Полный текст (521 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بيع المستثنى غير المعلوم
أقول لك: بعتك الأثواب إلا ثوباً واحداً، أو البستان إلا شجرة، أو النخيل إلا نخلة، هذه كلها بيوع محرمة، لا بد من تعيين الثوب، والشجرة، والنخلة، أقول: بعتك البستان إلا هذه الشجرة بعينها، أو هذه النخلة بعينها، أو بعتك الأثواب إلا هذا الثوب بعينه، أما قولك: بعتك الأثواب إلا ثوباً، إلا شجرة، إلا نخلة، إلا عبداً، كل ذلك من البيوع المحرمة؛ لأنها من بيوع الغرر، إلا أن يكون الغرر حقيراً قد تعارف الناس عليه، كأن يبيع الرجل الوسادة محشوة وهو لم ينظر إلى الحشو، أو أن يبيع الدار المؤسسة لكنه لا ينظر إلى أساسها؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى عنت ومشقة وهذا يصعب، فالغرر فيه يسير، أو أن يبيع الرجل شيئاً يسيراً لا يمكن تتدارك الحقيقة لبلوغ العنت والمشقة، فحينئذ لا بأس أن يبيع الرجل، ويتسامح في الغرر.
стр. 282
بيع حبل الحبلة
(نهى النبي ﵊ عن بيع حبل الحبلة) ومعنى حبل الحبلة: أن تبيع أنت ولد ولد الناقة الذي لم يولد بعد، تقول: هذه ناقتي وهي حامل، فإذا ولدت الأولى بعتك ولد ولدها بكذا الآن، وهذا بيع من بيوع الغرر؛ لأنك لا تدري أتنتج هذه الناقة التي بين يديك، وإذا نتجت أتحمل أم لا؟ أتعيش أم لا؟ وإذا نتجت أتلد أم لا؟ وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي حرمها النبي ﵊ في حديث ابن عمر في الصحيحين.
стр. 283
بيع النجش
كذلك نهى النبي ﷺ عن النجش، والنجش: هو الخداع برفع سعر سلعة للتغرير بآخر، وهذه الصورة موجودة في الأسواق، ستجدون رجلاً يبيع ثياباً أو ثماراً أو خضرة، ويقول البائع: هي بجنيهين، فيقول رجل ممن حوله: أنا أشتريها بثلاثة، ويقول الرابع: بخمسة، وهكذا فيغتر من لم يعرف ذلك، ويعتقد غلاء هذه السلعة، فيشتريها بأعلى الأثمان، هذا الذي زاد في ثمن السلعة لا يريد شراءها أصلاً، وإنما فعل ذلك ليغر الجاهل الذي دخل السوق ليشتري، وهذا قد أسماه الشرع: نجشاً، أو يأتي هذا الناجش فيمدح السلعة ويطريها حتى يستقر في قلب المشتري أن هذه السلعة تستحق الثمن الفلاني، فإذا اشتراها فوجئ أنها لا تستحق شيئاً، وأنها مليئة بالعيوب الظاهرة والباطنة.
стр. 284
بيع الحاضر للبادي
نهى النبي ﵊ عن بيع الحاضر للبادي، مثاله: رجل أتى من البدو أو القرية ودخل المدينة، فنزل على قريب له، فهل يحل لهذا القريب أو الغريب الحاضر أن يبيع لهذا البادي؟
الجواب
لا، وقال ابن عباس: معنى النهي عن بيع الحاضر للبادي أن يعمل له سمساراً، وليس معنى ذلك تحريم السمسرة، لكن على أن تكون بين غير الحاضر والبادي.
مثال ذلك: أن رجلاً أتى بسلعة أو بضاعة من الريف ودخل القاهرة، فقال له قريبه: السعر في هذه الأيام نازل، فدع السلعة عندي أمانة لأبيعكها إذا ارتفع السعر، فهذا هو نهي النبي ﵊ أن يبيع الحاضر للبادي، وهذا البيع راعى فيه الشرع مصلحة الجماعة؛ لأن البائع لو أنه نزل السوق فباع برخص السعر لانتفع مجموع الناس، وهكذا يحرص الشرع على المنفعة الجماعية ويقدمها على المنفعة الشخصية.
стр. 285
بيع التصرية
يقول النبي ﵊: (من باع شاة مصراة -وفي رواية: من ابتاع إبلاً أو غنماً مصراة- فهو بخير النظرين بعد ثلاث، إما أن يمسكها، وإما أن يردها ومعها صاعاً من تمر).
وبيع التصرية معناه: أن يترك الرجل ناقته أو شاته أو بقرته يوماً أو يومين أو ثلاثة دون أن يحلبها، يعظم لبنها ثم ينزل بها إلى الأسواق، فيظن المشتري أن هذه عادة تلك البهيمة، فيشتريها طلباً لكثرة اللبن، فإذا حلبها في اليوم الأول أتت بلبن أكثر من اليوم الثاني، وفي الثاني أكثر من الثالث، ثم بعد ذلك يكون اللبن أقل من الأول والثاني والثالث؛ لأنها رجعت إلى عادتها الأولى، فاكتشف المشتري الخدعة التي وقع فيها، وأن البائع قد صر هذه الناقة، ومعنى التصرية: الحبس، أي قد حبس اللبن في ضرعها ولم يحلبها، يغر المشتري، فقال النبي ﵊: (فمن وجد ذلك فهو بالخيار بعد ثلاث)، وهذه هي المدة التي تسمح لك بمعرفة العيب، وجعل للمشتري الخيار في رد البيع وأخذ الثمن، أو الاستمرار في قبض السلعة بين يديه.
فقال: (فمن وجد ذلك فهو بالخيار بعد ثلاث، إن شاء أمسك -أي: احتفظ بالشاة أو الدابة- وإن شاء ردها ورد معها صاعاً من تمر)، والصاع من التمر مقابل اللبن الذي نتج عنده.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 286
البيع والخطبة على بيع الأخ وخطبته
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: (نهى النبي ﷺ عن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن خطبة الرجل على خطبة أخيه) كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (وأن يستام على سوم أخيه)، وفي رواية: (على سيمة أخيه) وهذا هو النجش.
أما حديثه ﵊: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه إلا أن يدع أو يأذن له، ولا يبيع أحدكم على بيع أخيه إلا أن يأذن له) وهذا إذا حدد الثمن ولم يتم العقد، ولذلك ربما ظن بعض الحاضرين أن ما يسمى بالمزاد حرام؟ لا! المزاد حلال؛ لأنه مجلس لإتمام البيع لشخص واحد قد أعد لزيادة السعر في سلعة واحدة، فإذا أتى صاحب السلعة وقال: أنا أبيع هذه السلعة بمائة أو أبيعها بأعلى سعر فالناس في زيادة مستمرة في هذا المجلس، فلا حرج حينئذ من زيادة في المجلس، فقد ساوم النبي ﷺ في زيادة بيع قصعة رجل، حتى يقبض الثمن ويذهب فيحتطب، أو يجمع لنفسه معاشاً كريماً نزيهاً، فالمزايدة حلال لا بأس بها، أما إذا كنت تعلم أني قد ذهبت إلى هذا الرجل واشتريت منه سلعة ما بمائة، ثم قلتُ له: أنظرني حتى أذهب إلى البيت وآتي لك بالثمن الذي اتفقنا عليه، وتذهب أنت من ورائي وتقول للبائع: بكم بعت السلعة؟ فيقول: بعتها بمائة، فتقول له: أنا اشتريها منك بمائة وعشرة، هذا لا يحل لك.
أو أن تذهب إلى ولي امرأة فتقول له: هل خطبت ابنتك؟ فيقول لك: نعم، فتقول: لمن؟ فيقول: لفلان، تقول: أنا أفضل منه وأشرف، وعائلتي أفضل من عائلته، وأنا متقدم لخطبة موليتك فانظر ماذا ترى؟ أو تقول لوليها: كم دفع؟ وعلى كم اتفقتم؟ فيقول: خمسة آلاف، تقول: أنا أدفع مائة ألف، فتغري الولي بفسخ الخطبة الأولى، وإتمام الخطبة الثانية، كل ذلك نهى عنه الشرع وحرمه.
стр. 287
تلقي الجلب والركبان
نهى النبي ﵊ عن تلقي الجلب والركبان والسلع حتى تبلغ الأسواق: والجلب، هو ما يجلب من خارج المدينة من الأرياف، يخرج رجل بعد الفجر على الطريق، فإذا وجد سيارة قد ملئت ثمراً أو متاعاً، أو شيئاً مما يلزم الناس في حياتهم، يذهب به الجالب إلى السوق كي يبيعه، وقد علم هذا المتلقي بغلاء الثمن والسعر في الأسواق، فقابل أصحاب السلع على الطريق، فقال: بكم تبيعون هذا الثوم، أو البصل، أو الجزر، أو اللحم، أو التمر؟ فقالوا: بكذا وكذا، فقال: أنا أشتريه منكم بكذا، وهو يعلم أن السعر أعلى من ذلك في السوق، ولكنه أخفى ذلك عنهم، فنهى النبي ﵊ عن تلقي الركبان وتلقي الجلب، وتلقي السلع حتى يدخل صاحبها الأسواق، فيبيع ويشتري حيث شاء، وكل هذا من عقود الغرر.
стр. 288
بيع العينة
نهى النبي ﵊ عن بيع العينة.
قال ﵊: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ضرب الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم).
بيع العينة: هو أن تذهب إلى رجل وتقول له: أقرضني مائة جنيه، فيقول لك: ليس عندي مالاً لأقرضك، ولكن خذ هذا الحب بمائة جنيه بالتقسيط في كل شهر تدفع عشرة، فتأخذ هذه السلعة، ثم يقول لك البائع نفسه: ادفع لي هذه السلعة أو بعني إياها بثمانين حالاً؟ فتقول: نعم، خذ السلعة وأعطني ثمانين جنيهاً، فتكون قد اشتريت بالثمن العالي مؤجلاً ودفعت عين السلعة لعين البائع بثمن أقل حاضراً، هذا البيع حرام وهو حيلة للربا، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد حرم هذا البيع.
وسميت عينة؛ لأن عين السلعة يشتريها عين البائع، بثمن أقل حاضراً، وقد باعها لنفس المشتري بثمن أكثر مؤجلاً، يعني بالتقسيط.
стр. 289
بيع الثمار حتى يبدو صلاحها
نهى النبي ﵊ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
قال النبي ﵊ في حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما: (نهى النبي ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فقيل لـ ابن عمر: وما بدو صلاحها؟ قال: حتى تحمر وتصفر وتذهب عنها الآفة).
أما أن تذهب أنت إلى نخلة فتقول لهذا الرجل: أنا أشتري هذا البلح، أو هذا الثمر بكذا الآن، فلا! وألف لا، حتى يبدأ البلح في الحمرة أو الصفرة، وهذه الحمرة أو الصفرة دليل على أمن العاهة والآفة أن تلحق به، أو أن يبيض السنبل ويقوى، إذا أردت أن تبيع أرزاً أو شعيراً أو قمحاً أو غير ذلك فلا تبعه رطيباً؛ لأنه معرض للآفة، ولكن إذا عظم حبه وكان صلباً قوياً فهذه علامة على سلامته من الآفة، فحينئذ يجوز لك أن تبيعه على هذا النحو، وإلا فلا.
стр. 290
اقتناء الكلاب ومهر البغي وحلوان الكاهن وكسب الحجام
نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن مهر البغي، وعن حلوان الكاهن، وعن كسب الحجام.
وقال النبي ﵊: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث، وكسب الحجام خبيث).
فهذه بيوع كلها محرمة، كما أنها مخلة بالمروءة، يقول النبي ﵊ كما في الصحيحين: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو حراسة أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان).
(من اقتنى) أي: من ربى كلباً في بيته بغير حاجة ولا ضرورة، والحاجة هي الحراسة للزرع ونحوه، وإلا فيحرم اقتناء الكلاب بلدية أو غير بلدية، وبعض الناس الآن يتباهى ويتشبه بفعل الغرب ويقتني الكلاب، وربما دفع فيها المئات، بل الألوف، ويفاخر القاصي والداني ببياض كلبه، أو حمرته، أو بلون عينيه، أو بطول لسانه، ويعد له مقعداً خاصاً في سيارته، ونزهه بما لا ينزه أولاده، ثم إذا أراد إلحاق الأذى بالناس وقف عند محطة سيارات أو باصات عليها العشرات والمئات من الفقراء والمساكين ينتظرون دابة بغير نول، أو باصاً بأبخس الأثمان، ثم يخرج الكلب لسانه ربع متر، فما موقف الفقراء وما شعورهم حينئذ، هو أحق، وأجدر، وأليق، وأخلق، بأن كان له أجر عند الله أن يمحو الله ﵎ أجره، ويعطيه لهؤلاء الفقراء والمساكين.
(من اقتنى كلباً إلا كلب حراسة أو صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان، القيراط الواحد مثل جبل أحد).
كم لدينا من القراريط؟ هل نحن في غنى عن فضل الله ؟ إذاً: لم نعرض أنفسنا ونحن الفقراء إلى الله لضياع ثوابنا وحسناتنا في مثل تربيته الكلاب.
وكذلك مهر البغي، وهي المرأة الزانية، مال خبيث، سواء المال الذي تأكله، أو المال الذي تدفعه، فكله مال خبيث لا يحل الإنفاق منه بحال، حتى ولو على الأولاد والأحفاد، فإنه لا يجوز لهم، وهم في غنى عن هذا المال أن يتكسبوا منه، أو أن ينفقوا منه على أنفسهم في الطعام والشراب أو غير ذلك.
وكذلك حلوان الكاهن، المبلغ الذي تدفعه أنت إلى العراف والساحر والكاهن كل ذلك حرام، وهو مال خبيث، ولذلك قال النبي ﵊: (حد الساحر ضربة بالسيف).
وقال ﵊: (من ذهب إلى ساحر أو عراف أو كاهن فلم يصدقه، لم يقبل الله تعالى منه صلاة أربعين يوماً، وإن صدقه فقد برئت منه الذمة).
ونهى النبي ﵊ عن كسب الحجام، مع أن النبي ﵊ احتجم، وأعطى الحجام أجره، وكان أحمد بن حنبل ﵀ إذا احتجم ناول الحجام ديناراً، فإن أبى الحجام قال: إن أخذت وإلا فلا؛ لأن النبي ﵊ احتجم وأعطى الحجام أجره.
والجمع والتوفيق بين الروايتين: أن أجر الحجام خبيث إذا طلبه، أو اشترطه، أو غالى فيه، أما إذا أعطي بغير إشراف نفس منه فلا بأس بذلك.
стр. 291
الولاء والبراء
تعتبر قضية الولاء والبراء من قضايا العقيدة الواجب على المسلم تحقيقها، لاسيما في التعامل مع الكفار، إذ تحوي العلاقة بهم صوراً عديدة من الولاء المحرم يجب على المرء اجتنابها، وأخرى دائرة في إطار الجواز، وكل ذلك بحاجة إلى فقه لهذه المسألة العظيمة.
стр. 292
اجتماع قوى الشر على المسلمين وسعي اليهود والنصارى في نزع الدين من قلوبهم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يعجب كثير من المسلمين، بل يعجب المسلمون أجمعون من اجتماع قوى الشر على بعض إخواننا العزل في بقعة من بقاع الأرض، وليس هذا بعجيب لمن اطلع في كتاب الله ، وكانت له عناية بسنة النبي ﷺ ، خاصة وأن الله تعالى بين أن اليهود والنصارى لا يرضون أبداً عن المسلمين، إلا إذا تركوا دينهم وارتدوا عنه، ودخلوا في الكفر البواح، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] أي: حتى تكفر بالله العظيم، وتترك دينك بالكلية، وتدخل في الكفر البواح معهم في اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو الشركية، أو عبادة الأصنام.
فقوله: ((وَلَنْ تَرْضَى)) نفي للحاضر والمستقبل.
و (حتى) تفيد الغاية، يعني: غاية اليهود والنصارى أن نترك ديننا، وأن ندخل في دينهم.
واليهود عندهم غرور، فهم لا يتمنون أن ندخل في اليهودية، وإنما يحرصون كل الحرص أن نترك ديننا إلى أي دين آخر، وإلى أي ملة من ملل الكفر الأخرى، فهم لا يريدون منا أن ندخل في اليهودية، لكن في المقابل لا نبقى على إيماننا ولا إسلامنا، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠] فإذا كان هذا الخطاب موجهاً بالدرجة الأولى إلى النبي ﷺ ، فما بالكم ببقية الأمة؟! إن اليهود والنصارى تفرقوا في كل مكان على وجه الأرض، فلو نظرت في خريطة العالم الإسلامي لوجدت أن لليهود والنصارى ثقلاً ووجوداً في كل مكان، إلا في أرض القوقاز أرض أفغانستان وما حولها من مدن، فكان لابد أن يكون لهم هناك موقع ومكان وقواعد عسكرية، ولذلك دبر شارون مع أمريكا تلك الحادثة التي حدثت في الحادي عشر من سبتمبر؛ لأجل أن يتخذوا ذلك تهيئة لوجودهم في أرض أفغانستان، والقضاء على هذه الفئة المؤمنة التي رفعت راية الجهاد في بقعة من بقاع الأرض.
كما أنها دبرت من قبل الوقيعة بين العراق وبين الكويت؛ لأجل دخول الدول العربية، حتى يكون لأمريكا وقوى الشر أجمع مكان في أرض العرب، وقد نجحوا في ذلك مع غباء وحماقة المسلمين أجمع، وبالذات في أرض الجزيرة العربية، فالآن اليهود والنصارى موجودون في جزيرة العرب، مع أن النبي ﵊ نهى أن يجتمع في جزيرة العرب أهل ملتين، والآن قد اجتمعت كل الملل في جزيرة العرب، كأنها علامة وأمارة من علامات الساعة، قال الله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥].
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة:١٠٩] أي: يودون من قلوبهم لو أنهم يسيطرون عليكم، ويخرجونكم من دينكم بالكلية، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، فكل ملل الكفر تعلم يقيناً أننا على الحق، وأننا أتباع الرسالة الحقة، وأننا أهل الوحي، ولكنهم حسدونا على ذلك، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْ
стр. 293
أسباب العداوة الكفرية للمسلمين وطريق دفع كيد الكفرة عن المسلمين
قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران:١٨٦].
يبين الله أسباب الحرب، ومواد الحرب، ثم المخرج من هذه الحرب، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٦] أي: هذا بلاء يقع في المال وفي النفس والبدن، ثم غداً يقع على المسامع وعلى الآذان، ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦].
فبين الله تعالى علاج ذلك أنه بالصبر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، قال : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، يعني: هم يعلمون أنهم يستمتعون في حياتهم الدنيا فحسب، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، لا حظ لهم ولا نصيب في جنة عرضها السماوات والأرض، أما المسلم فإنه إن انتصر فاز بالغنيمة، وإن لم ينتصر ولم يرجع ببدنه ونفسه وماله فله جنة عرضها السماوات والأرض.
وقد أعد الله للذي قتل في سبيل الله مائة درجة في الجنة، ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض.
وفي رواية: (ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام)، وهناك فضائل ومناقب أخرى للشهيد.
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء:٤٤].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١].
تصور أن اليهود يجتمعون مع صناديد الشرك والكفر في مكة ويقولون لهم: إنكم أهدى وأقوم سبيلاً من محمد وأصحابه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة:٥٩]، أي: ما تنقمون منا إلا أننا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وآمنا بما أنزل إليكم، وآمنا بالكتب المنزلة من قبل محمد ﵊، فهل تنقمون منا إلا أن آمنا بذلك؟! وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢].
فهؤلاء أشد الناس عداوة وضراوة على أهل الإيمان، إذا انفردوا بهم فتكوا بهم، هذا موقف اليهود وموقف المشركين وموقف سائر ملل الكفر.
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
ومهما كره الكافرون ذلك، وقد أرادوا قولاً وفعلاً، فقد قاموا بطبع مليون نسخة محرفة من المصحف، فهم ينشرونها هنا وهناك مجاناً بغير ثمن، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨]، ولكن كيف وقد تكفل الله بحفظ هذا الكتاب: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالذي تولى حفظ الكتاب هو الله ، فلو اجتمعت قوى الشر كلها لتحريف هذا الكتاب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
وقال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، يعني: ودوا من قلوبهم أن نكفر بالله ، وأن نخرج من ديننا، ونكون نحن وإياهم سواءً في الكفر.
وقال تعالى: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢]، إذا كان هذا هو بيان الله للكافرين من قبلنا وممن حولنا؛ فلا عجب أن تجتمع قوى الشر على قلة قليلة، ولكنها عند الله بإذنه تعالى عظيمة القدر والشأن؛ لأنها فئة استمسكت بدين ربها، ودهمت أكبر قضية بينها وبين ملل الكفر، فرفعت راية الجهاد تريد طمس معالم الكفر، وإظهار معالم الإيمان، فما راق ذلك لأهل الكفر مهما بعدت ديارهم وأوط
стр. 294
أهمية عقيدة الولاء والبراء
ينبغي أن نعلم أننا في هذه الحرب القوية التي منعنا وحيل بيننا وبين اللحاق بإخواننا هنا وهناك، يجب علينا أن نعلم أن المطلوب منا مسألة هي أصل التوحيد وأصل الاعتقاد، وقد سماها الله ورسوله وأهل العلم: مسألة الولاء والبراء.
ولا يزال كثير من الناس يسأل إلى يومنا هذا: وهل يجوز قتل الأبرياء في أمريكا أو غيرها؟
الجواب
لا يجوز، السؤال الذي ينبغي أن يطرح: من الذي قتل الأبرياء؟ إن الذي قتل الأبرياء هم حكام هؤلاء الأبرياء، الذي قتل الأبرياء هنا وهناك في فلسطين، وفي أمريكا، وفي أوروبا، ولا علاقة البتة من قريب أو بعيد لـ أسامة بن لادن، ولا تنظيم القاعدة بما خططته أمريكا، إلى الآن لم يظهر دليل واحد على إدانة هؤلاء، ومع ذلك بغير دليل ولا برهان ولا بينة يأتي أهل الكفر من شرق الأرض وغربها يجتمعون على أناس عزل لا ناقة لهم ولا طعام ولا شراب، يسكنون الكهوف والجبال، تأتي قوى الشر بخيلها ورجلها لطمس هذه الفئة وقتلها وإزالتها من على وجه الأرض، بعد أن أخزى الله ﵎ ودمر على أيديهم أعظم أمبراطورية ماركسية، أمريكا بصلفها وغرورها وحزامها الصاروخي خافت من أناس لا حيلة لهم، إنما يسكنون الكهوف والجبال، فقامت أمريكا بكل ما تملك من عدة وعتاد وأشخاص وأفراد؛ لأجل أن تقضي على هذه الفئة المجاهدة، وهيهات هيهات أن يفعلوا ذلك، وأن يكون لهم ذلك؛ لأن الناصر الحقيقي لهؤلاء هو الله ، وما زال المجاهدون في فلسطين، وفي شرق الأرض وغربها -كما في كشمير وغيرها- يستغيثون بالأمة المسلمة ولا مجيب، وهذا السكوت مدفوع الثمن مقدماً، ولابد أن يعلم الجميع ذلك، ولذلك ينبغي أن تظهر لدينا تلك القضية العظيمة: قضية الولاء والبراء، الولاء لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الكفر والكافرين بجميع أشكالهم وألوانهم ومذاهبهم، وإن تسموا بأسماء المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، ما زلت ترى الكثرة الكاثرة من المسلمين حكاماً ومحكومين إنما ينقمون على هؤلاء الأفراد في فلسطين أو في كشمير أو في بورما، أو في البوسنة والهرسك، وما سمعنا واحداً يتكلم عن اليهود، وما سمعنا واحداً يتكلم عما يفعله بوش المجرم اللعين على أرض الأفغان، قتل الأبرياء والأطفال والنسوة بالليل والنهار بالمئات والآلاف في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين، بينما تكلم المسلمون -لا أقول: الكافرون- عن قتل الأبرياء في برج التجارة العالمي في نيويورك، مع أنه لا علاقة للمسلمين بذلك، وإنما هذا مسمار جحا، وهو الذي يتكئ عليه النظام العالمي الجديد الوحيد، وهذا أشبهه بعمدة في قرية يسمع له الناس جميعاً ويطيعون له إلا واحداً، فأراد أن يتخلص من ذلك الواحد حتى يصفو له أهل القرية سمعاً وطاعة.
فهؤلاء خرجوا من تحت عباءة هؤلاء، ورفضوا أن يدخلوا في طريقهم وطاعتهم؛ لأنهم كفار ملعونون على ألسنة الرسل أجمعين.
فأبى هؤلاء كما نأبى نحن أن ندخل تحت حكم جائر، أو تحت حكم كافر، ورفعنا شعار: أننا لا نريد أن نحكم بأمريكا ولا بروسيا ولا بأوروبا، فهذا هو الذي فعله إخواننا في أفغانستان، فماذا تنقمون منهم؟! فهم منا ونحن منهم، هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وقد أسقطوا عنا الإثم بقيامهم بهذا الواجب الغائب، وهو واجب الجهاد في سبيل الله .
فينبغي أن نقف معهم ولو بالولاء، والولاء هو الحب والنصرة، والى فلان فلاناً أي: نصره وأحبه، وإذا كان الولاء هو النصرة والحب؛ فقد اشتمل على ركني العمل: العمل القلبي، وهو أن نحب إخواننا المجاهدين هنا وهناك، والنصرة بالقول والعمل إذا استطعنا، والدعاء الذي نحرم منه على منابر المسلمين في بلاد المسلمين، ونعاتب هنا وهناك، بينما اليهود والنصارى يدعون لبعضهم، ويعقدون المؤتمرات والندوات بغير نكير منهم، بل ولا منا، فهل تنقمون منا أن نقدم السلاح الذي نملكه وهو سلاح الدعاء، مع أن الواجب علينا أن ندعو لإخواننا وأبنائنا وآبائنا ونسائنا وأطفالنا هناك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قد انقلبت الموازين رأساً على عقب، يحرم أحدنا أن يدعو على هذه المنابر لإخواننا المجاهدين، إن هذا لهو البلاء العظيم.
من الولاء: النصرة لله تعالى باتباع شرعه والدعوة إليه، ونشر سنة النبي ﷺ ، والذب عنها، وترك معالم البدع، واجتناب ما نهى عنه وزجر، واتباع ما قد حض عليه وأمر، هذا هو الولاء لله تعالى ورسوله، والولاء لإخواننا المؤمنين المخلصين أن نحبهم في الله، وأن نعادي من يعاديهم، وأن نمقت من مقتهم، نمقتهم في ذات الله ، فنكره الكفر وأهله؛ ولذلك قال النبي ﵊: (قال الله تعالى: من عادى الله لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، أو فقد آذنته بالحرب)، أي: صارت الحرب بينه وبين الله ، فالذي يتولى الدفاع عن هؤلاء المؤمنين هو الله ، (من عادى لي ولياً) ونحن نعاديهم بالقول: أنتم إرهاب
стр. 295
من صور الولاء المحرم
أما الولاء المحرم فمنه ما يؤدي إلى الكفر البواح، وله صور:
стр. 296
منح الكفار حرية التنقل والإقامة في بلاد المسلمين
من صور الولاء المحرم: منح الكفار حرية التنقل والإقامة في بلاد المسلمين.
الآن في أمريكا وفي أوروبا لا يهنأ المسلمون بلقمة العيش، وقد منعوا المسلمين أن يؤدوا صلاة الجمعة في المساجد، ومع ذلك الكفار في بلاد المسلمين يجوبون فيها شرقاً وغرباً تحت ستار: الدين يدعو إلى السلام، ويدعو إلى حرية الأديان، نعم هو كذلك، لكن بشروط: لنا مثل ما لهم، أما أن يمنعونا حقنا؛ فيجب علينا أن نمنعهم حقهم.
стр. 297
تمليك الكفار ما يتخذونه لمعصية الله وتمكينهم من ثروات المسلمين
كذلك من صور الولاء المحرم: تمليك الكفار لما يتخذونه موضعاً لمعصية الله تعالى، ورفعاً للصليب في بلاد المسلمين.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم): لا يحل لمسلم أن يؤجر بيتاً أو دكاناً لمشرك، وهو يعلم أنه يرفع عليه الصليب، يحرم على المسلم أن يترك الحرية لأهل الصليب أن يرفعوا صليبهم، ومع ذلك الآن يرفعون الصليب، ويضعون مظاهر الشرك والكفر على جدر هذه الدار أو ذاك الدكان، فأنت قد ساعدت على دخول مظاهر الكفر في مسكنك، فهذا مظهر من مظاهر الشرك والكفر.
وكذلك السلام عليهم لا نبدؤهم به، قال النبي ﵊: (لا تبدءوا أهل الكتاب بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها)، أي: ليكن لكم وسط الطريق، وهم حافة الطريق، هذا مظهر من مظاهر العز، إذا كان المسلمون يريدون العزة فليمشوا في وسط الطريق، كما يمشي الكبار والوجهاء في وسط الناس.
من مظاهر الولاء المحرم: تشييع موتاهم وتعزيتهم.
من المظاهر: تمكين الكفار من استغلال أموال المسلمين، وبحار المسلمين، وذهب المسلمين، وتولي الوظائف الهامة في الدول الإسلامية.
كذلك من المظاهر المحرمة: إهانة المسلم بما دون القتل إرضاءً للكفار، فما بالك بقتل المسلمين إرضاءً للكافرين؟! هذا بلاء عظيم وقعت فيه الأمة.
стр. 298
إباحة المحرمات بين المسلمين إرضاء للكافرين
كذلك من صور الولاء المحرم: إباحة المحرمات بين المسلمين إرضاءً للكفار، نشرب الخمر ونوفره؛ لأن بلدنا بلد سياحي، ونحن نتعامل مع عالم بأكمله مؤمنهم وكافرهم، وهم يشربون الخمر، فلابد أن يسهل لهم الخمر؛ لأجل الاقتصاد، وسداد ديون مصر، كيف تسدد الديون؟! وكيف تنهض الأمة بما حرمه الله عليها؟! كل مظاهر المحرمات ظهرت في بلاد المسلمين تحت دعوى الانفتاح والتطور في المدنية والتحضر، فلا بد أن نكسر الباب الذي بيننا وبين العالم الخارجي، يعني: نخرب ديننا، وقد صرحوا بذلك مراراً، قالوا: الدين رجعية، الدين تخلف، الدين جمود، الدين إرهاب، حتى الأطفال سمعوا هذه المصطلحات.
стр. 299
التآمر مع الكفار ضد المسلمين وتنفيذ مخططاتهم والتجسس لصالحهم
من صور الولاء المحرم: التآمر معهم ضد المسلمين، وتنفيذ مخططاتهم، والدخول في أحلافهم وتنظيماتهم، والتجسس من أجلهم، ونقل عورات المسلمين إليهم.
وهذا حادث في المسلمين اليوم.
وكذلك الانخراط في الأحزاب العلمانية والإلحادية، كالشيوعية، والاشتراكية، والباطنية وغيرها من المذاهب الإلحادية.
وكذلك من صور الولاء المحرم: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر في بلاد المسلمين ببناء الأديرة والكنائس وغيرها، فهذا من صور الولاء المحرم فلا يجوز، ولذلك لما دخل عمر ﵁ بلاد الشام وضع بينه وبين النصارى شروطاً, ومن هذه الشروط: عدم بناء الكنائس، مع ترك الكنائس المبنية على أصلها، ثم حصر عبادة هؤلاء في داخل كنائسهم، وعدم إظهار شعائر دينهم في الشوارع والطرقات والحانات، فعبادتهم لم تتعد الكنائس، فليس لهم أن يدعوا إلى دينهم، ولا أن تكون لهم النداءات والكتب والمجلات والأنباء وغير ذلك، فهذا مما حرمه الشرع.
стр. 300
استئمان الكفار والتشبه بهم والرضا بأعمالهم وتعظيمهم ومساكنتهم
من صور الولاء المحرم: استئمانهم وقد خونهم الله ، فهم خونة، فإذا كانوا يخونون الله ورسوله؛ فلم لا يخونون المؤمنين حينئذ؟! ومع هذا نحن نستأمنهم ونقول: هم ناس صادقون مجدون صريحون وغير ذلك.
وكذلك من صور الولاء المحرم: الرضا بأعمالهم والتشبه بهم، والتزيي بزيهم.
وكذلك إعانتهم على ظلمهم ونصرتهم ومناصحتهم والثناء عليهم، ونشر فضائلهم، وتعظيمهم، وإطلاق الألقاب عليهم.
وكذلك السكنى معهم في ديارهم، وتكثير سوادهم، وقد نهانا النبي ﵊ عن الهجرة إلى بلاد الكفار، قال ﵊: (لا هجرة بعد الفتح)، أي: لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت بلد إيمان وإسلام، بعد أن كانت بلد شرك وكفر، فلا هجرة منها، (ولكن جهاد ونية)، لكن الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان باقية بقاء الدهر، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لكن نجد الآلاف من الناس يتمنون لو أنهم يذهبون إلى بلاد الكفار، فتراهم يترددون على سفارات الكفار في بلاد المسلمين، كل ذلك رغبة في تلك الملذات والشهوات، لم يذهبوا لإظهار معالم الدين الإسلامي، ولا لأجل تبليغ أحكام هذا الدين، وبيان فضائله، إنما ذهبوا لجمع الدنيا، وذهبوا إلى بلاد الكفر للنظر إلى المرأة الجميلة ذات الشعر الأصفر والعيون الزرقاء، والسيقان البيضاء، لا غرض لهم إلا هذا، فتراهم يعملون بالليل والنهار في الخمور، ثم هم ينفقون أموالهم على النساء والخمور، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال النبي ﵊: (من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله).
أي: من اجتمع مع المشرك في بلد من البلاد، وسكن معه، فإنه مثله.
وقال ﵊: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا).
وقال ﵊: (من أقام بين ظهراني المشركين فليس مني).
وفي رواية عند أبي داود: (فقد برئت منه الذمة).
ولذلك أجمع علماء السنة أنه لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفار إلا لغرض شرعي، وأن تصطحب معك زوجتك؛ حتى لا تتعرض لفتنة النساء هناك، ثم إذا فرغت من حاجتك ترجع إلى بلادك، والنبي ﵊ يقول: (السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الكرة إلى أهله).
فإذا كان هذا في بلاد المسلمين، فما بالكم إذا كان السفر إلى بلاد الكفار؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 301
الرضا بكفر الكافرين والشك في كفرهم وموالاتهم والتحاكم إليهم
منها: الرضاء بكفر الكافرين، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذاهبهم، هذا كفر بواح.
كذلك أن يتولاهم المرء محبة ونصرة وتأييداً وتصحيحاً ومساندة ومساعدة وغير ذلك، فهذا -بلا شك- بلاء عظيم جداً.
وكذلك التحاكم إليهم دون كتاب الله ، لا يتحاكم إلى كتاب الله، وإنما يتحاكم إلى تلك القوانين الوضعية، وإلى حثالتهم الفكرية.
وكذلك مودتهم ومحبتهم والركون إليهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣].
وكذلك مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩].
وكذلك اتخاذهم بطانة أعواناً وأنصاراً من دون المؤمنين.
يعني: اتخاذهم أعواناً، كوزير أو وكيل وزارة وغير ذلك، فهؤلاء الكفار لا يجوز اتخاذهم بطانة في بلاد المسلمين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، أي: من غيركم يا أهل الإيمان، ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: أنهم يتمنون نزول العنت بكم، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] إي والله قد بدت البغضاء، ولم يقل الله : قد أبدوا البغضاء، وإنما بدت البغضاء وظهرت وخرجت بنفسها بغير قصد منهم، كأن البغضاء ملأت قلوبهم، ثم فاضت على صدورهم، فخرجت من ألسنتهم بغير قصد، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
هذه هي الحرب الحقيقية بين أهل الإيمان والفسق، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
стр. 302
طاعة الكفار فيما يأمرون
من صور الولاء المحرم: طاعتهم فيما يأمرون ويشيرون، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩].
стр. 303
صور من المعاملات الجائزة مع الكفار
كذلك العمل لدى الكفار وتحت ولايتهم بغير ضرورة ولا حاجة، أما إذا دعت الضرورة أو الحاجة فلا بأس، على أن يحرص العامل أن يتخلص من هذا العمل في أقرب فرصة، أما أن يعمل لدى الكافر ويهان ويذل، ويحمل على فعل الحرام، كتقديم الخنزير، وتقديم الخمر في مطاعم أوروبا وغيرها فلا، تجد الطبيب أو المهندس المسلم يعمل خادماً في مطاعم أوروبا يغسل الأطباق، ويمسح البلاط في اليوم مرتين أو ثلاثاً، وهو طبيب أو مهندس، وقد رأينا أستاذ جامعة يقف على مغسلة أطباق في أمريكا، ما هذه الإهانة؟! هو أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية في علم المواريث.
كان على هذا الأستاذ أن يعود إلى بلاده ويعطي دروساً خصوصية في الشريعة الإسلامية واللغة العربية، إذا كان دخله يتعدى الألفين أو الثلاثة فيكفي، ماذا يريد من الدنيا بعد ذلك؟! يريد أن يهان وأن يذل، ثم هو بعد ذلك يفاخر الرائح والجائي بأنه أستاذ جامعي، ماذا تصنع بها وقد أهنت نفسك؟! وهنا أشياء من الولاء، لكنها ليست محرمة، بل هي على الجواز.
منها: معاملة اليهود والنصارى بالحسنى ما داموا غير محاربين؛ لأن الكفار منهم المحاربون، ومنهم المسالمون لا يحاربون، يقول الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨] أي: لا ينهاكم الله تعالى عن القسط والعدل معهم، وكذلك الصدقة على محتاجيهم، تصور أن الإسلام أباح لنا أن نتصدق على اليهودي والنصراني وغير ذلك إذا كان محتاجاً فقيراً، وهذا حق من حقوق الجوار للكفار فضلاً عن المسلمين.
كذلك ينبغي رد التحية عليهم إذا سلموا علينا سلاماً صحيحاً، أن يقولوا: السلام عليكم، نقول: وعليكم السلام، أما (رحمة الله وبركاته) فلا، فليست لهم من الله رحمة ولا بركة.
وكذلك معاملتهم في العقود المالية المباحة التي لم يحرمها الله تعالى علينا، واستعمالهم عند الحاجة إليهم في الأمور التي لا تمس الإسلام، ولا تمس معالم المسلمين الكبرى، والسفر إليهم لأغراض مباحة، مع القدرة على إعلان الدين هناك، نسافر إلى بلادهم لغرض مشروع، بشرط أن نتمكن من إعلان مظاهر الدين الإسلامي، وكذلك زيارتهم لغرض مشروع كدعوتهم للإسلام، ولذلك دخل النبي ﵊ على غلام من اليهود يعوده وقد بلغه أنه مرض وهو محتضر، فقال النبي ﷺ لهذا الغلام: (يا غلام! قل: لا إله إلا الله، فنظر الغلام إلى أبيه، فقال الأب: أطع أبا القاسم، فشهد الولد بالشهادتين، ثم مات، فخرج النبي ﵊ وهو يقول: الحمد لله الذي أنجاه بي من النار).
الزيارة مشروعة للكفار في بيوتهم، لكن لا تزورهم لأجل أن تسامرهم وتجالسهم وتضحك وتسخر وتهزأ وتنكت حتى يطلع الفجر، فهذا مما حرمه الله عليك.
ومن صور الولاء: مخالطتهم عند اللزوم، مع عدم الركون إليهم، والاستفادة مما عندهم من تقدم بما لا يتعارض مع الشرع، وكذلك أكل طعامهم، والزواج من نسائهم اللاتي لا علاقة لهن بالشرك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 304
طرق تصحيح المسار في قضية الولاء والبراء
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإذا كانت قضية الولاء والبراء قد ظهر لنا منها جانب من الجوانب، فينبغي علينا أن نضع بعض الخطوط؛ لتصحيح المسار.
стр. 305
القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحلي بمكارم الأخلاق
كذلك التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا كاد أن يغيب في الأمة، بل يقول بعض الناس الآن: طأطئ رأسك حتى يمر السيف، هذه كلمة المخذولين، والذي أكثر منه خذلاناً من إذا وجدك تأمر وتنهى يقول لك: أنا حر، نعم هو حر وليس عبداً لله ؛ لأنه قد خرج من عبودية الله وصار عبداً للشيطان، أما المؤمن الحق فهو يعلم أنه عبد لله ، يأتمر بأوامره، وينتهي عن زواجره.
وكذلك التحلي بمكارم الأخلاق، والتحلي ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدق، وتجنب الكذب، والرفق والحلم والتواضع، وترك الغضب والكبر.
كذلك التحلي بالحياء؛ لأن الحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير كما أخبر النبي ﷺ .
وهناك بعض المعالم في طريق الإصلاح، وإن كان واقع الأمة واقعاً مؤلماً ومراً، ولذلك عبر عنه كثير من الشعراء، يقول أحدهم: فمن أين أبتدئ الحكاية كلها غصص تثير كوامن الأشجان في كل أفق على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان فاليوم لا شاعر يبكي ولا صحف تحكي ولا مرسلات عند شان هل هذه غيرة أم هذه ضعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان ويقول آخر: صديق ليس ينفع يوم بؤس قريب من عدوّ في القياس تنكرت البلاد ومن عليها كأن أناسها ليسوا بناس ومن أقوى ما يصور واقع المسلمين اليوم قول الشاعر: في كل أرض بلد موثق يعيش في القيد وفي كربه قد عقه الخارج من صلبه وخانه النابت من تربه قسوا عليه وهم أهله في محنة الدهر وفي خطبه قد شاركوا الطاعم من لحمه وساعدوا الغاصب في غصبه يرتزق الخائن من بيعه ويسعى مع الساعي إلى صلبه ألسنة تهذي لتضليله وأنمل تمتد إلى سلبه ويقول آخر: أيها القوم أعيروا سمعكم إني أقذف ناراً لا كلاما ما أنا شاكي ولكن أمة أصبحت تشكو كما يشكو اليتامى تبصر الشر ولا تنكره وعن المعروف جنباً تتحامى وتداري كل دجال ولو بث في أبنائها الرأي الحراما وترجي من أعاديها الهدى وتواليهم قضاءً واحتكاماً كم صفيق الوجه صفقنا له وسفيها قد جعلناه إماماً بحت الأصوات في تمجيده وهو للأعداء سهماً وحساماً وشريف القصد شهرنا به وظلمناه اعتداءً واتهاماً يا أيها الناس إن الله يأمركم ألا تكونوا لأهل الظلم أعواناً يا قوم لا تنصروا من ليس ينصره ولا تكونوا لمن عاداه إخواناً يلقى العدى طاعة منكم ومسكنة مهما أرادوا ويلقى الله عصياناً إني أخاف عليكم حادثاً جللاً لا تملكون له رداً إذا حانا قال الله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨].
اللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
اللهم عليك بالكفر والكافرين، اللهم عليك بالكافرين ومن والاهم، اللهم عليك بالكافرين ومن والاهم.
اللهم انصر إخواننا في أفغانستان، وفي الشيشان، وفي بورما، وفي كشمير، وفي فلسطين.
اللهم إنهم عراة فاكسهم، جوعى فأطعمهم، عطشى فأسقهم.
اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.
اللهم أنزل عليهم جنداً من عندك، اللهم أنزل عليهم جنداً من عندك.
اللهم كثرهم في أعين الكافرين، وقلل الكافرين في أعينهم.
اللهم يا رب سدد رمي المجاهدين، اللهم سدد رمي المجاهدين، اللهم سدد رمي المجاهدين، ووحد كلمتهم، ووحد صفهم.
اللهم شتت شمل الكافرين، رمل نساءهم، يتم أطفالهم، اجعل الدائرة عليهم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 306
الاهتمام بتربية النشء المسلم على التوحيد
من هذه الخطوط: الاهتمام بتربية النشء المسلم على توحيد الله ، وعلى حب الله ، فإن المرء لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يبغضه لا يبغضه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار.
لابد من تربية النشء على هذه المعاني الإيمانية الطيبة القوية، ولذلك أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي عمرو سفيان بن عبد الله أنه قال للنبي ﵊: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم).
يعني: إيمان يتبعه استقامة، إيمان له مقتضيات وله شروط وله أركان، فلابد من الوفاء بها والإتيان بها.
وكذلك نربي أطفالنا على حب أهل الإيمان والإسلام، وبغض الكفر والكافرين، وحب الجهاد في سبيل الله ؛ لأنه لا عز للإسلام ولا سؤدد لهم ولا شرف إلا برفع راية الجهاد، خاصة في هذا الزمن بالذات، فلا يمكن رد الكافرين إلا برفع راية الجهاد، ولذلك من صور النهوض بالأمة، ومن صور الإصلاح فيها: ترسيخ عقيدة الولاء والبراء.
يا بني! تحب من؟ وتبغض من؟ متى تحب؟ ومتى تبغض؟ لمن ينعقد الحب؟ ولمن ينعقد الولاء؟ وعلى من ينعقد البراء؟ تبرأ ممن، ولماذا؟ لابد أن يتربى النشء على هذه المعاني الطيبة.
стр. 307
وصية عمرو بن العاص
آخر لحظة في الدنيا هي أصعب اللحظات، والموفق من ثبته الله فيها، فأحسن الظن بربه، ونطق شهادة التوحيد، ويمثل عمرو بن العاص ﵁ مثالاً لذلك، ففي آخر لحظاته يلخص مراحل حياته من كفر وبغض للدين والرسول إلى حب وإعظام وإكبار للدين والرسول، ثم فتوحات وولايات في ميزان الحسنات، ثم هو على فراش الموت يرجو رحمة الله تعالى، ويوصي بألا يتبع بنار ولا نائحة، وأن يقفوا على قبره مقدار ما تنحر الجزور ليدعوا له بالثبات، وينظر ما يراجع به رسل ربه ويستأنس بهم.
стр. 308
وصية عمرو بن العاص عند احتضاره وما فيها من العبر والعظات والمسائل والأحكام
إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أخرج مسلم في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن شماس المهري ﵀ أنه قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى حتى علا نحيبه، ثم استدار ناحية الجدار، فقال له ابنه عبد الله: يا أبت! ألم يبشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ ألم يبشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فقال: يا بني! إن أفضل ما نعد: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإني لعلى أطباق ثلاثة، ولقد رأيتني وما أحد أبغض إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أحب إلي أني استمكنت منه فقتلته، ولو أني مت على تلك الحال لدخلت النار، فلما شرح الله تعالى صدري للإسلام أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو؟ قلت: يا رسول الله! أشترط، قال: تشترط بماذا؟ قال: قلت: أشترط أن يغفر لي.
قال: يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله؟ ولقد كان رسول الله ﷺ أحب إلي من كل شيء، وما كنت أطيق النظر إلى وجهه، ولو أني سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني من النظر إليه ﷺ ، ولو مت على تلك الحال لرجوت الله أن يدخلني الجنة، قال: ثم ولينا من هذا الأمر، ولا ندري ما الله صانع بنا فيها، فإذا أنا مت فلا تتبعني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، وامكثوا عند قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها كي أستأنس بكم، وأراجع رسل ربي).
هذا حديث عظيم القدر، جليل الشأن، اشتمل على عدة مسائل في العقيدة والأحكام، حديث صاحبه إمام من أئمة المسلمين في زمن النبوة، إنه عمرو بن العاص، صاحب مصر وواليها وفاتحها في العام الحادي والعشرين، وكان يلقب في الجاهلية بداهية العرب، كان سيداً ذكياً مطاعاً مجاهداً شجاعاً، أتى إلى مصر وفتحها سلماً أو حرباً، حتى يأتي كل مصري بعد ذلك إلى يوم القيامة في صحيفة حسنات هذا البطل المجاهد، صاحب واحد من أصحاب النبي ﵊ يدخل بسببه ملايين الناس إلى الجنة، وهكذا كان دأبهم رضي الله تعالى عنهم، فقد باعوا أنفسهم وأموالهم بجنة عرضها السماوات والأرض.
هذا البطل لما دخل عليه قومه وأصحابه وهو في لحظة الاحتضار، وفي آخر ساعات حياته قام يبكي؛ لأنه يعلم أنه قادم على الله ، وراحل عن هذه الدار التي لابد لكل حي أن يرحل عنها.
لما رأى منه ذلك ولده عبد الله ذلك الابن البار والعالم النحرير، فقد كان عالماً عابداً ولا يزال طفلاً صغيراً في الثانية عشرة من عمره أثار إعجاب النبي ﵊، وإعجاب أصحابه بكثرة عبادته، وبحرصه على طلب العلم وكتابته، لما رأى ذلك من أبيه قال: يا أبت! لم تبكِ؟ ألم يبشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ ألم يبشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ فقال له: يا بني.
انظر إلى الملاطفة والموادعة: الابن يقول لأبيه: يا أبتِ، والرجل يقول لولده: يا بني.
ملاطفة وموادعة، ومودة في الخطاب تفتح القلوب، وإنما فعل عبد الله ما قد أوجبه الشرع عليه من تذكير أبيه في هذا الموطن بعمله الصالح، وببشرى رسول الله ﷺ له، حتى يقدم الوالد على ربه وقد أحسن الظن به، وقد قال النبي ﵊ فيما أخرجه مسلم في صحيحه: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه).
وقال الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) أي: إن
стр. 309
المرحلة الأولى من مراحل حياة عمرو بن العاص: مرحلة قبل الإسلام
قال عمرو: (ولقد رأيتني على أطباق ثلاثة)، أي: على مراحل وحالات ثلاث: المرحلة الأولى والطبق الأول: قال: (لقد رأيتني وما أحد أبغض إلي من رسول الله ﷺ أي: قبل إيمانه وإسلامه، (ولا أحب إلي أني قد استمكنت منه فقتلته، ولو أني مت على تلك الحال لدخلت النار).
انظر إلى القطع بدخول النار لمن بغض الناس إلى الله، ولمن بغض الناس إلى رسول الله وإلى شرع الله، وانظر إلى حكم من أبغض الله، وأبغض رسول الله، وأبغض شرع الله، وصار يتهكم عليه بالليل والنهار، ويهزأ من أهله، ويسخر بهم، كل ديدنه أنه لا يعجبه الإسلام، وإن تسمى بأسماء المسلمين، فإنه من أهل النار إلا أن يتوب إلى العزيز الغفار، وإلا فكل من استهزأ بدين الله وسخر منه ومن أهله وأبنائه، فإنه من أهل النار إلا أن يرجع إلى ربه، ويستغفر الله تعالى مما بدر منه.
قال: (ولو أني مت على تلك الحال لدخلت النار).
انظروا إلى الربط بين حاله الذي كان يتمثل في البغض القلبي، وعمل الجوارح؛ لأنه قال: (لقد رأيتني وما أحد أبغض إلي من رسول الله ﵊.
والبغض: أمر قلبي.
قال: (ولا أحب إلي أني استمكنت منه فقتلته).
هذا عمل من أعمال الجوارح، وهذا الذي يقرر عقيدة أهل الحق: أن الإيمان قول وعمل، قول: باللسان لمن قدر على ذلك، ومن لم يقدر على ذلك فتكفيه الإشارة، أو الكتابة إذا كان يحسنها.
ثم العمل عمل الجوارح، وعمل القلب من الصدق والإخلاص والمحبة والتوكل والرجاء وغير ذلك من أعمال القلب، ولابد للقلب إذا آمن أن تنطلق الجوارح فتعبر بما أوجب الله عليها، مما وقر في قلب صاحبها من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر الطاعات التي هي من أعمال الجوارح الظاهرة.
فالإسلام يكمن في القلب، ويظهر على الجوارح، ولذلك جمع بين هذا وذاك عمرو بن العاص؛ ليقرر ابتداءً في ذلك الزمان عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل، قول باللسان، وعمل بالقلب والجنان، ولا يصلح عمل القلب بدون الأركان، كما أن عمل الأركان لا يصلح قط إلا إذا نطق صاحبها بلسانه بكلمة التوحيد، واستقر ذلك في قلبه، ودون ذلك خرط القتاد لا تنفع صاحبها لا في الدنيا ولا في الآخرة، اللهم إلا من نطق بها نفاقاً، فيثبت له حكم الإسلام ظاهراً وهو عند الله كافر.
قال: (ولو أني مت على تلك الحال).
لم يقل: لظننت أني من أهل النار، أو ربما دخلت النار، وإنما قطع بأنه من أهل النار.
стр. 310
المرحلة الثانية من مراحل حياة عمرو بن العاص: مرحلة بعد الإسلام
قال: (فلما شرح الله صدري للإسلام أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك).
نظام البيعة على الإسلام، أو البيعة للنصح لكل مسلم وغير ذلك مما أخذ به النبي ﷺ البيعة على أصحابه.
طريق ذلك: أن الواحد منهم كان يأتي إليه ﷺ ويبايعه يداً بيد، وكفاً بكف، ويذكر ما يبايع عليه، فقال: (يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك، فلما بسط النبي ﵊ يمينه قبض عمرو بن العاص يمينه ولم يضعها في يمينه ﵊ قال: ما لك يا عمرو! قال: يا رسول الله! أردت أن أشترط - إذا دخلت الإسلام فلي شرط - قال: تشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي).
انظروا إلى ذكاء هذا العاقل، وإلى فطنتنه، يريد أن يطمئن على نفسه قبل أن يدخل الإسلام، هل الإسلام يغفر له ما كان منه من بغض النبي ﵊ وآله وأصحابه أم لا؟ أما إذا كان لا يغفر ذلك له فما قيمة أن يسلم حينئذ، ولذلك بشره النبي ﵊ فقال: (يا عمرو! أما علمت) أي: من أصحابي ومن عموم الرسالة، ومن رحمة الله تعالى، ومن أجواء المسلمين في المدينة أو في مكة (أن الله يغفر لمن أسلم، أما علمت يا عمرو! أن الإسلام يهدم ما كان قبله).
ومعنى: (يهدم) يغفر ويمحو ويزيل كل المعاصي والذنوب السابقة على حياة المرء قبل دخول الإسلام، إذا كنت يا عمرو تعتقد أن الإسلام يجب الكفر ويبطل الكفر، فمن باب أولى أن يهدم ما دون ذلك، ولذلك قال له: (أما علمت) -أي: بعد أن استفاض ذلك في الناس- أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله؟) فحينئذ قال عمرو بن العاص: فلرسول الله ﷺ أحب الناس إلي، وأجلهم في عيني، وما كنت أطيق أن أنظر إليه إجلالاً ومهابة وتعظيماً، ولو أني سئلت أن أصفه ما أطقت ذلك؛ لأني ما كنت أقدر أن أملأ عيني منه ﵊.
أما علمت أن الإسلام الذي هو الإذعان والخضوع والذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن المرء إذا انقاد لله في أمره ونهيه، إذا عمل بالأمر واجتنب النهي أن ذلك يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن الإسلام هو الصلاة والصيام والزكاة والحج، والشهادة أولاً؟ أما علمت أن الإسلام هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله، واليوم الآخر، والبعث والحشر والنشر وغير ذلك من سائر أركان وفروع الإيمان بالله؟ أما علمت أن الإسلام هو هذا يا عمرو بن العاص، وأن من التزم به دخل الجنة؛ لأنه يغفر له ما قد كان منه آنفاً؟
стр. 311
هجرة عمرو وبيان أنواع الهجرة في الإسلام وبيان أحكامها
أما علمت أن الهجرة يا عمرو بن العاص تجب ما كان قبلها، وتهدم ما كان قبلها، وتغفر ما كان قبلها؟ والهجرة هجرتان: هجرة ظاهرة، وهجرة باطنة، ولذلك قال النبي ﵊: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
وقال النبي ﵊: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) أي: لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام وإيمان، فلا هجرة منها إلى قيام الساعة؛ لأنها لا تكون في يوم من الأيام بلد شرك ولا كفر، إشارة إلى أن مكة وساكنيها بلد إيمان وتوحيد وإسلام إلى قيام الساعة، لا يؤثر فيها كفر ولا شرك بالله تعالى، ولذلك قال: لا هجرة منها.
فمن زعم الآن أو بعد الآن الهجرة من مكة بما وقع فيها من شرك أو كفر، فهذا غلو في دين الله ، ونقض للأدلة بالأهواء والآراء، وهيهات هيهات أن يصح له قول، أو يقبل منه زعم، فإن مكة بلد حرام إلى قيام الساعة، كما أن المدينة كذلك حرم ما بين عير إلى ثور، حرم ما بين لابتيها.
لكن الهجرة الظاهرة باقية ما بقيت الدنيا إلى قيام الساعة من بلاد الكفر والشرك إلى بلاد الإيمان والتوحيد والإسلام.
الهجرة باقية بقاء الزمن، وبقاء الدهر، فيجب على كل من خشي على دينه في بلد كفر أن يهاجر منها إلى بلاد الإيمان والإسلام، التي يأمن فيها على دينه، ولا يزال قوم يلهجون ويهرفون بما لا يعرفون، يقولون: نهجر بلاد الإسلام والمسلمين إلى بلاد أوروبا وأمريكا؛ لأننا نأمن على ديننا في تلك البلاد!
الجواب
هذا قول بالهوى، والنبي ﵊ قال: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين ثلاثاً).
فإذا فتحت باب الهجرة إلى تلك البلاد التي هي بلاد كفر وشرك وعصيان لله ، فيحرم على أبناء المسلمين أن يدخلوا هذا الباب لطلب الدنيا، وطلب الدولار والدينار والدرهم فيها، فإن هذا لا يحل لهم بحال.
أما من ذهب إلى تلك البلاد ليدعو الناس، وليكون سبباً لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور التوحيد والإيمان فحسن، وقد أرسل النبي ﵊ بعض أصحابه إلى اليمن وإلى الشام وغيرهما من البلدان يدعون الناس إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام والأوثان، ومن ذهب للدعوة يشترط ألا يستقر، ولا بأس أن يصحب معه زوجته حتى لا يفتن بالجميلات البيضاوات ذوات الشعور الصفراء، والعيون الزرقاء، فتن عظيمة تعرض عليك هناك بالليل والنهار، فينبغي أن تقضي مصلحتك، ثم تفر بدينك منها، تذكر الناس بين الحين والحين بما أوجب الله ﵎ عليهم، تدعو الناس إلى الدخول في الإسلام، تدعو المسلمين إلى الالتزام بأحكام شرعهم ودينهم.
هذا الذي يجب على الدعاة إلى الله .
أما سائر الناس الذين ذهبوا ليطلبوا الدنيا، فما فيهم من خير قط إلا ما ندر، وإذا ذهبت إلى هناك وجدت أن أصحاب الالتزام أقل واحد منهم قد وقع في كبيرة إلا من رحم الله وقليل ما هم، لم؟ لأنه يحب الدنيا، ويكره الموت، يكره الآخرة ويكره بلاد الإسلام، بلاء عظيم جداً يقع فيه المرء، الهجرة الظاهرة من بلاد الكفر هناك إلى بلاد الإسلام، وبلاد المسلمين، يكفي أنك في بلاد الإسلام تصلي وتصوم، يكفي أنك في بلاد الإسلام تسمع الأذان الذي ربما لا تسمعه في بلاد الكفر أعواماً.
ولقد التقينا برجل -وقس عليه آلاف- لم يصل الجمعة منذ سبعة عشر عاماً، أين هذا من الدين؟ والنبي ﵊ يقول: (من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه).
أما يخشى من هذا الوعيد؟ هذه هجرة ظاهرة انقطعت من مكة بفتحها، ولم تنقطع من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان إلى قيام الساعة.
جاء عند البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه).
وعند أبي داود: (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه).
وعند أحمد في مسنده: (والمهاجر من هجر السيئات).
وهذه هي الهجرة الباطنة، ربما تظاهر المرء بترك السيئات إذا اطلع عليه الناس، ويتظاهر بالورع والخشوع والإقبال، وإذا خلا بالله انتهك محارمه.
فالهجرة الحقيقية أن تصدق في ترك المعاصي وهجران السيئات فيما بينك وبين الله ، قال ذلك النبي ﵊ حتى لا يتكل أصحابه الذين هاجروا مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، لا يتكلوا على الهجرة الظاهرة، وليعلموا أن الهجرة لا تتم وتكمل إلا بهجر الذنوب والمعاصي.
أو أن النبي ﵊ قال ذلك تطييباً لخاطر أصحابه الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة أو غيرها من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، أن الهجرة الحقيقية الكاملة التامة هي أن تهجر المعاصي، وأن تهجر الذنوب إذا ما دعاك إلى ذلك الشي
стр. 312
تبشير عمرو بأن الحج يهدم الكبائر والصغائر من الذنوب
(يا عمرو أما علمت أن الحج يهدم ويغفر ما كان قبله؟) أي: من الذنوب، ولذلك قال أهل العلم: الحج يكفر الصغائر دون الكبائر؛ لأن الكبائر تحتاج إلى توبة، أو إلى دخول في الإسلام على حسب الذنب الذي وقع من ردة، أو كفر أصلي، أو حد من حدود الله وقع فيه فيحتاج إلى توبة، أو إقامة حد، أو دخول في الإسلام، لكن مذهب جماهير العلماء: أن الحج يهدم الكبائر والصغائر، وهذا من رحمة الله ، ولذلك قال النبي ﵊: (من حج فلم يرفث ولم يفسق ولم يصخب رجع من حجه كيوم ولدته أمه).
والمعلوم يقيناً أن المولود يولد من بطن أمه لا ذنب له، وقد شبهه النبي ﵊ بالمولود حديث الولادة الذي لا ذنب له، لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم، فأرجح الأقوال: أن الحج يهدم الكبائر والصغائر.
والحج مفروض على الفور في أصح الأقوال كالصلاة لا يجوز لك أن تؤخرها، وكذلك الزكاة لا يجوز لك أن تؤخرها، والحج كذلك واجب على الفور لمن استطاع إليه سبيلاً، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحج واجب على التراخي، والصحيح الأول.
والإنسان لا يدري حياته من مماته، فيجب عليه أن يعجل بما أوجبه الله تعالى عليه، والاستطاعة لما سئل عنها النبي ﵊ قال: (الزاد والراحلة)، أي: زاده في الطريق، وزاد من يعولهم حتى يرجع، وأجرة الطريق الراحلة أو الدابة التي يركبها، وكم من ملايين الناس يملكون ملايين الدينارات والجنيهات وإذا سألته عن الحج اعتذر، وقال: أنا ما حججت إلى الآن، وما ذهبت إلى تلك الديار إلى الآن، لم؟ لشغله الذي لا ينتهي، وإذا سألته عن الشغل قال: الولد، البنت، الزواج، البيت، التجارة، الصناعة وغير ذلك من الأعذار التي لا تنفعه بين يدي العزيز الجبار، متى ملكت الزاد والراحلة وجب عليك الحج، ولذلك يجب على كل من ملك الزاد والراحلة أن يبادر من الآن بإدراك موسم الحج في هذا العام، فإن لم يكن فلا أقل من أن يكون في العام المقبل يسعى إلى ذلك جاهداً، كما يسعى للحصول على مغنم من مغانم الدنيا، فإنه يبذل الطاقة والوسع في سبيل الحصول على دنياه، فلأن يبذل ذلك في سبيل حصول دينه من باب أولى وهو الواجب، وإن فرط في الحصول على دنياه، فربما لا يأثم بذلك، أما إذا فرط في واجب وركن من أركان الإسلام، فلا يدري بعد ذلك ما النتائج، كما جاء عن بعض الصحابة ﵃، منهم عمر: من ملك الزاد والراحلة فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً.
وكان إذا أرسل عاملاً له على قرية أو مدينة قال: ومن ملك الزاد والراحلة فلم يحج فاقتله.
فحمل بعض أهل العلم ذلك على الزجر الشديد، وحمل البعض الآخر ذلك على ظاهره، أي: أنه يستتاب ثلاثاً فإن تاب وبادر بهذه الطاعة، وإلا قتله الوالي بأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
الحج يجب ما كان قبله، وهو من أبر وأفضل الأعمال، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم أي؟ قال: حج مبرور).
وفي رواية: قدم عليه الجهاد، قال: (الجهاد في سبيل الله.
قال: ثم أي؟ قال: حج مبرور) والحج المبرور: أي: الذي لا إثم فيه، لا فسوق ولا جدال ولا رفث ولا صخب يؤثر على الحج المبرور، ويجعله غير مبرور.
فإذا حج الإنسان حجاً مبروراً غفر له ما تقدم من ذنبه من الكبائر والصغائر.
أما قوله ﵊: (ليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة، والعمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر).
و (ما) هنا شرطية، وإذا تحقق الشرط تحقق المشروط، ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن العمرة إلى العمرة، والوضوء إلى الوضوء، والصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وسائر ما ورد في النصوص التي تكفر ما بينهما، تكفر بشرط إذا اجتنبت الكبائر.
كأن النبي ﵊ يقول: هذه الأعمال وهذه الطاعات تكفر الصغائر إذا اجتنب صاحبها الكبائر.
ومذهب آخر يقول: إن هذه الأعمال تكفر الصغائر مطلقاً إذا اجتنب صاحبها الكبائر أو لا، فكأن السياق والتقدير: هذه الأعمال تكفر صغائر الذنوب دون الكبائر: (ما اجتنبت الكبائر) أي: دون الكبائر.
واعتبروا أن (ما) زائدة، وليست شرطية، وهكذا اختلاف أهل العلم رحمة، فمنه ما كان تهديداً، ومنه ما كان بشارة.
فأما التهديد فيدفع العاصي ليقف عن غيه وطغيانه وتعديه الحد، وأما الطائع فإنما تنفعه البشارة.
وقد درج أهل العلم قديماً وحديثاً على أن الأمة إذا أخذت بالعزائم وسقط أحدها في رزية أو معصية بشروه؛ لأنه من أهل الطاعة ابتداءً، وإذا فرطت الأمة في دينها -خاصة في هذه الأزمان- فينبغي أن تؤخذ بالعزائم والتهديد والوعيد الوارد في الكتاب والسنة.
أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولكم، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 313
تتابع مواسم الطاعات في الإسلام
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فلا تزال رحمات الله تعالى تنزل على هذه الأمة بالليل والنهار، فكلما انتهت عبادة بدأت أخرى بعدها، وكلما ذهب فرض دخل المسلم في الذي يليه، ولذلك سرعان ما انقضى رمضان، ولن ينتهي الصيام بل لا يزال الناس تهفوا قلوبهم إليه بصيام النوافل الذي هو شبيه برمضان.
إن المرء إذا صام الإثنين والخميس، أو الأيام البيض، فلا يزال المرء يشعر أنه متعلق بالله، موصول برحمة الله، وهكذا إذا انتهى رمضان دخل الناس في عبادة أخرى وهي الحج، وهكذا نفحات الله ﵎، نفحات ربانية تنزل بالأمة بالليل والنهار، ولولا هذه النفحات ما طاقت الأمة يوماً واحداً على ظهر هذه الأرض؛ فإن الكل يعيش ويحيا برحمة الله وفضله، ولذلك شرع الإسلام لنا بعد الفراغ من العبادات عبادات أخرى، قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩].
فشرع لنا الاستغفار بعد طواف الإفاضة، مع أن الحج كان قبل طواف الإفاضة وهو الوقوف بعرفة، كما قال ﵊: (الحج عرفة).
ومع هذا فقد بشرنا الشرع بأن من وقف بعرفة تم حجه، وغفر ذنبه، ومع هذا أمرنا بالاستغفار.
وقال الله بعد هذه الصلاة التي تصلونها: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠].
فلست حراً في أن تنطلق من هذا الباب لتفعل ما يحلو لك، بل إذا خرجت من هذا المسجد فاعلم أنك في عبادة أخرى وهي ذكر الله تعالى.
إن الإسلام لم يدع لحظة في حياة المسلم إلا وحكمها وقضى عليها، إما بصلاة أو صيام أو زكاة، أو حج أو ذكر أو استغفار، أو أمر بالمعروف، أو نهي عن المنكر، ما ترك الإسلام لك حرية قط أن تفعل ما تشاء، إلا ما كان طاعة لله .
النبي ﵊ شرع لنا بعد الفراغ من الصلاة أن نقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، فأنت في ذكر وعبادة في قومتك ونومتك ومماتك، كما قال الخليل إبراهيم ﵇: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ليس له منها شيء، وإنما كلها لله حتى الممات لله .
ولذلك أمر الله نبيه ﵊ أن يكون كأبيه إبراهيم فقال له: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
أنت يا محمد مطلوب منك العبادة في كل وقت وحين حتى تلقى الله ، حتى آخر نفس في حياتك، وهذا الذي كان منه ﵊.
أما تذكرون أن النبي ﵊ خرج بعد أن استخلف أبا بكر يجر إزاره حتى وقف عن شمال أبي بكر فائتم به الصديق، وائتم المسلمون بـ الصديق، خلافاً لما يزعمه الصوفية الذين فقدوا عقولهم، وفقدوا ديانتهم: اليقين في الآية درجة ومنزلة إيمانية إذا بلغها العبد سقطت عند التكاليف الشرعية، فلم لم تسقط عن النبي ﵊؟ هل نقول: إنه لم يبلغ هذه المرتبة التي يزعمها مخرفو الصوفية؟! اتهام لجناب النبي ﵊، بل اتهام لجميع الأنبياء والمرسلين، وقول بالباطل في كتاب الله .
وقال العبد الصالح: ﴿?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١].
مطلوب مني العبادة ما دمت حياً، أي: طوال حياتي، (وأوصاني) أي: وأمرني: (بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) وغير ذلك من سير الأنبياء والصالحين فيها أنهم كانوا يعبدون الله في كل وقت وحين، حتى لقوا ربهم ﵎.
وهكذا ينبغي إذا كان رمضان قد انقضى ألا تنقطع صلتك بالله ، وألا تقطع حبل الطاعة والاعتصام بالله تعالى، لا ينقطع منك هذا، فإذا انقطع فقد انقطعت صلتك بالله، وأنت لا تستغني عن الله طرفة عين، أو أقل من ذلك، والله تعالى غني عن عباده وعن عبادتهم، فلا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم إنما ذلك لك أو عليك، وليختر العاقل لنفسه ما يبيض وجهه أو يسوده يوم القيامة.
стр. 314
المرحلة الثالثة من مراحل حياة عمرو بن العاص: مرحلة الإمارة والولاية والفتوح والفتن
قال عمرو بن العاص في المرحلة الثالثة: (ثم ولينا أشياء) أي: من الإمارة والفتوح، أو الفتن التي وقعت في زمن الصحابة ﵃، ولا يدري أمحسن هو فيها أم مسيء؟ أمخطئ فيها أم مصيب؟ قال: (ولا ندري ماذا يصنع بنا؟ قال: فإذا أنا مت فلا تتبعني نائحة ولا نار).
أما النار فهي من شعار أهل الجاهلية، كانوا يفتخرون بذلك إذا مات لهم ميت يتبعونه بنار، وإن كان ذلك في رابعة النهار، فنهى عنها النبي ﵊ كما في حديث عمرو بن العاص: ولا تتبعني نائحة، وهي التي تنوح وتضرب بالصوت خلف الميت.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﵊ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والأنواء -أن يقال: مطرنا بنوء كذا- والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب قبل يوم القيامة أقيمت وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب).
والأمة الآن تستأجر النائحات، وجعلت النياحة باباً من أبواب الكرم والضيافة، ترى المرأة إذا أتت لبيت الميت تأتي وهي تضحك وتلعب وتلهو في طريقها، فإذا ما اقتربت من بيت الميت ناحت على الميت وندبت، وفعلت ما كان من أمر الجاهلية، ثم إذا انطلقت راجعة إلى بيت أهلها رجعت بغير تأثر ولا حزن قلبي؛ لأنها مستأجرة، ولذلك قال العرب: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
المكلومة المجروحة هي صاحبة الهم حقيقة، أما من أتت لتساعد هذه المرأة، أو لتكرمها أو لترد لها الواجب إذا حل بها ما قد حل بأختها، فإن هذا ليس من دين الله، بل هو كبيرة من الكبائر إذا لم تتب النائحة، وما أكثر النائحات في هذا الزمان، ثم في يوم القيامة تُلبس سربالاً من قطران، ويكون عليها درع من جرب، أي عقوبة بعد هذا؟ ثم قال عمرو بن العاص: (فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً).
أي: أهيلوا علي التراب، وصبوا علي التراب صباً، وهذه سنة كما قال ﵊: (اللحد لنا، والشق لغيرنا).
حتى في القبر ميز النبي ﵊ بين قبر المسلم وقبر الكافر، فجعل لأهل الإسلام اللحد، وجعل لغيرهم الشق؛ لأنه من عادتهم.
ثم قال: (وامكثوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه)، أي: وقتاً يتسع لذبح بعير وتقسيم لحمه.
والناس الآن إذا ألقوا الميت في القبر انطلقوا مسرعين كما ينطلقون من بيوت الله بعد صلاة الجمعة، وقبل أن يقرءوا الأذكار، ينطلقون من مواطن العبادة، ومواطن الرحمات والمغفرة، كما لو كان الصحابة ﵃ في بيوت المعصية، الصحابة ﵃ كانوا يفرون من مواطن الشهوات فرارنا نحن من دور العبادات، ومواطن المغفرات والرحمات، ولذلك شتان ما بيننا وبين سالف هذه الأمة، وإن الأمة لا ترجع إلى عزها وشرفها وسيادتها إلا إذا رجعت إلى ما كانت عليه أولاً، كما قال مالك وغيره: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
أي: إلا بما كان عليه سلفها.
قال: (وامكثوا عند قبري مقدار ما ينحر جزور ويقسم لحمه).
وهذا المكث ينشغل كل واحد ممن شيع الجنازة بالدعاء للميت بالتثبيت، كما قال النبي ﵊ لما دفن جعفر بن أبي طالب: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل) ولم يدع ﵊ ليؤمن أصحابه، ولو كان ذاك مشروعاً لكان أولى الناس بالدعاء، وهو الدعاء المجاب يقيناً منه ﵊، ولكنه ﵊ إنما أمر أصحابه أن يدعو كل واحد بما تيسر له، بطريقته الخاصة، يدعو حتى لا يحرمهم من الدعاء، وربما أصابت دعوة ووافقت إخلاصاً في قلب الداعي انتفع بها الميت، وثبت حين السؤال.
أما ما يفعله الناس اليوم من إقامة من يدعو وهم يؤمنون فهذا مخالف للسنة، ولا يلزم أن يكون في كل تشييع جنازة موعظة يسيرة يذكر الناس بخطورة هذا الموقف، وأن الكل قادم عليه لا محالة، حتى يذكروا العصاة، وما أكثر ما يشيع العصاة الجنائز من باب أداء الواجب! فربما أصابت الموعظة قلب واحد أو أكثر فرجع وتاب إلى الله وقام وصلى.
لو أن واحداً الآن نصلي عليه بعد الجمعة لوجدت أن أولياءه وأقرباءه وجيرانه يقفون خارج المسجد لا يصلون الجمعة، ومن باب أولى فإنهم لا يصلون عليهم جنازة، (أفندية) لا دين لهم، ولا خلق لهم، وهم أحوج الناس إلى مثل هذه الصلاة إذا ماتوا، ولا يدرون أنه من جنس عملهم يسلط عليهم، ويكون لهم بشرى، فإذا قدموا طاعة وصلوا على الميت أجرى الله ﵎ وطوع لهم قلوب العباد ليصلوا عليهم إذا ماتوا، وإذا كان هذا موقفهم، فلا يبعد أن يصرف الله تعالى قلوب العباد عن الصلاة عليهم، وأنتم تعلمون أن الميت ينتفع بصلاة الموحدين.
النبي ﵊ يقول: (ما من ميت يصلي عليه أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعوا فيه).
وقال ﵊: (ما من أمة تبلغ مائة يصلون على ميت إلا كانوا له شفعاء يوم القيامة).
قال
стр. 315
الطلاق شريعة محكمة
الأسرة هي النواة الأولى لبناء المجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع؛ ولذا فقد أحاط الإسلام الأسرة بهالة من النصوص المحكمة التي تنظم جوانبها، من بداية اختيار الزوجة وحتى تربية الأطفال وتنشئتهم، مبيناً حق كل واحد من الزوجين على الآخر، ومرشداً إلى المحافظة على البيت المسلم من كل سوء ومكروه.
стр. 316
التفكك في الأسر الكافرة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فيقول الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠].
بين الله في هاتين الآيتين بياناً شافياً: أنه لا يمكن أن يكون رضاً قط بين ملة الإيمان وملل الكفر على حد سواء، وأنهم لا يمكن قط أن يرضوا عنا إلا أن نترك ما نحن عليه من إيمان وشرع، وأن ننحاز وندخل فيما هم عليه من كفر حتى نكون نحن وإياهم سواء، حينئذ يحصل الرضا، وهو أيضاً رضاً ظاهر، لقول الله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، فهم قد رضي بعضهم عن بعض في الظاهر، وأما في الباطن فهم متفرقون متشرذمون، هذا البغض والحقد الدفين يظهر أثره بين الحين والحين متمثلاً شبهات في العقيدة، وشبهات في الشريعة، وشبهات فيما يتعلق بجوانب الحياة كلها.
لما فسدت أسر اليهود والنصارى، ولم يكن بينهم ترابط أسري ولا اجتماعي، أصبح يزج الولد بوالده أو بأمه في بيت يسمى بيت العجزة، وهذا البيت يوجد في كل حي من أحياء بلاد أوروبا وأمريكا، إذا كبر الوالد أو الوالدة حمله ولده فزج به في غياهب هذه الديار المظلمة.
وفي سنة (٧٩) سألت رجلاً في هذا البيت من بيوت ميلانو في إيطاليا، قلت: ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قال: ولدي.
قلت: ولم؟ قال: لأن دوري قد انتهى.
قلت: وكيف انتهى؟ قال: كبر سني، ورق عظمي، ولا فائدة مني! هكذا قال.
قلت: أما نحن معاشر المؤمنين فإن دورك عندنا لا ينتهي إلا بدخولك القبر، وربما يكون لك دور بعد الموت، فقال: كيف؟ قلت: أخرج البخاري ومسلم أن النبي ﵊ قال: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؛ بدعائهم وصلاتهم)، وكان بيننا من يترجم ترجمة جيدة، صاحب رسالة كما أنه صاحب لسان، فبكى الرجل طويلاً ثم أسلم، وصلى معنا ثلاثة أيام ثم قبض، ففرحت بذلك فرحاً شديداً بعد أن وفقني ربي أن أبين له أننا لا يهنأ لنا بال حين ننزل إلى أعمالنا في الصباح حتى نتوجه إلى آبائنا، وأجدادنا، وأمهاتنا، وجداتنا فنلتمس منهم الدعوات الصالحات، وأن هذا هو خير يوم يطلع علينا أن يرضى آباؤنا وأمهاتنا عنا، أما أنتم فإن أبناءكم الذين هم من أصلابكم ليس يربطكم بهم أدنى علاقة، هذا الفارق بين الإيمان والكفر، وبين الإسلام وغيره كاليهودية والنصرانية، وهو مظهر ومعلم حسن من معالم الإسلام.
ولذلك الواحد من أهل ملل الكفر إنما يؤوي ولده ذكراً كان أم أنثى حتى إذا بلغت البنت اثني عشر عاماً، والولد خمسة عشر عاماً، فإذا بلغ الولد منهم هذا المبلغ من العمر فرض عليه أن يأتي بطعامه، وشرابه، وأجرة سكنه، مما يجعل الولد يذهب فينحرف، ويجعل الأنثى في هذه السن المبكرة تذهب لتطلب معاشها بفرجها، وأما نحن في الإسلام فإن الأب والأم يبذلان النفيس والغالي في سبيل الحفاظ على الأولاد حتى يستقلوا بأزواجهم وبيوتهم، الواحد منا عنده عزم أكيد على الإنفاق على ابنته حتى تنتقل إلى بيت الزوجية، وإن بلغت من العمر أربعين أو خمسين سنة، ولا يطالبن قط بالمساهمة في الإنفاق بالبيت، إلا أن يكون إنساناً لم يبلغ من العلم مبلغاً وليست لديه روح الإسلام، فهو شريك في بعض الشيء مما يأتي به أهل الكفر من المنكرات والفواحش، وهذا قليل جداً في الأمة، أما عامة الأمة وإن لم يكن لهم حظ من العلم الشرعي إلا أنهم يأبون إباء شديداً أن تخرج بناتهم وأزواجهم إلى ميادين العمل، أو أن يتسكعوا في الشوارع للقاء الشباب والمخنثين وغيرهم لأجل أن يأ
стр. 317
الأسرة المسلمة نواة المجتمع والدولة
بالعودة إلى أصل موضوعنا فإننا نجد في كتاب الله آيات عظيمة، وفي سنة النبي ﵊ أحاديث صحيحة هي في الكثرة بمكان تأمر ببناء الأسرة المؤمنة التي تنبني أسسها وقواعدها على تقوى من الله ، كل فيها راع وكل فيها مسئول عن رعيته، كل فيها له حقوق عند الآخرين، وكل عليه واجبات نحو الآخرين، فمن مجموع هذه الأسر تتكون الدولة أو الدويلة، ومن مجموع هذه الدول يتكون المجتمع الإسلامي بأسره، وهذه الحقوق الخاصة في داخل الأسرة هي تلك الحقوق العامة تجاه كل بلد مع البلد الآخر، وتجاه كل مجتمع مسلم مع المجتمع الآخر، فإذا أدت كل دولة ما عليها من حقوق وواجبات في طريق بناء المجتمع الإسلامي الأعظم المنشود؛ سيكون لنا حينئذ يمكن أن نعقد الأمل في بناء دولة الإسلام في أرض الله .
إذاً: الدولة الإسلامية الأولى المنشودة إنما أساسها وأصلها الأسرة بأفرادها القلائل، هذه الأسرة لم يترك لنا الشرع أن نتخير خطوطها وأصولها وفروعها، بل حدد لنا كل شيء، حتى تبنى الدولة على أسس إلهية لا على أهواء شخصية.
ولذلك دخل الشرع أول ما دخل في كيفية اختيار الزوجة، وبين الغرض المنشود من لقاء الرجل بالمرأة، وأنه ليس علاقة جسدية، بل هذه أدنى أغراض الزواج, وأما أعلى أغراض الزواج فهي تكوين المجتمع الإسلامي المتحضر الذي يتعامل مع كتاب الله وسنة رسول ﵊ بقلب تقي مؤمن موحد، وأما اليهود والنصارى فأعرضوا عن شرع الله وبدلوه وغيروه، ولذلك لم ولن يفلحوا قط: (ما أفلح قوم قط ولوا أمرهم امرأة) كما قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري من طريق أبي بكرة الثقفي ﵁.
ولذلك لو نظرت إلى البيت لو تزعمت فيه المرأة وصارت الكلمة كلمتها والأمر أمرها والنهي نهيها لابد أن تنقلب الأسرة رأساً على عقب؛ لأن هذا الوضع صادم النص، ولابد أن تعلم يقيناً أن هذا النص ما أتى إلا ليبين أصل الفطرة، وأصل الفطرة قد قرره الله تعالى في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، حين انعدمت قوامة الرجل على بيته انعدم واختل توازن الرجل كلياً في الحياة العملية في الاجتماع، والسياسة، والأخلاق، والآداب؛ لأنه انهزم نفسياً في داخل بيته، فلابد أن تكون الهزيمة إليه في خارج بيته أسرع، يتصرف تصرفاً لا يليق من جهة الأدب، ولا الخلق، ولا الديانة، ولذلك الذي يهزم في بيته لابد أن تجد عليه انحرافاً في المسلك، والأخلاق، والآداب في خارج بيته، يحاول جاهداً أن يثبت زعامته، وقوامته المكذوبة على غيره ممن تولى سلطانهم رغماً عنهم لو قدر له أن يكون كذلك، كضابط -مثلاً- فقد هيمنته وسيطرته في بيته فيخرج على جنوده بالبلاء الأعظم إثباتاً لرجولته؛ لأنه يشعر من داخل نفسه أنه قد انهزم في بيته، وكذلك الزعماء، والرؤساء، والقادة، ورؤساء مجالس الإدارة وغيرها من هذه المناصب المرموقة، أما إنسان يتعامل معاملة سوية فهذه إشارة إلى أنه حكيم في بيته، ولا تزال القوامة في يده.
وحدد الله أصل النكاح في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فأصل النكاح مودة ورحمة بين الرجل والمرأة، لا علاقة جسدية، بل أسمى من ذلك، ولذلك إذا فقدت الأسرة هذه المودة وهذه الرحمة فلك أن تتصور كيف تحيا هذه الأسرة حياة كلها ضنك وشتات وتشريد لأذهان القائمين عليها، كما أنها لا تثمر الثمار الحية في تربية أبنائها وأطفالها، ولذلك حدد الإسلام المعالم الأخلاقية، والقيم الوجدانية الوثيقة الصلة بالإيمان في هذه الآية التي ذكرها الله في كتابه، فالحياة الزوجية ليست علاقة رجل بامرأة فحسب، إنما هي أكبر من ذلك.
стр. 318
مسئوليات الأسرة المسلمة
الحياة الزوجية لابد أن تبنى على أسس دينية أخلاقية، والمسئولية في هذا البيت تقع على كل أفراده، ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته) مسئول عن زوجه، وبناته، وأولاده، ومسئول عن أبيه وأمه في كبرهما، ومسئول عن أشقائه الذين أقعدتهم الأمراض والعلل عن الكسب إن كان قادراً ومن أصحاب الأموال.
وكذلك (المرأة راعية ومسئولة في بيت زوجها) وهي مسئولة عن ذلك بين يدي الله ، والولد كذلك راع لأبيه وأمه من جهة البر، والصلة، وتمام الود والحب، ودفع كلمة (أف) التي هي أقل ما يمكن أن يتأذى به الأب والأم، ولذلك قرن الله بر الوالدين بالتوحيد والعبادة فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، أي: وأمر بالإحسان إلى الوالدين كما أمر بعبادته وحده؛ فمن لم يحسن إلى والديه فكأنه ما عبد الله حق العبادة؛ لأن من تمام العبادة لله امتثال الأمر واجتناب النهي، وقد أمرك أن تعبده بالإحسان إلى الوالدين، فإذا تركت هذا فما عبدت الله على الحقيقة، وانظر إلى اقتران الأمرين في آية واحدة وفي نسق واحد.
ترتيب الرعاية على كل أفراد المجتمع الإسلامي أمر حتمي لازم، فالحقوق والواجبات على كل من الزوجين، ولك أن تتصور لو أن الله تعالى رتب حقوقاً للزوجة ولم يرتب عليها واجبات، ماذا كان سيكون حالها؟ وكذلك في جانب الزوج، لو أن الله جعل له حقوقاً ولم يجعل عليه واجبات، لابد أن يختل ناموس الحياة بأسره؛ لأنه لا يسود إلا بسوق الحقوق إليه، وأخذ الواجبات التي عليه، ولذلك رتب الإسلام في ذمة الرجل حقوقاً، وكذلك للرجل في ذمة المرأة حقوق، وقابل ذلك بالواجبات، فإذا أدى الرجل ما عليه لابد أن يأخذ ما له، وإذا أدت المرأة ما عليها لابد أن تأخذ ما لها بالإحسان وطيب العشرة، لا أن يتعامل الزوجان مع بعضهما بلغة افعل وافعل، أو: إن فعلت سأفعل، والله ﵎ بين أن درجة الفضل أعظم بكثير من درجة العدل في قوله: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، أي: حين وقوع الشقاق والخلاف وما يمكن أن يترتب عليه من اضطراب قال: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].
стр. 319
محافظة الإسلام على الأسرة
حافظ الإسلام كل الحفاظ على قيام الأسرة، وألا يشوبها أدنى شائبة، ولذلك حرم النبي ﵊ اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن اختلاط الرجال بالنساء ينتج عنه نظرة، ثم ابتسامة، ثم ضحكة عريضة توقع المرأة الضعيفة في حبائل الشيطان، فحرم الإسلام الاختلاط مخافة أن يؤدي إلى الفاحشة البينة التي يترتب عليها خراب البيت وفساده واختلاط الأنساب باختلاط المياه، والنبي ﵊ يقول: (لا يسقي أحدكم ماءه زرع غيره) أي: لا يزني أحدكم بامرأة أجنبية.
هذا المراد من الحديث؛ لأن الزنا مغبته عظيمة، أتدرون أن أعظم مغبة للزنا بعد غضب الله ﵎ التفكك الأسري وبالتالي تفكك المجتمعات.
في مجتمعات أوروبا وأمريكا نسبة تزيد عن ٧٠% لا يعرفون لهم أباً ولا أماً، ولو أن بيننا الآن رجل لا يعرف أباه فهي الحياة البئيسة البغيضة بعينها، فتصور أن مجتمعاً تبلغ فيه نسبة اختلاط المياه بسبب الزنا وغير ذلك ٧٠%، كيف يكون هذا المجتمع؟ مجتمع منحل لا تربطه عقيدة، ولا تربطه مودة ولا إخاء ولا محبة، ولا صلة، ولا أي معنى من هذه المعاني الإسلامية التي أكرمنا الله بها، فهي نعمة عظيمة جداً تستحق الشكر كما بين النبي ﵊، وكل هذا في سبيل الحفاظ على الأسرة كريمة عزيزة مصونة.
قال ﵊: (لا تطرقوا النساء ليلاً) حتى الزوج إذا كان في سفر ولا يعلم وقت مجيئه يمنع أن يطرق بابه ليلاً؛ حتى لا يجد ما يكره، أو لتستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، أي: تتجمل لزوجها، وتحلق ما يسن لها حلقه من الإبط والعانة، وتتجمل بأحسن الزينة لزوجها، وتتطيب فتلقى زوجها في أحسن زينتها؛ لأن زوجها يجب ألا يقع أنفه، ولا سمعه، ولا بصره من امرأته إلا على ما يحب، أما لو فاجأ الرجل امرأته من سفر طويل بعيد فربما رأى ما يكره فأحدث ذلك نفرة بينه وبين زوجه قد تؤدي في نهاية الأمر إلى الطلاق والفراق وخراب البيت وتشريد الأولاد، ويكون ذلك بسبب ترك سنة يراها الناس يسيرة.
أما الصحابة فلم يكونوا كذلك، إنما كانوا يأخذون أمره ﵊ مهما دق أو جم كأعظم ما يكون الأمر بالنظر إلى قدر وعلو الآمر لا بالنظر إلى مجرد الأخذ، وقال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، وخبب بمعنى: أفسد امرأة على زوجها، وأنتم تعلمون أنه قد استشرى في مجتمعات المسلمين أن الجار يمازح جارته، ويلاطفها، وهو مع زوجته من أعبس الناس، وهذه الجارة من أعبس النساء كذلك مع زوجها، ولكنها تتلطف وتضحك الضحكات العريضة لتوقع الجار بحبائلها، في الوقت نفسه زوج هذه المرأة يلاطف زوجة ذلك الرجل، فكأن هذه المرأة تزوجت جارها، وكأن هذه الجارة تزوجت جارها، فكل يميل إلى أخرى بالحرام، كما أن كل أخرى تميل إلى آخر في الحرام، وبذلك يفسد المجتمع بسبب كلمة، ولذلك نهى سلفنا ﵃ أن يلاطف الواحد منا طفلاً وأمه تنظر إليه، انظر إلى هذه الدقة من نظر علمائنا البعيد إلى صلاح القلوب وترك الأهواء، تصور لو أنك أخذت طفلاً رضيعاً فمازحته ولاطفته وقبلته وأمه تنظر إليك ماذا سيقع في قلبها؟ لن يقع إلا الحب، والميل لك، وبالتالي تقارن المرأة بينك وبين زوجها الذي ربما لا يقبلها، أو لا يروق له أن يقبلها أو يقبل حتى ولده، فتقول: إن فلاناً كان يفعل كذا وكذا بولدك وأنت حتى لا تفعل، وكلمة من هنا وكلمة من هناك حتى يقع المحظور ويخرب البيت، ولذلك حرص الإسلام دائماً على أن يبقى البيت المسلم بكماله وتمامه في العز والسرور والهناء والسعادة، وأنكر كل شيء ممكن أن يعكر عليه.
الإسلام نهى عن الشذوذ، ونهى عن اللواط بين الذكور، ونهى عن السحاق بين النساء، ونهى عن الاستمناء للرجال والنساء سواء؛ لأن هذا أمر سرعان ما يخل بالبيت المسلم، ولذلك كثير من الشاب الآن يتوجه في أول ليلة له بهذا
السؤال
يا شيخ! أنا إلى الآن ما قارفت امرأتي ولا أستطيع، فإني أشتهيها وأنا بعيد عنها، فإذا قربت منها انطفأت نار الشهوة عندي.
كل هذا بسبب الاستمناء أو المخالفات الشرعية قبل الزواج.
وخراب بيت إذا ضم إلى خراب بيت آخر وثالث ورابع وعاشر، ومئات، وآلاف، فبخراب هذه البيوت يخرب المجتمع بأسره، فانظر إلى أي مدى حرص الإسلام كل الحرص على صلاح البيت حتى يصلح بالتالي من مجموع هذه البيوت المجتمع المرجو.
стр. 320
الزواج في الإسلام
الحياة الزوجية تبدأ بتوجيه نظر الزوج والزوجة بحسن الاختيار، والأمر بالنظر إلى الخاطب والمخطوبة سواء بسواء، وبعض الإخوة يتصور أن المطلوب من جهة النظر: النظر إلى المرأة، وهذه نظرة قاصرة، فللمرأة الحق في النظر إلى الرجل الذي تقدم لخطبتها، فإن راق لها وقبلته كان لها أن تعلن عن القبول.
إن كانت المرأة ثيباً فتستأذن وتوافق هي، وإن كانت بكراً واستؤذنت فسكتت فذلك إذنها؛ لأن حياءها يمنعها من الكلام، ولذلك قال النبي ﵊: (الثيب تستأمر، والبكر تستأذن، قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال: صماتها أو سكوتها)؛ لأن البكر حيية ليس لها معرفة بأحوال الرجال، فهي إذا استؤذنت ضحكت، أو سكتت حياء، أو عرقت، أو خجلت، أو انصرفت عن موطن السؤال، أما إذا قالت: لا، لا أريده، فلا يجوز قط لوليها أن يزوجها مع رفضها إذا كانت بالغة عاقلة، أما إذا كانت قاصرة فيزوجها وليها من رجل كفء ولو بغير إذنها، وحتى إن رفضت، كما تزوج النبي ﵊ عائشة وعمرها ستة أعوام، وبنى بها النبي ﵊ وعمرها تسعة أعوام، وذلك بغير إذنها؛ لأنها لم تبلغ.
ولذلك يقول العلماء: الولاية على النكاح ولايتان: ولاية إجبار، وولاية اختيار، أما ولاية الاختيار فهي أن يستأذن الوالد أو الولي البنت البالغة، العاقلة، الراشدة، فإن أبت فيحرم عليه أن ينكحها، وإن سكتت أنكحها؛ لأن السكوت إذن، أما ولاية الإجبار فتثبت للأب خاصة؛ لأن الأب أحرص الناس على سوق الخير إلى ابنته؛ فإن تقدم لها الكفء الذي يرفع رأس الأسرة في السماء؛ فإنه حينئذ يحملها على النكاح منه ولا حرج عليه.
следующие страницы →