← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معنى النصيحة لكتاب الله الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد: فالنصيحة لله ﵎ -أيها الإخوة الكرام- أن تتوجهوا بقلوبكم وجوارحكم إليه سبحانه، وأن تتضرعوا إليه في الليل والنهار، وأن تخشوه حق خشيته في السر والعلن، وأن تجأروا إليه بأن يكشف عن هذه الأمة البلاء. أما النصيحة لكتاب الله ﵎ فهي أن تؤمن بأن هذا الكتاب أعظم كتاب أنزله الله ﵎ على رسوله، وأنه كلام الله ﵎ منه بدأ وإليه يعود، وأنه ليس مخلوقاً، وأن كلام الله ليس مخلوقاً؛ لأن كل مخلوق مربوب وكل مربوب حادث وكل حادث إلى زوال وفناء، وحاشا لأسماء الله وصفاته أن تكون مخلوقة، فإن صفات الله ﵎ وأسمائه لازمتان له، فإن الله ﵎ اسمه الرزاق قبل أن يخلق الخلق، فهو موصوف بالرزاق قبل أن يخلق الخلق؛ لأن صفة الله ﵎ واسم الله ﵎ أزليان أبديان بلا أول ولا نهاية، وأسماء الله ﵎ وصفاته لازمة له، فكما استحق الله ﵎ أنه الأول والآخر، فكذلك استحقت هذه الأسماء في أوليته ولا آخر لها؛ لأنها لازمة لا تفنى، ومن قال بأن القرآن مخلوق لا بد لزاماً أن يقول: إنه يفنى، وهذا قول المعتزلة، وهي شر مقولة أحدثت في القرن الثالث الهجري في دولة العباسين، ولكن الله ﵎ قيض لها ذلك الجبل الفذ الشامخ أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ورضي عنه، فثبت هذه الأمة على عقيدة نبيها في أسماء الله وصفاته، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال بأنه مخلوق فقد كفر، وأما السلاطين والحكام في ذلك الزمان فكانوا على عقيدة أخرى، ومنهم عالم السوء أحمد بن أبي دؤاد الذي صور لهم وزين لهم الباطل وقال: القرآن شيء والله ﵎ خالق كل شيء، ودعا أحمد للمناظرة بين يدي الحاكم وقال: يا أحمد بن حنبل! أليس الله قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]؟ قال: بلى. قال: أوليس القرآن شيء؟ قال أحمد: بلى. قال: إذاً: (كل شيء هالك إلا وجهه)! قال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أوليس الله خالق كل شيء؟ قال: بلى. قال: أوليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]؟ قال: بلى. قال: أو تعتقد أن الله يدمر هذا القرآن. فسكت ابن أبي دؤاد، ولم يحر جواباً، فكان النصر لعقيدة أهل السنة والجماعة. ويرجع الفضل في غرس العقيدة لهذه الأمة بأسرها إلى أحمد بن حنبل ﵁، لا أقول: في القرن الثالث ولكن إلى قيام الساعة، ولذلك أشفق عليه بعض أهل زمانه من الصلحاء، وقالوا: يا أحمد! إنما هي كلمة تقولها وتنجو من السيف، فقال أحمد: أهلك ولا تهلك الأمة بأسرها، أموت أنا ولا تموت الأمة بأسرها، إنما أنا رجل وهذه أمة، فلو أني قلت بقول المعتزلة لضلت الأمة بعدي إلى قيام الساعة، وكان ذلك محل خلاف حتى عند أهل السنة والجماعة من بعده، وأيد الله تعالى الإمام أحمد لصد هذه الفتنة فوقف لها في مهدها وعلمت الأمة إلى قيام الساعة بعقيدة نبيها وأصحاب نبيها والأئمة المتبوعين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل. قال أحمد: انظروا إلى هذه المحابر إنها وقفت لتكتب ما أقول. قال ابن الجوزي: وكانوا يقدرون بألفي ألف، يعني: باثنين مليون مسلم اجتمعوا ليروا نتيجة المناظرة هل يخضع الإمام أحمد لأمر السلطان وينحرف عن عقيدة نبيه أم يختار أن تهلك نفسه ولا تهلك الأمة بأسرها؟ فنصح أحمد لهذه الأمة برها وفاجرها مؤمنها وفاسقها كبيرها وصغيرها رجالها ونسائها وهو رجل واحد، لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت احتاجت فيه إليه الأمة، وهذا من النصيحة لكتاب الله، أن تؤمن أنه كلام الله منه بدأ وإليه يعود ، وأن تؤمن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو الكتاب المهيمن والمسيطر والقادر والناسخ لجميع الكتب السابقة، فليس لأحد الآن أن يقول: أنا تابع لصالح أو لشعيب أو لهود أو لموسى أو لعيسى عليهم الصلاة والسلام، فإن هذا كفر؛ لأنه لما بعث النبي ﵊ وجب على كل الخلق أجمعين أن يتبعوه. وقال النبي ﵊ في شأن موسى: (والذي نفسي بيده لو أن موسى حي ما وسعه إلا أن يتبعني). وقال في شأن عيسى ﵇ بعد أن رفعه الله تعالى إليه فهو حي عند ربه حياة لا يعلمها إلا من هو، (فينزل في آخر الزمان يكسر الصليب ويقتل الخنزير) وهما شعار النصارى، فيتبرأ منهم بل إنه يقاتلهم عند باب لد عند مقتل المسيح الدجال. فإن من تشبث الآن بموسى أو بعيسى فليعلم أنهما بريئان منه، وليعلم أنه لا د

стр. 72

معنى النصيحة لرسوله ﵊ والنصيحة لرسوله ﷺ أن تؤمن به وأن تعظمه وأن تشرفه وأن تنصره، فتنصر سنته وتميز بين صحيحها وسقيمها إن كنت من أهل العلم، وأن تدعو إليها وإلى التمسك بها وأن تذب عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ثم أن تحب ما أحب الله ورسوله، وأن تبغض ما أبغضه الله ورسوله، فهذا من الإخلاص لله ولرسوله، بل ومن الإخلاص للكتاب، وأن تقدم محاب الله ومحاب رسوله على كل محبوب وعلى هواك ونفسك والشيطان، وأن تأتمر بأوامر النبي ﵊، وأن تنتهي بنواهيه، فإن كنت كذلك فاعلم أنك ناصح لكتاب الله ولرسوله، وإن كنت غير ذلك فلا تلومن إلا نفسك، والنصيحة فيها كلام كثير ولكني أخشى الإطالة، فأقول: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وأئمة المسلمين بالدرجة الأولى هم علماؤهم وولاة أمورهم، وفي الجملة يقول النبي ﷺ (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

стр. 73

قبل أن تغرق السفينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان المجتمع، وضمان أكيد لبقاء أمن وسلامة الأمة أن تصاب بعذاب، وقد اعتبره البعض الركن السادس من أركان الإسلام، وهو واجب على كل المسلمين، وشامل لكل طبقات المجتمع، وداخل في أصول الشرع وفروعه. ويشترط في الآمر والناهي أن يكون عالماً بالأمر والنهي، حكيماً في اختيار الوقت، ناصحاً لله ولرسوله، لا ينتقم لنفسه، ولا يسعى لحظوظه الدنيوية، جريئاً في قول الحق لا يخاف في الله لومة لائم.

стр. 74

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمة أفراداً وجماعات إن الحمد لله تعالى؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أخرج البخاري في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (مثل القائم في حدود الله والتارك لذلك، كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، قال النبي ﷺ : فلو أنهم تركوهم لهلكوا جميعاً، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). هذا الحديث أصل في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإننا لنعتقد اعتقاداً جازماً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب تجمع الأمة بعد تفرقها، وعزها بعد ذلها، وكرامتها بعد إهانتها، بل لا يحصل للأمة الأمن من جميع المخاوف إلا إذا قام كل فرد من أفرادها بهذا الواجب العظيم، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يأمر بما عرفه الشرع وأقره وشرعه، وأن ينهى عما نهى عنه الشرع وحرمه أو كرهه. ولما كانت الأمة لا تبلغ مأمنها إلا بهذا الواجب العظيم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. قال غير واحد: ومن الظلم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولم تلبس إيمانها بهذا الظلم، أي: بالتفريط في هذا الواجب العظيم.

стр. 75

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقديمه على الإيمان وردت آيات وأحاديث تفيد بإطلاقها وظاهرها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل أحد حتى وإن كان جاهلاً. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فذكر الإيمان بالله بعد هذا الواجب العظيم، لا لأن الله تعالى قد فرضه علينا قبل الإيمان، ولكن لأهميته في حفظ الإيمان؛ فإن الإيمان لا يحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠] فهو يفيد حصر جميع أفراد الأمة رجالاً ونساءً، وهذا يعني أن ذلك واجب على كل مكلف، وهذا احتراز من المجنون، أو السفيه، أو الطفل الذي لم يبلغ، أما الرجال والنساء فإن الجميع مكلف بهذا الواجب العظيم. وفي آية أخرى يبين الله ﵎ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، وإذا تخلف عنه الجميع أثموا، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران:١٠٤] أي: طائفة يا معشر المسلمين، ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] والخير: هو الإسلام، أو الدين، أو الإحسان، أو كل ما شرعه الله تعالى ورسوله من الحلال والحرام وغير ذلك. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]. فإذا فعلوا ذلك فقد رتب الله ﵎ على حسن صنيعهم الفلاح في الدنيا والآخرة، ولذلك قال في نهاية الآية: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وقال الله تعالى لنبيه آمراً إياه أن يصدع بالحق الذي جاء به، فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] وهذه الآية آية مكية، والنبي ﵊ أُمر بإعلان الدعوة قبل الهجرة إلى المدينة النبوية المشرفة. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. بعض الناس يظن أن الأمر للتخيير، وهو للتهديد والوعيد! فمن شاء منكم أن يؤمن فله الجزاء الأوفى، ومن شاء منكم أن يكفر فله العقاب. فقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: ما عليك إلا أن تقول بالحق يا محمد أنت ومن تبعك أنت ومن سار على نهجك أنت ومن آمن بك، فمن شاء بعد ذلك من الناس أن يؤمن، ومن شاء منهم بعد ذلك أن يكفر، والله ﵎ قد أعد لكلا الفريقين جزاءه، إما جنة وإما ناراً.

стр. 76

مراتب تغيير المنكر وعاقبة من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نعى الله ﵎ على بني إسرائيل ولعنهم لتركهم هذا الأمر، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. والنبي ﵊ يفسر هذه الآية فيقول: (إن علماء بني إسرائيل كانوا يمرون بأقوامهم وهم على المعاصي، فيأمرونهم وينهونهم، ثم ينصرفون عنهم، فإذا أتوا عليهم من غد لم يكن عليهم حرج -أي: لم ير أحد منهم عليه حرجاً- أن يكون أكيله وجليسه وشريبه، فضرب الله ﵎ قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﵉. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره)، وهذا أمر يفيد الوجوب، ويفيد أن من ترك ذلك مع القدرة عليه فهو آثم؛ لأنه قد فرط في واجب عظيم من واجبات الشرع. ولعلكم تعلمون أن بعض أهل العلم قد عدوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الإسلام، ولكن جمهور أهل العلم قالوا: ليس بفرض على الحقيقة، أي: لا يساوي الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، ولكنه يقصر عن ذلك قليلاً، وهذا يعني أنه عندهم واجب محتم من واجبات الشرع، قد وردت به الأوامر في الكتاب والسنة. قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)، ثم بين أن الإنكار بالقلب هو أضعف الإيمان فقال: (وذلك أضعف الإيمان)، وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). يعني: أقل درجات الإنكار أن تنكر بقلبك، وأن تغضب لله ، وأن يتمعر وجهك لانتهاك حرمة من حرماته . أما التغيير باليد فهو مكفول لكل أحد كان بإمكانه أن يغير بهذه الوسيلة، لكن لهذا التغيير ضوابط سنذكرها -بإذن الله تعالى- فإن عجز أن يغير باليد، وجب عليه أن ينتقل بعد ذلك للمرحلة الوسطى، وهي: التغيير باللسان إن كان من أهل البيان والفصاحة والعلم؛ فإن لم يكن كفؤاً لذلك وجب عليه وجوباً وقبل أن ينتقل إلى المرحلة الدون: وهي الإنكار بالقلب، أن يترك مكان المعصية، وينصرف بعد أن يعلن النكير بوجهه أو بحركاته أو غير ذلك. المهم ألا يترك أصحاب المعصية إلا وقد أخبرهم بلسان حاله أنه غير راض عن ذلك. عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره) أي: في وقت نشاطنا، وفي وقت كرهنا، والمراد في كل أحوالنا: (وفي العسر واليسر) أي: في وقت المال، وفي وقت عدمه، (وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن نجد كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان) أي: لنا فيه من الله بيان ساطع لا يختلف عليه اثنان، ثم قال: (وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم) أي: أن نصدع بالحق لا نخاف أحداً لا كبيراً ولا صغيراً، لا حاكماً ولا محكوماً، لا طاغية ولا مؤمناً، وأن نقول به أينما كنا، حتى وإن كنا في أحلك الظروف وأسوئها، لابد أن نصدع بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم. أي: إذا لامنا أحد فإننا لا نخاف إلا أن نكون قد ارتكبنا معصية تغضب الله ﵎. وما الذي يجعل المرء منا يتقهقر ويتقاعس عن الدعوة إلى الله ، وعن الإيمان بالله ، وعن الصدع بالحق أينما كان؟ لماذا يخشى الناس والله ﵎ أشد بأساً وأشد تنكيلاً؟! فإذا كان عذاب الله ﵎ هو أشد وأبقى من عذاب جميع المخلوقين، فلماذا الخوف من المخلوقين إذاً؟! إن المخلوق مهما بلغت قوته لا يملك سلطاناً إلا على بدنك، أما سلطان القلب فإنه لا يقوى عليه، ولذلك يقول أهل العلم: الإنكار بالقلب في مقدور كل إنسان. يقول النبي ﵊ -كما في حديث زينب بنت جحش لما قام من الليل فزعاً-: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بالإبهام والتي تليها)، ويأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى، وإذا كان ذلك الفتح من الردم في زمانه ﵊ وقد فزع فكم قد بلغ هذا الفتح الآن؟ والله أعلم إذا كان يتسع أو لا، أو أنه يفتح مرة واحدة، ولكن النبي ﵊ قال: (ويل للعرب) وخص العرب بالذكر؛ لأن دين الإسلام بدأ فيهم، وهم نواة الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بالإبهام والتي تليها، قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث).

стр. 77

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الطرقات عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن النبي عليه الصلاة نهى أصحابه عن الجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد) أي: لابد أن نجلس فيها، ونتحادث فيها، ونتسامر، ويقضي أحدنا حاجة أخيه، وذلك لا يكون إلا من خلال هذه الأماكن، فقال النبي ﵊: (إذا لم يكن لكم منها بد فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: رد السلام، وكف الأذى، وغض البصر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). أمر الله ﵎ الذين يجلسون على المقاهي بهذه الأوامر، مع العلم أنه قل أن تجد رجلاً على المقهى أو في الطرقات إلا وقد جلس خصيصاً لتصويب النظر، والنبي ﵊ إنما أذن لهم في ذلك بشرط غض البصر، ورد السلام؛ لأن رده واجب، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مَن مِن الناس يفعل ذلك؟ فهذا حق الطريق، وإلا فالجلوس على قارعة الطريق ممنوع إلا بهذه الشروط. حتى قال أبو حامد الغزالي: لا يحل للرجل في مجلسه أن ينظر إلى ما في يد أخيه. ولذلك قال غير واحد من أهل العلم كـ ابن الجوزي، وابن رجب: وإن الرجل لينظر إلى أخيه وفي يده حاجات بيته، فيقول وهو جالس في المجلس: إن فلاناً أتى لأهله بلحم أو خبز، قال ابن رجب: هذا عين الحرام. أي: أن تنظر إلى كيس في يد أخيك، فضلاً عن أن تنظر إلى امرأة.

стр. 78

الإنكار على من لبس الحرير والذهب من الرجال نهى النبي ﵊ عن لبس الرجال للذهب والحرير، وأخذ حريراً بيد، وأخذ ذهباً باليد الأخرى وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها)، والرجل لا يحتاج مطلقاً إلى أن يتحلى بالذهب؛ لأن الله تعالى حرمه عليه، والرسول ﵊ حرمه، ولذلك لما وجد النبي ﵊ في إصبع رجل ذهباً نزعه منه نزعاً ثم ألقاه على الأرض، وقال: (أتحب أن تختم بخاتم من نار يوم القيامة؟، ثم تركه النبي ﵊ وانصرف، فقال له بعض القوم: خذ خاتمك فانتفع به، فقال: والله ما كنت لآخذ شيئاً طرحه رسول الله ﷺ . طرحه النبي ﵊ ولم يرضه لي، ولم يقل كما نقول: بإمكاني أن أذهب به فأبيعه للتاجر، أو لنصراني أو يهودي، أو أعطيه امرأتي تنتفع به أو غير ذلك، بل قال: (والله ما كنت لآخذ شيئاً طرحه النبي ﵊ وهذا مثال المؤمن الحق الصادق مع الله ﵎، ومع رسوله ومع نفسه.

стр. 79

التحذير الشديد والوعيد من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال حذيفة ﵁ قال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). يعني: إما أن تقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإما أن يضرب الله ﵎ قلوب بعضكم ببعض، وينزل عليكم من السماء عقوبة جازمة حاسمة، ثم تدعونه أن يرفع عنكم هذه العقوبة فلا يستجيب الله ﵎ لكم؛ لأنه ما أنزلها إلا لتفريطكم في واجب أوجبه عليكم.

стр. 80

فضل الإنكار على السلاطين والأمراء العصاة الظلمة ووجوبه قال النبي ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق). وفي رواية: (كلمة عدل عند سلطان جائر). أفضل الجهاد كلمة عدل وحق في وجه سلطان جائر، ليس بعيداً عنه، وإنما في وجهه مباشرة، حتى يعلم أنه جائر وظالم، فإما أن يغير، وإما كما في حديث عبادة: (إلا أن نرى كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان). وهذا النبي ﵊ جعل مواجهة الحاكم، وذكر عيوبه في وجهه مباشرة إذا كان معانداً أو مصراً، جعل ذلك من أفضل مراتب الجهاد عند الله، قال: (أفضل الجهاد عند الله كلمة عدل) أي: يقوم بها رجل عالم مخلص في وجه سلطان جائر، ووصفه بالجور والظلم والخيانة. قال الحسن البصري: دخل عائذ بن عمرو على عبيد الله وهو أمير فقال عائذ لـ عبيد الله: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن شر الرعاء الحطمة) الرعاء جمع: راع، والراعي: هو الحاكم والسلطان والأمير والرئيس والقائد والملك وغير ذلك من هذه التسميات، فقال: (إن شر الرعاء الحطمة) أي: الذين يحطمون شعوبهم حطماً، ويهلكونهم إهلاكاً، ويفسدونهم إفساداً، ولا يجدون باباً من أبواب الشر إلا وسعوا فيه، ولا باباً من أبواب الخير إلا وأغلقوه أمامهم. قال: وإياك أن تكون منهم فقال عبيد الله لـ عائذ ﵁: اجلس. فإنك من نخالة أصحاب محمد ﷺ ، فقال له: ليس في أصحاب النبي ﷺ نخالة، وإنما النخالة فيمن أتى بعدهم. عائذ صحابي، ولكن عبيد الله أمير بإمكانه أن يبطش به، كما بطش سلفه الحجاج بن يوسف الثقفي بكثير من أصحاب النبي ﵊، ولكنه ما خشي بطش عبيد الله، وإنما قال له: (ليس في أصحاب النبي ﷺ نخالة، إنما النخالة فيمن أتى بعدهم). أي: النخالة فيكم أنتم معشر الحكام والأمراء والسلاطين الذين أتيتم بعد أصحاب النبي ﵊، قطعت ألسنتكم وفسدت قلوبكم أن تتكلموا في صاحب من أصحابه ﵊، ورضي الله عن أصحابه أجمعين. انظروا إلى هذا العملاق من أصحاب النبي ﵊ يدافع عن أمر يعتقد أن الشرع قد أوجبه عليه! فلا تستهزئوا بأصحاب النبي ﵊، وبأهل العلم وبالدعاة إلى الله، وبطلاب العلم، وتصفونهم بشتى أنواع الدعاوى. ولنا في رسول الله ﵊ الأسوة والقدوة، وقد قالوا عنه: مجنون وساحر، فليصبر الدعاة وطلاب العلم والعلماء صبراً جميلاً، فإن الله ﵎ أعد للصابرين جزاء صبرهم، ولقاء جلدهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في جنة عرضها السماوات والأرض. قال النبي ﵊ في حديث أبي بكر الصديق ﵁ لما تلا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]. كثير من الناس يقرأ هذه الآية ويقول: إذا فسد المجتمع فلا علاقة لي به، علي بنفسي كما هو ظاهر الآية، فأنا رجل مهتد، وهؤلاء القوم قد ضلوا، فلا علاقة لي بهم عليَّ بنفسي، وربما يكون هذا هو ظاهر الآية، فبين النبي ﵊ في حديث أبي بكر المعنى فقال: (يا معشر الناس! إنكم تقرءون هذه الآية فتفهمونها على غير وجهها -أي: تفهمونها فهماً مغلوطاً غير صحيح- وإني سمعت النبي ﵊ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده). هذا معنى الآية. ومعنى الهداية: أن تأخذ على يد الظالم أو الباغي أو المنحرف إما باليد، أو اللسان، أو القلب، وإلا فإن الله تعالى يعمك معه بعذاب بئيس من السماء، وهذا واجب عظيم من واجبات الشرع كلفنا الله ﵎ به. ولا يمكن لهؤلاء الذين يهيمون على وجوههم أن يدخلوا هذا المسجد إلا بجهدي وجهدك، وقولي وقولك، ورغبتي وإياك له، وإن كان صاحب معصية فإياك أن تظن أنه من أهل النار وأنت من أهل الجنة؛ لكونك تصوم وتصلي، وتحج وتعتمر، وتؤدي الزكاة المفروضة، احذر من هذا، فإن دين الله ﵎ ليس هذا فحسب، فالله ﵎ لما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، أراد بالدين العقيدة الصحيحة التي تبعث على إتيان جميع الشرائع، وتحليل الحلال، وتحريم الحرام، والانتهاء عنه، وإتيان الأمر. أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.

стр. 81

شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشترط فيه شروط: الشرط الأول: أن يكون عالماً بالمعروف، عالماً بالمنكر، لا يدعو بجهل وعلى جهل فيفسد أكثر مما يصلح، فربما ظن أن المعروف منكراً، أو أن المنكر معروفاً، فذهب يأمر بالمعروف وهو في حقيقته منكر، فيكون قد أمر بالإفساد في الأرض من حيث لا يدري. أو يذهب لينهى عن المنكر في ظنه وزعمه، وهو في حقيقة أمره معروف، فيكون قد عطل شرع الله، ظناً منه أنه ليس من دين الله ولا من شرعه. ولما كان الآمر والناهي لابد أن يكون عالماً بما يأمر وينهى كان هذا الواجب العظيم لا يقوم به إلا طالب العلم. الشرط الثاني: أن يبلغك العلم الجازم أن فلاناً قد فرط في المعروف، أو أنه قد اقترف المنكر، ولا يكفي في ذلك الظن؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، والله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]. فلا يكفي أن تعتقد أن هذا الرجل يركب سيارة مع امرأة، فتذهب تشنع عليه أنه قد ركب مع امرأة أجنبية، فربما كانت أمه، أو زوجه، أو أخته أو محرماً له، ولابد أن تتأكد أنها امرأة أجنبية إذا دعت الحاجة لبحث ذلك والتفحص عنه، وأنت غير مطالب بأن تذهب وتسأله: من التي كانت معك في يوم كذا في سيارة كذا؟ ومن هي التي كانت تجلس معك على الطريق الفلاني في المكان الفلاني؟ ولكن إذا وقع لك ذلك اتفاقاً فحينئذ يجب عليك أن تنهاه عن هذا المنكر. وإذا لم تر فلاناً يصلي معك في المسجد فلا يعني بالضرورة أنه تارك للصلاة، فربما يصلي في مسجد آخر، أو يصلي في بيته، أو له عذر يمنعه، لابد أن تتيقن أنه تارك للصلاة حتى يتسنى لك أن تنهاه عن هذا المنكر. أما أن يغلب على ظنك، أو أن تظن فيه ظن السوء، ثم تذهب فتنكر عليه وربما تغلظ له في الإنكار بأن تسب أو تضرب أو تشتم، أو تلعن، ثم يتبين لك بعد ذلك أنه أحسن منك خلقاً، وأنه يصلي أكثر منك، وأنه يقوم الليل، وما منعه عن جماعة المسجد إلا العذر، فماذا يكون موقفك؟ لابد من معرفة أن المنكَر عليه قد أتى المنكر حقاً، أو فرط في المعروف حقاً. الشرط الثالث: ألا يُحدث تغييرك للمنكر منكراً أعظم منه. هذا هو المدرج في قواعد الفقهاء: أن دفع أكبر المفسدتين بأصغرهما من أوجب واجبات الفقه. رجل يشرب الخمر، ولكنه تركها وترك أهلها وصحبتها، ثم أقبل على التدخين وكله محرم، ولكن حرمة التدخين بالقياس، وحرمة الخمر بالنص، وما كان حراماً بالنص يقدم على ما كان حراماً بالقياس. ولذلك النظر إلى المرأة الأجنبية حرام، والزنا بها أشد حرمة، لكن شتان ما بين هذا وذاك، ولذلك دفع أكبر المفسدتين بأقلهما لا يعلمه إلا العالمون وأصحاب العقول السليمة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]. فالله ﵎ ما حرم سب المشركين مطلقاً، وإنما حرم سب المشركين في وجوههم مخافة أن يسبوا الله عدواً بغير علم؛ فترك مسبتهم وشتمهم ولعنهم في وجوههم هو من باب المحافظة على جناب الله، وعلى جلاله وكماله من أن ينتهكها هؤلاء المشركون. لو أن رجلاً ترك الخمر، وأقبل على التدخين، فنهرته كما كنت تنهر شارب الخمر، ثم أنت تعلم أنه لو ترك الدخان سيذهب إلى هذه الخمارات وإلى صحبته الأولى، فهل يجوز لك حينئذ أن تنهاه عن الدخان؟ الجواب لا يجوز بإجماع العلماء؛ لأنه يغلب على الظن، أو على اليقين أنه يتركني والحالة هذه، ثم يذهب إلى المعصية الكبرى وهي شرب الخمر. ولذلك يروض العاصي برفق وبحنان، خصوصاً إذا كان من النوع الذي إذا نصحته: يا فلان لم تغضب؟ ولم تسب؟ ولم تلعن؟ ولم قلت كذا وكذا؟ فإن النبي ﷺ قال: (ليس المسلم بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش البذيء)، ثم أتيت له بأدلة من الكتاب والسنة، اعتدى عليك وعلى الكتاب والسنة، وعلى رسولك وعلى دينك وشرعك، دعه حتى تهدأ ثورته، ثم تخير الوقت المناسب وانصحه فيه. وهذا فقه عظيم جداً ينبغي أن يتمثله جميع المسلمين وخاصة طلاب العلم. الشرط الرابع: هل يشترط في الآمر والناهي أن يكون عاملاً بما يأمر منتهياً عما ينهى؟ هذا شرط محل خلاف بين أهل العلم، الراجح: أنه لا يلزم ذلك، ولا يشترط، ولذلك قيل للحسن البصري وهو من هو في العلم والورع والإمامة والعدالة، قيل له: يا إمام أكل ما تأمرنا به تعمله؟ قال الحسن البصري: ومن يطيق ذلك. و (ذهب أبو الدرداء إلى عائشة ﵄ وقال لها: يا أم المؤمنين! هل سمعت النبي ﷺ يقول في كيت وكيت بشيء؟ فقالت: يا أبا الدرداء! أعملت بما علمت؟ قال: لا، قال: فماذا تفعل بازدياد حجة الله عز

стр. 82

أثر التوحيد في تزكية النفوس لقد خلق الله تعالى النفس البشرية وجعل لها سبلاً تزكو بها حتى تصل إلى مراتب الفوز والفلاح، ومن وسائل تزكية النفوس توحيد الله تعالى، واتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ والاعتصام بهما، وتحقيق معاني أسماء الله الحسنى، والابتعاد عن كل ما يغضب الله سبحانه، واستشعار رقابة الله ، والخوف منه .

стр. 83

إقسام الله تعالى بمخلوقاته العظيمة على فلاح من يزكي نفسه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من حلف بغير الله فليقل لا إله إلا الله، هذا فيما يتعلق بالتشريع بالقسم واليمين، أما بالنسبة لله فإن له أن يحلف بما شاء من مخلوقاته، أما الإنسان فلا يحلف بشيء من المخلوقات إنما يحلف بالخالق وصفاته، والخالق إذا أراد أن يقسم على شيء فهو -أولاً- لا يقسم إلا على شيء عظيم، فإذا أراد أن يقسم على شيء عظيم اتخذ خلقاً من خلقه كذلك هو عظيم. ولذلك لما أراد الله أن يقسم على مسائل الإيمان والعمل الصالح قال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، وهذا قسم، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، أي بني هذا الجنس، كل بني الإنسان في خسر، ثم استثنى من هذا الجنس: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]. وأقسم الله بالتين فقال : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:١ - ٤]، فأراد الله أن يبين لك أنك خلقت في أحسن تقويم، فأقسم على ذلك بشيء من مخلوقاته، وهو: التين، والزيتون، وطور سينين، والبلد الأمين، أقسم بهذا كله، لأجل أن يلفت نظرك أن ما سيأتي بعد هذا القسم أمر عظيم جداً وهو أنه خلقك في أحسن تقويم. وأقسم ﵎ بالفجر فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٥] ثم بين بعدد ذلك في بقية السورة الأشياء التي أقسم عليها في أول السورة. وهكذا إذا نظرت في كتاب الله ، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ [النازعات:١]، ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات:١] وغيرها من الأقسام، تجد بعد هذه الأقسام شيئاً عظيماً جداً لأجله أقسم المولى . ولذلك لم يقسم الله ﵎ على شيء قسمه على النفس فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٨]، ثم يأتي بعد ذلك الغرض من القسم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، فلأجل زكاة النفس ودسها أقسم الله في هذه السورة بالأيمان المتعددة التي لم يقسم على شيء قسمه عليها، ليبين الله ﵎ لك أن هذه النفس عظيمة جداً، ولأجلها أقسم بأيمان متعددة أنه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، فالنفس في الإنسان واحدة، لكن الإنسان يسعى لأجل زكاة نفسه، أو يسعى لدسها في التراب، وإرغامها في الوحل، ولذلك أخبر المولى بعد أن أقسم مراراً، أن هذه النفس مَنْ حرص على تزكيتها، ونمائها، وزيادتها، وطهارتها، فهذا هو المفلح، وهذا هو الفالح، وهذا هو الناجح، وهذا هو الرابح، بخلاف من علم بمعصية الله، فجعل من نفسه التي كان بإمكا

стр. 84

معنى التزكية وإذا أردنا أن نعرف ما هي التزكية فلابد أن نعرف أن الزكاة في اللغة: هي النماء والزيادة، ولذلك قال الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] ماذا تعمل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، فالزكاة إذا أخذت من المال كانت طهرة لهذا المال، كما أنها طهرة لنفس المزكي، يعني: هي طهارة وطهرة تعود على المزكي وعلى المال المخرج كذلك، فإن المال إذا كنزه صاحبه ولم يخرج زكاته لابد وأنه سيئول إلى زوال، بل ويتحول إلى نقمة يوم القيامة فيعظ صاحبه ويقول: أنت ضيعتني ضيعك الله ، أما إذا أخرج من هذا المال الزكاة فإن هذا المال يجعل بقية المال طاهراً نقياً يهنأ به صاحبه في الدنيا والآخرة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] أي وادع لهم: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، ولذلك يسن لجابي الزكاة أن يدعو للمزكي بالخير والبركة: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، أي: وادع لهم يا محمد، إن دعاءك خير وبركة تعود عليهم، أي: على أهل الزكاة. فالزكاة: هي النماء والزيادة، والمرء الذي زكت نفسه ونمت وارتفعت وعلت بطاعة ربها يشعر صاحبها أن روحه تحلق في السماء السابعة، تحلق تحت العرش وتحوم حوله، بخلاف من دس نفسه، وعمل بالمعصية، ولم يكترث باقترافه للذنوب والآثام، فإنه يشعر أن روحه في أسفل سافلين، تحوم حول الحشوش والأنتان، فشتان بين النفس الزكية، والنفس المدسوسة، فإذا أراد الواحد منا أن يزكي نفسه، وأن يعمل على نمائها، وأن يعمل على زيادتها، وأن يعمل على صلاحها، وأن يعمل على رفعتها، فلابد أن يسلك طريق الطاعة، وطريق الطاعة له سبل، وأسس، وقواعد، ينبغي أن يتخذها لنفسه أولاً بأول.

стр. 85

أساس تزكية النفس توحيد الله تعالى فأول أساس وقاعدة تزكو بها النفس ويلزم صاحبها أن يتبع ذلك إنما هو توحيد الله ﵎، فالتوحيد الخالص لله هو الذي تزكو به النفوس، ولذلك شتان بين نفس المشرك أو المنافق أو الفاسق، وبين نفس المؤمن الكامل الإيمان، فإن نفس المشرك في أسفل سافلين، وأما نفس المؤمن فهي في أعلى عليين، ولذلك هناك أسس عملية لتزكية النفس، ويسبقها أسس عقدية، وهذه الأسس العقدية التي تلزم لتزكية النفس هي: توحيد الله ، والاعتصام بالكتاب والسنة -أي: اتباع النبي ﷺ وكذلك: الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان باليوم الآخر، هذه أسس اعتقادية ينبغي على المرء أن يحققها؛ بتوحيده لله التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة الشرك ولا الفسق، وهذا هو الذي قام بهذا التوحيد، لابد وأنه قد حقق معنى لا إله إلا الله، ومن اعتصم بالكتاب والسنة، لابد وأنه قد حقق المتابعة، والانقياد للنبي ﷺ ، وهذا هو الشق الثاني من شهادة التوحيد وهي: شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ . فلابد وأن نؤمن بمعنى (لا إله إلا الله)، وكذلك لابد أن نؤمن بمعنى (محمد رسول الله ﷺ ، فالأولى تقتضي تمام التوحيد لله ، والثانية تقتضي تمام الاتباع والانقياد للنبي ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك الإيمان بالقضاء والقدر، فلو أنك علمت يا عبد الله أن كل شيء مقدر من عند الله ، الخير والشر من عند الله، لهنأ بالك، وتحقق عندك الحديث: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، فإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)، فالمؤمن هو الذي إذا أصابته نعمة من عند الله حمد الله عليها، وإذا نزل به البلاء حمد الله كذلك؛ لأن الله قال في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة). فلعلك -يا عبد الله- لا تدري ما البلية التي نزلت بك، فربما كانت تحمل بين طياتها منحة من الله ، واعلم إن كنت صاحب ذنوب فمن مصلحتك في الدنيا والآخرة أن تبتلى وأن تصبر على هذا البلاء، حتى يكفر الله عنك الذنوب والخطايا، وإن كنت صاحب طاعة -بينك وبين المعصية بعد المشرقين- فاعلم أن البلية التي نزلت بك إنما هي منحة من الله ؛ ليرفعك بها ويرفع درجاتك كذلك، فأنت في خير وفي نعمة على كل حال، لكن هذا لا يتحقق إلا للمؤمن الذي حقق التوحيد والمتابعة للنبي ﵊. وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ هو أتقى الخلق، وأحسن الخلق على الإطلاق، ومع هذا فقد ابتلي، ونزلت به المصائب تترا، هل لأنه عصى الله؟ معاذ الله أن يكون كذلك ولكن الله تعالى رفعه بتلك المصائب والبلايا فوق العالمين في الجنة، كما رفعه في الدنيا؛ لماذا؟ لأنه قد زكت نفسه، وعمل وحرص طيلة حياته -حتى قبل البعثة- على زكاة نفسه، وعلى توحيد ربه، ألا تدرون أنه كان يخلو في الغار يعبده ؟ لماذا؟ كل هذا طهارة للنفس، وزكاة لها. فالنبي ﵊ زكى نفسه، وعمل طيلة حياته على تزكية نفوس أصحابه، ولذلك نقرأ ونسمع عنهم العجب العجاب، في قيامهم، وذكرهم وتسبيحهم وتهليلهم، وإنما ذلك كله بسبب زكاة نفوسهم، ولو كانت خبيثة -معاذ الله- فما الذي كان يقربهم إلى الله هذا القرب، ويدنيهم منه هذا الدنو؟ فالبون شاسع بيننا وبينهم؛ لأنهم قوم عملوا على زكاة أنفسهم، ونحن قوم حرصنا كل الحرص على أن ندسها في التراب، وأن نرغمها في الوحل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فالتوحيد الخالص لله هو العامل الأساسي في زكاة النفس، ورقيها وعلوها، وطوافها حول العرش، ولذلك يعرف ابن تيمية عليه رحمة الله العبادة بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، فكل ما يحبه الله ويرضاه فهو عبادة، وكل ما يبغضه الله ورسوله فهو معصية نهى عن الاقتراب منها وعن ارتكابها.

стр. 86

أثر التزكية في تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى والتزكية في بدايتها ونهايتها لا تخرج عن مقام تحقيق العبودية الكاملة لله ؛ لأن المرء لو علم الحلال والحرام؛ فأتى الحلال واجتنب الحرام، فهذا منتهى الطاعة، ومنتهى العبودية لله ، فهذا الذي يؤدي بالعبد إلى زكاة النفس، وهنا نقول: إن تزكية النفس تساوي العبودية الكاملة لله ، وإنما يتحقق ذلك بالحرص على إتيان الواجبات، والمستحبات، والمندوبات، وترك المحرمات والمكروهات، والقيام بتحقيق توحيد الله وعدم إدخال الشرك أو أي شائبة شرك في هذا التوحيد الخالص لله . ولذلك قال الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١]، لتعلم أن تزكية النفس إنما هي من الله ، ولكن ليس معنى ذلك أنك تترك أسباب هذه التزكية، بل إذا علم الله ﵎ منك الحرص والرغبة الصادقة في زكاة نفسك أعانك على ذلك، فكانت هذه التزكية مخلوقة لله ، ولكنك كنت سبباً في جلبها، أي: في جلب هذه التزكية وهذه المنفعة من الله ، ولذلك قال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، فهذه التزكية فضل من الله ورحمة، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، فالشيطان هو سبب في دس النفس وخبثها، والله ﵎ إنما أمرك بتزكية نفسك فلابد أن تسعى للأسباب المحصلة لهذه التزكية، ولذلك لا يتصور أن يقول عبد: ما دام الخير والشر من الله ، فإنني أرغب في الخير ولكنني لا أسلك له مسلكاً؛ رجاء أن يمن الله علي ابتداء، فنقول: إذا صح عندك أنك تتمنى الولد دون زواج، أو تتمنى المال دون عمل، لو صح عندك هذا فإن الجنون قد أصابك، إذ كيف تتمنى أن يكون لك ولد ولم تسع للزواج ولم يكن لك زوجة؟! لا يقول بذلك إلا إنسان مجنون؛ أنه يتمنى على الله الولد، فإذا تيسرت له سبل الحصول على الولد قال: لا أنا لا أريد الزواج، ولا أريد الارتباط بامرأة ولكني أريد الولد، وجلس في بيته ينتظر الولد من الله . هذا خبل وجنون! بل لابد وأن تسعى في إعداد بيت سوي، حتى ينتج عندك في النهاية ولد صالح من جراء تلك الأسرة، فلابد من اتخاذ السبب.

стр. 87

ثمار الإيمان بالغيب في تزكية النفس فكذلك إذا أردت أن تزكي نفسك فلابد وأن تسعى في تحصيل هذه التزكية، وعلى رأسها توحيد الله ﵎، وكذلك أركان الإيمان فهي سبب عظيم جداً في تزكية النفس؛ لأنها أمور غيبية، والنفس إذا كانت خبيثة فإنها لا تؤمن بالغيب؛ أنتم تعلمون أن هناك من ينكر عذاب القبر، بل من المسلمين من ينكر البعث والحساب والنشور، ومن الناس من ينكر الجنة والنار، وهم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان؛ لأنهم فقدوا أعظم ركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالغيب، الإيمان باليوم الآخر، نعم هم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان. وقد لقيت رجلاً يقول: إن هذا القرآن ألفه محمد، ولذلك: أنا آخذ من هذا القرآن ما يحلو لي وأدع ما لا يحلو لي. قلت: وكله كلام الله، قال: لا، بل كله كلام محمد! قلت: ما اسمك؟ قال: هشام، قلت: هشم الله قلبك قبل رأسك، فإنك قد بلغت ما لم يبلغه أبي بن خلف، وإنك قد بلغت ما لم يبلغه فرعون، قد أنكرت كتاب الله ، فهل بعد هذا من كفر؟ ولذلك في حديث جبريل الطويل: (قال: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)، وفي رواية أخرى بزيادة: (وأن تؤمن بالبعث، وبالحساب، والجنة، والنار)، وغير ذلك من أمور الغيب لو أن مسلماً أنكر أمراً من هذه الأمور اليقينية القطعية، فكيف يكون مسلماً، وهذه كلها أمور غيبية؟ فالله ﵎ بالنسبة لنا غيب، فهل يؤمن به ذلك الجاحد؟ إذا أقر بوجود الإله فلابد أن يصدق كلامه، ويؤمن بخبره كذلك، ولكنه يأخذ ما حلا له، وهذا يخرم الإيمان في الصميم، ويفسد الإسلام على صاحبه، فيخرج من ملة الإسلام، ويدخل في الكفر من أوسع الأبواب؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. ولذلك كانت أصول الإيمان مسألة عظيمة جداً، فأنت تؤمن بالنبي محمد ولم تره، هذا إيمان عظيم جداً، وتؤمن بالكتب السابقة ولم ترها، أو رأيت بعضها ولم تر البعض، مع أنك مكلف أن تؤمن بجميع الكتب، ما علمت منها وما لم تعلم، ومكلف كذلك أن تؤمن بالرسالات وبالرسل والأنبياء، وبالقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من عند الله ، فإن تقاعست وتأخرت عن هذا الإيمان ولم تحققه أتم تحقيق، فلابد وأنه ينخرم إيمانك ويبطل إسلامك، ولذلك فإن الإيمان بأركان الإيمان، ابتلاءات عظيمة جداً من الله ؛ لينظر هل تتوقف في الإيمان بها، أم تسارع وتبادر بتزكية نفسك، واعتناق ذلك واعتقاده أحسن اعتقاد، وأن تجزم على ذلك قلبك؟ ولذلك أيها الإخوة الكرام! إن توحيد الله هو أزكى ما يمكن أن يعتقد العبد ليصلح به نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص:٦٥ - ٦٦]، وفي الحديث الشريف حديث معاذ بن جبل ﵁ لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن، كان أول ما أمره بالإيمان بالله، وتوحيده، فقال: (يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)، لأنهم اعتادوا أن يعبدوا آلهة متعددة، أن يعبدوا عيسى، وأن يعبدوا عزيراً، وأن يعبدوا معبودات أخرى من دون الله ، فكونك تأتي وتهدم هذه الآلهة، وهذه الأصنام والأوثان، وتقول لهم: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣]، فلا شك أن هذا ضرب في صميم عقيدتهم، ولذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].

стр. 88

التوحيد أول دعوة الرسل وأول ما افترض الله على عباده قال الإمام ابن القيم: التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى، فتوحيد الله ﵎ هو أحسن وأولى ما افترضه الله علينا؛ لأن المرء يزكي نفسه بالتقرب إلى الله بكل ما افترضه عليه، ولذلك لا يمكن أن تتقرب إلى الله بأحسن مما فرض عليك، وفوق هذه الفروض كلها فرض التوحيد، فإن كنت موحداً صحت أعمالك، وإن كنت مشركاً فسدت أعمالك وإن كنت صالحاً في ذاتك، فلو أن المرء كان مخلصاً موحداً نفعه بعد ذلك العمل الصالح، من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وغيرها من الأعمال الصالحة، وإن كان المرء مشركاً فمهما صلى، وصام، وزكى، وحج، فلا يمكن أن ينتفع بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، فكل عملك حابط ذاهب ما دمت لم تحقق معنى التوحيد لله ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]. (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا): أي: شركاء مثلاء، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): أن هذه الأنداد وهذه الأصنام وهذه المعبودات، إنما هي معبودات زائفة، والإله الحق هو الله ﵎. وقد سأل النبي ﷺ رجلاً فقال: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء. قال: إلى من تلجأ إذا نزل بك الضر؟ قال: إلى الذي في السماء). نعم هم لا يلجئون إلى الله تعالى إلا إذا نزلت بهم البلية العظيمة، أما في وقت الرخاء فإنهم يقعون في الشرك من أوسع أبوابه، فقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧].

стр. 89

دور النفس في جلب التزكية هذا الإله خلق الخلق أجمعين، فهل أحد من الخلق خلق شيئاً؟ الجواب لا، أفلا تذكرون، أفلا تعقلون أيها الناس! ولذلك جاء عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: يا فلان من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق كذا وكذا؟ فتقول: الله، فيقول: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ قال: فإذا بلغ الشيطان ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا). فاستعيذوا بالله: أي قولوا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وانتهوا: أي جاهدوا أنفسكم على دفع وطرد هذه الوسوسة، وهذا يدل على أن للنفس والقلب عاملاً كبيراً جداً في جلب التزكية، ودفع المضرة، قال: (فاستعيذوا بالله وانتهوا) فأسند إليك فعل الانتهاء: وهو مجاهدة النفس في دفع هذه الوسوسة وهذا البلاء الذي تسلط به الشيطان على القلب والنفس. وفي رواية أخرى بزيادة: (قل آمنت بالله ورسوله)، ولذلك هذه الأسلحة الثلاثة هي التي يحارب بها العبد الشيطان: أن يكون موحداً لله، مستعيذاً به، لاجئاً متضرعاً إليه في السراء والضراء، وأن تجاهد نفسك في دفع هذه الوساوس، وكذلك أن تقر وتعترف بالإيمان بالله ورسوله وتقول: (آمنت بالله ورسوله).

стр. 90

موت القلب بالشرك والكفر قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:١٨ - ٢١] مع أنهم يمشون في الأرض، ولكنهم في حكم الأموات؛ لأنهم كفروا وجحدوا نعمة الله، وجحدوا خلق الله، وادعوا الخلق لأنفسهم، ولذلك رماهم الله ﵎ بموت القلب، قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١]، فقلب الكافر قلب ميت وإن كان حياً يمشي على الأرض؛ لأنه لما جحد الخالق وجحد الإله، استحق أن يضرب ﵎ قلبه بالران الذي لا يعرف معه معروفاً ولا ينكر به المنكر، بل ربما أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وهذا غاية الضلال، وغاية الختم على القلب، حتى لا يرى بعد ذلك خيراً ولا يرى إلا الشر. قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٢١ - ٢٢]، يبين أن السبب الذي وقع فيه الكفار، وختم على قلوبهم أنهم لم يحققوا التوحيد، فنصح الله ﵎ أولياءه وعباده بأن إلهكم واحد، ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:٢٢]، وآيات القرآن الكريم حافلة بالرد على أهل الكتاب الذين نسبوا لله ﵎ الولد والزوجة، فقال الله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي في السماوات والأرض، ﴿آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]؛ لأنه لو كان في الأرض والسماء إلهان لتمنى كل إله أن يرتفع على صاحبه: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، تمنى كل إله أن تكون له الغلبة، والقوة، والسطوة، والقدرة، فكانت هناك منافسة، وإذا كانت هناك منافسة فلابد وأن تفسد السماوات والأرض، ولذلك قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وهذا يدل على أن الله ﵎ هو إله السماوات وإله الأرض، كذلك هو الآمر والناهي والحاكم فيهما بما يشاء وبما يريد.

стр. 91

تركيز القرآن على تثبيت العقيدة وأبرز ما تركز آيات القرآن الكريم على تثبيت عقيدة التوحيد، وإيقاظ الفطرة في قلوب العباد، فالإنسان إذا انطمست فطرته وأظلم قلبه انحرف عن التوحيد وادعى الاستغناء عن خالقه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس:٢٢]، فإذا نزلت السفينة في عرض البحر أتتها ريح عاصف تقصف بها وتغرقها: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢] أي عندما نزل بهم الضر دعوا الله مخلصين غير مشركين، لا يدعون الآلهة إنما يدعون إلهاً واحداً؛ لأنهم في موطن الخطر يقرون ويعترفون أن الله تعالى إله واحد: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢]، أي: أنهم في موطن الخطر يلجأون إلى الله . بل هذا ليس للمشركين وحدهم ولكن حتى المسلمين كذلك؛ فالواحد منا لا يلجأ إلى ربه بالدعوات الحارة إلا إذا نزل به الضر، ولا نلجأ إلى الله تعالى لجوء صدق إلا إذا بكينا بحرقة؛ لأننا في موطن الخطر، فلجأنا إلى الله ﵎ بصدق، فكذلك الكفار: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ [يونس:٢٢] أي من هذه العاصفة وهذا الموج الذي أتانا من كل مكان ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢] فنشكرك، ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس:٢٣]، والله تباك وتعالى يعلم أنهم لا يشكرون، وإنما يبغون ويفسدون بغير الحق، ولكن ليقطع عليهم الطريق أنهم دعوا الله أن ينجيهم فيكونوا له من الشاكرين فلم يفعل الله ، ففعل ليقطع عليهم الحجة: أن قد أنجيتكم من العذاب، والهلاك، والغرق، ومع هذا لم توفوا أنتم بما وعدتم، لم تشكروا ولكنكم كفرتم وبغيتم وأفسدتم في الأرض بغير الحق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣] عقاباً لكم: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٣].

стр. 92

نماذج قرآنية على فضل التوحيد ونبذ الشرك فالإنسان في حالة الرخاء، قد ينسى نعمة الله عليه فيجحدها أو يكفرها، والقرآن قد ذكر نماذج عظيمة تدل على فضل توحيد الله ونبذ الشرك، وأن التوحيد هو السبب الأعظم للنجاة من كل بلية ومصيبة، وهو التكليف الأشرف الذي شرف الله به العباد.

стр. 93

التوحيد شجرة طيبة ففي النموذج الأول قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]. الشجرة إذا استحكمت جذورها في الأرض وامتدت، وعلت فروعها في السماء فمن يخلعها؟ الأمر في غاية العسر، وفي الغالب أن الشجرة إنما تقطع قطعاً من سطح الأرض، أما جذرها فهو ثابت في الأرض؛ لأنها مستحكمة كالكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة كما يقول ابن عباس في هذه الآية: هي قولك لا إله إلا الله، أي: لا إله ولا معبود بحق إلا الله، وإلا فالمعبودات والآلهة كثيرة جداً؛ لكنها كلها مزيفة إلا إلهاً واحداً، وهو الله . فقولك: (لا إله) نفي لجميع الآلهة، (إلا الله) إثبات لإله واحد وهو الإله الحق . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٦] وهي الشرك، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم:٢٦] ليس لها أصل، فالباطل لا أصل له، وأما الكلمة الطيبة فـ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤]، ولذلك الكلمة الطيبة باقية دائمة، والكلمة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ليس لها قرار ولا ثبات ولا تمكين في الأرض، فلذلك ضرب الله للتوحيد مثلاً بالشجرة الطيبة، وضرب للشرك مثلاً بالشجرة الخبيثة ليس لها قرار، فالشرك سرعان ما يزول، أما التوحيد إذا تمكن من قلبك فإنه يرفع نفسك ويزكيها إلى السماء، فتشعر أنها تحلق تحت العرش: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].

стр. 94

حال المشرك في الدنيا والآخرة والنموذج الثاني قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]. انظر إلى هذا المثل العظيم للإيمان والكفر، للتوحيد والشرك، يقول تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]؛ لأن هذا يؤدي إلى الشرك. ما هي النتيجة وما هي الثمرة لو فعلتم ذلك؟ كنتم: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ [الحج:٣١]، لو أنكم اجتنبتم الرجس من الأوثان، وعبادة الأصنام، والأزلام، فإنكم قد حققتم توحيد الله أعظم تحقيق. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج:٣١]، لو أن رجلاً خر من الدور الثاني، أو الدور الثالث، أو الدور الرابع، فوقع على أم رأسه، فما الذي يحدث له؟ سيموت ويقبر، فما بالكم بمن يخر من السماء؟! وفي الحديث: (أن بين السماء الدنيا وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام للراكب المسرع)، تصور أنك تهوي من السماء -على فرض أنها السماء الدنيا وليس السابعة- على أم رأسك مسيرة خمسمائة عام في هذا الطريق الطويل، ثم بعد ذلك: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، بعيداً في الأرض، في الظلمات التي لا يمكن بعد ذلك أن يرى له معها أثر، هذا مثل لخبث الشرك وأنه يفعل بصاحبه هكذا، وإن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.

стр. 95

انشراح صدر المؤمن وضيق صدر الكافر والنموذج الثالث: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه إرادة دينية شرعية، من أراد الله له الهداية شرح صدره للإسلام، فقبله بتكاليفه، وأحكامه، وفرائضه، وسننه، ومستحباته، ومندوباته، كل ما ثبت لديه عن الله وعن رسوله قال: على العين والرأس، سمعاً وطاعة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، فشعار المسلم أن يرفع لواء الحمد ولواء السمع والطاعة لله ، لا يقول في شيء شرعه الله: لم وكيف؟ لأن (لم وكيف) تودي بالعبد إلى الشك في أوامر الله وفي أخبار الله ، مما يؤثر على حسن إيمانه وتوحيده، إن لم يؤثر على أصل الإيمان والتوحيد. نعم، ينبغي على المرء أن يعبد الله ﵎ على مراد الله، لا على مراده هو، إذا شرع الله لك الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً، فلا تقل: لماذا شرع الله هذا، ولم اختلف العدد من المغرب إلى الظهر؟ هذه حكمة الله ﵎، وأنت تعلم أن من أسمائه الحسنى أنه الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه بحكمة وعدل وإنصاف، فإن الله ﵎ لما شرع لك شرعه بين لك بعض الحكم من بعض الأفعال، وبعض الأقوال، وبعض الأوامر والنواهي، وأخفى عليك بعض الحكم أو جُلَّ الحكم؛ لينظر: هل تؤمن بها أم لا؟ فهناك أحكام وأمور تعبدية ينبغي للمرء إذا خفيت عنه الحكمة منها أن يقول فيها: سمعنا وأطعنا، إذا ثبت أن هذا دين الله وشرعه فعلى العين والرأس، وملء القلب كذلك، نعم ينبغي للمرء إذا خفيت عنه الحكمة أن يقول فيها: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، إذا ثبت أن هذا دين الله وشرعه فعلى العين والرأس، وملء القلب كذلك. نعم؛ ينبغي للمرء أن يأخذ شرع الله بالتسليم المطلق، والانقياد والإذعان التام له ، فإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك قد حققت التوحيد الكامل لله . ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، لم يقل: ليصْعَد، وإنما: يصَّعَّد؟ وهذا من شدة المبالغة وقوة المبالغة. ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ [الأنعام:١٢٥]، كيف يصعد في السماء؟ إن علماء الطبيعة يقولون: إن الذي يريد أن يصعد في السماء كلما صعد شيئاً ضاق نفسه، خاصة إذا اخترق هذا الحجاب أو الطبقة التي فيها الأكسجين، ودخل في الطبقات الأخر حيث يقل فيها الأكسجين، فهو يشعر أن قلبه وروحه يقتلعان من بدنه ويخرجان منه، فهو يشعر بضيق كما قال الله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥]. والله ﵎ إذا علم من العبد أنه يريد الهدى هداه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ولكن ليعلم الله ﵎ منك صدق الإخلاص واللجوء إليه، وأنك حقاً تبحث عن أسباب الهداية، وأسباب التقوى؛ فإذا كان كذلك، وعلم الله ﵎ منك الصدق في ذلك يسر لك أسباب الهداية وأسباب التقوى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [محمد:١٧]، لابد أن يأتي منك البحث عن السبب، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].

стр. 96

أعمال الكفار سراب وهباء النموذج الرابع: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور:٣٩]. يأتي عمل الكافر يوم القيامة هباء منثوراً، وهو يظن أن له أعمالاً عظيمة جداً، ولكنه إذا أتاها ونظر إليها يوم القيامة وجدها لا شيء، ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٣٩ - ٤٠]. النور من الله ، فإذا كنت حريصاً وتزداد حرصاً على أن تحصل أسباب النور والهداية، منحك الله الإعانة على ذلك، أما إذا أطلقت لنفسك العنان للوقوع في الكفر والإلحاد، والإنكار، وسب المولى ، وسب الرسول، وسب الدين فإن الله ﵎ يجعل صدرك ضيقاً كما قال تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].

стр. 97

مثل المشرك كالعبد المشترك بين رجلين متشاكسين المثل الخامس: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩] هذا مثل رغم قلة مبناه، إلا أنه عظيم المعنى جداً، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الزمر:٢٩] عبد اشترك فيه اثنان، كل واحد يملك نصفه، فهو عبد للاثنين، إذا قال له أحدهما: قم، قال له الآخر: اجلس، إذا قال له أحدهم: لا تفعل، قال له الثاني: افعل، أي حيرة يقع فيها ذلك العبد؟ حيرة عظيمة جداً، وطاعته لهذا السيد وذاك واجبة، وليست طاعته لأحدهما بأولى من طاعته للآخر، فإذا أمره واحد بأمر أمره الآخر بعكس ذلك، فهذا العبد في حيرة عظيمة وشقاء وتعاسة. هذا مثل المشرك الذي أشرك مع الله تعالى آلهة أخرى؛ فإن الله أمره بالخير، والإيمان، والتوحيد، والصدق والعفاف، والنقاء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الطاعات. ولو أنه عبد مع الله الشيطان فهل يأمره الشيطان بما أمره به الله تعالى ورسوله؟ الجواب لا، لابد وأن يأمره الشيطان بضد ذلك وخلافه، فكيف يستقيم للعبد حينئذ أن يطيع مولاه وسيده الذي في السماء وأن يطيع الشيطان؟ كيف يتسنى للعبد أن يرضي الله ﵎ مع أن ما يرضي الله لا يرضي الشيطان، والعكس بالعكس، كيف ذلك؟ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الزمر:٢٩]، ويا ليتهم شركاء متفقون، بل هؤلاء شركاء متشاكسون، كل منهم يقف لصحابه بالمرصاد، ربما يدور في نفس الشريك الأول أن يأمر العبد بشيء معين، ولكنه إذا علم أن الشريك يأمر بنفس الشيء الذي يدور في نفسه، أمره بغير ذلك، لماذا؟ لأنه مشاكس، معاكس، فهو لا يريد أن يتفق أبداً مع شريكه الثاني في ذلك العبد. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] هذا العبد ملك لهذا السيد، وليس مع هذا السيد شريك آخر، هذا السيد يقول له: يا فلان افعل ولا تفعل: حاضر، قم ولا تقم: حاضر، كل ولا تأكل: حاضر، عبادة يتقرب إلى الله ﵎ بها، بطاعة مولاه وسيده، فكذلك الله له المثل الأعلى، لو أنك حققت العبودية الحقة لله دون غيره من بقية الآلهة لكنت حريصاً كل الحرص على طاعة مولاك، وإن كانت هذه الطاعة فيها سخط الخلق أجمعين، لماذا؟ لأنك لا تحرص إلا على رضا الإله الحق . انظروا إلى هذا المثل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩]، لا يستويان، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الزمر:٢٩] أنهما لا يستويان ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].

стр. 98

حصر العبادة والاستعانة بالله ولذلك حصر الله ﵎ عبادته والاستعانة والاستعاذة به فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قدم التحذير قبل الفعل، ولو قدم الفعل على التحذير لاحتمل غيره، ولم يقل: نستعين إياك، وإنما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: لا نعبد إلا أنت، ليس معك معبود آخر ولا نستعين إلا بك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فهذا أسلوب حصر قد حصر العبادة لله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، لأنك إذا قلت: نعبد إياك لجاز أن تقول: نعبد إياك وغيرك، لماذا؟ لأن هذا السياق لا يدل على الحصر، وإنما يدل على الاستيعاب، وهو قابل لأن يستوعب أشياء أخرى ومعبودات أخر، ولكن هذا السياق: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] معناه: ليس هناك معبود بحق إلا أنت، ولذلك لا نعبد إلا أنت، وكذلك لن نستعين إلا بك، فكذلك قد حصر الله في هذه الآية الاستعانة به فقال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ولو قال: ونستعين بك لجاز أن تقول: نستعين بالله وبغيره، ولذلك فإن تقديم لفظ: (إِيَّاكَ) يدل على الحصر، فإن الله ﵎ هو الذي يستعان به ويلجأ إليه ويتضرع إليه، ويعاذ به، وهو الذي يعبد دون غيره من المخلوقات. هذا بالنسبة لبعض النماذج التي وردت في القرآن الكريم، وإلا فالقرآن كله يدل على توحيد الله ، كل آية في كتاب الله تدل على توحيده ﵎، وأنه الإله الحق الواحد الأحد الفرد الصمد الذي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، ولذلك قال الكفار لنبينا ﵇، انسب لنا ربك؟ من هو؟ ابن من؟ زوجته من هي؟ أولاده من هم؟ انسب لنا ربك؟ تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، فأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، فهو منزه عن الزوجة والولد، متفرد بالوحدانية ، ليس هناك إله حق إلا هو ، ليس له زوجة، وهو غير مولود وليس له ولد: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣].

стр. 99

ثمرات التوحيد في تزكية النفوس أما إذا كنت موحداً لله ، فما ثمرة هذا التوحيد في تزكية نفسك؟ لا شك أن من حقق التوحيد لله ، وعلم أنه الإله الواحد، وأن هذا الإله متصف بصفات، هذه الصفات قد أوجب الله علي أن أؤمن بهذه الصفات، وأن هذه الصفات ليست مخلوقة لله ، وإنما هي تنقسم إلى: صفات ذات، وصفات أفعال. فصفات الذات: هي لازمة لذات الله لا تنفك عنه، فإن الله ﵎ يرى، ويسمع، وهذه صفات لازمة لذاته ﵎. وكذلك له صفات فعلية، كصفة الكلام، والمجيء، والمشي، والهرولة، وغير ذلك من الصفات؛ ولكن هذه الصفات فعلية، إذا أراد ﵎ أن يتكلم تكلم بما شاء وكيف شاء، فلا نقول: إن كلام الله مخلوق؛ لأن صفة الكلام ثابتة لله ، وكل صفاته وأسمائه ليست مخلوقة بل هي لازمة لذاته على القدر الذي يليق به ، أي: على الكمال والتمام، فهنا إذا آمنت حق الإيمان بأن الله ﵎ من أسمائه الرزاق، وهو يرزق عباده فأنت مؤمن، ولذلك توحيدك لله يستلزم أن تؤمن إيماناً جازماً بأسمائه وصفاته.

стр. 100

ثمرات التزكية الناتجة عن الإيمان باسم الله الرزاق ما هي ثمرة التزكية اللازمة والناتجة عن إيماني بأسماء الله وصفاته؟ ضربت مثلاً: لو أنني علمت أن الله ﵎ الرزاق ذو القوة المتين، وأن خزائن السماوات والأرض بيده، وأن الرزق في السماء لا في الأرض، فعلام أخاف إذاً؟ الرزق بيد الله، ليس بيد أحد من الخلق. والبعض من الناس إذا سئل: هل أنت تؤمن بالله؟ وتؤمن بأن الأرزاق بيد الله؟ فيقول: نعم. ولكن إذا قال له مديره أو رئيسه: يا فلان أنت قد تغيبت فوق الحد القانوني لك، ولذلك أنا سأفصلك من العمل، يأتي في آخر اليوم قد ارتعدت فرائصه، وعندما يسأل: لماذا يا فلان؟ يقول: لأن فلاناً سيقطع عيشي، سيقطع رزقي! وهل رزقك بيد ذلك الرجل؟ أنت وهو والخلق أجمعون في قبضة الله ، والرزق كله بيد الله، فكم من عامل ترك عمله رغماً عنه بقدر الله، وفي اليوم الثاني رزق بعمل در عليه من المال عشرات أضعاف ما كان يأتيه من العمل السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧]. والله ﵎ يمن على عباده؛ لأنه صاحب المنة والفضل على عباده، لئلا يكفروا، ولذلك قال الله في كتابه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، ولم يقل: ورزقكم في السماء، وإنما قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢] لأن تقديم شبه الجملة المكون من الجار والمجرور يدل على الحصر، وأصل الجملة: رزقكم في السماء، لكن الله لو كان ساق هذا السياق، لاحتمل اللفظ أن يكون رزقك في السماء وفي غير السماء، ممكن أن يكون في يد المدير أو في يد الزعيم، ولكن الله ﵎ حصر الرزق عنده فقط، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢]، حتى لا تتوهم القلوب والأنفس أن هذا الرزق بيد غير يد الله . قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢]، يعني: فليس هناك رزق إلا وهو في السماء، فجميع الأرزاق مصدرها من عند من بيده خزائن السماوات والأرض، ولا يمكن أبداً أن يكون الله خالقاً للخلق أجمعين ويجعل أرزاق الخلق في يد غيره فيضيعوها، ولذلك حصر الرزق بيده .

стр. 101

الخوف على الرزق يجب أن لا يقعد بنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، ويأمر بكتب أربع كلمات: أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد)، يعني: أن رزقك وعملك مكتوبان، وهذا أكثر شيء يخاف عليه الناس. وبعض الناس تقول له: يا فلان: هل ستأتي لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟ فيقول لك: يا أخي دعنا نربي الأبناء، هذا الزمن لا يسمح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا خذلان وانتكاسة للقلوب؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يسقط في زمن من الأزمان، بل هو واجب في حق كل واحد على قدر ما يستطيع. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم يقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، فإذا لم أستطع بيدي فبلساني، فإذا لم أستطع بلساني فبقلبي، وهل من المعقول ألا يستطيع أحد أن ينكر المنكر بقلبه؟ أنا لو مررت على أناس يعصون الله ﵎، فإذا لم أستطع أن أغير هذا المنكر بيدي ولا بلساني، أليس في مقدوري ألا ألقي ﵈؟ أليس بمقدوري أن أعبس ويتغير وجهي إذا نظرت في وجوههم؟ أليس بمقدوري أن أبغض ذلك من قلبي على الأقل، حتى تكون هناك براءة أمام الله . لو أنك جلست مع قوم سوء فخاضوا في الغيبة والنميمة، ولم يكن في مقدورك أن تبدل وأن تغير هذا الحال؛ أليس بمقدورك أن تنصرف أنت عن هذا المنكر؟! لذلك يقول أهل العلم: إذا لم تستطع أن تنهي المنكر فأعرض عنه، هذه كلها أمور ينبغي أن يعقدها المرء في قلبه، ويتقرب إلى مولاه بها.

стр. 102

من تزكية النفس: طلب الرزق بالطاعة في الحديث: (أن روح القدس) أي جبريل ﵇، (نفث في روعي) أي في نفسي، (وقال: يا محمد، اعلم أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، واعلموا أنما عند الله لا ينال إلا بطاعته). فإن كنت مطيعاً لله ساق إليك الخير، وإن كنت كافراً جاحداً مشركاً ربما ساق إليك الخير أكثر من المؤمن الموحد، ولكن هذا حظك ونصيبك في الدنيا، والله ﵎ حكم عدل، ولذلك اغتر الناس بأن الله من على الكافرين والملحدين والمشركين بنعم عظيمة جداً، وفتح عليهم بفتوحات الدنيا من أولها إلى آخرها، يقولون: إن الله ﵎ ما من عليهم بهذا إلا لحبه إياهم، وهذه انتكاسة أخرى عظيمة، فإن الله إنما يفتح بأبواب الخير الدنيوية على الكفار والمشركين؛ لأن هذا جزاء أعمالهم في الدنيا، فإذا أتوا على الله يوم القيامة فليس لهم عنده حظ ولا نصيب. أما المؤمن فحظه الأوفى ونصيبه الأوفر عند الله ؛ لأنه قد أعد له في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولو كانت النعم العظيمة والمال الوفير ممدوحاً عند الله، لكان أول من كان غنياً وثرياً الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بل قد ورد أن معظم الأنبياء كانوا فقراء، كانوا يعملون ويكدون ويتعبون ويأكلون من كسب أيديهم، ومن عمل أيديهم، كنبي الله داود، وزكريا، ومحمد ﵊، فإنه كان يرعى الغنم والإبل وغير ذلك ليتكسب ويقتات ويأكل من عمل يده.

стр. 103

من تزكية النفس: التذلل لله عند الغنى والفقر إذاً: هذا المال ابتلاء من الله فلو أن الله رزقك إياه فاجأر إليه أكثر مما لو كنت فقيراً، ويكفي: (أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً)، وفي رواية أخرى: (أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم)، أي بخمسمائة عام، لأن المرء لا تزول قدمه يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن علمه، وعن ماله، وعن عمره، وعن شبابه، فيسأل عن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، فصاحب الملايين سيقف أمام الله يوم القيامة، ويسأله: من أين اكتسبت هذا الدينار، وفيم أنفقته؟ ثم من أين اكتسبت الدينار الثاني وفيم أنفقته؟ ثم الدينار الثالث والرابع وهكذا وهذا عذاب، ولذلك يقول النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عذب)، يعني مجرد أن يقول الله: لم فعلت، وكيف فعلت؟ فهذا عذاب، حتى وإن لم يعذبك، فمجرد أنه يناقشك فهذا عذاب. ولذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر من طريق صفوان بن محرز عند البخاري ومسلم: (أن صفوان بن محرز اعترض عبد الله بن عمر أو أن رجلاً اعترض ابن عمر فقال له: أما سمعت النبي ﷺ يقول شيئاً في النجوى؟ قال: بلى، سمعته يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه: يا فلان، أتذكر ذنب كذا في يوم كذا وكذا؟ يقول: نعم يا رب. أتذكر ذنب كذا يوم كذا وكذا؟ يقول: نعم يا رب، حتى يوقن العبد أنه أشرف على الهلاك، فيقول الله ﵎: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، انظروا إلى هذه المحاسبة بين الخالق والمخلوق. ولذلك يقول النبي ﵊: (ما منكم من أحد إلا سيحاسبه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة)، أي: ولو بنصف تمرة تقدمونها لله . ولذلك يقول النبي ﵊: (سبق دينار مائة ألف دينار عند الله ؛ لأن الذي تصدق بالدينار تصدق به عن حاجة إليه، وأما الذي تصدق بمائة ألف دينار فهذا فائض عنده فلا يؤثر فيه، أما الذي يدفع الدينار مع حاجة ماسة إليه فهذا أعظم عند الله تعالى ممن يتصدق بمئات الآلاف عن ظهر غنى.

стр. 104

ثمرات الإيمان باسم الله الرقيب في تزكية النفس إذا كنت تؤمن بأن الله ﵎ هو الرازق فاعقد على ذلك قلبك، واعلم أنه ما كان لك لن يأخذه غيرك، وما كان لغيرك فمهما بذلت من جهد فلن يصل إليك: ولو اجتمع الخلق أجمعون على أن يضروك فلن يضروك إلا بشيء قد قدره الله عليك، فاعلم إن ذلك من عند الله أولاً، ولكنه جعل هؤلاء أسباباً لمنع الرزق عنك، وإذا كان الله ﵎ يقدر لك الخير فلو اجتمع الناس على أن يمنعوا هذا الخير عنك لا يمكن لهم ذلك أبداً؛ لأنهم في قبضة المولى ، يصرفهم عنك ويخيب سعيهم ورجاءهم، فاعلم أنك في قبضة المولى ، وإيمانك بأن الله ﵎ هو الرازق لابد أن يظهر عملياً في حياتك. إذا كنت تعلم أن الله ﵎ هو الرقيب على عباده، وعلى أفعالهم وعلى أقوالهم، وجعل من الملائكة كذلك حفظة لأعمال الخير والشر، فإذا كنت تستشعر أن الله ﵎ يراك، وسيحاسبك، وهو قادر على عذابك، وأنه رقيب عليك مطلع على أعمالك وأقوالك، فإذا كنت حقاً مستشعراً لهذا فهل تقترب من الذنب والمعصية، إن سبب وقوعك هو عدم استشعارك بأن الله تعالى يراك، وهذا هو الإحسان لله : (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فلتكن هذه عقيدتك سواء كنت ترى الله، أو كنت لا تراه، فإن الله ﵎ لابد أن يكون داخلاً في اعتقادك وأنه يراك ويسمع قولك، بل ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما تحدث به نفسك، وما توسوس به نفسك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد. وإذا كنت تحقق معنى الرقيب في نفسك، فاعلم أنه ينبغي لك أن تقلع عن المعصية، ولذلك الذي يقع في المعصية لابد وأنه قد غاب عنه في حين المعصية أن الله رقيب، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩٩]، وأن الله قوي جبار منتقم، غابت عنه هذه المعاني كلها، ولذلك يقول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزين وهو مؤمن). لا يمكن أن يزني العبد وهو مستشعر أن الله ﵎ يراه؛ فلو جيء بأجمل نساء العالم، ووضعت في غرفة، وبجوار هذه الغرفة غرفة أخرى قد أوقدت ناراً، وجيء برجل فرأى النار، ورأى تلك الحسناء فقيل له: ازن بهذه ثم اعلم أنك بعد فراغك من هذه الفاحشة ستلقى في الغرفة الأخرى، فلا يمكن أن تتحرك له شهوة أبداً؛ لأنه يرى العذاب أمام عينيه. فإذا استشعر العبد عذاب الله ﵎ الذي سيراه في الآخرة فلا يمكن أبداً أن يجترئ على المعصية، ولا يمكن أن يتخلف عن أداء الزكاة، ولا يمكن أن يؤخر الفرض إلى وقت الفرض الآخر، وإن الناس -وخاصة النساء- إنما يقدمون على معصية الله لغياب الحساب عنهم؛ لأنهم لا يستشعرون أن الله ﵎ رقيب عليهم يحاسبهم ويعاقبهم، وهو شديد الحساب، سريع العقاب، فلما غابت عنهم تلك المعاني وقعوا في الفاحشة، ولكنهم لما أفاقوا من فعلتهم لجئوا إلى الله ﵎، فرجع لهم إيمانهم مرة أخرى، ولذلك قال ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)، فكل معصية يقدم عليها العبد لابد وأنها بسبب غفلة عند ذلك العبد. والمعاصي لها تأثيرات عظيمة جداً في قلب طالب العلم، وفي نفسه وذاكرته وعقله، فإنه كلما ازدادت معصيته قل علمه أو ذهب، أو لم يثبت في ذاكرته، ولذلك يقول الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي ويقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فالتقوى ملازمة للعلم، والعلم ملازم لها، بل إن من ثمرة التقوى أن يعلمك الله ﵎ العلم الشرعي النافع، انظر إلى أسماء الله: الغفور، الرحيم، التواب، هذه الأسماء لو أنك استشعرت معانيها فما هو الأثر السلوكي في تزكية نفسك حينئذ؟ الأثر السلوكي أنك لا تقطع الرجاء بالله ؛ لأنه الغفور الرحيم، ولأنه التواب، فأنت ترجو من بيده المغفرة وبيده الرحمة وبيده التوبة، وتحسن به الظن أيما إحسان، ولذلك قال المولى : (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)، وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيراً)، ولذلك يقول النبي ﵊: (لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله ، ويقول الله تعالى كما في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي في فليظن بي ما شاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر). فعلينا أن نحسن الظن بالله ، ولكن حسن الظن لابد أن يحملنا على حسن العمل، ولذلك ليس هناك رجاء وحسن ظن إلا ولابد أن يسبقه عمل؛ لأن عائشة ﵂ لما (تلت قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا

стр. 105

الإيمان بأسماء الله وصفاته يزكي النفوس ويرتقي بها إلى عليين أيها الإخوة الكرام! لابد من الوقوف عند كل اسم من أسماء الله ، وصفة من صفاته، واعتقادها إيمانياً، وعملياً كذلك، وبعض الإخوة الطيبين يخاف من الله ﵎ لدرجة اليأس والقنوط من رحمة الله، نعم هو اقترف ذنباً بل وقع في كبيرة، ولكنه تاب وعاد إلى ربه، وأناب إليه، ولكنه لا ينسى ذلك قط مما يؤثر على علاقته بالله ، فمن فرط يأسه من رحمة الله يترك العمل؛ لأنه إذا كان معذباً لا محالة، فلم العمل إذاً؟ وهذا كما حصل لذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وذهب إلى الراهب وسأله: هل لي من توبة؟ قال: لا، ليس لك توبة، فقتله هو أيضاً. فلابد من الإيمان بأسماء الله وصفاته، لأن الإيمان بأسماء الله وصفاته يجعل في النفس ملكة عظيمة تراقب المولى ، وتحاسب نفسها كل يوم، وأنتم تعلمون أن السلف -وهم الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون- كانوا يحاسبون أنفسهم أولاً بأول، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ جبل من جبال العلم والإيمان، كان يحاسب نفسه، ويقول لها: يا نفس توبي، وهكذا نقل عن كثير من السلف أنهم كانوا يحاسبون أنفسهم، ولذلك قال عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا! فالواحد منا إذا حاسب نفسه دل ذلك على قوة المراقبة في قلبه، ولذلك يقول الفضيل بن عياض ﵀: منذ أربعين سنة لم أتكلم بكلمة ولم أعمل عملاً، إلا وقد أعددت له بين يدي الله جواباً. كان السلف قبل أن يتكلموا أو يفعلوا؛ كانوا يحاسبون أنفسهم ليكون العمل خالصاً لله ، وعلى منهاج النبي ﵊، فالإيمان بأسماء الله وصفاته يرتقي بالنفس إلى أعلى عليين.

стр. 106

تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله وأثرها في تزكية النفوس ثم يأتي من بعد ذلك الاعتصام بالكتاب والسنة، أي تحقيق معنى أن محمداً ﷺ رسول الله، فالذي مضى هو تحقيق لقولك لا إله إلا الله، وهذا الذي سيأتي هو تحقيق لقولك: محمد رسول الله ﷺ . فما معنى أنك تؤمن بأن محمداً ﵊ رسول الله؟ إن محبتك لهذه الكلمة ليست بالقول، ولكنها بالقول والعمل، والعمل شيء مهم جداً، والعمل يقتضي أن تكون متبعاً، ومنقاداً، ومذعناً للنبي ﵊، كلما وصلك عنه خبر صحيح فإنه تشريع ودين في حقك يلزمك الإتيان به، ولذلك قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]، أي فاتبعوا النبي محمداً ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].

стр. 107

الاعتصام بالكتاب والسنة وأثره في تزكية النفوس فالمحبة اتباع واقتداء، والمحبة اعتصام بالكتاب والسنة، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﵊ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله)، وهذه هي الوصية التي أوصى بها الله جميع أنبيائه، ورسله، وعباده الصالحين، كما أوصى الأنبياء والرسل أقوامهم كذلك، فإن خير ما يتقرب به العبد إلى ربه أن يكون متقياً له ، والتقوى لا يمكن أن تتحقق لديك إلا إذا عرفت من تتقي، وإلا فكيف يعرف بالله من لا يعرفه؟ وكيف يدل على الله أبعد الناس عنه؟ فلابد أن تعرف أولاً من تتقي، وماذا تتقي، ولذا قال ﵊: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، فسيرى فتناً مظلمة بعضها يأتي خلف بعض، وبعضها في إثر بعض، وهذا الذي نعيشه الآن، وما المخرج من هذه الفتن؟ قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) يعني: صاحبها في النار. هذا الحديث حديث عظيم جداً يحتاج إلى محاضرات لشرحه وبيانه، فالنبي ﵊، قد أوصى أصحابه، وأوصى أمته، أن يمتثلوا وأن يقوموا بواجب السمع الطاعة -بعد تقوى الله لمن تأمر عليهم مادام موحداً، وما دام يأمرهم بالطاعة، وينهاهم عن المعصية، ويحافظ عليهم وعلى دينهم، ويذب عن هذا الدين بالليل والنهار، فإنه قد وجب له في هذه الحالة السمع والطاعة على رقاب العباد جميعاً، قال: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي)، هذا العلاج، بين لك الداء وأنك ترى فتناً، ثم بين لك العلاج، وهذا العلاج من شقين: حث وأمر، ثم تحذير ونهي، حث وأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأمرك أن تتمسك بها وأن تعض عليها بالنواجذ، ثم حذرك ونهاك أن تكون مبتدعاً في دين الله ، وأن تقترح نوعاً من أنواع العبادة، ثم توهم الخلق أن هذا تشريع الله يتقربون به إلى مولاهم حتى الموت وليس كذلك. ولابد للمرء أن يعبد الله ﵎ بما شرع؛ لأن الله ﵎ شرع لنا من الدين ما وصى به جميع الأنبياء والمرسلين، وهو أن يعبد الله بما شرع، وألا يتفرق الناس في دينهم، فهنا لابد وأن نعلم أن العلاج والمخرج من الفتن هو التمسك بالكتاب والسنة.

стр. 108

اعتصام السلف بالسنة ومبادرتهم في العمل بها ولذلك ضرب السلف ﵃ أجمعين أعظم وأروع الأمثلة في التمسك بالسنة، هذا عبد الله بن عمر ﵄ يقول: (إني سمعت النبي ﷺ الآن يقول: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، فقال: ولده بلال والله لنمنعهن، يتخذنه دغلاً، قال: أو أقول لك إن رسول الله قال، وتقول: والله لنمنعهن، والله لا حدثتك حتى الموت)، هذا الرجل أحب الله ورسوله فوق حبه لولده، ولذلك خاصمه، وأبعده عنه وعن رحمة الأبوة؛ لأنه رد على الله وعلى رسوله أمره: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) قال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً. امرأة تأتي إلى النبي ﵊ ومعها ابنتها، فيقول لها النبي ﵊ لما رأى سوارين من ذهب في يد البنت: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بسوارين من نار)، فلم تقل: لا، ولكنها بادرت وسارعت بخلع هذين السوارين، وألقتهما على الأرض وقالت: هما لله ورسوله. فما الذي حملها على ذلك؟ إيمانها بالله، وتوحيدها الخالص لله . رأى النبي ﵊ بعض النسوة بعد أن خرجن من المسجد -أي: مسجد المدينة- قد سرن في عرض الطريق -كما نشاهد اليوم النساء الغافلات الجاهلات يخرجن إلى الأسواق والطرقات والشوارع، بجوار بعضهن البعض حتى يغلقن الطريق أمام المرارة- فلما رأى النبي ﵊ ذلك منهن قال: (ليس للنساء عرض الطريق)، فلما سمعت النساء بهذا النهي والتحذير التصقت كل واحدة منهن بالجدار، أي بحافة الطريق حتى يتعلق ثوبها بالجدار، تصديقاً وإيماناً وإذعاناً لما جاء عن الله ورسوله. كان النبي ﵊ إذا نزل منزلاً مع أصحابه تفرقوا في الشعاب والأودية فقال النبي ﵊: (إن تفرقكم هذا من الشيطان قال أبو هريرة: فوالله ما نزلنا منزلاً بعد أن سمعنا قوله إلا وانضم بعضنا إلى بعض، حتى لو طرح علينا الثوب الواحد لعمنا أجمعين)، لقد حقق الصحابة ﵃ معنى: محمد رسول الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 109

الأسئلة

стр. 110

حكم إسقاط المرأة جنينها نكاية بزوجها السؤال امرأة كانت غاضبة من زوجها وكانت حاملاً، فكادت زوجها، ونكاية به أسقطت جنينها، والآن هي نادمة، فماذا عليها؟ الجواب هذا الفعل من أعظم الجرم، وهو كبيرة من الكبائر، لأنه قتل نفس، فينبغي على هذه المرأة أن تتوب إلى الله بصدق وإخلاص، وأن تعتذر إلى زوجها، وينبغي أن تصدق في توبتها إلى الله ، فما ذنب هذا الجنين الذي مات؟! هل هذه المرأة استشعرت أنه سيأتي يوم القيامة ويمسك بها ويجرها إلى لله ، ويقول: يا رب سل هذه لم قتلتني؟ ألم تستشعر المرأة هذا؟ والله لو أنها آمنت بالله حق الإيمان ما فعلت هذا، ولكنها فعلت ذلك في لحظة ضعف شديد، وغفلة وسطوة من الشيطان عليها، فيبغي عليها أن ترجع بنفس المقدار الذي خرجت به إلى الإيمان وزيادة، وأن تسأل الله ﵎ أن يثبتها على الإيمان، والعمل الصالح، وأن لا تعود إلى هذا الفعل مرة أخرى ولا إلى غيره.
следующие страницы →