Полный текст (521 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
التفكك في الأسر الكافرة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فيقول الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠].
بين الله في هاتين الآيتين بياناً شافياً: أنه لا يمكن أن يكون رضاً قط بين ملة الإيمان وملل الكفر على حد سواء، وأنهم لا يمكن قط أن يرضوا عنا إلا أن نترك ما نحن عليه من إيمان وشرع، وأن ننحاز وندخل فيما هم عليه من كفر حتى نكون نحن وإياهم سواء، حينئذ يحصل الرضا، وهو أيضاً رضاً ظاهر، لقول الله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، فهم قد رضي بعضهم عن بعض في الظاهر، وأما في الباطن فهم متفرقون متشرذمون، هذا البغض والحقد الدفين يظهر أثره بين الحين والحين متمثلاً شبهات في العقيدة، وشبهات في الشريعة، وشبهات فيما يتعلق بجوانب الحياة كلها.
لما فسدت أسر اليهود والنصارى، ولم يكن بينهم ترابط أسري ولا اجتماعي، أصبح يزج الولد بوالده أو بأمه في بيت يسمى بيت العجزة، وهذا البيت يوجد في كل حي من أحياء بلاد أوروبا وأمريكا، إذا كبر الوالد أو الوالدة حمله ولده فزج به في غياهب هذه الديار المظلمة.
وفي سنة (٧٩) سألت رجلاً في هذا البيت من بيوت ميلانو في إيطاليا، قلت: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قال: ولدي.
قلت: ولم؟ قال: لأن دوري قد انتهى.
قلت: وكيف انتهى؟ قال: كبر سني، ورق عظمي، ولا فائدة مني! هكذا قال.
قلت: أما نحن معاشر المؤمنين فإن دورك عندنا لا ينتهي إلا بدخولك القبر، وربما يكون لك دور بعد الموت، فقال: كيف؟ قلت: أخرج البخاري ومسلم أن النبي ﵊ قال: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؛ بدعائهم وصلاتهم)، وكان بيننا من يترجم ترجمة جيدة، صاحب رسالة كما أنه صاحب لسان، فبكى الرجل طويلاً ثم أسلم، وصلى معنا ثلاثة أيام ثم قبض، ففرحت بذلك فرحاً شديداً بعد أن وفقني ربي أن أبين له أننا لا يهنأ لنا بال حين ننزل إلى أعمالنا في الصباح حتى نتوجه إلى آبائنا، وأجدادنا، وأمهاتنا، وجداتنا فنلتمس منهم الدعوات الصالحات، وأن هذا هو خير يوم يطلع علينا أن يرضى آباؤنا وأمهاتنا عنا، أما أنتم فإن أبناءكم الذين هم من أصلابكم ليس يربطكم بهم أدنى علاقة، هذا الفارق بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام وغيره كاليهودية والنصرانية، وهو مظهر ومعلم حسن من معالم الإسلام.
ولذلك الواحد من أهل ملل الكفر إنما يؤوي ولده ذكراً كان أم أنثى حتى إذا بلغت البنت اثني عشر عاماً، والولد خمسة عشر عاماً، فإذا بلغ الولد منهم هذا المبلغ من العمر فرض عليه أن يأتي بطعامه، وشرابه، وأجرة سكنه، مما يجعل الولد يذهب فينحرف، ويجعل الأنثى في هذه السن المبكرة تذهب لتطلب معاشها بفرجها، وأما نحن في الإسلام فإن الأب والأم يبذلان النفيس والغالي في سبيل الحفاظ على الأولاد حتى يستقلوا بأزواجهم وبيوتهم، الواحد منا عنده عزم أكيد على الإنفاق على ابنته حتى تنتقل إلى بيت الزوجية، وإن بلغت من العمر أربعين أو خمسين سنة، ولا يطالبن قط بالمساهمة في الإنفاق بالبيت، إلا أن يكون إنساناً لم يبلغ من العلم مبلغاً وليست لديه روح الإسلام، فهو شريك في بعض الشيء مما يأتي به أهل الكفر من المنكرات والفواحش، وهذا قليل جداً في الأمة، أما عامة الأمة وإن لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي إلا أنهم يأبون إباء شديداً أن تخرج بناتهم وأزواجهم إلى ميادين العمل، أو أن يتسكعوا في الشوارع للقاء الشباب والمخنثين وغيرهم لأجل أن يأ
стр. 317
الأسرة المسلمة نواة المجتمع والدولة
بالعودة إلى أصل موضوعنا فإننا نجد في كتاب الله آيات عظيمة، وفي سنة النبي ﵊ أحاديث صحيحة هي في الكثرة بمكان تأمر ببناء الأسرة المؤمنة التي تنبني أسسها وقواعدها على تقوى من الله ، كل فيها راع وكل فيها مسئول عن رعيته، كل فيها له حقوق عند الآخرين، وكل عليه واجبات نحو الآخرين، فمن مجموع هذه الأسر تتكون الدولة أو الدويلة، ومن مجموع هذه الدول يتكون المجتمع الإسلامي بأسره، وهذه الحقوق الخاصة في داخل الأسرة هي تلك الحقوق العامة تجاه كل بلد مع البلد الآخر، وتجاه كل مجتمع مسلم مع المجتمع الآخر، فإذا أدت كل دولة ما عليها من حقوق وواجبات في طريق بناء المجتمع الإسلامي الأعظم المنشود؛ سيكون لنا حينئذ يمكن أن نعقد الأمل في بناء دولة الإسلام في أرض الله .
إذاً: الدولة الإسلامية الأولى المنشودة إنما أساسها وأصلها الأسرة بأفرادها القلائل، هذه الأسرة لم يترك لنا الشرع أن نتخير خطوطها وأصولها وفروعها، بل حدد لنا كل شيء، حتى تبنى الدولة على أسس إلهية لا على أهواء شخصية.
ولذلك دخل الشرع أول ما دخل في كيفية اختيار الزوجة، وبين الغرض المنشود من لقاء الرجل بالمرأة، وأنه ليس علاقة جسدية، بل هذه أدنى أغراض الزواج, وأما أعلى أغراض الزواج فهي تكوين المجتمع الإسلامي المتحضر الذي يتعامل مع كتاب الله وسنة رسول ﵊ بقلب تقي مؤمن موحد، وأما اليهود والنصارى فأعرضوا عن شرع الله وبدلوه وغيروه، ولذلك لم ولن يفلحوا قط: (ما أفلح قوم قط ولوا أمرهم امرأة) كما قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة الثقفي ﵁.
ولذلك لو نظرت إلى البيت لو تزعمت فيه المرأة وصارت الكلمة كلمتها والأمر أمرها والنهي نهيها لابد أن تنقلب الأسرة رأساً على عقب؛ لأن هذا الوضع صادم النص، ولابد أن تعلم يقيناً أن هذا النص ما أتى إلا ليبين أصل الفطرة، وأصل الفطرة قد قرره الله تعالى في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، حين انعدمت قوامة الرجل على بيته انعدم واختل توازن الرجل كلياً في الحياة العملية في الاجتماع، والسياسة، والأخلاق، والآداب؛ لأنه انهزم نفسياً في داخل بيته، فلابد أن تكون الهزيمة إليه في خارج بيته أسرع، يتصرف تصرفاً لا يليق من جهة الأدب، ولا الخلق، ولا الديانة، ولذلك الذي يهزم في بيته لابد أن تجد عليه انحرافاً في المسلك، والأخلاق، والآداب في خارج بيته، يحاول جاهداً أن يثبت زعامته، وقوامته المكذوبة على غيره ممن تولى سلطانهم رغماً عنهم لو قدر له أن يكون كذلك، كضابط -مثلاً- فقد هيمنته وسيطرته في بيته فيخرج على جنوده بالبلاء الأعظم إثباتاً لرجولته؛ لأنه يشعر من داخل نفسه أنه قد انهزم في بيته، وكذلك الزعماء، والرؤساء، والقادة، ورؤساء مجالس الإدارة وغيرها من هذه المناصب المرموقة، أما إنسان يتعامل معاملة سوية فهذه إشارة إلى أنه حكيم في بيته، ولا تزال القوامة في يده.
وحدد الله أصل النكاح في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فأصل النكاح مودة ورحمة بين الرجل والمرأة، لا علاقة جسدية، بل أسمى من ذلك، ولذلك إذا فقدت الأسرة هذه المودة وهذه الرحمة فلك أن تتصور كيف تحيا هذه الأسرة حياة كلها ضنك وشتات وتشريد لأذهان القائمين عليها، كما أنها لا تثمر الثمار الحية في تربية أبنائها وأطفالها، ولذلك حدد الإسلام المعالم الأخلاقية، والقيم الوجدانية الوثيقة الصلة بالإيمان في هذه الآية التي ذكرها الله في كتابه، فالحياة الزوجية ليست علاقة رجل بامرأة فحسب، إنما هي أكبر من ذلك.
стр. 318
مسئوليات الأسرة المسلمة
الحياة الزوجية لابد أن تبنى على أسس دينية أخلاقية، والمسئولية في هذا البيت تقع على كل أفراده، ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته) مسئول عن زوجه، وبناته، وأولاده، ومسئول عن أبيه وأمه في كبرهما، ومسئول عن أشقائه الذين أقعدتهم الأمراض والعلل عن الكسب إن كان قادراً ومن أصحاب الأموال.
وكذلك (المرأة راعية ومسئولة في بيت زوجها) وهي مسئولة عن ذلك بين يدي الله ، والولد كذلك راع لأبيه وأمه من جهة البر، والصلة، وتمام الود والحب، ودفع كلمة (أف) التي هي أقل ما يمكن أن يتأذى به الأب والأم، ولذلك قرن الله بر الوالدين بالتوحيد والعبادة فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، أي: وأمر بالإحسان إلى الوالدين كما أمر بعبادته وحده؛ فمن لم يحسن إلى والديه فكأنه ما عبد الله حق العبادة؛ لأن من تمام العبادة لله امتثال الأمر واجتناب النهي، وقد أمرك أن تعبده بالإحسان إلى الوالدين، فإذا تركت هذا فما عبدت الله على الحقيقة، وانظر إلى اقتران الأمرين في آية واحدة وفي نسق واحد.
ترتيب الرعاية على كل أفراد المجتمع الإسلامي أمر حتمي لازم، فالحقوق والواجبات على كل من الزوجين، ولك أن تتصور لو أن الله تعالى رتب حقوقاً للزوجة ولم يرتب عليها واجبات، ماذا كان سيكون حالها؟ وكذلك في جانب الزوج، لو أن الله جعل له حقوقاً ولم يجعل عليه واجبات، لابد أن يختل ناموس الحياة بأسره؛ لأنه لا يسود إلا بسوق الحقوق إليه، وأخذ الواجبات التي عليه، ولذلك رتب الإسلام في ذمة الرجل حقوقاً، وكذلك للرجل في ذمة المرأة حقوق، وقابل ذلك بالواجبات، فإذا أدى الرجل ما عليه لابد أن يأخذ ما له، وإذا أدت المرأة ما عليها لابد أن تأخذ ما لها بالإحسان وطيب العشرة، لا أن يتعامل الزوجان مع بعضهما بلغة افعل وافعل، أو: إن فعلت سأفعل، والله ﵎ بين أن درجة الفضل أعظم بكثير من درجة العدل في قوله: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، أي: حين وقوع الشقاق والخلاف وما يمكن أن يترتب عليه من اضطراب قال: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].
стр. 319
محافظة الإسلام على الأسرة
حافظ الإسلام كل الحفاظ على قيام الأسرة، وألا يشوبها أدنى شائبة، ولذلك حرم النبي ﵊ اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن اختلاط الرجال بالنساء ينتج عنه نظرة، ثم ابتسامة، ثم ضحكة عريضة توقع المرأة الضعيفة في حبائل الشيطان، فحرم الإسلام الاختلاط مخافة أن يؤدي إلى الفاحشة البينة التي يترتب عليها خراب البيت وفساده واختلاط الأنساب باختلاط المياه، والنبي ﵊ يقول: (لا يسقي أحدكم ماءه زرع غيره) أي: لا يزني أحدكم بامرأة أجنبية.
هذا المراد من الحديث؛ لأن الزنا مغبته عظيمة، أتدرون أن أعظم مغبة للزنا بعد غضب الله ﵎ التفكك الأسري وبالتالي تفكك المجتمعات.
في مجتمعات أوروبا وأمريكا نسبة تزيد عن ٧٠% لا يعرفون لهم أباً ولا أماً، ولو أن بيننا الآن رجل لا يعرف أباه فهي الحياة البئيسة البغيضة بعينها، فتصور أن مجتمعاً تبلغ فيه نسبة اختلاط المياه بسبب الزنا وغير ذلك ٧٠%، كيف يكون هذا المجتمع؟ مجتمع منحل لا تربطه عقيدة، ولا تربطه مودة ولا إخاء ولا محبة، ولا صلة، ولا أي معنى من هذه المعاني الإسلامية التي أكرمنا الله بها، فهي نعمة عظيمة جداً تستحق الشكر كما بين النبي ﵊، وكل هذا في سبيل الحفاظ على الأسرة كريمة عزيزة مصونة.
قال ﵊: (لا تطرقوا النساء ليلاً) حتى الزوج إذا كان في سفر ولا يعلم وقت مجيئه يمنع أن يطرق بابه ليلاً؛ حتى لا يجد ما يكره، أو لتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، أي: تتجمل لزوجها، وتحلق ما يسن لها حلقه من الإبط والعانة، وتتجمل بأحسن الزينة لزوجها، وتتطيب فتلقى زوجها في أحسن زينتها؛ لأن زوجها يجب ألا يقع أنفه، ولا سمعه، ولا بصره من امرأته إلا على ما يحب، أما لو فاجأ الرجل امرأته من سفر طويل بعيد فربما رأى ما يكره فأحدث ذلك نفرة بينه وبين زوجه قد تؤدي في نهاية الأمر إلى الطلاق والفراق وخراب البيت وتشريد الأولاد، ويكون ذلك بسبب ترك سنة يراها الناس يسيرة.
أما الصحابة فلم يكونوا كذلك، إنما كانوا يأخذون أمره ﵊ مهما دق أو جم كأعظم ما يكون الأمر بالنظر إلى قدر وعلو الآمر لا بالنظر إلى مجرد الأخذ، وقال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، وخبب بمعنى: أفسد امرأة على زوجها، وأنتم تعلمون أنه قد استشرى في مجتمعات المسلمين أن الجار يمازح جارته، ويلاطفها، وهو مع زوجته من أعبس الناس، وهذه الجارة من أعبس النساء كذلك مع زوجها، ولكنها تتلطف وتضحك الضحكات العريضة لتوقع الجار بحبائلها، في الوقت نفسه زوج هذه المرأة يلاطف زوجة ذلك الرجل، فكأن هذه المرأة تزوجت جارها، وكأن هذه الجارة تزوجت جارها، فكل يميل إلى أخرى بالحرام، كما أن كل أخرى تميل إلى آخر في الحرام، وبذلك يفسد المجتمع بسبب كلمة، ولذلك نهى سلفنا ﵃ أن يلاطف الواحد منا طفلاً وأمه تنظر إليه، انظر إلى هذه الدقة من نظر علمائنا البعيد إلى صلاح القلوب وترك الأهواء، تصور لو أنك أخذت طفلاً رضيعاً فمازحته ولاطفته وقبلته وأمه تنظر إليك ماذا سيقع في قلبها؟ لن يقع إلا الحب، والميل لك، وبالتالي تقارن المرأة بينك وبين زوجها الذي ربما لا يقبلها، أو لا يروق له أن يقبلها أو يقبل حتى ولده، فتقول: إن فلاناً كان يفعل كذا وكذا بولدك وأنت حتى لا تفعل، وكلمة من هنا وكلمة من هناك حتى يقع المحظور ويخرب البيت، ولذلك حرص الإسلام دائماً على أن يبقى البيت المسلم بكماله وتمامه في العز والسرور والهناء والسعادة، وأنكر كل شيء ممكن أن يعكر عليه.
الإسلام نهى عن الشذوذ، ونهى عن اللواط بين الذكور، ونهى عن السحاق بين النساء، ونهى عن الاستمناء للرجال والنساء سواء؛ لأن هذا أمر سرعان ما يخل بالبيت المسلم، ولذلك كثير من الشاب الآن يتوجه في أول ليلة له بهذا
السؤال
يا شيخ! أنا إلى الآن ما قارفت امرأتي ولا أستطيع، فإني أشتهيها وأنا بعيد عنها، فإذا قربت منها انطفأت نار الشهوة عندي.
كل هذا بسبب الاستمناء أو المخالفات الشرعية قبل الزواج.
وخراب بيت إذا ضم إلى خراب بيت آخر وثالث ورابع وعاشر، ومئات، وآلاف، فبخراب هذه البيوت يخرب المجتمع بأسره، فانظر إلى أي مدى حرص الإسلام كل الحرص على صلاح البيت حتى يصلح بالتالي من مجموع هذه البيوت المجتمع المرجو.
стр. 320
الزواج في الإسلام
الحياة الزوجية تبدأ بتوجيه نظر الزوج والزوجة بحسن الاختيار، والأمر بالنظر إلى الخاطب والمخطوبة سواء بسواء، وبعض الإخوة يتصور أن المطلوب من جهة النظر: النظر إلى المرأة، وهذه نظرة قاصرة، فللمرأة الحق في النظر إلى الرجل الذي تقدم لخطبتها، فإن راق لها وقبلته كان لها أن تعلن عن القبول.
إن كانت المرأة ثيباً فتستأذن وتوافق هي، وإن كانت بكراً واستؤذنت فسكتت فذلك إذنها؛ لأن حياءها يمنعها من الكلام، ولذلك قال النبي ﵊: (الثيب تستأمر، والبكر تستأذن، قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال: صماتها أو سكوتها)؛ لأن البكر حيية ليس لها معرفة بأحوال الرجال، فهي إذا استؤذنت ضحكت، أو سكتت حياء، أو عرقت، أو خجلت، أو انصرفت عن موطن السؤال، أما إذا قالت: لا، لا أريده، فلا يجوز قط لوليها أن يزوجها مع رفضها إذا كانت بالغة عاقلة، أما إذا كانت قاصرة فيزوجها وليها من رجل كفء ولو بغير إذنها، وحتى إن رفضت، كما تزوج النبي ﵊ عائشة وعمرها ستة أعوام، وبنى بها النبي ﵊ وعمرها تسعة أعوام، وذلك بغير إذنها؛ لأنها لم تبلغ.
ولذلك يقول العلماء: الولاية على النكاح ولايتان: ولاية إجبار، وولاية اختيار، أما ولاية الاختيار فهي أن يستأذن الوالد أو الولي البنت البالغة، العاقلة، الراشدة، فإن أبت فيحرم عليه أن ينكحها، وإن سكتت أنكحها؛ لأن السكوت إذن، أما ولاية الإجبار فتثبت للأب خاصة؛ لأن الأب أحرص الناس على سوق الخير إلى ابنته؛ فإن تقدم لها الكفء الذي يرفع رأس الأسرة في السماء؛ فإنه حينئذ يحملها على النكاح منه ولا حرج عليه.
стр. 321
قوامة الرجل على المرأة
لو فرضنا أن البيت المسلم قام وأسس على تقوى من الله ؛ فلابد أن تبدأ مهمة كل أحد في بذل ما أوجب الله تعالى عليه، وأخذ حق كل واحد منهما من الآخر من هذه الحقوق الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله.
حق القوامة للرجل، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، وهذه الدرجة التي يعلو بها الرجال على النساء لها أسباب.
منها: ما خص الله به الرجال دون النساء من ضبط الأمر، وحزم القيادة، والقيام على مصالح ورعاية البيت من زوجة وأولاد، ومعاملة مع سائر أنواع من يمكن أن يتعامل معهم من سائر أفراد المجتمع، فالرجل مؤهل بالفطرة أن يقوم بهذا الدور، أما المرأة فليست كذلك، واستحق بهذا أن يكون قيماً عليها، أو قائماً على أمرها وشئونها.
السبب الثاني: أنه المسئول عن الإنفاق وليست المرأة، فأي مخالفة لهذه الفطرة ولهذه النصوص الشرعية إنما هي مخالفة في أصل الإيمان، ولذلك لو أن المرأة نشزت من يؤدبها؟ ولماذا يؤدبها؟ وكيف يؤدبها؟ هذا أسئلة كثيرة جداً لابد أن تكون أجوبتها في الأفهام.
стр. 322
حقوق الزوج
أما عن حقوق الزوج: فإن المرأة لا تصوم النافلة وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ لأن حق الزوج مقدم في النافلة على حق الله ، خاصة فيما يتعلق بصيام الزوجات وأزواجهن شباب، فالشاب يحتاج إلى امرأته في الليل أو في النهار، فإذا وجدها صائمة دخل قلبه الحزن والهم لحاجته إليها، خاصة والنبي ﷺ يقول: (إذا وقع نظر أحدكم على امرأة فأعجبته فليأت امرأته؛ فإن معها مثل الذي معها)، يعني: عندها الذي عند هذه المرأة الأجنبية، فاقض وطرك وحاجتك مع امرأتك، وهذا لا يكون إلا في النهار.
ومن الحقوق: ألا تأذن لأحد من محارمها أو محارمه بدخول بيته إلا برضا منه؛ لأنه لا يجوز أن تأذن للأجانب في غيبة من زوجها حتى وإن أذن.
ومن الحقوق: ألا تأبى عليه الفراش إذا دعاها، ولذلك قال النبي ﵊: (أيما رجل دعا امرأته إلى الفراش فأبت عليه فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح، وأيما امرأة باتت هاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، فاللعنة تلحقها في كل الأحوال ما دام زوجها يغضب عليها وعلى سلوكها، وأخلاقها، وإبائها، ونشوزها، فإنها في خطر عظيم جداً، لكن لا يهرب من هذا الخطر ويقبل على الجنان إلا امرأة آمنت بالله ورسوله، التي أمرت أنت بها أولاً في اختيار تأسيس الحياة والبيت.
ومن الحقوق: ألا تطلب المرأة الطلاق من زوجها في غير ما بأس، فإذا وجد السبب فلا بأس أن تطلب الطلاق، يقول النبي ﵊: (أيما امرأة قالت لزوجها: طلقني من غير ما بأس فالجنة عليها حرام)، وقال ﵊: (أيما امرأة طلبت الطلاق من زوجها من غير ما بأس فإنها لا تريح رائحة الجنة)، وقد تتابعت نسوة في طلب الخلع، حتى صار الخلع لقمة سائغة في أفواه النساء، وإن التي تطالب بالخلع من غير ما بأس من رائدتها؟ أهي حفصة، أم عائشة، أم جويرية، أم زينب بنت جحش؟ أبداً والله، رائدتها فريدة الناقش، ونوال السعداوي، وغيرهن من النسوة اللاتي نعرفهن بالنفاق والإلحاد، بل بالكفر البواح ومعاداة الإسلام في أصوله وفروعه، فإن المرأة التي تطالب بالخلع إذا لم يكن لها مسوغ شرعي في هذا فلابد أن تعلم أنها لابد أن تحشر حتماً مع نوال السعداوي، وفريدة الناقش وهؤلاء المشبوهات، ولتفعل المرأة ما تشاء.
стр. 323
حقوق الزوجة
أما عن الحقوق التي تترتب على الزوجين فإن أول حق بينهما هو حسن العشرة، ولذلك قال الله تعالى بصيغة الأمر الذي يفيد الوجوب ولا صارف له، قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [النساء:١٩]، والأمر وإن كان موجهاً إلى الرجال خاصة إلا أنه لا يمنع أن يوجه إلى النساء كذلك؛ لأنه لا يتصور أن الله أمر الرجال بحسن العشرة، وجعل للنسوة سوء العشرة، لا.
بل هناك نصوص أخرى بينت للمرأة ما لها وما عليها، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فهي حقوق وواجبات لابد من الوفاء بها في الجانبين، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، ولذلك بين النبي ﵊ المراد من هذا النص فيما أخرجه مسلم أنه قال ﵊: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)، يفرك: يبغض، والمعنى: لا يبغض زوج مؤمن زوجته المؤمنة، (إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)؛ لأن المؤمنة لا يمكن أن يجتمع فيها الشر كله، بل فيها وفيها، كما بين النبي ﵊ طبائع النساء وأصل خلقتهن فقال: (إنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج ما فيه أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسره طلاقها)، وإن طلقتها فلن تتزوج إلا امرأة مثلها.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة:٢٢٨]، قال ابن عباس: (إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي، ولا أحب أن آخذ حقي منها حتى أوفيها حقها)، هذا يفهم منه: أن لامرأته حقاً عليه، كما أن له حقاً عندها.
وقال النبي ﵊: (خيركم خيركم لأهله) أحسنكم أحسنكم لأهله، وقال ﵊: (يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة -وفي رواية: ضرب العبد- ثم يضاجعها بالليل؟!)، يبين صورة مقززة منفرة لمن يضرب امرأته طوال النهار فإذا جن الليل طلبها للفراش! كيف ذلك؟! وأي نفس تقبل هذا؟! ومن يقوى على المباشرة والإتيان والجماع والحالة النفسية هكذا، إلا أن يكون هو والحيوان سواء بسواء؟! ينزو على امرأته كما ينزو ذكر الحيوان على أنثاه.
ويقول الله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] الصاحب بالجنب هو الزوجة كما قال العلماء.
وسأل معاوية بن حيدة النبي ﵊ فقال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، وألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجرها إلا في البيت) فللمرأة عند الرجل حقوق بينها النبي ﵊ للرجال، وذكر الرجال بالوفاء بها.
стр. 324
ميثاق النكاح
إذا التقى الرجل بالمرأة فأول لقاء يجمع بينهما يسبقه مجلس الميثاق الغليظ، ولك أن تتصور أن العقود كلها لم توثق بالميثاق الغليظ إلا ميثاق الإيمان وميثاق النكاح، ميثاق الإيمان وصفه الله تعالى بأنه ميثاق غليظ، وميثاق النكاح كذلك وصفه رب العزة ﵎ بأنه ميثاق غليظ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢٠ - ٢١]، فعقد النكاح ميثاق غليظ ليس لعباً ولا لهواً، بل حياة ربما تطول على قدر عمر الزوجين، ليس عقد بيع وشراء، ولا عقد معاوضة، ولا عقد إجارة، إنما هو الميثاق الغليظ الذي ترتبت على جانبيه حقوق وتكاليف وواجبات، والله تعالى يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأن اللباس هو الذي يباشر بدن المرأة، فشبه الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل بالزي الذي تلبسه فيلتصق ببدنك؛ لأن بدنك يلتصق ببدن زوجك والعكس بالعكس، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، الرجل يلبس المرأة، والمرأة تلبسه فيلتحمان، وهذا باب عظيم من أبواب المودة والرحمة، وهي من أغراض النكاح.
وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: (إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج)، أحق شرط يمكن أن يشترطه المرء على نفسه، ويجب عليه أن يؤديه هو الصداق والنفقة اللازمان لقيام الحياة الزوجية، وهما حق استحلال الفرج، لا تطالب المرأة بالإنفاق على بيتها، ولها السكنى والنفقة والمهر أو الصداق كل ذلك واجب على الزوج، وهذا الذي جعل الله يفضل الرجل ويرفعه على النساء درجة لما أنفق من أمواله.
стр. 325
أهمية اختيار صاحب الدين
أمر الإسلام الولي بأن يختار صاحب الدين: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم)، وفي رواية: (وفساد كبير)، وأنتم تعلمون الفساد الواقع في المجتمع بسبب زواج الفساق، أو الملاحدة، أو من ليس بكفء لقلة الدين والأخلاق، وغير ذلك من سائر البلايا والرزايا التي ابتلي بها المجتمع الإسلامي.
وفي المقابل من ذلك يجب على الرجل أن يتخير ذات الدين: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها؛ فاظفر بذات الدين) وهذا اختيار النبي الأمين ﵊، قال: (فاظفر بذات الدين)، وإن لم تفعل: (تربت يداك)، وإن التصقت يداك بالتراب، دليل على الهوان والخسارة، والذي يتزوج امرأة لجمالها سرعان ما يزول جمالها وبالتالي يزول بيتها، وإذا تزوج الرجل المرأة لحسبها كان ذليلاً بين يديها، كما أنه إذا تزوجها لمالها كان عبداً أسيراً عندها، مع أن النبي ﵊ بين أن النساء هن الأسيرات، فكيف تنتكس الفطرة ويكون الرجل هو الأسير أسير المال؟ (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، هذا لمن عبد المال فلهث خلفه، أو عبد الجمال، ألا تعلم أن الجمال يشقيك؟! أيرضيك أن المرأة تتدلل عليك بجمالها؟! وربما أفسدت زوجها بجمالها، فإما أن يكون غيوراً شديد الغيرة فتتنغص عليه حياته، وإما أن يكون ديوثاً متساهلاً لا يبالي ببقاء امرأته مع الأجانب، ولا يرى في ذلك بأساً، فيفعل المحظور.
كل ذلك أنكره الإسلام وحذر منه، بل وبين العلاج، وهو اختيار ذات الدين.
стр. 326
الوسائل الشرعية للتعامل مع نشوز المرأة
النشوز في اللغة: الارتفاع، كما تقول: أرض ناشز، أي: مرتفعة، والنشوز في الاصطلاح سواء كان في حق الرجل أو المرأة؛ لأن النشوز في حقهما ثابت: هو أن تخرج المرأة من الطاعة، وتدخل في المعصية، وترك الأمر والوقوع في النهي، وكذلك الرجل، فإذا وقع هذا من المرأة أليس القائم على أمرها هو أحق الناس بردها إلى ما كانت عليه قبل النشوز؟ لكن
السؤال
كيف يربيها؟ بطلاقها؟ لا، بلطمها؟ لا، بهجرها؟ لا، هناك وسائل: الوسيلة الأولى: يبدأ بوعظها، يذكرها بالجنة والنار، يذكرها بحال العصاة من الأمم الغابرة، وممن ساءت خاتمته من أمة الإسلام بسبب معصيته واقترافه الذنب، وغير ذلك مما يمكن أن يوجع قلبها، ويردها إلى رشدها، يذكرها باللعنة النازلة عليها من الله ورسوله والمؤمنين وملائكة الله ، ويذكرها بحقه عليها، وأن النبي ﵊ قال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، يذكرها ويعظها في نفسها موعظة بليغة، وهذه الموعظة ربما استغرقت لحظات أو ساعات أو أياماً أو أسابيع أو أشهراً أو حتى أعواماً؛ لأن الموعظة لا تعمل عملها في القلوب على نسق واحد، فالذي يجزئ مع هذا لا يجزئ مع ذاك، وربما الذي يجزئ مع هذا في لحظة ينتفع به الآخر في لحظات.
الوسيلة الثانية: إذا بلغ الأمر في الوعظ ذروته ولم يجدِ انتقل الزوج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الهجر، ولكن النبي ﵊ بين كيفية الهجر؟ ومتى يكون؟ لا يكون الهجر قبل الوعظ، إنما الوعظ أولاً، وهذا على الترتيب في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، كما في حديث معاوية بن حيدة أنه قال: (ولا تهجر إلا في البيت) لا تخرجها من بيتها، ولا تخرج هي كذلك، وأنت لا تخرج، إنما تنام معها في نفس الفراش وفي نفس المخدع وولها ظهرك، يقول ابن عباس: الهجر أن يكلمها، يعني: لا يخاصمها، لكن لا يجامعها، ويقول الحسن وغيره: الهجر أن ينام معها في فراش واحد يوليها ظهره.
وهذا أشد عليها، لو أنه ترك الفراش بالكلية لهان عليها، لكنه لو نام معها في سرير واحد وأعطاها ظهره لم يستجب لملاطفتها ومداعبتها مع نشوزها؛ لكان هذا من أقسى وأشد الأمور على نفسها.
الوسيلة الثالثة: هب أن كل هذا لم يجد معها، نغير وسيلة أخرى، وينتقل إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب، ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، المرأة التي لا ينفع معها الوعظ، واللوم، والتوبيخ، والهجر ربما ينفع معها الضرب، وكثير من النساء -إن لم يكن كلهن- تحب أن يضرب الرجل، انظروا إلى العجيب في نفسية النساء، المرأة تحب أن تكون تحت رجله بمعنى الكلمة، أما الرجل الناعم فهو لا يعجب المرأة وإن أحسن إليها أيما إحسان، لكن المرأة إذا علمت من زوجها أنه يتدرج معها بتدرج الله له، وأنه لابد أن يصل في يوم من الأيام إلى الضرب فهذا أمر يجعلها تستجيب له.
والضرب يكون بشيء معقول، مثل السواك، والسواك يطلق على شجرة الأراك كلها، فبإمكانك أن تأخذ جذعاً من شجرة الأراك وتضرب به، لكن بشرط: ألا تشج رأساً، وألا تكسر عظماً، كما جاء عند أبي داود بسند صحيح، لما سئل النبي ﵊ عن الضرب كيف هو؟ قال: (ألا تشج رأساً، ولا تكسر عظماً)؛ ولابد أن تعلم أن الإسلام ما أباح للرجال الضرب إلا بنية التأديب، لا بنية الانتقام والتشفي، ولذلك قال الله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤]، ما دام أنها رجعت وتابت وأنابت لابد أن ترفع يدك عنها، هذه الوسيلة الثالثة.
الوسيلة الرابعة: إذا وجدت المرأة نفسها شريكة لك في حياتك استقامت، وتكلفت الود، وتكلفت الملاطفة، والقيام بواجباتها وزيادة، ولذلك يدعو كثير من الناس الآن إلى تعدد الزوجات، وأنا لا أدعو لتعدد الزوجات ولكني لا أفتح الباب على مصراعيه حتى يصير علامة علي وعلى دعوتي، وأنتم تعملون أن طوائف كثيرة من المسلمين اهتموا بجانب واحد من جوانب الإسلام، وعيب عليهم أن يقفوا في الإسلام كله عند جانب واحد، كمن يقف على جانب واحد وهو السياسة، ومن يقف على جانب واحد وهو الجهاد، ومن يقف على جانب واحد وهو العلم، ومن يقف على جانب واحد وهو تعدد الزوجات، وقضيته في قومته ونومته تعدد الزوجات.
فنجد من يؤلف لنا كتباً: تعدد الزوجات واجب، فيرد عليه الآخر في كتب: بل تعدد الزوجات مباح، أما الآخر فيقول: التوسط هو استحباب تعدد الزوجات، حتى صار أمراً يشغل العقول الدعوية على مستوى الساحة، وهذا خبط عشوائي لأناس لا رسالة لهم، ولا يستغلون الوقت استغلالاً جيداً، والوقت مع ضيقه إلا أنه مباح لمن أراد أن يتكلم ولمن كان عنده علم أن يتكلم به ويعلم شباب الصحوة دينهم وأحكام شرعهم، أما في كل مجلس، وفي كل درس، وفي كل قومة ونومة لا يتكلمون إلا عن تعدد الزوجات، وكأن دينهم وشرع ربهم هو تعدد الزو
стр. 327
شبهات حول الطلاق في الإسلام وردها
إذا استنفد الخلاف بين الرجل والمرأة كل هذه الوسائل، فهل يمكن للعلمانيين والملاحدة والكفار في بلادنا وفي غير بلادنا أن يأتونا ببديل؟ لقد أجرينا مع الزوجة جميع الوسائل فلم ترجع عن نشوزها، فإما أن نشابه النصارى في عدم إيقاع الطلاق إلا في ظروف ضيقة جداً يتضرر لها الزوج والزوجة، فقد بلغ النشوز بين الرجل والمرأة مبلغاً عظيماً حتى صار كل واحد منهما يأبى أن يسمع اسم الآخر، فحياتهما بعد أن كانت سعيدة في أولها، أصبحت في غاية التعاسة في آخرها، فما البديل بعد استخدام كل وسائل الصلح والتأديب والتربية والإرجاع عن هذا النشوز، الإسلام يقول: الطلاق.
كما أثار الملاحدة تبعاً لأسيادهم في الشرق والغرب شبهات حول الإسلام في الزواج، أثاروا شبهات أخرى في الطلاق وفي الحدود وغيرها من سائر فروع الإسلام، فماذا قالوا عن الطلاق؟! قالوا: الطلاق عبارة عن وحشية، وحشية لماذا؟ قالوا: وحشية ولم يبينوا دليل هذه الوحشية، غير أنه زج وإلقاء بالمرأة في الشوارع والطرقات بعد أن كانت مستورة في بيتها، هذا البيت انقلب على رأسها جحيماً، فنقول: هي طلبته، واستنفذنا معها وسائل إرجاعها إلى بيتها فأبت، ونحن نتكلم عن الطلاق بعد استنفاد وسائل الصلح بينهما، لا نتكلم عنه بادئ ذي بدء، ومعاذ الله أن يكون وحشية، فهل الطلاق وحشية بعد هذا كله أم ما يفعله مجتمع الغرب الآن من الانحلال والانسلاخ من كل قانون سماوي أو حتى أرضي؟! إن الغرب يعيش إباحية لم تشهدها الجاهلية الأولى، ويعيش مرحلة تهتك وعري وإهانة للمرأة لم تبلغها المرأة في تاريخ البشرية بلغها الغرب الآن، ثم هو يتكلم عن وحشية الإسلام للمرأة في الطلاق، كما قال من قبل: إن النكاح للمرأة إنما هو حد لحريتها، فلا الحد نافع عند الغرب وأذنابهم في بلاد الإسلام، ولا الطلاق نافع كذلك، فما الذي ينفع؟ هل هذا الانسلاخ وشرب الخمر وأنك إذا سرت في شوارع أوروبا وجدت الرجال والنساء فوق بعضهم إما سكارى وإما زناة؟! هل هذا هو الذي يستقيم مع كرامة المرأة وعفتها وصيانتها وشرفها؟ أبداً.
إنه لا يقوم بذلك إلا إنسان قد انتكست فطرته تماماً، والحل بعد استنفاذ وسائل تأديب المرأة لا حل لها إلا الطلاق.
الطلاق في اللغة: الإرسال والترك.
أما في الاصطلاح: فهو حل عقدة النكاح، الطلاق هو حل الميثاق الغليظ الذي أخذ علينا في نكاح النساء، إذا انفرط عقده فإنما هو الطلاق، والطلاق ثابت بكتاب الله وسنة النبي ﵊، وإجماع أهل العلم، وكذلك ثابت بالمعقول، يعني: المنطق يقول هذا، المنطق يقول: امرأة سيئة الخلق، زانية، خائنة، ولا يجدي معها نصح، ولا وعظ، ولا ضرب، ولا تحكيم ولا غير ذلك، فلا يكون معها إلا الطلاق.
ويقولون أيضاً: الطلاق تشريد للأولاد، فنقول لهم: يرد على شبهتكم من زاويتين.
الزاوية الأولى: لو أننا اعتبرنا أن الطلاق موت؛ فكيف يتربى الأطفال بعد موت أبيهم أو أمهم؟ فليس الطلاق بشر من الموت، فالذي يربي أولاده في حال موت أحد الوالدين يربيهم في حال طلاق الوالدين.
الزاوية الثانية: أيهما أنفع للأولاد: أن يتربى الولد في جو مليء بالعطف والحب والحنان والود عند أحد الوالدين، أو في أحضان امرأة أخرى تزوجها أباه، أو في أحضان رجل آخر تزوجته أمه، أو يتربون في جو قد امتلأ بالتوتر، والعصبية، والسباب، والشتائم في كل صباح ومساء، أيهما أنفع وأجدى للولد؟ الأول دون الثاني.
ولذلك كل الشبهات التي أثارها الملاحدة لا تقوى على مجابهة الإسلام، بل هي أوهى من بيت العنكبوت، ولذلك لا تثبت قط أمام من عنده مسكة من علم وفهم عن الله تعالى ورسوله، فربما فسدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مفسدة عظيمة ومضرة بالغة لسوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى الحال بين الزوجين حينئذ إيقاع الطلاق، والله تعالى يقول: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، يعني: الطلاق مشروع، وقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، واعلم أن هذا أحد وسائل الإصلاح، يظهر هذا في كيفية إيقاع الطلاق، يقول الله تعالى: ((الطَّلاقُ مَرَّتَانِ))، إجماع أهل العلم أن المراد بذلك مرة بعد مرة، لا يقع مرتان دفعة واحدة، وإنما مرة بعد مرة.
стр. 328
الطلاق السني والطلاق البدعي
الطلاق المسنون أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه، فإذا طلقها في حيض أو في طهر مسها فيه أمر بإرجاعها وتبقى عنده حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، أرأيتم إلى الشرع كيف يوسع مدة إيقاع الطلاق؟ ((الطَّلاقُ مَرَّتَانِ))، مرة تتلوها مرة، وهذه الآية تتكلم عن الطلاق الرجعي، أي: الذي يحق للرجل أن يراجع امرأته في مدة العدة بغير عقد ولا مهر؛ لأنها لا تزال امرأته له حق الرجعة عليها حتى وإن أبت وأبى وليها ما دامت في العدة، فالعدة من حق الرجل له أن يراجع فيها امرأته بالقول أو الفعل: راجعتك إلى عصمتي، أو يجامعها بنية الرجعة، حتى بعض أهل العلم قالوا: القبلة تكفي في الرجعة مع النية، أي: لثبوت الرجعة إلى عصمة الرجل وإلى قيادته وريادته.
إذاً: الطلاق المسنون أن تطلق مرة واحدة، ثم إذا أردت أن تراجعها راجعتها، فإن شئت أمسكت على الدوام، وإن شئت طلقت الطلقة الثانية في طهر لم تمسها فيه، وبطلقة واحدة كذلك.
стр. 329
البقاء في بيت الزوجية بعد الطلاق
المرأة إذا طُلقت الطلقة الأولى لا تخرج من البيت ولا يخرجها زوجها، وإنما تبقى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ويجعل بينهما وداً، فعندما تكون المرأة غائبة عن زوجها أو امرأة خرجت عنوة عندما قال لها زوجها، وأخذت ثيابها وخرجت خارج البيت، فما دامت بعيدة عن العين فلابد أن تكون بعيدة عن القلب، لكن بقاؤها في البيت لا يؤمن معه أن ينظر إليها وأن تنظر إليه، وأن يسمع منها كلمة أو تسمع منه، أو ينام معها في فراش، له ذلك كله، لكن لا يجامعها إلا بنية الرجعة، فتصور أن الرجل يقيم مع امرأة في بيت واحد ثلاثة قروء للعدة، وهو يكلمها، لابد أن يحدث بينهما شيء من الملاطفة أو يحصل الندم من الطرفين فيندمان على ما بدر منهما فيعالجان ويصلحان ويصححان ما فسد من سوء تصرفهما، فيرجعان إلى بعضهما، ويعزمان على ألا يعودا إلى ما ندما عليه من قبل، فإن تسلط الشيطان في لحظة ضعف وطلق الطلقة الثانية ذاق مرارة الفراق، وذاقت هي ألم الهجر وعار الطلاق الذي تعير به هنا وهناك، فإن راجعت نفسها واعتذرت عما بدر منها، وراجع نفسه، فوافق هواها هواه أو العكس رجعا وندما وحرصا على ألا يقع بينهما الطلقة الثالثة؛ لأن الحال بعدها ليس كما كان قبلها؛ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] أي: الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] في نكاح صحيح، ليس نكاح تحليل، ولذلك قال النبي ﵇: (لعن الله المحلل، والمحلل له)، إذا تزوج رجل امرأة صاحبه ليحلها له فهو ملعون، وإذا كان هذا باتفاق مع زوجها الأول فهو ملعون، ولذلك لابد أن يكون في نية العاقد عند العقد بقاء العشرة ودوامها مع هذه المرأة، وإلا فهذا النكاح نكاح متعة مؤقت بوقت، يقول: أنا أتزوجها ليلة أو أسبوعاً أو شهراً أو عاماً أو مدة بقائي في هذا البلد أو غير ذلك، فإن هذا النكاح الذي يعجبني فيه من أقوال أهل العلم: أنه نكاح متعة غير صحيح، وهو نكاح باطل منسوخ بالإسلام منذ عهد نبينا ﵊؛ لأنه لا ناسخ بعده ﵊.
فإذا وقعت الطلقة الثالثة خرب البيت، وفسدت الأسرة، وكان فيها من السلبيات ما فيها، لكن أقول: هذا إذا كان عند الزوج نوع تسرع، ولذلك من أعظم فوائد جعل القوامة بيد الرجال أن الرجل أضبط لأمره، تصور لو أن المرأة غضبت وكانت الولاية في يدها ستقول له: أنت طالق، لو كانت المرأة هي التي تطلق لخربت كل البيوت بعد النكاح بأشهر على الأقل.
لكن الرجل يعرف مغبة ذلك من نفقة وسكنى وحضانة وغير ذلك بعد الطلاق، وهذا عبء لا يستطيع أن يصبر عليه حتى بعد الطلاق، مثل أن يقول قائل: يا رب! أنا مريض فأمتني! أولاً هل تعلم أنك إذا مت ستذهب إلى النعيم؟ ربما ذهبت إلى الجحيم فكان المرض لك خيراً من الموت، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، فلا اعتداء في الدعاء، يدعو بهذا ويكل الأمر إلى الله اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الخير والشر، يعلم ما ينفعك ويضرك، ويختار لك، والنبي ﵊ شرع لنا الاستخارة في الأمور، وكان الصحابة ﵃ يدعون الله تعالى حتى في شراك -سيور- نعالهم، يعني: توكل كامل على الله فيما دق من حياتهم وجل، فيما عظم وكبر، يكلون أمرهم كله لله .
стр. 330
حد الطلاق المخول للرجل
يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠]؛ حينئذ إذا وقع الطلاق فالله ﵎ ربما هيأ لهذه المرأة رجلاً يوافقها، وهيأ لهذا الزوج امرأة توافقه، فسعد كل منهما بنكاحه الجديد، وكما أمرنا الإسلام بذلك حرم علينا الإمساك بالزوجة لأجل الضرر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١] الآية، وانتبه لهذه الآية، فقد نزلت رداً على أهل الجاهلية، كان الواحد منهم يطلق امرأته فإذا قاربت نهاية العدة أرجعها، وفي نفس اليوم يطلقها، فتعتد عدة جديدة، فإذا قاربت العدة على النهاية ردها، كأنه يقول لها: لا تحلين لي ولا لغيري، يعني: سأجعلك هكذا، لا هي زوجة ولا هي مطلقة تنتفع بزوج آخر، معلقة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩]، أي: كما كان الأمر في الجاهلية، فأمر الله ﵎ أن يطلقن بإحسان.
ثم أعطها حقها بما استحللت من فرجها، أما إذا كنت لا تكرهها قط، وأنت تصنع ذلك من أجل الله ، وإنما هي التي كرهتك من غير ما بأس منك، كما قالت امرأة للنبي ﵊: (يا رسول الله! طلقني من فلان، قال: أتعيبين عليه شيئاً؟ قالت: لا أعيب عليه خلقاً ولا ديناً، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فإني نظرت إليه يمشي مع فتية من قريش فإذا هو أكثرهم دمامة، وأقلهم قامة، وهو جعد، أفطس) وصارت تعدد من معايب زوجها وأن كل شباب قريش أصحابه كانوا على قمة من الجمال والطول، والنسق الجميل، وغير ذلك، فلما رأت هذا في زوجها كرهته، لكنه صاحب دين وصاحب خلق، فلما وصل الأمر إلى زوجها قال: (يا رسول الله! إنها أخذت مني حديقة كانت لي، فقال النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وزيادة، قال: أما الزيادة فلا، وأمره أن يطلقها تطليقة)، ولذلك إذا لم يكن بأس ولا عيب من قبل الزوج، ولكن المرأة بنفسها كرهت المقام والبقاء مع هذا الزوج من غير ما عذر ولا حرج؛ فلها أن تنصرف وتحل عقدة هذا النكاح، ولا يكون هذا النكاح وزراً على ظهرها، ولا غلاً في قدمها، وإنما جعل الإسلام لها أمرها أن تفتدي منه بماله الذي أخذته صداقاً لها دون زيادة، وفي بعض الروايات وعند بعض أهل العلم: لها أن تدفع الزيادة إذا كان بطيب خاطر منها، وأخذه بغير أن تستشرف إليه نفسه، فلها ذلك.
فقوله: ((الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)) أي: مرة بعد مرة، يهيئ الجو لمراجعة كل من الزوجين نفسه، والاعتذار عما بدر منه، فإذا كان ذلك منهما، ولكن تم اللقاء بينهما بعد الطلقة الأولى وبعد الطلقة الثانية حتى وقعت الثالثة، فإن هذا البيت في الغالب لا يصلح للقيام بين هذين الزوجين، ولذلك حرمه الإسلام بعد وقوع الطلقة الثالثة وجعلها طلقة بائنة بينونة كبرى.
стр. 331
الأصل في الطلاق من حيث الحظر والإباحة
اختلف العلماء: هل الأصل في الطلاق الحظر أم الإباحة؟ يعني: هل مباح وأمر مشروع وجائز يفعله المسلم ويوقعه أينما شاء، ويعبث ويلهو به متى شاء بغير ما عذر يحمله على ذلك، أم الأصل فيه الحظر ولا يصار إليه إلا للضرورة؟ مذهب الجمهور -وهو الرأي الذي أذهب إليه- أن الطلاق محظور مكروه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وليس الأصل فيه الإباحة، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، يعني: لا يطلق الزوج زوجه حتى مع كراهيته المحتملة لأخلاقها، ولذلك العلماء يعدون هذا من نوع الطلاق المكروه؛ أن يطلق الرجل امرأته وبإمكانه أن يحتمل بعض سوء خلقها، ولذلك ذهب جماهير أهل العلم إلى أن الأحكام الشرعية الخمسة تقع على الطلاق كما تقع على النكاح، فأحياناً يكون الطلاق حراماً، وأحياناً يكون مكروهاً، وأحياناً يكون جائزاً مباحاً، ومندوباً ومستحباً.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء:٣٥]، لم يقل: فطلقوهما، وإنما قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا﴾ [النساء:٣٥] إلى آخر الآية، فهنا حث الله تعالى على الصلح مخافة الشقاق والنشوز.
وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]، ولم يقل: والفراق أو الطلاق خير، وإنما قال: ((وَالصُّلْحُ خَيْرٌ))، دل على أن بقاء الأسرة ونبذ الطلاق هو الأصل.
إذاً: لا يصار إلى الطلاق إلا في أضيق الحدود لضمان بقاء الأسرة، وحفاظاً على كيانها، وبالتالي الحفاظ على كيان المجتمع بأسره، والمجتمع وإن كان صغيراً أو كبيراً فإن المكون له هو الأسرة التي تبني المجتمعات الإسلامية الإيمانية، أما الإسراع إلى إيقاع الطلاق في كل ما هب ودب فهذا على خلاف الأصل.
أسأل الله تعالى أن يصلح لي بيتي، وبيوتكم، وبيوت جميع المسلمين.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال والأقوال إنك ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 332
حقوق الأخوة [١]
لقد ميز الإسلام أهله بصفات يتميزون بها عن غيرهم وينفردون بها، ومنها الأخوة، فقد حرص الإسلام على الأخوة بين أفراده، وجعل لذلك وسائل عديدة، حتى يحقق هذه الغاية النبيلة، وما نشاهده اليوم من ضعف في العلاقة بين المسلمين مرده إلى تخلي المسلمين عن تعاليم دينهم، وابتعادهم عن توجيهاته العظيمة.
стр. 333
فتور العلاقة بين المسلمين في هذا الزمان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، قال ابن مسعود ﵁: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: فإن الناظر في علاقات الصحابة ﵃ بين بعضهم مع بعض والمقارن لهذه العلاقات بعلاقات المسلمين في هذا الزمان يجد البون شاسعاً في أخلاقهم وسلوكهم وآدابهم ومعاملاتهم، فضلاً عن عقيدتهم، ولذلك أصيب المسلمون في هذا الزمان بما يسميه بعض أهل العلم بالفتور الشديد في العلاقة، مما أدى إلى إماتة الرابطة الإيمانية الأخوية الشرعية الإسلامية بين أبناء التيار الواحد، فتجد البرود والفتور قد ساد العلاقة بين الأخ وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين الوالد وأولاده، وبين الأولاد وآبائهم، ولم تعد العلاقة بينهم ترضي ربنا ﵎، وسيحار المرء ولابد إذا سئل يوم القيامة عما كان بينه وبين بقية مجتمعه من العلاقات التي فرضها الله على العباد من فوق سبع سماوات.
ولو نظرنا إلى العلاقة الإيمانية بين التيارات الإسلامية في الستينات والسبعينات لوجدنا البون شاسعاً بين ذلك الوقت ووقتنا هذا، فما بالكم بالصحابة والتابعين ﵃ أجمعين؟! وقد كان الواحد منا أيام أن كنا في الجامعة وقبلها في الإعدادية والثانوية إذا رأى أخاً له في طريق آخر قطع الطريق وانتظره حتى يسلم عليه ويصافحه، وأما الآن فإن الأخ يضرب أخاه بكتفه، وربما ينطحه بقرنه ورأسه ولا يلقي ﵇، ولابد لنا من السؤال هنا: لماذا بلغ المسلمون هذه المنزلة؟ أنجحت التيارات الإلحادية في بث العداوة بين أبناء التيارات الإسلامية؟ أم أن هذا هو البأس الشديد الذي ضرب بين هذه الأمة وفي قلوب أفرادها؟ أم هو الجهل بفضل السلام والأخوة الإيمانية؟ والإجابات كثيرة، والاختيار محير، والأولى أن نقول: لقد اجتمع كل ذلك في غياب العلم الشرعي عن أبناء هذه الأمة المباركة مما أدى إلى فساد قلوبها وتحير عقولها واضطرابها في معرفة الحق والباطل، حتى في الآداب الإسلامية التي فرضها الله وفرضها رسوله الكريم ﵊ على أبناء هذه الدعوة، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
فهل بيننا نحن اليوم رحمة؟ وهل نحن فعلاً وحقيقة أشداء على الكفار؟
الجواب
لا، فليس بيننا رحمة، ولا في قلوبنا عداوة على أبناء الكفر وملل الكفر.
стр. 334
من صفات المؤمنين
من صفاتهم ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩].
وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، أي: عليم بأحوالكم وبما في قلوبكم، وخبير بسرائركم، ولما كانت التقوى محلها القلب اختار الله اسمان من أسمائه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]؛ ليتناسب معرفة عملك الظاهر مع معرفة عملك القلبي الباطني، فإن أمرك مهما خفي لا يخفى على الله ؛ لأن الغيب والشهادة مشهودان لله ، وهما معلومان مكشوفان له .
стр. 335
النهي عن الحسد والبغضاء
وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض)، ثم قال النبي ﵊ بعد أن حذر من هذه الأمراض: (وكونوا عباد الله إخوانا)؛ ليدل على أن من أتى بهذه الخصال الذميمة، وهذه المساوئ من الأخلاق فلن يستطيع أن يحقق الأخوة الإيمانية، ولن يكون عبداً لله كما تنبغي العبودية له ، وقد قال النبي ﵊: (وكونوا عباد الله إخواناً).
فحذر النبي ﵊ من الحسد، وهو داء الأمم السابقة، وهو خلق من أخلاق أهل الكتاب -اليهود والنصارى- لا من أخلاق المسلمين، كما قال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩]، فبين الله في هذه الآية أن الحسد خلق من أخلاق أهل الكتاب، وليس خلقاً لأهل الإسلام.
كما بين ذلك النبي ﷺ في صحيح سنته فقال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكنها حالقة الدين).
فالحسد والبغضاء يحلقان دين المرء، فانتهوا عن الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه وانتقالها عنه، ومن الحسد ما هو شر من ذلك، وهو تمني المرء زوال النعمة عن إخوانه وإن لم يبلغوا شيئاً منها، ويسعد هو ويفرح كل الفرح بزوال النعمة عنهم، ولو تعرى هو عن تلك النعمة، ويسعده ويبسطه ويفرحه أن يكون الكل مثله أو أقل منه، وهذا بلا شك ينبئ عن قلب مريض سيئ الحظ في الدنيا والآخرة، فالحسد والبغضاء ليسا من أخلاق أهل الإسلام.
وقال النبي ﵊: (ولا تباغضوا) والبغض هو حمل القلب لكل شر وسوء تجاه المسلمين، فلا ينبغي أن يكون المسلم على هذا الخلق الذميم.
стр. 336
الاقتداء بأخلاق النبي ﷺ ميراث المؤمن
وقد صنف ابن أبي الدنيا كتاباً عظيماً بين فيه خطورة سوء الخلق، وسماه (مساوئ الأخلاق)، وصنف كتاباً آخر يدل على أن النبي ﵊ ضرب المثل الأعلى في غير ذلك وسماه (مكارم الأخلاق)، والله ﵎ قد أثنى على نبيه وعظمه وشرفه، وبين أنه تخلق بجميل الأخلاق وعظيمها وأحسنها فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ولما كانت الأسوة كل الأسوة في الاقتداء بالنبي ﵊ في هديه وسمته كان لابد أن نتخلق بأخلاقه الكريمة الحسنة، والنبي ﵊ ضرب أمثلة عظيمة يطول الوقت بسردها، فقد كان يعامل الجفاة الغلاظ الأعتال المتعنتين معاملة حسنة، وكان ذلك سبباً في هدايتهم، ورجوعهم إلى دين الله ، وفي دخولهم في دين الله ، وانتقالهم من الكفر إلى الإيمان.
والأخلاق الحسنة إنما هي ميراث الصالحين، وسئل أحمد بن حنبل رضي الله ﵎ عنه ورحمه عن ميراثه، وعما يعتز به في دنياه، فقال: لقاء الإخوان.
لقاء الإخوان والحرص على مودتهم وصحبتهم هو ميراثكم، فاتقوا الله ﵎، وحسنوا أخلاقكم فيما بينكم وبين الخلق أجمعين، وفيما بينكم وبين رب العالمين، ومع نسائكم في بيوتكم، ومع أولادكم، وعلموهم كتاب الله وسنة النبي ﵊، واحرصوا على أن يكونوا هداة مهديين.
وقد أخبر النبي ﵊ في صحيح سنته أن العمل الصالح لا يرد، وأن صاحبه مأجور كل الأجر، فقال ﵊ فيما رواه أبو داود: (إنما مكارم الأخلاق ميراث المؤمن).
فمكارم الأخلاق مواريث المؤمنين، فحسنوا أخلاقكم مع كل من تقابلون، لا أن يكون شعارنا تعبيس الوجه والتكشير عن الأنياب عند اللقاء وإبداء كل السوء، فقد التقى النبي ﵊ بصناديد الكفر والشرك وعبدة الأصنام والأوثان، ومع هذا هش ﵊ في وجوههم ولقيهم أحسن لقاء، فهذا منافق طرق عليه الباب فقال النبي ﵊: (من؟ فقال: فلان بن فلان، فقال النبي ﵊: بئس أخو العشيرة، ثم أذن له بالدخول، قالت عائشة ﵂: فلما دخل هش النبي ﵊ في وجه ذلك الرجل، فلما خرج قلت: يا رسول الله! رأيتك تفعل فعلاً ما رأيتك وما عهدتك عليه من قبل، قال: يا عائشة! إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه).
وهؤلاء المنافقون لا يتورعون عن سب النبي ﵊، وقد قال سيدهم وإمامهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، وقصد أنه العزيز عليه لعنة الله، وأن النبي ﵊ هو الذليل، فأذله الله ، والجزاء من جنس العمل، فقد أذله الله على يد ابنه الأكبر عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله ﵎ عنه، فقد كان ابنه من أهل الإيمان والإحسان الذي حسن إيمانه وعمله، وعظم حبه لله ﵎ ولرسوله الكريم ﵊، بخلاف والده الذي أساء مع الله، وأساء مع النبي ﵊، فرماه الله بالذل والصغار، وهو الذليل والصغير، والنبي ﵊ هو العظيم والقوي والشريف والإمام، وخليفة الله ﵎ في أرضه.
والأخلاق الحسنة تدل على صاحبها، والأخلاق السيئة تدل كذلك على صاحبها، وقد قال النبي ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).
وقد سمعت أن أحد المسلمين ادعى أنه أحرص من إخوانه جميعاً على حب الله ورسوله، وعلى انتشار الدعوة بين أبناء الأمة الإسلامية شرقاً وغرباً، حتى بلغ به الأمر أن شهر السيف في وجه إخوانه؛ ادعاء وزعماً منه أنه يحب الله تعالى ورسوله، وأنه يدافع عن دين الله حتى آخر قطرة من دمه، وكذب ورب الكعبة، فإنما مثله كما قال النبي ﵊: (من قال: هلك الناس فهو أهلَكَهم)، أي: هو تسبب في هلاكهم، وفي رواية أنه قال: (من قال: هلك الناس فهو أهلًكُهم)، أي: فهو أشدهم هلاكاً.
فهذا الزاعم لا يخرج عن أحد هذين الشخصين، فإما أنه أشد الناس هلاكاً، وإما أنه هو الذي تسبب في هلاك الناس، ولا أرى إلا أن الله تعالى جمع له بين الأمرين، فعليه أن يتوب ويرجع، وإلا فليصل في بيته صلاة النساء، ويكف أذاه عن الناس، فإن هذا أكرم له، والنبي ﵊ سن لمن لم يكن قادراً على أن ينفع إخوانه أن يمكث في بيته، وأن يكف عنهم أذاه، وذلك منه صدقة، فكف الأذى عن الناس وعن الخلق أولى ألف مرة من حضور صلاة الجماعة وإيذاء المسلمين من خلالها، وعامة الناس أبلغوا الجهات المسئولة أن فلاناً تهجم عليهم مرة بالضرب ومرة بالسب، ومرة باللعن، بل وبلغ الأمر به أن شهر السيف في وجوههم، فإنا لله وإنا إليه
стр. 337
رحمة النبي ﷺ بالخلق وأثرها على هدايتهم
الله ﵎ يقول لنبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، أي: يا محمد! بسبب رحمة الله الخلق ألان لهم جانبك، ولو كنت فظاً غليظاً جواظاً عتلاً لانفضوا من حولك، ولما آمن لك أحد من الخلق يا محمد.
فالرحمة هي سبب دخول الناس في دين الله .
وقال الله : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨].
وقال في آية أخرى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]، هذا أمر للنبي ﵊ بخفض الجناح ولين الجانب، وإلا لما كان له مكسب في الخلق فضلاً أن يكون له مكسب بين يدي الله يوم القيامة، فانظروا إلى أخلاق نبينا ﵊، واعلموا أن الله تعالى أخبر أن الأسوة في رسوله فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فالأسوة الحسنة في رسول الله ﵊، فمن كان مقتدياً ومتأسياً فليتأس بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وإن الناس اليوم بعقولهم يقولون ما لا يفعلون، ويستحسنون ما هو عند الله قبيح، ويقبحون ما هو عند الله حسن، وذلك بسبب بعدهم عن دين الله ، وعدم تخلقهم بأخلاق النبي ﷺ وأخلاق الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 338
فضل الأخوة في الله
للصحبة فضل عظيم جداً، منه: ما رواه البخاري ومسلم: (أن رجلاً أراد أن يزور أخاً له في قرية مجاورة، فأرصد الله ﵎ له ملكاً على مدرجته، فقال: يا عبد الله! أين تريد؟ قال: أريد أن أزور أخاً لي في هذه القرية، قال: لأجل نعمة تربها عليه -أي: لك حاجة عنده؟ - قال: لا، قال: أبينكما مصالح -أي: أبينكما دنيا؟ - قال: لا، إنما ذلك هو الحب في الله تعالى، قال: إني رسول الله تعالى إليك أخبرك أن الله ﵎ يحبك كما أحببته فيه).
وإن أعظم عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ﵎، لقول النبي ﵊: (من والى في الله وعادى في الله وأحب في الله وأبعض في الله فقد استكمل الإيمان).
وتمام الإيمان وكماله إنما يتحقق بالولاء والبراء، وبالمحبة في الله والمعاداة في الله.
وفي الصحيحين من حديث أنس أنه قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان)، أي: يتذوق حلاوتهن كأنهن أشياء محسوسة، (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فلا يكن حبك لأخيك إلا لله خالصاً، وأي رابطة تنعقد لغير الله فهي إلى فناء وزوال، وإذا انعقدت أخوة الإيمان فاعلم أن هذه الأخوة ليس لها زوال قط، بل ويبقى لها بعد موتك ذكر جميل وثناء حسن على ألسنة الناس وفي قلوبهم، (وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
ومن فضل المحبة في الله أن الله ﵎ ينادي يوم القيامة: (أين المتحابون في؟) فبإخلاصك في محبة الخلق تشرف أيما شرف عند الله ﵎، فيناديك يوم القيامة فيجعلك في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والناس يغرقون في عرقهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبه، ومنه من يبلغ العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى سرته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأنت بسبب حبك لإخوانك وشفقتك عليهم وقيامك على مصلحتهم وقضاء حوائجهم وتفريج كربهم يظلك الله تعالى في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، فتكون في برد من العيش، وتنجو من هول الموقف، وغيرك يتلوى في الحر والشمس، فإن الشمس تدنو من الرءوس يوم القيامة قدر ميل، قيل: هو ميل المسافة، وقيل: هو المرود أو المكحلة التي يكتحل بها، ونحن نتصبب الآن عرقاً لأجل أن حرارة الشمس بلغت بضعاً وثلاثين درجة، فما بالك لو كانت الشمس فوق رأسك قدر شبر أو أقل قليلاً أو أكثر قليلاً، فاتق الله يا عبد الله، واعمل لهذا الموقف، وانج بنفسك، فإن النبي ﵊ يقول: (من نوقش الحساب عذب)، فانظر يا عبد الله إذا حاسبك الله: لمَ لم تحب إخوانك وتقض حوائجهم ماذا يكون جوابك لله ؟ فيلجمك العرق إلجاماً؛ لأنك لم تكن عاملاً بهذا في الدنيا، فالله ﵎ يختم على فيك يوم القيامة، وتظل حائراً أمام ربك، فانج بنفسك من هذا الموقف الرهيب، ومن سؤال الله لك، وكن محباً لإخوانك، ومحباً لربك ولرسولك ولشرعك، ولا تكن كبني إسرائيل الذين تاهوا وضلوا، وسبوا الله ﵎ تارة، والشرع تارة والأنبياء تارة أخرى، فلا تكن مثلهم، فإن حجة الله بينة، والنبي ﵊ أخبر بذلك فقال: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من الناجين.
стр. 339
الوسائل المقوية للعلاقة الأخوية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بشيراً ونذيراً إلى الناس كافة، بل أرسله إلى الإنس والجن.
وبعد: هناك بعض الوسائل التي تعين وتساعد على تمتين أواصر الأخوة الإيمانية بين العباد بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الله ، وبينهم وبين رسولهم وشرعهم الذي جاء به الرسول الكريم ﵊.
стр. 340
إخبار الأخ بمحبتك له
ومن هذه الوسائل: أن تخبر أخاك أنك تحبه، فإن أخبرته فلا شك أن ذلك يؤلفه على محبتك، ولما (مر رجل على مجلس النبي ﵊ فقال أحد الجلوس: يا رسول الله! والله! إني لأحب هذا الرجل، قال النبي ﵊: أأخبرته بذلك؟ قال: لا، قال: قم فأخبره).
ولا بد وأن يكون لذلك رد فعل عند ذلك المحب.
стр. 341
الهدية
ثانياً: التهادي، قال النبي ﵊: (تهادوا تحابوا).
فالهدية مهما كانت قليلة الثمن فإنها تعمل عملها في القلوب؛ لأن العاقل ينظر إلى الهدية على أنها رمز، ولا ينظر إلى قيمتها أبداً، فلو أهديت لأخيك قلماً لا قيمة له ولا وزن فإنه ينظر إليه على أنه رمز للوفاء والمودة والأخوة، وأن الذي حركه إلى ذلك حبه إياه.
стр. 342
خفض الجناح ولين الجانب
ثالثاً: خفض الجناح ولين الجانب.
стр. 343
طلاقة الوجه والبشر عند اللقاء
رابعاً: طلاقة الوجه والبشر عند اللقاء، وإظهار الحزن عند الفراق، فإن ذلك يعطي انطباعاً لصاحبك على أنك تحبه، وأنك تكره فراقه، وتود لو أنك تقضي معه بقية حياتك.
стр. 344
الزيارة
سادساً: تعاهد الزيارة بين الحين والحين، فليكن في وقتك حظ ونصيب لزيارة إخوانك بغير ثقل وبغير تفريط، فإن الناس بين مفرط ومسرف في هذا.
ولا تثقلوا على دعاتكم ومشايخكم وأئمة دعوتكم بالزيارة والاتصالات وغيرها، وقد يتصل الشخص ويبقى على الهاتف الساعة والساعتين من غير حاجة، وإنما يخلف الشيخ والمسئول عن مهامه وعن دعوته، فاتقوا الله ﵎، فإنه يستحي أن يعتذر لأضيافه عن ضيق وقته، وعن مهامه ومسئولياته، ويكون ذلك سبباً في تخلف الشيخ في آخر النهار وفي صلاة المغرب عما كلف به من درس أو محاضرة أو غيرها، فضلاً عن أنه يثير قلبه غضباً وبغضاً لصاحبه ذلك؛ لأنه بقي ومكث بغير حاجة، فاتقوا الله ﵎، واعلموا أن الحاجات أكثر من الأوقات، فاسمحوا لغيركم أن ينتفع بوقته، فقد كان السلف ﵃ ينتفعون بأوقاتهم ولا يفرطون في شيء منها، فهذا المجد بن تيمية ﵀ كان إذا دخل الكنيف لقضاء حاجته يقول لامرأته: اقرئي علي وأنا أسمع في الحمام حتى لا يضيع الوقت، وأما نحن فإننا نقضي الساعات والأيام والشهور والأعوام ولا نفكر مرة في النظر في كتاب الله، أو تعلم مسألة من مسائل الشرع، والواحد منا إذا زار أخاً له في الله ففتح له كتاباً من كتب العلم الشرعي ليتعلم معه مسألة غضب وقال: أنا أحضر الدروس كلها! والشوكاني كان يحضر في اليوم الواحد اثني عشر درساً، عليه رحمة الله، والإمام الصنعاني اليماني كان يحضر في اليوم الواحد أحد عشر درساً، وقيل: اثني عشر درساً، فاتقوا الله ﵎ في دينكم وشرعكم، واعلموا أنكم لستم على شيء من طلب العلم، ولا على شيء من أخلاق نبيكم إلا القليل النادر، فاتقوا الله ﵎، وارجعوا واستمسكوا بكتاب ربكم وبسنة نبيكم ﷺ .
стр. 345
التهنئة في المناسبات والتعزية والمواساة في المصائب
سابعاً: تعاهد تهنئة الأخ في المناسبات السارة وإدخال الفرح عليه، وتعزيته وتسليته ومواساته عند المصائب، ومساعدته ومعاونته عند الحاجة، وتفريج الكربات عنه؛ لأن النبي ﵊ يقول: (من فرج كربة عن أخيه المسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
والجزاء من جنس العمل.
وبالجملة فينبغي على الأخ مساعدة ومعاونة أخيه عند الحاجة إلى ذلك.
стр. 346
رد السلام وإلقاؤه
ثامناً: السلام عليه، ورد السلام عليه إذا سلم، وأفضل السلام أن تقول لأخيك: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأن يرد عليك بمثل هذا الرد وزيادة، كما قال الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، (وأتى رجل إلى النبي ﵊ فقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام، عشر، ثم أتى آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، قال: وعليك السلام ورحمة الله، عشرون، ثم جاء ثالث وقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﵊: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثلاثون، كل واحدة بعشر درجات، الدرجة بينها وبين أختها كما بين السماء والأرض)، وفي رواية: (بينها وبين أختها كما بين السماء والأرض)، وفي رواية: (بينها وبين أختها مسيرة خمسمائة عام).
стр. 347
حقوق الأخ على أخيه
стр. 348
إجابة دعوته
من حقوق الأخ على أخيه إجابة دعوته، يقول ﷺ : (فإذا دعاك فأجبه)، والنبي ﵊ يقول: (من دعاكم فأجيبوه)، وقال ﵊: (من دعي إلى وليمة فلم يجب وهو قادر على ذلك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، وبعض الناس لا يجيبون الدعوة؛ تنزهاً وترفعاً ومخافة أن ينسب إليهم أنهم أصحاب بطون، وباحثون عن الطعام والشراب، والأمر في دين الله بخلاف ذلك، والأمر دين وشرع، فأخلص نيتك لله تؤجر يا عبد الله.
стр. 349
النصح له في أمر دينه ودنياه
وابذل النصح له في أمر دينه ودنياه، والنبي ﵊ يقول: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
стр. 350
حب الخير له
ثم بعد ذلك حب الخير له، قال النبي ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ونفي الإيمان في هذا الحديث هو نفي للكمال والتمام، وهو نفي الإيمان الواجب، فلا يتحقق للمرء الإيمان الواجب ولا يأتي بكمال الإيمان ومطلقه إلا إذا أحب لإخوانه ما يحبه لنفسه.
стр. 351
تشميته إذا عطس
وأيضاً إذا عطس أخاك فحمد الله فشمته، فإذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل من سمع ذلك أو بعضهم: يرحمك الله، ثم يرد عليه العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم.
فهذا من حقوق الأخوة.
وقد (عطس شخص عند النبي ﵊ فلم يحمد الله فلم يشمته، وعطس آخر فحمد الله فشمته، فقال الأول: يا رسول الله! إن فلاناً عطس فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال: لأنه حمد الله وأنت لم تحمده).
стр. 352
عيادته إذا مرض
وإذا مرض فعده، واعلم أن الله ﵎ عند المريض برحمته وفضله وجوده وإحسانه، وقد قال الله ﵎ في الحديث القدسي: (عبدي! أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده) الخ.
стр. 353
بذل المعروف له وكف الأذى عنه
ومن حقوق الأخوة: أن تبذل له المعروف، وتكف عنه الأذى، وتتخلق بالأخلاق الكريمة، يقول ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، كما أخبر بذلك النبي ﵊ كما في الصحيحين وغيرهما.
وأن تكف أذاك عنه من الغيبة والنميمة والطعن في حسبه ونسبه، وأن تكف عنه لسانك فيما رزقه الله ﵎ وحباه من مال أو نعمة.
والأمر لا يتوقف عند ذلك، وإنما يجب عليك أن تذب عنه الغيبة إذا اغتيب في مجلس أنت فيه، وإلا فقم ودعهم إذا لم تستطع أن تزيل المنكر.
стр. 354
الاستئذان عند الدخول عليه
ولا تدخل على أخيك إلا بعد إذن منه؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إنما جعل الاستئذان لأجل البصر).
стр. 355
عدم النظر في كتابه بدون إذنه
ولا تنظر في كتابه إلا بإذن منه كذلك، واعلموا أن هذه من خصوصيات المرء، والمرء يكره أن يطلع على خصوصياته أحد إلا بإذنه.
هذه كلها من آداب المسلم تجاه إخوانه.
следующие страницы →