Полный текст (521 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
جوامع العشرة
وجوامع العشرة قول ابن الحسن الوراق وقد سأل أبا عثمان عن الصحبة، قال: هي مع الله تعالى بالأدب، أي: حسن الصحبة مع الله أن تتأدب معه وتعرف ما له عليك.
ومع الرسول عليه الصلاة السلام بملازمة العلم واتباع السنة.
وأنت إذا نظرت إلى الصحبة مع الله تجد الكثير جداً من الأمة لا يحسنون صحبة الله ؛ لأن الكل يسخر بالله وبأسمائه وصفاته وكتابه وأنبيائه ورسله، ويكتبون سخريتهم على صفحات الجرائد والمجلات، ويسخرون أيضاً بأهل العلم والفضل، وحسبنا أن الكلمة النافعة تمكث في الأرض وتبقى ويكون لها الجذور، وينتفع بها من وفقه الله للخير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، وقد ضرب الله للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة مثلاً بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة، فهذه تثمر وتورق، ويعم خيرها بخلاف الأخرى، وقد ضرب النبي ﷺ مثلاً للمسلم بالشجرة الطيبة، فقال: إن مثل المسلم مثل شجرة، فضرب الناس في أشجار البوادي؛ لأن النبي ﷺ قال: ما هي؟ قال عبد الله بن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة -لأنها تثمر رطباً وبلحاً، وتغذي أصحابها وطالبيها-، ولكن منعه أن يتكلم صغر سنه، فلما أخبر بذلك أباه، قال: لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها.
فالمرء يحب لولده الخير أكثر مما يحبه لنفسه.
ولو نظرنا إلى التأدب مع الله في هذا الزمان لوجدنا أمراً عجباً جداً، والأعجب منه أنه يسب الله تعالى، ويسب كلامه ويعترض على الله في كل آية، وعلى النبي ﷺ في كل حديث، ويدعي من يفعل ذلك أنه مسلم، وهذا أمر محير؛ إذ كيف يكون مسلماً وهو يرد على الله معظم كلامه، ولا يتعامل مع أحاديث النبي ﷺ إلا من منطلق ضحالة عقله، فما وافق العقل أخذه وما خالفه رده؟ فهو ينسب العيب لدين الله ولشرعه ولا ينسبه لنفسه أبداً، فكيف يكون هذا إيمان ودين؟! فالأدب مع الله في هذا الزمان قليل، بل هو أقل من القليل، فكل يوم يظهر شخص يسب النبي ﷺ ، ويسب الله ويسب الدين، وفي هذا الوقت أصبح سب الإله بين أطفال المسلمين مثل مضغ اللبانة، وحتى في مجتمعات الكفر لا تجد سب الدين إلا من المسلمين أيضاً، وحتى الكفار أنفسهم لا يسبون الدين، ولم يعهد ذلك إلا في بلاد المسلمين وخاصة في مصر.
فحسن الصحبة مع الله هي بالتأدب معه ، والتأدب مع كلامه، ومع أسمائه وصفاته وأفعاله .
والتأدب مع النبي ﵊ بملازمة العلم واتباع السنة، والخطاب بالسنة إذا كنت طالب علم.
ومع الأولياء بالاحترام والخدمة، ولذلك قال النبي ﵊: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، يعني: من آذى ولياً من أولياء الله فبدلاً من أن تكون الحرب بينه وبين ذلك الولي تنتقل مباشرة إلى حرب بين الله تعالى وبين هذا الذي آذى عباد الله وأولياءه، ومن يطيق محاربة الله له؟ فالخلق بأسرهم أضعف من أن يدخلوا مع الله في كيد أو في حرب.
وكذلك مع الإخوان بالبشر والانبساط وترك وجوه الإنكار عليهم، أي: ترك الإنكار عليهم في كل صغيرة وكبيرة، إنما تنكر عليهم ما لا يسعك السكوت عنه، ولم يكن فيه خرق شريعة أو هتك حرمة، كما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩].
والصحبة مع الجهال بالنظر إليهم بعين الرحمة، فالجاهل إذا وقع في معصية بجهله فإنه يحتاج إلى صبر، والكلام هذا يلزمنا نحن أكثر مما يلزم العوام؛ لأننا نقابل هؤلاء الجهال، وهم لا علم لهم، بل ولا خلاق لهم، فمثلاً الرجل الذي دخل المسجد فبال فيه، لو تصورنا أن شخصاً جاء الآن وبال على جدار المسجد من الخارج من جهة الشارع فإننا سنقوم عليه قومة رجل واحد، فإما أن ينجو إن قدر على الهرب وإما أن يهلك، وكل واحد سيجد لفعله مسوغاً بأنه بال على بيت من بيوت الله، وهناك من سيقول له: يا كافر! وآخر سيقول له: يا فاسق! وثالث سيقول له: يا جاهل! فالرجل دخل المسجد فبال فيه قائماً، والصحابة فعلوا مثل ما كنا سنفعل نحن بالضبط، فقد قاموا عليه قومة رجل واحد، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه)، أي: لا أحد يفزعه، والرجل واقف يبول ولم يمنعه حتى الحياء، وبعد أن فرغ من بوله أتى وسأل: أين محمد؟ وهذه جلافة وسقطة ثانية، قال: ها أناذا، قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً.
وهذه سقطة ثالثة، والنبي ﷺ رد على هذه فقط، فقال: (لقد حجرت واسعاً).
فرحمة ربنا وسعت كل شيء، فالناس الذين آمنوا أين ستأتي بهم؟ يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: والحكمة النبوية اقتضت هذا؛ فلو أنهم قاموا وأزرموه وفجع
стр. 387
حفظ المودة والأخوة
ومنها: حفظ المودة والأخوة أمر مطلوب أيضاً، فقد دخلت امرأة على رسول الله ﷺ فأدناها، فقيل له في ذلك، فقال: (إنها كانت تأتينا أيام خديجة)، يعني: دخلت امرأة على النبي ﷺ فأكرمها، فتعجب الصحابة ﵃ لاهتمام النبي ﷺ بها، فقال: (إنها كانت تأتينا أيام خديجة).
وهذا الموقف قد وقع في بيت عائشة ﵂، فقد كان لـ خديجة أخت صوتها مثل صوت خديجة، فلما ماتت خديجة وتزوج النبي ﷺ عائشة سمع صوت أختها على الباب تنادي عليه ﷺ ، وكان رأسه في حجر عائشة وعليه إزاره، فلما سمع بصوت أخت خديجة قام مسرعاً وضم إزاره إلى حقوه، وخرج مسرعاً إليها وقال: هذه أخت خديجة، فغارت عائشة غيرة شديدة، فقال النبي ﷺ : غارت أمكم، فالنبي ﷺ كان يحفظ ود خديجة رغم أنها قد ماتت، لما كان بينهما من ود وإخاء ومحبة وخدمة وغير ذلك، ومن أوفى في البشر بعهده من النبي ﵊؟ ما ذاقت النفس على شهوة ألذ من حب صديق أمين من فاته ود أخ صالح فذلك المغبون حق اليقين
стр. 388
صحبة السلامة
وصحبة السلامة، وهي كما عرفها أبو عثمان الحيري وقد سئل عنها فقال: أن يوسع الأخ على أخيه من ماله، ولا يطمع في ماله، وينصفه من نفسه، ولا يطلب الإنصاف منه، ويستكثر قليل بره، ويستصغر ما منه إليه.
وهذا عظيم جداً، فعليك أن تحفظ ود أخيك بعدة أشياء: أن توسع عليه من مالك، فإذا كان في حاجة فاصرف عليه، ولا تحوجه إلى السؤال، فإن الحياء يقطع مالك، وإذا كنت صاحب مال فاعلم أن الله تعالى افترض في مالك حقاً لذلك الفقير، ولا تطمع في ماله.
وأن تنصفه ولا تطلب الإنصاف منه، يعني: أن تنصفه من نفسك ولا تقل له: أنا أنصفتك من نفسي، فأنصفني أنت أيضاً، واترك هذه له هو، فطالما أنك أديت له حقه فلابد وأنه سيعطيك حقك.
واستكثر قليل بره، يعني: إذا أعطاك هدية صغيرة فقل: لقد كلفت نفسك، وما كان لك أن تفعل هذا قط، وهذا أمر فوق الطاقة، ونحن لا نستحقه، وقد أتيت لنا بالدنيا بأسرها، وتشعره بأنه أعطاك جبلاً من الخير، ولا تستكثر ما أعطيته له، بل استكثر ما قد أتاك منه ولو كان هيناً ولا قيمة له.
стр. 389
معرفة حقوق الفقراء والقيام بحوائجهم
ومنها: معرفة حقوق الفقراء، والقيام بحوائجهم وأسبابهم، قال ابن أبي أوفى: (كان رسول الله ﷺ لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضي حاجتهما).
стр. 390
حفظ أسرار الإخوان
ومنها: حفظ أسرار الإخوان، فإذا أردت إظهار سر فأطلع عليه شخصاً آخر، ولذلك قال النبي ﷺ : (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود).
وجعل النبي ﷺ إفشاء السر خطراً عظيماً جداً، وصاحبه فيه خصلة من خصال المنافقين، فمن علامات المنافق أنه (وإذا خاصم فجر)، يعني: أنه يظهر كل عيوبك ونقائصك بعد الخصومة ويفشيها.
стр. 391
شرح كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي [١]
سؤال أهل العلم أمر مشروع توافرت النصوص الكريمة على بيان حكمه، غير أن له آداباً عظيمة أرشد إليها السلف رحمهم الله تعالى بأقوالهم وأعمالهم، ينبغي لكل سائل ومستفت أن يتأدب بها وأن يراعيها.
стр. 392
بيان الأسباب الباعثة على التأليف والتصنيف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فموضوع درسنا هو بداية شرح كتاب: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) والذي يسميه العامة بـ: الداء والدواء.
ودائماً لابد قبل وصف الدواء أن يحدد وأن يشخص الداء، وإلا فلا يكون العلاج أو الدواء مناسباً للداء، ولا يكون ناجحاً ولا ناجعاً حينئذ، والأئمة ﵃ قد سلكوا مسلكاً في التصنيف بعد السؤال، فكان الواحد منهم إذا سئل سؤالاً انبرى قلمه لإجابة السؤال في رسالة أو كتيب أو كتاب، وربما يكون الباعث على التأليف والتصنيف عموم البلوى، أي: بلوى تنزل فتعم المسلمين فيرى أنه من الواجب عليه -وقد هيئ لكشف هذه الغمة- أن يكتب فيها كتاباً ينور البصائر ويزيل الغمة، أو يذكر أسباب هذه الغمة، ثم يتكلم عن المخرج منها.
وربما يكون السبب والباعث على التأليف والتصنيف: رد الجميل لذي النعمة والفضل، كإنسان أحسن إليه فأراد أن يكافئه.
وربما يكون الباعث أيضاً: أن طلب منه ولا يسعه مخالفته، فينبري قلمه حينئذ لإجابة هذا الطالب، وغير ذلك من البواعث.
وفي المقابل ربما يكون الباعث على التصنيف والتأليف: الرغبة في هدم الإسلام وخراب العقائد، ولذلك يكتب في دين الله الصالح والطالح، فنرى في عالم الكتب كتباً تكون عوناً لأبناء المسلمين على الثبات واليقين، وأحياناً نجد كتباً تهدم أصول الدين من صلاة وصيام وزكاة وحج، وكل على شاكلته، والطيور على أشكالها تقع، فترى أهل الإيمان مجتمعون، وترى أهل الشقاء كذلك مجتمعون، فهذا يجتمع على الخير، وذاك يجتمع على الشر، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٤ - ١٠] فكل ميسر لما خلق له، كما قال النبي ﷺ .
فهذا ابن القيم رحمه الله تعالى واحد من أئمة العلم، وأئمة الهدى، وشيخ من شيوخ الإسلام، سئل سؤالاً عن القلوب وأحوالها، وعن التخلص من عللها، فما استطاع أن يجيب السائل مشافهة، وإنما أجابه في رسالة مستقلة، هذه الرسالة سماها: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، أي: في شفاء القلوب من أدرانها وعللها وأدوائها، وغير ذلك مما يعتريها، فشخص الداء أولاً -أي: داء القلوب- من الغل والحقد والحسد والضغينة وغير ذلك، ثم بدأ يعالج كل واحدة من هذه، ويذكر أسباب الداء أولاً، ثم يصف العلاج المناسب بها، وما تبعت الأمة علماءها فخاب سعيها قط؛ لأن العلماء هم شموس الإسلام، وأنوار الهداية للخلق جميعاً، وهم الذين يجب أن يحكموا العالم، وهم الذين يجب أن يقودوا الناس، ويأخذوهم بنواصيهم إلى الله ، وإلى بر الأمان، ولابد أن يكون الذي ينير الطريق، ويسلك بالناس في غياهب الظلمات أن يكون حاملاً للمشعل، وليس ذلك لأحد إلا لأهل العلم.
стр. 393
نص السؤال المجاب عنه في الجواب الكافي
سئل ابن القيم عليه رحمة الله تعالى عن رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق -أي: أنه سلك كل طريق لدفع هذه المصيبة عنه- فما يزداد الأمر إلا توقداً وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلىً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى.
هذا سؤال السائل، ولا شك أن الجواب كان أعظم من السؤال، إذ إن الجواب شمل الرد على السؤال وعلى غير السؤال مما يتعلق بالمسألة التي لأجلها سأل هذا السائل.
стр. 394
تأصيل مشروعية توجيه السؤال لأهل العلم بدلائل الكتاب والسنة
لكن يحسن بنا قبل الدخول في أصل الكتاب، وفي رد الشيخ عن هذا السؤال، أن نبين أن هذا السائل إنما سلك سبيل السلف، كما كان الصحابة ﵃ عندما يتوجهون بالسؤال للنبي ﵊، وكما توجه المسلمون عامة بالسؤال، فأجابهم الله بما يناسب المقام، ولذلك ورد في القرآن في أكثر من عشرة مواطن أن الله تعالى قال: ((يَسْأَلُونَكَ))، يعني: يا محمد! يسألونك عن كيت وكيت وكيت وكيت، فالجواب عن هذه المسائل هو: كيت وكيت وكيت.
فتوجه أهل الحاجة والمسألة والنازلة بالسؤال إلى أهل العلم أمر له أصل في الكتاب والسنة.
стр. 395
السؤال عن الأهلة
أما في الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، والأهلة: جمع هلال، وهم قد سألوا النبي ﵊ عن فائدة هذه الأهلة، فيبدأ الشهر في كذا وينتهي في كذا، فأجاب الله : أن بهذه الأهلة تعرفون صومكم، ولذلك جاء في الحديث: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)، وكذلك تحسب بها عدة الطلاق، وكذلك تحسب بها بقية أحوال الناس ودنيا الناس، ولا غنى لأحد قط عن هذه الأهلة.
стр. 396
السؤال عن كيفية الإنفاق
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢١٥] و (ماذا) هنا بمعنى (كيف)، أي: يسألونك كيف ينفقون؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة:٢١٥]، أي: من فضل، ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:٢١٥].
стр. 397
السؤال عن حكم القتال في الأشهر الحرم
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، أي: هل الأشهر الحرم فيها قتال يا محمد؟ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧] إلى آخر الآية.
وقصة ذلك: أن النبي ﵊ أرسل سرية وأمر عليها عبد الله بن جحش، وأعطاه كتاباً وقال له: (لا تفتح الكتاب إلا في مكان كذا وكذا)، ففتح الكتاب في المكان الذي أمره النبي ﵊، فوجد فيه الأمر بقتال المشركين، وكان ذلك في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب، والمشركون كانوا يعدون أن هذا اليوم هو أول يوم من رجب، والمسلمون ظنوا أن هذا آخر يوم من جمادى، فما وجدوا أدنى حرج أن يقتلوا مشركاً لما انفردوا به، فأتى المشركون يعاتبون النبي ﷺ ويقولون له: أنتم الذين انتهكتم الأشهر الحرم وقتلتم فيها، مع أن دينكم ينهى عن ذلك.
فأنزل الله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، والتقدير: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام أهو جائز يا محمد؟ فلما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وأخرجوهم من بيت الله الحرام، وكان ذلك في الأشهر الحرام، رد الله عليهم فقال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، أي: أن الذي فعلتموه أعظم من ذلك كله، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فأنتم الذين أخرجتمونا من المسجد الحرام، وربما يخرجوننا من المسجد الأقصى، بل قد أخرجونا بالفعل، فهذا أكبر إثماً وأعظم جرماً مما وقع من بعض أفراد السرية في قتل ذلك الرجل، ولو كان ذلك في شهر رجب الفرد، فإن ما فعلتموه أعظم جرماً وصد عن سبيل الله .
стр. 398
السؤال عن حكم الخمر والميسر
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، والخمر هو: كل ما خامر العقل، والميسر يطلق على كل أنواع القمار.
قال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، ومنافعه هي: البيع والشراء والربح وغير ذلك مما كان يبدو للناس، لكن الإثم الذي فيه إثم متعلق بالدين، فلو قورنت به منافع الدنيا بأسرها لا تساوي هذا الإثم عند الله .
والمعلوم أن هذه الآية إنما هي حلقة من حلقات تهيئة المسلمين إلى التحريم القطعي لشرب الخمر ولعب الميسر.
قال تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩]، أي: الفضل، وهو ما زاد عن حاجته، ولذلك: (أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن معي دينار.
قال: أنفقه على نفسك، قال: إن معي ديناراً آخر، قال: أنفقه على أهلك.
دينار ثالث قال: على ولدك، دينار رابع، قال: أنفقه على ذوي قرابتك الأولى فالأولى والأدنى فالأدنى، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، وابدأ بمن تعول، واعلم أن اليد العليا خير من اليد السفلى)، ولذلك هل يجوز للإنسان أن يتصدق بما معه ثم يتكفف الناس بعد ذلك؟
الجواب
لا.
والدليل على ذلك: أن النبي ﵊ زار سعد بن أبي وقاص في مرضه، وكان سعد صاحب مال كثير، فقال سعد للنبي ﵊: (ترى يا رسول الله ما نزل بي، وإني ذو مال، أفأتصدق بكل مالي، قال: لا، قال: بشطره؟ قال: لا.
قال: بثلثه؟ قال: نعم والثلث كثير)، ولذلك قال ابن عباس ﵄: أحببت لو أن الناس نزلوا في وصاياهم من الثلث إلى الربع، لقول النبي ﵇: (والثلث كثير).
ثم قال النبي ﵊: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة -أي: فقراء- يتكففون الناس).
стр. 399
السؤال عن اليتامى
وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠] إلى آخر الآيات.
وسبب نزول هذه الآيات: أنه وقع الحرج الشديد جداً لما نزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فقام الصحابة ﵃ يميزون أموال اليتامى عن أموالهم، حتى إن أحدهم كان يصنع الطعام لليتيم من مال اليتيم ولا يقربه وإن فسد، وهذا إفساد للمال وخراب لهذه الذمة المالية، والإسلام لا يرضى بذلك، فلما وقع الحرج والعنت والمشقة للصحابة في هذا الباب سألوا النبي ﵊.
قال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ))، أي: أن تميزوا أموالهم بشرط ألا يفقد منها شيء فهذا خير، وإن كان لابد من خلط أموال اليتامى بأموالكم، وأن تباشروا هذا بالمعروف؛ فهذا لا حرج عليكم فيه، وإن تخالطوهم فهم إخوانكم، وهم معكم على طعام واحد وشراب واحد، فكلوا من أموالهم بالمعروف، وهذا للوصي وولي اليتيم الذي لا يجد ما ينفق على نفسه، فله أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، كأن يأكل سد رمق، لا يشبع، فلما رفع النبي ﵊ عن أوصياء اليتامى الحرج في هذا الباب ارتفع العنت، والدين يسر.
قال تعالى: ((قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ))، وهذا اللفظ عام، فالإصلاح في كل باب من أبواب الخير، من المطعم والمشرب والملبس والتعليم والتربية وحسن الأخلاق وغير ذلك، ولذلك نرى الكثير من الناس يفهم طريقة التربية للأيتام فهماً خاطئاً جداً، فما دام أن هذا الطفل يتيم فلا يقربه أحد ولا يزجره أحد ولا ينهره أحد مطلقاً، والعلة في ذلك: أنه طفل يتيم، فيتركونه يزداد من سوء الأخلاق يوماً بعد يوم، فإذا كبر بهذه الأخلاق أفسد في الأرض إفساداً عظيماً، لذا إصلاح هذا الطفل خير له من أن يتمادى في هذا الباطل وفي هذا الفساد، واليتيم إذا كان تحت يدك فيجب عليك أن تربيه، وأن ترعاه في أخلاقه وآدابه ومسلكه كما ترعى أولادك وزيادة؛ فتقيمه على الإصلاح، ولو كان ذلك بالقهر والقسر والجبر؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به المؤمنين، أو أمر به القائمين على أمر الأيتام.
أما أن تتركه يرتع في الأرض كما يحلو له، ويفسد فيها كيف يشاء؛ فهذا ليس من أبواب الإصلاح، بل هو من أعظم أبواب الإفساد.
стр. 400
السؤال عن المحيض
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وسألوا عن المحيض لأن اليهود عليهم لعنة الله كانوا يمتنعون عن الأكل والشرب مع المرأة الحائض، بل ولا ينامون في البيت الذي فيه امرأة حائض، فإما أن يخرجوا هم من البيت، وإما أن يأمروا بإخراجها من البيت، ولذلك اليهود دائماً يلعبون بقضية النساء ويستخدمونها سلاحاً للإفساد في الأرض، فكذلك كان لهم موقف من المرأة الحائض في أيام النبوة، والصحابة ﵃ سألوا النبي ﵊ عما إذا كان هذا الأمر صحيحاً أو فاسداً.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢].
قوله تعالى: ((قُلْ هُوَ أَذًى))، أي: الحيض والمحيض، والمطلوب: اعتزلوا النساء في المحيض، لكن ليس اعتزالاً كلياً كما يفعل اليهود، ولذلك أتى مسروق إلى عائشة ﵂ وقال: (يا أم المؤمنين! أريد أن أسألكِ سؤالاً يمنعني حيائي، قالت: سل يا بني! فإنما أنت ولدي وأنا أمك.
فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: كل شيء إلا الفرج، وقد كان النبي ﵊ يأمر إحدانا إن كانت حائضاً أن تستر فرجها ويباشرها ﵊، أي: كان يلاعبها ويداعبها فيما دون الفرج.
وفي رواية: (كان يأمرنا أن نغطي أفخاذنا)، ومن باب أولى سوءاتنا وعوراتنا الكبرى، (فيباشرنا من فوق الثياب)، فهذه عائشة ﵂ قبل أن تعلم حكم ذلك لما حاضت فارقت فراش النبي ﷺ فقال لها: (مالكِ أنفستِ؟)، والنفاس هنا يطلق على الحيض، (قالت: نعم يا رسول الله! قال: لا عليكِ)، أي: لا حرج عليك، ثم أمرها أن تستر فرجها، وأخذها النبي ﵊ في فراشه ونام حتى الصباح، فلا حرج حينئذ أن يباشر المرء امرأته فيما دون الفرج من جهة القبل أو الدبر؛ لأن كل ذلك لابد أن يكون محكماً في أيام الحيض والنفاس.
والعجيب أن كثيراً من عامة الناس لا يعلمون هذا الحكم، أو يعلمونه ولكنهم ينتهكونه، فتجد الواحد منهم لا يميز بينما إذا كانت امرأته طاهراً أو حائضاً، فيأتيها في الحيض كما يأتيها في الطهر، ويأتيها بعد الولادة كما كان يأتيها قبل الولادة، وكل هذا الإتيان محرم للضرر الواقع عليه وعليها، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة:٢٢٢] أمر، ثم قال تعالى: ((حَتَّى يَطْهُرْنَ))، ولم يقل: حتى يتطهرن؛ لأن الطهر شيء والتطهر شيء آخر.
قال: ((وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)) أي: حتى يرتفع عنهن الدم، فإذا ارتفع الدم دخلت المرأة في الطهارة، لكن لا تتم طهارتها ولا يحل لزوجها أن يأتيها إلا إذا اغتسلت بالماء، وهذا هو التطهر، فالطهر رفع الدم، والتطهر الغسل بالماء.
ثم قال: ((فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ))، أي: من القبل أو الدبر في الفرج، ولذلك سأل اليهود المسلمين عن إتيان المرأة من الدبر، فأجابوهم بأن ذلك -أي: الإتيان من الدبر- جائز، قالوا: كنا نعد أن من أتى امرأته من دبرها -أي: من جهة دبرها- يأتي الولد أحول.
فنزل القرآن: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣])، أي: أنى شئتم من القبل أو من الدبر في الفرج.
وللإنسان أن يأتي امرأته من الأمام أو من الخلف بشرط أن يكون الإتيان في موضع الحرث وموضع الولد، أي: في الفرج أو في القبل.
стр. 401
السؤال عما أحل الله تعالى من المطاعم
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٤]، بعد أن بين الله ﵎ أنواع الخبائث التي حرمها، سأل الصحابة ﵃ النبي ﵊ عما أحل لهم، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، أي: كل الطيبات حلال لكم، ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤].
قوله: ((وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ))، أي: من الكلاب والسباع والنمور والنسور، وكل ما يمكن أن يعلم للصيد، لكن بشروط: الشرط الأول: أن يكون الكلب معلماً.
الشرط الثاني: أن ترسل أنت الكلب، ولا يذهب لوحده.
الشرط الثالث: أن تذكر اسم الله على هذا المصيد.
الشرط الرابع: ألا يمسك الكلب لنفسه؛ لأنه إن صاد لنفسه، أو إذا أرسلته أنت وذكرت اسم الله فصاد الصيد، لكنه أكل جزءاً منه أو أكله كله فلا يحل هذا الصيد؛ لأن هذا يدل على أن الكلب لم يتمرس في التعليم ولم يتم تعليمه، ولو كان معلماً لأمسك لك أنت، ولا يمسك لنفسه قط، ولذلك قال النبي ﵊: (إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، وكل مما أمسك عليك، لا مما أمسك لنفسه)، وهنا نكتة مهمة جداً، وهي: أن العلم له شرف وإن كان في الكلاب، ولذلك ميز الله ﵎ بين صيد الكلب المعلم والكلب غير المعلم، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة:٤]؛ لأن الأمر فعلاً يحتاج إلى مناقشة ومخاطبة القلوب، ولأن الواحد منا ربما رأى كلبه المعلم يصطاد وأكل شيئاً من صيده، لكنه يغالط نفسه ويقول: الكلب لم يأكل شيئاً، ولذلك خاطب الله تعالى من أرسل الكلب المعلم فقال: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ))؛ لأنكم تعلمون حقيقة هذا الكلب، وحقيقة هذا الصيد، ((إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ))، أي: أنكم معروضون على الله .
стр. 402
السؤال عن موعد الساعة
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف:١٨٧]، أي: متى الساعة؟ هذا مما استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:١٨٧]، وبعدها يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف:١٨٧]، أي: كأنك تعرف موعدها، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:١٨٧].
стр. 403
السؤال عن الأنفال
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، و (الأنفال) جمع نَفَل بفتح الفاء، وأخطأ من قال: (نَفْل) بتسكين الفاء، والنَفَل إما أن يكون من أصل الغنيمة قبل توزيعها، أو من الأربعة الأخماس التي هي للمقاتلين والمجاهدين، أو من خمس الخمس الذي هو للنبي ﷺ قبل توزيع الغنيمة.
والأنفال هو: الذي يأخذه الفارس فوق حقه من الغنيمة، ولذلك قال النبي ﵊: (للفرس سهمين وللفارس سهم)، وهذا من أصل الغنيمة، فإذا رأى النبي ﷺ أن يعطي هذا الفارس شيئاً زائداً عن السهم أو عن السهمين أو عن حظه في الغنيمة فله ذلك، وكذلك لمن ناب عنه من أمراء الجند والقتال دون أدنى اعتراض، ولذلك كان النبي ﷺ يعطي أقواماً ويمنع آخرين.
قال سعد بن أبي وقاص: (رأيت رجلاً أبلى بلاءً حسناً، فأعطى النبي فلاناً ولم يعطه، فقلت: يا رسول الله! لقد أعطيت فلاناً ولم تعط فلاناً وهو مؤمن، فقال: يا سعد! أومسلم؟)، يعني: إنما كان يكفيك أن تحكم بالظاهر، ومسألة الإيمان هذه مسألة قلبية لا اطلاع لك عليها، ثم قال ﵊: (يا سعد! إنما أعطي أناساً وغيرهم أحب إلي منهم مخافة أن يكبهم الله في النار)، فبين النبي ﷺ العلة من ذلك، ولذلك لما وزع النبي ﵊ الغنائم على بعض المهاجرين ومنع الأنصار تكلم الأنصار فيما بينهم، فجمعهم النبي ﵇ وقال: (يا معشر الأنصار! ألستم الذين قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: قد كان منا يا رسول الله!)، أي: هذا كلام قد حصل منا، (فقال: أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالدينار والدرهم وترجعون أنتم برسول الله ﷺ ؟) فرضوا وطابت نفوسهم بذلك.
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، يعني: أن الرسول ﵊ له أن يضع هذه الأموال الزائدة حيث يشاء، فيعطيها لهذا ويمنعها من هذا دون أن يعترض عليه أحد.
стр. 404
السؤال عن ماهية الروح
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
стр. 405
السؤال عن ذي القرنين
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣]، ثم سرد ذكر أمر ذي القرنين.
стр. 406
السؤال عن حال الجبال يوم القيامة
وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧].
فقد سألوا النبي ﵊ عن الجبال، وما موقفها يوم القيامة؟ وهل تبقى كما هي أم ماذا تكون؟ فبين الله تعالى لنبيه أن الجبال يوم القيامة ستنسف نسفاً، هذه الجبال التي هي أوتاد في الأرض، وتمسك الأرض أن تمور يجعلها ربي ذراً ورماداً، حتى تصبح هي والأرض سواء.
قوله: ((فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا))، والقاع: هو المكان المنخفض، أي: بعد أن كانت عالية ستكون يوم القيامة منخفضة جداً، لا زرع فيها ولا ماء، ((لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا))، أي: مكاناً معوجاً منخفضاً أو مرتفعاً، ((وَلا أَمْتًا)) أي: مكاناً عالياً، وإنما يسويها ربي بالأرض.
стр. 407
حكم سؤال أهل العلم
إذاً: هذه الأسئلة وغيرها الموجهة للنبي ﵊، والتي أجاب عنها القرآن الكريم.
وهذا يدل على مشروعية السؤال، بل أحياناً على وجوب أن يتوجه السائل بالسؤال لأهل العلم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، وكرر ذلك في القرآن مرتين، فأوجب على الجاهل أن يسأل، كما أوجب على العالم أن يجيب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].
وقال النبي ﵊: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة).
قوله: (من كتم علماً)، أي: من سئل عن شيء من أبواب الدين وأمور الدين فكتمه وما أجاب فيه بما يتناسب مع الحق ألجم بلجام من نار، والجزاء من جنس العمل، فلما كتم شفتيه وأطبقهما وما أجاب بهما وبلسانه؛ عوقب من نفس جنس عمله.
وهذا أمر خطير جداً ألا يسأل الجاهل، وأخطر منه إذا سئل العالم فامتنع عن الجواب.
стр. 408
نهي السلف عن السؤال تعنتاً والسؤال عما لا ينفع
لكن لا يحل للسائل أن يسأل في كل ما عن له إلا أن يكون أمراً متعلقاً بالدين، وينبني عليه العمل في العقيدة والسلوك والأحكام والأخلاق وغير ذلك، وهناك أسئلة كثيرة جداً يسأل عنها العامة لا طائل من ورائها، ولا حاجة في طرحها، ومع هذا تجد الواحد منهم دائماً مشغولاً بتوجيه هذه الأسئلة، وإذا سأل واحداً لا يكتفي بذلك، بل يسأل الثاني والثالث والرابع، فتكون حياته كلها أسئلة، وليس من باب التعلم، وإنما من باب التعنت، ولذلك عندما كان السائل يسأل مالكاً ﵀ يقول له مالك: يا فلان! اتق الله، سل تعلماً ولا تسأل تعنتاً، فيمتنعون عن الجواب حينئذ؛ لأن السائل ليس صادقاً في سؤاله، وإنما يسأل من باب إحراج الشيخ أو العالم أو إظهار جهله أو غير ذلك، فحينئذ يحرم على السائل أن يوجه سؤاله.
والنبي ﵊ قد علم الصحابة ﵃ أن يتوجهوا إليه بالسؤال كذلك ولا حرج، لكن لا يسألون في كل شيء، ولا يلحون في السؤال، ولذلك سأله رجل: (يا رسول الله! الحج كل عام؟ فسكت النبي ﵊، حتى قال في الثالثة: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتم)، أي: أن الشيء أو السؤال الذي تركتم فيه من أول مرة لا تعيدوا علي فيه السؤال، وإنما يكفيكم أني أعرضت عنه؛ لأنكم لو ألححتم علي فربما أجبتكم بما يشق عليكم، ويشق على الأمة كلها إلى يوم القيامة.
وقال النبي ﵊: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر -أي: البكر إذا زنى ببكر- جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة).
وقال النبي ﵊ لـ معاذ بن جبل: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
وقال: (يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، ثلاث مرات، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صادقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار.
فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: إذاً يتكلوا)، وما بشر بها معاذ إلا في آخر حياته تأثماً، أي: مخافة الإثم.
وعن سعيد بن المسيب قال: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير علي بن أبي طالب ﵁.
إذاً: يجوز للعالم المتمكن النحرير أن يقول للناس: سلوني.
وقال علي بن أبي طالب: فوالله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا حدثتكم به، سلوني عن كتاب الله، فوالله ما منه آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، بسهل أم بجبل.
فقام إليه ابن الكواء -وكان رجلاً من أهل البدع- فقال: يا علي! ما الذاريات ذرواً، فالحاملات وقراً، فالجاريات يسراً، فالمقسمات أمراً؟ يسأل تعنتاً لا يسأل للتعليم، فقال علي: ويلك، سل تفقهاً ولا تسل تعنتاً، ومع هذا فالذاريات ذرواً هي الرياح، والحملات وقراً هي السحاب، والجاريات يسراً هي السفن، والمقسمات أمراً هي الملائكة.
قال: أفرأيت السواد الذي في القمر ما هو؟! وما يضرك لو أنك جهلت هذا؟ هل سيسألك الله عنه يوم القيامة؟ وهل ينبني عليه جنة ونار في الآخرة؟ وهل ينبني عليه عمل في الدنيا؟ أبداً، ومثله من يبحث عن اسم أم موسى ﵇، مع أن جهله بذلك لا يضر، وليس مطالباً به، لكنه يشغل نفسه بالليل والنهار، وكذلك من يسأل عن اسم كلب أهل الكهف، مع أنه غير مطالب أن يعرف أسماء أشخاص أهل الكهف فضلاً عن اسم كلبهم، فهذا الرجل إنما شغل نفسه بما لا طائل تحته، فينبغي عليه أن يرجع إلى رشده.
قال: أفرأيت السواد الذي في القمر؟ قال -أي: علي بن أبي طالب -: أعمى سأل عن عمياء، أي: أنت أعمى البصر: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
ثم قال: أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:١٢]، فمحوه هو السواد الذي فيه.
ومع هذا أجابه، لكن بين له أن هذا من الأمور التي لا ينبغي ولا يجوز السؤال عنها.
قال: أفرأيت ذا القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ قال: ليس بنبي ولا ملك، ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فناصحه الله، دعا قومه إلى الهدى فضربوه على قرنه -والقرن هو جهة الرأس- ثم دعاهم إلى الهدى مرة أخرى فضربوه على قرنه الآخر.
ولم يكن له قرنان كقرني الثور كما يتوهم بعض الناس.
قال: أفرأيت هذا القوس ما هو؟ قال: هي علامة بين نوح وبين ربه، وأمان من الغرق.
عن ابن أبي مليكة قال: دخلنا على ابن عباس فقال: سلوني فإني قد أصبحت طيبة نفسي، أخبرت أن الكوكب ذا الذنب اطلع، فخشيت أن يكون
стр. 409
أحوال أهل العلم في طرق نشر العلم من حيث السؤال والجواب
ومذاهب أهل العلم في قضية السؤال والجواب على ثلاثة: الأول: أنه يبدأ في طرح العلم بغير سؤال.
الثاني: أنه لا يجيب حتى وإن سئل، فهو ضنين جداً بالرواية وبالعلم وبالتفقيه وبتعليم الناس، ومن أمثال هؤلاء: إمام كوفي يسمى: سليمان بن مهران الأعمش، فقد كان له تلاميذ، واعلم أن تلاميذ الأعمش من أئمة الدين وأعلام الهدى في الأمة؛ لأن الأعمش كان الأول في العلم في زمانه في العراق، ومع هذا كان يربي في بيته كلباً، فإذا علم أن أصحاب الحديث وأصحاب السؤال أتوه وطرقوا عليه الباب كان يطلق عليهم الكلب، فيجرون في الشوارع أمام الكلب، فيسر الأعمش بذلك.
ومن طرائفه: أنه اختلف مع امرأته ذات يوم، فأتى بأحد الطلاب ليصلح ما بينه وبين امرأته، فكان مما قال هذا الطالب للمرأة: لا يضرك عمش عينيه، ولا جعد بشرته، ولا سقوط شعره ولا كذا ولا كذا، وظل يعدد عيوبه، فقال له: قم قبحك الله، فإنك قد أخبرتها ما لم تكن تعلم، أأنت جئت للإصلاح أم ماذا؟ ومنها: أنه شيع جنازة ذات يوم -والأعمش هو الذي لا يرى جيداً- فأخذه طالب ذكي ومهذب، فقال له: يا إمام! تريد أن ترجع إلى بيتك؟ قال: نعم، فأخذه واصطحبه، ثم قال له: أتعرف أين أنت الآن؟ قال: على مشارف الكوفة، فقال لا: بل أنت عند جبانة فلان، وقد انصرف عنك الناس، ووالله لا أردك إلى بيتك حتى تحدثني وتملأ هذا اللوح.
وبدأ يحدثه الأعمش والطالب يكتب بخط دقيق وصغير جداً من أجل أن يأخذ أكبر قدر من العلم، فلما ملأ اللوح قال: الآن يا إمام، ثم لما كان على مشارف القرية ناول اللوح أحد إخوانه سراً، فلما أيقن الأعمش أنه أمام باب داره قال: امسكوا هذا الفاسق وخذوا منه اللوح، فقال: يا إمام! لقد رحل اللوح، فقال الإمام: كل ما حدثتك به باطل، فرد الطالب المؤدب قائلاً: أنت أجل وأعظم من أن تكذب على الله ورسوله، أي: لست أنت الذي تكذب على الله ورسوله.
ودخل عليه أناس ذات يوم وقالوا له: يا إمام! حدثنا بعشرة أحاديث، فقال: ولا بخمسة، قالوا: حدثنا بخمسة، قال: ولا باثنين، قالوا: حدثنا باثنين، قال: ولا بواحد، فقالوا: بواحد، قال: ولا بنصف، قالوا: حدثنا بنصف، قال: إن شئتم حدثتكم سنداً وإن شئتم حدثتكم متناً، يعني: يقول لهم: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ ويتوقف، فهم لو ركبوا هذا الإسناد في متن سيكونون كذابين، ولو حدثهم بالمتن وركبوا له إسناداً سيكونون كذابين كذلك، والحاصل أنه سيعطيهم شيئاً لا ينتفعون به.
فاتفق الطلاب ذات يوم أن يدخلوا عليه في داره ويحملوه على الحديث، فلما كانوا في بيته قالوا: يا إمام! هل عندك من طعام فنطعم؟ فنظر إليهم وقال: نعم عندي، فذهب وأتى بالعدس ووضعه أمامهم، ثم ذهب ليأتي بالخبز وجاء فوجد العدس قد انتهى، فوضع الخبز وذهب ليأتي بالعدس فجاء فوجد الخبز قد انتهى، وفعل ذلك ثلاث مرات، ولك أن تتصور أن الأعمش ذاهب وآت، وهو ساكت لا يتكلم بكلمة، ثم قال لهم: لقد أذهبتم طعامي وطعام أهل بيتي، وأتى بطبق من تبن فقال: ولم يبق إلا طعام دابتي، فكلوه هنيئاً مريئاً.
ودخلوا عليه ذات يوم فوجدوه يبكي بكاءً غزيراً، فقالوا له: يا إمام! ما الذي يبكيك؟ قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ويقصد بذلك كلبه، فطرد هؤلاء الأئمة باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! وله من الأخبار الشيء الكثير جداً، ومع هذا كان عزيزاً جداً، فقد أتاه رجل من عند السلطان ذات يوم، ومعه رسالة منه يأمره فيها أن يحدثه، وكان لا يجرؤ أحد أن يطرق باب الأعمش، فلما طرق الرجل عليه الباب قال: ادخل.
فدخل، وكان الأعمش يفتل شيئاً من الطعام ويطعم دابته، فقال: يا إمام! لقد جئتك من عند الأمير، فنظر إليه وقال: ما هذا الذي معك؟ قال: رسالة من الأمير.
قال: ناولنيها.
فأخذها ثم فتلها وناولها الدابة فأكلتها.
فانظر إلى العزة، وليس كبعض الناس الذين يغيرون ويبدلون ويبيعون دينهم، ثم قال: هيه، هات ما عندك.
قال: يا إمام! كيف تفعل هذا برسالة الأمير، وهو يأمرك فيها أن تحدثني.
قال: والله لا أحدثك ولا أحدث قوماً أنت فيهم، لذا لا يمكن أن يكون للسلطان أمر على العلماء، قال أبو الأسود الدؤلي، وهو سيد من سادات التابعين، ورجل له الفضل على الأمة بأسرها؛ لأنه هو الذي ضبط القرآن وأشكله وأنقطه بأمر علي بن أبي طالب ﵁: السلاطين حكام على الناس، والعلماء حكام على السلاطين.
إذاً: العلماء هم الذين يجب أن يحكموا العالم بما قد أوتوا من علم وهدى ونور، وهذا الذي صدرنا به هذا المجلس.
وقال قتادة: أتى على الحسن زمان يعجب ممن يدعو إلى نفسه، أي: أن الحسن البصري كان دائماً عندما يسمع شخصاً يقول: اسألوني، يتعجب من ذلك، وهو ما مات حتى قال للناس: سلوني.
وقال
стр. 410
النهي عن كثرة السؤال والتعنت فيه
وقال النبي ﵊ في الحديث الذي أخرجه الشيخان: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال)، أي: الكلام في القيل والقال، في النافع والضار، كلاماً ليس من هدي النبوة، وقيل: ذلك هو الغيبة والنميمة.
قوله: (وكثرة السؤال)، أي: فيما لا يعني ولا يفيد، أما إذا كان في أمر الدين فالعبد مأمور بذلك، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣].
وعن سهل بن سعد قال: (لعن رسول الله ﷺ المسائل وعابها)، أي: المسائل التي لا قيمة لها.
وعن عبدة بن أبي لبابة قال: وددت أني أحضا في أهل هذا الزمان ألا أسألهم عن شيء ولا يسألونني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم.
يعني: أن الواحد دائماً كلما يقابلك يخرج لك عريضة من جيبه تحتوي على خمسين سؤالاً، ثم يقول لك: انتظر يا شيخ حتى أسألك هذه الأسئلة! وهل تظن أن الشيخ له وقت حتى يجيبك على هذه الأسئلة؟ وربما السؤال الواحد منها يحتاج إلى مجلد كما أجاب ابن القيم عن سؤال واحد، لذا فهذا أمر لا يصح.
وعن الحجاج بن عامر الثمالي ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (إياكم وكثرة السؤال).
وسئل مالك عن قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
فقال: لا أدري أهو هذا، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء.
وقال ابن عمر يروي عن النبي ﵊ أنه قال: (أعظم المسلمين للمسلمين جرماً)، أي: أعظم واحد مجرم في المسلمين: (من سأل عن شيء لم يحرم فحرمت لأجل مسألته)، فهذا أكثر واحد أضر بالأمة كلها، ويظل ماسكاً بالنبي ﵊ ليسأله، والنبي يعرض عنه إلى الجهة الأخرى، فيأتي له من الناحية الأخرى، ويسأل نفس السؤال، والنبي يبعد وجهه إلى ناحية أخرى، ويظل يتابعه ويلاحقه حتى يقول: حرام، أي: حرام على الأمة كلها، لذا كان أعظم المسلمين جرماً في حق المسلمين من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته، أي: لسبب مسألته.
وقال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)؛ لأن النهي في مقدور كل إنسان، (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
وقال عمر ﵁ وهو على المنبر: أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن.
وقال عمر ﵁ أيضاً: إنه لا يحل لأحد أن يسأل عما لم يكن، فإن الله ﵎ قد قضى فيما هو كائن.
ولذلك كان العلماء يكرهون جداً الافتراضات، وعابوا على أصحاب الرأي آراءهم، وذلك أنهم كانوا يسألون عن أشياء لم تقع بعد، فيفترضون مسائل لم تقع، ويقولون: يا شيخ! افرض لو كان كذا، وكل هذا ليس من هدي السلف، وإنما هدي السلف أنهم كانوا دائماً إذا سئلوا في مسألة قالوا: آلله أثم هي؟ أي: هل وقعت هذه المسألة أم لا؟ فإذا قيل: وقعت أجابوا عنها وتكلموا فيها، وإذا قيل: لم تقع بعد قالوا: أجمونا عنها، يعني: اجعلونا منها في استجمام وأبعدونا عنها ولا تكلفونا جواباً، فإذا وقعت أعاننا الله عليها.
وهذا الكلام ورد عن كثير من سلف هذه الأمة، فقد كانوا إذا سئلوا في المسألة قالوا: أوقعت هذه المسألة أم أنها مجرد فرض؟ فإن وقعت أجابوا عنها، وإن لم تقع لم يجيبوا عنها، بل يسكتون ويقولون: اجعلونا منها في استجمام.
وقال حماد بن زيد: قيل لـ أيوب: ما لك لا تنظر في الرأي؟ والأمر كما قال الشافعي: الرأي ليل والحديث نهار، والسلف وعلماء الأمة يعتقدون -وهو الاعتقاد الحق- أن الدين قال الله قال الرسول، أما أن يكون عندي النص أو كلام الله وكلام الرسول، ثم أقول: أنا أرى كذا وكذا! فهذا لا يصدر إلا عن جاهل، وعن إنسان يصدر في فتاواه عن رأيه الشخصي، وهذا لا يصح، ولذلك قال الشافعي كما ذكرنا: الرأي ليل والحديث نهار، أي: أن الحديث كالنهار في وضوحه وضوئه ونوره وهداه، والليل مظلم؛ لأنه لا يعتمد على النص، ولذلك قيل لـ أيوب: ما لك لا تنظر في الرأي؟ لم لا تقول بالرأي؟ قال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل -يضرب المثل بالحمار- فإذا اجتر فإنما يمضغ الهواء، ولا يغني عنه مضغ الهواء، ثم قال: وكذلك صاحب الرأي مهما تشدق بالرأي فإنه لا يغني عنه من الحق شيئاً، فهو ضرب المثل بهذا.
وقال ابن وهب: قال لي مالك وهو ينكر كثرة المسائل ويعيبها: يا عبد الله! (ما علمته فقل به ودل عليه) أي: ما علمته من أدلته الشرعية فقل به ودل
стр. 411
تورع السلف عن الفتوى
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه، وما كان منهم فقيه إلا ود أن أخاه كفاه، أي: كان الداخل يدخل المسجد وهناك مائة وعشرون من أصحاب النبي ﷺ موجودين، فيسأل الأول عن مسألة معينة فيحيله إلى الثاني والثالث والرابع والعاشر، حتى يمر على المسجد كله، فيرجع إلى الأول، فلا يجد الأول بداً أن يجيب فيجيب، فهل هذه أخلاقنا الآن؟ لا، إذاً: فما هي أخلاقنا؟ إذا سئل الشيخ أو العالم في مسألة وحوله الطلاب فإن كل طالب يجيب بجواب يختلف عن جواب صاحبه، والعالم لم يجب بعد، وإنما ينظر إلى الحالة التي فيها الطلاب، والأدب الذي بلغ بطلاب العلم، وحتى وإن سأل واحداً منهم فلا يجوز له أن يجيب ما دام هناك من هو أعلم منه.
وقال ابن مسعود لـ تميم بن حذلم: يا تميم! إذا استطعت أن تكون المحدَّث فافعل.
أي: إذا استطعت أن تكون مستمعاً فافعل.
وكان معاوية بن أبي عياش جالساً عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهم محمد بن إياس بن بكير فقال: إن رجلاً من أهل المدينة طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لـ أبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك المعضلة.
أي: أنت صاحب المهمات الصعبة، لذا كان أبو هريرة أفقه الأمة في زمانه، ولذلك الملاحدة حرصوا كل الحرص على الطعن بالذات في أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة ﵁ قد روى أكثر من نصف الدين، فإذا سقط أبو هريرة سقط معه نصف الدين، فتكون القضية كلها أننا ليس لنا علاقة بالدين، ويقولون: نحن كنا نتكلم عن شخص! شخص يا أعداء الله ورسوله! بل إنهم يريدون أن يسقطوا الثقة بـ أبي هريرة ﵁، وإذا سقطت الثقة به سقطت الثقة بمروياته التي تعتبر نصف الدين، وهم بذلك ليس لهم أدنى علاقة بـ أبي هريرة، ولا يهمهم من قريب ولا من بعيد الطعن في شخصه، وإنما يهمهم إسقاط هيبة الإسلام في قلوب أبنائه.
قال أبو هريرة: الطلقة الواحدة تبينها.
أي: تصير بائنة بينونة صغرى بطلقة واحدة، فإذا أراد أن يتزوجها فبعقد جديد ومهر جديد.
ثم قال: والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.
وقال ابن عباس: إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون.
стр. 412
التعامل مع السائل عما هو أكبر منه من القضايا الكبرى
فإذا أتاك شخص يسألك عن شيء فقل له: تعال، هذه المسألة أكبر منك، من أين أتيت بها؟ ومثلما رأينا أن امرأة في كلية الدراسات الإسلامية كانت واقفة على محطة الباصات وتقول: اللهم العن أبا بكر وعمر، وبعد أبي بكر وعمر لا أدري من كانت تسب، وأنا أسوق السيارة سمعتها، فأوقفت السيارة ونزلت منها، وقلت لها: ماذا تعرفين عن أبي بكر وعمر؟ فخافت وظنت أنني إرهابي، فقالت: أنا لم أقل شيئاً، قلت: لا، أنت لعنت أبا بكر وعمر، وأنا أريد أن أسألك سؤالاً: من وراءكِ؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي أريد أن أسأله لك؛ لأن الشيعة منتشرون، والشيعة هم الذين يسبون ويلعنون أبا بكر وعمر، ويتقربون إلى الله بذلك، ويقولون عنهما: هما الجبت والطاغوت، وغير ذلك مما ذكرناه آنفاً في دروس مضت، فأقسمت عليها بالله مراراً أن تقول من وراءها، فقالت: أنا بصراحة أسمع من الدكتورة آمنة نصير.
ووالله العظيم أني توقعت ذلك؛ لأن الدكتورة آمنة نصير زوجة الدمرداش العقاري الذي كان يدافع عن الإخوة المتهمين بقتل رفعت المحكوم، وقد فتن الناس بدفاعه عن الإخوة، وهو المسئول عن الشيعة رسمياً في مصر.
فقلت لها: أنا كنت متوقعاً ذلك، قالت: أتعرفها؟ قلت: نعم، وأعرف زوجها ونشاطها كيت وكيت، وبينت لها مذهب أهل السنة فيما يتعلق بالاعتقاد في الصحابة ﵃، وقلت لها: والله لا تنفعكِ آمنة ولا ينفعكِ الدمرداش، وإنما ينفعك حسن اعتقادكِ في الله ، وفي النبي ﵊ وفي أصحابه الكرام، وأنتِ مأمورة بكيت وكيت وكيت، ووقفت معها من قبل صلاة الظهر تقريباً بساعة حتى كاد أن يخرج وقت الظهر، وأنا واقف معها في الشارع أربع ساعات؛ لأن هذا أمر خطير جداً ينبغي تصحيحه، وقد أتانا بغير قصد ولا تعمد، وإنما سمعناه ونحن نسير بالسيارة، وهذا بلا شك مسألة عظيمة لا ينبغي للإنسان أن يسمعها ويغض الطرف عنها.
كذلك: قد يأتي شخص فيسأل عن مسألة ليست له، مثل: طالب يأتي فيسأل عن أشراط الساعة وفتن آخر الزمان، وهو لا يعلم كيف يصلي؟! وكيف يصوم؟! وكيف يزكي؟! وكيف يحج؟! وآخر يأتي ويسأل عن حكم المظاهرات التي تحدث، وحكم الذهاب إلى القتال أو الجهاد أو المشاركة مع إخواننا المجاهدين في فلسطين أو في غيرها من البلدان، فيُسأل: أتصلي؟ فيقول: لا، أتصوم؟ فيقول: لا، أتزكي؟ فيجيب: لا، سبحان الله! إن الله يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فالجهاد أصلاً من أجل أن نصلي ونصوم ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
قوله: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ)) ماذا عملوا؟ ((أَقَامُوا الصَّلاةَ))، إذاً: فالجهاد ليس مطلوباً لذاته، لكنه مطلوب ليتمكن المسلم من تحقيق العبودية الكاملة التامة لله ، وهذا هو الغرض من الجهاد.
وآخر في وقت سلمه وراحته لا يصلي ولا يصوم ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، لماذا يجاهد؟ لا أعلم لماذا يجاهد؟ هذه مغالطات ينبغي تصحيحها قبل الدخول.
وآخر يأتي فيسأل عن مسألة عظيمة جداً ليست سهلة، فيتكلم عن الحاكمية فيقول: يا شيخ! الحكم بغير ما أنزل الله كفر أو ليس بكفر؟ فتسأله أنت عن الصلاة فلا يعرف شيئاً، وعن الصيام فلا يعرف شيئاً، وعن مهمات الدين التي تلزمه فلا يعرف شيئاً، مع أنه لو مات فإن الله لن يسأله عن الحاكمية، وإنما يسأله عن هذه المهمات، وعن أصول الدين التي لا يعرف منها شيئاً.
صحيح أن مسألة الحاكمية من أهم المسائل في الدين، لكن كما يقولون: طعام الكبير سم للصغير.
والعلم نتف وطبقات ومراتب، ولذلك إذا نظرنا في كتاب البخاري أو مسلم أو أي كتاب من كتب السنن أو غيرها من المصنفات سنجد أن الأئمة بدءوا بالإيمان والعلم، ثم الطهارة والحيض، والأذان والوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق والرضاع والرجعة وغير ذلك، ثم في نهاية الكتاب بعد خمسة عشر مجلداً تجدهم يتكلمون عن الفتن وأشراط الساعة، فهل معنى هذا أن الترتيب هذا جاء بدون فائدة وهدف؟ لا، بل لابد أن هذا هو الترتيب الطبيعي لطلب العلم، فتترك أنت كل هذه المهمات وتأتي للكتاب من آخره! إن هذا عكس وانتكاس للفطرة، فينبغي أن يؤخذ العلم نتفاً، أي: حبة حبة؛ لأن من أخذ العلم جملة فاته جملة.
وقال ابن عيينة: أجسر الناس -أي: أجرأ الناس- على الفتيا أقلهم علماً.
فتجد دائماً أن الجاهل جريء، بينما العالم خائف، كما كان حال المائة والعشرين من الصحابة، فهذا يحيل على هذا، وهذا يحيل على هذا؛ لأنهم عرفوا خطورة الفتوى، ولأجل ذلك صنف
стр. 413
شرح كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي [٢]
يعتبر كتاب الجواب الكافي لابن قيم الجوزية من أعظم الكتب في وصف الداء والدواء، وهو رسالة مستقلة عبارة عن جواب سؤال، بين فيه أن لكل داء دواء، وأن من أعظم الأدوية كتاب الله ، إذ هو شفاء كله، كما بين فيه أسباب تخلف الشفاء، وأسباب تخلف أثر الدعاء، والآفات المانعة من أثر الدعاء.
стр. 414
نص الاستفتاء ودلالة صيغته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر المعروف بـ ابن القيم الجوزية ﵁ سؤالاً قال فيه سائله: [ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريقة، فما يزداد إلا توقداً وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلىً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى].
يلحظ القارئ لهذا السؤال ما كان عليه السائل من أدب جم في التعامل مع أهل العلم، فقد خاطبه وناقشه بلفظ السيادة والقيادة، فقدم قبل أن يسأل ما أوجب الله تعالى عليه من تبجيل واحترام لهذا العلم، ثم سأل سؤالاً، ثم ختمه بالدعاء له بالأجر والمثوبة والرحمة، وبين أن طريق من أراد الله له الهداية أنه إذا حزبه أمر من الأمور هرع إلى أهل العلم، فعندهم دائماً الأمان، وعندهم الهداية والنور، كما أن عندهم راحة القلوب بما أودعهم الله تعالى بعض خزائن العلم.
والعلم المطلق هو لله ، ومن بعد الله تعالى من الخلق أعلم الخلق هم الأنبياء والمرسلون، وهم مع هذا قليلو العلم بالنسبة إلى علم الله ، والمخاطب أولاً بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] هو نبينا ﷺ ، وهو أعلم الخلق على الإطلاق، ومع هذا لم يؤت من العلم إلا قليلاً، فإذا كان علم النبي قليلاً؛ فما بالكم بعلم الله الذي أحاط بكل شيء علماً؟! قال: فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي المسلمين شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم الجوزية فقال: [الحمد لله]، وهذا من أشد الاستحباب، بأن يجيب السائل بالحمد لله أولاً، والصلاة والسلام على رسول الله ثانياً، ثم يحمد الله تعالى في آخر جوابه، ويصلي ويسلم على نبيه ﵊.
قال: [أما بعد] و (أما بعد) وردت في روايات كثيرة عن النبي ﵊، فقد كان إذا أرسل رسالة إلى ملك من الملوك، أو تكلم في قضية من القضايا، أو خطب في أصحابه، وقدم بمقدمة يمدح الله تعالى فيها، ويثني عليه ويمجده بما هو أهله، قال: أما بعد، ثم يدخل في الموضوع، ولذا فكلمة (أما بعد) فاصلة بين المقدمة والغرض، أي: فاصلة بين المقدمة التي فيها الحمد والثناء على الله والصلاة على رسوله ﵊، ثم الإتيان بـ (أما بعد) وكأنه يقول: فهذا أوان الشروع في المقصود.
стр. 415
ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء
قال رحمه الله تعالى: [فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً)].
فكل الأدواء لها دواء إلا دائين اثنين لا دواء لهما: الأول: الهرم، أي: كبر السن والشيخوخة.
الثاني: الموت.
فهذان قد وردت السنة في أنهما لا دواء لهما البتة، فمن أدركه شيء من ذلك فلا يحاول دفعه أبداً؛ لأنه مهما حاول سيفشل في ذلك، ولذلك قال النبي ﵊: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام، قالوا: وما السام يا رسول الله؟ قال: الموت)، فبين ﵊ عظمة هذا النبات، وأنه شفاء من كل داء إلا داءً واحداً، ثم بين أنه الموت؛ إذ لا ينفع معه علاج كيماوي ولا عشب نباتي، بل لا يصلح معه أي محاولة؛ لأنه واقع بساحة كل مخلوق لا محالة.
قوله: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً) تشعر بأن هذا الداء نازل من السماء، وكذلك الشفاء، كما يفيد بأن الذي خلق الداء هو الله ، والذي خلق الشفاء هو الله ، وعليه فنفهم من هذا أن الله تعالى خالق للخير والشر، وليس في خلق الله تعالى للشر أي منقصة في جانب الألوهية ولا في جانب الربوبية، فالشر المحض ليس من أفعال الله ، بل الشر يحمل بين طياته الخير، فلو قلنا في هذا الباب: إن الداء كالمرض أو المصيبة أو الموت أو غير ذلك إذا نزل بالعبد هو شر، فهل كل هذه فيها خير؟ نعم، فالمرض فيه خير، ومن خيره: أنك تعلم قيمة الصحة والعافية، فتشكر الله تعالى على ما من عليك من الصحة والعافية، وكذلك يكفر الذنوب، فإن لم يكن ذنب -ولا إخالك هكذا- فإنه يرفع الدرجات، ولذلك قال النبي ﵊: (يبتلى المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة - أي: قوة - زيد له في البلاء حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).
فمن رحمة الله أن يبتلي عبده بالأمراض والأوجاع والأسقام خاصة في آخر حياته وقبل موته حتى يطهره من الذنوب جميعاً، فإذا قبضه إليه قبضه نقياً صافياً.
قال ﵀: [وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل داء دواء -وهذا لفظ جامع كما في الحديث الأول- فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله)].
أي: أنه لابد من إصابة الدواء للداء، وإلا فلا يكون هناك موافقة ولا مطابقة بين الداء والدواء، كما لو أنك ذهبت إلى طبيب فأخبرته بما تعاني من آلام، فوصف لك علاجاً لا يتناسب مع هذا الداء، فإنه مهما تعاطيت من هذا الدواء فإنه لا يوافق الداء، فكيف يبرأ الداء إذاً؟ والعلاج سبب، لكن هذا السبب لم يوافق محل الداء، أو أن الطبيب وصف لك دواءً مناسباً للداء، ثم بين لك طريقة تعاطي هذا الدواء، لكنك قصرت في ذلك إما سلباً وإما إيجاباً، ومعنى ذلك: أن الطبيب وصف لك دواءً بقدر معين، كأن تأخذه ثلاث مرات كل يوم، فأخذته مرة واحدة، وكذلك لو وصف لك الدواء لتتعاطاه شهراً كاملاً على نحو معين، ثم ما تعاطيته إلا يوماً أو يومين، فلا شك أن هذا الدواء لا يمكن أن يقاوم هذا المرض، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بأنه لم يصادف محله، فكيف يصلح هذا الدواء لمعالجة ذاك الداء؟ لا بد أنه سيضعف عن مقاومة هذا الفيروس أو هذا المرض، وبالتالي لا يؤثر فيه.
وهب أن رجلاً آخر على النقيض من ذلك، فلو وصف له الطبيب دواءً معيناً وقال: هذا الدواء تأخذه على مدار أسبوع، فرفعه إلى فيه وأخذه جرعة واحدة، فربما أصيب بالسم فهلك؛ لأنه خالف الطبيب، ولذلك أتى رجل إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أعطه عسلاً، فذهب وأمر أخاه أن يتناول العسل فما برئ، ثم قال: يا رسول الله! إن أخي يشتكي بطنه، فقال: أعطه عسلاً ثلاث مرات، ثم أتى وقال: يا رسول الله! ما برئ، قال: صدق الله وكذبت بطن أخيك)، أي: صدق الله الذي قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]، وكذبت بطن أخيك، وهذا الكذب كذب عملي؛ لأن الرجل لم يتناول الجرعة المناسبة للداء، لا أن العسل ليس فيه شفاء، وإنما القدر اللازم من تناول العسل لم يكتمل، فلذلك ضعفت الكمية المتعاطاة عن مقاومة الداء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله، ولم يقل: برئ، للدلالة على أن الشافي هو الله ، وأن الدواء هذا ما هو إلا سبب، وربما تناول المرء الدواء بطريقة لائقة وبكمية لائقة، ولكن الله تعالى ما أراد له الشفاء، فالشافي أولاً وآخراً هو الله ، والدواء سبب وربما يتخلف، ولذلك حرم الشرع على العبد أن يعتقد أن الشفاء بغير يد الله ، وجعله باباً من أبواب الشرك، والعلماء دائماً يقولون: الاعتماد على الأسباب شرك بالله ، وترك الأسباب قدح في التوحيد؛ لأن من توحيد الله : أن تتعاطى تلك الأدوية التي أمرك بها.
قا
стр. 416
الجهل داء وشفاؤه السؤال
وقد جعل النبي ﷺ الجهل داءً، وجعل علاجه العلم والسؤال؛ لأنه المعاكس له، بل إن أعظم داء أن يعيش المرء ويرضى ويخضع بأن يعيش حياة الجهل والجهالة طيلة حياته ولا يتعلم، وقد أوجب الله تعالى على الجاهل أن يسأل، وأوجب على العالم بأن يجيب، فقال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، وأهل الذكر هم أهل العلم.
وقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، أي: إن كنتم تجهلون، فهذه الآية فيها أمران: الأمر الأول للجاهل بأن يسأل، والأمر الثاني للعالم بأن يجيب، وهذه سنة الله تعالى في الخلق وفي الكون، وقد جرى عليها خلقه منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى قيام الساعة، أن الجاهل دائماً يعلم أن حاجته وأن ملاذه عند العالم إذا ما حزبه أمر.
قال رحمه الله تعالى: [وقد جعل النبي ﷺ الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء، فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه)]، أي: جرح في رأسه.
قال: (ثم احتلم) أي: أصابته الجنابة في ليله أو في نومه.
قال: (فسأل أصحابه) وهنا تشعر بأهمية طرح المسألة على العالم، فهذا الرجل رغم ما أصابه فإنه مأمور بأن يسأل أهل العلم.
قال: (فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟) أي: هل إذا تيممت خرجت مما أنا فيه؟ قال: (قالوا: ما نجد لك رخصة)، أي: ليس لك رخصة.
قالوا: (وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات)، أي: ما دمت تجد الماء فيجب عليك الغسل، وهذا الذي يعرفه العامة من أنه إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذا الكلام وإن كان صحيحاً لكنه ناقص؛ لأن التيمم يجب عند فقد الماء كما يجب عند وجود الماء، كأن لا يقدر على استعماله، بأن يكون بينه وبين الماء عدو يخافه، فحينئذ جاز له التيمم، ومثله المحبوسون في السجن، فكثيراً ما يمنع عنهم الطعام والشراب والماء، ولو كان الهواء بأيديهم لمنعوه، ولكنها رحمة الله تعالى، وكذلك الرجل المريض يؤذيه استعمال الماء، ففي هذه الحالة يلزمه التيمم، وهذا الذي لا يعرفه كثير من الناس.
إذاً: التيمم واجب عند فقد الماء، أو عند وجود الماء وعدم القدرة على استعماله أي: عند عدم القدرة الحسية والمعنوية.
قال: (قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات.
قال جابر: فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله) أي: تسببوا في قتله، ثم دعا عليهم ﵊، إذ قالوا على الله تعالى بغير علم، فكان ذلك سبباً في قتل صاحبهم، ولكن هذا القتل لا يقاد به القاتل؛ لحسن نيته وعمله بما يعلم.
(فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟) وهنا موطن الشاهد، أي: هلا سألوا إذ لم يعلموا، ثم قال: (إنما شفاء العي السؤال) والعي هو: الجهل، والعيي: هو الجاهل الذي لا يقدر أن يفصح عن مكنون نفسه، يقال: فلان عيي، أي: لا قدرة له على الكلام والإفصاح.
وقوله: (فإنما شفاء العي السؤال)، أي: إنما دواء الجاهل أن يسأل.
ثم قال: (إنما كان يكفيه)، وهذه الزيادة محل نظر عند أهل العلم، قال: (أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)، وهذا باب آخر من أبواب الطهارة يورده العلماء تحت باب المسح على الجبيرة، فلو أن إنساناً كسر أو شج فربط على كسره بخرقة، ثم أصابته جنابة، وأراد يصلي فماذا عليه؟ قال بعضهم: إنما يكفيه التيمم.
وقال بعضهم: يغسل سائر أعضائه ويمسح على الجبيرة، وهذا أشهر الآراء عند العامة.
أما المذهب الراجح في هذه المسألة بغير تفصيل فهو الجمع بين التيمم والوضوء، أي: يتيمم من ربط الجبيرة على ذراعه، ثم يغسل سائر أعضائه ويمسح على الجبيرة، وهذا جمع بين المذهبين الأولين.
стр. 417
القرآن شفاء
قال ﵀: [فأخبر أن الجهل داء، وأن الشفاء هو السؤال.
وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]] أما الذين كفروا به، أو شكوا فيه وارتابوا فكيف ينفعهم حينئذ؟ ولذلك لا يصلح القرآن قط أن يكون محلاً للتجارب، فبعض الناس يقول: أنتم جربتم كل المناهج الأرضية والقوانين السفلية فجربوا القرآن الكريم، وهذا كلام في غاية الخطورة، لذا لابد أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا حل إلا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، وأن هذا المنهج هو وحده المنهج الذي يحمل بين طياته وبين صفحاته الهداية للعالمين: عالم الإنس وعالم الجن.
قال: [وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]]، و (من) ههنا لا تفيد التبعيض، وإنما تفيد الجزم، وكأن تقدير الآية: وننزل القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
أما أن يعتقد أن بعض القرآن شفاء وبعض القرآن هدىً وبعض القرآن رحمة وما دون ذلك من القرآن ليس فيه شفاء ولا هدىً ورحمة فهذا لم يرده الله من العباد، ولا أراده من كلامه هذا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، أي: القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين، ولذلك يحلو لي أن أقول: إن بعض أهل اللغة يقولون بالحروف الزائدة في القرآن الكريم، وإن كان يترجح لدي أنه ليس هناك حرف زائد في القرآن، وإنما زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فكيف ذلك؟ كما لو قلت: ما جاءنا من بشير، التقدير: ما جاءنا بشير، لكن هناك فرق بين الأمرين: الأول: قوله: (ما جاءنا بشير) ينفي أن يكون قد أتاه بشير، لكن ربما أتاه بشيران أو ثلاثة أو أربعة، فالنفي للمذكور فحسب.
الثاني: قوله: (ما جاءنا من بشير) نفي لجنس البشير، أي: ما أتانا بشير قط، لا واحد ولا أكثر منه، وهذا ما لا يفيده الأول، هنا قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢] تأكيد؛ لأن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين الذين آمنوا به.
وكذلك يحلو لي أيضاً أن أنبه إلى أن كثيراً من الذين أصيبوا بداء الوسوسة، أو بداء السحر ومس الشياطين لا علاج لهم إلا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، لكن لابد أن يكون الفاعل -أي: المعالج- صاحب همة عالية، كما أن المريض لابد أن يعتقد اعتقاداً جازماً بأن الشفاء بكتاب الله، لكن لو أن الفاعل لا همة له؛ فإنه لا يكون له تأثير في العلاج، وكذلك المعالج -المريض- إذا لم يكن يؤمن بهذا الكتاب إيماناً جازماً، واعتقاداً قلبياً وعملاً بالجوارح؛ فإنه لا ينفعه العلاج، ليس لعلة في كتاب الله تعالى -معاذ الله- وإنما لعلة في الفاعل أو في المفعول به، أي: في المعالج.
стр. 418
الرقية بالفاتحة
قال ﵀: [وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها)، والنفر هم: الجماعة من الناس، أو الرهط من الناس، ويكونون من الثلاثة إلى العشرة.
قال: (حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم)، أي: أن أصحاب النبي ﵊ أرادوا أن ينزلوا في ضيافة هذا الحي من أحياء العرب، قال: (فأبوا أن يضيفوهم)، أي: رفضوا ضيافتهم، قال: (فلدغ سيد ذلك الحي)، أي: لدغته عقرب، قال: (فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء)، أي: طلبوا له العلاج بكل سبيل فما أفلحوا.
قال: (فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا)، أي: الذين نزلوا في ضيافتكم أو قريباً منكم قال: (لعله أن يكون عند بعضهم شيء)، أي: شيء من العلاج.
قال: (فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط! إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي)، أي: أنا أستطيع أن أستخدم الرقية، ولا علاج لسيدكم إلا هذا.
قال: (ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لي جعلاً)، أي: تجعلوا لي حظاً ونصيباً.
قال: (فصالحوهم على قطيع من الغنم)، أي: اتفقوا معهم على أنه لو برئ أخذوا منهم قطيعاً من الغنم.
قال: (فانطلق يتفل عليه)، أي: يتفل على ذلك السيد الذي لدغ، والتفل هو النفخ الذي معه شيء يسير جداً من الريق.
قال: (ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢])، أي: ليست هذه الآية فحسب، بل يقرأ بفاتحة الكتاب كلها.
قال: (فكأنما نشط من عقال)، أي: كأن هذا السيد محبوس ومربوط ومقيد من قدمه في حال مرضه، فلما قرئت عليه الفاتحة انطلق يمشي، وهذا كناية عن ذهاب الداء تماماً والبرء إلى أكمل حد.
قال: (فانطلق يمشي وما به قلبة)، أي: وما به علة ولا آفة.
قال: (فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه)، أي: أعطوهم القطيع من الغنم.
قال: (فقال بعضهم: اقتسموا)، أي: دعونا نوزع الغنائم هذا المال.
قال: (فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان)، وهذا أدب جم، أي: الرجوع إلى الإمام والعالم دائماً ليفتي في هذه المسائل.
قال: (فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية؟)، وكأن النبي استعجب جداً أن يلهم أحد أصحابه أن الفاتحة رقية، مع علمه ﵊، بأنها رقية، وإنما علم صاحبه أنها رقية لأنها من القرآن، بل هي أم الكتاب، وإذا كان الكتاب والقرآن فيه شفاء وهدىً ورحمة للمؤمنين فهذا يدل على أن الفاتحة من باب أولى.
وبعض القرآن أعظم من بعض، وكلام الله كله عظيم، لكن بعضه أعظم من بعض، ولذلك قال النبي ﵊ لـ أبي بن كعب أبي المنذر: (يا أبا المنذر! أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟)، وهذه دلالة واضحة على أن بعض القرآن أعظم من بعض.
قال: (فقلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخر آية الكرسي.
فقال النبي ﵊: ليهنك العلم أبا المنذر)، أي: هنيئاً لك العلم، قد أصبت جواباً على السؤال، وأعظم سورة في القرآن على الإطلاق: سورة الإخلاص، لأن كل جزئياتها احتوت على توحيد الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، فهي أعظم سورة تكلمت عن ذات الله تعالى، وعن أوصاف الله تعالى، وعن أسماء الله تعالى.
قال: ثم قال النبي ﵊: (قد أصبتم)، أي: أحسنتم أنكم رقيتم بالقرآن وبفاتحة الكتاب.
قال: (اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً)، فانظر إلى هذه المشاركة النبوية في أسهم العلاج، مع أن النبي ﵊ لم يشارك، وإنما قال: (اضربوا لي معكم بسهم) من باب المشاركة الوجدانية للدلالة على صحة العمل، وأنه لا شبهة فيه.
وفي الحديث فائدة عظيمة جداً، وهي: جواز أخذ الأجرة على القرآن، وجواز أخذ الأجرة في التداوي والتطبيب، وجواز أخذ الأجرة في التعليم والتعلم، وكل ذلك جائز بلا خلاف بين أهل العلم، ولذلك: (أتت امرأة إلى النبي ﵊ وقالت: يا رسول الله! وهبت لك نفسي، فأعرض عنها، فأعادت عليه ثلاث مرات، فقال رجل من أص
стр. 419
شروط تحقق الشفاء
قال ﵀: [ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له]، أي: إذا كنا نقول: إن العلاج بالقرآن هو أفضل العلاج وأحسن التداوي؛ فلا بد أن يتفطن المعالج -بكسر اللام الأولى- والمعالج -بفتح اللام الثانية- إلى أمور عدة.
قال: [وهو أن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية]؛ لأنها كلام الله ، وهذا أول شرط، أي: أن نعتقد اعتقاداً جازماً بأن كلام الله تعالى كله شفاء.
قال: [ولكن تستدعي قبول المحل]، وهذا هو الشرط الثاني، فإذا كنا نعتقد أن هذا الدواء الذي وصفه الطبيب هو في ذاته بإذن الله تعالى شفاء، أو هو سبب قوي للشفاء، فلابد أن يتناسب مع المحل، أي: مع العلة أو المرض أو بدن المعلول، حتى يكون هناك توافق وتطابق وتناسب بين الداء والدواء.
قال: [وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء]، فلو أن إنساناً أصيب بحمى، وعلاج الحمى موجود عند أي طبيب، فيصف كيت وكيت من الدواء، وهذا شيء محفوظ ومتفق عليه، ثم أخذه هذا المعلول، لكنه لم ينفع معه؛ لعدم قبول طبيعة هذا المنفعل أو هذا المعلول لذلك الدواء، لذا كان انتفاع البدن بحسب ذلك القبول، ولو أنك قلت لرجل مسحور أو ملبوس أو أصابه جان: يا فلان! أنت عندك من المعاصي كيت وكيت، أتصلي؟ يقول: أنا لا أصلي، كيف لا تصلي؟! إذاً لا ينفع معك العلاج إلا إذا كنت مؤمناً بالله وملتزماً أحكامه وشرعه، فيقول: يكفي، لا أريده.
وآخر يقول: على أية حال أنا رحت إلى أكثر من مائة طبيب وكلهم قالوا لي: أنت ما عندك شيء، لا علة محسوسة ولا غيرها، وإنما اذهب إلى من يعالجونك بالقرآن.
لذا لابد أن يكون عنده اعتقاد جازم بأن هذا القرآن ينفع، لا أن يجرب فقط.
قال: [فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول] فإذا كان القبول في كتاب الله تعالى (١٠٠%) نفع معه (١٠٠%)، وإذا كان أقل من ذلك -تسعين ثمانين سبعين خمسين صفراً- كان الانتفاع بالقرآن على قدر القبول.
وعليه فالعلة ليست في كتاب الله، وإنما هي في المنتفع بكتاب الله على حسب اعتقاده في كلام الله تعالى، قال: [وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء برئ المريض بإذن الله تعالى]، أي: إذا كان القبول قبولاً جيداً، ووافق الداء الدواء، وكان للمعالج -بكسر اللام الثالثة- نفس فعالة وقوة تأثيرية كبيرة، وكل هذه تدل على التناسب العظيم بين الداء والدواء، فلابد أن يبرأ بإذن الله تعالى، لأن النبي يقول: (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله)، وهنا إصابة من كل وجه، فلا بد أن يقع الشفاء بإذن الله تعالى.
стр. 420
أسباب تخلف أثر الدعاء
وكذلك من الأدوية التي جعلها الله علاجاً لكثير من الأدواء: الدعاء، قال: [وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره -تدعو فلا يستجاب لك- إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان]، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، فيقول مثلاً: اللهم أهلك والدي! ثم لم يهلك الوالد، وعاش مدة من الزمان، فيقول: قد دعوت الله فلم يستجب لي؛ لأنه دعاء لا يحبه الله ولا يرضاه، بل ثبت عن النبي ﵇ أنه قال: (دعوة الوالد على ولده لا ترد).
وفي رواية: (دعوة الوالد لولده لا ترد)، أما الولد إذا دعا على أبيه فهذا من الإثم والعدوان.
قال: [وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً].
أي: إن أتيت بقوس، ووضعت فيه السهم، فلابد أن يكون القوس مشدوداً على آخره حتى يصيب السهم الهدف، فإن كان القوس رخواً فلابد أن يخرج السهم رخواً، وبالتالي لا يصيب الهدف، مع أن السهم قد انطلق، لكن ليس الانطلاق المطلوب، وإنما أقل من المطلوب، وكذلك إذا كان القلب مشغولاً لاهياً عن الله ، أو كان الداعي غافلاً عن مطلوبه وعن حاجته التي يدعو الله بأن يقضيها له، فكيف يستجيب الله تعالى له؟! قال ﵀: مع أن النبي ﷺ يقول كما عند الحاكم والترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)، أي: ادعوا الله وأنتم على يقين بأن الله تعالى يقبل دعاءكم، (واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلب غافل لاه).
وربما ذهب المرء إمعاناً في غفلته يدعو لنفسه فيدعو على نفسه؛ لأنه لا يفكر بدعائه، بل يقوله مجرد كلام محفوظ، ولو سألته: بم دعوت؟ وكيف دعوت؟ فربما لا يذكر أنه دعا، أو يقول: أنا دعوت، ولكني لا أذكر ماذا قلت؛ لأنه كان في غفلة، أما الذي جمع قلبه على الله ، وأيقن بدعائه ودعواته علم كيف دعا الله؟ وبماذا دعا الله ؟ أما القلب الغافل الساهي اللاهي عن الله ، وعن طلبه لله تعالى بأن يرفع عنه الضر، ويكشف عنه الغم، فهذا جدير بألا يقبل له دعاء.
قال ﵀: [فهذا دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته.
وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: (يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)]، أما الخبيث الذي يريد أن يتصدق به المرء فإن الله لا يقبله، كمن يسرق ليتصدق، وهو غني عن هذا، وحري أن يلزم طاعة ربه، والله تعالى غني عن صدقته.
وهذا قد عمل بقاعدة لا علم لأهل الإسلام بها، وهي: أن الغايات تبرر الوسائل.
وهذه القاعدة تناقض أصولاً شرعية كثيرة، لذا لابد أن يكون الغرض مشروعاً، وكذلك الوسيلة مشروعة، فشرعية الوسيلة لا تقل أهمية عن شرعية الغرض، ولا بد أن يكون كل منهما مشروعاً، وإلا فلا يقبله الله .
قال: [(إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)]، أي: أن المؤمن مطالب بما طولب به الأنبياء والمرسلون.
قال: [(فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١])، وقال الله تعالى للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]] هناك فرق عظيم جداً بين الآيتين، والقدر المشترك بين المرسلين وبين المؤمنين: أن كلاً منهما مطالب بألا يأكل إلا طيباً، وألا يأكل إلا حلالاً، لكن المرسلين مطالبون بأن يأكلوا من أطيب الطيب، ولذلك عرفت كلمة (طيبات) بـ (أل) المعرفة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١] ولم يقل: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فكأن الألف واللام للعهد، أي: كلوا أيها الرسل من الطيبات التي تعلمون أنها الطيبات المعنية في الآية.
ثم وسع دائرة الطيبات للمؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ولم يقل: كلوا من الطيبات اللاتي رزقناكم، وإنما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة:١٧٢]، فالطيبات نكرة في سياق الإثبات تفيد العموم، أي: عموم الطيبات حلال لنا، أما بالنسبة للأنبياء فإنهم يتورعون عن بعض الطيبات، أو عن كثير من الطيبات، ولا ينتقون في طعامهم وشرابهم إلا أطيب الطيب، فهذا هو الفارق بيننا وبين الأنبياء.
قال: [(ثم ذكر النبي صلى الله
стр. 421
مقامات الدعاء مع البلاء
قال: [والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.
وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في مستدركه من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال النبي ﵊: (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض)]، هذا الحديث لا يصح البتة عن النبي ﷺ ، بل هو حديث موضوع.
قال ﵀: [وله مع البلاء ثلاث مقامات]، أي: كيف يتعامل الدعاء مع البلاء، أو كيف يتأثر البلاء بالدعاء، قال: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه]، أي: أن يكون الدعاء قد استجمع أسبابه ومقومات نجاحه، والبلاء يسير ضعيف، فحينئذ إذا دعا المرء ربه بحرارة، وحضور قلب، وترك غفلة، وأكل الطيب في مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه، فحينئذ ويرفع الداء بإذن الله تعالى، فكان نزول هذا البلاء بقدر ودعاء هذا العبد بقدر، فينزل البلاء بقدر ويرفعه الله تعالى بقدر، ويجعل سبب القدر حينئذ دعاءك.
قال: [الثاني: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً].
يعني: أن الدعاء وإن كان ضعيفاً، لكن ربما يكون له بعض التأثير في البلاء، بأن يجعله بلاءً خفيفاً.
قال: [الثالث: أن يتقاوما]، أي: يحصل هناك معالجة وتعالج وتدافع وحرب بين الدعاء والبلاء، قال: [ويمنع كل واحد منهما صاحبه].
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (لا يغني حذر من قدر)] فالحذر من قدر الله، والبلاء من قدر الله، فكل بقدر، لكن إذا جاء القدر كما قال ابن عباس: عمي البصر، فإذا أراد الله تعالى إنفاذ البلاء في عبده أعماه حتى عن الدعاء، وذلك في علم الله الأزلي السابق، فحينئذ ينزل البلاء فيركب بدن العبد.
قال: (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فليقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة)] أي: يتنازعان في السماء إلى يوم القيامة.
قال: [وفيه أيضاً من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)]، لأنه علاج نافع.
قال: [وفيه أيضاً من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء)].
وفي رواية: (لا يرد القضاء إلا الدعاء).
قال: [(ولا يزيد في العمر إلا البر)] وقد تكلمنا من قبل عن زيادة العمر كيف هي؟ قال: [(وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)]، (الرجل) هنا لا مفهوم له، بدليل أن المرأة كذلك يشملها الخطاب، لكن هذا من باب التغليب، ويستفاد من ذلك: أن الذنوب ماحية لبركة الأعمال والأقوال والأرزاق والأحوال، وربما تكون مانعة أصلاً للأرزاق.
стр. 422
أهمية الإلحاح في الدعاء
قال: [ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء، وقد روى ابن ماجة والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يسأل الله يغضب عليه)].
قال الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] فهذا أمر من الله بالدعاء، ووعد من الله بالإجابة، فهنيئاً لمن استجاب لهذا الأمر، وهنيئاً لمن أجابه الله تعالى لطاعته.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، بإجماع المفسرين أن العبادة هنا بمعنى: الدعاء، وكأن معنى الآية: إن الذين يستكبرون عن دعائي.
قوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، أي: صاغرين محتقرين ضعفاء كالذر، كما أخرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال النبي ﵊: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، والحديث صحيح.
قال: [وعند الحاكم -بسند ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً- من حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال: (لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد) وأكثر منه وضعاً ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إن الله يحب الملحين في الدعاء).
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله أن ينجيه.
стр. 423
الآفات المانعة من أثر الدعاء
ومن الآفات كذلك التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً، أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله!] فالذي يبذر بذراً لا بد أن ينتظر مدة من الزمن كافية لإثمار هذا البذر، لكن لو بذر أرزاً أو قطناً أو قمحاً أو برسيماً وتعجل الثمرة في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين، فاستبطأ الثمر ثم لم يثمر شيئاً، ثم ترك الأرض، فإنه لابد أن يموت الزرع؛ لأنه لم يتعاهده، وكذلك المرء يدعو ثم يتعاهد الدعاء، فيدعو ولا يمل ولا يستحسر حتى يثمر الدعاء، والواحد منا لعرض من عرض الدنيا يصبر ربع عمره أو أكثر من ذلك حتى ينال -مثلاً- شهادة من شهادات الدنيا، مشروعة أو غير مشروعة، ولكنه -الشاهد- يصبر على هذه الشهادة، ولذلك كثيراً ما نضرب مثلاً باستعجال طلبة العلم الشرعي على فهم الكتاب والسنة، فيذهبون للدرس أسبوعاً أو أسبوعين، شهراً أو شهرين، عاماً أو عامين، ثم هو يشعر بأنه لم يفهم شيئاً، فيدع طلب العلم الذي هو أشرف مطلوب على الإطلاق ولا شبهة فيه البتة، لذا فمن أراد أن يعمل عملاً لا شبهة فيه، أو يسلك مسلكاً لا شر فيه فعليه بتعلم أحكام الكتاب والسنة، وأن ينخرط في سلك الطلب ويصبر عليه، وأعظم عدة يتسلح بها الطالب الصبر، فما باله يستعجل الثمرة بعد عام أو عامين؟! وإذا سألته: ما هي الشهادة التي حصلت عليها؟ لقال لك مثلاً: التجارة أو الهندسة أو الصناعة أو الطب، ولو سئل: كم قضيت فيها من عمرك؟ فربما كان خمسة عشر عاماً أو عشرين عاماً أو بين ذلك، ولو سئل أيضاً: هل استعجلت الثمرة؟ لقال: لا، فهو منذ أن كان في الابتدائية وهو يمني نفسه أن يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو غير ذلك، فإذا قطع مشواراً أو عاماً أو مرحلة من مراحل تعليمه فرح بدخوله في مرحلة جديدة، وكل ذلك وهو صابر محتسب لأجل الحصول في نهاية ربع العمر أو نصف العمر على شهادة ربما لا ينتفع بها، وربما انتفع بها ونفع بها الآخرين، وليس هذا من باب ذم تلك الشهادات، وإنما نقول: الشاهد أنه صبر عليها، وأولى بالصبر تلك العلوم الشرعية التي فيها الهدى والنور، وهي المعنية أولاً بقوله ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، والمعنية أيضاً بقوله ﵊: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، وغير ذلك مما ورد في فضل العلم.
قال: [وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل -أي: ما لم يستعجل الثمرة- يقول: دعوت، فلم يستجب لي)] فحينئذ يستحسر ويدع الدعاء.
قال: [وعند مسلم من حديث أبي هريرة: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء).
وعند أحمد في المسند من حديث أنس قال: قال النبي ﵊: (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قالوا: يا رسول الله! وكيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب)] وما يدريك أن الله لم يستجب لك؟
стр. 424
صفة العلو لله
صفة العلو لله تعالى من الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه، وأثبتها رسوله ﷺ في سنته، وأثبتها أهل السنة والجماعة كما تليق بجلال الله تعالى من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، بخلاف أهل البدع على اختلاف فرقهم، فمنهم من أوّل الصفات تأويلاً مخالفاً للنصوص الشرعية ومقتضى اللغة، ومنهم من عطل الصفات ونفاها عن الله ، ومنهم من شبه الله بخلقه تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً.
стр. 425
مقتضى الإيمان بصفة العلو والفوقية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن أعظم مطلوب للإنسان أن يتعرف إلى الله الذي خلقه وسواه، ومعرفة الله لا تكون إلا بطريق أوصافه وأسمائه .
فقد اتصف الله بكل صفات الكمال والجلال على سبيل الإطلاق، ولله الأسماء الحسنى، وقد سمى الله نفسه بأحسن الأسماء وأفضلها، فيجب على العبد أن يتعرف إلى الله بما شرع له وأذن له فيه، فإذا تسمى الله باسم لا ينبغي لأحد من العباد أن ينازع الله في هذا الاسم، وإذا اتصف الله بصفة ينبغي الإيمان بها إيماناً جازماً دون خوض، أو شك، أو تردد، أو تخلف، فإن من لم يثبت صفات الله بما وصف به نفسه فليراجع إيمانه مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ومن أسباب ضعف الإيمان المنازعة في خبر الله ولو أدنى منازعة، وأهل الإيمان يقبلون الأمر والخبر وإن لم تستوعبه عقولهم آمنوا به ولم ينازعوا فيه.
فنتعرف إلى الله بصفة من صفاته، وهي: صفة العلو والفوقية، وربما يقول قائل: لماذا هذه الصفة بالذات؟ أقول: إن هذه الصفة ضل فيها خلق كثير، وطرحوا آيات الاستواء وآيات العلو وأحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن إلى غير مراد الله ، وإلى غير ما أراد الرسول ﷺ ، ولذلك انحرفوا عن إثبات صفة العلو والفوقية لله ، فمن الناس من قال: إن إثبات العلو لله يستلزم التحيز والحد والمكان، ومنهم من قال: إن علو الله هو علو قدر ومنزلة وعظمة، ومنهم من قال وهم أهل السنة: إن الله في السماء، مباين لخلقه كما أراد ، ومع أنه عالم ومستو على عرشه، فإنه مع خلقه في كل مكان بعلمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وإحاطته، ونصره، وتأييده، فلا مانع من الجمع بين علو الذات والمعية سواء كانت المعية خاصة أو عامة، خاصة مقيدة بشخص أو بصفة، كما سيتبين لنا أثناء المحاضرة بإذن الله، ولكني أقول كلاماً عاماً: إن هذه الصفة هي أصل صفات الله في الإيمان.
إن من آمن أن الله فوق رأسه لابد وأن يؤمن بأن الله تعالى محيط به، مطلع عليه يعلم سره ونجواه، هذا الذي يدفع العبد إلى أن يحسن عبادة الله ، إذا علمت أن ملكاً من ملوك الأرض -ولله المثل الأعلى- يطلع عليك، بل أدنى من ذلك عبداً من عباد الله يطلع عليك لا يمكن أبداً تقع في محذور يعاتبك عليه هذا العبد، فما بالك بالله ، إذا كنت تؤمن أن الله تعالى مطلع عليك من فوق سبع سماوات، فإنك لا تجرؤ أن ترتكب محارم الملك، ألا وإن لكل ملك محارمه، ومحارم الله تعالى هي حدوده التي حدها لك، ونهاك عن أن تقترب منها أو تقترف منها شيئاً.
следующие страницы →