← Джавами‘

Джавами‘ · id 37626

دروس الشيخ حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (521 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الدليل السادس عشر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام)؛ لأن النوم صفة نقص، والله منزه عن صفات النقص، (يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار)، والرفع لا يكون إلا إلى أعلى، ففيه إثبات العلو لله (وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)، انظروا إلى قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل النهار).

стр. 457

الدليل السابع عشر حديث النعمان بن بشير ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (التسبيحة والتحميدة والتهليلة يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن، ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الرحمن ما يذكر به)، فالكلم الطيب كما عرفنا يصعد إلى الله فقوله: (ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الرحمن ما يذكر به) أي: عند الله الذي في السماء.

стр. 458

الدليل الثامن عشر حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم في الأرض ويقول: اللهم اشهد)، وكأنه يشهد الله الذي في السماء على عباده الذين في الأرض، والذين قام النبي ﵊ بواجبه في تبليغهم الرسالة، فهذه إشارة من إصبع النبي ﷺ الشريفة إلى السماء حيث يليق بالله تعالى، يستشهد ربه على أمته بتنكيسها إليهم، فيقول: (اللهم اشهد)، فإنها إشارة حسية إلى الله . وقال ابن شيخ الحزاميين ﵀: فلا يمكن معرفته والإشارة بالدعاء إليه إلا من جهة الفوق؛ لأنها أنسب الجهات إليه. وقال أبو القاسم التيمي ﵀: وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن بعض الناس قال: لا نشير إلى جهة فوق لله ؛ لأن الإشارة تستوجب الحد والحيز وهذا كلام اتفق الرد عليه، ولذلك قال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خلق من خلقه، ومنه الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم ويدعونه، ويرفعون إليه رءوسهم وأبصارهم. وقال الإمام الخطابي في كتابه (شعار الدين): وقد جرت عادة المسلمين خاصهم وعامهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه، ويرفعوا أيديهم إلى السماء، فذلك لاستفاضة العلم بأن المدعو في السماء .

стр. 459

الدليل التاسع عشر حديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله حيي كريم إذا رفع العبد إليه يديه يستحيي أن يردهما صفراً، حتى يضع فيهما خيراً)، فهذا الحديث يدل على أن الله تعالى في السماء؛ وهذا واضح في قوله: (إذا رفع العبد إليه يديه)، والعبد لا يرفع يديه عند الدعاء إلا إلى الله ، فكونه يرفع إلى جهة الفوق، جهة السماء، فلا شك أن العبد الداعي في هذا إنما يستجيب لداعي الفطرة الموجودة في النفوس، والمقصودة في القلوب أن الله تعالى في السماء.

стр. 460

الدليل العشرون قال النبي ﷺ في حديث جابر بن سمرة: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم، قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم يا رسول الله؟ قال: يتمون الصفوف الأولى، ويتراصون في الصف).

стр. 461

الدليل الحادي والعشرون حديث أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثه: (أن نبي الله حدثه عن ليلة أسري به، ومن ذلك: أنه بعدما عرج به إلى السماء حتى وصل إلى موسى ﵇، ثم صعد إلى ربه، فكتب عليه خمسين فريضة، ثم سأل ربه التخفيف، وأخذ يتردد بين موسى وربه صعوداً ونزولاً) مما يدل على علو الله تعالى.

стр. 462

الدليل الثاني والعشرون دليل آخر يكمن في اختلاف الصحابة: هل رأى ربه عند المعراج أم لم يره؟ يعني: مجرد اختلاف الصحابة في هذه الأمر يدل على فوقية الله وعلى علوه.

стр. 463

الدليل الثالث والعشرون حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (كانت لي غنم بين أحد والجوانية -وهما منطقتان في أعلى المدينة- فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة)، يعني: راقبها ذات يوم فوجد أن الذئب أخذ منها شاة، (وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون -يعني: فحزنت؛ لأن الذئب أخذ غنمة من الغنم- فصككتها -أي: ضربتها على وجهها- فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء)، وهذا سؤال يغيظ قلوب كثير من الناس، بل قلوب كثير من الدعاة والعلماء، يقولون: لا يجوز أن تسأل هذا السؤال، ولا يجوز أن تعلم ولدك، ولا أن تعلم أحداً هذا السؤال أين الله؟ إذا كان المعصوم ﷺ سأل هذا السؤال وعلمه أصحابه، فما الحرج في أن تسأل هذا السؤال؟ بل ينبغي أن ينشأ الطفل الصغير على هذا السؤال، وعلى الإيمان بالله بأسمائه وصفاته، وهذه كانت جارية صغيرة لم تبلغ الحلم ومع هذا سألها النبي ﵊، وهي أمة غير حرة، وكان عملها رعي الأغنام، والغالب على رعاة الغنم الجهل، إلا أن يكون العلم قد بلغهم، ومع هذا سألها النبي ﵊ قال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فجعل النبي ﷺ جزاء إيمان هذه الجارية، وصحة اعتقادها في الله ، وفي رسوله ﷺ أن أعتقها، وصيرها حرة بعد أن كانت أمة، وهذا الحديث صحيح بلا ريب، وهو عند مسلم في الصحيح، ونازع قوم لا يحبون توجيه هذا السؤال في صحة الحديث، فإنهم إن أثبتوا ضعف الحديث أثبتوا عدم جواز السؤال، ولكن هيهات هيهات، فالحديث صحيح، لا يشك في ذلك إلا جاهل أو من أهل الأهواء الذين كلما جاءهم نص عن رسول الله ﷺ يخالف ما هم عليه من الضلال حاولوا الخلاص منه إما بتأويله، أو بتعطيله، أو بضعفه، فإن لم يمكنهم ذلك حاولوا الطعن في ثبوته أو في الصحابي الراوي له. يقول الشيخ خليل هراس عليه رحمة الله: هذا حديث يتألق نصاعة ووضوحاً، وهو صاعقة على رءوس أهل التعطيل، فهذا رجل أخطأ في حق جاريته بضربها، فأراد أن يكفر عن خطيئته بعتقها، فاستمهله الرسول ﷺ حتى يمتحن إيمانها، فكان السؤال الذي اختاره لهذا الامتحان: أين الله؟ ولما أجابت بأنه في السماء رضي جوابها وشهد لها بالإيمان، ولو أنك قلت للمعطل: أين الله؟ لحكم عليك بالكفر، فهذا إقرار من النبي ﷺ فضلاً عن قوله، وفضلاً عن فعله، في إثبات العلو والفوقية لله .

стр. 464

الدليل الرابع والعشرون حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا) فقولك: ينزل النازل لا يكون إلا من جهة العلو إلى السفل، (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، وهذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث النزول العظيم الذي رواه جمع من الصحابة، واتفقت الأمة من أولها إلى آخرها على ثبوته، بل ذهب بعضهم كـ الذهبي إلى أن حديث النزول متواتر، وصنف الإمام الدارقطني فيه كتاباً سماه: (كتاب النزول)، وشرحه شرحاً مستفيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله.

стр. 465

الدليل الخامس والعشرون مما يدل على إثبات علو الله على خلقه: حديث أنس بن مالك أنه قال: (كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات)، وهذا هو الشاهد، وفي رواية أنها كانت تقول: (إن الله أنكحني في السماء)، أي: زوجني وهو في السماء، وفي رواية أخرى: (زوجنيك الرحمن من فوق عرشه). فهذه زوجة النبي ﵊ وابنة عمته تفتخر على سائر الأزواج؛ لأنها كانت ذات شأن خاص في زواجها من النبي ﷺ ، فـ زيد هو مولى النبي ﷺ عندما طلقها وأراد النبي ﷺ أن يتزوجها عملاً بوحي ربه، كان يخفي في نفسه البشرية شيئاً؛ خوفاً على دعوته أن يقول الناس: تزوج بزوجة ابنه، وقد كان تبناه لما كان التبني مباحاً في ذلك الوقت.

стр. 466

أقوال الصحابة في إثبات صفة العلو لله تعالى

стр. 467

القول الأول قال عبد الله بن مسعود ﵁: العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. إذاً: معية الله لخلقه معية علم؛ لأنه قال: العرش فوق الماء، والله بذاته فوق العرش، يعلم أعمالكم وسركم ونجواكم. وحديث ابن مسعود وإن كان موقوفاً عليه إلا أنه في حكم المرفوع؛ لأنه ليس لأحد أن يعلم هذا إلا بنص من المعصوم ﷺ .

стр. 468

القول الثاني جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الله تعالى كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً. وهذا يدل على علوه ﵎ حتى قبل خلق السماوات والأرض، إذ هو على عرشه لا عرشه عليه، وعندما خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقهما تحت العرش فما تغير شيء أبداً. وجاء عنه ﵄ قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. وجاء عن ابن عباس أيضاً: إن العرش يحيط بجميع المخلوقات. فلما استوى الله على عرشه، بمعنى علا على العرش وكان فوقه، لا يدل هذا على الحد، بل يدل على علو المولى .

стр. 469

القول الثالث جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال لـ عائشة ﵂ عندما دخل عليها وهي في مرض الموت، فقال لها: كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيباً، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها جبريل، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيها الله إلا وهي تتلى آيات الله فيه آناء الليل وأطراف النهار. فهنا الشاهد من قول ابن عباس ﵄: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات.

стр. 470

القول الرابع جاء عن ابن مسعود أنه قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة، حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإن يسرته له أدخلته النار. يعني: العبد يهم بتجارة معينة ثم يحسب حسابه، والله يعلم سلفاً أن هذه التجارة تكون سبباً لصرف العبد عن ربه فيدخل بهذا الصرف والتوجه إلى غير الله فيكون سبباً لدخول النار، فمن رحمة الله بالعبد أنه يصرفه عن هذه التجارة، أو يصرفه عن هذه (الفيزة)، أو يصرفه عن الإمارة وعن الرياسة، وعن كثير مما يظن العبد أن فلاحه ونجاحه وسعادته في الدنيا إنما هي متعلقة بإنشاء هذا الأمر أو عمله، ولكن اللطيف الخبير الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم ويفسدهم، إنما يصرف من شاء من عباده عما شاءوا من أعمال رحمة بهم ورضواناً عليهم.

стр. 471

القول الخامس عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، قال: (أما إنا قد سألنا عبدك فقال: أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة في أيها شاءوا، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فبينما هم كذلك، إذ اطلع عليهم ربهم اطلاعاً فقال: سلوني ما شئتم)، قال ابن خزيمة: فكل من له فهم بلغة العرب يعلم أن اطلاعه إلى الشيء لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل.

стр. 472

القول السادس عن أبي بكر الصديق ﵁ في موت النبي ﷺ أنه قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت. بعد هذا كله، بعد هذه الآيات وفهم الصحابة والأحاديث، وفهم السلف جميعاً، وإجماعهم على أن الله تعالى بذاته في السماء، وأن معيته لخلقه معية علم وسمع وبصر وإحاطة ونصرة وتأييد، ومع ذلك ينازع قوم في علو الله على الخلق، لا شك أن هذا ضلال مبين.

стр. 473

القول السابع قال عبد الرحمن بن غنم سمعت عمر بن الخطاب يقول: ويل لديان الأرض من ديان السماء. أي: ويل لملوك الأرض وحكام الأرض وسلاطين الأرض الذين بدلوا الدين وغيروا الشريعة وأفسدوا على الناس حياتهم، الذين يعذبون عباده الصالحين، ويرفعون ويجلون الفساق والفجار والمغنين وأشباههم من أهل الضلال والفسق والزندقة، يرفعونهم ويجعلونهم نجوماً وأئمة، ويل لهم من ديان السماء، ثم ويل لهم، ثم ويل لهم.

стр. 474

القول الثامن عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت مبرئة نفسها من إرادة قتلها لـ عثمان لأن الذين نسبوها أيضاً إلى الإفك والزنا والبهتان نسبوا قتل عثمان إليها أيضاً، قالت: علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله. أي: علم الله فوق عرشه في السماء أني لم أحب قتل عثمان بن عفان ﵁.

стр. 475

القول التاسع قال زيد بن أسلم: مر ابن عمر براع يرعى إبلاً فقال: هل من جزرة؟ فقال: ليس هاهنا ربها، أي: ليس هاهنا مالكها، قال ابن عمر: قل له: أكلها الذئب، ابن عمر يختبر ذلك الراعي؛ فإن ابن عمر من أكثر الصحابة لزوماً للسنة، قال: فرفع يده إلى السماء وقال: فأين الله؟ راعي الغنم يراقب الله في عمله، فما بال كثير من الإخوة إذا عملوا في تجارة فكبر عليهم أربعاً، فقال: فأين الله؟ فقال ابن عمر: أنا والله أحق أن أقول: أين الله؟ واشترى الراعي والغنم فأعتقه وأعطاه الغنم. وروى ابن الجوزي هذه القصة عن نافع مولى ابن عمر لا عن زيد بن أسلم، فقال نافع مولى ابن عمر خرجت مع عبد الله بن عمر في بعض نواحي المدينة ومعنا أصحاب له فوضعوا سفرة له، فمر بهم راع فقال له عبد الله بن عمر: هلم يا راعي إلى هذه السفرة، فقال: إني صائم، فقال له عبد الله في مثل هذا اليوم الشديد؟ أي: تلبث في هذه الشعاب في آثار هذه الغنم، وبين الجبال ترعى وأنت صائم، فقال له الراعي: أبادر في أيامي الخالية، أي: أبادر عملي الصالح في أيامي الخالية، فعجب ابن عمر وقال له: هل لك أن تبيعنا شاة، تجتزرها ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها؟ فقال الراعي: إنها ليست لي إنها لمولاي، قال: فما عسى أن يقول لك مولاك إن قلت: أكلها الذئب؟ فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟ قال: فلم يزل ابن عمر يقول: قول الراعي: فأين الله؟ فما أن قدم المدينة بعث إلى سيده واشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي ووهب له الغنم، مكافئة له على حسن اعتقاده بالله .

стр. 476

القول العاشر عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء)، يعني: أبو ذر قبل أن يسلم يقول لأخيه الكافر لما علم بمقدم النبي ﵊ وبمبعثه وهو في المدينة، قال: اذهب فتلمس خبر هذا الرجل الذي يزعم أن الخبر يأتيه من السماء، فالكفار في الجاهلية كانوا يعلمون أن الله تعالى في السماء، وهذا نص في سياق الأمر، فدل هذا على أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن الوحي ينزل من السماء، أي: من عند الله .

стр. 477

القول الحادي عشر عن قيس قال: لما قدم عمر ﵁ الشام استقبله أهل الشام وهو على حمار، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذوناً يلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر ﵁: ألا أريكم هاهنا إنما الأمر من هاهنا فأشار بيده إلى السماء، يعني: هم صعب عليهم أن عمر بن الخطاب يدخل الشام وهو راكب حماراً، فأراد عمر أن يزهدهم في هذا، وقال لهم: ليس الأمر كما تظنون فإن هذا من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإنما الأمر من هنا، وكأنه يشير إليهم أن تواضعوا لله يرفعكم الله في أعين بعضكم بعضاً.

стр. 478

أقوال التابعين في إثبات صفة العلو لله تعالى أما أقول التابعين في هذا الأمر فكثيرة جداً، فثبت عن كعب الأحبار أنه قال: قال الله في التوراة: وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، لا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض. وقال قتادة بن دعامة السدوسى ﵀: قالت بنو إسرائيل: يا رب! أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك من غضبك، قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت استعملت شراركم. وعن ثابت البناني قال: كان داود ﵇ يطيل الصلاة، ثم يركع، ثم يرفع رأسه إلى السماء ثم يقول: إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء. فها هو نبي من أنبياء الله تعالى يثبت لله تعالى صفة العلو في صلاته.

стр. 479

للرجال فقط [١] لقد توفي النبي ﷺ وترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل بعده أبداً: الكتاب والسنة، فالتمسك بهما سبيل الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، واتباع الهوى ومخالفة الوحيين ضلال وخسارة في الدنيا والآخرة، وما تخلُّف الأمة بعد ازدهارها، وذلها بعد عزها، وضعفها بعد قوتها إلا بسبب اتباع الهوى وترك الهدى.

стр. 480

التحذير من اتباع الهوى وترك الهدى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن المقارن بين القرون الخيرية وبين ما نحن فيه يجد أن المسلمين الأوائل كانوا ذروة السنام، وكانوا هم الأئمة الأعلام، وكان الإسلام يرفرف على أنحاء المعمورة شرقاً وغرباً، مع قلة عددهم وعدتهم وفقرهم وحاجتهم. وأما نحن فمع كثرة عددنا وعدتنا إلا أننا في هوة سحيقة وفي واد سحيق، وإنا أخس الأمم وأرذلها يدوس اليهود والنصارى فوق رقاب وهامات المسلمين بنعالهم. فرب سائل يسأل: لم هذا مع كثرة الإمكانيات في هذا العصر على جهة الخصوص، وما الذي جعل الأوائل يرتقون بإسلامهم حتى بلغوا به مبالغ عظيمة في شرق الأرض وغربها؟ وربما يسأل سائل -والحالة متردية ومزرية إلى هذا الحد-: هل نحن مسلمون؟ الجواب، نعم. ونحن مسلمون كإسلام الأوائل؛ لأننا نشهد شهادتهم، أي: نشهد بما شهدوا به، ونعتقد ما اعتقدوه، ونؤمن بما آمنوا به، لكن: هل نحن متبعون أم مبتدعون؟ فإذا قال قائل: نحن متبعون؛ كان لزاماً أن يسأل سؤالاً فرعياً آخر: هل نحن متبعون للأثر؟ هل نحن متبعون للسنة، أم نحن متبعون للهوى؟ وإن شئت فقل: اتباع هدى، أو اتباع هوى؟ فربما تختلف الأنظار هنا: فمن يرى أن الصورة حسنة وأن المسلمين بخير يرى أن المسلمين متبعون للكتاب والسنة، والذي ينظر نظرة تفحص، ويعلم أن الأمة قد اختلفت كما أخبر النبي ﵊ في قوله: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت إلى اثنتين وسبعين، وإن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فإن الذي ينظر إلى تفرق الأمة في هذا الزمان يعلم أن الأمة ليست متبعة للهدى، وإنما هي متبعة للهوى، وهذا سر خذلانها وسر تأخرها وسر تكالب الأمم عليها. وصدق فينا قول النبي ﵊: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟!). يعني هم اليهود والنصارى، ومع هذا فإن اليهود والنصارى الآن لا يرضون بمجرد تقليدنا لهم إلا أن نعتقد معتقدهم، وأن نتهود كيهوديتهم، وأن نتنصر كنصرانيتهم، وهذا مصداق قول الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. فهم يرسمون الخطوات تتلوها أخرى؛ حتى ينخلع وينسلخ المسلمون من دينهم بالكلية، فلا يبقى فارق ولا مميز بين كافر وبين مسلم. فلو أنك نظرت الآن وأنت تسير في شوارع القاهرة في بلد الأزهر، لا تكاد تميز قط بين يهودي ونصراني ومسلم، الخصال واحدة، والأخلاق واحد، والسلوك واحد، ولا أكاد أبالغ إن قلت: وكادت العقائد تقترب وتقترن، ويدخل بعضها في بعض. فهذا هو سر التخلف، وسر التخلف هذا لم يصب طائفة من الأمة، وإنما أصاب جميع الطوائف إلا ما ندر، وإلا ما رحم ربك ﵎، أصاب الحكام وأصاب المحكومين، أصاب الكبار والصغار، أصاب الرجال والنساء، فالأمة كادت تنفلت من هويتها وشخصيتها؛ ولذلك لن تجد كبير فرق بين المسلم وغيره، فهذا هو السر في تأخر المسلمين، أنهم تركوا الكتاب والسنة اللذَيْن أكد النبي ﵊ عليهما طيلة حياته الدعوية النبوية، بل وأكد على ذلك قبل موته بأيام وساعات، فقال النبي ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي). وهذا وعظ وخبر، والأمة آمنت بهذا الكلام باللسان وكفرت به من جهة العمل، فإن الواحد منا الذي يرفع شعار الالتزام وشعار التوحيد والاتباع، حتى إذا رأى الشرع يتعارض مع مصلحته مهما كانت هذه المصلحة فإنه يقدم هواه، ويقدم مصلحته على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﵊. يظهر هذا في أن اثنين تخاصما وأنت حكم بينهما، فلزمك أن تأخذ عليهما أولاً: العهد والميثاق، وأن يلتزما بالحق مهما كان مراً، فإن كليهما يقر ذلك ويحترمه، حتى إذا حكمت في نهاية المجلس على أحد الخصمين قال: هذا الحكم جائر، وأنت لست قاضياً ولا مفتياً ولا عالماً؛ ولذلك أنا لا أقبله، يقول ذلك لأن اله

стр. 481

النصوص الواردة في وجوب اتباع الهدى وترك اتباع الهوى إن الأمة قد انحرفت عن كتاب الله وعن سنة النبي ﵊، مع أن الأوامر في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ لا تكاد تحصى عدداً في الأمر بطاعة الله وبطاعة النبي ﵊، وبيان أن النصر في الاستمساك والعض بالنواجذ على الكتاب والسنة، وعلى هدي السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ولكن الأمة تغافلت أو تناست هذا كله، ووقعت في هواها بجميع طوائفها وفئاتها، وإن الله ﵎ أمر المؤمنين باتباع الأثر وترك الهوى، فقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥]. وهذا أمر موجه لأهل الإيمان. فالمؤمن لا ينبغي له قط أن يكون متبعاً لهواه؛ لأن المؤمن لا يسعه إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا عند سماع قول الله تعالى وقول الرسول الكريم ﷺ ، وأثنى الله ﵎ على نبيه الكريم أنه لا ﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. والأنبياء ﵈ لا يتكلمون بأهوائهم ولا بأمزجتهم وإنما يتكلمون بوحي من السماء، خاصة فيما يتعلق بالوحي، فليس من نبي نبئ ولا من رسول أرسل إلا تكلم فيما أمره الله تعالى أن يبلغه لأمته، أو يبلغه إلى الناس عامة كما أمر نبينا ﵊، فكانت رسالته عامة وشاملة للإنس والجن إلى قيام الساعة. وهذا أسلوب حصر وقصر، فإن النبي ﵊ ما تكلم بحرف واحد فيما يتعلق بالتشريع والعبادة والعقيدة، وما يتعلق بالدين في الجملة إلا بوحي السماء، ولو أنه تكلم بكلامنا لربما زاغ، ولكن هذا الزيغ منتف؛ لأن الأنبياء معصومون في البلاغ عن الله . وحذر الله ﵎ نبيه أن يتبع أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، فقال الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. والنبي ﵊ ليس متبعاً لهواه؛ لأن هواه في طاعة الله ، أمره ربه ﵎ أن يطيع، وألا يتبع أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. وقال سبحانه: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦]، وهذا يدل على أن من اتبع هواه تردى في هوة سحيقة، وقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩]، أي: لا تحاب أحداً -يا محمد- في طاعة الله وشرعه مهما كان عظيماً أو شريفاً، أو ذا منزلة أو وجاهة أو منصب أو مكانة في قومه، فلا تعبأ بهذا؛ لأن العبرة بموافقة الحق من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊، فقال سبحانه مذكراً نبيه وآمراً له: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩]. لا تحكم بينهم بما يتوافق مع أهوائهم، وهذا لمجرد توجيه النبي ﵊، وإلا فالنبي ﵊ معصوم عن اتباع الهوى. ثم بين الله تعالى لرسوله الكريم عاقبة اتباع الهوى، فقال سبحانه لداود ﵇: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦]، لأنك لو اتبعته يضلك عن سبيل الله؛ فلذلك من أعظم عواقب اتباع الهوى: أنه يوقع في الضلال. وقوله ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً). فكتاب الله وسنة رسوله ﵊ هما النجاة من الضلال، وهذا يعني: أننا لو أعرضنا عن الكتاب والسنة لوقعنا في الضلال، بمفهوم المخالفة، وهذا الذي وقعت فيه الأمة الآن.

стр. 482

عواقب اتباع الهوى قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] أفرأيت -يا محمد- من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم. تصور أن واحداً لم يتخذ الله ﵎ إلهاً مشرعاً حكماً عدلاً قسطاً، وإنما حكم هواه ونفسه الأمارة بالسوء، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:٥٦]. يعني: لو أني اتبعت أهواءكم لكنت من الضالين، ولكن الأنبياء معصومون كما ذكرنا. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١١٩] يعني: يتبعون الهوى وهم لا يعلمون أن هذا اتباع للهوى، كمن تخصص في بدعة وتفنن فيها وناظر ونظر فيها، فصدق نفسه أنه صاحب حق وعلم؛ لأن كثيراً من الناس يكذبون كذبة ومع مرور الوقت والزمان يصدقون أنفسهم، ويحسبون أنهم على الحق المبين، وينافحون ويدافعون عن هذا الضلال على أنه الحق المبين الذي ليس بعده حق. ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ [الأنعام:١١٩] ولم يقل: (وإن قليلاً من الناس) ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١١٩]. هذه العاقبة الأولى من عواقب اتباع الهوى، وهو: أن الهوى يورث الضلال. فمتبع الهوى متكبر متغطرس بطراً للحق ولأصحابه وأهله، كما قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] هذا الذي حدث من بني إسرائيل، أبوا رسالة الأنبياء فكذبوهم وسبوهم ولعنوهم، بل وقتلوهم، فذكر الله تبارك الله صنيعهم هذا في كتابه، فقال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ﴾ [البقرة:٨٧]، أي: بما لا يوافق هواكم (استكبرتم) عن قبول الحق، واستنكفتم، وقمتم على الأنبياء وقتلتموهم وكذبتموهم. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠]. اتباع الهوى يورث التكذيب قولاً وفعلاً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام:١٥٠]، فمتبع الهوى مكذب لله تعالى، ولرسوله الكريم ﵊، وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣]. فبعد أن كذبوا اتبعوا أهواءهم، وكل أمر بعد ذلك مستقر، أي: مستقر في هواهم أنهم أصحاب الحق وليسوا كذلك، متبع الهوى قد أسلم نفسه للشيطان، وأنتم تعلمون أن المرء لا غنى له عن الله طرفة عين؛ لأن المرء إما أن يكون في معية الله ورعايته ورحمته، وتحت فضله ومشيئته، وإما أن يكون واقعاً في حبائل الشيطان، ومن كان كذلك فإنه متردد متحير متخبط هنا وهناك، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام:٧١] هم يتصورون أنهم على الهدى، فيدعونه لماذا؟ ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام:٧١] ائتنا، تعال، الحق بنا، فإننا على الهدى، وليسوا كذلك؛ ولذلك أعقب الله ﵎ هذا بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١] وليس للشيطان؛ لأن من أسلم نفسه للشيطان تحير، وضل وابتعد عن الصراط المستقيم. وأخيراً قوله تعالى يكفينا في هذا الباب: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. والآيات في كتاب الله ﵎ في ذم الهوى كثيرة، وكلها مبناها على التحذير وذم الهوى.

стр. 483

الآثار الواردة في التحذير من اتباع الهوى كذلك وردت آثار كثيرة جداً عن النبي ﵊ وعن أصحابه الكرام، وعن الأئمة المتبوعين، وأئمة الدين ومشايخ الإسلام في كل زمان ومكان من التحذير من اتباع الهوى: فعن مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس ﵄ قال: ما أدري أي النعمتين علي أعظم -أي: أنا لا أعرف أي النعمتين أنعم الله تعالى علي بهما أعظم من الأخرى- أن هداني للإسلام -أي: أن جعلني مسلماً- أو عافاني من هذه الأهواء؛ لأنها نعمة عظيمة جداً. والشعبي عامر بن شراحيل ﵀ يقول: إنما سمي الهوى بهذا الاسم؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار. وهذا يدل على أن الاتباع يرتفع بصاحبه في أعلى عليين على خلاف الهوى، ولا يستوي المتبع للأثر والمتبع لهواه، فإن الأول في أعلى عليين، والثاني في أسفل السافلين، وقال النبي ﵊: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). وهذا حديث عظيم جداً، ولو أراد الشارح شرحه لاستوعب فيه محاضرة بأكملها، وقد خصه بعض أهل العلم بالتصنيف، فقالوا فيه كلاماً عجيباً جداً يعجب منه المرء، ويعجب من ثراء هذه الشريعة بعلمائها وبأدلتها ونصوصها وحججها، فقال النبي ﵊ ضارباً المثل لمن حرص على أن يكون ثرياً ذا مال، أو أن يكون في القوم صاحب وجاهة وشرف حتى يشير إليه الناس أنه صاحب علم، وصاحب فتوى، وصاحب كيت وكيت. فأخبر النبي ﵊ أن من الناس من يحرص على أن يأخذ المال من حل وحرام، ويبحث عنه ويلهج في تحصيله، ومنهم من يحرص على أن يشار إليه بالبنان، وأن يكون مبرزاً في الناس. فأخبر النبي ﵊ أن هذين الرجلين أفسد للدين وللأمة من ذئبين ضامئين دخلا في زريبة غنم فأفسدا ما فيها من غنم، فقال ﵊ بأسلوبه النبوي الجميل: (ما ذئبان جائعان) وما بمعنى: ليس، (ما ذئبان جائعان أرسلا) أي: دخلا في زريبة غنم بأفسد لها من ماذا؟ (من حرص المرء على المال والشرف لدينه). فكم من واحد في الأمة الآن يحرص على جمع المال، وإن كان على حساب دينه، كم من واحد الآن ممن تصدر للدعوة إلى الله وتصدى لها، كم من واحد منهم أخلص في هذا لله ؟ سفيان الثوري -وهو من هو في الإمامة والفضل والعلم والإخلاص لله يقول: والله لقد طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. والسلف رضي الله ﵎ عنهم تورعوا أن يقولوا: إنهم قد أخلصوا لله في أعمالهم وأقوالهم، وأنت لو سألت صعلوكاً من الصعاليك الآن أو طويلب علم: لماذا تطلب العلم؟ لبادر بقوله: أطلبه مخلصاً لله ، وكأنه يزكي نفسه على الله، ولا يتورع ولا يتراجع، ولا يتردد ولا يخبت إلى ربه، وإنما يبادر بقول لو سمعه السلف لأنكروه غاية الإنكار، فكلهم يدعي أنه كان منافقاً، وكلهم يدعي أنه بعيد عن الحق، وكلهم يدعي أن الناس لو أخذوا علمه ثم لم ينسب إليه منه حرف واحد؛ لكان ذلك أدعى لقبول هذا العمل عند الله ، هذا الشافعي رحمه الله تعالى يقول: وددت لو أن الناس أخذوا ما عندي من علم، ثم لم ينسب لي منه حرف واحد، يتمنى لو أن الناس يتعلمون العلم، ولكن في النهاية لا يقولون: علمنا الشافعي. وأما نحن فإننا نحرص كل الحرص على أن نثبت مشيختنا وأستاذيتنا وتكبرنا وغير ذلك من الأمراض الدفينة، التي تخرج مرة على تقسيمات الوجه ومرة في المشية ومرة في الجلسة، ومرة بالقول، ومرة يخزنها المرء في قلبه حتى يتحين الوقت المناسب؛ ليبثها للسامع، وهذا يتنافى مع الإخلاص لله ؛ ولذلك سر الانتصار عند السلف: أنهم أخلصوا لله واتبعوا الهدي. وسر تأخرنا: أننا فقدنا الإخلاص إلا ما ندر، وإلا ما رحم الله ، وأعرضنا عن الكتاب والسنة، واتبعنا أهواءنا. وقال أبو برزة ﵁: قال النبي ﵊: (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى). والهوى كله ضلال، ولكنه قال: (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم - أي: أكل الحرام - وفروجكم - الوقوع في الفاحشة- ومضلات الهوى) أي: مضلات الفتن. وعن معاوية ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ألا وإنه يخرج في أمتي قوم يهوون هوى) أي: يكونون أصحاب هوى: (يهوون هوى، يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقاً ولا مفصلاً إلا دخله). انظر إلى هذا الحديث؛ حتى تعلم أن الأمة وصلت إلى هذه الحال التي قررها النبي ﵊ منذ عدة قرون، قال: (ألا وإنه سيخرج في أمتي قوم يهوون هوى) أي: يكونون أصحاب هوى، (تتجارى بهم هذه الأهواء) أي: تتمادى هذه الأهواء (كما يتجارى الكلب بصاحبه

стр. 484

وقفات مع النصوص والآثار الواردة في التحذير من اتباع الهوى هذه النصوص -أيها الإخوة الكرام- التي وردت في ذم الهوى في كتاب الله وسنة رسوله لابد لنا فيها من وقفات؛ حتى نستفيد من هذه النصوص الطيبة التي حذرنا بها أهل العلم قديماً وحديثاً. فالأهواء يجر إليها الخصومات، فما هي الأهواء من حيث المفهوم والأسباب؟

стр. 485

الخصومات في الآراء شعار أهل الأهواء الوقفة الأولى: هي الكلام عن الخصومات، والخصومات: هي التكلف في الانتصار للرأي، والمراء والجدل بغير حق، والمماحلة والمماطلة في قبول الحق، هذا معنى الخصومة. والخصومات شعار لأهل الأهواء، فالواحد منهم ليس ساكتاً أو مجتمعاً، بل إن أهل الأهواء متكلمون دائماً، رافعون أصواتهم ببدعتهم، وللأسف الشديد أنك تجد كثيراً من أهل الحق صامتون ساكتون، فمبنى الخصوم إذاً على التكلف والانتصار للرأي، وكذلك التشفي من الخصم والنيل من عرضه، وتنحل الحجج والأدلة، فهي أعظم أبواب الشبهات، وهي كذلك تفتح أبواب الشيطان على صاحبها؛ لأن الأصل في الخصومات: الانتصار للرأي، وليس الانتصار للدين. ولذا نجد أن أهل السنة لهم منهج مع خصومهم، فإذا ماحل الخصم وخاصم وجادل؛ فإنهم لا يسترسلون معه، إنما يكتفون بإظهار الحجة والإتيان بالبرهان، ثم يدعونه وينصرفون. بل كثير منهم لم يتكلم في بدعة إلا بعد أن انتشرت، وإن رأوا أن البدعة ما دامت قاصرة على صاحبها؛ فليس من مصلحة عامة الناس أن تظهر، ولا تظهر إلا بقول إمام مبرز فيها؛ ولذلك يعرض كثير من أهل العلم بأنفسهم عن أن يتكلموا في بدعة ما، حتى ظهرت وأطلت بقرونها على العامة، فصارت على كل لسان، ودخلت في كل قلب، حينئذ يتصدون لبيان هذه البدع. وصاحب البدعة والهوى إذا أراد الحق فإنما يكفيه لذلك بيان الدليل وصحته، والدليل الواحد، لكن صاحب الهوى في الغالب لا يكفيه دليل واحد، تقول له: قال الله تعالى: يقول لك: ثم ماذا قال؟ فتقول: وقال الله وقال النبي ﷺ ، فيقول لك: حجتك ضعيفة! فالدليل الواحد كافٍ، لكن الدليل عند أصحاب الأهواء لا يقوم ولو من مائة طريق، لأن في قلبه ظلمة منعته أن يقبل هذه الأدلة، وربما هو لم يسمعها ولم يعقلها من قبل، وصدق ابن عباس ﵄ حيث يقول: وإن للمعصية ظلمة في القلب، وسواداً على الوجه. فصاحب الهوى إن كان مريداً للحق ولم يتمكن هواه من قلبه يكفيه دليل واحد صحيح وصريح، وإذا قبل الدليل ثم رجع فيه وتردد وتحير فاعلم أنه باق على هواه، وهذا لا ينسحب على الجاهل الذي قامت الشبهة لديه، فهو يسأل ويستعيد المسئول ويطلب منه الجواب، وإعادة الدليل مرة أخرى، وثانية وثالثة، فلا حرج عليه في ذلك ما دامت الشبهة بعد عالقة بذهنه وقلبه، فلا حرج عليه أن يسأل حيث جهل، حتى ولو استعاد المسألة مرات متعددة، واستبانه في الدليل الواحد أكثر من مرة؛ لقيام الشبهة لديه.

стр. 486

العبرة بالثبات على الإسلام لا بدخوله وأما الوقفة الثانية: أن الإنسان قد يدخل الإسلام بعد كفر وشرك، فلا يثبت على النهج الصحيح، حيث ينحرف عنه إلى البدعة والهوى؛ لأن العبرة ليست بمجرد دخوله في الإسلام، وإنما العبرة بالثبات على هذا الإسلام، والثبات على الإيمان؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. فلو نصرنا الله ﵎ ولم يثبت أقدامنا على هذا النصر فإنه لابد أن ننزلق مرة أخرى إلى الهزيمة؛ لأننا لم نثبت على النصر، ولم نستمسك بالسنن الظاهرة والباطنة، فعاقبنا الله ﵎ بأن سحب منا الثبات على النصر، فكانت الأيام دولاً: اليوم منصورون، وغداً مهزومون. وقال الله تعالى آمراً نبيه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] أمره بالاستقامة على الأمر الذي كلفه به، وأمره أن يكلف أمته بذلك كذلك. ولذلك كثير من أهل الكفر والشرك في بلاد أوروبا وأمريكا يدخلون في الإسلام -خاصة في غير بلاد المسلمين- ويرتدون غداً، والذي سافر إلى هذه البلاد يعلم هذه الحقيقة؛ لأنه يراها في كل يوم، الرجل الآن يدخل في الإسلام وقبل صلاة العشاء ربما يرتد عن الإسلام مرة أخرى. والسبب الرئيس في ذلك هو حال المسلمين في هذه البلاد، فالكفار إذا دخلوا في الإسلام لا يجدون فارقاً عظيماً بين ما كانوا عليه، وما عليه المسلمون من أخلاق وسلوك وآداب، بل ربما تأدب أهل الكفر فيما بينهم بآداب يفقدها كثير من المسلمين، ولا أقول: إنها ليست في الإسلام، بل إن كل أدب دعا إليه الإسلام وحث عليه، ولكن المسلمين تخلوا عن هذه الآداب والأخلاق والسلوكيات، فيرى الكفار بعد إسلامهم كل المخازي والرزايا والمعايب في علاقات المسلمين مع بعضهم، فيقولون: إذا كان هذا هو الإسلام فالكفر أفضل منه، فيرتدون إلى ما كانوا عليه آنفاً. هذا من جهة. من جهة ثانية: أن الكفار والمشركين إذا أسلموا تلقفتهم أيدي بعض المثقفين من المسلمين الذين لا علاقة لهم في الغالب بدين الله ﵎، ولا بأصول معتقد السلف، ولا بشرائع الإسلام على جهة الخصوص، ويصنعون منهم نجوماً عظيمة، كما يصنعون بأهل المعاصي إذا تابوا من معاصيهم، فإن الراقصة اليوم إذا تابت صارت إمامة في الدين غداً، هذا أمر. والمرء من شدة وجده وحزنه ينخرط وينعقد لسانه أن يتكلم في ذلك، كأن تكون راقصة الأمس مفتية اليوم في دين الله ، أو أن يكون لاعب كرة ترك اللعب ثم يتلقفه أصحاب اللحى، ويرفعونه على أكتافهم ويهتفون به في شوارع القاهرة، أو في شوارع الرياض، أو في شوارع أمريكا وأوروبا، هل هو تاب لنفسه أم تاب للإسلام والمسلمين؟ الجواب تاب لنفسه، ورجع عن غفلته، وهذا لا يعني أنه صار إماماً ومفتياً كما يصنع كثير ممن يشار إليهم بالبنان. لما كان رجاء جارودي منهمكاً في أوحال الشرك والوثنية والكفر، وكان منظراً بالإلحاد قبل إسلامه، فلما أسلم عقدوا له مؤتمراً إسلامياً عظيماً في القاهرة، وجلس بجواره المشايخ عن اليمين وعن اليسار، ووجهت الأسئلة من المغفلين إلى رجاء جارودي أن يفتيهم في الاعتقاد، وفي الصلاة والصيام والزكاة والحج، وأنا أقسم بالله أنه إلى ذلك الوقت لا يحسن الوضوء ولا الصلاة! فكيف يستفتى في أمور العقيدة؟! وإن الطالب الذي لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم لهو أفقه في دينه من رجاء جارودي، لكن لما كان رجاء جارودي نجماً وصاحب شرف في وثنيته كان لزاماً على المغفلين من المسلمين أن يجعلوه -وفي لحظة إسلامه- نجماً في الإسلام والتوحيد والإيمان، ويجعلوه منظراً لأهل الإيمان والتوحيد، ما هذه الغفلة؟ وما هذا البعد عن الهدى؟! ألم يكن لزاماً على الجارودي وأمثاله إلى يومنا هذا أن يبركوا على الركب عند أهل العلم وطلاب العلم؛ حتى يعلموا كيف يصلون، وكيف يتوضئون، وكيف يصومون إذا أتى عليهم رمضان، وكيف يحجون إذا أتى عليهم موسم الحج، وماذا يجب عليهم أن يعتقدوا في ربهم ﵎ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ إن رجاء جارودي يجهل هذا كله؛ ولذلك يعجبني أشد العجب أن شيخنا ابن باز ﵀ لما سئل عن أقوال قالها رجاء جارودي في إسلامه: أليست هذه الكلمات -يا إمام- مخرجة من الملة؟ قال: ومتى دخل جارودي في الإسلام حتى يخرج منه؟! هذا الرجل البصير علم من هذا الرجل هذا، وهذا شأن العلم، فـ رجاء جارودي وأمثاله ينبغي أن يبركوا على أنوفهم وعلى هاماتهم، ويطئوا بها الأرض طلباً للعلم، لكن ضحك عليه الضاحكون المغفلون الذين يعتقدون أن التقريب بين الأديان واجب، وأقلهم وطئاً قال: جائز، فصدروا رجاء جارودي لهذه المهمة، فجلس رجاء جارودي وكوَّن مجمعاً عظيماً اسمه: مجمع تقريب الأديان، نقول: إن الدين واحد والشرائع مختلفة، ونسخت بشريعة النبي عليه الصلاة

стр. 487

للرجال فقط [٢] لقد جاء في الكتاب والسنة ذم أصحاب الهوى والبدع والضلال والتحذير من مخالطتهم، والهوى هو كل ما يميل عن الحق، فتجد صاحبه يقدمه على قول الله وقول رسوله، ولأصحاب الأهواء والضلالات علامات وسمات يعرفون بها، وهم أصناف شتى، فليحذر المسلم من هذه الطوائف إيثاراً لسلامة دينه.

стр. 488

معنى الهوى الهوى في اللغة: هو الميل والعدول والنزوع إلى ما تهواه النفس، يعني: متابعة النفس على ما تهواه، لا على الكتاب والسنة. والهوى في الاصطلاح: هو الميل عن الحق، وعن طريق السنة، ويشمل هوى الاعتقاد، وهوى العمل، وهوى الشبهات والشهوات، كلها أهواء. والأهواء نوعان: منها ما هو واضح جلي لا خلاف عليه، ومنها ما هو دقيق صغير لا يكاد يعرفه إلا المتخصص. والهوى الجلي ينفر منه الطيب النقي بطبعه، أما الهوى الدقيق الذي لا يتبين لأول وهلة فإن معظم الأهواء تقع من هذا النوع، خاصة وأن كثيراً من المسلمين يتبعون العاطفة التي تتدرج بهم شيئاً فشيئاً؛ حتى يتمكن الهوى من قلوبهم. وقلنا: إن الهوى حكمه أنه هوىً عارض، وهوى مستقر. فالهوى العارض: هو الذي يزول بقوة الإيمان وبيان الحجة واستظهار الدليل والبرهان، وهذا أمر يسير، لأنه ما هو إلا شبهة أو شهوة خطرت بالقلب والعقل، وسرعان ما زالت بالحجة والبرهان والدليل، فإن هذا لا يحاسب الله ﵎ العبد عليه، أما الهوى الذي استقر في العقيدة والقلب، فيكون صاحبه على بدعة خطيرة جداً؛ فإنه يختلف باختلاف ما إذا كانت هذه البدعة مكفرة أو مفسقة فقط.

стр. 489

علامات أهل الأهواء وسماتهم

стр. 490

مخالفة أهل الأهواء للسنة أما سمات أهل الأهواء وعلاماتهم فإنها كثيرة جداً نختصر منها شيئاً يتناسب مع المقام، فالفرق بين الهوى والهدى، وبين السنة والبدعة يتميز بملامح كثيرة: منها: أن صاحب الهوى مخالف للسنة؛ لأن السنة ليست هوى، وإنما هي أدلة ونصوص، وصاحب الهوى لا يتبع النصوص وإنما يتبع الرأي، فصاحب الهوى مخالف بأي أنواع المخالفة؛ سواءً كانت هذه مخالفة في العقيدة، أو في العمل، أو في السلوك، أو في الأخلاق، أو في الآداب، حتى ولو ظهر منه مظهر الصلاح والتقى والبر، ولو برر هواه بشتى أنواع المبررات، فإنه يكون مخالفاً لكلام أهل العلم الذين يقتدى بهم في دين الله ﵎. هذه أول علامة على أصحاب الهوى: أنهم مخالفون للسنة متبعون للبدع.

стр. 491

الانعزال عن أهل العلم والفقه في الدين المعلم الثاني: أن صاحب الهوى يعرف بانعزاله عن أهل العلم والفقه في الدين، وأنتم تعلمون أن واصل بن عطاء البصري كان تلميذاً في حلقة الحسن البصري، فلما دخل داخل ووجه سؤالاً للحسن: يا إمام! ما تقول في صاحب الكبيرة؟ فكان أدبياً وأخلاقياً وسلوكياً أن يسكت الجميع حتى يتكلم المسئول، ولكن صاحب البدعة يطل بقرنه هكذا من وسط أهل السنة، فقام واصل بن عطاء وقال: صاحب الكبيرة ليس كافراً ولا مؤمناً، وهو مخلد في النار، فهو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وخلوده ليس كخلود الكفار الأصليين، والحسن ساكت. ولم يكتف واصل بذلك، بل أخذ ثيابه وانصرف في مؤخرة المسجد -أخره الله تعالى- وأخذ زاوية منه وجلس، وقام من مجلس الحسن أصحاب الهوى وجلسوا مع واصل، فتأسف الحسن لذلك أشد الأسف وقال: اعتزلنا واصل، فسموا المعتزلة بتسمية الحسن البصري لـ واصل بن عطاء، فأنت تجد أن أصحاب الهوى ليسوا من طلاب العلم، وإلا فاذكر لي صاحب هوى الآن في هذا الزمان، واذكر لي على يد من طلب العلم، وهل برك وتمرغ في التراب على أبواب وأعتاب أهل العلم؟! كان أبو موسى الأشعري إماماً في العلم والدين والفقه، وهو من كبار أصحاب النبي ﵊، ولكن الذي أكبر منه في دين الله وفي العلم والفقه هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، فـ أبو موسى الأشعري لما رأى قوماً قد تحلقوا حلقاً في مسجد الكوفة أنكر هذا الوضع أيما إنكار، ولكنه لم يتكلم، فذهب إلى بيت عبد الله بن مسعود، ولم يطرق عليه الباب أبداً حتى خرج إليه - أي: في صلاة الظهر - فلما خرج إليه قال: من؟ أبو موسى؟ قال: نعم. قال: ما الذي جاء بك، وما الذي منعك أن تطرق علينا؟ قال: انتظرتك يا إمام حتى تخرج. قال: وما الذي جاء بك؟ قلت: رأيت أمراً منكراً، رأيت أن ناساً قد تحلقوا حلقاً في مسجد الكوفة، وجعلوا على كل حلقة كبير من يلقي إليهم الحصى ويقول: كبروا مائة فيكبرون، سبحوا مائة فيسبحون، هللوا مائة فيهللون. ومع أن هذا تكبير وتسبيح وتهليل، لكن هذه الكيفية ليس للصحابة عهد بها، فقال عبد الله بن مسعود لـ أبي موسى الأشعري: هلا أنكرت عليهم؟ قال: انتظاراً لرأيك يا إمام! وكان بإمكان أبي موسى وهو من كبار أهل العلم أن ينكر، ولكن أهل العلم درسوا على أنهم لا يتكلمون في قرية فيها من هو أعلم وأفقه، وكانوا يجعلون مدار الفتوى والعلم والتدريس لكبار القوم، وليس لصغارهم وطلابهم، فذهب إليهم عبد الله بن مسعود ووقف على رءوسهم وقال: ما هذا الذي تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا به إلا الخير. قال: كم من مريد للخير لم يدركه، فإما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد -يعني: أن الله تعالى أطلعكم على خير قد حجزه عن نبيكم وعن أصحابه- وإما أنكم مفتتحو باب ضلالة. فهب أننا رأينا هذا المنظر في بيت من بيوت الله، وقال واحد منا ما قاله ابن مسعود لاتهمنا الحاضرون بالتزمت والتشدد والانحراف وغير ذلك، والغلظة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، حتى قال الراوي: فوجدنا هؤلاء -أي: الذين تحلقوا وذكروا الله- يوم النهروان يقاتلوننا بالسيف. وذلك لأن الهوى قد تمكن من قلوبهم آنفاً، ألا تعلمون أن أشد الناس خطراً في دين الله هم الخوارج والشيعة؟ أوما علمتم أن الخوارج أشد الناس عبادة في دين الله ، ولكن هيهات هيهات! هيهات هيهات! حتى أجمع أهل العلم على أن الخوارج لا يكذبون؛ لأنهم يكفرون بالمعصية والكذب معصية، فلو أنهم كذبوا لحكموا على أنفسهم بالكفر، بخلاف الرافضة فإن السمة البارزة عليهم الكذب ويسمونه: التقية. فاعلموا -أيها الكرام- أن النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر أقوام في أمتي تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). يعني: لا عبرة بصلاتهم وصيامهم؛ لأنها تكلف وغلو في دين الله ، وكل بدعة قامت على الغلو، ولذلك قال النبي ﵊: (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه). وقال: (إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين). وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٧٧] (لا تغلوا) أي: لا تغالوا في دينكم. فصاحب الهوى يعرف بانعزاله عن حلقات العلم، وعن أهل العلم، فإن الذي استقى ما عنده من غير طريق أهل العلم يكون استقاه من هواه، ومن مزاجه ووجده. ولذلك فإن طالب العلم لا يجوز له أن يعتد بعلمه، ولا أن يفاصل أهل العلم ويتميز عنهم بأي نوع م

стр. 492

شدة الخصومة وأما العلامة الثالثة من علامات أهل البدع وأصحاب الأهواء: فإنها شدة الخصومة، فبعد أن تقام عليه الحجة يلج في الخصومة، وبعد أن يبين له البرهان ينتكس مرة أخرى؛ لأن قلبه قد أشرب بالهوى، حتى لو أقر واعترف بالحق الذي مع صاحب الحق، فإنه يرجع عنده، ويتردد في قبوله مرة أخرى.

стр. 493

التكلف والتمحل في الانتصار العلامة الرابعة من علامات أهل الأهواء: التكلف والتمحل في الانتصار، والاستدلال بكل دليل، بل ولي أعناق الأدلة حتى تخدم هواه؛ بإخراجها عن المراد منها، والتفرد بمعاني الأدلة عن أقوال أهل العلم المختصين بها. إن صاحب الهوى يقرأ دليلاً ويفهم منه فهماً يخالف فيه أمة محمد ﵊، ومع هذا يعتد بهذا الفهم الذي خالف فيه، ويدع إجماع أهل العلم قديماً وحديثاً. فيقول: أنا عقلي كعقولهم، وأنا رجل وهم رجال، وأنا شيخ وهم شيوخ، وهذا الكلام الذي نسمعه بين الحين والحين، وفي مسجد تلو مسجد.

стр. 494

لمز أئمة الدين العلامة الخامسة من علامات أصحاب الأهواء هي: لمز وغمز أئمة الدين، إن لم يتب ويعلن صراحة فإنه يغمز ويلمز ويعرض، ويلوح ببعض الفتاوى لأهل العلم، ويقول: هذا الذي يفتي الناس في النوازل وغيرها، وهذا الذي يشار إليه بالبنان، ويقال: إنه من أئمة المسلمين قال في يوم كذا: كذا وكذا، وقال في حديثه كذا وكذا، وعلى أية حال، وإن كان هذا الرجل رجلاً له احترام وتبجيل وتعظيم فإنه رجل ونحن رجال، وكلانا يقبل من قوله. سبحان الله! طالب علم صغير، ولم يبلغ الثلاثين من عمره وذاك الشيخ قد قارب المائة، ومع هذا يسوي نفسه به، ويقول: وهذا الشيخ مع جلالته وإتقانه وحفظه وخدمته للإسلام، وسبقه في العلم والعمل والعبادة، إلا أنه يخطئ ويصيب، وقد أخطأ في هذا القول، وهذا الشيخ إنسان غير معصوم وهو مأجور! فيا له من غمز ولمز لأهل العلم! نعم هذا القول جائز في العموم، لكنه جائز بين أهل العلم وليس بين أهل العلم وطلاب العلم الصغار.

стр. 495

التعالي والتعالم والغرور والاستقلالية والعلامة السادسة: التعالي والتعالم والغرور والاستقلالية، قال رسول الله ﷺ : (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان). هذه علامة أهل الأهواء والبدع، تراه متكئاً شبعان قد ملأ بطنه، (يأتيه الأمر من أمور الحلال والحرام فيقول: ما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمناه، وما وجدنا في كتاب الله حلالاً أحللناه، فيقول النبي ﵊: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). فهذا الرجل صاحب الهوى يقول: قال أحمد بن حنبل في المسألة كيت وكيت وكيت. وأنا أقول كيت وكيت وكيت. ثم يقول: هذا رأيي ومن كان عنده غير ذلك فليأتني به وهيهات! ثم يقول: لقد ظهر لي بحمد الله ما لم يظهر لأئمة الدين، تصور الكلمات التي تقرؤها في كتابه، وتأمل صاحب الكتاب فإنك ستجده إنساناً مغموراً محفوراً لا أحد يعلم به لا من الإنس ولا من الجن، فهذا جزاؤه الضرب بالنعل، لكن لما انتشر التصنيف في عصر الفوضى، كان لكل من هب ودب أن يتكلم في دين الله؛ وذلك لأن الدين مرتع له، فلا يستطيع أحد أن يتكلم في الطب أو الهندسة أو الفيزياء أو غير ذلك من علوم الدنيا، ولكن الشرع ساحة بلا حارس، ومن عجز عن الكلام في غيره فليتفضل، ولينتهك ولينهش. وفوق هذا يقول: هذا وأظنني غير مسبوق بها، وقد أتيت بما لم تأت به الأوائل.
следующие страницы →