← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ما يقام من الحدود في حق من ارتكب الزنى والقتل السؤال إنسان سكر ثم زنى أو قتل، أو إنسان زنى ثم قتل زوج من زنى بها، وذلك أنه عندما رآهما حدث الشجار والنزاع بينهما فقتله، فأي حد يطبق عليه، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب لا حد يقام الآن، نحن قلنا: الحدود مرفوعة يا إخواني، الحدود مرفوعة، أما لو أن واحداً ارتكب حد السكر وحد القتل، فأي الحدين يقام عليه؟ يقام عليه أعظم الحدين وهو القتل؛ لأن القتل يتضمن الأقل منه والأدنى منه.

стр. 37

أسباب زيادة الإيمان السؤال دائماً يتغلب علي الشيطان وإيماني ضعيف، ورغم أن قلبي معلق بحب قراءة القرآن، وأحاول أن أخشع في صلاتي، فهل هذا سحر، أو أنني فاسق؟ وهل توجد طريقة معينة لتقوية الإيمان، علماً بأنني مررت بمحن كثيرة، ودائماً أيأس من رحمة ربي؟ الجواب أسأل الله ﵎ أن يمن علينا وعليكم بمزيد إيمان. والطريق الأمثل في زيادة الإيمان إنما هو طلب العلم، والمحافظة على الصلوات في جماعة، وكثرة قراءة القرآن، وعليك أن تصاحب إخوانك الصالحين حتى يذكروك بالله . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 38

الأزمة المعاصرة وكيفية الخلاص كل الأزمات التي تحصل للمسلمين اليوم هي أزمات مفتعلة، ومردها كلها إلى أزمة واحدة، وهي الأزمة في العقيدة، ولذا فقد كان إصلاح العقيدة سبباً في امتثال أمر الله ورسوله؛ الأمر الذي يعود بصلاح حال الأمة في الدنيا والآخرة، ولأجل ذلك فقد اهتم الإسلام بأصول الدين -وهي مسائل الاعتقاد والتوحيد- قبل فروعه.

стр. 39

الأزمات المفتعلة وكيفية مواجهتها إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يتحدث كثير من المسلمين في هذه الأزمنة المتأخرة عن الأزمة التي يمر بها المسلمون في كل مصر وفي كل بلد من البلدان، تارة ينسبون هذه الأزمة إلى الأزمة الاقتصادية، وتارة يقولون: أزمة سياسية، وتارة يقولون: هي نقص في القوى المادية، وتارة يقولون: هو عجز في الجانب الاجتماعي، وكل هذه -ولا شك- أزمات مفتعلة افتعلها المفتعلون -قاتلهم الله- ليشغلوا المسلمين بهذه الأزمات المكذوبة المفتراة. والحقيقة لو نظرنا إلى هذه الأزمات المفتراة على فرض صحتها ووجودها لحلها بعض السنة، فلو نظرنا مثلاً إلى أزمة المواصلات لوجدنا أنه يحلها حديث واحد، بل شطر حديث، وهو قول النبي ﷺ : (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له). فهذا الشطر من الحديث لو أخذنا به لما وجدنا مطلقاً هذه الدعوى. والشطر الثاني من الحديث قال: (ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له) أي: فضل طعام وفضل شراب وغير ذلك، فلو أن رجلاً عنده ما يكفيه ويكفي أولاده، ويزيد فيتصدق بهذه الزيادة على من لم يكن له طعام ولا شراب لما وجدت أبداً فقيراً واحداً في المجتمع المسلم، وخاصة لو كان هذا التصدق أو هذا البر موجوداً على مستوى كبير، كإخراج الزكوات مثلاً، أو إخراج الخمس من البترول وغير ذلك. إن الأموال التي تستثمر في بلاد الكفر والضلال لو استثمرت في بلاد المسلمين لما وجدت فقيراً واحداً ولا عاطلاً واحداً، فكلها أزمات مفتعلة، والأمراض الكثيرة التي انتشرت إنما هي بسبب تخلفنا عن القرآن الكريم وعن السنة النبوية، فحديث واحد يعالج أمراضاً كثيرة جداً من الأمراض التي تنقلها إلينا المياه، وهو قول النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)، (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه)، فلا يؤخذ من هذا الحديث النهي عن البول فقط من الناحية الصحية في الماء الدائم، وكذلك النهي عن الاغتسال، وإنما يستفاد من هذا الحديث فوائد جمة عظيمة، منها: النهي عن التبول أو إلقاء الفضلات سواء كانت من براز وبول وبترول وغير ذلك في المياه؛ لأن هذه المياه لها منفعة عظيمة ولا يحيا الإنسان إلا بها، فتلويث المياه ينتج عنه أمراض كثيرة جداً منتشرة، ولو أننا حافظنا على المياه وحافظنا على البيئة لما وجدت هذه الأمراض، لكن بأيدينا لوثنا البيئة، وقد أمر الشرع بالحفاظ على البيئة وغيرها. فكلها أزمات مفتعلة نحن الذين افتعلناها، أو غيرنا افتعلها لنا لننشغل بها. نقول: إن الأزمة أزمة إيمانية، أزمة عقدية وعقدية، ضعف في الإيمان أو انعدام تصحيح المسار. إن الخروج من جميع الأزمات المفتعلة أو الموجودة لا يكون إلا بالرجوع إلى العقيدة الصحيحة وإلى الإيمان الصادق المتين، فهم يتكلمون كثيراً ويفتعلون أفاعيل كثيرة، ولا يتكلمون مطلقاً عن الإيمان بالله وتمتين الصلة والثقة به، وحسن الاعتماد والتوكل عليه، كل ذلك لا أحد يتكلم عنه، إنما هي نية خبيثة وشر أريد بنا فلننتبه إليه جميعاً.

стр. 40

الزاد الإيماني في مواجهة الأزمة المالية لو نظرنا إلى المجتمع الأول مجتمع النبي ﷺ ومن بعده من القرون الخيرية الثلاثة لوجدنا الفرق شاسعاً، فانظر إلى حالنا نحن الآن وانظر إلى السابقين في القرن الأول ثم الثاني ثم الثالث، انظر وقارن بين معتقداتهم، ومعتقداتنا، وبين إيمانهم وإيماننا، وبين حسن اتباعهم للنبي ﵊ واتباعنا، وبين إيمانهم بالقدر وبجميع المسائل الإيمانية وتصحيح عقائدهم على الكتاب والسنة وبين إيماننا نحن، لقد تفرغنا من كل هذا، وبناءً عليه نفذ فينا الوعد الحق أننا لا يمكن أن ننتصر أبداً، ولا يمكن أن ننهض إلا بالرجوع إلى ما كان عليه أصحاب القرون الثلاثة الأولى، فإن حاجة القرون كلها السالفة والمتأخرة حاجة واحدة، فكل عصر ومصر يحتاج إلى قوة مادية وعسكرية وسياسية واجتماعية وغير ذلك من القوى، كل ذلك كان موجوداً أو غير موجود، وهو الآن موجود أو غير موجود، فالأيام والظروف لم تختلف، فحاجة الصحابة إلى المال مثل حاجتنا تماماً إلى المال، فهل فعلاً ما نحن فيه من تأخر هو بسبب المال؟ فإنني أعتقد اعتقاداً جازماً لا يتزعزع أن الأزمة المادية هذه أزمة مفتراة، فالصحابة ﵃ -وهم الذين نشر الله تعالى بهم الدين في ربوع الأرض وفتح بهم قلوب العباد والبلاد- كانوا أفقر الناس، ومع هذا كان الفتح على أيديهم ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وما فتحوه قد ضاع، ولا نستطيع نحن الآن على كثرة أموالنا وعددنا أن نرده. إذاً: الأزمة ليست أزمة مادية، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يربط الحجارة على بطنه من شدة الجوع، وكان أبو هريرة يقول: كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، يعني: أميل على الأرض بجنبي الذي فيه الكبد من الجوع، لعله يهون عليه أمر الجوع بهذا الاتكاء وهذا الاستناد، وكثير من الصحابة كان يبيت بلا طعام ولا شراب، وانظر إلى المرأة التي أوقدت سراجها ثم أطفأته حتى يأكل الضيف، فلما أصبح الصباح ذهب زوجها إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (لقد عجب الله من صنيعكما هذه الليلة)، أو قال: (لقد ضحك الله من صنيعكما هذه الليلة). أمثلة كثيرة جداً من حياة السلف، كانوا فقراء أشد الفقر، بل كانوا يذهبون في غزوة أو سرية، وليس معهم إلا بعض التميرات، فكان الواحد منهم يأخذ التمرة ويحكها في أسنانه، ويشرب عليها الماء، هذا طعامه، ولقد رأينا في هذا الزمان أن بعض المجاهدين في أفغانستان كانوا يطبخون الذرة الصفراء ثم يأكلونها، والذي يجاهد اليوم يأكل الذرة، والذي لا يجاهد ولا يكون في خدمة المجاهدين يشرب الماء، كان هذا طعامهم. إذاً: الأزمة التي افتعلوها وقالوا: إنها أزمة ليست أزمة مادية، وإن كانت أزمة مادية فائتونا بالأموال التي نهبتموها من أموال المسلمين، والتي وضعتموها في بلاد الكفر، ونحن نسلم إن شاء الله من هذه الأزمة على فرض وقوعها وصحتها.

стр. 41

زاد الإيمان المواجه للأزمات العسكرية وما يقال في الأزمة المادية يقال في كل أزمة، منها الأزمة العسكرية وفساد السلاح وغير ذلك، فإن كثيراً من الصحابة دخلوا وليس معهم إلا الخيل فقط، لم يملكوا سلاحاً ولا دروعاً، ومع هذا كتب الله تعالى النصر على أيديهم، فحاجة المسلمين في القرون السابقة مثل حاجتنا تماماً الآن، ومع هذا فقد رأينا أن الإسلام احتاج إلى الجرأة والشجاعة والإقدام وبذل النفس، فوجدنا كثيراً من السابقين يبذل نفسه وماله ودمه، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يأتي بجميع ماله ويضعه بين يدي النبي ﷺ حتى أشفق عليه النبي ﵊ وقال: (ما تركت لأهلك يا أبا بكر؟! قال: تركت لهم الله ورسوله) ثم يأتي عمر بنصف ماله، وليس هذا ببعيد ولا بغريب على أمثال هؤلاء الفضلاء العظماء، ورأينا من الناحية الأخرى بذل النفس والدم، ففي معركة اليرموك قال قوم للزبير: ألا تشد يا زبير فنشد معك؟! يعني: ألا تهجم وتحمل على العدو فنحمل معك، فلما حمل عليهم ضربوه ضربتين قويتين على عاتقه، وكان قد ضرب مرة بين هاتين الضربتين في غزوة بدر حتى قال عنه عروة ولده: كنت ألعب وأنا طفل صغير في هذه الضربات بأصبعي، أي: كان يدخل فيها أصابعه ويده يلعب فيها وهي بين عاتق والده. وبلال بن رباح وما أدراك ما بلال بن رباح! لقد ضرب المثل الأعلى في الجهاد والصبر والدعوة إلى الله، كان يجر في الصحراء وفي رمال مكة الساخنة حتى قيل: إنه سلق لحمه حتى بدت عظامه، وكان تارة يسحب على بطنه حتى انسلخ لحم بطنه وكادت تظهر أحشاؤه؛ كل ذلك لصرفه وزحزحته عن إيمانه، وهو يقول: لا أترك ديني أبداً، أحد أحد، أحد أحد؛ لذلك استحق وسام عمر بن الخطاب ﵁، وهو وسام عظيم يذكر إلى أن تقوم الساعة. قال: أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا، وحق لـ بلال أن يكون سيد كل من أتى بعده. وكذلك نرى من حب النبي ﷺ والاقتداء به أن أبا بكر في مهاجر النبي ﷺ لما صحبه وتبعه كان أبو بكر يتقدم النبي ﷺ ويتأخر، والمعروف من أدب المشي مع الأفاضل والعظماء أن يكون الماشي نهاراً في الخلف وأن يكون الماشي ليلاً في الأمام، وهذا أدب من آداب السير في الطريق إذا كنت تسير مع عظيم كريم، فيجب إن كنتما تسيران ليلاً أن تتقدم عليه؛ لتكشف له الطريق فتوجهه وترشده، وإذا كان السير نهاراً فيجب أن تتأخر عنه، وذلك من الأدب المعلوم، فكان أبو بكر يسير معه فيتقدم ويتأخر، وكان ذلك لحراسة النبي ﷺ ضد أعدائه وقد سمعتم ذلك من قبل، ولما دخل الغار دخل أبو بكر الصديق أولاً حتى يستكشف الغار وما به من حشرات وآفات وغير ذلك. والمثال الثاني: مثال أبي ذر الغفاري ﵁ لما قدم إلى النبي ﷺ فسمع منه القرآن وسمع منه الحديث فانشرح صدره للإسلام فنطق بالشهادة، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك قال النبي ﷺ : (خذها واذهب إلى قومك وانتظر حتى يأتيك أمري) أي: خذها واذهب إلى غفار، وغفار هذه قرية كان القرشيون يمرون عليها في تجارتهم إلى الشام، (فقال: والله -يا رسول الله- لأصدعن بها أو لأصرخن بها بين ظهرانيهم) أي: في الكعبة لقريش، فلما حدث ذلك ضربوه وانهالوا عليه ضرباً حتى أوجعوه كما ذكر البخاري ذلك في صحيحه، حتى خرج عليهم العباس وذكرهم أنه من غفار، وهي قرية يمرون عليها ذهاباً وإياباً في تجارتهم إلى الشام، فرجعوا عنه، ثم عادوا إليه فضربوه، فعلوا ذلك مراراً والعباس يحجبهم ويردهم عنه، ولم يثن ذلك أبا ذر الغفاري عن نشر دين الله ، والصدع بالدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 42

الأزمة الحقيقية كل ذلك -لا شك- يرشدنا وينبهنا إلى أن الأزمة ليست أزمة عسكرية ولا أزمة كثرة عدة ولا عدد ولا مادية ولا اجتماعية ولا غير ذلك، فالأزمة نابعة من أصل فاسد بنينا عليه قلوبنا، والنبي ﷺ يرشدنا إلى أمر عظيم ويلفت أنظارنا إلى أمر مهم في غاية الأهمية، يقول: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فالقلب أهم شيء وأهم ركيزة في الإنسان، إن صلح القلب بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصادق وحسن التوكل وحسن الظن بالله والاعتماد عليه لا شك أن صاحب هذا القلب يسود الدنيا كلها حتى وإن كان ضعيفاً، وأما صاحب القلب الفاسد وإن ملك الدنيا بحذافيرها فلا شك أنه أرذل الناس وأذلهم، حتى وإن كان يظن في نفسه أنه من علية القوم، فكم من إنسان ملك المال فكان المال سبب هلاكه وضلاله حتى قال عن نفسه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨]، ولم ينسب الفضل لله بل نسبه لنفسه، ومثل قارون هذا ملايين في هذه الأمة، كل إنسان بعيد عن الله وعن منهج الله وعن صراطه يتصور أن كل ما أوتي له من مال وعلم وجاه وسلطان إنما ذلك بذكائه وحنكته وحذاقته وعلمه، وأنه ليس من عند الله ، وهذا -ولا شك- هو سبب فساد العقيدة، أي: فساد القلب والعقيدة: هي الحكم الجازم الذي يعقده الإنسان في قلبه، فهذا الحكم الجازم لا يقبل التردد ولا الشك، والإيمان أحياناً يرد بمعنى العقيدة، والعقيدة أحياناً ترد بمعنى الإيمان: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] والإيمان هو العقيدة، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]. والإسلام في أول عصره احتاج إلى الكفاءات العلمية، فوجهت هذه الكفاءات بفضل إيمانها وصدق لجوئها إلى المولى إلى خدمة الإسلام؛ فكان سبب انتشار هذه العلوم الشرعية في جميع بقاع الأرض وربوع المعمورة بسبب انتشار علماء الإسلام في كل بقاع الأرض، ولا نعلم هذه الكفاءات في أيامنا هذه. فالخلاصة: أن كل ما كان موجوداً في الصدور الأولى هو موجود الآن، ولكنه انحرف عن المسار فاتخذ وجهة لا يخدم فيها الإسلام وهذا في أقل أحواله، أو أنه انضم لأعداء الإسلام على حساب الإسلام وضده. فهذه الكفاءات موجودة في أيامنا هذه، ولكنها -كما ترون- مصروفة إما في الإذاعة والتلفزيون، وإما في الصحف والمجلات والجرائد، فتراه يتكلم ضد الإسلام، ويميع الهوية الإسلامية، ويقتل الشخصية الإسلامية مطلقاً، فكل ذلك موجود وملموس ولا ينكره إلا جاحد، فنقول: إن ما كان موجوداً هناك موجود هنا، ولكن الفارق بيننا وبينهم أمران: لو عرضنا اعتقادنا على الكتاب والسنة لكنا مخالفين للكتاب والسنة، ولو عرضنا أيامنا وأعمالنا على أعمال الصحابة وأيامهم لفاقونا بمراحل كثيرة.

стр. 43

اهتمام الإسلام بأصول الدين ولم يبدأ الإسلام دعوته بالفروع وإنما بدأ دعوته بالأصول، والأصول هي العقيدة حتى عبر عنها بعض الفقهاء بأصول العلم، أو قال: أصول الدين، أي: أشاروا إلى العقيدة وإلى الإيمان بأصول الدين وأشاروا إلى الفقه بعلوم الشريعة، وقالوا: هذا العلم وهذا الدين، يميزون بين هذا وذاك، حتى إن الإمام أبا حنيفة ﵀ يقول عن العقيدة: الفقه الأكبر، والثاني الفقه الأصغر؛ ولذلك يقول: التفقه في التوحيد أولى من التفقه في العلم، فلم يطالب الناس في أول الأمر بالجهاد ولا بالصلاة ولا بالزكاة ولا بغير ذلك من فروع الشريعة، وإنما طولبوا بعقيدة، وذلك يفهم من حال النبي ﷺ لما مكث في مكة (١٣) عاماً يصحح عقائد الناس وإيمانهم، ولم يكن كثير من الأحكام الشرعية العملية موجوداً في ذلك الوقت، وإنما كانت هذه الفترة كلها الأصل فيها تصحيح عقائد وإيمان ومسار الناس على الاتجاه الصحيح وحسن التوكل والاعتماد على الله تعالى. لما أمر الله رسوله ﷺ بإظهار دينه وبأن يصدع بما جاءه منه للناس ويدعو إليه؛ صعد الصفا فنادى في الناس، فكان مما قال: (يا بني عبد المطلب! يا بني تيم!) ونادى على أقوام كثيرة من أهل مكة، ثم قال لهم: (إن الله أمرني أن أنذر عشرتي الأقربين، وإني لا أملك لكم من الله شيئاً، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) فقال ذلك الجاهل الغبي أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟! تباً لك! أي: هلاكاً لك، فأنزل الله سورة المسد: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] إلى آخر السورة. ولما اشتكى أبو طالب من مرض موته اجتمع إليه أشراف قريش ووجهاؤهم فقالوا: يا أبا طالب! إنك منا حيث عرفت أو حيث علمت. يعني: أنت فينا رجل من الشرفاء من العظماء الفضلاء، فادع ابن أخيك فليأخذ منا ونأخذ منه، واشترط عليه واشترط علينا حتى ندع له دينه ويدع لنا ديننا، فنادى أبو طالب النبي ﷺ وقال: يا ابن أخي! إنك تعلم منزلتي في قريش، فهم جاءوك ليشترطوا عليك وتشترط عليهم، ويأخذوا منك وتأخذ منهم حتى يدعو لك دينك وتدع لهم دينهم. قال: قل يا أبا طالب. فلما قال أبو طالب قولته هذه قال: يكفلون لي كلمة واحدة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم، فقال أبو جهل: بل عشر كلمات وأبيك إن شئت، قلها؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، كلمة واحدة قولوها حتى ندعكم وتدعونا، وتدعوا لنا، قال: قولوا: لا إله إلا الله، فهذا المعنى معنى عظيم، وهو تربية الناس على التوحيد وعلى الإيمان وعلى العقيدة الصحيحة، وهذا المنهج هو الذي ربى عليه النبي ﷺ أصحابه طيلة سنواته في مكة. فهذا خباب بن الأرت أتى إلى النبي ﷺ وهو مستند إلى الكعبة متوسد ببردته فقال: (يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟) يعني: يطلب طلباً شرعياً ويسيراً: ادع الله لنا يا رسول الله. يقول: (فاحمر وجهه ﷺ حتى قام، وقال: إن من كان قبلكم لينشر بمناشير من حديد ما بين عظمه ولحمه -أو قال: ما بين عظمه وعصبه ولحمه- لا يرده ذلك عن دينه شيئاً)، كان يوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق نصفين حتى يقع نصفه الشمال في الشمال ونصفه اليمين في اليمين ما يرده ذلك عن دينه شيئاً، كيف تطلب ذلك يا خباب؟! وكأنه يريد أن يصحح عقيدة خباب بأن يحسن التوكل على الله والالتجاء إليه، حتى وإن كان هذا اللجوء إلى النبي ﷺ لا إلى آحاد الناس ولا إلى مدير ولا رئيس ولا عريف ولا غير ذلك ولا نبي ولا ملك، يلجأ إلى المولى دون سواه، ويأتي النبي ﷺ بالبشارة في آخر الحديث. قال: (وليتمن الله تعالى هذا الأمر -أي: هذا الإسلام- حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف أحداً إلا الله)، وفي رواية: (إلا الله والذئب على غنمه). هذا حديث عظيم يستفاد منه تصحيح المسار والاعتماد على الله والتوكل عليه واللجوء إليه والاستغاثة به ، والاستعاذة به من شر ما خلق وغير ذلك، لا يلجأ إلى أحد غير الله حتى وإن كان نبياً مرسلاً أو ملكاً من ملائكة الرحمن. والرسل جميعاً إنما بعثوا لهذه المهمة، فقال الله مفصلاً ذلك: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ويفصل الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣]، ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْه

стр. 44

أهمية دراسة العقيدة كثير من الناس يقول: ما فائدة دراسة العقيدة؟ ما فائدة دراسة الإيمان؟! هل نحن في حاجة إليه؟! نحن -والحمد لله- مؤمنون! الجواب نعم. نحن في حاجة إلى دراسة العقيدة والواقع يشهد بذلك، فكثير من الناس عقائدهم لا تصلح مطلقاً أن تكون عقيدة للمسلمين، وما ذلك عنكم ببعيد، فالذي دار في أفغانستان وغيرها يوضح ذلك، كانت هناك كتائب كثيرة منهم من هو صحيح العقيدة ومنهم من هو فاسد العقيدة، ولو كانوا كلهم على قلب رجل واحد وعلى عقيدة واحدة سليمة لما حصل ما حصل بعد أن كتب الله تعالى لهم النصر على أعدائهم من الروس وغيرهم، ولكن لما كان الاختلاف في العقائد تناحروا على السلطة، ولو أن المرء صحح عقيدته لما طلب السلطة مطلقاً، بل هرب منها وولى عنها مدبراً، وهذا قد حدث مع كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كان الواحد منهم يجبر ويجلد ليتولى الإمارة فيهرب منها، هذا عبد الله بن عمر لما مات أبوه عرضوا عليه الإمارة فقال: يكفي واحد من آل الخطاب، وهذا عبد الرحمن بن عوف تنازل عن الإمارة وقد كان مرشحاً لها، فذهب وبايع عمر بن الخطاب. وغير ذلك من الأمثلة كثير، حتى قيل: إن بعض المحدثين في عصر التابعين ومن بعدهم كان يؤتى به ليقال له: تول القضاء في الكوفة، أو تول القضاء في العراق، أو تول القضاء في مصر، فيقول: ها ها، ويعد نفسه مجنوناً! فيقولون: هذا لا يصلح للقضاء إنما هو مجنون أبله، فإذا عين القاضي رجع إلى عقله مرة ثانية، وما ذلك إلا هروباً من هذه المواطن التي يكاد يهلك فيها الإنسان وهو لا يدري. إذاً: الأزمة ليست أزمة عدد ولا عدة ولا قتال ولا غير ذلك، إنما الأزمة أزمة العقيدة، فانظر لنفسك وأنت صحيح سليم العقيدة وصادق الإيمان مع المولى ، وانظر إلى رجل آخر إباضي أو شيعي أو صوفي أو خارجي، هل يستقيم الأمر؟ إذا أردنا جني الثمار فلا يمكن أبداً أن تتفقا، يعني: فلو أنك وخارجياً، أو لو أنك شيعياً اتفقتما على قتال عدو واحد لا شك أن الأمر سيستقيم طيلة فترة القتال، ولكن إذا انهزم ذلك العدو أو قُتِل اختلفتما في الثمار والنتائج والغنائم، فمادام الاختلاف في العقيدة فلا يمكن الاتفاق، وهذا أمر معلوم ومشاهد لا ينازع فيه أحد، كيف ينازع فيه أحد وهو موجود نعرفه ونسمعه كل يوم وليلة؟! فدراسة العقيدة من المسائل المهمة جداً. هل هناك وقت لدراسة العقيدة والإيمان؟ هل هناك وقت لنجدد فيه إيماننا؟ الجواب: نعم هناك وقت، ثم السائل لهذا السؤال نقول له: هل كان هناك من سأل ذلك منذ عام؟ الجواب: نعم. هناك من سأله منذ عام ومنذ عشرات الأعوام، ودعاة التوحيد يدعون في كل زمان ومكان، بحسن الظن بالله وحسن الاعتقاد فيه، وفي كل زمان ومكان يدعون أهل الفساد والضلال وأهل العقائد المنحرفة. فإن قيل: هل هناك وقت لتصحيح الإيمان؟ فلو أننا نجتمع أولاً ونواجه العدو ثم بعد ذلك نصلح عقيدتنا؟ الجواب: أبداً هذا لا يصلح مطلقاً، لا بد من العقيدة أولاً، ولا بد من تصحيح الإيمان وتوثيق وتمتين الصلة بالمولى وحسن الاعتماد والتوكل عليه، وبغير ذلك لا فائدة في الاتحاد مطلقاً، إذ إن العدو في غاية الضعف والخور، وأما نحن -وبفضل الله تعالى- فقد من الله تعالى علينا بسلامة العقيدة وحسن الإيمان، فالواحد منا يسوق العشرات بل المئات بل الألوف من الأعداء أمامه. نضرب مثالاً: اليهود في اتفاق غزة وأريحا قالوا: نترك غزة وأريحا للفلسطينيين، وما كان ذلك من أجل سواد عيون الفلسطينيين ولا من أجل سواد عيون المسلمين؛ وإنما لأنهم ذاقوا مرارة الثورات والحركات عليهم، فهم لا يستطيعون أبداً مواجهة المسلمين في غزة وأريحا، فتركوها حتى ينجوا بأبدانهم منها، تركوها خوفاً من أبنائها وأهلها، والمولى يقول: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] لكن وجهاً لوجه لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه. ومن إيماننا وعقيدتنا أنهم لا يقوون علينا أبداً ولا يستطيعون المواجهة، فالمطلوب منا تصحيح العقيدة والإيمان؛ لأنني لو كانت عقيدتي فاسدة لكنت مثله، ولذلك كل واحد منا يراجع إيمانه، حتى إذا ذكر أمامك العدو تمنيت لو أنك تمكنت من رقبته فضربتها بسيفك وعلقتها على رمحك، وطفت بها البلدان؛ حتى ترد إلى المسلمين كرامتهم وعزتهم. وقد نعى الله تعالى على الذين يكذبون بالدين، والذين يكذبون بالدين إما كفار أو منافقون أو فاسدو العقيدة، قال المولى : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:١ - ٣]، نعى عليه هذا الفساد وهذا الخراب في العقيدة، وقد يقول قائل: إذا خلا قلب المسلم من الإيمان هل يبقى بعد ذلك إسلام؟ نقول: إن هناك خيراً كبيراً -لا شك- في الإسلام، ولكن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمع

стр. 45

أثر خلو القلب من الإيمان يقول: وإذا خلا قلب المسلم من الإيمان بالله انعدمت لوازمه عنده. الإيمان له لوازم، فإن الشخص إن مات الإسلام في حياته انتهى عمله، كالشجرة التي اجتث جذرها تموت فلا يبقى لها فروع، فإذا خلا قلب العبد من عقيدة سليمة وإيمان صادق لاشك أنه ينهار كل عمله وكل متطلباته. وإذا نقص الإيمان في قلبه وضعفت صلته بربه ووهن ارتباطه به وانصرفت نفسه إلى الدنيا، وآثارها بحبه وسعيه ذبل الإسلام في حياته وركن إلى الدنيا ومتاعها وأصبح الإيمان رَكناً حائلاً لا يقبله. يعني: إذا قلت له: هل أنت مؤمن؟ يقول: الحمد لله أنا مؤمن، فهو يقولها بلسانه ولم تتمكن من قلبه، وقول النبي ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه!) دل على أن هناك مدعين للإيمان بألسنتهم بما ليس في قلوبهم، وبطل ما كانوا عليه من القول والعمل، فإنه إذا خلا قلب الإنسان من الإيمان أو ضعف لا شك أنه يستثقل التكاليف الشرعية، فيستثقل الصلاة، ويستثقل الزكاة والحج والصوم وغير ذلك، فكثير من ضعاف الإيمان أو ممن نقص الإيمان في قلوبهم إذا دعوته إلى الصلاة يقول: هل نذهب كل يوم إلى المسجد خمس مرات فنصلي ونركع ونسجد؟! أليس هناك إجازة؟! فهذا لو تمكن الإيمان من قلبه لانتهر، وكان أن يخر من السماء خير له وأحب من أن يتكلم بهذا الكلام، فلا يصدر هذا الكلام عن جد أو هزل إلا إذا كان مبعثه خراب العقيدة وفساد الإيمان. وكذلك الذي يملك المال ولا يحج مثلاً، وكلما دعوته إلى الحج قال: ادع لي؛ فإني لا أستطيع الحج؛ لأنني أكسب في الدقيقة الواحدة ألف جنيه، ألا تكفي ملايين الدقائق في السنة كلها؟ ألا تفرغ أسبوعاً واحداً من أيامك ومن هذه الدقائق للحج؟ كذلك الذي يبخل بالصدقة بل ويبخل بالزكاة المفروضة عليه، كل ذلك إنما هو بسبب خراب العقيدة وفساد الديانة عنده، وهذه هي حالة كثير من المسلمين الآن، وقد نجد فيهم أصحاب الذكاء وأصحاب المهارة، لكن أصحاب الذكاء والمهارة والقدرات والكفاءات مصروفون إلى غير خدمة الإسلام، وأحياناً يتجهون إلى ضرب الإسلام ومعاداته، وأنتم ترون أن الصحافة ليست إلا لخدمة العلمانية والشيوعية والإلحاد والكفر، والذي يكتب ويتكلم ويقرأ لصالح الإسلام قليل جداً ويسير.

стр. 46

دعوة للرجوع الحقيقي إلى الله تعالى لذلك فأنا أدعو المسلمين والشباب الغيور -خاصة الناظرين إلى الواقع الفاسد- أن يعلوا بأنفسهم وبإيمانهم وحسن اعتقادهم في الله على هذا الواقع المر الفاسد، أدعوهم إلى رجعة حقيقية لا رجعة كلامية إلى ربهم، أدعوهم إلى تجديد إيمانهم بالله ، وخلع كل ما يعبدون من دونه، فلا إله إلا الله محمد رسول الله. أدعوهم إلى محبة النبي ﷺ وطاعته، والائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه، والرغبة إلى الله وحده لا الرغبة إلى سواه، والرهبة منه وحده لا الرهبة ممن عداه، وإلى معرفته حق المعرفة بأسمائه وصفاته العلا، وتوثيق الصلة به وصدق العبودية له ، وربط القلب والفكر وربط الجوارح والحياة بأمره ونهيه، وألا يتوجهوا بالقصد إلا إلى وجهه الكريم، وأن يكون العيش عندهم هو عيش الآخرة، وأن تكون الدنيا طريقاً لهم إلى الله وإلى جنة الخلد. إنكم -يا شباب الإسلام- إذا رجعتم إلى الله هذه الرجعة الصادقة كنتم الأعلين بإذن الله، وكنتم قدراً من قدر الله الذي ساقكم الله تعالى وهيأكم لسوق البلاد والعباد أمامكم إلى الله ، إذا أردتم الآخرة هانت عليكم الدنيا وتحررتم من آثار الدنيا ومن طغيانها، وإذا عرفتم الله صغر عندكم سواه وما سواه، بل زاد في أعينكم وفني في قلوبكم كل ما عداه، ولم يعد هناك طلب عندكم إلا قربه ورضاه، وإذا استشعرتم رابطتكم بربكم وعونه لكم، وأيقنتم أنه معكم، رأيتم أنفسكم أقوى من كل قوى الشيطان والطغيان. إذا رجعتم هذه الرجعة الصادقة تحولتم خلقاً آخر، وولدتم ولادة عقدية جديدة، وولد كل منكم من عقيدته لا من رحم أمه ولادة عقدية صحيحة على الكتاب والسنة، وإذا كانت هذه الولادة هي التي نريدها فالأصل أن نعرف كيف تولد هذه الولادة، ومن أي مصدر تكون هذه الولادة وهذه العقيدة؟ إن صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد حكم عليه العلماء بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله ، وقد صدر كتابه بكتاب بدء الوحي. فإذا كنا نتحدث عن العقيدة الصحيحة والإيمان الصادق فما مصدر ذلك؟ أو كيف نتعلم ذلك وكيف نجدده؟ الجواب قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه أي: قول المولى في كتابه الكريم، وقول رسوله ﷺ في سنته، وقول الصحابة ﵃، فلا أقول: قال الله كذا في مسألة من مسائل الإيمان أو العقيدة فتقول: قال الفقيه الفلاني، فإنه بالعالم الفلاني أبداً لا يصح الانتصار، أقول لك: قال الله وقال رسول الله وقال الصحابة ثم تقول لي: قال العالم الفلاني قال الشيخ الفلاني أو غير ذلك؟! هذا لا يصلح أبداً، فالعلم قال الله، والله أنزل كتابه على رسوله ﷺ فكان من بين ما شمل هذا الكتاب آيات العقيدة والإيمان، وآيات التوكل والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة بالله تعالى. إذاً: معظم آيات الكتاب العزيز إنما تعالج مسألة مهمة جداً، ألا وهي مسألة العقيدة والإيمان بالله بشتى الوسائل والطرق البيانية، وتارة بقصص الأنبياء، وتارة بمحاجة كل نبي مع قومه، وغير ذلك من أنواع البيان، بل إن سورة الفاتحة نفسها اشتملت على جميع شعب الإيمان، اشتملت على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والجزاء والنبوة وغير ذلك، هذا بالنسبة لكتاب الله العزيز. وأما بالنسبة للسنة فيحمل ذلك على قول النبي ﷺ لـ معاذ لما بعثه إلى اليمن، قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب - أي: يهود أو نصارى - فليكن أول ما تدعوهم إليه) لم يقل له: الصلاة ولا الحج، قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن قالوا ذلك فأخبرهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). فلا بد أولاً من التعرف على الله تعالى أولاً، ولا يكون ذلك إلا بالاعتقاد الحسن فيه والإيمان الصادق به. وقال جندب بن عبد الله البجلي ﵁: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً. إذاً: الإيمان أولاً ثم بعد ذلك تأتي بقية التكاليف الشرعية، فإنه إذا صح إيمانك أولاً بالله وصح حسن اتباعك لنبي الله ﷺ لا تحتاج مع كل تكليف لرجل يقنعك بأن هذا حق وهذا شرع، أو أن هذا باطل ولابد من الانتهاء عنه. إذاً: لا بد أولاً من تصحيح العقيدة؛ لأنها لو صحت صح ما بعدها، ولو فسدت لفسد ما بعدها، وهذا ميزان لا يتغير مطلقاً. يقول عبد الله بن عمر ﵁: لقد كنا برهة من الزمن نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن. و (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، الترتيب: أي أن القرآن يأتي بعد الإيمان وليس مباشرة، أي: بينه وبين الإيمان فترة؛ حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، قال: لقد كنا في برهة من الزمان نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن،

стр. 47

الأسئلة

стр. 48

حكم السبحة السؤال هل المسبحة حرام أم سنة كما قال بعض المسلمين، وهل الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري كان له مسبحة بها (٢٠٠) حبة. نرجو التوضيح والإرشاد يرحمكم الله؟ الجواب المسبحة مما اختلف فيه أهل العلم، وقد نسبها بعض المحدثين أو بعض العلماء للبدعة إلا أني أتوقف في ذلك، ومن العلماء من يقول: إن المسبحة سنة. والأمر فيها واسع، فلا يستطيع المرء أن يحكم عليها بالسنية ولا بالبدعية، وهناك بعض الناس صنف رسالة يثبت فيها سنية المسبحة، ثم أتى بحديث وعزاه إلى أبي هريرة ﵁ من قوله أو من فعله: أنه كان له مسبحة يسبح عليها، وذكر أن هذا الحديث للطبراني في كتابه الدعاء، وكان كتاب الطبراني وقتئذ لم يطبع، فلما طبع الكتاب راجعته من أوله إلى آخره، حتى أقف على هذا الدليل فلم أتمكن من ذلك، فلعله -مع حسن الظن بهذا الأخ- في نسخة أخرى لم يعتمد عليها المحقق، وإن كنا نسيء به الظن وخاصة أنه من أهل البدع نقول: ليس هناك دليل على هذا، وإنما استقاه من هواه ومن حبه للطعن في الشيخ ناصر الدين الألباني أكرمه الله وأعزه، فالأمر فيها واسعٌ وقد صحت الأحاديث والآثار بتسبيح بعض الصحابة والصحابيات، بل إن إحدى زوجات النبي ﷺ كانت تسبح بالحصى تنقله من هنا إلى هناك، لكن أبا موسى الأشعري لما وجد الناس متحلقين حلقاً في المسجد ذهب إلى عبد الله بن مسعود وكان عالماً كبيراً من علماء الصحابة، ودعاه إلى أن يصرف هؤلاء الناس عن هذه الحلق والمجالس، فدخل عليهم عبد الله بن مسعود فوجدهم ينقلون الحصى من مكان إلى مكان، فقال: أحصوا عليكم ذنوبكم ودعوا تسبيحكم لله، يعني: إن كنتم عادين فعدوا سيئاتكم وذنوبكم ولا تعدوا حسناتكم، دعوها لله تعالى، فالحقيقة أن أمر المسبحة أمر مشكل، فلا أستطيع أن أقول ببدعته ولا بسنيته، والأمر فيه واسع أيضاً كوضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع؛ فإنه لم يأت على سنيته دليل صحيح صريح، وكذلك الذي قال: إنه بدعة ليس معه دليل، أو لا يسن له ذلك الأمر، فالأمر فيه واسع، وأظن أن الراجح فيه: اتباع الإمام، فإن فعل الإمام ذلك يتبعه المأموم؛ لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) والله تعالى أعلم. أما أبو ذر فلم يكن عنده مسبحة فيها (٢٠٠) حبة، فإن أكبر مسبحة تسع وتسعون.

стр. 49

توجيه مقولة عمر ﵁ في الحكم بالنفاق على حاطب وغيره السؤال المشهور عن عمر بن الخطاب أنه قال لرسول الله ﷺ : (ائذن لي يا رسول الله أن أضرب عنق هذا المنافق) في بعض المواقف، وقد قال لي أخ كريم: إن عمر ﵁ كان مخطئاً في هذا الموقف. هل هذا صحيح؟ نرجو التوضيح في هذا القول يرحمكم الله. الجواب على أية حال كان عمر بن الخطاب ﵁ معروفاً بقوته وشدته في الحق لا في غير ذلك كما يفهم كثير من الناس، ومن غيرته وحبه للنبي ﷺ كان يقول ذلك، كما كان الصحابة يحبونه ﷺ هذا الحب الجم، ففي غزوة أحد انكشف النبي ﷺ وانكشف القوم، فلما أشرف النبي ﷺ برأسه هكذا ينظر إلى القوم قال طلحة بن عبيد الله: لا تشرف يا رسول الله على القوم فيصيبك سهم من سهامهم. نحري دون نحرك يا رسول الله! يعني: أفديك بدمي، ونفدي النبي ﷺ بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا ودمائنا، فـ عمر بن الخطاب يدخل من هذا الباب في حبه للنبي ﷺ واتباعه، وأن كل ما يؤذي النبي ﷺ يؤذي عمر بن الخطاب؛ ولذلك قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فقد ثبت أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: (اعدل يا محمد، فإن هذه القسمة لم يقصد بها وجه الله، قال: ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟!) فلما سمع ذلك الإنكار عمر بن الخطاب من النبي ﷺ انتفض لذلك وظن أن النفاق قد لحقه وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله. فحجزه النبي ﷺ ودفعه عنه ونهاه. وفي موقف حاطب بن أبي بلتعة لما أرسل الكتاب إلى قريش إنما كان ذلك لعلة كانت عند حاطب، ولا شك أن هذه الأفعال ليست من أفعال المسلمين، كما أن من يأتي فعلاً من أفعال المنافقين لا يلزم من فعله ذلك أن يكون منافقاً، كما أنه لا يلزم من إتيان عمل من أعمال الكافرين أن يكون صاحبه كافراً، فهذا الكلام من عمر يتنزل هذا المنزل أن هذا العمل من أعمال المنافقين، ولكن الذي أتى به لم يكن منافقاً على الحقيقة، وإنما الفعل نفسه من أفعال المنافقين. والله تعالى أعلم.

стр. 50

توجيه لتائب يشاهد التلفاز ويدخن السؤال ما رأي الدين في رجل ملتزم حديثاً يشاهد الفيديو والتلفزيون بعد صلاة العشاء، علماً بأنه يقيم الصلاة على أوقاتها، ولا يقوم من الليل أكثر من شفع ووتر بعد العشاء، وهو أيضاً لا يستطيع الإقلاع عن التدخين؟ الجواب نسأل الله تعالى أن يعافيه من هذه البلايا. الحقيقة هناك تعليق يسير، وهو أن الدين ليس آراء، وإنما هو عقائد وأحكام لا تتبدل ولا تتغير، فلا ينسب للدين رأي وإنما ينسب له حكم. أما مشاهدة الفيديو والتلفزيون فإنه ليس من ورائها خير قط، بل إن وراءها كل الشر، وكيف يزعم الإنسان أنه يحب الله تعالى ورسوله ثم لا يتبع النبي ﷺ ؟! وقد قال الله في حقه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، والنبي ﷺ نهى عن التدخين، وفي حديث: (إن الله تعالى حرم كل مسكر ومفتر) وإن كان في سنده شهر بن حوشب، وبعض العلماء ضعفوه، إلا أن الراجح تحسين حديث شهر بن حوشب، والله تعالى أعلم. وقول النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها: عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه) فهذا اكتسبه من عرق جبينه ولكنه أنفقه في الحرام، قال: (وعن شبابه فيم أبلاه) أبلاه بهذه البلايا العظيمة وهذه الأمراض الجسيمة التي تفسد باطن الإنسان وتفسد صدره وقلبه، والأطباء يعرفون تمام المعرفة أن السجائر تتسبب في (٢٥٠٠) مرض، أقلها خطراً على صحة الإنسان مرض السرطان، فإذا كان هذا الأقل فدعنا نؤمن بأنه أعظم الأمراض وليس أقلها، فلا شك أن ما دون السرطان أيضاً يحاسب الإنسان عليه ويسأل عنه يوم القيامة، وإذا كان التدخين حلالاً فلم لا يدخن كل الناس وكل العلماء وكل أهل الصلاح والفضل؟! ولم لا يكون التدخين في المسجد؟! فلا شك أن الذي يدخن لو أنك خاطبت قلبه ومشاعره وقلت له: بالله عليك! أما ترى أن التدخين حرام؟ لقال لك: أعرف أنه حرام وأنه بلية، فإذا كنا نتفق بدون جدل وبدون ضياع وقت على حرمة التدخين؛ فنسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، ونسأل الله تعالى لنا ولكم الإقلاع عن كل معصية والدخول في كل طاعة.

стр. 51

حكم أخذ المدرس الأجرة حال استعانته بمدرس آخر السؤال أعمل مدرساً في مدرسة حكومية بالحصة، ومن المفروض أن أعطي الفصل حصتين، ولكن لظروف خارجية أتقاسم الحصتين مع مدرسة أخرى، فأنا آخذ حصة وهي تأخذ حصة ونأخذ أجر حصتين، فهل تعتبر الحصتان بحصة واحدة حراماً أم حلالاً؟ وماذا أفعل في أموال الشهر الماضي؟ الجواب على أية حال إنما جعل هذا المال مقابل المادة العلمية ومقابل الوقت، فالمال الذي يأخذه المدرس إنما جعل مقابل أمرين: الأمر الأول: أمر الوقت من الساعة السابعة إلى الساعة الثامنة. هذا قدر الحصة، والمعلومات التي تعطيها في الحصة هو الأمر الثاني، فلو أنك كلفت بحصتين وأديت هاتين الحصتين في حصة واحدة فلا شك أنك تأخذ أجر حصتين وليس حصة واحدة، وهذا لم يبحه الشرع، وكذلك لو أنك دخلت في الحصة وقلت: أنا أريد أن أقضي الوقت في الحصة حتى آخذ الراتب؛ ولذلك أدرس من الساعة السابعة حتى الساعة الثامنة فإنك أسقطت الشرط الثاني، ولا يصلح أبداً أن تأخذ مالاً إلا وتؤدي حقه، وحقه أن تؤدي الوقت والمادة العلمية، وإلا فيصرف هذا المال في وجوه أخرى. والله تعالى أعلم.

стр. 52

حكم أخذ المدرس هدايا بعض أولياء الأمور السؤال أعمل مدرسة في مدرسة خاصة بالراتب، وقد قام بعض أولياء الأمور بتقديم الهدايا اليسيرة للمدرسة عند عودتهم من السفر، وهذا يحدث علناً، فما الحكم: هل أقبل الهدية أم لا؟ الجواب على أي حال أفتى بعض أهل العلم بجواز ذلك، ولكن يدخل في نفسي شيء من هذه الفتوى، والأولى ترك ذلك؛ لما فيه من شبه عظيمة، فالنبي ﷺ يقول: (هدايا العمال غلول)، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]، ويقول النبي ﷺ : (إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، فالغلول أمره خطير وعظيم، ويقول النبي ﷺ : (هدايا العمال غلول) وأنت عاملة في المدرسة، وثبت في الصحيح أن: (النبي ﷺ أرسل رجلاً على أموال الصدقة، فكان يأخذ الهدايا من أصحاب الصدقات، فلما أتى بها إلى النبي ﷺ قال: هذا لكم وهذا لي، فقال: هلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى يأتيك هذا؟) فهلا جلست في بيتك -أيتها المدرسة- حتى تأتيك هذه الهدايا؟! والمعروف أنه لن تأتيك هذه الهدايا، فالأمر فيه شبه عظيمة، وأنا نقلت لك أقوال العلماء، فتصرفي بما يرضي المولى . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 53

الإيمان قبل القرآن العقيدة الصحيحة هي الركيزة الأولى في بناء الأمة، وأساسها العلم والإيمان، وطريقها الوحي، وآية ذلك حياة الصحابة الكرام المليئة بصور البذل والتضحية، وفسادها طريق إلى الأزمات والمحن ونزع الأمانة من قلوب الناس.

стр. 54

ذكر حديث حذيفة في الأمانة النازلة في جذر قلوب الرجال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: (حدثني رسول الله ﷺ بحديثين، فقد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثني: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فتعلموا القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها في القلب كمثل الوكت، ثم ينام النومة الأخرى فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها في القلب كمثل المجل -أو المجل- كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء، ثم أخذ كفاً من حصى فدحرجه على رجله، ثم قال حذيفة ﵁: فأصبح الناس يتبايعون فما منهم من أحد إلا وهو خائن، أو قال: فما أحد يؤتمن على شيء، حتى يقال عن الرجل: ما أظرفه! ما أعقله! ما أجرأه! ما أشجعه! وليس في قلبه حبة خردل من إيمان. ثم قال حذيفة ﵁: ولقد كنا في زمان ما كنت أبالي أيكم بايعت، فلئن كان مسلماً رده علي دينه، ولئن كان يهودياً أو نصرانياً رده علي ساعيه، وأما اليوم فلا أكاد أتبايع مع واحد منكم إلا فلاناً وفلانا). هذا الحديث وإن كان قليل المبنى إلا أنه عظيم المعنى، ففيه يتكلم حذيفة ﵁ عن الأمانة ورفعها وعن أصل وجود الأمانة. ولقد فسر كثير من أهل العلم بأن الأمانة هنا هي الإيمان، وهي الطاعة، وهي التكاليف الشرعية، وكل ذلك جائز في شرح الحديث وفي تأويله؛ ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى لهذا الحديث في كتاب الرقائق بباب (رفع الأمانة)، وبوب النووي في صحيح الإمام مسلم له كذلك (باب رفع بعض الأمانة من بعض القلوب)، ثم قال: (باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن عليها كعرض الحصير عوداً عودا). هذا الحديث في مطلعه يقول حذيفة ﵁: (حدثني رسول الله ﷺ بحديثين فقد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أولاً عن أصل الأمانة) وهو أن أصل الأمانة إنما ينزل في جذر قلوب الرجال، والجذر هو أصل الشيء، فالأمانة والإيمان أنزلها الله ﵎ في أصل قلوب الرجال. وذكر الرجال ولم يذكر النساء من باب التغليب، وإلا فكل مخلوق ولد على الفطرة، أي: فطرة الإسلام، ولذلك ورد في الحديث في الصحيحين (ما من مولود إلا يولد على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فأصله على العهد والميثاق الأول الذي أخذه الله ﵎ عليه، فما من مولود يولد إلا وهو مقر بألوهية الله وربوبيته في وقت واحد، إلا وهو موحدٌ، ولكن اللوث والوسخ إنما يدخل عليه بسبب والديه؛ فإنهما يهودانه؛ أي: يجعلانه يهودياً، أو نصرانياً أو مجوسيا، وأما أصل خلقه فإنه مسلم؛ لأن الأمانة نزلت في جذر قلبه وفي أصله. (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل بعد ذلك القرآن فتعلموا من القرآن وعلموا السنة)، وهذا ترتيب طبيعي للقلب النقي أن يمتلأ بالإيمان أولاً، ثم إذا كان حاله كذلك انتفع بالقرآن ثم انتفع بالسنة بعد ذلك، وأما من هجم على القرآن، وهجم على السنة ولم يكن عنده من الإيمان ما يسمح له بالانتفاع بآيات الله وأحاديث رسوله ﷺ فإنه سرعان ما يزول هذا العلم كله؛ لأنه إنما وقع على أرض ملساء لا يمكن أن يثبت فيها شيء، فالإيمان أولاً، والعقيدة الصحيحة أولاً، ثم يأتي من بعد ذلك: العلم، هذا الترتيب الطبيعي، ولذلك قال جرير بن عبد الله البجلي: كنا نتعلم الإيمان

стр. 55

التشريع وأثره في حل المشاكل والأزمات ولذلك في هذا الزمان وما نراه من تأخر المسلمين وتسلط الكافرين عليهم في كل الميادين؛ اختلفت أنظار الناس في وصف حال المسلمين، فمنهم من قال: إن السبب هو أزمة المواصلات، ومنهم من قال: بل السبب أزمة اقتصادية، أزمة اجتماعية، أزمة شعبية، كثرة في العدد، وتسمع من حثالة العقول أزمات مفتعلة مفتراة، ثم هم لا يتحدثون عن الأزمة الحقيقية، أزمة الإيمان، ورفع الإيمان والأمانة من كثير من القلوب، لا يتحدثون عن هذا ولا يتحدثون عن تمتين الصلة بالله ، لا يتحدثون عن لزوم الطاعة لله ﵎ وتحري مرضاته في كل قول وفعل وعمل، لا يتحدثون عن هذا، وإنما يفترون أزمات مفتعلة، ولو سلمنا أن هذه أزمات موجودة في الأمة لقلنا: إن حلها قد وجد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أو لا يفقهون، فإن النبي ﵊ يقول: (من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له). هذا الحديث الواحد يحل أزمتين من أزمات المسلمين بل من أزمات الخلق أجمعين، فلو أن الغني فاض بماله على الفقير، ولو أن الراكب تصدق بمقعد على الواقف في الطريق الذي ينتظر المواصلات لحلت أزمة الفقر ولحلت أزمة المواصلات، تجد الأمم في الصباح يقفون على الطرق وفي الشوارع لانتظار المواصلات، وفي الوقت الذي تجد فيه أن باصاً قد حمل فوق طاقته عشرات المرات وأن الذي يقف على باب الباص يعادل ما يملأ باصاً آخر، في الوقت الذي تجد فيه أصحاب السيارات الفارهة ليس فيها إلا واحداً فقط، فما الذي يمنع هذا إن كان مسلماً أن يحمل معه من وقف على قارعة الطريق إلى العمل، ما الذي يمنعه؟! إن الذي يمنعه قلة إيمانه، ولو أنه كان مؤمناً حقاً وعلم بهذا الحديث لا بد وأن يعمل به، إن الرجل يبيت متخماً من كثرة الطعام، وجاره يتلوى من الجوع وهو لا يفكر فيه، أهذا خلق من أخلاق الإسلام؟! أهذا إيمان بالله ورسوله؟ وقد أمر الرسول ﵊ إذا طبخ أحدنا مرقة فيُكثر ماءها ويتعاهد جيرانه، ولا يبيت الرجل المؤمن شبعان وجاره جائع، هذا خلق الإسلام، إننا نقول: إن فلاناً لا يجد لقمة العيش، لماذا؟ لتفريط الغني في حقه، أزمات كلها مفتعلة، ولذلك لما علم النبي ﷺ أن معظم الأمراض مصدرها البطن قال: (ما ملأ ابن آدم وعاءً قط شراً من بطنه) ولذلك حتى الأطباء يقولون: إن معظم الأمراض مصدرها البطن. وقد أرشدنا النبي ﷺ وجعل لنا الحجاب الواقي من هذه الأمراض فقال: (اتقوا الملاعن الثلاث، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: البراز في موارد الناس وفي ظلهم وفي طريقهم). فقوله: (اتقوا الملاعن): أي: التي تجلب اللعنة وتسببها، وموارد الناس: هي مواردهم المائية، ولو أنك نظرت الآن -ونحن في بلد النيل- لوجدت بلداً يحوطه الماء من كل جانب ولكن هذا الماء ملوث. لأننا -قبل غيرنا من اليهود والنصارى في بلاد أوروبا- مددنا الأنابيب التي تدفع الفضلات في عرض البحر وفي وسطه فتلوث الماء كله فنتج عنه أمراض لم نسمع بها في الأمم السابقة، أليس هذا الحديث علاجاً واقياً من وقوع الأمراض، ولو أننا عملنا بهذا الحديث فقط فلا نحتاج بعد ذلك إلى وزارة الصحة أو غيرها، إن كل بلية نزلت بالمسلمين حلها في نصٍ أو في شطر نص من كتاب الله أو من سنة نبيه ﷺ ، إن الإسلام قد احتاج من أبنائه الآن ما احتاجه منهم أولاً، فلماذا تمكن الإسلام ومكن المسلمون من إقامته على وجه الأرض قديماً ولم نتمكن منه نحن، بل نحن الآن نحتضر، لماذا هذه الهوة الواسعة بيننا وبين السلف، أتظن أنهم كانوا أكثر منا عددا؟ أتظن أنهم كانوا أكثر منا مالا؟ أتظن أنهم كانوا أو كانوا أو كانوا؟ الجواب لا، فلو نظرنا إلى العدد لوجدنا أنهم بالنسبة لنا قلة قليلة جداً، ولذلك قال النبي ﵊: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟)؛ لأن هذا الأمر لم يكن في زمن النبوة، بل ولا في زمن الخلافة، ولذلك سأل الصحابة عنه؛ لأنهم لم يروه في زمانهم، فقالوا: (أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). نحن اليوم كذلك فعلاً نحب الدنيا ونكره الموت؛ لأنه لا عمل صالح لنا يؤهلنا للقدوم على الله ، إن الله ﵎ سيسألك عن هذا الدين، ولذلك في حديث معقل بن يسار الذي أخرجه مسلم: (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت حين يموت وهو غاش لها إلا أدخله الله النار وحرم عليه الجنة). كل منا راع ولكن كل واحد منا فرط في رعيته، فرط فيما أمره الله ﵎ به، ولذلك -أيها الإخوة ا

стр. 56

صور من بذل الصحابة وتضحيتهم من أجل الدين إن الإسلام قد طلب من الناس في أول الأمر أن يبذلوا دماءهم فبذلوها، وطلب منا الآن أن نبذل دماءنا فضننا وبخلنا وجبنا. فهذا طلحة بن عبيد الله كان يقي النبي ﷺ من تلك السهام؛ لأنه يعلم أن الضحية سيكون رسول الله ﷺ ، ففداه بظهره وبطنه ودماغه وكل شيء في بدنه. وهذا أبو بكر الصديق ﵁ الذي ضرب المثل الأعلى بعد رسول الله في هذه الأمة في كل ميادين الحياة، لما أمر النبي ﵊ بالهجرة من مكة إلى المدينة، وذهب إلى أبي بكر فقال: الصحبة الصحبةَ يا رسول الله، فأحضر بعيرين له وللنبي ﷺ ، فلما أخذا طريقهما في صحراء مكة وتبعهما سراقة بن مالك بن جعشم وأبو بكر ينظر إليه تارة فيسبق النبي ويتأخر عنه مخافة عليه، فلما اقترب سراقة منهما بكى أبو بكر، فقال النبي ﵊: علام تبكي يا أبا بكر؟ قال: إن سراقة تبعنا يا رسول الله، فوالله لست على نفسي أبكي إنما أبكي عليك، فقال النبي ﵊: اللهم أكفناه بما شئت وكيف شئت، فساخت فرس سراقة في الصخر حتى استقرت على بطنها، فأتاهما سراقة يمشي على رجليه. وكذلك احتاج الإسلام من الصحابة ﵃ بذل المال فلم يضنوا به مع الحاجة والفقر، فهذا أبو بكر يأتي بكل ماله -لما علم أن الإسلام في حاجة إلى المال- ووضعه بين يدي النبي ﵊، فقال له النبي ﷺ : ماذا تركت لأهل بيتك يا أبا بكر؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. ولذلك لا غرابة بعد ذلك أن يقول النبي ﵊: (لو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر). وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يأتي بشطر ماله، فلما وجد أبا بكر قد أتى بجميع ماله قال: والله يا أبا بكر لا أسابقك إلى خير قط، فإني ما سابقتك إلى شيء إلا قد سبقتني إليه. وهذا أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل ﵁ لما نزل قول الله ﵎: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] كان له بستان عظيم جداً بجوار المسجد النبوي في ذلك الوقت، فقال للنبي ﵊: والله -يا رسول الله- إن أحب مالي إلي بيرحاء هذا البستان، فخذه فضعه حيث أمرك الله . هذا رجل من الصحابة وهو نموذج فريد لبذل أحب ما يملكون من مال لله سبحانه، فمن منا يمكن أن يصنع ذلك؟ الجواب لا، لماذا؟ لفقدان الإيمان أو قلته، ولو كان عندنا من الإيمان الشيء الكثير لدفعنا إلى أن نصنع كما صنع الصحابة، وأن نعلي كلمة الله كما أعلاها الصحابة ﵃ أجمعين. وهذه أم سليم الرميصاء ﵂ زوجة أبي طلحة الأنصاري ﵁، كان الضيف ينزل بالنبي ﵊ فيقول: (هل فيكم من يضيف هذا؟ فيسكت القوم أجمعون -وهذا دليل على أنه ليس في بيوتهم شيء-، فقال النبي ﷺ : يا أبا طلحة! خذ هذا وضيفه، فلما صدر إليه الأمر ما كان منه إلا أن ينصرف بضيف رسول الله إلى بيته، فلما دخل على أم سليم، قالت: من هذا يا أبا طلحة؟ قال: هذا ضيف رسول الله ﷺ قد أمرني أن أضيفه، فقالت: نعم الضيف، ولكن ليس عندي إلا طعام الأولاد، فاجتهدت في أن ينام الأولاد، فلما أفلحت في ذلك أحضرت الطعام ووضعته بين يدي أبي طلحة، وقالت: إن هذا الطعام لا يكفي إلا لواحد فقط يا أبا طلحة، فإذا وضعته بين يدي الضيف فأطفئ السراج، واصنع بيدك وفمك ما يصنع الآكل حتى توهمه أنك تشاركه في الطعام والشراب، ففعل ذلك أبو طلحة ﵁ حتى أكل الضيف جميع الطعام، فلما أصبح الصباح وغديا على رسول الله في صلاة الفجر، فقال النبي ﵊: يا أبا طلحة! لقد عجب الله من صنيعكما تلك الليلة) ما الذي دفع أم سليم إلى هذا الفعل وما الذي دفع أبا طلحة إلى هذا الفعل؟ إنه الإيمان بالله ، هذه الحلقة المفقودة عندنا الآن هي التي دفعت الصحابة ﵃ إلى نصرة هذا الدين بأموالهم وأنفسهم. وهذا أبو هريرة ﵁ الذي قال: كنت أعتمد بكبدي على الأرض من شدة الجوع، ولكنه إذا نودي للبذل والعطاء كان من أسرع الناس استجابة لشدة إيمانه بالله . وكما احتاج الإسلام إلى بذل النفس وبذل المال احتاج كذلك إلى أشي

стр. 57

أهمية الإيمان والعلم في مواجهة أزمات الأمة الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. إذا كنا -أيها الإخوة الكرام- جادين في نصر الإسلام وأهله فلا بد من عود حميد إلى الله ﵎، وإنني أردت بهذا الكلام نصيحة لنفسي أولاً وللمسلمين ثانياً، أننا لا بد وأن نكون صادقين في العزم وفي الرجوع إلى الله ﵎، هذا الذي تصلح به البلاد ويصلح به العباد، وغير ذلك مهما سعينا وبذلنا فإن الله لن يصلحنا أبداً إلا بالإخلاص ثم بالعقيدة الصحيحة السليمة. إن الأمة تمر الآن بأزمة في إيمانها، إن الأمة لا تعاني قط من أي أزمة أخرى، إلا أزمة الإيمان وأزمة العقيدة الصحيحة، ولذلك بوب البخاري عليه رحمة الله -وهو أول باب في البخاري - قال: باب بدء الوحي. ثم ثناه بكتاب الإيمان، ثم ثلث بكتاب العلم، كأنه أراد أن يقول: إن أول واجب على المسلم أن يتعلم إيمانه أن يؤمن بالله، وطريق الإيمان العلم، ولما كان مصدر ذلك الوحي فقد بدأ البخاري كتابه بكتاب بدء الوحي، ليدل على أن الوحي والإيمان والعلم مرتبط كله، أو مرتبط بعضه ببعض تمام الارتباط، وأنه لا غنى لواحد منهما عن الآخر، وقد عبر القرآن الكريم عن الإيمان أحسن تعبير، بل عبر عنه بأساليب شتى، فتارة يعبر عنه بأخذ العبرة من الحوارات التي دارت بين الأنبياء وبين أقوامهم، وتارة بضرب الأمثال، وتارة بذكر القصص، وتارة بالأمر بالإيمان كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. نعم الإيمان هو النور الذي وقر في القلب وهو العمل، ولذلك يقول أهل السنة والجماعة: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. فإيماننا يزيد بالطاعات، فلا بد وأن يرى الواحد منا موطنه عند الله إما بطاعته وإما بعصيانه، وأظن أن الكل يرى مكانه في الوحل ويرى منزلته عند الله في الدون لكثرة معاصيه وإقباله على الذنوب والآثام، وبعده عن الطاعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فنسأله ﵎ أن يردنا إلى دينه مرداً جميلا، وأن يمكن لهذا الدين تمكينا متينا. انظر -يا أخي الكريم- إلى موقف الصحابة ﵃، فقد حققوا كمال الإيمان وتمام الإيمان، فأتم الله تعالى عليهم النعمة وأكمل لهم الدين. نعم هذا حالهم وهذا حالنا، فالفرق بيننا وبينهم أنهم آمنوا بالله، وأما نحن فإن حالنا على غير تلك الحال التي كانوا عليها، ولذلك قضى النبي ﷺ عدة أعوام في الدعوة في مكة، هل يعلمهم الصلاة والزكاة والصيام والحلال والحرام؟ أبداً، إنما يعلمهم الإيمان، ويعلمهم السمع والطاعة، ولذلك هذا عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا جاء الرجل من البادية يأتي فيمسك بتلابيب النبي ﵊ ويقول: يا محمد! أعطني من مال الله فإنه ليس مالك ولا مال أبيك، فيقوم إليه عمر بن الخطاب ﵁ ويسل سيفه ويقول: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فيقول النبي ﷺ : لا يا عمر، اجلس. فيجلس عمر من كلمة واحدة، وكان عمر إذا قيل له: اتق الله بكى، والواحد منا لو تلي عليه القرآن من أوله إلى أخره لا يبكي ولا يتأثر به، لأن القلوب قد قست وتحجرت. وهذا سعد بن الربيع وسعد بن معاذ وغيرهما من كبار المهاجرين والأنصار رباهم النبي ﵊ على الإيمان، وعلى الإخلاص، وعلى التقوى، وعلى الورع، وعلى الزهد في الدنيا، فقاموا بذلك وضربوا المثل الأعلى في تحقيق الإيمان، انظر إلى سعد الذي إذا قيل له: لا تفعل يا سعد، يقول: سمعاً وطاعة لرسول الله، مع أن الأوس والخزرج دارت بينهم حروب طويلة. انظروا إلى الجاهلية العمياء، ثم يصنع الله ﵎ على أيدي رسوله من هؤلاء أئمة في الدنيا والدين كذلك؛ لأنهم قد حققوا الإيمان بالله ، هذا المطلوب منا أيها الإخوة الكرام.

стр. 58

أهمية اجتماع الصف الإسلامي وضابط الدعوة إليه وربما يقول قائل: إننا في حاجة إلى التجمع وإن العقيدة تقف حائلاً بيننا وبين ما نصبوا إليه. وهذه الشبهة يثيرونها بين الحين والحين، وأنا أقر بأننا في أمس الحاجة إلى التجميع والاتحاد، خاصة في وجه ذلك الطغيان الكفري الجارف الذي يلاحقنا في كل زمان ومكان، خاصة في هذا الزمان وخاصة في هذا البلد، نعم نحن في حاجة إلى تجمع وإلى اتحاد، ولكن هل يثمر التجمع ثماره إذا اجتمع السلفي والشيعي؟! هل تقبل أن يكون بجوارك من يقول: إن أبا بكر وعمر هما صنما قريش؟! هل تقبل من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان؟ هل تقبل من يقول: إن عائشة وقعت في الفاحشة حقاً؟! هل تقبل من يكفر معظم الصحابة؟! وهل تقبل من اتخذ دينه غناءً ورقصاً وطرباً ونغماً، واحتفالاً بالموالد، وطوافاً حول القبور؟! لقد مررنا بتجارب عظيمة في شرق الأرض وغربها، فلما اتحدوا على غير أساس سرعان ما انهاروا، بعد أن تخلصوا من عدوهم المشترك، اجتمعت الكتائب بعضها على بعض فأمعنوا القتل والسيف في رقابهم، وفي صدروهم، فكانت النتيجة أن ضحك العالم أجمع، وبينوا للعالم أجمع أن هذا هو الإسلام، فقد ضربوا أسوأ مثل للإسلام وأهله. فلا يمكن أبداً أن نجتمع إلا إذا اجتمعنا على العقيدة أولاً التي تثمر إيماناً خالصاً صادقاً قد زرع في القلوب وقد تمكن منها تمكن جذر الشجرة من باطن الأرض. لا بد أن تتحد العقيدة أولاً، واتحاد العقيدة هو طوق النجاة من تلك الفتن، لا بد من الرجوع إلى الله ﵎، ولكن لا بد أن يكون هذا الرجوع منضبطاً على أصول عقيدة الصحابة؛ لأنه بغير هذا الأصل سرعان ما ينهار هذا البناء فترجع الكرة خاسرة مرة بعد أخرى وتضيع الجهود التي تبذل؛ لأنها بذلت على غير أساس. أسأل الله ﵎ أن يمن علينا وعليكم بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصادق الخالص. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 59

الدين النصيحة لقد نصح الأنبياء والمرسلون أممهم وبلغوا رسالات ربهم على أكمل وجه، وبهذا تظهر أهمية النصيحة في الدين، ولأهميتها فقد جعلها النبي ﵊ هي الدين، فلا قيام له إلا بالنصيحة، وحدد ميادينها فجعلها لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.

стр. 60

عبادة الله تعالى غاية خلق العباد إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. يقول الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. فحصر الله ﵎ في هذه الآية الغاية من خلق الخلق أجمعين، وأن ذلك ما كان إلا لإخلاص العبادة له سبحانه. فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وعند أهل العربية أن (ما) و (إلا) للحصر، فهذه الآية قد جمعت هاتين الأداتين من أدوات الحصر، مما يدل على أن الخلق أجمعين ما خلقهم الله ﵎ إلا ليحققوا العبادة المحضة لله تعالى، ولما كانت العبادة قد أوكلت إلى الجن والإنس اختلفوا فيها لاختلاف علمهم وأمزجتهم وأفهامهم وعقولهم، لم يدع الله ﵎ الأمر إليهم، فإنه لم يخلقهم هملاً، ولم يتركهم سدى، إنما أرسل إليهم الرسل والأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، فلم تكن العبادة لله محل اجتهاد عابد من العباد، وإنما هي أمر توقيفي؛ لأن المرء إذا عبد الله تعالى بشيء من عنده لم يكن له فيه نص فقد خرج عن حد الشرع، وهذا هو حد الابتداع، وهو: أن تبتدع بشيء من عندك تتقرب به إلى الله تعالى لم يكن لك فيه دليل ولا نص.

стр. 61

نصح الأنبياء لأقوامهم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. يقول الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. فحصر الله ﵎ في هذه الآية الغاية من خلق الخلق أجمعين، وأن ذلك ما كان إلا لإخلاص العبادة له سبحانه. فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وعند أهل العربية أن (ما) و (إلا) للحصر، فهذه الآية قد جمعت هاتين الأداتين من أدوات الحصر، مما يدل على أن الخلق أجمعين ما خلقهم الله ﵎ إلا ليحققوا العبادة المحضة لله تعالى، ولما كانت العبادة قد أوكلت إلى الجن والإنس اختلفوا فيها لاختلاف علمهم وأمزجتهم وأفهامهم وعقولهم، لم يدع الله ﵎ الأمر إليهم، فإنه لم يخلقهم هملاً، ولم يتركهم سدى، إنما أرسل إليهم الرسل والأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، فلم تكن العبادة لله محل اجتهاد عابد من العباد، وإنما هي أمر توقيفي؛ لأن المرء إذا عبد الله تعالى بشيء من عنده لم يكن له فيه نص فقد خرج عن حد الشرع، وهذا هو حد الابتداع، وهو: أن تبتدع بشيء من عندك تتقرب به إلى الله تعالى لم يكن لك فيه دليل ولا نص.

стр. 62

نصح نوح ﵇ لقومه فمن فضل الله ورحمته بالخلق أن أرسل إليهم الرسل، فأول رسول أرسله هو نوح ﵊، فإن آدم كان نبياً، ومن بعده أرسل نوحاً رسولاً، فإنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم بشتى الوسائل والطرق والسبل، ولكن الله تعالى ما أراد لهم إرادة كونية الهداية والنور؛ لأنهم ثبتوا على كفرهم رغم أن نوحاً بذل النصيحة لهم أيما بذل، ولكنهم كذبوا وأعرضوا بل رموه بالضلال، فقال نوح ﵇: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٦١ - ٦٢]، وخص الله ﵎ في كتابه سورة كاملة لما كان من قوم نوح مع نبيهم ورسولهم، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:١ - ٣]. وهذه مهمة الخلق ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح:٣ - ٤] قال نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح:٦ - ٧] أي: وضعوها على أعينهم حتى لا يروا ولا يسمعوا كلامه، ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٧ - ٩]. أي: حتى لقنهم ما يقولون، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٤]. ثم ظل نوح على مدار السورة وغيرها يذكرهم بنعم الله وآلائه عليهم ولكنهم أعرضوا وكذبوا حتى مل منهم ولم يألفهم فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، وفي سورة هود يقول نوح ﵇: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤]. فانظروا إلى هذا النبي العظيم ما ترك النصيحة بالليل والنهار ولا سراً ولا علانية إلا وقد بذلها خير البذل لأمته؛ ولكنهم أعرضوا وتنكبوا الطريق فاستحقوا العذاب من الله ﵎.

стр. 63

نصح شعيب ﵇ لقومه وهذا شعيب ﵇ لما كذبه قومه أنزل الله ﵎ عليهم العذاب، وأما شعيب فتولى عنهم وقال: يا قوم إني رسول الله إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، فهذا شعيب لم يقصر في النصيحة كذلك، ولذلك لما أعرضوا عنه قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٣] أي: كيف أحزن عليكم؟! اذهبوا إلى حيث شئتم، إلى النار وبأس المصير؛ لأنكم لم تقبلوا النصح.

стр. 64

نصح صالح ﵇ لقومه وهذا صالح ﵇ بذل النصح لأمته، ولكنهم أعرضوا وعقروا الناقة عصياناً لله ، فأعرض عنهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩]. فكل نبي من الأنبياء إنما نصح لأمته ولم يقبضه الله ﵎ إلا بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لأمته خير نصيحة.

стр. 65

نصح محمد ﵊ لأمته وكذلك نبينا ﵊ لم يمت ولم يقبض إلى ربه إلا بعد أن أدى النصيحة لهذه الأمة وأكمل الله ﵎ به هذه الشريعة ورضي الله تعالى لنا النعمة خير رضا، ولكن هذه الأمة وإن كانت متبعة بأقوالها إلا أنها أعرضت وكذبت واستغنت بأعمالها وأفعالها، وإلا فما قولكم في القائل الذي يقول: هل تريدون أن ترجعوا بنا إلى العصر الحجري؟! هل تريدون أن ترجعوا بنا إلى عصر رعاية الأغنام؟! هل تريدون أن ترجعوا بنا إلى ما كان عليه البدو في باديتهم؟! إنما نحن متحضرون، ونحن في قرن التقدم والحضارة. إن الرد عليهم أن التقدم والحضارة إنما هو في اتباع الأنبياء والمرسلين لا في اتباع عقولكم ولا أهوائكم ومشاربكم، فإن هذه الحضارة لا بد وأن تزول في يوم من الأيام حتى يرجع الناس رغم أنوفهم إلى ما كان عليه رعاة الأغنام، وعليهم تقوم الساعة.

стр. 66

بيان حديث (الدين النصيحة)

стр. 67

أهمية النصيحة ومكانتها في الدين أيها الإخوة الكرام! إن نبينا ﷺ لم يمت حتى نصح لهذه الأمة، وكذلك كلف من أتى بعده بأن يكون ناصحاً لهذه الأمة، وبين النبي ﵊ أعظم ركن وأعظم فرض في هذا الدين فيما رواه مسلم من حديث تميم الداري أنه قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم). فانظروا إلى هذا الحديث فقد شمل الدين كله وعممه أحسن عموم، وفي هذا الحديث بيان أن النصيحة أعظم ركن في الإسلام؛ لأن كل مسلم مكلف بها. وقوله: (الدين النصيحة) كأنه أراد أن يقول: إن ذات الدين هي النصيحة، وإن النصيحة للأمة هي الدين، كما قال ﵊ (الحج عرفة)، ولا يعني ذلك أن الفرض الوحيد في الحج هو الوقوف بعرفة، ولكنه أعظم فرض، ولذلك خصه بالذكر، وأن من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج كله، ومن فرط أو قصر في غيره فإنه يجبر بذبح الهدي، والدين كله هو النصيحة. أما حديث عمر بن الخطاب ﵁ في الصحيحين وغيرهما -وهو المعروف بحديث جبريل الطويل-: (أنه طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه) لأنه من عادة السائل أن يكون جاهلاً، فكيف يصدق جواب المجيب؟! وهذا يدل على أنه ليس جاهلاً، وهذا معلوم ومقرر في طلب العلم، أنه يجوز للعالم أن يطرح المسألة على صاحب المجلس حتى يعلم الجاهل، (فقال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أنا وأنت فيها سواء لا يعلمها أحد من الخلق إنما استأثر الله ﵎ بعلمها، (قال: فأخبرني عن أماراتها) أي: عن أشراطها، ومقدماتها التي تظهر قبلها (قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان، فلبث ملياً ثم انطلق، فقال النبي ﵊: ردوه علي، فطفق القوم ليردوه فلم يجدوا شيئاً، فقال النبي ﵊: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم، وفي رواية: يعلمكم دينكم). فانظر إلى هذا الحديث فقد سمى الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة ديناً، فقول النبي ﵊: (الدين النصيحة) يدل على أن النصيحة لازمة في الإسلام، والإيمان، وأشراط الساعة، والإحسان، وهو: أن تعبد الله ﵎ كأنك تراه، فإن كان ذلك حالهم في الدنيا فإنه وارد وثابت لأهل الإيمان في الآخرة، كما أخبر النبي ﵊ وكان جالساً مع قومه في ليلة مقمرة، فسأله سائل: (هل نرى ربنا يا رسول الله؟ قال: نعم، إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه سحاب لا تضامون في رؤيته) أي: لا يحصل لكم ريب ولا شك. وأما أهل الكفر والعناد والجحود فإنهم يحال بينهم وبين رؤية المولى ﵎ عقوبة لهم.

стр. 68

مفهوم النصيحة فالنصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ وإرادة الخير للمنصوح له من جهة الناصح، بمعنى أن يبذل الناصح وسعه وجهده في نصح المنصوح حتى يعلم الخير ويجتنب الشر. وكذلك فعل الأنبياء والمرسلون صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين لأممهم. والنصيحة كلمة لا ترجمة لها في أي لغة من لغات العالم؛ لأن في الشرع كلمات ومصطلحات لا ترجمة حرفية لها من لفظها، ككلمة البركة، والفلاح، والنصيحة، وغيرها من الكلمات، فإن من أراد أن يترجم كلمة النصيحة لأي لغة من لغات العالم لا بد أن يستوعب ذلك سطراً أو سطرين حتى يؤدي معناً قريباً من معنى كلمة النصيحة، ولا يكون كذلك. قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه (بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم). وفي رواية لـ مسلم أيضاً من حديث جرير أنه قال (بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم).

стр. 69

حكم النصيحة فمبدأ النصح لأهل الإسلام كانت عليه البيعة لنبي الإسلام ﷺ ، وهذا فرض عظيم وأمر جلد أن يتناصح المسلمون فيما بينهم بذكر عيوبهم ثم مدحهم بما يستحقونه من مدح دون زيادة ولا نقصان إذا أمنت عليهم الفتنة بأن يغتروا بالمدح، والنبي ﵊ قد مدح بعض أصحابه ولم يمدح آخرين، فقد مدح أبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذاً، وغيرهم من الصحابة؛ لأنهم لا يغترون بهذا المدح ولا يخاف عليهم منه، وأن من خيف عليه أن يمدح في وجهه فإن النبي ﵊ قال في شأنه: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب). وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا مدحه أحد في وجهه حث التراب في وجهه حقيقة، وهذا محمول على ورعه وتقواه، وإلا فهو أكثر الصحابة لزوماً لآثار النبي ﵊، ولا يخاف عليه الفتنة، ولا يخاف عليه الاغترار بالمدح، وإنما فعل ذلك حفاظاً على قلبه فيما بينه وبين الله تعالى. والنصيحة أمر لازم، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له) أي: إذا طلب منك النصيحة فانصح له، (وإذا عطس فحمد الله فشمته) أي: إذا عطس فقال الحمد لله فقل له: يرحمك الله، ويرد عليك بما علمه النبي ﵊: يهديك الله ويصلح بالك، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، (وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه). فموطن الشاهد من هذا الحديث: (وإذا استنصحك فانصح له)، أي: ابذل له النصيحة مريداً للخير لا مريداً للشر، ولذلك قال النبي ﵊: (المستشار مؤتمن)، وقال: (من أشار على أخيه بشيء وهو يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه). ومعظم الأمة وقعت في الخيانة، وارتكبت ما ركبه أعداء الأمم والرسل والأنبياء من قبل نبينا عليه الصلاة والصلاة ومن بعده. وقال النبي ﵊: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: مناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، وأن تعتصموا بالله ولا تشركوا به أحداً). وفي الصحيحين من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل الجنة)؛ لأنه غاش لرعيته ولأمته، وهذا للأمراء والعلماء. وقال النبي ﵊ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة (إن الله يرضى لكم ثلاثاًَ: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم). فالنصيحة أمر لازم ولا قيام لأهل الإسلام إلا بها، وهي جزء من الواجب الأعظم الذي رتب الله ﵎ عليه خيرية هذه الأمة، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فأخر الإيمان وقدم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه السياج الذي يحيط بالإيمان ويحافظ عليه، ولو أن المؤمنين فيما بينهم لم يتناصحوا لا بد وأن ينقص إيمانهم؛ لأن الرجل يرى العيب في أخيه ولا يدله على الخير ولا ينبهه إلى مكمن الخطر، وكل عيب ينقص بالإيمان كما أن كل خير يزداد به، فتصور لو أن المسلمين أجمعوا ألا يتناصحوا فيما بينهم كيف يكون الحال حينئذ؟ إنها أمة تضرب في أطناب الضلالة إذا أجمعوا على ذلك، ومعاذ الله أن تجمع الأمة على أمر يخالف كتاب ربها وسنة نبيها؛ لأن النبي ﵊ أخبر في صحيح سنته أن هذه الأمة لا تجتمع على الضلالة أبداً، أي: في مجموعها، ولا يمكن أن يخفى عليها الحق ولا أن يعم فيها الباطل حتى لا يجد هذا الباطل من يرده.

стр. 70

معنى النصيحة لله تعالى ولا بد أن نرجع إلى أصل حديثنا وعمدة كلامنا، وهو حديث تميم الداري (الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله) استفسار وبيان؛ لأن الأمر مستغلق (قال: لله) وهل يحتاج الله ﵎ إلى نصيحة عبد من عباده؟! حاشا لله أن يكون هذا في ذهنك، فإن الله ﵎ قد كلفك بأن تكون ناصحاً له بمعنى: مخلصاً له، فالنصيحة هنا في جنب الله ﵎ بمعنى الإخلاص، كما تقول: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، والإخلاص لله ﵎ يعني أن تعبد الله ﵎، ولا تشرك به شيئاً، أن تعبد الله ﵎ بما أمر وأن تنتهي عما نهاك عنه، فإن كنت كذلك فأنت ناصح لله ﵎، وهو أعظم ركن وأوجب الواجبات على العباد، وهو توحيد الله ﵎، كما في الصحيح وغيره أن معاذ بن جبل ردف النبي ﷺ فقال النبي ﵊: (يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سكت وسار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: أتدري ما حق الله على العبيد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، ثم سار ساعة وقال يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: أتدري ما حق الله على العبيد؟) فعل ذلك ثلاثاً ليجمع حواس معاذ كلها؛ لأن الأمر ثقيل وعظيم والمهمة خطيرة وهي التي لأجلها خلق معاذ وغيره (قال: يا معاذ بن جبل! حق الله على العبيد أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئا)، وفي رواية (أن يوحدوه). (يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق العبيد على الله؟). وهل على الله حق لخلقه؟ إن هذا الواجب الذي أوجبه الله على نفسه هو من فضل الله ونعمه وليس واجباً في مقابل حق، وإلا فلو أن أعمال العباد بأسرها وزنت في مقابل نعمة واحدة من نعم الله عليهم لطاشت عبادتهم، ولكن الله تعالى تفضل علينا بأن أمرنا بعبادته والإخلاص فيها في مقابل الجنة التي خلقها لأهل الطاعة وقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، وخلق النار للعصاة والكافرين والملاحدة وقال: يا أهل النار! خلود بلا موت، فإن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وقد دخل الجنة نبينا ﵊ ورأى فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد اطلع على النار فرأى أكثر أهلها النساء، قال النبي ﵊ واعظاً لهن: (يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة جزلة -عاقلة- وقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير، يحسن الرجل الدهر كله إليكن، فإذا ما بدا منه في يوم شيء قلتن: ما رأينا منك خيراً قط، كفران النعم والعشير يستوجبان دخول النار، فاتقين الله يا معشر النساء). قال رسول الله ﷺ : (يا معاذ بن جبل أتدري! ما حق العبيد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟) أي: إذا عبدوا الله ولم يشركوا به شيئاً (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقهم على الله إذا هم فعلوا ذلك ألا يعذبهم)، وفي رواية أخرى: (أن يدخلهم الجنة) , فالأنبياء والمرسلون هم أعظم الخلق جميعاً، قاموا لله ﵎ بالنصيحة وبالإخلاص في العبادة وتوحيده حق التوحيد، بحيث لم يخالطه شك ولا ريب، كما لم يخالطه شرك ولا ظلم، ومن بعدهم أصحابهم وحواريوهم؛ لأنهم تربوا على أيدي أنبيائهم ورسلهم فقاموا لله ﵎ بالنصيحة، ومن بعدهم أتباعهم، وخاصة أتباع نبينا محمد ﷺ . فهذا ابن عباس ﵁، وإني أريد أن أتغاضى عن عبادة ابن عباس وخوفه من الله ورجائه في الله، الذي مات عنه النبي ﵊ وهو صغير في السن كما مات عن عائشة خير الصحابيات وخير النساء وخير العالمات، ولكني أذكر مثلاً ممن تربى في حجر عبد الله بن عباس وفي حجر أنس بن مالك، وهو أبو قلابة الجرمي عبد الله بن زيد البصري رحمه الله تعالى، يقول عنه ابن عباس: لو كان هذا في الصحابة لكان علماً، وقال: لو رآه النبي ﵊ لأحبه وقربه. أخرج ابن حبان في كتابه الثقات في أول الجزء الخامس في ترجمة عبد الله بن زيد الجرمي أبي قلابة البصري من طريق الأوزاعي قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: بينما نحن مرابطون ذات يوم -أي: في ثغر من ثغور الجهاد- إذا نزلت وادياً وبهذا الوادي خيمة فدخلتها وإذا فيها رجل قد فقد يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره، ولم يكن له من جوارحه إلا لسانه، فسمعته يقول: اللهم أوزعني أن أحمدك حمداً أكافئ به نعمك علي، وأن أشكرك على ما تفضلت به علي وفضلتني على كثير

стр. 71

معنى النصيحة لكتاب الله الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: فالنصيحة لله ﵎ -أيها الإخوة الكرام- أن تتوجهوا بقلوبكم وجوارحكم إليه سبحانه، وأن تتضرعوا إليه في الليل والنهار، وأن تخشوه حق خشيته في السر والعلن، وأن تجأروا إليه بأن يكشف عن هذه الأمة البلاء. أما النصيحة لكتاب الله ﵎ فهي أن تؤمن بأن هذا الكتاب أعظم كتاب أنزله الله ﵎ على رسوله، وأنه كلام الله ﵎ منه بدأ وإليه يعود، وأنه ليس مخلوقاً، وأن كلام الله ليس مخلوقاً؛ لأن كل مخلوق مربوب وكل مربوب حادث وكل حادث إلى زوال وفناء، وحاشا لأسماء الله وصفاته أن تكون مخلوقة، فإن صفات الله ﵎ وأسمائه لازمتان له، فإن الله ﵎ اسمه الرزاق قبل أن يخلق الخلق، فهو موصوف بالرزاق قبل أن يخلق الخلق؛ لأن صفة الله ﵎ واسم الله ﵎ أزليان أبديان بلا أول ولا نهاية، وأسماء الله ﵎ وصفاته لازمة له، فكما استحق الله ﵎ أنه الأول والآخر، فكذلك استحقت هذه الأسماء في أوليته ولا آخر لها؛ لأنها لازمة لا تفنى، ومن قال بأن القرآن مخلوق لا بد لزاماً أن يقول: إنه يفنى، وهذا قول المعتزلة، وهي شر مقولة أحدثت في القرن الثالث الهجري في دولة العباسين، ولكن الله ﵎ قيض لها ذلك الجبل الفذ الشامخ أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ورضي عنه، فثبت هذه الأمة على عقيدة نبيها في أسماء الله وصفاته، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال بأنه مخلوق فقد كفر، وأما السلاطين والحكام في ذلك الزمان فكانوا على عقيدة أخرى، ومنهم عالم السوء أحمد بن أبي دؤاد الذي صور لهم وزين لهم الباطل وقال: القرآن شيء والله ﵎ خالق كل شيء، ودعا أحمد للمناظرة بين يدي الحاكم وقال: يا أحمد بن حنبل! أليس الله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]؟ قال: بلى. قال: أوليس القرآن شيء؟ قال أحمد: بلى. قال: إذاً: (كل شيء هالك إلا وجهه)! قال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أوليس الله خالق كل شيء؟ قال: بلى. قال: أوليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]؟ قال: بلى. قال: أو تعتقد أن الله يدمر هذا القرآن. فسكت ابن أبي دؤاد، ولم يحر جواباً، فكان النصر لعقيدة أهل السنة والجماعة. ويرجع الفضل في غرس العقيدة لهذه الأمة بأسرها إلى أحمد بن حنبل ﵁، لا أقول: في القرن الثالث ولكن إلى قيام الساعة، ولذلك أشفق عليه بعض أهل زمانه من الصلحاء، وقالوا: يا أحمد! إنما هي كلمة تقولها وتنجو من السيف، فقال أحمد: أهلك ولا تهلك الأمة بأسرها، أموت أنا ولا تموت الأمة بأسرها، إنما أنا رجل وهذه أمة، فلو أني قلت بقول المعتزلة لضلت الأمة بعدي إلى قيام الساعة، وكان ذلك محل خلاف حتى عند أهل السنة والجماعة من بعده، وأيد الله تعالى الإمام أحمد لصد هذه الفتنة فوقف لها في مهدها وعلمت الأمة إلى قيام الساعة بعقيدة نبيها وأصحاب نبيها والأئمة المتبوعين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل. قال أحمد: انظروا إلى هذه المحابر إنها وقفت لتكتب ما أقول. قال ابن الجوزي: وكانوا يقدرون بألفي ألف، يعني: باثنين مليون مسلم اجتمعوا ليروا نتيجة المناظرة هل يخضع الإمام أحمد لأمر السلطان وينحرف عن عقيدة نبيه أم يختار أن تهلك نفسه ولا تهلك الأمة بأسرها؟ فنصح أحمد لهذه الأمة برها وفاجرها مؤمنها وفاسقها كبيرها وصغيرها رجالها ونسائها وهو رجل واحد، لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت احتاجت فيه إليه الأمة، وهذا من النصيحة لكتاب الله، أن تؤمن أنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود ، وأن تؤمن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو الكتاب المهيمن والمسيطر والقادر والناسخ لجميع الكتب السابقة، فليس لأحد الآن أن يقول: أنا تابع لصالح أو لشعيب أو لهود أو لموسى أو لعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن هذا كفر؛ لأنه لما بعث النبي ﵊ وجب على كل الخلق أجمعين أن يتبعوه. وقال النبي ﵊ في شأن موسى: (والذي نفسي بيده لو أن موسى حي ما وسعه إلا أن يتبعني). وقال في شأن عيسى ﵇ بعد أن رفعه الله تعالى إليه فهو حي عند ربه حياة لا يعلمها إلا من هو، (فينزل في آخر الزمان يكسر الصليب ويقتل الخنزير) وهما شعار النصارى، فيتبرأ منهم بل إنه يقاتلهم عند باب لد عند مقتل المسيح الدجال. فإن من تشبث الآن بموسى أو بعيسى فليعلم أنهما بريئان منه، وليعلم أنه لا د

стр. 72

معنى النصيحة لرسوله ﵊ والنصيحة لرسوله ﷺ أن تؤمن به وأن تعظمه وأن تشرفه وأن تنصره، فتنصر سنته وتميز بين صحيحها وسقيمها إن كنت من أهل العلم، وأن تدعو إليها وإلى التمسك بها وأن تذب عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ثم أن تحب ما أحب الله ورسوله، وأن تبغض ما أبغضه الله ورسوله، فهذا من الإخلاص لله ولرسوله، بل ومن الإخلاص للكتاب، وأن تقدم محاب الله ومحاب رسوله على كل محبوب وعلى هواك ونفسك والشيطان، وأن تأتمر بأوامر النبي ﵊، وأن تنتهي بنواهيه، فإن كنت كذلك فاعلم أنك ناصح لكتاب الله ولرسوله، وإن كنت غير ذلك فلا تلومن إلا نفسك، والنصيحة فيها كلام كثير ولكني أخشى الإطالة، فأقول: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وأئمة المسلمين بالدرجة الأولى هم علماؤهم وولاة أمورهم، وفي الجملة يقول النبي ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

стр. 73

قبل أن تغرق السفينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان المجتمع، وضمان أكيد لبقاء أمن وسلامة الأمة أن تصاب بعذاب، وقد اعتبره البعض الركن السادس من أركان الإسلام، وهو واجب على كل المسلمين، وشامل لكل طبقات المجتمع، وداخل في أصول الشرع وفروعه. ويشترط في الآمر والناهي أن يكون عالماً بالأمر والنهي، حكيماً في اختيار الوقت، ناصحاً لله ولرسوله، لا ينتقم لنفسه، ولا يسعى لحظوظه الدنيوية، جريئاً في قول الحق لا يخاف في الله لومة لائم.

стр. 74

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمة أفراداً وجماعات إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أخرج البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (مثل القائم في حدود الله والتارك لذلك، كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، قال النبي ﷺ : فلو أنهم تركوهم لهلكوا جميعاً، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). هذا الحديث أصل في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا لنعتقد اعتقاداً جازماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب تجمع الأمة بعد تفرقها، وعزها بعد ذلها، وكرامتها بعد إهانتها، بل لا يحصل للأمة الأمن من جميع المخاوف إلا إذا قام كل فرد من أفرادها بهذا الواجب العظيم، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يأمر بما عرفه الشرع وأقره وشرعه، وأن ينهى عما نهى عنه الشرع وحرمه أو كرهه. ولما كانت الأمة لا تبلغ مأمنها إلا بهذا الواجب العظيم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. قال غير واحد: ومن الظلم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم تلبس إيمانها بهذا الظلم، أي: بالتفريط في هذا الواجب العظيم.

стр. 75

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديمه على الإيمان وردت آيات وأحاديث تفيد بإطلاقها وظاهرها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد حتى وإن كان جاهلاً. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فذكر الإيمان بالله بعد هذا الواجب العظيم، لا لأن الله تعالى قد فرضه علينا قبل الإيمان، ولكن لأهميته في حفظ الإيمان؛ فإن الإيمان لا يحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠] فهو يفيد حصر جميع أفراد الأمة رجالاً ونساءً، وهذا يعني أن ذلك واجب على كل مكلف، وهذا احتراز من المجنون، أو السفيه، أو الطفل الذي لم يبلغ، أما الرجال والنساء فإن الجميع مكلف بهذا الواجب العظيم. وفي آية أخرى يبين الله ﵎ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا تخلف عنه الجميع أثموا، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: طائفة يا معشر المسلمين، ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] والخير: هو الإسلام، أو الدين، أو الإحسان، أو كل ما شرعه الله تعالى ورسوله من الحلال والحرام وغير ذلك. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]. فإذا فعلوا ذلك فقد رتب الله ﵎ على حسن صنيعهم الفلاح في الدنيا والآخرة، ولذلك قال في نهاية الآية: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وقال الله تعالى لنبيه آمراً إياه أن يصدع بالحق الذي جاء به، فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] وهذه الآية آية مكية، والنبي ﵊ أُمر بإعلان الدعوة قبل الهجرة إلى المدينة النبوية المشرفة. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. بعض الناس يظن أن الأمر للتخيير، وهو للتهديد والوعيد! فمن شاء منكم أن يؤمن فله الجزاء الأوفى، ومن شاء منكم أن يكفر فله العقاب. فقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: ما عليك إلا أن تقول بالحق يا محمد أنت ومن تبعك أنت ومن سار على نهجك أنت ومن آمن بك، فمن شاء بعد ذلك من الناس أن يؤمن، ومن شاء منهم بعد ذلك أن يكفر، والله ﵎ قد أعد لكلا الفريقين جزاءه، إما جنة وإما ناراً.
следующие страницы →