدم وجود من يحثه على الاشتغال بالعلم بعد موت وَصِيه الخَرُّوبِيّ سنة (٧٨٧ هـ) إلى أن استكمَل سبع عشرة سنة وذلك في سنة (٧٩٠ هـ) (٣). وفي أثناء هذا الفتور حُبِّب إليه النظر في التاريخ والأدبيَّات، ففاق في

стр. 38

فنونهما، حتى كان لا يسمع شعرًا إلَاّ استحضر مِن أين أخذه (١). إلَاّ أن هذا الفتور ما لبث أنْ فارقه، فقد استمرَّ عليه حتى عام (٧٩٦ هـ) حينئذِ أقْبَل على العلم بِكُليته، وحرص على الطلب وخاصة في عِلْم الحديث، وهذه بداية ما يمكن الإطلاق عليه: المرحلة الثالثة: فأقْبل ﵀ على العلم، وعزم على التحصيل، وصمم على المُضِى الجادَّ في الطلب (٢)، واشتغل بعلم الحديث من جانب، إضافة إلى اهتمامه السابق بعلم التاريخ، مِمَّا أعانه على معرفة الرجال في أسرع مُدَّة. ومِن وَقتِها وهو جادٌّ في الدَّرس والتحصيل، ومُلَازَمَة الشيوخ، والرحلة في الطلب، والإكثار مِنْ ذلك ... وهذا ما سَنَطْرُق بابه في السطور التالية. أهم العوامل التي ساعدت الحافظ في نبوغه: ولَعَلَّ مِما أعان الشيخ ﵀ على سُرعة التحصيل وكثرة الإنتاج: ما منحه الله مِن أسباب كثيرة تتجلى في هذه الأمور الثلاثة: "١ - سرعة القراءة الحَسَنَةِ: فقد قرأ "سُننَ ابن مَاجَه" في أربعة مجالس، وقرأ "السنن الكبرى" للنسَائِي في عَشرة مجالس، وكذا "صحيح البخاري" انتهى منه في مجالس أربعة (٣) ... وغير ذلك كثير. ٢ - سرعة الكتابة: فقد كتب بخطّه "التقييد" لابن نُقطَة في خمسة أيام (٤)، وكان يكتب من "صحيح البخاري" جُزءًا من ثلاثين في

стр. 39

اليوم (١). ٣ - ذكاؤه وقابليته على الانْتِقاء، مِما سهل عليه كثيرًا من الأمور وهو يُفَتًش في مصنفات الحديث المُذهلَة (٢) ". ومن العوامل التي ساعدت على نبوغه واستفادته منها: ٤ - ما آتاه الله من ذكاء وسرعة في البديهة، والفهم، والقراءة، والكتابة، مما جعله يستوعب قدرًا كبيرًا من المسموعات، ويُدَوَّنها في مدة قصيرة. ٥ - ثم ما تحلى به من الصبر والعزم، والهمة العالية، وإلا فقد تعرض لمخاطر كبيرة في رحلاته ممثلة في الغرق، والعطش، وقطع الطريق، وغيرها، فكان الحافظ ممن ينطبق عليه قول المتنبي: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام وكان يكتب وهو في المركب برًا وبحرًا. ٦ - (ومنها الرفاق الذين كانوا غاية في الديانة والتواضع، والاعتناء بالبيان، والاهتمام بفنونه، والبعد عن التوَغُل في الغل والحسد والكتمان، وتكرر ذكر ما يقتضي الامتنان، فذا يعين رفيقه نوبة بالقراءة، ومرة بالكتابة، وأخرى بالعارية، ووقتًا بالمذاكرة، ومرة بالتنبيه على ما السلامة منه مختصة

стр. 40

بالمعصومين، والآخر يفعل مع رفيقه أيضًا كذلك، ويُجَمِّل كل واحد منهم الآخر بقلمه ولسانه، ويوجه ما ظاهره القبيح من قول أو فعل بالتوجيه المرضي حتى يصرفه عما يخالفه، ويثني من تأخرت وفاته على صاحبه الثناء الجميل، ولتلبسهم بذلك كانت لهم جلالة ووجاهة، وفيهم كثرة. فأين هؤلاء ممن إذا كتب له رفيقه تجاه خطه: صوابه كذا، وقال له في حال قراءته: سقط عليك كذا، وكتب له على بعض ما يطالعه من خطه على جاري عادة المستفيدين بعضهم من بعض؛ يُضْمِر ذلك في نفسه إلى أن ينتقم بما يكون قصاصًا عن جناية بل ويهجوه نظمًا ونثرًا). اهـ. ملخصًا (١). ٧ - (ومنها كونه لم يَتَودد في غضون هذه المدة لأحد من رؤساء الشام، بل لم يكن حينئذ يجتمع بأحد من الرؤساء مطلقًا مع احتياجهم إلى مجالسته، واغتباطهم برؤيته. بل كانت همته المطالعة، والقراءة، والسماع، والعبادة، والتصنيف، والإفادة، بحيث لم يكن يُخلي لحظة من أوقاته عن شيء من ذلك حتى في حال أكله، وتوجهه، وهو سألك كما حكى بعض رفقته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه) (٢). وحوادث وأمثلة هذا كثيرة من حياته ﵀. * * *

стр. 41

المبحث الرابع رحلاته الرحلة في طلب تحصيل العلوم الشرعية من الأعمال الصالحة، وخاصة الرحلة في طلب الحديث، وقد ألف بعض الأئمة في فضلها وآدابها تآليف جامعة (١). وللرحلة في طلب العلم فوائد كثيرة تنعكس على شخصية العَالِم وتُعطينا صورة عن مدى اطلاع العَالِم وتمكنه. وإمامنا الحافظ قد أخذ من ذلك بالحظ الوافر، فشدَّ الرحال وتنقل في البلدان، وبذل في ذلك المال متحملًا للمشاق والمتاعب والأهوال. فرحل أولًا إلى مكة سنة (٧٨٤ هـ) مع وصيه الخروبي للحج والمجاورة فسمع على الشيخ عفيف الدين النشاوري أغلب البخاري (٢) وعاد سنة (٧٨٦هـ). وفي سنة (٧٩٣ هـ) رحل إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد فلقي فيها جماعة من العلماء.

стр. 42

وفي سنة (٧٩٧ هـ) رحل إلى الإسكندرية وبقي بها عدة أشهر. ثم رحل إلى اليمن وذلك سنة (٧٩٩ هـ)، وتجول في مدنها كتعز وعدن والمُهجم ووادي الخطيب وغيرها، وأخذ عن أعيانها الكثير. ولما سمع به صاحب اليمن الملك الأشرف إسماعيل بن عباس، دعاه ليلتقي به، فأحسن إليه وأكرمه، ورجع ابن حجر من اليمن إلى مكة سنة (٨٠٠ هـ)، وحج حجّة الإسلام (١). وفي سنة (٨٠٢ هـ) خرج إلى الشام للأخذ عن من بها من الشيوخ والمحدثين والمسندين، حيث ظل مقيمًا بها مائة يوم، وقد اتسعت معارفه كثيرًا بما أخذه عن العلماء بها، واستفاد من العلماء الذين صادفهم في طريقه إلى الشام، ومن هذه المدن: نابلس وغزة والرملة وبيت المقدس والخليل وسرياقوس وغيرها (٢). وقد حصل له في هذه المدّة -مع قضاء أشغاله- ما بين قراءة وسماع ومطالعة من الكتب المجلدات أو الأجزاء ما لم يحصل له في رحلة أخرى. وعاد ابن حجر إلى اليمن للمرّة الثانية سنة (٨٠٦هـ) -حيث جاور بمكة بعض تلك السنة-، فلقي بها أيضًا بعض من التقى معهم في رحلته الأولي. وفي هذه المرّة انصدع المركب الذي كان فيه الإمام، فغرق جميع ما معه من الأمتعة والنقد والكتب، ثم يسّر الله إنقاذ أكثرها بعد أن دفع ابن حجر مالًا كثيرًا للذين استخرجوها (٣).

стр. 43

ورحل ابن حجر إلى الحجاز أكثر من مرّة للحجّ والمجاورة وطلب العلم، فلقي بمكة وبمنى والمدينة النبوية جمعا من العلماء والمسندين، وذلك سنة (٨٢٤هـ) (١). وفي سنة (٨٣٦هـ) سافر إلى حلب ومنها إلى دمشق، وفي طريقه مرّ بحمص وحماة وسمع فيهما من بعض الشعراء وأهل الحديث. وممن سمع منه بحلب الشيخ الإمام برهان الدين سِبْط ابن العَجْمي. وقد حصل في رحلته هذه على فوائد ودُرر سجّلها في تذكرته التي سماها (جلب حلب) في نحو أربعة أجزاء حديثية (٢). كما حدّث هناك وأقرأ وعقد المجالس، وهكذا شهدت حياة هذا الإمام رحلات كثيرة في طول البلاد وعرضها (٣)، فأخذ عن أعيانها وسمع منهم وأسمعهم، واستفاد منهم وأفادهم. * * *

стр. 44

المبحث الخامس أعماله في القضاء إنما تعرضت لهذه النقطة لأمور، منها: ١ - بعد اطلاعي على شيء من سيرته علمت أن القضاء قد أخذ قدرًا غير قليل من عمره فلا ينبغي إغفاله. ٢ - ما تعرض له من أجل القضاء من المحن والابتلاء. ٣ - عاب بعضهم عليه دخوله في القضاء، فعلى الباحث دفع هذه الشبهة. ٤ - إذا علمنا أنه جمع بين القضاء والتدريس والتأليف، فلم يهمل جانبًا على حساب جانب آخر، فإبراز ذلك كان منقبة أخرى للحافظ ابن حجر. وبعد هذا أقول: إن القضاء في عهد ابن حجر كان وظيفة عالية لا تسند إلَاّ إلى قلة من العلماء البارزين المشهود لهم بالأمانة والورع فابن حجر كان ممن يشار إليه بالبنان لعلمه وشهرته، ولذلك طُلب منه الدخول في سلك القضاء. وكان ﵀ مصممًا على عدم الدخول في القضاء حتى إنه لم يوافق الصدر المناوي لما عرض عليه النيابة عنه (١). وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية مرارًا فأبى وأصرّ على

стр. 45

الامتناع (١) ثم ألحّ عليه القاضي جلال الدين البلقيني (٢) وكان بينهما مزيد اختصاص حتى ناب عنه، وجز ذلك إلى النيابة عن غيره (٣). فلما كان في المحرم سنة سبع وعشرين فوض إليه القضاء بالقاهرة وما يتبعها فباشر ذلك بعفة ونزاهة فلما كان في ذي القعدة من السنة صرف نفسه ثم في أول رجب من سنة ثمان وعشرين أُعيد للقضاء، واستمر إلى صفر من سنة ثلاث وثلاثين فصرف (٤)، ولا زال كذلك إلى أن أخلص في الإقلاع عنه عقب صرفه في جمادي الثانية سنة اثنتين وخمسين بعد زيادة مدة قضائه على إحدى وعشرين سنة، وزهد في القضاء زهدًا تامًا لكثرة ما توالى عليه من المحن بسببه وصرّح بأنه لم تبق في بدنه شعرة تقبل اسمه (٥). أما ما يتعلق بولده بدر الدين فكان والده حريصًا على تعليمه وتهذيبه فحفظ القرآن وصلى بالناس وأسمعه الحديث على كبار المحدثين، وبلغ من حرصه أن صنف كتابه (بلوغ المرام) لأجله، واشتغل بأمر القضاء والأوقاف مساعدًا لوالده، وولي في حياة أبيه عدة وظائف، منها الإمامة بجامع طولون (٦).

стр. 46

وقد عاب بعض العلماء عليه دخوله في القضاء وكان الأولى والأرفع له درجة عند الله وعند المسلمين أن يتنزه عنه ويشتغل بدله بالتأليف ... إلخ. وقد كفاني مؤونة الرد المعلقُ على لحظ الألحاظ حيث قال: كأن المصنف يريد أن يجعل جميع العلماء من المجاورين بالحرمين الشريفين مثله غير ناظرِ إلى ما يترتب على ذلك من اختلال مصالح المسلمين بتوسيد الأمور إلى غير أهلها، وابن حجر قد نفع المسلمين بقبوله القضاء مدة طويلة، ولم يمنعه ذلك من نشر العلم وكثرة التأليف. وتلامذته المبرزون وتصانيفه الممتعة شهود عدل على ذلك (١). قلت: إن القضاء إذا دخل فيه الإنسان، وعنده علم، وحكم بين الناس بشرع الله كان هذا من أفضل ما يتقرب به إلى الله. وإن كثيرًا ممن يتنزه عن القضاء ينظر إلى الوعيد الذي ورد فيه ولا ينظر إلى العواقب التي تترتب على ما لو تخلى عن القضاء من كان عنده أهلية لأن به تستقيم مصالح العباد والمسلمون يدفعون اليوم الثمن غاليًا بسبب تفريطهم في هذا الجانب المهم. وكان من أثر ذلك أن أتى إلى القضاء أحمد بن أبي دواد وأمثاله، فوثقوا علاقتهم مع الأمراء حتى دسّوا عليهم مذهبهم في خلق القرآن واقتنع به الأمراء وأجبروا الناس على الاعتقاد بذلك، وحصل من الفتنة ما لا يتصور، وإلى يومنا هذا تعاني كثير من الدول الإسلامية مشاكل لا تحد بحدود بسبب التحكيم بغير شرع الله، والله المستعان. * * *

стр. 47

المبحث السادس أهم شيوخه ذكرنا فيما سبق أن من أهم أسباب نبوغ هذا الإمام وسعة اطلاعه هو ما اجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم ما لم يجتمع لغيره، وكان كل واحد منهم رأسًا في الفن الذي اشتهر به. وهؤلاء الشيوخ منهم من كان في بلده، ومنهم من كان في بلد آخر كان اجتماعه بهم نتيجة الرحلات العلمية التي قام بها. وقد ذكر عددهم الحافظ في كتابه (المجمع المؤسس)، فزاد عددهم على (٦٤٠ نفسًا) (١)، مُرتبين على حروف المعجم وقسمهم فيه على قسمين: القسم الأول: من حمل عنهم على طريق الرّواية. والثاني: من أخذ عنهم على طريق الدراية، وأضاف إلى الثاني من أخذ عنه شيئًا بالمذاكرة من الأقران ونحوهم (٢). وقسّمهم السخاوي إلى ثلاثة أقسام: الأول: من سمع منه الحديث ولو حديثًا واحدًا. الثاني: من أجازوا له.

стр. 48

الثالث: من أخذ عنه مذاكرة أو إنشادًا أو سمع خطبته أو تصنيفه (١). فذكر في القسم الأول ما يزيد على (٢٣٠) نفسًا. وفي القسم الثاني ذكر ما يزيد على (٢٢٠) نفسًا. وفي القسم الثالث ذكر ما يزيد على (١٨٠) نفسًا، ثم قال: فجملة الأقسام الثلاثة ستمائة وأربعة وأربعون نفسًا (٢). وقد حظي ﵀ بالتتلمذ على كبار أئمة عصره؛ قال الشوكاني ﵀: "أدرك من الشيوخ جماعة كل واحد رأس في فنه الذي اشتهر به، فالتنوخي في معرفة القراءات، والعراقي في الحديث، والبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقن في كثرة التصانيف، والمجد صاحب القاموس في حفظ اللغة، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة. اهـ. وقال الحافظ في ترجمة شيخه ابن الملقن: "وهؤلاء الثلاثة (العراقي والبلقيني وابن الملقن) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث: في كثرة التصانيف. اهـ. وسأقتصر في هذه العُجالة على بعض شيوخه الذين كان لهم الأثر الواضح في تكوين شخصية ابن حجر العلمية:

стр. 49

أولًا - الحافظ العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦هـ) (١): هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، العراقي الأصل، أبو الفضل الكردي، صاحب التصانيف المفيدة المشهورة. ويُعد من أبرز شيوخ ابن حجر وأهمهم في علوم الحديث، وهو أبرز شخصية تأثر بها. والعراقي ﵀ من أئمة هذا الشأن ونقّاده الذي شهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه (٢). لازمه ابن حجر مدّة طويلة (من ٧٩٦ هـ إلى ٨٠٦هـ)، وقرأ وسمع عليه الكثير من الكتب والأجزاء والعوالي والأمالي ونحوها مما لا يتسع ذكره ها هنا (٣). ثانيًا- البُلْقِيني (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ) (٤): هو عمر بن رَسلان بن نُصيْر بن صالح البُلقيني، أبو حفص المصري الشافعي، الشيخ الفقيه المحدث، وهو من أبرز شيوخ ابن حجر في الفقه، وكان أعجوبة في عصره في التوسع في معرفة مذهب الشافعي خاصة، والمذاهب

стр. 50

الأربعة عامة، واستفاد منه فقهاء المذاهب الأربعة. أجاز له من دمشق الحافظان الذهبي والمزّي، كما أجاز له ابن الخبّاز وابن نباتة، وآخرون. قال ابن حجر: "لازمت الشيخ مدّة، وقرأت عليه عدّة أجزاء حديثية، وسمعت عليه أشياء، وحضرت دروسه الفقهية، وقرأت عليه من الكتب (الروضة)، ومن كلامه في حواشيها، و (دلائل النبوّة) للبيهقي، وقرأت عليه (المسلسل بالأوّلية) ". كما قرأ عليه جزءًا من (الحلية)، وسمع عليه الكثير من صحيح البخاري وصحيح مسلم، والكثير من سنن أبي داود ومختصر المُزني (١). ثالثًا- ابن المُلَقّن (٧٢٣ - ٨٠٤هـ) (٢): هو أبو علي عُمر بن علي بن أحمد بن محمد الأنصاري المعروف بابن المُلقَّن، وبابن النحوي؛ لأن أباه كان عالمًا بالنحو. الأندلسي الأصل ثمّ المصريّ، الشافعى، صاحب التصانيف المفيدة. وقد اجتمع ابن المُلقَّن بجماعة من الأئمة في عصره كالتاج السبكي والحافظ العلائي، فأثنوا عليه ونوّهوا به، كما وصفه تلميذه الحافظ الناقد ابن ناصر الدين الدمشقي بالحفظ والإتقان. واستفاد الحافظ ابن حجر منه في كثرة تصانيفه وتنوعها وطريقته فيها، وما يحرره من فوائد خاصة في تخريجه المعروف (البدر المنير)، وهو موسوعة عظيمة تدل على سعة اطلاع هذا الإمام وتبحره، وقد لخّص ابن حجر هذا الكتاب في (التلخيص الحبير).

стр. 51

رابعًا- ابن جَمَاعة (٧٤٩ - ٨١٩هـ) (١): هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جَمَاعة، أبو عبد الله الكنانيّ، الحموي الأصل، المصري، الشافعي، المحقق المُتقن الأصولي المتكلم ... شيخ الديار المصرية في العلوم العقلية. أخذ عن البلقيني في الحاوي وغيره، وأجاز له خلق من الشاميين والمصريين بعناية الحافظ العراقي، واشتغل بالعلوم من صغره، ومال لفنون المعقول فأتقنها. قال السخاوي: "لم يرزق ملكة في الاختصار، ولا سعادة في حسن التصنيف إلى أن قال: بلى كان أعجوبة في حسن التقرير" (٢). ولازمه الحافظ ابن حجر مدّة طويلة (من ٧٩٠ إلى ٨١٩هـ)، حيث لازمه في غالب العلوم التي كان يقرئها. وقد أخذ عنه في الأصول (شرح منهاج البيضاوي) و (جمع الجوامع) وشرحه لابن جماعة نفسه، وغيرها. قال عنه ابن حجر: "لازمته من سنة تسعين إلى أن مات، وكان يودّني كثيرًا، ويشهد لي في غيبتي بالتقدم، ويتأدب معي إلى الغاية مع مبالغتي في تعظيمه، حتى كنت لا أسمّيه في غيبته إلَاّ إمام الأئمة" (٣).

стр. 52

خامسًا- الفيروزابادي (٧٢٩ - ٨١٧ هـ) (١): هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر بن أبي بكر الشيرازي الفيروزابادي، اللغوي الشافعي، إمام عصره في اللغة. كان كثير الكتب، حتى إنه قال: "اشتريت كتبًا بخمسين ألف مثقال ذهب". ومن مروياته الكتب الستة (وسنن البيهقي)، و (مسند أحمد)، و (صحيح ابن حبان)، و (مصنف ابن أبي شيبة) وغيرها. وأما معرفته باللغة واطّلاعه على نوادرها، فأمر مستفيض. لقيه الحافظ بزَبِيد في رحلته لليمن كما تقدم، وقرأ عليه ثمانين حديثًا من العوالي، وتناول منه النصف الثاني من القاموس وأذن له في روايته عنه، وقرظ له تغليق التعليق. وله تصانيف كثيرة جليلة في شتى الفنون، ومن أهمها وأشهرها (القاموس المحيط) الذي لم يُؤلف في بابه مثله، وهو بحق جدير بالعناية والنظر. سادسًا- الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧ هـ) (٢): هو الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي، المصري، الشافعي نور الدين، الإمام الزاهد، صاحب التصانيف الكثيرة. صحب العراقي وهو صغير، فسمع معه من ابتداء طلبه على جماعة من شيوخه، ثم رحل مع العراقي جميع رحلاته، ورافقه في جميع مسموعاته بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس وبعلبك وحمص وحماة وحلب وطرابلس وغيرها. وتزوج بنت العراقي، وتخرّج به في الحديث، وقرأ عليه أكثر مصنّفاته، وكتب عنه جميع مجالس إملائه.

стр. 53

وكان كثير المحفوظات لمتون الأحاديث واستحضارها، حتى كأنها بين يديه، ويُعد الهيثمي الرائد في فن الزوائد، وله في ذلك مصنفات جليلة، أعظمها: كتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) و (غاية المقصد في زوائد مسند الإمام أحمد)، وكان تأليفه بإشارة من شيخه العراقي، و (بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)، و (موارد الظمآن في زوائد ابن حبان) على الصحيحين، وغيرها. وقرأ الحافظ عليه قرينًا للعراقي ومنفردًا، وقرأ عليه انفرادًا نحو النصف من (مجمع الزوائد)، ونحو الربع من (زوائد مسند أحمد)، و (مسند جابر) من (مسند أحمد)، وغير ذلك. وقد تتبع ابن حجر أوهامه في (مجمع الزوائد)، فلما بلغه أن ذلك شقّ عليه، تركه رعاية له.

стр. 54

المبحث السابع أبرز تلاميذه ليس غريبًا أن يعلو ذكره ويرتفع قدره، ويشتهر في الآفاق بين الخاصة والعامة، وتسير بكتبه وتصانيفه الركبان، وليس غريبًا أن يكون محطّ أنظار طلبة العلم وقد جاب البلاد الإسلامية دهرًا طويلًا، وحصل له من المسموعات والإجازات والقراءات ما لم يحصل لكثير من أقرانه. هذا بالإضافة إلى الأخلاق النبيلة التي كان عليها الحافظ ابن حجر، فكان محبًا لطلاّبه يبشّ في وجوههم، ويحسن إليهم ويقضي حوائجهم، وقد نوّه بذلك غير واحد من تلاميذه وأقرانه (١). ولقد سرد السخاوي في (الجواهر والدرر) أسماء جماعة من الذين أخذوا عنه رواية ودراسة، وأوصل عددهم إلى خمسمائة شخص، وسأذكر أبرزهم على وجه الإيجاز: أولًا- الحافظ السخاوي (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) (٢): هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، شمس الدين السخاوي

стр. 55

الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، وهو من كبار العلماء المؤرّخين، والأئمة المتقنين. لازم الحافظ ابن حجر ملازمة طويلة، وأخذ عنه أكثر تصانيفه، وقدّمه الحافظ، وأذن له وهو بحقّ أنجب تلامذة ابن حجر. ومن مصنفاته البديعة (فتح المغيث) في شرح ألفية الحديث للعراقي و (المقاصد الحسنة)، و (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع)، و (الجواهر والدُّرَر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر)، وغيرها. ثانيًا- برهان الدين البِقَاعي (٨٠٩ - ٨٨٥) (١): هو الإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط -بضم الراء المهملة وتخفيف الموحّدة- بن علي البقاعي، الشافعي، الحافظ المفسّر، المؤرّخ الأديب. قال الشوكاني (٢): " ... وبرع في جميع العلوم وفاق الآفاق، لا كما قال السخاوي: إنه ما بلغ رتبة العلماء، بل قصارى أمره إدراجه في الفضلاء ... "، ثم قال: "وتصانيفه شاهدة بخلاف ما قاله (٣) ... ومن أمعن النظر في كتاب المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور (٤)، عَلِمَ أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء، الجامعين بين علمي المعقول والمنقول. وكثيرًا ما يشكل علي شيء في الكتاب العزيز، فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها، فلا أجد ما يفيد في الغالب". وله تصانيف كثيرة من أجلّها الكتاب الذي أشار إليه الشوكاني آنفًا، وكتاب (عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران)، وغيرهما.

стр. 56

ثالثًا- التقي ابن فهد المكلي (٧٨٧ - ٨٧١هـ) (١): هو محمد بن محمد بن فهد المكي، الشافعي، أبو الفضل الهاشمي. برع في الحديث، وكثر من المسموع والشيوخ، وجدّ واجتهد، وعرف العالي والنازل، وشارك في فنون الأثر، وصار المعوّل عليه في هذا الشأن ببلاد الحجاز قاطبة (٢). لقي الحافظ ابن حجر بمكة وسمع منه (المسلسل بالأولية) وشيئًا من ترجمة البخاري، وجزءًا في الحج، ونخبة الفكر، وتخريج الأربعين النووية وغيرها. ومن أشهر مصنفاته (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ)، وقد ترجم فيه للحافظ ابن حجر. رابعًا- قاسم بن قُطلُوبُغا (٨٠٢ - ٨٧٩هـ) (٣): هو قاسم بن قطلوبُغا زين الدين، أبو العدل، الحنفي، ولد بالقاهرة ونشأ بها وحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ في الجد حتى شاع ذكره وذاع صيته، وقد عُرف ﵀ بالذكاء وقوّة الحافظة، وخلف وراءه تصانيف نافعة، منها: ١ - تاج التراجم فيمن صنّف من علماء الحنفية، وقد طُبع بدار البشائر. ٢ - رجال شرح معاني الآثار للطحاوي. وتوفي ﵀ بالقاهرة.

стр. 57

خامسًا- ابن تَغْري بَرْدي (٨١٣ - ٨٧٤) (١): هو يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الحنفي، أبو المحاسن جمال الدين القاهري، الإمام المؤرّخ. أجازه غير واحد كابن حجر والمقريزي والعيني، وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره، واستفاد من الحافظ ابن حجر، لا سيما في اتصال أسانيد الحوادث التاريخية، وهو ينقل عنه في كتبه ويُثني عليه، ومما قال عنه: "وهو أوحد من لقيناه" (٢)، له تصانيف جليلة نافعة، منها: ١ - المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، طُبع منه ستة مجلدات إلى الآن. ٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وهو مطبوع. ٣ - الدليل الشافي، وهو مختصر للمنهل. سادسًا- ابن مزني (٧٨١ - ٨٢٣ هـ) (٣): هو ناصر بن أحمد بن يوسف الفزاري، البِسْكري (٤)، الجزائري، أبو زيان المعروف بابن مزني، مؤرخ مغربي الأصل. وُلِد ببسكرة، ومرّ بالقاهرة حاجًا سنة (٨٠٣ هـ)، واتصل بالعلاّمة ابن خلدون، ولازم ابن حجر. من آثاره

стр. 58

الضخمة كتاب في (تاريخ الرواة)، قال عنه الحافظ ابن حجر: "جمع تاريخًا لو قُدِّر أن يبيضه، لكان مائة مجلد، وكان قد مارس ذلك إلى أن صار أعرف الناس به، فإنه جمع في مسوّداته ما لا يعد ولا يدخل تحت الحد، ومات قبل تبييضه، فتفرق شذر مذر) (١). وعَمِيَ قبل وفاته بسنة، وتوفي في شعبان سنة (٨٢٣هـ) بالقاهرة. وكثرة تلاميذ الحافظ ابن حجر ﵀ واختلاف مواطنهم وتعدّد تخصصاتهم خير دليل على قيامه بواجب تبليغ العلم الذي أمر الله به ونبيه ﷺ بصفته حاملًا له-، فقام بذلك أحسن قيام وبشتى الوسائل التي كانت في عصره من إقراء وتدريس وإفتاء وخطابة في الجامع الأزهر، وإملاء في مجالس العلم من مساجد ومدارس في مختلف أنحاء البلاد، وفي كثير من التخصّصات والفنون. * * *

стр. 59

المبحث الثامن وفاته بعد عُمر طويل وحياة عامرة بالحركة والنشاط تزيد على تسعة وسبعين عامًا، قضاها الإمام ابن حجر بين التعلم والتعليم والتأليف، وافاه الأجل وأدركه الموت وذلك في شهر ذي الحجة سنة (٨٥٢ هـ) بعد مرض بدأ به في ذي القعدة، ثم اشتد به وأقعده، فتخلف عن صلاة عيد الأضحى، ثم ازدادت شدّته فصار يصلي الفرض جالسًا، وانتابه الصرع، وفي ليلة السبت في ٢٨ من ذي الحجّة، وبعد العشاء فاضت روحه إلى بارئها. وكانت جنازته مشهودة، لم يكن بعد جنازة ابن تيمية أحفل منها حتى قال السخاوي: "واجتمع في جنازته من الخلق ما لا يحصيهم إلَاّ الله ، بحيث ما أظن كبير أحد من سائر الناس تخلف عن شهودها، وقفلت الأسواق والدكاكين". وشُيع ﵀ في موكب مهيب حضره السلطان وأعيان الناس من القضاة والعلماء والأمراء، وصُلي عليه صلاة الغائب أيضًا في بعض البلاد الإسلامية كمكّة وبيت المقدس ودمشق وغيرها.

стр. 60

المبحث التاسع ثناء العلماء عليه لقد أثنى على الحافظ شيوخه ومعاصروه من أقرانه وتلامذته والأئمة الكبار من بعده. قال السخاوي: "ولم يخلف بعده في مجموعه مثله، ورثاه غير واحد بما مقامه أجلّ منه ﵀ وإيانا-" (١). وفي الثناء عليه يقول شيخه العراقي: "ولما كان الشيخ العالم الكامل الفاضل المحدث المفيد المُجيد الحافظ المتقن، الضابط الثقة المأمون شهاب الدين أحمد أبو الفضل ... فجمع الرواة والشيوخ، وميْز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال، وميّز بين الثقات والضعفاء من الرجال، وأفرط بجدّه الحثيث حتى انخرط في سلك أهل الحديث، وحصل في الزمن اليسير على علم غزير" (٢). وأما شيخه ابن جماعة، فيقول ابن حجر في ترجمته: " ... وكان يودّني كثيرًا ويشهد لي في غيبتي بالتقدم، ويتأدب معي إلى الغاية" (٣).

стр. 61

ويقول أحد معاصريه في بعض مراسلاته وهو الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي (ت ٨٤٢هـ)، يقول: "إلي مولانا وسيدنا شيخ الإسلام حافظ الأعلام، ناصر السنة، إمام الأئمة، قاضي قضاة الأمة. . ." (١). ويقول فيه تلميذه التقي بن فهد المكي: ". . . وهو إمام علاّمة حافظ متقن، متين الديانة، حسن الأخلاق، لطيف المحاضرة، حسن التعبير، عديم النظير، لم تَرَ العيون مثله، ولا رأى هو مثل نفسِه" (٢). ويقول العلاّمة المؤرّخ ابن تَغري بَرْدي: "كان إمامًا عالمًا، حافظًا شاعرًا أديبًا مُصنِّفًا، مليح الشكل منوّر الشيبة، حلو المحاضرة إلى الغاية والنهاية، عذب المذاكرة مع وقار وأبَّهة، وعقل وسكون وحلم وسياسة" (٣). ويقول الحافظ جلال الدين السيوطي: "شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، بل حافظ الدنيا مطلقًا" (٤). ويقول العلاّمة المحدث الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): "الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة ... وشهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد، والعدو والصديق، حتى صار إطلاق لفظ (الحافظ) عليه كلمة إجماع. ورحل الطلبة إليه من الأقطار، وطارت مؤلفاته في حياته، وانتشرت في البلاد، وتكابت الملوك من قطر إلى قطر في شأنها، وهي كثيرة جدًا" (٥). * * *

стр. 62

المبحث العاشر ذكر كثرة مؤلفاته لم يقتصر عمل الحافظ ابن حجر على التدريس والإملاء والإفتاء ونحوها من الوظائف التي كان يتولاها بنفسه، بل تجاوز ذلك إلى التأليف الذي هو من أكبر الأدلّة على مكانة الحافظ العلمية وعمق بحثه، ونضوج فكره ووفور علمه، سواء كان ذلك في مختصراته وتلخيصاته أو نُكَته وتخريجاته، أو ذيوله واستدراكاته أو شروحه وفوائده ... لا يخلو واحد منها من بحث وتحقيق، أو نقد وتمحيص، أو استدراك وإتمام فائدة، حتى قال أبو ذرّ بن البرهان الحلبي: "وبالجملة ليس له مُؤلف إلَاّ وهو فرد في بابه" (١). وقد كثرت مصنفات الحافظ ابن حجر وتنوعت موضوعاتها وعلومها وزادت -على ما أحصاه السخاوي (٢) - على ٢٧٠ مصنفًا، ما بين كبير وصغير ورسالة وحاشية ونكت وتعليقات وديوان شعر، وإن كانت بهذه الكثرة، فإن السمة الغالبة على تآليفه هي الحديث وعلومه، هذا مع الدقة والتحرير والإتقان

стр. 63

الذي لا يكاد يوجد عند كثير من المكثرين والمقلين على حد سواء. ويُعدُّ الحافظ بحق مجددًا في علمي الحديث والرجال على وجه الخصوص، يشهد له بذلك أئمة هذا الشأن من شيوخه وأقرانه وتلامذته. يقول تقي الدين محمد بن فهد المكي: "ألف التواليف المفيدة، المليحة الجليلة، السائرة الشاهدة له بكل فضيلة، الدالة على غزارة فوائده والمعربة عن حسن مقاصده، جمع فيها فأوعى، وفاق أقرانه جنسًا ونوعًا التي شنفت بسماعها الأسماع، وانعقد على كمالها لسان الإجماع، ورزق فيها الحظ السامي عن اللمس، وسارت بها الركبان سير الشمس" (١). ومع هذا كله، فقد نقل السخاوي عن شيخه ابن حجر أنه قال: "لست راضيًا عن شيء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ من يحرِّرها معي سوى (شرح البخاري)، و (مقدمته)، و (المشتبه)، و (التهذيب)، و (لسان الميزان) ". كما نُقل عنه أنه أثنى على (تغليق التعليق)، مع أنه من أوائل مصنفاته وعلى (نخبة الفِكر). ثم قال ابن حجر عن باقي تصانيفه: "وأما سائر المجموعات، فهي كثيرة العدد، واهية العُدد، ضعيفة القوى، ظامئة الروى"! ويعقّب السخاوي على قول شيخه، فيقول: "ليس ذلك إلَاّ لتواضعه وكثرة معارفه المتجدّدة". ويقول المحدّث حبيب الرحمن الأعظمي: "ولا شك أن كلامه هذا مبعثه تحريه التجويد والتحرير، وهو يصوِّر تواضعه الجمّ، فمصنفاته كللها تنمُّ عن علم واسع وتحقيق نادر، وهي مراجع أساسية في موضوعاتها" (٢).

стр. 64

عدد مصنّفاته: أوصلها السخاوي في (الجواهر والدُّرَر) إلى أزيد من (٢٧٠ مصنفًا)، وعد منها السيوطي في (نظم العقيان) (١٩٨ مصنفًا)، وابن العماد (٧٣ مصنفًا)، وابن تغري بردي ما يزيد على (٧٠ مصنفًا)، وابن فهد (٢٥ مصنفًا)، وذكر الكتاني في (فهرس الفهارس) زهاء (١٩٥ مصنفًا) (١). ويُعدُّ كتاب (ابن حجر العسقلاني ودراسة مصنفاته ومنهجه وموارده في كتابه الإصابة) للدكتور شاكر عبد المنعم، من أحسن الكتب استيعابًا لتصانيف ابن حجر والكلام عنها، وقد سبق الإشارة إليه عند ذكر مصادر ترجمة الحافظ. وأذكر هنا أهم من توسع في ذكر مصنفاته -محيلًا الباقي إلى مصادر ترجمته المذكورة في المقدمة-، وهي: ١ - ابن حجر العسقلاني مؤرِّخًا: وقد ركز على مصنفاته التاريخية. ٢ - الجواهر والدُّرَر: مخطوط، منه نسخة مصوّرة بالمكتبة المركزية رقم (٥٠٥ ف)، وقد طُبع الجزء الأول منه. ٣ - الحافظ ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث: لعبد الستار الشيخ، وقد تناول مصنفات الحافظ في أزيد من ١٠٠ صفحة. ٤ - الرسالة المستطرفة: للكتاني. مؤلفاته في الزوائد خاصّة: علم الزوائد هو علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَف رُويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّفِه على أحاديث كتب الأصول الستة و (مسند

стр. 65

أحمد) (١) أو بعضها، من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها لكن من طريق صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده (٢). وذلك مثل زيادةِ في اللفظ أو السند أو اختلاف في صيغ التحمل، وهذا يخضع لمنهج المُؤلِّف والطريقة التي اتبعها في تطبيقه. ويُعد أبرز من ألّف في هذا الفن ثلاثة أئمة أعلام متعاصرين عاشوا في مِصْرٍ واحد، وهم صاحبنا الحافظ ابن حجر والحافظ نور الدين الهيثمي والإمام البوصيري. وأذكر ها هنا من باب الفائدة مؤلفات الهيثمي والبوصيري في الزوائد وأُثني بمؤلفات الحافظ ابن حجر بعد ذلك. الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧هـ): ١ - (غاية المقصد في زوائد المسند)، جمع فيه زوائد مسند أحمد على الكتب الستة مُرتبًا على الأبواب مع ذكر الأسانيد. وقد قُسم رسائل دكتوراه في جامعة أم القرى. ٢ - (كشف الأستار عن زوائد البزار)، جمع فيه زوائد مسند البزار على الكتب الستة، مُرتبًا على الأبواب مع ذِكْر الأسانيد، وقد طبع بمؤسسة الرسالة

стр. 66

بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، وحقق القسم الأول منه في رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية. ٣ - (المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي)، جمع فيه زوائد مسند أبي يعلى من طريق أبي عمرو بن حمدان -وهو الرواية الصغرى المختصرة-، وأضاف إليه من طريق أبي بكر بن المقري -وهي الرواية الكبرى المطوّلة- مسانيد العشرة المبشرين على نفس نمط الكتابين السابقين. وقد طُبع الجزء الأول منه بتحقيق نايف الدعيس بمؤسسة تهامة. ٤ - (البدر المنير في زوائد المعجم الكبير) للطبرانى، وهو مخطوط. ٥ - (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) الأوسط والصغير على الكتب الستة، وقد رتبه على الأبواب الفقهية مع ذكر الأسانيد، وقد طُبع في ٩ مجلدات مع الفهارس بتحقيق عبد القدوس محمد نذير بمكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤١٣هـ. ٦ - (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)، على الصحيحين فقط، وسار في ترتيبه على نسق سابقيه، وقد طُبع. ٧ - (بغية الباحث عن زوائد الحارث) على الكتب الستة، وقد حققه حسين أحمد الباكري، وقدّمه إلى الجامعة الإسلامية أطروحة لرسالته الدكتوراه، وطُبع مُؤخرًا بمركز خدمة السنة بالجامعة المذكورة سنة ١٤١٣ هـ. ٨ - (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)، وهو كتاب عظيم من أهم دواوين السنة، ويُعد بحق موسوعة حديثية، جمع فيها الهيثمي زوائد الكتب المتقدم ذكرها -باستثناء مسند الحارث وصحيح ابن حبان-، وحذف أسانيدها، وتكلم عقب كل حديث مُبينًا مرتبته، وإن كان أكثر كلامه في الحكم على الحديث يكون عامًا، كقوله (رجاله ثقات)، أو (رجاله رجال الصحيح)

стр. 67

ونحوها، ورتّبه على الأبواب، وطُبع طبعة غير محقّقة. ويقوم الآن الأستاذ حسين سليم أسد بالعمل على تحقيقه، وقد أنجز قسمًا منه. الحافظ العلاّمة البوصيري (٧٦٢ - ٨٤٠) (١): هو أحمد بن أبي بكر عبد الرحمن بن إسماعيل بن سليم بن قايماز الكناني، البوصيري الشافعي، نزيل القاهرة، يلقب بشهاب الدين. لازم العراقي واستفاد منه، وسمع منه ومن الهيثمي، كما لازم ابن حجر وكتب عنه. ومن مؤلفاته في الزوائد: ١ - (مصباح الزجاجة نى زوائد ابن ماجه) على الكتب الخمسة، وطُبع عدّة طبعات، بعضها سقيم مليء بالأخطاء. ٢ - (إتحاف الخِيَرة المَهَرة بزوائد المسانيد العشرة) (٢)، وهو من أهم كتبه وأعظمها، وهو مُوازِ لعمل ابن حجر في المطالب العالية من حيث المضمون غالبًا، وسيأتي الكلام على ذلك عند المقارنة بين عمليهما. والمسانيد التي جمع زوائدها البوصيري، هي: ١ - مسند أبي داود الطيالسي (ت ٢٠٤هـ). ٢ - مسند الحميدي (ت ٢١٩ هـ). ٣ - مسند مسدّد (ت ٢٢٨ هـ). ٤ - مسند أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ). ٥ - مسند إسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨هـ).

стр. 68

٦ - مسند ابن أبي عمر العدني (ت ٢٤٣ هـ). ٧ - مسند أحمد بن منيع (ت ٢٤٤ هـ). ٨ - مسند عبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ). ٩ - مسند الحارث بن أبي أسامة (ت ٢٨٢ هـ). ١٠ - مسند أبي يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ هـ). ورتَّب كتابه هذا على الأبواب، وترتيبه أقرب إلى ترتيب الهيثمي. وذكر الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها في الغالب. وقد حُقق بعض كتاب إتحاف الخيرة للبوصيري في الجامعة الإسلامية في أطروحات، بعضها دكتوراه، وأكثرها ماجستير. وقد نوقشت أغلب أجزائه، ويعمل مركز خدمة السنة بالجامعة الإسلامية بالتعاون مع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف على طبعه بتحقيق بعض علماء الحديث، وقد يسّر الله إخراج بعض أجزائه. مؤلفات الحافظ ابن حجر في الزوائد: ١ - (زوائد الأدب المُفرد للبخاري) (١): جرّد فيه زوائد الأدب للبخاري على الكتب الستة، ولعلّه اقتصر هنا على الكتب الستة على غير عادته؛ لصغر حجم (الأدب المفرد) مما لا يُخشى معه الطول. ٢ - (زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة) على الكتب الستة ومسند أحمد. ٣ - (زوائد مسند أحمد بن منيع). ٤ - (زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)، ومنهجه في

стр. 69

هذا الكتاب لا يختلف كثيرًا عن عمل الهيثمي في (كشف الأستار)؛ لأن ابن حجر لخّص كتاب الهيثمي، وذلك بحذف ما كان عند البزّار، وهو في مسند أحمد ومنهجه في هذا الكتاب أنه يذكر كلام البزّار بلفظه، وإلَّا اختصره إن كان مطولًا، ثم ينقل كلام الهيثمي بقوله: "قال الشيخ"، ويتعقبه إن كان في كلامه ما يقتضي ذلك من وهم أو خطأ (١). وقد حقّقه الدكتور عبد الله مراد السلفي في رسالة دكتوراه إلى (كتاب الأطعمة) بإشراف الشيخ حماد الأنصاري. وطبع طبعة كاملة في مجلدين بمؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، تحقيق: صبري بن عبد الخالق أبو ذرّ على نسختين خطيتين مصورتين عن المكتبة الآصفية بحيدرآباد الدكن بالهند (٢). ٥ - (زيادات بعض الموطآت على بعض) (٣): إن الموطأ له عدّة روايات، وسمعه خلق لا يحصون، ووقع للحافظ منها بالأسانيد المتصلة إلى رواتها: ١ - رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي الرواية التي اشتهرت عند المغاربة وأهل الأندلس. ٢ - رواية أبي مصعب الزبيري. ٣ - رواية يحيى بن عبد الله بن بكير. ٤ - رواية سويد بن سعيد. ٥ - رواية سعيد بن عفير المقري.

стр. 70

٦ - رواية معن بن عيسى. ٧ - رواية محمد بن الحسن الشيباني. وذكر شاكر عبد المنعم أنّ جزءًا منه موجود بالمكتبة الأزهرية ضمن مجموع تحت رقم (١٠٩ مجاميع) (١). ٦ - (زوائد الفردوس): ذكره الكتاني، وقال: "يقع في مجلد، وسماه (زهر الفردوس) "، كما أن هناك كتاب آخر بعنوان تسديد القوس وكلاهما مخطوطان موجودان. ٧ - (زوائد الكتب الأربعة مما هو صحيح) (٢): جمع فيه زوائد السنن الأربعة على الصحيحين، لكنه لم يتمّ. ٨ - (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية): وستأتي دراسة مفصلة عنه في الفصل التالي -إن شاء الله-. * * *

стр. 71

الفصل الثاني دراسة عن الكتاب ويشتمل على ستة مباحث: المبحث الأول: تسمية الكتاب، وبيان مدى المطابقة بينها وبين مضمونه إجمالًا. المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف. المبحث الثالث: موضوع الكتاب. المبحث الرابع: مقارنة عامة بين الهيثمي وابن حجر والبوصيري. المبحث الخامس: منهج المؤلف في الكتاب مع المقارنة بغيره.

стр. 72

المبحث الأول تسمية الكتاب، وبيان مدى المطابقة بينها وبين مضمونه إجمالًا ويشتمل على مطلبين، هما: المطلب الأول: تسمية الكتاب . المطلب الثاني: مطابقة التسمية للمضمون. * * * المطلب الأول تسمية الكتاب الذي يظهر من خلال تتبُّع من ذكر كتابنا هذا أن الصحيح في اسمه هو "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، هذا هو المعتمد في اسمه، وذلك لعدَّة اعتبارات: ١ - أن المؤلف صرح بما ذكرناه من اسمه في مقدمته للكتاب (١). ٢ - أنّ غالب من ترجم للحافظ ابن حجر اتفقوا على هذه التسمية، وفيهم من هم أعرف الناس بالمصنف ومؤلفاته، كالسخاوي (٢) وابن فهد

стр. 73

المكي (١) وغيرهما. وقد تحرف هذا الاسم في بعض الكتب، فجاء في كشف الظنون (٢/ ١٧١٤) وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٢٧٢): "المطالب العالية برواية المسانيد الثمانية"، وتصحف في القلائد الجوهرية (ص ٤٥٩) إلى: "المطالب الغالية بزوائد المسانيد الثمانية، وفي الرسالة المستطرفة للكتانى (ص ١٢٨): "المطالب العلية في زوائد المسانيد الثمانية"، ولعله تصحيف مطبعي أو من النساخ. ٣ - أن نسخ الكتاب التي بين أيدينا اتفقت على هذا العنوان. المطلب الثاني مطابقة التسمية للمضمون إجمالًا جمع كتاب المطالب العالية ثمانية مسانيد فعلًا كما هو مذكور في مقدمته، وهي: ١ - مسند الطيالسي. ٢ - مسند الحميدي. ٣ - مسند مسدد. ٤ - مسند ابن أبي عمر. ٥ - مسند أحمد بن منيع. ٦ - مسند ابن أبي شيبة. ٧ - مسند الحارث بن أبي أسامة. ٨ - مسند عبد بن حميد.

стр. 74

لكن الحافظ لم يلتزم بذكر هذه المسانيد فقط، بل زاد عليها مسند أبي يعلى ومسند إسحاق بن راهويه ويرجع السبب في ذلك إلى أن الكتابين الأخيرين ليسا كاملين؛ إذ وقع له من الثاني نحو النصف، ووقع له من الأول الرواية الكبرى -وهي رواية ابن المقرئ- وهي التي فات الهيثمي إفراد زوائدها، فأراد الحافظ ذكر ما فاته؛ لكون الهيثمي اعتمد في إفراد زوائد أبي يعلى على الرواية الصغرى -وهي رواية أبي عمرو بن حمدان-. وأشار إلى هذا الاعتذار تلميذه ابن فهد المكي في لحظ الألحاظ (١). فلعل الحافظ أراد بقولها "المسانيد الثمانية" أي ثمانية مسانيد كاملة، وبذلك يتضح مدى المناسبة بين تسمية الكتاب ومضمونه، علمًا بأن الحافظ زاد كتبًا أخرى غير التي ذكرت، كمسند البزّار والروياني وكتاب ابن منده في الصحابة وغيرها، لكنه لا يذكرها استقلالًا، وإنما تبعًا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. * * *

стр. 75

المبحث الثاني توثيق نسبة الكتاب للمُؤلِّف لا يتطرق أدنى شك إلى أن هذا الكتاب وهو (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية) من تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني، ويدل على ذلك عدة أمور، وهي: ١ - ذكر الحافظ له في مؤلفاته كما في كتاب المعجم المفهرس. ٢ - ذكرُ غالب من ترجم للحافظ له في كتبهم كابن فهد المكي في لحظ الألحاظ (ص ٣٣٣)، وابن تغري في المنهل الصافي (٢/ ٢٦)، والسخاوي في الجواهر والدرر (ق ١٧٦ أ) وفي الضوء اللامع (٢/ ٣٨)، وتلميذه البقاعي في عنوان الزمان (١/ ق ٥٢)، وابن خليل الدمشقي في جمان الدرر (ق ٧٢ ب)، والسيوطي في طبقات الحفاظ (ص ٥٥٣)، وابن العماد في شذرات الذهب (٧/ ٢٧١)، والكتاني في الرسالة المستطرفة (ص ١٢٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٧١٤)، وعبد الحي الكتانب في فهرس الفهارس (١/ ٣٣٤)، وإسماعيل باشا البغدادي في هدية العارفين (٥/ ١٣٠)، وغيرهم. ٣ - النقول منه والعزو إليه مع تسميته ونسبته له، ووجود هذه النقول فيه، وممن نقل عنه البوصيري في كتابه (إتحاف الخيرة)، وقد صرح بالنقل أحيانًا (١)، وأحيانًا لا يصرح (٢).
следующие страницы →