← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مقامات الدعاء مع البلاء قال: [والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في مستدركه من حديث علي بن أبي طالب ﵁، قال النبي ﵊: (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض)]، هذا الحديث لا يصح البتة عن النبي ﷺ ، بل هو حديث موضوع. قال ﵀: [وله مع البلاء ثلاث مقامات]، أي: كيف يتعامل الدعاء مع البلاء، أو كيف يتأثر البلاء بالدعاء، قال: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه]، أي: أن يكون الدعاء قد استجمع أسبابه ومقومات نجاحه، والبلاء يسير ضعيف، فحينئذ إذا دعا المرء ربه بحرارة، وحضور قلب، وترك غفلة، وأكل الطيب في مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه، فحينئذ ويرفع الداء بإذن الله تعالى، فكان نزول هذا البلاء بقدر ودعاء هذا العبد بقدر، فينزل البلاء بقدر ويرفعه الله تعالى بقدر، ويجعل سبب القدر حينئذ دعاءك. قال: [الثاني: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً]. يعني: أن الدعاء وإن كان ضعيفاً، لكن ربما يكون له بعض التأثير في البلاء، بأن يجعله بلاءً خفيفاً. قال: [الثالث: أن يتقاوما]، أي: يحصل هناك معالجة وتعالج وتدافع وحرب بين الدعاء والبلاء، قال: [ويمنع كل واحد منهما صاحبه]. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (لا يغني حذر من قدر)] فالحذر من قدر الله، والبلاء من قدر الله، فكل بقدر، لكن إذا جاء القدر كما قال ابن عباس: عمي البصر، فإذا أراد الله تعالى إنفاذ البلاء في عبده أعماه حتى عن الدعاء، وذلك في علم الله الأزلي السابق، فحينئذ ينزل البلاء فيركب بدن العبد. قال: (لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فليقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة)] أي: يتنازعان في السماء إلى يوم القيامة. قال: [وفيه أيضاً من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)]، لأنه علاج نافع. قال: [وفيه أيضاً من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء)]. وفي رواية: (لا يرد القضاء إلا الدعاء). قال: [(ولا يزيد في العمر إلا البر)] وقد تكلمنا من قبل عن زيادة العمر كيف هي؟ قال: [(وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)]، (الرجل) هنا لا مفهوم له، بدليل أن المرأة كذلك يشملها الخطاب، لكن هذا من باب التغليب، ويستفاد من ذلك: أن الذنوب ماحية لبركة الأعمال والأقوال والأرزاق والأحوال، وربما تكون مانعة أصلاً للأرزاق.

стр. 422

أهمية الإلحاح في الدعاء قال: [ومن أنفع الأدوية: الإلحاح في الدعاء، وقد روى ابن ماجة والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يسأل الله يغضب عليه)]. قال الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] فهذا أمر من الله بالدعاء، ووعد من الله بالإجابة، فهنيئاً لمن استجاب لهذا الأمر، وهنيئاً لمن أجابه الله تعالى لطاعته. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، بإجماع المفسرين أن العبادة هنا بمعنى: الدعاء، وكأن معنى الآية: إن الذين يستكبرون عن دعائي. قوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، أي: صاغرين محتقرين ضعفاء كالذر، كما أخرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال النبي ﵊: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، والحديث صحيح. قال: [وعند الحاكم -بسند ضعيف جداً إن لم يكن موضوعاً- من حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال: (لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد) وأكثر منه وضعاً ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إن الله يحب الملحين في الدعاء). وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورق: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله أن ينجيه.

стр. 423

الآفات المانعة من أثر الدعاء ومن الآفات كذلك التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً، أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله!] فالذي يبذر بذراً لا بد أن ينتظر مدة من الزمن كافية لإثمار هذا البذر، لكن لو بذر أرزاً أو قطناً أو قمحاً أو برسيماً وتعجل الثمرة في أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين، فاستبطأ الثمر ثم لم يثمر شيئاً، ثم ترك الأرض، فإنه لابد أن يموت الزرع؛ لأنه لم يتعاهده، وكذلك المرء يدعو ثم يتعاهد الدعاء، فيدعو ولا يمل ولا يستحسر حتى يثمر الدعاء، والواحد منا لعرض من عرض الدنيا يصبر ربع عمره أو أكثر من ذلك حتى ينال -مثلاً- شهادة من شهادات الدنيا، مشروعة أو غير مشروعة، ولكنه -الشاهد- يصبر على هذه الشهادة، ولذلك كثيراً ما نضرب مثلاً باستعجال طلبة العلم الشرعي على فهم الكتاب والسنة، فيذهبون للدرس أسبوعاً أو أسبوعين، شهراً أو شهرين، عاماً أو عامين، ثم هو يشعر بأنه لم يفهم شيئاً، فيدع طلب العلم الذي هو أشرف مطلوب على الإطلاق ولا شبهة فيه البتة، لذا فمن أراد أن يعمل عملاً لا شبهة فيه، أو يسلك مسلكاً لا شر فيه فعليه بتعلم أحكام الكتاب والسنة، وأن ينخرط في سلك الطلب ويصبر عليه، وأعظم عدة يتسلح بها الطالب الصبر، فما باله يستعجل الثمرة بعد عام أو عامين؟! وإذا سألته: ما هي الشهادة التي حصلت عليها؟ لقال لك مثلاً: التجارة أو الهندسة أو الصناعة أو الطب، ولو سئل: كم قضيت فيها من عمرك؟ فربما كان خمسة عشر عاماً أو عشرين عاماً أو بين ذلك، ولو سئل أيضاً: هل استعجلت الثمرة؟ لقال: لا، فهو منذ أن كان في الابتدائية وهو يمني نفسه أن يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو غير ذلك، فإذا قطع مشواراً أو عاماً أو مرحلة من مراحل تعليمه فرح بدخوله في مرحلة جديدة، وكل ذلك وهو صابر محتسب لأجل الحصول في نهاية ربع العمر أو نصف العمر على شهادة ربما لا ينتفع بها، وربما انتفع بها ونفع بها الآخرين، وليس هذا من باب ذم تلك الشهادات، وإنما نقول: الشاهد أنه صبر عليها، وأولى بالصبر تلك العلوم الشرعية التي فيها الهدى والنور، وهي المعنية أولاً بقوله ﵊: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، والمعنية أيضاً بقوله ﵊: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)، وغير ذلك مما ورد في فضل العلم. قال: [وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل -أي: ما لم يستعجل الثمرة- يقول: دعوت، فلم يستجب لي)] فحينئذ يستحسر ويدع الدعاء. قال: [وعند مسلم من حديث أبي هريرة: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء). وعند أحمد في المسند من حديث أنس قال: قال النبي ﵊: (لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل، قالوا: يا رسول الله! وكيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب)] وما يدريك أن الله لم يستجب لك؟

стр. 424

صفة العلو لله صفة العلو لله تعالى من الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه، وأثبتها رسوله ﷺ في سنته، وأثبتها أهل السنة والجماعة كما تليق بجلال الله تعالى من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، بخلاف أهل البدع على اختلاف فرقهم، فمنهم من أوّل الصفات تأويلاً مخالفاً للنصوص الشرعية ومقتضى اللغة، ومنهم من عطل الصفات ونفاها عن الله ، ومنهم من شبه الله بخلقه تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً.

стр. 425

مقتضى الإيمان بصفة العلو والفوقية إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن أعظم مطلوب للإنسان أن يتعرف إلى الله الذي خلقه وسواه، ومعرفة الله لا تكون إلا بطريق أوصافه وأسمائه . فقد اتصف الله بكل صفات الكمال والجلال على سبيل الإطلاق، ولله الأسماء الحسنى، وقد سمى الله نفسه بأحسن الأسماء وأفضلها، فيجب على العبد أن يتعرف إلى الله بما شرع له وأذن له فيه، فإذا تسمى الله باسم لا ينبغي لأحد من العباد أن ينازع الله في هذا الاسم، وإذا اتصف الله بصفة ينبغي الإيمان بها إيماناً جازماً دون خوض، أو شك، أو تردد، أو تخلف، فإن من لم يثبت صفات الله بما وصف به نفسه فليراجع إيمانه مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، ومن أسباب ضعف الإيمان المنازعة في خبر الله ولو أدنى منازعة، وأهل الإيمان يقبلون الأمر والخبر وإن لم تستوعبه عقولهم آمنوا به ولم ينازعوا فيه. فنتعرف إلى الله بصفة من صفاته، وهي: صفة العلو والفوقية، وربما يقول قائل: لماذا هذه الصفة بالذات؟ أقول: إن هذه الصفة ضل فيها خلق كثير، وطرحوا آيات الاستواء وآيات العلو وأحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن إلى غير مراد الله ، وإلى غير ما أراد الرسول ﷺ ، ولذلك انحرفوا عن إثبات صفة العلو والفوقية لله ، فمن الناس من قال: إن إثبات العلو لله يستلزم التحيز والحد والمكان، ومنهم من قال: إن علو الله هو علو قدر ومنزلة وعظمة، ومنهم من قال وهم أهل السنة: إن الله في السماء، مباين لخلقه كما أراد ، ومع أنه عالم ومستو على عرشه، فإنه مع خلقه في كل مكان بعلمه، وسمعه، وبصره، وقدرته، وإحاطته، ونصره، وتأييده، فلا مانع من الجمع بين علو الذات والمعية سواء كانت المعية خاصة أو عامة، خاصة مقيدة بشخص أو بصفة، كما سيتبين لنا أثناء المحاضرة بإذن الله، ولكني أقول كلاماً عاماً: إن هذه الصفة هي أصل صفات الله في الإيمان. إن من آمن أن الله فوق رأسه لابد وأن يؤمن بأن الله تعالى محيط به، مطلع عليه يعلم سره ونجواه، هذا الذي يدفع العبد إلى أن يحسن عبادة الله ، إذا علمت أن ملكاً من ملوك الأرض -ولله المثل الأعلى- يطلع عليك، بل أدنى من ذلك عبداً من عباد الله يطلع عليك لا يمكن أبداً تقع في محذور يعاتبك عليه هذا العبد، فما بالك بالله ، إذا كنت تؤمن أن الله تعالى مطلع عليك من فوق سبع سماوات، فإنك لا تجرؤ أن ترتكب محارم الملك، ألا وإن لكل ملك محارمه، ومحارم الله تعالى هي حدوده التي حدها لك، ونهاك عن أن تقترب منها أو تقترف منها شيئاً.

стр. 426

فوائد الإيمان بأسماء الله وصفاته فأول فائدة من فوائد الإيمان بأسماء الله وصفاته: أنها تقيم العبد على حسن العبادة، وحسن التقوى، وحسن المراقبة لله ، خاصة صفة العلو، فإن من آمن بأن الله تعالى مستو على عرشه، فلابد وأن يؤمن بجميع الصفات بعد ذلك؛ لأنها من جهة العقل أهون من صفة العلو، فإن العقل لا ينازع بأن يكون الله تعالى هو الحكيم، واللطيف، والخبير، ولكن ينازع في علو الله على خلقه، فإن انطبع جدار العقل الخرب، وآمن بأن الله في عليائه، مستو على عرشه مطلع على خلقه سهل عليه بعد ذلك أن يؤمن بكل صفة من صفاته، وبكل اسم من أسمائه ، فهذه فوائد سلوكية، عملية. ربما يقول قائل أيضاً: لسنا بحاجة إلى هذا الموضوع خاصة في هذه الأيام؟ و الجواب إننا بأمس الحاجة لأن نؤمن بكل صفة من صفات الله ، وبكل اسم من أسمائه خاصة في هذه الأيام، فلو أن الحكام يؤمنون بأن الله تعالى هو صاحب الشرع، ولا أحد يشرع غيره، فإن من شرع للبشر وحكم بما شرع فقد كفر، وآمنوا بأن الله تعالى الذي خلق الخلق هو أعلم بهم، وهو اللطيف الخبير، لم يجرءوا على أن يشرعوا من دون الله ولو في أتفه المسائل، فلما اختاروا أن تحل شرائع الكفر مكان شريعة الرحمن، دل بهذا على أنهم كفروا بالله، ودل ضميرهم هذا على أنهم لم يعتقدوا أن الله تعالى هو الذي خلق الخلق وشرع لهم سبحانه تعالى. فلو أن الناس آمنوا أن الله تعالى هو الحكم وهو اللطيف، وهو الخبير، وهو الذي يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، لسلموا وآمنوا بأنه لا حكم إلا لله، ولا شريعة إلا شريعة الله ، فلما غابت عنهم هذه المعاني الإيمانية، وحل محلها الكفر والضلال آثروا حثالات العقول البشرية على شريعة الرحمن . الشاهد من هذه الكلام كله أنه يجب الإيمان بالله عن طريق الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو أنك تتبعت الأسماء والصفات اسماً اسماً، وصفة صفة، لوجدت في كل اسم وصفة من المعاني ما لا يحصيه إلا الله ، ولو علمتم ما في أسماء الله وصفاته من معان لكان وجه الأرض غير وجه الأرض الآن، ولكنه الكفر الذي حل ودب بالقلوب فغير حياة الناس، وغير البشرية، بل وغير وجهة الأرض جميعاً مما كان عليه الصحابة الذين كانوا يؤمنون بأسماء الله وصفاته، والذي أورثهم هذا أشد المراقبة وأقواها لله ، فلما غابت عنا هذه المعاني جميعاً وقعنا فيما لم يقع فيه السلف؛ لأنهم آمنوا بما لم نؤمن به نحن.

стр. 427

الأدلة من القرآن على إثبات صفة العلو لله تعالى إن صفة العلو هي أصل صفات الله ، وصفة العلو ثابتة بالكتاب والسنة، وآثار السلف بل وبالمعقول كذلك، فإن العقل إذا أدرك أن الله في ذاته مغاير ومباين لخلقه، لابد وأن ندرك أن علو الله كذلك بل وجميع صفات الله لابد أن تكون مغايرة ومباينة لصفات المخلوقين، فكما أن الخالق يختلف عن المخلوق في الذات فلابد وأن تختلف صفات الذات لله عن صفات المخلوقين، وهذا لازم الأمر، وإذا كنت تعتقد أن الله غير الخلق في ذاته فلابد وأن تعتقد أن صفات الله مختلفة عن صفات المخلوقين، فإذا كان الله متصفاً بالرحمة، والخلق متصفين بالرحمة، فلابد أن تعلم أن رحمة الله غير رحمة الخلق، وقس على هذه بقية الأسماء والصفات. فالعلو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وثابت بأخبار السلف والمعقول كذلك، فلو نظرنا إلى الكتاب لوجدنا أن هناك آيات كثيرة تدل على علو الله . وعلو الله نازع فيه الناس، ونازعت فيه الفرق، وأول من أنكر علو الله علواً ذاتياً على خلقه هم الجهمية.

стр. 428

الدليل الأول أول آية تثبت علو الله هي قوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، هذه الآية صريحة بمنطوقها بأن الله هو الأعلى، ولا شك أن الأعلى فوق العلي؛ لأن الأعلى أقوى في الدلالة من العلي، والنبي ﵊ شرع لنا أن نقول في سجودنا: (سبحان ربي الأعلى)، فبعض الناس نازع وقال: العلو هنا هو علو منزلة ومكانة، وسيأتي الرد على هذه الشبهة وهذا الزعم وهذا القول، فإن الله متصف بصفات الكمال من كل الوجوه، فهو صاحب العلو المطلق من كل وجه، فهو متصف بعلو شرف، وعلو ذات، وعلو قدر، وعلو رتبة. وأما حمل هذا اللفظ على نوع معين من أنواع العلو هذا تحكم بلا دليل، وتخصيص بلا مخصص، والأولى إطلاق هذه الصفة وهذا اللفظ لله من كل الوجوه، وأن تثبت لله صفة العلو من كل الوجوه. يقول الإمام سعد بن علي الزنجاني ﵀: قد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة. والإمام أبو سعيد الدارمي من كبار أئمة أهل السنة قال في كتاب له: إجماع من الأولين والآخرين، العالمين منهم والجاهلين، أن كل واحد ممن مضى وممن غبر إذا استغاث بالله تعالى أو دعاه أو سأله يمد يديه وبصره إلى السماء يدعوه منها، ولم يكونوا يشيرون بهما إلى الأرض، ولا إلى أمامهم، ولا إلى خلفهم ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم، وإنما إلى السماء؛ لمعرفتهم بالله أنه فوقهم، حتى اجتمعت الكلمة من المصلين في سجودهم: (سبحان ربي الأعلى)، فلا يقول أحد منهم: سبحان ربي الأسفل. وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة له كتاب عظيم في صفات الله اسمه: (التوحيد وإثبات صفات الرب)، قال فيه: وقال جل وعلا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فالأعلى مفهوم في اللغة أنه أعلى كل شيء، وفوق كل شيء، فلو قلت: العلي لقلت: هناك من هو أعلى، ولو قلت: الأعلى، دل بذلك على أنه لم يكن شيء أعلى منه. وقال الإمام ابن عبد البر عليه رحمة الله: وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وهذا من العلو. فهؤلاء العلماء العظام وغيرهم كثير فهموا الآية على حقيقتها، من أنها تتضمن العلو، غير هذه الحثالة من بقايا الجهمية الذين أنكروا علو الله على خلقه.

стр. 429

الدليل الثاني الآية الثانية في إثبات علو الله : قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، فهذه الآية أثبتت الفوقية لله ، ففي هذه الآية دلالة بينة على أن الله يعلو خلقه بذاته وعظمته، فعلوه محقق مؤكد من كل الجوانب؛ لأن الآية ذكرت القهر، وهو دلالة العظمة، وذكرت الفوقية وهي علو الذات، فأثبت صفة القهر، وصفة الفوقية، فالفوقية تفيد علو الذات، والقهر يفيد العظمة، فأثبت الله لنفسه صفة العظمة وصفة العلو حتى لا يدعي بعد ذلك أحد أن علو الله علو عظمة وعلو شرف فقط، إنما علو الله علو ذات، وعظمة، وشرف، ورتبة.

стр. 430

الدليل الثالث الآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذه الآية نص في الرد على من قال: إن العلو علو عظمة، فالله أثبت لنفسه في هذه الآية صفتين: الصفة الأولى: صفة العلو، والصفة الثانية: صفة العظمة، فقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فلو كان العلو هو علو عظمة لما كان هناك داع من ذكر العظيم، فدل بذلك على أن العلو شيء والعظمة شيء آخر، والعلو صفة، والعظمة صفة أخرى؛ لأن الله تعالى ذكرهما وقرنهما، وعطف الثانية على الأولى والعطف يقتضي المغايرة والتباين. قال ابن أبي العز الحنفي عليه رحمة الله: وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ظل ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه، فله فوقية القهر، وفوقية القدر، وفوقية الذات، ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص، أي: فقد نسب الله إلى النقص، وكل صفات النقص منفية عن الله . وقال الإمام سعيد بن محمد التميمي: وقد أجمع المسلمون أن الله تعالى العلي الأعلى ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فثبت أن لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة. وقال ابن خزيمة: والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه، وأعلمنا أنه العلي العظيم، أفليس العلي يكون عالياً؟ الجواب بلى، فصفة العلو ثابتة لله وهي علو الذات. وقال البغوي عليه رحمة الله في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ [الحج:٦٢]، قال: العالي على كل شيء، فليس فوقه شيء. وقال الشيخ السعدي عليه رحمة الله في تفسيره (تيسير الكريم المنان) في تفسير (العلي) و (الأعلى): وهو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر، فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وله جميع صفات العظمة والكبرياء والجلال، والجمال، وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى.

стр. 431

الدليل الرابع الآية الرابعة: قول الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠]، وهذا أمر لازم، إذا أيقنت أن الله تعالى فوقك فلابد وأن يورثك الخوف منه ، ولا شك أن هذه الآية وردت في ملائكة الرحمن، وأنا وأنت نؤمن بلا نزاع أن ملائكة الله في السماوات، والله فوقهم، فإن الله تعالى خلق سبع سماوات، وفوق السماء السابعة البحر المسجور، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، والله مستو على العرش، والكرسي موضع قدميه كما صح في ذلك الأقوال والأخبار. إذاً: الملائكة في السماوات، والله فوق العرش، وإن لم يقل السلف بذاته إلا أن الأمر لزم بعد عصور السلف، فاضطروا اضطراراً لإثبات العلو الذاتي لله أن يقولوا: إن الله تعالى مستو على العرش بذاته، وهو مع خلقه معية علم وإحاطة وسمع وبصر وإدراك ونصرة وتأييد. فقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] أي: أن الملائكة يخافون الله وهو فوقهم.

стр. 432

الدليل الخامس الآية الخامسة: وهي قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، والذي في السماء كما صح من تفسير ابن عباس حبر الأمة أنه الله ، فلولا أن منَّ الله علينا لخسف بنا. وقال شيخ المفسرين الإمام الطبري عليه رحمة الله في قوله ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]: هو الله. ونقل أبو الفرج بن الجوزي عليه رحمة الله في قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] عن حبر الأمة ابن عباس كذلك أنه قال: أأمنتم عذاب من في السماء وهو الله . وكذلك قرن الحافظ ابن كثير في تفسيره بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء:٦٨]، وهذا القول في إسناد الخسف إلى الله ، وعن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] قال: هو الله ، فإذا أتاك التفسير من جهة ابن عباس ومن جهة مجاهد فكفى بهما، ومجاهد أخذ التفسير عدة مرات عن ابن عباس. وقال القرطبي عليه رحمة الله: قال ابن عباس: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، أي: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه، ولا شك أن الذي ينسب إليه العصيان هو العبد، والعصيان لا يكون إلا لله ، فلا يتصور أن يقصد بالذي في السماء أنه جبريل، أو أنهم الملائكة. قالوا: لو سلمنا بأن الله بالسماء، لوقعنا في التشبيه؛ لأن الله يصبح محوياً والسماء حاوية له، وهذا لا يجوز؛ لأن الله لا يحيط به مخلوق، ف الجواب أن هذا جهل فاضح، فعلو الله لا يستلزم أنه في حيز، ولا أنه محدود، ولا أن شيئاً من خلقه لا الكرسي، ولا العرش، ولا جميع الخلق يحيطون بالله ، فلما كان العرش فوق السماوات قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وحرف الجر (في) س هنا بمعنى (على)، أي: أأمنتم من على السماء؟ فقول فرعون لمن عصاه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] والمعنى: ولأصلبنكم على جذوع النخل؛ لأنه لا يتصور أن يصلب هؤلاء في أصل النخل، وفي جذوع النخل من الداخل وإنما يكون ذلك بالصلب على جذوع النخل. وقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢]، ليس المعنى فسيحوا في بطن الأرض، وإنما هو فسيحوا على الأرض، و (في) هنا تفيد العلو ولا تفيد الظرفية. وقال ابن أبي العز الحنفي: التصريح بأن الله تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد الوجهين: إما أن تكون (في) بمعنى (على)، ويراد بها العلو، وهذا هو المعنى الراجح من المعنيين، لا يختلفون في ذلك ولا يجوز الحمل على غيره. ويقول الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي: والمراد بالسماء هنا ما فوق العرش؛ لأن ما علا يقال له: السماء. وفي (لمعة الاعتقاد) لـ ابن قدامة قال: المعنى الصحيح لكون الله تعالى في السماء أن الله تعالى على السماء، فـ (في) بمعنى (على)، وليست للظرفية؛ لأن السماء لا تحيط بالله، أو أنه في العلو، فالسماء بمعنى العلو، وليس المراد بها السماء المبنية، فالمراد بالسماء هنا الفوقية والعلو. وابن تيمية عليه رحمة الله تعالى يقول: والسماء في قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] اسم جنس العالي، لا يخص شيئاً بعينه، فقوله: (في السماء)، أي: في العلوي دون السفلي، وهو العلي الأعلى، فله أعلى العلو وهو ما فوق العرش. ولشيخ الإسلام ابن تيمية كذلك في (الفتاوى) قوله: من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهمه من اللفظ، ولا رأينا واحداً نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل يفهمون من قول الله ورسوله أن السماء تحوي الله لبادر كل أحد منهم إلى إنكاره، وقالوا: هذا شيء لم يخطر ببالنا، وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئاً محالاً لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند المسلمين أن الله في السماء، وأنه على العرش واحد، إذ السماء إنما يراد بها العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل. إذاً: المقصود أن الله تعالى في السماء ليس في ذات السماء المبنية وإنما في جهة العلو. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لو أثبتنا أن الله في السماء لقلنا بتحيزه، وهذا لا يجوز، إن أراد

стр. 433

الدليل السادس الآية السادسة: وهي قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، فهذا دليل أيضاً على علو الله فوق مخلوقاته، فالصعود لا يكون إلا للأعلى وهو جهة العلو، بخلاف النزول فإنه إلى جهة السفل، وكذلك الرفع كالصعود، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] لم يقل: ينزله أو يأتيه أو يجريه، وإنما قال يرفعه، فالرفع والصعود لا يكون إلا لله في جهة العلو، وهذا أحدث شبهة عند بعض الناس فقالوا: ليس المقصود الصعود وإنما هو كناية عن تقبل الأقوال والأعمال، فالصعود والرفع هنا بمعنى قبول العمل. والرد عليهم يكون بحديث عبد الله بن السائب أن رسول الله ﷺ قال عن وقت يقع بعد الزوال: (إن فيه ساعة تفتح فيها أبواب السماء -ولم يقل: أبواب الأرض- فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح -وحدد المكان- في السماء ترفع إليه الأعمال)، أي: ترفع إلى الله فيه الأعمال ومنه الأعمال، قال: (فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) ففي هذا القول النبوي دليل واضح على أن هذا الصعود على حقيقته وذلك في قوله: (تفتح فيها أبواب السماء) فأبواب السماء تفتح، لأن الصاعد إنما هو صاعد إلى المولى جل في علاه، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: يرفع ذكر العبد إياه وثناؤه عليه.

стр. 434

الدليل السابع الآية السابعة: وهي قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] فالذي يقول: إن العروج هنا إنما هو عروج الملائكة، أو عروج جبريل ﵇ على جهة الخصوص، فهذا التأويل يفسد الآية أيما إفساد، لأن روح القدس هو جبريل ﵇، فهل يتصور أن جبريل يصعد إلى جبريل، والضمير في قوله إليه يعود إلى الله ، فلو كان الصعود والعروج هنا هو عروج الملائكة وعروج جبريل لكان المعنى: تعرج الملائكة وجبريل إلى جبريل، وهذا التأويل يفسد المعنى، فكان الراجح والصحيح من تفسير هذه الآية وتأويلها عند أهل السنة تعرج الملائكة وجبريل إلى الله، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. ويقول الإمام القرطبي: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل ﵇، إليه يعني: إلى الله ، وهاء الضمير في قوله (إليه) عائد على اسم الله. وقال ابن خزيمة: مفهوم عند العرب أن المعارج هي المصاعد، قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل. وقال مجاهد في هذه الآية: يقال: ذي المعارج الملائكة تعرج إلى الله .

стр. 435

الدليل الثامن الآية الثامنة: وهي قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] فالله الذي فوق السماء يدبر الأمر ثم ينزله إلى الأرض، فهاهو ربنا يخبرنا أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ألا يدل ذلك أنه دبر الأمر من فوق حيث هو إلى تحت حيث نحن فسبحان الله! فقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] مسبوق بذكر الاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات السبع، ومعقب عليه بقوله: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] أي: يصعد إلى الله تعالى. قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: أليس معلوماً في اللغة السائرة عند العرب التي خطبنا بها، والتي نزل بها الكتاب أن تدبير أمر السماء إلى الأرض إنما يدبر بها المدبر، وهو في السماء لا في الأرض.

стр. 436

الدليل التاسع الآية التاسعة: وهي قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، والرفع لا يكون إلا لجهة العلو، فقول الله : ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران:٥٥] أي: قابضك إلي، وفي أحد التفسيرات: إني منيمك، أي: سألقي عليك أمنة ونعاساً، وسأقبضك لا قبض الأموات وإنما قبض الأحياء إلي، فأرفعك إلى السماء فتكون عندي، فليس متوفيك هنا بمعنى مميتك، فاعتقاد أهل الملة أن عيسى ﵇ حي وسيبقى حياً إلى أن ينزل في آخر الزمان، فيقتل المسيح الدجال ويضع يده في يد المسلمين، ويحكم بشريعة محمد ﵊، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو بدعوة نبينا محمد ﷺ ، ويصلي في الصف كأحد أفراد هذه الأمة رغم أنف النصارى. فقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] أي: إلى جهة العلو في السماء.

стр. 437

الدليل العاشر الآية العاشرة: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، واستوى هنا متعدية بـ (على) التي تفيد الفوقية، وفسر بعض العلماء أن استوى بمعنى استولى، وهذا التأويل يفسد المعنى أيما إفساد وهو من أخطرها؛ لأن الاستيلاء يستدعي الغلبة، ويستدعي الأخذ والرد، حتى يكتب لأحد المتصارعين أو المتخاصمين الغلبة والاستيلاء، والله كان ولم يكن أحد من خلقه، واستوى على عرشه، قبل أن يخلق السماوات والأرض، فتفسير استوى بمعنى استولى لا يعرفه العرب، إنما نعلم ولا شك أن العرش فوق السماوات السبع، ونعلم أن ربنا عندما خلق الأرض وقدر فيها أقواتها صعد إلى السماء وارتفع حتى علا واستقر على عرشه العظيم، الذي نسبه إليه في غير آية من كتابه، فهو رفيع الدرجات ذو العرش، . فاستوى بمعنى استولى من التفسير الباطل، فمن كان قبل ربكم حتى يغلبه الله ثم يستولي على العرش؟ فهل من مكان لم يستول عليه الله ؟ إذا كان الله استوى على عرشه بمعنى استولى على عرشه، أي: صار له تحكم في العرش، لا يستطيع أحد أن يغلبه ولا أن يغالبه، فلماذا العرش بالذات استولى الله عليه، هذا وجه آخر من الوجوه العقلية للرد على من فسر استوى بمعنى استولى. الرد الأول: أن هذا التفسير لا يعرفه العرب. ثانياً: أن العرب فسروا استوى بمعنى العلو لا بمعنى استولى. ثالثاً: لو كان استوى بمعنى استولى لنسبنا استيلاء الله إلى العرش فقط، في حين أن قهر الله ، وتحكم الله ثابت في جميع الخلق، فلماذا نخصص العرش من بين مخلوقات الله ؟ وقال أبو الحسن الأشعري ﵀: ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما أنهم يحطونها إذا دعوا إلى الأرض. وقد قال قائلون من المعتزلة، والجهمية، والحرورية، في قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: إنه استولى، وملك، وقهر، وأنه في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش وبين الأرض. ونقل داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي وكان من أكابر أهل السنة، فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ قال: هو على عرشه كما أخبر، وهذا كان موقف السلف، كانوا يؤمنون بصفات الله دون خوض، يؤمنون بها هكذا كما جاءت، ويؤمنون بها بلا تأويل ولا تحريف ولا تعطيل. فقال الرجل: ليس كذلك إنما معناه: استولى، فقال ابن الأعرابي: اسكت، وما يدريك ما هذا، العرب لا تقول للرجل: استولى على الشيء، حتى يكون له فيه مضاد، فهل لله في خلقه مضاد؟ ف الجواب لا، فأيهما غلب قيل: استولى، والله تعالى لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر.

стр. 438

الدليل الحادي عشر الآية الحادية عشرة: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، والنزول لا يكون إلا من فوق إلى أسفل، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، فقوله: (الظاهر) ظاهر في إثبات العلو لله ، فالظاهر في اللغة: هو العالي، وهي صفة ربنا الذي يعلو المخلوقات كلها، وليس فوقه شيء، فالظهور هو العلو، ومن ذلك قوله ﵎ عن يأجوج ومأجوج، الذين أرادوا أن يخرجوا بعد أن جعل ذو القرنين بينهم وبين هؤلاء سداً فقال سبحانه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧]، أي: فما استطاعوا أن يعلوه، فالظهور بمعنى العلو. والعمدة في تفسير هذه الآية هو قول النبي ﷺ عندما كان يثني على الله حيث قال: (أنت الأول ليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء،)، ومعنى ذلك أنه هو الذي فسر (الظاهر) بمعنى العلو، ثم قال: (وأنت الباطن فليس دونك شيء)، والباطن هو القريب، والقرب هنا أن الله تعالى هو الذي علم ببواطن الأمور، (اقض عني الدين وأغنني من الفقر)، أما وجوب الأخذ بالظاهر خاصة في كتاب الله ، فإنما ذلك كان ديدن السلف عليهم رحمة الله.

стр. 439

الدليل الثاني عشر الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، ومعية الله معية عامة ومعية خاصة، ومعية الله العامة لكل خلقه الكافر منهم والمؤمن، فقوله تعالى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] هذه معية عامة، فإنه مع خلقه المؤمن منهم والكافر، قال: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، فالآية بدأت بذكر العلم لله وانتهت بذكر علم الله ، مما دل على أن معية الله لخلقه إنما هي معية علم، وسمع، وبصر، وإحاطة، وقدرة، وغلبة. وقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فذكر العلم هنا مرتين، وذكر المعية مرة، دل ذلك على أن معية الله بخلقه إنما هي معية علم. قال الإمام الطبري في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، أي: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم، يعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق السماوات السبع. إذاً: لا منافاة بين علو الذات لله وبين معية الله لخلقه، فإن الله مستو على عرشه بذاته، وهو مع خلقه بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته، وهذه المعية كثيرة في القرآن، ولها أكثر من معنى، وذلك يرجع إلى القرينة التي اقترنت بها. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، أي: إنني معكما بسمعي ورؤيتي، لا بذاتي وحضرتي، فكان ذكر السمع والرؤية بعد المعية قرينة عينت المعنى وبينته. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] كذلك المعية هنا بمعنى الرقابة والاطلاع بالسمع. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤]، فهذه معية خاصة مقيدة بصفة التقوى، فإن الله تعالى مع كل تقي، فالكافرون لا يكون الله معهم مع أن المتقين والكافرين مشتركون من الناحية الذاتية، فلو كان الله بذاته مع أحدهم لكان مع سواه، ثم علمنا أن هذه المعية أنها معية التأييد والنصر لأهل التقوى، ومعية الخذلان لأهل الفجور. ومنه قول الله تعالى على لسان نبيه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فهذه معية خاصة أيضاً ليعلم النبي ﷺ أبا بكر أن الله تعالى معهما بتأييده ونصرته. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، فلو كان الله بذاته لما كان من معنى لهذا التخصيص؛ لأن يكون بذاته عندئذ مع الصابرين وسواهم. ومنه قوله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فالقرينة هنا قرينة الهداية؛ لأنه ذكر الهداية فدل بذلك على أن الله تعالى مع إبراهيم ﵊ معية هداية ونصر وتأييد على أعدائه وعلى حزب الله الكافرين، فنكتفي بهذا القدر من كتاب الله لإثبات معية الله ، ولإثبات فوقية الله على عرشه فوق سماواته.

стр. 440

الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو لله تعالى

стр. 441

الدليل الأول أما أحاديث النبي ﷺ فكثيرة، والتي منها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)، ومناسبة هذا أن علي بن أبي طالب أرسل ذهبية من اليمن، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة نفر من نجد فغضب القرشيون وتضايقوا وقالوا للنبي ﷺ : اتق الله يا محمد، فجاء قوله رداً عليهم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء)، أي: فإذا أنتم تأمنوني على خبر السماء فكيف لا تأمنوني على تقسيم الذهب؟ والشاهد من هذا أنه قال: (وأنا أمين من في السماء) ولم يقل: وأنا أمين من في الأرض، وإنما قال: (وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً).

стр. 442

الدليل الثاني حديث جرير بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من لم يرحم من في الأرض، لم يرحمه من في السماء) فبعض الناس تكلف تأويل هذا الحديث وقال: الذي في السماء هو جبريل، ومعلوم أن هذا تكلف شديد جداً، فهل تطلب الرحمة من جبريل أم من الله ؟ لا شك أن الرحمة تطلب من الله ، فدل على فساد هذا التأويل وخروجه عن المعنى المستقيم. ولذلك جاء في كثير من الروايات ذكر الله ، كما في قوله ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقوله: (من لم يرحم الناس لم يرحمه الله) فهذا بيان وتحديد أن الذي في السماء هو الله .

стр. 443

الدليل الثالث حديث أبي هريرة: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، لم يمد يديه أمامه، ولا عن يمينه، وشماله، ومن تحته، وإنما يمد يديه إلى السماء، (يقول: يا رب يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرم، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!) أي: كيف يستجاب الدعاء لمن كان طعامه، وشرابه، وملبسه، وحياته كلها حرام في حرام؟! إنما يتقبل الله الطيبات من الطيبين. والشاهد من هذا الحديث قوله: (يمد يديه إلى السماء)؛ لأنه يطلب أن يغفر الله ﵎ له، فلما علم هذا الداعي أن الله تعالى في السماء، مد يديه للسماء، وهذا الحديث فيه دليل عظيم على علو ربنا. وفيه: أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فلا فرق في ناحية التكليف، إنما الفرق في باب الاختصاص، فالطيبات قد أحلها الله لهم جميعاً، وحرم الخبائث عليهم جميعاً.

стр. 444

الدليل الرابع حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه؛ إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)، هل يتصور أن الذي يسخط على المرأة هو جبريل ﵇؟ وما علم جبريل بأن هذه المرأة امتنعت أم لم تمتنع حتى يغضب عليها؟ وما قيمة غضب جبريل في هذه الموطن؟ فرسول الله ﷺ يقسم على أن الله تعالى يسخط على امرأة دعاها زوجها إلى الجماع فأبت ورفضت؛ لما في ذلك من مخالفة لأمره، وتضييع لحقه، وتخريب للمجتمع؛ لأن الامتناع قد يفضي بالرجل إلى الزنا فيعم الفساد. وشاهدنا هو قوله ﷺ : (إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها)، فمن الذي يسخط هنا جبريل أم الله ؟!

стр. 445

الدليل الخامس حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: روح فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ، أي: التي عليها الله ، فلا شك أن هذا الحديث يدل على أن الله تعالى فوق السماء السابعة.

стр. 446

الدليل السادس حديث أبي هريرة كذلك أن النبي ﷺ قال: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل)، فلو أن الرجل تصدق من طيب كسبه ومن أحسنه وأطهره، ولو بما يعادل تمرة واحدة، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها وينميها ويزيدها له، كما يربي أحدكم فلوه، والفلو: هو المهر الصغير ابن الفرس، حتى يكون فرساً عظيماً ينفع للجهاد، فكذلك الله يربي هذه الصدقة وينميها حتى تنفع صاحبها يوم القيامة.

стр. 447

الدليل السابع حديث أبي هريرة كذلك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى نادوا: أن هلموا إلى بغيتكم، فيحفون بهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيقول الله تعالى: أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟)، وفي لفظ مسلم: (فيسألهم وهو أعلم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك)، وفي هذا حجة دامغة على علو الله ﵎، إذ هؤلاء الملائكة السياحون يصعدون إلى الله تعالى إلى السماء؛ فيسألهم وهو أعلم بعباده.

стр. 448

الدليل الثامن حديث أبي هريرة كذلك قال: قال رسول الله ﷺ : (كان ملك الموت يأتي الناس عياناً) يعني: من كتب الله تعالى عليه الموت يرى ملك الموت، وهذا أمر مخيف، قال: (فأتى موسى ﵇ فلطمه موسى ففقأ عينه)، وهذا الحديث صحيح، وإن نازع فيه مرضى القلوب والنفوس وضعيفو الإيمان، (فصعد إلى ربه وهذا فيه إثبات جهة العلو، (فقال: يا رب! إن عبدك موسى فعل بي كذا وكذا، ولولا كرامته عليك لشققت عليه)، يعني: لولا كرامة موسى ﵇ كنت رددت عليه، فملك الموت صعد إلى السماء.

стр. 449

الدليل التاسع حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعداً ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه؛ كأن عينيه كوكبان دريان)، يعني: منذ أن قال الله لإسرافيل: أنت مهمتك النفخ في الصور من أجل البعث، فهو ينظر إلى جهة العلو، إلى جهة العرش فوق السماء السابعة، وفوق الماء، وفوق الكرسي، ينتظر الأمر، فلم يغمض عينيه؛ لأنه خائف أن يصدر إليه الأمر وهو في أثناء الطرفة فيفوت المقصود، ويقع في معصية، فانظروا إلى ذلك الوقت وذلك الزمان الذي أمر فيه إسرافيل بهذا الأمر.

стр. 450

الدليل العاشر لو نظرتم إلى معظم الأحاديث الواردة في هذا الباب، بل وفي كل باب تجدونها أكثر الروايات من رواية أبي هريرة ولذلك حنق عليه الحاقدون، وغضب عليه الغاضبون، وطعن في عرضه وفي روايته كثير من الطاعنين، فذكر عن النبي ﷺ قوله: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، وبين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام).

стр. 451

الدليل الحادي عشر قال أيضاً: (إن سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه في وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، وفي هذا الحديث دلالة على العلو، فالفردوس أعلى الجنة، وفي وسطه وفوقه عرش الرحمن ﵎.

стр. 452

الدليل الثاني عشر حديث أبي هريرة كذلك أنه قال: قال النبي ﷺ : (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان)، أي: كأنه صوت الحديد على الجبل، والشاهد من هذا الحديث: (إذا قضى الله أمراً في السماء).

стр. 453

الدليل الثالث عشر حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي).

стр. 454

الدليل الرابع عشر حديث رفاعة بن رافع الزرقي قال: (كنا نصلي يوماً وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أولاً)، وفي راية: (لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها) أي: أيهم يصعد بها إلى الله ، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وفي رواية أخرى: (والله! لقد رأيت كلامك يصعد في السماء حتى فتح باب فدخلت فيه)، فهو يصعد في السماء الحسية حتى يفتح له باب فيدخل فيه.

стр. 455

الدليل الخامس عشر حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تصعد إلى الله كأنها شرارة)، وفي لفظ: (فإنها تصعد في السماء)؛ وهذا لأن الله تعالى فيها، فدعوة المظلوم تصعد إلى الله لا إلى غيره.

стр. 456

الدليل السادس عشر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام)؛ لأن النوم صفة نقص، والله منزه عن صفات النقص، (يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار)، والرفع لا يكون إلا إلى أعلى، ففيه إثبات العلو لله (وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)، انظروا إلى قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل النهار).

стр. 457

الدليل السابع عشر حديث النعمان بن بشير ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (التسبيحة والتحميدة والتهليلة يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الرحمن ما يذكر به)، فالكلم الطيب كما عرفنا يصعد إلى الله فقوله: (ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الرحمن ما يذكر به) أي: عند الله الذي في السماء.

стр. 458

الدليل الثامن عشر حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم في الأرض ويقول: اللهم اشهد)، وكأنه يشهد الله الذي في السماء على عباده الذين في الأرض، والذين قام النبي ﵊ بواجبه في تبليغهم الرسالة، فهذه إشارة من إصبع النبي ﷺ الشريفة إلى السماء حيث يليق بالله تعالى، يستشهد ربه على أمته بتنكيسها إليهم، فيقول: (اللهم اشهد)، فإنها إشارة حسية إلى الله . وقال ابن شيخ الحزاميين ﵀: فلا يمكن معرفته والإشارة بالدعاء إليه إلا من جهة الفوق؛ لأنها أنسب الجهات إليه. وقال أبو القاسم التيمي ﵀: وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن بعض الناس قال: لا نشير إلى جهة فوق لله ؛ لأن الإشارة تستوجب الحد والحيز وهذا كلام اتفق الرد عليه، ولذلك قال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خلق من خلقه، ومنه الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم ويدعونه، ويرفعون إليه رءوسهم وأبصارهم. وقال الإمام الخطابي في كتابه (شعار الدين): وقد جرت عادة المسلمين خاصهم وعامهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه، ويرفعوا أيديهم إلى السماء، فذلك لاستفاضة العلم بأن المدعو في السماء .

стр. 459

الدليل التاسع عشر حديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي كريم إذا رفع العبد إليه يديه يستحيي أن يردهما صفراً، حتى يضع فيهما خيراً)، فهذا الحديث يدل على أن الله تعالى في السماء؛ وهذا واضح في قوله: (إذا رفع العبد إليه يديه)، والعبد لا يرفع يديه عند الدعاء إلا إلى الله ، فكونه يرفع إلى جهة الفوق، جهة السماء، فلا شك أن العبد الداعي في هذا إنما يستجيب لداعي الفطرة الموجودة في النفوس، والمقصودة في القلوب أن الله تعالى في السماء.

стр. 460

الدليل العشرون قال النبي ﷺ في حديث جابر بن سمرة: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم، قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم يا رسول الله؟ قال: يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف).
следующие страницы →