Полный текст (521 стр.). Показаны 491–521 · переход к 496.
стр. 491
الانعزال عن أهل العلم والفقه في الدين
المعلم الثاني: أن صاحب الهوى يعرف بانعزاله عن أهل العلم والفقه في الدين، وأنتم تعلمون أن واصل بن عطاء البصري كان تلميذاً في حلقة الحسن البصري، فلما دخل داخل ووجه سؤالاً للحسن: يا إمام! ما تقول في صاحب الكبيرة؟ فكان أدبياً وأخلاقياً وسلوكياً أن يسكت الجميع حتى يتكلم المسئول، ولكن صاحب البدعة يطل بقرنه هكذا من وسط أهل السنة، فقام واصل بن عطاء وقال: صاحب الكبيرة ليس كافراً ولا مؤمناً، وهو مخلد في النار، فهو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وخلوده ليس كخلود الكفار الأصليين، والحسن ساكت.
ولم يكتف واصل بذلك، بل أخذ ثيابه وانصرف في مؤخرة المسجد -أخره الله تعالى- وأخذ زاوية منه وجلس، وقام من مجلس الحسن أصحاب الهوى وجلسوا مع واصل، فتأسف الحسن لذلك أشد الأسف وقال: اعتزلنا واصل، فسموا المعتزلة بتسمية الحسن البصري لـ واصل بن عطاء، فأنت تجد أن أصحاب الهوى ليسوا من طلاب العلم، وإلا فاذكر لي صاحب هوى الآن في هذا الزمان، واذكر لي على يد من طلب العلم، وهل برك وتمرغ في التراب على أبواب وأعتاب أهل العلم؟! كان أبو موسى الأشعري إماماً في العلم والدين والفقه، وهو من كبار أصحاب النبي ﵊، ولكن الذي أكبر منه في دين الله وفي العلم والفقه هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، فـ أبو موسى الأشعري لما رأى قوماً قد تحلقوا حلقاً في مسجد الكوفة أنكر هذا الوضع أيما إنكار، ولكنه لم يتكلم، فذهب إلى بيت عبد الله بن مسعود، ولم يطرق عليه الباب أبداً حتى خرج إليه - أي: في صلاة الظهر - فلما خرج إليه قال: من؟ أبو موسى؟ قال: نعم.
قال: ما الذي جاء بك، وما الذي منعك أن تطرق علينا؟ قال: انتظرتك يا إمام حتى تخرج.
قال: وما الذي جاء بك؟ قلت: رأيت أمراً منكراً، رأيت أن ناساً قد تحلقوا حلقاً في مسجد الكوفة، وجعلوا على كل حلقة كبير من يلقي إليهم الحصى ويقول: كبروا مائة فيكبرون، سبحوا مائة فيسبحون، هللوا مائة فيهللون.
ومع أن هذا تكبير وتسبيح وتهليل، لكن هذه الكيفية ليس للصحابة عهد بها، فقال عبد الله بن مسعود لـ أبي موسى الأشعري: هلا أنكرت عليهم؟ قال: انتظاراً لرأيك يا إمام! وكان بإمكان أبي موسى وهو من كبار أهل العلم أن ينكر، ولكن أهل العلم درسوا على أنهم لا يتكلمون في قرية فيها من هو أعلم وأفقه، وكانوا يجعلون مدار الفتوى والعلم والتدريس لكبار القوم، وليس لصغارهم وطلابهم، فذهب إليهم عبد الله بن مسعود ووقف على رءوسهم وقال: ما هذا الذي تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا به إلا الخير.
قال: كم من مريد للخير لم يدركه، فإما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد -يعني: أن الله تعالى أطلعكم على خير قد حجزه عن نبيكم وعن أصحابه- وإما أنكم مفتتحو باب ضلالة.
فهب أننا رأينا هذا المنظر في بيت من بيوت الله، وقال واحد منا ما قاله ابن مسعود لاتهمنا الحاضرون بالتزمت والتشدد والانحراف وغير ذلك، والغلظة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، حتى قال الراوي: فوجدنا هؤلاء -أي: الذين تحلقوا وذكروا الله- يوم النهروان يقاتلوننا بالسيف.
وذلك لأن الهوى قد تمكن من قلوبهم آنفاً، ألا تعلمون أن أشد الناس خطراً في دين الله هم الخوارج والشيعة؟ أوما علمتم أن الخوارج أشد الناس عبادة في دين الله ، ولكن هيهات هيهات! هيهات هيهات! حتى أجمع أهل العلم على أن الخوارج لا يكذبون؛ لأنهم يكفرون بالمعصية والكذب معصية، فلو أنهم كذبوا لحكموا على أنفسهم بالكفر، بخلاف الرافضة فإن السمة البارزة عليهم الكذب ويسمونه: التقية.
فاعلموا -أيها الكرام- أن النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر أقوام في أمتي تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
يعني: لا عبرة بصلاتهم وصيامهم؛ لأنها تكلف وغلو في دين الله ، وكل بدعة قامت على الغلو، ولذلك قال النبي ﵊: (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه).
وقال: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٧٧] (لا تغلوا) أي: لا تغالوا في دينكم.
فصاحب الهوى يعرف بانعزاله عن حلقات العلم، وعن أهل العلم، فإن الذي استقى ما عنده من غير طريق أهل العلم يكون استقاه من هواه، ومن مزاجه ووجده.
ولذلك فإن طالب العلم لا يجوز له أن يعتد بعلمه، ولا أن يفاصل أهل العلم ويتميز عنهم بأي نوع م
стр. 492
شدة الخصومة
وأما العلامة الثالثة من علامات أهل البدع وأصحاب الأهواء: فإنها شدة الخصومة، فبعد أن تقام عليه الحجة يلج في الخصومة، وبعد أن يبين له البرهان ينتكس مرة أخرى؛ لأن قلبه قد أشرب بالهوى، حتى لو أقر واعترف بالحق الذي مع صاحب الحق، فإنه يرجع عنده، ويتردد في قبوله مرة أخرى.
стр. 493
التكلف والتمحل في الانتصار
العلامة الرابعة من علامات أهل الأهواء: التكلف والتمحل في الانتصار، والاستدلال بكل دليل، بل ولي أعناق الأدلة حتى تخدم هواه؛ بإخراجها عن المراد منها، والتفرد بمعاني الأدلة عن أقوال أهل العلم المختصين بها.
إن صاحب الهوى يقرأ دليلاً ويفهم منه فهماً يخالف فيه أمة محمد ﵊، ومع هذا يعتد بهذا الفهم الذي خالف فيه، ويدع إجماع أهل العلم قديماً وحديثاً.
فيقول: أنا عقلي كعقولهم، وأنا رجل وهم رجال، وأنا شيخ وهم شيوخ، وهذا الكلام الذي نسمعه بين الحين والحين، وفي مسجد تلو مسجد.
стр. 494
لمز أئمة الدين
العلامة الخامسة من علامات أصحاب الأهواء هي: لمز وغمز أئمة الدين، إن لم يتب ويعلن صراحة فإنه يغمز ويلمز ويعرض، ويلوح ببعض الفتاوى لأهل العلم، ويقول: هذا الذي يفتي الناس في النوازل وغيرها، وهذا الذي يشار إليه بالبنان، ويقال: إنه من أئمة المسلمين قال في يوم كذا: كذا وكذا، وقال في حديثه كذا وكذا، وعلى أية حال، وإن كان هذا الرجل رجلاً له احترام وتبجيل وتعظيم فإنه رجل ونحن رجال، وكلانا يقبل من قوله.
سبحان الله! طالب علم صغير، ولم يبلغ الثلاثين من عمره وذاك الشيخ قد قارب المائة، ومع هذا يسوي نفسه به، ويقول: وهذا الشيخ مع جلالته وإتقانه وحفظه وخدمته للإسلام، وسبقه في العلم والعمل والعبادة، إلا أنه يخطئ ويصيب، وقد أخطأ في هذا القول، وهذا الشيخ إنسان غير معصوم وهو مأجور! فيا له من غمز ولمز لأهل العلم! نعم هذا القول جائز في العموم، لكنه جائز بين أهل العلم وليس بين أهل العلم وطلاب العلم الصغار.
стр. 495
التعالي والتعالم والغرور والاستقلالية
والعلامة السادسة: التعالي والتعالم والغرور والاستقلالية، قال رسول الله ﷺ : (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان).
هذه علامة أهل الأهواء والبدع، تراه متكئاً شبعان قد ملأ بطنه، (يأتيه الأمر من أمور الحلال والحرام فيقول: ما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمناه، وما وجدنا في كتاب الله حلالاً أحللناه، فيقول النبي ﵊: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).
فهذا الرجل صاحب الهوى يقول: قال أحمد بن حنبل في المسألة كيت وكيت وكيت.
وأنا أقول كيت وكيت وكيت.
ثم يقول: هذا رأيي ومن كان عنده غير ذلك فليأتني به وهيهات! ثم يقول: لقد ظهر لي بحمد الله ما لم يظهر لأئمة الدين، تصور الكلمات التي تقرؤها في كتابه، وتأمل صاحب الكتاب فإنك ستجده إنساناً مغموراً محفوراً لا أحد يعلم به لا من الإنس ولا من الجن، فهذا جزاؤه الضرب بالنعل، لكن لما انتشر التصنيف في عصر الفوضى، كان لكل من هب ودب أن يتكلم في دين الله؛ وذلك لأن الدين مرتع له، فلا يستطيع أحد أن يتكلم في الطب أو الهندسة أو الفيزياء أو غير ذلك من علوم الدنيا، ولكن الشرع ساحة بلا حارس، ومن عجز عن الكلام في غيره فليتفضل، ولينتهك ولينهش.
وفوق هذا يقول: هذا وأظنني غير مسبوق بها، وقد أتيت بما لم تأت به الأوائل.
стр. 496
المخالفة في منهج الاستدلال والتلقي
العلامة السابعة من علامات وملامح أهل الأهواء: اختلافهم في منهج الاستدلال والتلقي.
إذا أردت أن تستدل على شيء بدليل؛ فإنك تقول: قال الله قال رسوله، تستدل بالمنقول، وصاحب الهوى لا علاقة له بالمنقول ولا علاقة له بالنصوص، فتراه يستدل بالآراء، قال أهل العلم: إياكم وأرأيت؟ أو رأيت إياكم وإيانا.
فصاحب الهوى منهجه في الاستدلال والتلقي منهج يخالف منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه يقول: إني أرى، وإني رأيت، وإن هذا الأمر معقول، وهذا غير معقول، هذا يدخل في عقلي ويستوعبه، وهذا لا يدخل فيه ولا يستوعبه، ولذلك أنا أقبل هذا، وأرد هذا بعقلي، أما أهل السنة والجماعة فإن منهجهم في الاستدلال ما قاله ابن القيم ﵀: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فمنهج التلقي عند أصحاب البدع: قال الشيخ الفلاني، وقالت الطائفة الفلانية، وقال به الجماعة الفلانية، أي: قالت جماعتي وطائفتي وشيخي.
يا فلان! هذه الجماعة خالفت كتاب الله في قول كيت، وخالفت سنة النبي ﷺ بقول كيت؟ فيقول: أنا لا أعرف شيئاً من هذا، يكفيني أن آخذ على الشيخ الفلاني؛ لأنه شيخ الطائفة، أو شيخ الجماعة، أو شيخ الفرقة، أو شيخ المجموعة، أو الفئة من الناس أو غير ذلك، منهجه في التلقي يختلف عن منهج أهل السنة والجماعة، فيجعل قول شيخه وجماعته وطائفته فيصلاً في القضية المطروحة، وكذلك أصحاب الأهواء جميعاً.
стр. 497
الاستهزاء في الاستدلال بكلام أهل العلم وأخذه إذا وافق الهوى
العلامة الثامنة: الاستهزاء في الاستدلال من كلام أهل العلم، بل من كلام الله ﵎ بما يحلو لهم، ويتفق مع هواهم وبدعتهم.
ترى كثيراً ممن يتكلمون بكلام يريد أن يؤيد هواه وبدعته، فيقول: يا أخي! شيخ الإسلام ابن تيمية قال: يجوز حلق اللحية لمصلحة الدعوة، تقول: وأين قال ابن تيمية هذا الكلام؟ يقول: في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) وأنت سترى هذا بعينيك وتقرؤه بنفسك، فإذا بك تقرأ بعد أن ملئوا الدنيا صياحاً وضجيجاً أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أفتاهم كتابة ونقلاً عنه أن الواحد له أن يتحلل من مظهره كله، يقول: ولو أن مسلماً في بلاد حرب، يخشى على دينه، ويخشى على نفسه من مظهره الذي يدل على التزامه بدين الله ﵎ فله أن يتخلى عن مظهره، وأن يحاول الفرار من هذه البلاد إلى بلاد يتمكن فيها من إظهار ذلك.
فلو أنك قرأت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية برمته لعلمت أن الفتوى مستقيمة على منهج السلف في الاستدلال، ولكن صاحب الهوى انتزع منها ما يوافق هواه، ثم ينسب هذا لإمام من أئمة الدنيا ثقة عندك وعنده، وإلا لما استدل بكلامه، بل أنكره أصلاً.
وتجد أن الواحد منهم يبغض الشيخ الفلاني، أو الشيخ العلاني أشد البغض، ويتهجم عليه في محاضراته ودروسه وخطبه، وإذا قال الشيخ قولة واحدة توافق هواه يقول: ألم يقل الشيخ الألباني بجواز كشف الوجه والكفين؟ أليس هذا هو شيخكم المبجل الذي هو المرجعية والمنظر عندكم؟ نقول: نعم.
وهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم، ووسع السلف الخلاف فيها، فنحن لا نحرج على الشيخ وعلى من قال بغيره، وإن كنا نعتقد وجوب الستر إلا أن الشيخ له أدلته، ولم يصدر هذه الفتوى عن هوى، ويكفيك أن تعلم أن معظم أهل العلم وجماهير أهل العلم قالوا بجواز الكشف، لكن الذي يترجح خلاف ذلك، وعلى أية حال: المسألة واسعة إن شاء الله، فانظر إلى هذا الرجل الذي يكره الألباني ويبغضه على كل خط ومدار إلا في هذا الأمر، فيقول: والله نحن نأخذ بفتوى الشيخ الألباني في هذا، فما هو سر هذا التمسك؟ سره أنه وافق عندك هوى، ولو كنت تمسكت بهذا لاستظهار الأدلة عندك لقلنا لك: أنت مأجور عند الله ، وليس الأمر كذلك.
أو أن صاحب الهوى يأخذ من كتاب الله ﵎ نصوص الوعد ويترك نصوص الوعيد، أو يأخذ الوعيد ويترك الوعد، أو لا يحمل المطلق على المقيد، أو الخاص على العام، أو لا يقول بالنسخ في القرآن والسنة، أو غير ذلك، ويتغافل عن قواعد الشرك المبنية على النصوص العامة، ويأخذ من النصوص ما يتوجه أن يكون حجة له، لا حجة عليه ويدع الباقي؛ لأنه يعلم أن الزيادة المتروكة حجة لغيره، وهذا بخلاف منهج السلف.
كان الإمام الشافعي ﵀ يقول: ما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن الحق معه.
هل فينا واحد مهما بلغت استقامته بلغ هذا المبلغ؟ يقول الشافعي ذلك لأنه يضمن لنفسه أن يرجع إلى الحق وأن يقبله، ولا يضمن لغيره، فيا ليت أن خصمي معه الدليل والحجة والبرهان، يا ليتني أستدل له بالمنسوخ ويكون معه الناسخ الذي لم يبلغني، يا ليتني أكون متمسكاً بالعام ومعه المقيد، يا ليتني متمسك بالمطلق ومعه المقيد، وغير ذلك؛ لأني أضمن نفسي - أي: الشافعي - ولا يضمن غيره، فيقول: وددت لو أن الناس تعلموا، ثم لم ينسب إلي منه حرف واحد، وما ناظرت أحداً إلا وتمنيت أن الحق معه.
ويقول كذلك: إذا ناظرت أحداً فربما يكون قولي حقاً، وكلامه أحق مني.
وقد وردت رواية أخرى عنه تقول: قولي صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.
وأما نحن فإن أقوالنا كلها صحيحة، وأقوال الأئمة بأسرها خطأ، فيا أخي المسلم! إن سمعت من عالم فتوى فاحمله على أحسن المحامل حتى تجد له في الخير محملاً، إذا سمعت كلاماً لأخيك فاحمله على أحسن المحامل والوجوه.
وشى رجل بـ الربيع بن سليمان المرادي -تلميذ الشافعي - عند الشافعي، فلما بلغت هذه الوشاية الربيع هرول إلى الشافعي وقال: يا إمام! والله ما قصدتك بذلك.
قال الشافعي: والله لو أنك قلته في وجهي لعلمت أنك لا تقصدني.
فأهل الأهواء لا يحسنون الظن بخصومهم حتى وإن كانوا من كبار أهل العلم، ويتصيدون الأخطاء، وإن رجعوا عنها في مواطن أخرى.
فنجد مثلاً: أن بعض أهل العلم في زمن من الأزمنة قد صنفوا كتباً، وتكلموا بكلام، وربما أخطئوا فيه في مكان، فاستدركوا ذلك في نفس الكتاب في مكان آخر، وربما لا يدرون أنهم قد أخطئوا من قبل، ولكن ظهر لهم ما كان قد خفي فصححوا في مواطن أخرى.
أو أن القائل تكلم بمقولة يؤاخذ بها فاعتذر عنها وتاب منها، فيأتي من يأتي بعد ذلك، ولا يلتفت إلى هذا الاعتذار، ولا إلى توبة المخطئ من خطئه، ويشن الحرب الشعواء الضروس عليه، ويقول: هو أشد على الإسلام من اليهود
стр. 498
الحرص على مواطن الإشكال وغرائب النقول والأقوال
ومن علامة أهل الأهواء كذلك: الحرص على مواطن الإشكال، وغرائب النقول والأقوال، تجدهم يتقعرون في مقولاتهم، ولا يتكلمون بكلام واضح، كما كان النبي ﵊ يتكلم مع أصحابه، ومع من أتوا من البادية، أو من هنا وهناك، كان السائل يسأل السؤال فيأخذ جوابه وينصرف دون أن يسأل عن التفسير إلا ما ندر؛ ولذلك إذا راجعت تفسير النبي ﵊ لكتاب الله لا تكاد تجد أنه فسر إلا بعض الآيات من كتاب الله ، ولم يفسر القرآن كله؟ لأنه نزل بلغة العرب، والنبي ﵇ تكلم بلغة العرب، فكانوا يفهمونه أحسن الفهم، وينطلقون دون أن يستبينوا معاني الكلمات، فما الذي يمنعك -أيها العبد- أن تتكلم بلغة يفهمها أهل زمانك وأهل عصرك؟!
стр. 499
البعد عن العدل في الحكم
ومن علاماتهم كذلك: البعد عن العدل في الحكم، إذا حكموا لا يعدلون، وإذا تكلموا لا ينصفون، ويتناسون الحسنات، ويذكرون السيئات، ويخوضون في الأعراض -أي: في أعراض أهل العلم على جهة الخصوص- ويقولون: ليس منهج أهل السنة والجماعة الموازنة بين الحسنات والسيئات، هكذا يدعون.
وعجبي أنهم لم يطلعوا على قول الله وقد أثنى أولاً على أهل الكتاب، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].
فأثنى على من استحق الثناء منهم أولاً، ثم ذكر المعايب بعد ذلك، فإن المرء إنما يوهب لما غلب عليه، فإن كان الأصل فيه الفساد والشر والانحراف والهوى؛ فإنه يكون صاحب هوى وإن صدق وعدل في قول أو قولين أو ثلاثة، فليس صاحب البدعة إذا وافق أهل السنة وأهل الالتزام وأهل الاستقامة في مسألة أو مسألتين معناه: أن يكون صاحب سنة، بل هو صاحب بدعة؛ وذلك لأن موافقته للسنة في بعض المسائل لا تقدم الكم الهائل في بدعته.
كما أن صاحب السنة إذا أخطأ في مسألة أو مسألتين، ووافق فيها أهل الأهواء وأصحاب البدع؛ فإنه يعذر في هذا ويقال: أخطأ فيه، ولا يقال: إنه ابتدع، وإنه خرج عن منهج أهل السنة والجماعة، فيبين خطؤه مع بقائه على أصله في الاستقامة والاعتدال، هكذا منهج أهل السنة والجماعة أنهم يعدلون في أحكامهم، وينصفون في أقوالهم، ويذكرون الحسنات والسيئات إن دعت الضرورة إلى ذلك، ويلتمسون الأعذار لأهل الأعذار، ويبررون المواقف، ويحسنون الظن خاصة بأهل العلم.
стр. 500
الإغراق في الجزئيات وإهمال الكليات
ومن علامات أهل البدع والأهواء كذلك: الإغراق في الجزئيات، والتغافل عن الكليات، والانشغال بها، وصرف الوقت في تحصيلها، ويجعلون من مسألة ما دينه كله الذي يشغل حياته، فيدخل فيما لا يعنيه، فالدخول فيما لا يعني من سمات وملامح أهل الأهواء، فلو أن عالماً قد اختلف مع عالم آخر لوجدت أن طلاب العلم الصغار الذين لا يلزمهم الخوض في هذه القضية ينشغلون أشد الانشغال، ويسيرون بهذه المسألة يمنة ويسرة، ويطيحون بها في كل واد، ويرتفعون بها على قمم الجبال، فيسألون: الحق مع من؟ ما القول الفصل في هذه القضية؟ ويظل يسأل، ثم يسمع الجواب، ويسأل ثانية، ويسمع الجواب، وعاشرة ومائة وألفاً، هل أنت مكلف بهذا؟! أنت مكلف أن تبحث عن دينك، أنت مكلف أن تتعلم أصول اعتقادك، وأصول الشرائع من صيام وصلاة وزكاة وحج وغير ذلك، أنت قد أفنيت عمرك في البحث عن مسألة واحدة، هل هذا منهج سلفي يا من تدعي أنك سلفي؟! وإن كان الكبار يلامون على ذلك أيضاً، ولكن الصغار أشد لوماً؛ لأنهم قد صرفوا حياتهم، وبذلوا أوقاتهم في البحث عن مسألة واحدة، وربما تكون هذه المسألة من جزئيات الجزئيات التي لو تركتها لا تلام بين يدي الله .
الكثير من الشباب يشغل نفسه بالفتن الواقعة على الساحة، أنت لست مطالباً بهذا يا أخي، فإن كلام الأقران يطوى ولا يروى، ولا عبرة بقول كل واحد منهما في الآخر، وإنما العبرة في بحثك أنت عن الحق، فابحث عنه عندما تثق به مرة واحدة ويكفيك، وتعذر بهذا أمام الله .
أما إغراق الوقت واستيعابه في البحث عن جزئية؛ فهذا من الأمور العصرية المنكرة، بل والمنكرة جداً، فاتقوا الله ﵎ أيها الشباب.
стр. 501
الوقوف على مسائل الخلاف ومنازع الاجتهاد
والعلامة الثالثة عشرة: الوقوف على مسائل الخلاف والإشكاليات، ومنازع الاجتهاد، والمفارقة في ذلك، وإشاعة ذلك بين الخاصة والعامة.
стр. 502
اتخاذ المواقف المزرية فيما يجوز فيه الخلاف
والعلامة الرابعة عشرة: اتخاذ المواقف المزرية المخزية من مخالفيهم فيما يجوز فيه الخلاف شرعاً، وعدم قبول معذرتهم، كقضية الخمار والنقاب، ووجوب قراءة الفاتحة من عدمه في الصلاة، وهل تدرك الركعة بإدراك الركوع أم لا؟ وهل البسملة آية من كل سورة أو من الفاتحة؟ ووضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع سنة أو بدعة؟ فتجد الشخص يقابل هذه السنة بسؤال، وفي السنة الثانية يأتي بنفس السؤال، والسنة التي بعدها يأتي بنفس السؤال, ومن المفترض أنه لقي غيرك؛ فتسيء أنت به الظن أنه لا يسأل أحداً من أهل العلم إلا عن هذه المسألة.
فقد سألني سائل في مسألة: هل وضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع سنة أم بدعة؟ فقلت له: يا أخي الكريم! الشرك على أنواع، أتعرفها؟ قال: لا والله، قلت: هذا أوجب عليك مما تسأل، انصرف.
стр. 503
عقد الولاء والبراء على البدعة والهوى
العلامة الخامسة عشرة من ملامح أهل الأهواء: أنهم يعقدون الولاء والبراء على هواهم وعلى بدعتهم، ويتعصبون لجماعتهم وينتمون إليها في مشربهم، وفي نزعاتهم الشخصية والخلافات، كما كان الأمر كذلك في الجاهلية تماماً.
فأي تحزب يضعف الولاء لله ؛ وذلك لأنك اجتزأت من ولائك لله جزءاً لجماعتك، ونحن نسمع كثيراً أننا إذا قلنا لفلان: ما الحكم الشرعي في المسألة الفلانية؟ قال: جماعتي قالت كيت، وشيخنا قال كيت، أو يقول: أميرنا قال كيت، وهكذا جعل جزءاً من الولاء له، فضعف ولاؤه لله ، حتى إذا خالف ذلك الأمير أمر الله تعالى وأمر رسوله قدم أمر الأمير على أمر الله ورسوله.
стр. 504
التصدر للفتوى في النوازل
ومن ملامح أهل البدع: أنهم يبرزون ويظهرون في النوازل والكوارث التي لا يجوز أن يظهر فيها إلا أهل العلم، أي نازلة ومصيبة تنزل بالمسلمين تجدها تطل بقرونها على رءوس كثير من طلاب العلم الصغار، فترى كل واحد منهم يموج في أرجاء المعمورة بهذه الفتنة، فإن قيل له: هل أنت مكلف بهذا؟ يقول: هذا أمر المسلمين، ومن لم يهتم بهم فليس منهم، ويحفظ لك قليلاً من الأدلة والنصوص، منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع؛ حتى يبين أنه صاحب الهم الأعظم، وأنه قد أحيل إليه الفصل في هذا النزاع، وفي هذه الفتن والملمات.
стр. 505
التعصب لغير شعارات وأصول أهل السنة والجماعة
ومن ملامحهم كذلك: التعلق والتعصب لشعارات غير شعارات وأصول أهل السنة والجماعة، واتخاذ مناهج في الدين تخالف منهج أهل السنة والجماعة، وأنا أظن أن هذا كاف في إثبات العلامات، وإن كانت العلامات أكثر من ذلك.
стр. 506
أصناف أهل الأهواء
أما أصناف أهل الأهواء فكثيرة جداً نختصر البعض منها:
стр. 507
العلمانيون
الأول مثلاً: (العِلمانيون) والتسمية الصحيحة: (العَلْمانيون) نسبة إلى العالم، لا العِلمانيون نسبة إلى العلم؛ لأن النسبة إلى العلم شرف، وأما النسبة إلى العالم فإنها معرة وخسة ونذالة وانحطاط فكري؛ لأن النسبة إلى العالم علماني كالنسبة إلى الدهر دهريون.
والعلمانيون هم أصناف وفئات وطبقات كثيرة جداً، وأشكالهم لا يعلمها إلا الله ، وتجمعاتهم كثيرة بدأت في بلاد الغرب، ثم في بلاد أمريكا، وانتشرت في بلاد المسلمين، بل وتمسك كثير من المسلمين بالعلمانية أكثر من تمسك العلمانيين الأصليين بها؛ فإنهم قد يتخلون عن مبادئهم بعد إثبات فسادها وبيان ضعفها، ولكن المسلمين وفاءً للغرب الكافر لا يتنازلون عنها، كنظرية داروين -مثلاً- الذي ثبت فشلها وكذبها في بلاد الغرب أجمع، وتخلوا عنها وتركوا تدريسها في المدارس، ولكن المسلمين لا يزالون وفاءً للغرب يدرسون هذه النظرية البائسة التعيسة التي تخالف دين الله في خلق الإنسان.
وهكذا الديمقراطية، ومعناها: أن الناس يحكم بعضهم بعضاً، فلا حكم إلا للناس على الناس، أما حكم الله ﵎ فقد جعلوه وراء ظهورهم.
فتجد الناس يلهجون بها هنا وهناك، بل وبعض الجماعات الكبيرة التي لها ثقل عظيم تبنت كبر هذه القضية، وكتبوا فيها المقالات والكتب، يقولون: الديمقراطية في الإسلام، عنوان جذاب وخطير، يراه المرء لأول وهلة فيقول: نعم هناك ديمقراطية في الإسلام، مع أنه لا يعرف معنى الديمقراطية أصلاً.
فبعض الناس يتصورون أن المسلم يسعه أن يكون ديمقراطياً أو اشتراكياً أو علمانياً، إذا كان هذا ظنك بكل مسلم، فما المانع أن تتصور في المستقبل أنه يسع المسلم أن يكون كافراً؟! والعلمانيون في بلادنا قد أخلصوا كل الإخلاص لأسيادهم في بلاد أوروبا، ذهبوا إلى هناك بحجة دراسة العلوم الدنيوية، أو حتى العلم الشرعي، وإن المرء ليعجب أشد العجب ممن يذهب إلى فرنسا ليأخذ الشهادة في الأدب العربي، أو الشهادة في التفسير، أو الشهادة في علوم السنة، أو غير ذلك، أو يذهب إلى أمريكا أو أي دولة من دول أوروبا، وربما يكون هذا مقبولاً إذا كان هذا فيه علم من علوم الدنيا؛ لأنهم أخذوا علمنا وفاقوا علينا به ومن خلاله، فأصل تقدم أووربا كله نابع من كتاب الله ومن سنة الرسول ﷺ ، ومن اجتهاد أهل العلم السابقين في الإسلام.
وهذا أمر لا ينازع فيه الغرب الآن، وآخر صيحة الآن يرجعون إليها هي: الطب بالأعشاب، فالغرب الآن بأجمع أدرك فساد هذه العقاقير الطبية، وهو يميل الآن إلى استخلاص هذه العقاقير من الأعشاب الطبية.
ولا شك أن هذا الأصل عندنا، وكل أصل أخذوه منا، وبرعوا وتفننوا فيه ونحن نيام، نسأل الله أن يوقظنا.
فتجد أن الواحد منهم يذهب إلى الدراسة هناك، ويتحول بزاوية (١٨٠) درجة، ويأتي بحرب شديدة شعواء على الإسلام وأهله، فيحتقر ويسترذل ويستدني كل مظاهر الإسلام والمسلمين، وينظر إليهم شزراً كأنه لا يعرفهم، وكأنه ليس منهم، بل ينظر بهذه النظرات إلى أبيه وأمه وإخوته وأبنائه، ويرميهم بالجهل والتخلف وغير ذلك، ثم يتطرق إلى الكلام في الدين وأن مظاهر الديانة تخلف ورجعية وغير ذلك، ولا أريد أن أذكر أسماءً؛ لأن الأسماء كثيرة جداً، فأعظم الشهادات العالية المرفوعة في البلد حصل عليها الأستاذ الدكتور الفلاني رئيس قسم كذا في كلية كذا في جامعة كذا، وهو علماني بحت، ويقول كلاماً أنا أتعجب لماذا لا يكفر نفسه؟! هذه ورقات قد طبعها بعض الطلاب في كلية من الكليات لهذا الأستاذ الدكتور، فانظروا ماذا يقول؟! يقول في يوم السبت الموافق: (١١/ ١٠/٩٧) محاضرة الفرقة الثالثة: ما هذا الكرسي الذي يقولون عنه: إنه وسع السماوات والأرض؟! ما هو مقداره؟! وهل من اللازم وجود هذا الكرسي؟! ويوم الثلاثاء: (١٤/ ١٠/٩٧) محاضرة الفرقة الرابعة قال في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]: ما أدراني إن كانت الأسماء أسماء آدميين أم فاكهة؟ وعلى العموم أنا لا أحب إلا التفاح والعنب! استهزاء وسخرية بكتاب الله.
ثم يقول: ستجد نبياً ولد تحت التين والزيتون فوضعوا التين والزيتون في الآية، وإلا لماذا لا يقول: خيار وبطيخ وشبرى، لا أعرف ما علاقة الفاكهة بالمكان؟! ثم قال يوم الثلاثاء: (٢١/ ١٠/٩٧) في محاضرة الفرقة الرابعة: من هذا الأهبل الذي قال لكم: إن الصحابة كانوا مؤمنين بصدق؟ إنما كانوا خائفين أن يقتلوا؛ فقالوا: نقول له الذي يريده، ونضع الصنم تحت السرير ونستريح.
وقال يوم السبت (٢٥/ ١٠/٩٧) في محاضرة الفرقة الثالثة لطالبة محجبة: ما هذه الملاية التي تلبسينها؟! استمري على ذلك حتى يسقط شعرك وحينئذ تعرفين الحق! وفي يوم الثلاثاء: (٢٨/ ١٠/٩٧) في محاضرة الفرقة الرابعة قام بطرد طالبة منتقبة بدون سبب، وبعد خروجها قال: ترفع علي لسانها من تحت الفوطة، أنا لا أعرف ما هي المناظر التي تخفيها عنا؟! وقال في يوم السبت: (٨/ ١١/٩٧) محاضرة الفرقة الثالثة: المسيح ﵇ كان يركب الحمار، ويدلدل رجليه المقشَّفتين
стр. 508
الفرق الضالة
الصنف الثاني من أهل الأهواء: الفرق الضالة كالرافضة وفرقهم، والصوفية الحلولية والاتحادية وفرقهم، والبهائية والقاديانية والفابية، وهم موجودون اليوم بيننا، وللأسف لهم كلمة مسموعة وسطوة في بلاد كثيرة، وكذلك في بلادنا لهم كلمة مسموعة ويبجلون ويحترمون أشد الاحترام، بخلاف أهل السنة والجماعة، وتجاهلهم من أعظم الأخطاء التي تفتك بالأمة؛ لأن هذا الصنف يستعين بعدوك وبخصمك، فإذا بك تنظر في يوم ما أنه أكبر منك وأقوى، فلا تستطيع أن تحاربه، بل لا تستطيع أن تنقم عليه شيئاً من عقيدته أو مسلكه وخلقه؛ لأنك تخاف حينئذ، وأكبر دليل على ذلك انتشار الشيعة في بلاد العرب، وإذا أراد داعية أن يتكلم في محاضرة ما عن الشيعة الرافضة غمزوه وشدوا على ثوبه، وقد فعلوا ذلك معي عدة مرات، فقد تكلمت في محاضرة عن الالتزام بالسنة ونبذ البدعة، فأتاني رجل وأخذ أذني والتقمها وقال: يا شيخ! مالك وللشيعة، دعهم! قلت: أعندكم شيعة؟ قال: (٢٠%) من السكان شيعة، فلو كانوا هؤلاء أقوياء بإيمانهم لما خافوا من الشيعة حتى لو كانوا (١٠٠%)، ولكن الذي يتخلى عن منهج الله ورسوله يجبن ويخاف من كل شيء حتى من الفئران والقطط.
قد يقول قائل: لماذا تدرسون معتقدات هذه الفرق؟! أوليس قد مضوا وانتهوا؟! أقول: هذه الفرق الأصلية موجودة في زماننا، وستكون موجودة إلى قيام الساعة، وإن اختلفت أشكالها وألوانها ومسمياتها، وأنتم تعلمون الآن ما يطلق على ألسنة أهل العلم: المدرسة العقلية، فهذه التسمية شرعية ويقصد بهم المعتزلة، ومعظم الناس الآن يقعون بجهل في الإرجاء، تقول لأحدهم: صم يا فلان، فيقول لك: إن الله غفور رحيم، وسأدخل الجنة مباشرة، فتراه مفرطاً في العمل ويتمنى أن يدخل الجنة، ويتمنى على الله الأماني، وهذا كله ضلال وانحراف.
والنبي ﵊ كان رأس التكليف في هذه الأمة، فقد كان يصوم ويصلي ويزكي ويحج ويأتي بكل الطاعات حتى لفظ آخر نفس من حياته، وهو الذي غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا كان يقوم الليل نافلة حتى تورمت قدماه، وأشفقت عليه إحدى نسائه عائشة ﵂ وقالت: أما غفر الله لك يا رسول الله! أشفق على نفسك، فقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً).
ولكن الأمة وقعت فيما حذر منه النبي ﵊.
стр. 509
أصحاب النزعات البدعية
الصنف الثالث: أصحاب النزعات البدعية، وإن لم ينتموا إلى فرقة من الفرق، وهي نزعات في طريق الدعوة إلى الله ، أو في كيفية الدعوة إلى الله ، أو في كيفية عبادة من العبادات، كأن تكون نزعة شخصية لشخص لا علاقة له بالصوفية ولا بغيرها، لكنه يبتدع بدعة لنفسه، ويتقرب بها إلى الله ، فهي طريقة في العبادة اخترعها من عند نفسه ليس عليها دليل سابق، ويزعم أنه يتقرب بها إلى الله ، فهذا كذلك صاحب هوى بعيد عن الدليل.
ومما ساعد على انتشارهم سكوت بعض الدعاة عن نصحهم تأليفاً للمسلمين ولم الشمل بزعمهم، فلماذا لا يكون الشمل على أسس متينة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊؟! كم من بدعة أطلت برأسها وسكت عنها العلماء؛ لأنهم لا يستطيعون أمام الانتشار وهذا المد العظيم أن ينكروها أو يبينوا خطرها؛ ولأنهم إن أنكروا قامت الخلافات وتبادلوا سهام السباب والشتام.
وقد بلغني أن كبير جماعة من الجماعات قال: والله أقسم بربي أن من ترك الخروج أربعين يوماً، أو ثلاثة أيام أو أربعة أشهر؛ فهو مشرك مرتد عن ملة الإسلام، ورب السماء الذي رفعها وبسط الأرض قال هذا، وهو كبيرهم الذي يشار إليه بالبنان هنا وهناك.
فلو أن الأمة أنكرت من أول الأمر على صاحب البدعة ما كان وصل الأمر إلى هذا الحد، ولكن على أية حال نقول: لا ننسى أن هذه الجماعة لها فضل في السمت والهدي والأخلاق والسلوك والعبادة وقيام الليل وغير ذلك، وندعو الله ﵎ أن يمن عليهم بنعمة الالتزام بالعلم الشرعي والعقيدة الصحيحة، والدعوة إلى الله ﵎ على بصيرة كما كان النبي ﵊ يفعل.
стр. 510
أصحاب الشعارات الحزبية
الصنف الرابع من أصحاب الأهواء: هم أصحاب الشعارات الحزبية والدعوية والتعصب لها دون الكتاب والسنة، والرجوع لأهل العلم الثقات، ولابد من معالجة هذه الأخطاء خاصة في الشباب الناشئ.
стр. 511
بعض أرباب الثقافة
الصنف الخامس: طائفة من أرباب الثقافة الذين يظنون أنهم أئمة هدى، يتحدثون بلغة: أنا ونحن، أنا دكتور في الأزهر، أنا أبي كذا، يقولون ذلك وهم من أجهل الناس، ويتهكمون بذلك على أعلم الناس.
стр. 512
ماذا بعد رمضان ؟
إقبال الناس على الطاعات بأنواعها في شهر رمضان علامة على أن الخير باقٍ في الأمة، ولكن ماذا بعد رمضان؟ ينبغي للمسلم أن يعلم أن الاستمرار على الطاعات بعد رمضان علامة على قبول الله تعالى للأعمال، وعلى توفيق الله تعالى للعبد، بخلاف من يعبد الله في رمضان فقط، فإذا ما انتهى رمضان ترك العبادة والطاعة، فهذا على خطر عظيم، ويدل هذا على أنه دخل رمضان بغير نية صادقة، وإنما تعبد لله فيه مجاراة للناس، فيحذر هؤلاء أن تحبط أعمالهم، وليعلموا أن رب رمضان هو رب بقية الشهور، وأنه المستحق للعبادة في رمضان وغيره.
стр. 513
حال السلف قبل رمضان وبعده
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
زارك زائر عزيز عليك فتمنيت لو أنه بقي معك بقية عمرك، فإذا به يصدمك في أحاسيسك ويقول: (أياماً معدودات) فماذا أنت صانع حينئذ؟ لا بد أن تتجمل بأحسن الثياب وأطيب الطعام، وأفضل الكلام وغير ذلك مما يمكن أن يسر به ضيفك، وكذلك ضيفك إنما أتاك بالبشريات من الله ، فلا بد من المكافأة، ولا بد من شكر العمل، وشكر القول، وشكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الاعتقاد، لا بد من ذلك كله، إنما ذاكم هو شهر رمضان، شهر القرآن، شهر الصيام، شهر القيام، شهر الخيرات والبركات، شهر الصدقات والزكوات، هذا الشهر العظيم هو أعظم شهر خلقه الله ، واصطفى الله تعالى هذا الشهر لأن يكون محلاً لنزول كلامه الذي هو أشرف الكلام على الإطلاق، وخص الله تعالى هذا الشهر بعبادات عظيمة جداً ليست مفروضة في غير هذا الشهر الكريم، فماذا أنتم صانعون بعد هذا الشهر؟ إن السلف ﵃ كانوا يستقبلون الشهر قبل قدومه بستة أشهر، فإذا ما مضى رمضان ومر كانوا يقفون لله راجين داعين أن يتقبل منهم ذلك الشهر، فستة أشهر ينتظرون الشهر، وستة أشهر أخرى يطلبون من الله تعالى أن يتقبل منهم هذا الشهر، أن يتقبل منهم أعمالهم، وقيامهم، وصيامهم، وزكاتهم التي كانوا يفعلونها في هذا الشهر المبارك.
فهذا عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين وخليفة المسلمين في زمانه وسيد من سادات التابعين، خطب الناس في يوم عيد الفطر، وقال: أيها الناس! إنكم قد صمتم لله ثلاثين يوماً، وقمتم لله ثلاثين ليلة، وها أنتم قد خرجتم الآن لتطلبوا من الله أن يتقبل منكم ذلك.
لم يخرجوا ليتفسحوا، أو يمرحوا، أو يضحكوا، أو يلعبوا؛ ولذلك قال وهيب بن الورد رحمه الله تعالى -وهو كذلك سيد من السادات- لما رأى أناساً يضحكون في يوم عيد الفطر قال: سبحان الله! يا للعجب إن هؤلاء يضحكون بعد خروجهم من رمضان، فإما أن يكون الله تقبل منهم، أو يكون لم يتقبل منهم؛ فإن كان الله تقبل منهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان الله تعالى لم يتقبل منهم فما هذا فعل المتحسرين النادمين المقصرين.
والضحك في يوم العيد لا بأس به، ولكن السلف ﵃ ما كانوا ينظرون إلى العبادة على أن الله تعالى واجب عليه أن يقبلها، ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: كونوا لقبول العمل أشد حرصاً منكم على العمل، أما علمتم أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: لو أني أعلم أن الله تقبل مني ركعتين لكان ذلك حسبي وكفاية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، يعني: هذا القبول يجعله مطمئناً على أنه من أهل التقوى عند الله ، فالسلف ﵃ بعد عبادتهم كانوا يتوقفون مع أنفسهم ويراجعون أعمالهم، هل هي مخلصة لله ؟ هل هي مستقيمة على منهاج النبوة؟ فكانوا يربطون ذلك بقبول العمل أو رده، ولذلك كانوا إذا عملوا عملاً كانوا يخافون بعده، لم يكونوا يفرحون أنهم قد صلوا وصاموا، وإنما كانوا وجلين خائفين أن يرد الله عليهم عبادتهم؛ ولذلك عندما (قرأت عائشة ﵂ ذات يوم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] ظنت أن هذا في باب المعاصي والآثام، فقالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني، والسارق يسرق؟ قال: لا يا بنت الصديق، إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة ويخافون ألا يتقبل منه
стр. 514
حرص السلف على تنقية الأعمال وتصفيتها من الشوائب وإخلاص النية فيها
كان السلف رضي الله تعالى عنهم يحرصون على تنقية العمل وتصفيته من أي شائبة شرك أو رياء، شرك أكبر، أو شرك أصغر، كما كانوا يحرصون على ضبط أعمالهم بميزان النبوة، وهذان هما الشرطان الأساسيان لقبول العمل عند الله ، إن الله تعالى لا يقبل عملاً أريد به غير وجهه تعالى، كما أنه لا يقبل عملاً ليس مستقيماً على منهاج النبوة، شرطان أساسيان: أن تخلص العمل لله ، وأن تستقيم في عملك على منهاج النبوة، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
فالذي يرجو لقاء الله تعالى لا بد أن يقدم بين يديه ما يبيض وجهه بين يدي الله يوم القيامة، بأن يخلص العمل لله، وأن يستقيم على منهاج النبي ﵊، أما يعمل المرء عملاً صالحاً ولكنه ليس خالصاً، أو يعمل عملاً خالصاً وليس صالحاً، فإنه لا ينتفع به بين يدي الله .
وتصور يا عبد الله لو أنك عقدت النية قبل رمضان على مزيد الطاعة في رمضان، والتخلي عنها بعد رمضان، أتظن أن هذا يخفى على الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض؟! هذا سوء ظن بالله ، إن الذي يعقد النية على ترك العبادة بعد رمضان، وكان حريصاً عليها في رمضان ليس هذا بالمؤمن الصالح، وما هذا بالمؤمن الراجي لرحمة ربه، إنما هذا إنسان يتلاعب بأحكام الرحمن ﵎، والله يعلم منه فساد نيته قبل أن يخلق السماوات والأرض، فلا بد من رد عمله؛ لأن الله ﵎ إنما يجازيه من جنس عمله، إن الذي ينوي أن يصلي الصبح لأجل الرزق، وهو مع ذلك يقضي بقية اليوم بغير صلاة، فإن الله تعالى إنما يحرمه الرزق لعلمه الأزلي السابق أن هذا العبد ما يصلي خالصاً له ، فهذا لا يخفى على الله وهو اللطيف الخبير ، يعلم ما تكن الصدور وما تخفي النفوس، ولذلك الله ﵎ إذا أراد به خيراً يعاقبه أولاً بأول؛ حتى يرجع إلى الله .
وكان السلف رضي الله ﵎ عنهم يقولون لبعضهم بعد انتهاء رمضان: من المحروم في هذا الشهر؟ المحروم من حرم الخير حقاً، المحروم من حرم دوام الطاعة حقاً، ليس المحروم من منع الدينار والدرهم كما يظن غالب الناس، ولذلك صحح النبي ﵊ عقيدة المسلمين، فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! من لا درهم له ولا دينار، قال: لا، إنما المفلس الذي يأتي بصيام وصلاة وزكاة وحج، ولكنه يأتي وقد سب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وانتهك عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ويأخذ ذاك من حسناته، فإذا ما فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
هذا هو المفلس حقاً يا عباد الله، المفلس الذي يأتي يوم القيامة لا حسنة له.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]، تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، أهل الطاعة، أهل الإخلاص، أهل الصدق مع الله ، وتسود وجوه الكافرين والمنافقين وأهل البدع، وأهل الأهواء، هذا يوم يقول فيه المنافقون والكافرون لأهل الإيمان: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠]، أي: أفيضوا علينا بأي نعمة من النعم التي أنعم الله بها عليكم، ذلك يوم التغابن.
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧] ولكن هذا وقت لا ينفع فيه الندم والحسرة، إنما ذلك هو يوم الحساب، ويوم العقاب، ويوم الجنة والنار، ويوم الجزاء والثواب.
فهذا اليوم بين يديك الآن قبل أن تقول يوم القيامة: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣].
عد نفسك الآن في الموتى، وأن الله قد ردك إلى الدنيا فماذا أنت صانع حينئذ؟! ولذلك كان بعض السلف يدخل القبر في كل يوم ويغلق عليه الباب، ويقول: يا فلان -ينادي على نفسه- لقد أماتك الله، ثم يفتح القبر ويخرج منه ويقول: وهذا هو الله قد أحياك لتعمل، فانظر ماذا تعمل.
اعمل قبل أن يأتي يوم فتقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦].
هذا اليوم بين يديك، وهذه الطاعة ماثلة بين يديك، فلم لا تقوم لله ﵎ بالليل والنهار؟ ولم لا تصوم من أيام الله ﵎ بعض الأيام؟
стр. 515
نماذج من حياة الصحابة مع سائر الطاعات والقربات
هذا عبد الله بن عمرو وهو طفل صغير لم يبلغ اثني عشر عاماً من عمره أتى به أبوه إلى النبي ﵊ ويقول: (يا رسول الله إن هذا الغلام قد فضحني البارحة، زوجته امرأة من قريش فانصرف عنها وقام الليل كله، فقال له النبي ﵊: يا عبد الله في كم تقرأ القرآن؟ قال: يا رسول الله أقرؤه في كل يوم مرة، قال: كيف صيامك؟ قال: أصوم كل يوم، قال: كيف قيامك؟ قال: أقوم لله تعالى الليل كله، قال: ما هكذا يا عبد الله).
هذا الطفل الصغير لم تعمل الأمة في مجموعها في هذه الأيام بعمل ذلك الطفل في زمن النبي ﵊، هذا فارق جوهري بيننا وبين سلفنا، خاصة أصحاب النبي محمد ﵊.
انظروا إلى عبادة هذا الغلام، النبي ﵊ يقول له (صم من كل شهر ثلاثة أيام، يقول: يا رسول الله أقدر على أكثر من ذلك، قال: صم الإثنين والخميس، يقول: يا رسول الله أقدر على أكثر من ذلك، حتى بلغ به النبي ﵊ أن قال له: أفضل الصيام صيام أخي داود، صم يوماً وأفطر يوماً).
ووقف على أن أفضل الصيام أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً.
(ثم قال له: يا عبد الله بن عمرو اقرأ القرآن في كل شهر مرة).
انظروا كان ﵁ يقرأ القرآن في كل يوم مرة، فيقال له: اقرأه في كل شهر، فماذا قال؟ (قال: يا رسول الله! إني أقدر على أكثر من ذلك، فقال: اقرأه في كل عشرين، في كل أسبوع، في كل ثلاث، وهو يقول: أقدر على أكثر من ذلك، حتى قال النبي ﵊: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه).
ووقف في قراءة القرآن عند هذا الحد، فلا يجوز لأحد أن يقرأ القرآن في أقل من ذلك، وإن كان قد ورد عن السلف ﵃ أنهم كانوا يعنون بكتاب الله في كل رمضان أكثر من عنايتهم في غير رمضان، فكانوا يقرءونه في كل يوم مرة، أو في كل يومين مرة، أو في اليوم مرتين، فإن الحجة في قول النبي ﵊ لا في قول أحد من المسلمين، وكل الناس يؤخذ من قولهم ويرد إلا النبي ﷺ ؛ ولذلك لما سأله عن قيام الليل، قال: قم نصفه، قم ثلثه، قم ربعه، فرده النبي ﵊ إلى قيام داود ﵇.
قال عبد الله بن عمرو لما كبر سنه وضعف عن العبادة قال: (ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ .
نحن أمة الوسط، أمة وسطية، أمة العدل، أمة الاعتدال في كل أمر، وما كانت الوسطية في شيء إلا زانته، كما قال النبي ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه).
وكما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فالأمة الوسط هي الأمة العدل، وأمة العدالة هي أمة محمد ﵊، لا أمة أمريكا، ولا أمة أوروبا، الذين يزعمون الآن أنهم يقومون بالعدالة المطلقة المتمثلة لديهم في قتل الملايين من الأبرياء والمدنيين، وتشريد النساء والأطفال والغلمان هنا وهناك، وهم بكل بجاحة يقولون: نحن أمة العدالة المطلقة.
أي عدالة هذه؟! لم تكن حتى عدالة أرضية؛ لأن العقلاء بل المجانين من أهل الأرض يمقتون عدالة أمريكا، وعدالة روسيا، وعدالة أوروبا كلها؛ لأنهم الآن يقتلون المسلمين في كل مكان بالملايين، ويزعمون أنهم إنما يقومون بواجب العدالة المطلقة على الدولة الراعية للعالم كله، هذه غطرسة وقلة حياء، إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
إذاً: النبي ﵊ يأمرنا أن يكون لنا نصيب من العبادة في غير رمضان، وكما قال ﵊: (لا يشبع المؤمن من خير يعمله حتى يدخل الجنة).
وهذا عثمان بن عفان ﵁ يقول: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.
إن الواحد منا إذا قرأ من القرآن الكريم ربعاً أو أقل من ربع أو أكثر قليلاً إذا به يمل ويتثاءب ويريد النوم؛ لأنه لم يعتد العبادة على هذا النحو، وما علم حقيقة فعل السلف رضي الله ﵎ عنهم مع الله ، في كل ميادين الطاعة والعبادة.
ويقول النبي ﵊ في باب الصيام: (من صام في يوماً سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً).
ويقول النبي ﷺ لـ حذيفة رضي الله تعالى عنه: (يا حذيفة! من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).
فهنيئاً لمن مات صائماً، وهنيئاً لمن مات قائماً، وهنيئاً لمن مات راكعاً أو ساجداً، وهنيئاً لمن مات تالياً لكتاب الله، وهنيئاً لمن مات وهو يمشي في مصالح إخوانه المسلمين، وهنيئاً في الجملة لمن مات على طاعة.
وكل إنسان يبعث على ما مات عليه، قال ابن
стр. 516
مشروعية صيام أيام البيض والإثنين والخميس وغير ذلك
شرع النبي ﵊ لنا في باب الصيام في غير رمضان أن نصوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، من كل شهر عربي، وقد كان النبي ﵊ يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، فلما سُئل عن ذلك قال: (إن الأعمال ترفع إلى الله في كل يوم إثنين وخميس، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم).
وخير الصيام صيام داود كما قدمنا، أن تصوم يوماً وأن تفطر يوماً، ولا علاقة لك بالإثنين والخميس، ولا بإفراد الجمعة، ولا بإفراد السبت، فمن اختار خير الصيام فلا كراهة في إفراد السبت أو إفراد الجمعة؛ لأنه اختار قسماً ونوعاً معيناً من الصيام يحافظ عليه ويواظب عليه، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منه صيامه.
стр. 517
فضل قيام الليل
في باب قيام الليل الذي هو شرف المؤمن يقول النبي ﵊: (إن قيام الليل دأب الصالحين قبلكم).
يعني: أن قيام الليل هو دأب الأنبياء والحواريين، وأتباع الأنبياء السابقين، فقد كانوا يقومون لله بالليل؛ ليعبدوه في وقت نزول الرب ﵎، يقول النبي ﵊: (إن ربكم ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر، فينادي الله تعالى فيقول: ألا هل من داع فأجيبه؟ ألا هل من مستغفر فأغفر له؟) ألا هل من كيت وكيت؟ ولا يزال الله تعالى ينادي على عباده حتى تطلع الشمس.
ومع ذلك الناس في غفلة عظيمة جداً عن الله .
ويقول النبي ﵊: (إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيراً إلا أعطاه إياه)، رواه مسلم في صحيحه.
قال أهل العلم: هذه الساعة، هي ساعة نزول الرب ﵎، وهي آخر ساعة من الليل، ولذلك شرع لنا الله وشرع رسوله الكريم ﵊ بعد كل عبادة استغفاراً وتكبيراً وتهليلاً؛ حتى نعلم أننا لسنا بمجرد انتهاء العبادة في حل، بل ينبغي أن تدخل في عبادة أخرى بعدها فوراً، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، وهذا بعد صلاة الجمعة، فأنت لست حراً بأن تخرج من هذا المسجد فتمرح وتلعب وتضحك، بل مطلوب منك أن تكون ذاكراً لله تعالى في كل أحيانك وأوقاتك، تتبع العبادة بالعبادة وتصلها بعبادة أخرى، قال الله تعالى في الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] , طواف الإفاضة إنما يكون في يوم النحر بعد الوقوف بعرفة، مع أنه ﵊ قال: (الحج عرفة)، وفي يوم النحر تكون قد أديت معظم الحج، ولم يبق لك إلا رمي الجمرات، وأعمال يوم النحر قليلة في المشاق والمتاعب بالنسبة ليوم عرفة، ومن وقف بعرفة فقد صح حجه، وإن تخلف عن بعض الواجبات، فإنما عليه أن يذبح دماً.
وبعد أداء الحج والوقوف بعرفة، ونزول المزدلفة والمبيت بها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩]، لِمَ نستغفر الله تعالى والرسول ﷺ قد بين لنا أن من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه، وفي أرجح أقوال أهل العلم: إنه قد غفر له جميع الذنوب كبيرها وصغيرها؟ فلم نستغفر الله تعالى إذاً؟ لوصل العبادة بالعبادة، وأن يكون المسلم متصلاً بالله في كل أحيانه وأوقاته وهكذا.
وقال الله تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]، والأسحار: هو الوقت الذي يسبق الفجر.
يقول الحسن البصري في معنى الآية: هؤلاء قد وصلوا قيام الليل بوقت السحر، فأمروا بالاستغفار بعد صلاة الليل الطويلة.
يعني: بعد قيام معظم الليل يؤمر العبد أن يستغفر الله في وقت السحر، الذي هو شرف المؤمن وعزه ومغفرة ذنبه، وهو دأب الصالحين قبلكم، ومطردة للداء عن أبدانكم، ومنهاة للإثم عنكم، ومع ذلك نؤمر بالاستغفار بالأسحار بعد طول قيام الليل؛ وصلاً للعبادة بعبادة أخرى، ولأجل حياة كريمة طيبة للمؤمن مع ربه ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] يعني: أو من كان ميتاً قلبه بظلمات الكفر والنفاق، وبظلمات المعاصي والآثام، فأحيا الله ﵎ قلبه بنور الوحي والإيمان، وجعل يمشي به في الناس.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه هذا النور هو نور الوحي المتلو وغير المتلو، نور القرآن، ونور السنة، ونور الطاعة.
стр. 518
وجوب الاهتمام بكتاب الله قراءة وتدبراً وتطبيقاً
ينبغي أن يكون للعبد بعد رمضان نصيب من كلام الله ؛ وذلك بأن تقرأ في كتاب الله شيئاً، إذا كنت تقرأ القرآن خلال رمضان في كل ثلاث، أو في كل أسبوع، أو في كل عشر، أو في الشهر مرة، فما بالك الآن تدع القرآن جانباً، ولا تنظر إليه ولا تتذكره حتى يدخل رمضان المقبل، هذا جفاء مع الله ، ومع كلام الله تعالى، اقرءوا القرآن على أنه رسالة من الرحمن الكريم العزيز إليكم، على أنه تشريع الله تعالى إليكم، يأمركم فيه بالحلال، وينهاكم فيه عن الحرام، ويأمركم فيه بصحة الاعتقاد، وبالآداب والأخلاق وغير ذلك من سائر الصفات الكريمة، وسائر الأفعال الحميدة.
لو أتتك رسالة من حبيب وعزيز لديك فإنك ستقرؤها مرة واثنتين وثلاثاً وأكثر من ذلك؛ لعلمك أنها من حبيب عزيز عليك، فكلام الله أغلى وأحسن وأشرف الكلام، فينبغي أن يعيش المرء مع كلام الله دائماً، قال النبي ﵊: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).
وقال النبي ﵊: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
وقال النبي ﵊: (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، أما الصيام فيقول: يا رب أظمأت نهاره فشفعني فيه، ويقول القرآن: أسهرت ليله فشفعني في) لم يقل القرآن: يا رب؛ لأن القرآن ليس مخلوقاً، بل هو كلام الله ، وإنما الصيام مخلوق، فالصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، ولو أن لك مصلحة في الدنيا وتعتقد أن فلاناً يشفع لك عند القيم على هذه المصلحة، لتذللت وتملقت له، وربما ذهبت بالرشوة بين يديك مختاراً لتقضي مصلحتك، فهذا كلام الله بين يديك شفيع لك، يقول ﵊: (ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء).
وقد عد أهل العلم أن من قرأ جزءاً واحداً من كتاب الله فله بذلك ما يربو أو يزيد على (١١٣٠٠٠) حسنة في جزء واحد، فما بالك لو قرأت عشرة أجزاء في كل يوم، أو خمسة أجزاء، أو على الأقل جزءاً ولو في كل شهر، وهذا أمر يسير، لو أنك بعد كل فرض فتحت كتاب الله ، أو قرأت من حفظك ربعاً واحداً أو ربعين، فإنه سيجتمع لك في آخر النهار جزءاً أو ما يقارب الجزء، يقول النبي ﵊: (من قرأ مائة آية في يومه أو ليلته لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية في يومه أو ليلته كتب من القانتين).
أي شرف، بل أي دين من الديانات وشريعة من الشرائع فيها هذا الفضل، وفيها هذا الثواب العظيم الجزيل على العمل القليل؟ اقرأ كلام الله بتدبر وتفهم ولا يكن همك سرد الآيات وتقليب الصفحات، وإنما همك أن تتدبر وأن تعقل عن الله ما قاله لك، وأرسل به النبي ﷺ إليك، هذا كلام الله .
стр. 519
المداومة على قيام الليل بعد رمضان
أما قيام الليل فشرف المؤمن، فمن يقوم في شهر رمضان بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك، ثم هو في ليلة عيد الفطر يترك ذلك كله، ولا يكون له حظ في قيام الليل ولا بركعتين، هذا جفاء مع الله ، وتفويت للثواب العميم والخير الجزيل، الذي وعد الله ﵎ به القائمين الصائمين، أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 520
وجوب تأدية زكاة المال في رمضان وغيره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على أشرف المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فلقد ارتبط في أذهان الناس أن زكاة المال تؤدى في شهر رمضان، وكل الناس يحرصون على أداء زكاة أموالهم في شهر رمضان؛ طلباً للخير والثواب، هذه عقيدة فاسدة؛ لأن الله لما شرع لنا وجوب زكاة المال شرعها بشرطين اثنين لا ثالث لهما: الشرط الأول: بلوغ النصاب، أن يبلغ المال عندك ما يوازي (٨٥) جراماً عيار (٢٤) بذلك يتم النصاب.
الشرط الثاني: أن يحول على هذا النصاب حولاً هجرياً كاملاً، يحول في شهر صفر، في ربيع، في جمادى، في شعبان، في رمضان، إذا مضى عليه الحول وجبت زكاته على الفور، ولا يجوز تأخير الزكاة، إنما يجوز تعجيل إخراجها إذا دعت الحاجة والضرورة إلى ذلك، ولذلك أخذ النبي ﵊ من عمه العباس زكاة ماله قبل حلول العام بسنة أو سنتين لحاجة الجيش، فإذا دعت الحاجة والضرورة إلى تعجيل الزكاة لأعوام قادمة فلا بأس بذلك، أما التأخير فلا يحل ولا يجوز، ولذلك من وجب عليه أن يؤدي في رجب وهو يمتنع عن أداء زكاة المال حتى يدخل رمضان، ما الذي يدريه أنه سوف يدخل عليه رمضان وهو حي؟ فيجب عليه أن يؤدي الزكاة في رجب على الفور، وفي ذلك حكمة عظيمة جداً أن تدور دورة المال في يد الفقير على مدار العام، وإذا تكدس المال في يد الفقير في شهر رمضان وربما أنفقه كله في شهر أو شهرين وبقي بقية العام يتكفف الناس ويسألهم الصدقات العامة، وكلنا نعلم ذلك، هب أنك في عملك ووظيفتك قد منحوك أجر العام كاملاً، فإنه لن يبقى معك على مدى العام، وإنما تسارع وتبادر إلى شراء ما لذ وطاب، مما دعتك إلى شرائه شهوتك، وبالتالي تتحسر وتندم بعد ذلك، ثم إنك إما أن تتكفف الناس، وإما أنك تأخذ من الناس أموالهم على سبيل القرض والعارية والرد، وربما تعطلت في ذلك، فمن حكمة الله ، أن شرط لنا حولاً لا يجوز أن نتأخر عنه، بحيث نقوم بإخراج زكاة المال في أي وقت من أوقات السنة.
стр. 521
ضرورة الحرص على الطاعات في رمضان وغيره
هذه عبادات عظيمات جداً وكثيرة جدا يحرص عليها المرء في رمضان، ويغفل عنها في غير رمضان، ولذلك ضرب الله ﵎ لذلك مثلاً عظيماً جداً في القرآن الكريم فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢]، امرأة تغزل بمغزلها غزلاً ثم تصنع هذا الغزل ثوباً عظيماً قوياً يصلح للانتفاع به، يلبس، وتمشي به، وتتزين به، وتعمل به، لكنها مع هذا أتت إلى هذا النسيج وإلى هذا الثوب بغير حجة ولا برهان فنقضت هذا الثوب عروة عروة، حتى جعلته كومة عظيمة من الصوف، فأي انتفاع بهذه الكومة؟! بعد أن كانت الكومة ثوباً أصبحت قطناً متناثراً لا ينتفع به، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل:٩٢]، وضرب هذا المثل لمن كان على عبادة صحيحة وسليمة، وأعمال البر في رمضان، وترك ذلك في غير رمضان.
فينبغي أن تتنبه يا عبد الله أن عين التوفيق أن توفق للعبادة التي كنت تعملها وتتعبد بها في رمضان في غير رمضان، أما أنك تتركها بالكلية فاعلم أن هذا نوع من التردي في الهاوية، واعلم أن شهر رمضان قد رحل، وأن الذي خلق رمضان خلق غير رمضان، وأمرك في بقية الشهور والأيام بما أمرك به في رمضان، فلا بد أن تعتقد ذلك؛ لتنطلق فتعمل لله على أنه صاحب الأمر والنهي، ولا بد أن تداوم على العبادة، وأن تحرص على الطاعة؛ حتى يكون ذلك علامة وأمارة على قبول ما كنت تعمل في رمضان.
وينبغي أن نسير كما سار السلف، وأن نتشبه بهم: تشبهوا بهم إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاح أي: تشبهوا بالسلف رضي الله تعالى عنهم في أقوالهم وأفعالهم وطاعتهم، وهروبهم من المعاصي، كان الواحد منهم يهرب من المعصية كما نهرب نحن من الذئب والأسد.
وجاء في الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) إنها فانية زائلة.
وقال عبد الله بن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.
فما سميت الدنيا بهذا الاسم إلا لدنوها ودناءتها، فاحرصوا على الباقي واتركوا الزائل.
أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان وفي الشيشان وفي فلسطين، اللهم أمدهم بمدد من عندك، وأنزل عليهم جنداً من جندك.
اللهم يا منزل الحديد، وجاعلاً فيه البأس الشديد، وجاعلاً فيه منافع للناس اجعل بأسه على الكافرين، ومنافعه للموحدين.
اللهم إنا نسألك أن تمد المجاهدين بمدد من عندك، اللهم ثبتهم يا رب العالمين، اللهم اجعل أفغانستان مقبرة للنصارى، اللهم اجعل أفغانستان مقبرة للأمريكان، ومقبرة للروس، واجعل أرض فلسطين أرض الشام مقبرة لليهود، اللهم أهلكهم على أيدي عبادك المخلصين الصالحين من المجاهدين في شرق الأرض وغربها.
اللهم كن لعبادك المؤمنين ولا تكن عليهم، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم انصرهم نصراً مؤزراً، اللهم ثبتهم تثبيتاً عظيماً.
اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، اللهم قو الإيمان في قلوبنا أجمعين، وصلى الله على النبي الأمين، وأقم الصلاة.