← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن نظر إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعم، اعتبر إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط. ثالثاً: الذي يفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق بناءً على تعيين العِلَّة وعدمه لا ينفون عن إلغاء الفارق تصوُّر المعنى الجامع على الإجمال. قال الغزالي: " وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعاً إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل " (١). ولذلك استدلَّ القرافي على حجية تنقيح المناط باعتباره اجتهاداً في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقال: "الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم. . . فوجب كونه دليلاً على عِلِّية المشترك على سبيل الإجمال وإن كنا لا نُعيِّنَه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العِلَّة" (٢). وقال الزركشي: "فإنه -أي: نفي الفارق- لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةٌ، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقةٌ في الفرع من غير تعيين" (٣). بل إن الغزالي يُعِتبر توسُّم المعنى المشترك على سبيل الإجمال ذلك شرطاً في جواز الإلحاق بإلغاء الفارق دون تحديد المناط أوتعيينه. قال ﵀: "اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، ولكن الحقّ فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه

стр. 107

إلا بعد استنشاق رائحة المعنى الذي هو مناط الحُكْم، وإن لم يُطلَّع بَعْدُ على تحديدْه أو تعيينه " (١). ولهذا المعنى عَدَّ ابن السبكي " إلغاء الفارق " ضمن مسالك العِلَّة، وذكر أنه يرجع إلى ضرب شبه؛ لأنه يحصل به ظن العِلِّية في الجملة (٢). وإذا كان "إلغاء الفارق "لا يخلو من وجود معنىً جامعٍ مجملٍ بخلاف "تنقيح المناط" الذي لابد فيه من تعيين المعنى الجامع، فقد قيَّد الغزالي المواضع التي يُحْذَف فيها تأثير الفارق، ويجوز الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، حيث قال: "والطريق الأول الذي هو التعرُّض للفارق ونفيه ينتظم: حيث لم تُعْرف عِلَّة الحُكْم، بل ينتظم في حُكْمٍ لا يُعَلَّل، وينتظم حيث عُرِف أنه مُعَلَّل، لكن لم تتعين العِلَّة، فإنا نقول: الزبيب في معنى التمر في الرِّبا قبل أن يتعين -عندنا- عِلَّة الرِّبا أنه الطعم أو الكيل أو القوت، وينتظم حيث ظهر أصل العِلَّة وتعيَّن -أيضاً- ولكن لم تتلخَّص بَعْدُ أوصافه، ولم تتحرَّر بَعْدُ قيوده وحدوده" (٣). الترجيح بين الاتجاهات السابقة: من خلال ما سبق من المقارنة بين اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق فإنه يترجَّح -والعلم عند الله- أن "إلغاء الفارق" إذ أُظْهِر معه حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وأنيط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ بعد تعيينه، فهو أحد صور تنقيح المناط. قال الغزالي: " وإنما الشأن في تنقيح المناط وتلخيصه وتجريده عن كلِّ ما لا مدخل له في الاعتبار، وتقييده بكلِّ وصفٍ له دَخْلٌ في الاعتبار، حتى يصير محدوداً مميزاً لا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو مناطٌ

стр. 108

للحُكْم أصلاً" (١). ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليِّته وهو " الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه (٢). ففي هذا المثال لم يُقْتَصَر على التعرُّض لنفي الفارق وهو "الذكورة"، بل تعيَّن مناط الحُكْم وهو "الرِّق" بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته وهو "الأنوثة"، فحينئذٍ يصدق على هذه الصورة تسميتها بـ " تنقيح المناط "؛ لأن مناط الحُكْم -هنا- تعيَّن وتميَّز. أما إذا اقْتُصِرَ على إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، ولم تُعَيَّن فيه العِلَّة وتتميَّز كما لو كان ذلك في الحالات التي ذكرها الغزالي (٣) فإنه لا يُعَدُّ إلغاء الفارق في هذه الصورة من تنقيح المناط؛ لأن "تنقيح المناط" يعني: تهذيب العِلَّة وتمييزها، فإذا لم تُعيَّن العِلَّة وتُهَذَّب لم تصدق التسمية بذلك.

стр. 109

الفصل الرابع العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً. المبحث الثاني: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.

стр. 110

المبحث الأول تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً سأتناول في هذا المبحث تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً . السَّبْر في اللغة هو: التجربة، والاختبار، واستخراج كُنْه الأمر. وسَبَرَ الشيء سَبْرَاً: حَزَرَه وخَبَرَه. وسَبَرَ الجرح: إذا نظر مقداره وقاسه ليعرف غَوْره. والمِسْبار: ما سُبِر به وقُدِّر غَوْرُ الجراحات (١). والتقسيم في اللغة هو: التفريق، والتجزئة. وقسَّم الشيء: إذا جزَّأه وفرَّقه. وقسَّمهم الدهر فتقسَّموا، أي: فرَّقهم فتفرَّقوا (٢).

стр. 111

المطلب الثاني: تعريف السَّبْر والتقسيم اصطلاحاً . السَّبْر والتقسيم لقبٌ مركبٌ من جزأين يُطلق في اصطلاح الأصوليين على مسلكٍ خاصٍّ من مسالك العِلَّة، وهو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (١). وسُمِّي هذا المسلك بالسَّبْر وحَدْه، وبالتقسيم وحَدْه، وبالسَّبْر والتقسيم مركَّباً عند أكثر الأصوليين (٢). فالسَّبْر والتقسيم - كما هو ظاهرٌ من التعريف - يشتمل على أمرين (٣): أحدهما: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، وهو المُعبَّر عنه بـ " التقسيم ". وثانيهما: اختبار الأوصاف واحداً واحداً في صلاحيته للتعليل به، وإبطال ما لا يصلح منها للتعليل، فيتعين الوصف الباقي للعِلِّية، وهو المُعبَّر عنه بـ" السَّبْر". قال الجويني: " إن الناظر يبحث عن معانٍ مجتمعةٍ في الأصل، ويتتبعها واحداً واحداً، ويبيِّن خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحداً يراه ويرضاه" (٤). ومثاله: أن يقول المجتهد: إن تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً ثبت لعِلَّة،

стр. 112

وهذه العِلَّة إما أن تكون " الكيل" أو " الطُّعْم" أو " القوت "، ثم يختبر تلك الأوصاف ويُبطل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، والباقي من الأوصاف يتعين عِلَّةً للحُكْم، فيبطل - مثلاً - " القوت " و " الكيل " فلا يبقى إلا " الطُّعم " فيكون عِلَّةً للحُكْم، أو يبطل - مثلاً - " الطُّعم "، و" الكيل " فلا يبقى إلا " القوت " فيكون عِلَّةً للحُكْم (١). ورغم أن " التقسيم " متقدمٌ في الترتيب الخارجي على " السَّبْر" إلا أنه في اصطلاح الأصوليين كما هو ظاهرٌ في لقب المسلك قُدِّم " السَّبْر" على " التقسيم "؛ لأن " السَّبْر" هو المقصد الأهم في الدلالة على العِلِّية، و" التقسيم " يُعْتَبر وسيلةً إليه، والعادة تقديم الأهمِّ على غيره، والمقصد على الوسيلة (٢). قال الطُّوفي: " ولو حملنا قولهم: " السَّبْر والتقسيم " على معنى سَبْر العِلَّة بتقسيم الأوصاف لعاد إلى ما قاله - أي: القرافي - إذ ذلك يفيد أن التقسيم سببٌ للسَّبْر " (٣). أو يُقال: إن السَّبْر وإن تأخر عن التقسيم فهو متقدِّم عليه أيضاً؛ لأنه أولاً يَسْبُر المحلَّ هل فيه أوصافٌ أم لا ثم يقسِّم، ثم يَسْبُر ثانياً، فقُدِّم " السَّبْر" في اللفظ باعتبار السَّبْر الأول (٤).

стр. 113

المبحث الثاني العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم تقدَّم أن تنقيح المناط هو: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُناط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (١). كما تقدَّم أن السَّبْر والتقسيم هو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (٢). فهل يوجد فرقٌ بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم، وما العلاقة بينهما؟ اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: ذهب إلى أن تنقيح المناط يختصُّ بالأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، أما السَّبْر والتقسيم فإنه يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة الصالحة للعِلِّية، حيث لا يوجد نصٌّ يدل على مناط الحُكْم صراحةً أو إيماءً. قال زكريا الأنصاري (٣): "السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية، ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ" (٤). وقال ابن العطَّار: " والفرق بين المسلك بهذا المعنى ومسلك السَّبْر: أن

стр. 114

السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعيَّ عِلِّيته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وإن كان الحصر فيه أيضاً موجودٌ لكنه غير ملاحَظٍ فهو حاصلٌ غير مقصود، وحينئذٍ فلا يقال مع عدم الحصر لا يتأتَّى معرفة الصالح للعِلِّية من غيره حتى يُحذْفَ غير الصالح عن الاعتبار" (١). الاتجاه الثاني: ذهب إلى أن تنقيح المناط لا يجب فيه تعيين العِلَّة، أما السَّبْر والتقسيم فلابد من تعيين الجامع، والاستدلال على العِلِّية. وهذا مبنيٌّ على تعريف تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما المشترك بين الأصل والفرع أو المختصُّ بالأصل، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فيتعيَّن الأول، فيلزم ثبوت الحُكْم في الفرع لثبوت عِلِّيته فيه (٢). قال ابن السبكي: " فإن قلت: هذه الطريقة بعينها هي طريقة السَّبْر والتقسيم، قلت: كذا قال الإمام، ولكن يمكن أن يُفرَّق بينهما بأن السَّبْر والتقسيم لابدَّ فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العِلِّية، وأما هذا فلا يجب فيه تعيين العِلَّة، ولكن ضابطه أنه لا يحتاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة، بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير " (٣). وقال الشوكاني: "وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السَّبْر والتقسيم فلا يحسُنُ عدُّه نوعاً آخر، ورُدَّ عليه بأن بينهما فرقاً ظاهراً، وذلك أن الحصر في دلالة السَّبْر والتقسيم لتعيين العِلَّة إما استقلالاً أو اعتباراً، وفي تنقيح المناط لتعيين الفارق وإبطاله، لا لتعيين العِلَّة " (٤). الاتجاه الثالث: ذهب إلى أن تنقيح المناط هو استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر والتقسيم.

стр. 115

وهذا مبنيٌّ - أيضاً - على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: الإلحاق بإلغاء الفارق، وذلك بأن يقال: هذا الحُكْم لابد له من مؤثِّر، وذلك المؤثِّر إما القدر المشترك بين الأصل والفرع، أو القدر الذي امتاز به الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأن الفارق ملغي، فثبت أن المشترك هو العِلَّة، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحُكْم (١). قال الفخر الرازي: " فهذا طريقٌ جيد، إلا أنه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر؛ لأنَّا قلنا: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الإشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فتعيَّن الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّة الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقُّق الحُكْم في الفرع، فهذا هو طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوتٍ أصلاً " (٢). أما الشيخ الأمين الشنقيطي فقد اعتبر النوع الثاني فقط من تنقيح المناط هو بعينه طريق السَّبْر والتقسيم (٣). قال- ﵀: "النوع الثاني من تنقيح المناط هو بعينه السَّبْر والتقسيم" (٤). والنوع الثاني - كما تقدَّم (٥) هو: " أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي ". تحليل اتجاهات الأصوليين والترجيح بينها: من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم والعلاقة بينهما تبيَّن لي الآتي: أولاً: إن أصحاب الإتجاه الأول يعتبرون السَّبْر والتقسيم مسلكاً مستقلاً في إثبات العِلِّية، ويفرِّقون بينه وبين تنقيح المناط بأن السَّبْر والتقسيم يختصُّ

стр. 116

بالأوصاف المستنبَطة، حيث لا يوجد نصٌّ صريحٌ أو مومئٌ يدل على مناط الحُكْم، أما تنقيح المناط فيختصُّ بالأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ. واعتبار السَّبْر والتقسيم مسلكاً مستقلاً في إثبات العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبطة فيه نظر؛ لأن السَّبْر والتقسيم ليس دليلاً مستقلاً على العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة، بل يصلح الاستدلال به في أكثر طرق إثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر، ومن ذلك مسلك النصِّ ومسلك الإيماء والتنبيه اللَّذَان تعلَّق بهما الاجتهاد في تنقيح المناط. قال الأبياري: " السَّبْر يرجع إلى اختبارٍ في أوصاف المحلِّ وضبطها، والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله فيها، فإذاً لا يكون من الأدلة بحال، وإنما تسامح الأصوليون بذلك؛ لأن المراد بالدليل هو الذي دلَّ على أن العِلَّة في جملة الأوصاف، والدليل الثاني دلَّ على التعيين، وإلا فالسَّبْر والتقسيم ليس هو دليلاً " (١). وقال البروي: " واعلم أن دلالة السَّبْر تدخل في كثيرٍ من الأدلة، مثل تخريج المناط على شيوعه في المناظرات لا يتم إلا بدلالة السَّبْر، فإن من علَّل بمناسبٍ مقرونٍ بالحُكْم لا يستقل ما ذكره عِلَّةً إلا بتقدير انتفاء مناسبٍ آخر، ولا يُعْتَمد في نفيه إلا السَّبْر .. " (٢). ونقل الزركشي عن أبي العباس القرطبي (٣) أنه قال: " أكثر النُظَّار عدَّوا هذا المسلك أي: السَّبْر والتقسيم - دليلاً على التعليل، وفيه نظر؛ وذلك أن ما ينفيه السَّبْر لابدَّ وأن يكون ظاهر المناسبة وهو قياس العِلَّة، أو صالحاً لها وهو الشبه، فالتحقيق أن يقال على التعليل هنا هو المناسبة غير أن السَّبْر عيَّنَ دليلَ الوصف، فالسَّبْر إذاً شرطٌ لا دليل، وكذلك في سائر المسالك النظرية، فليس مسلكاً بنفسه، بل هو شرط المسالك النظرية" (٤).

стр. 117

ولهذا المعنى ردَّ الحنفية التقسيم الحاصر وتنقيح المناط إلى النصِّ، أو الإجماع، أو المناسبة. قال صدر الشريعة: " وعلماؤنا ﵏ لم يتعرَّضوا لهذين - أي: التقسيم الحاصر وتنقيح المناط - فإنه على تقدير قبولهما يكون مرجعهما إلى النصِّ أو الإجماع أو المناسبة " (١). وإذا تبيَّن أن السَّبْر والتقسيم قد يدخل في أكثر الطرق الاجتهادية للنظر في العِلَّة، ولا يُعْتَبر دليلاً مستقلاً في إثبات العِلِّية، فإنه قد يكون طريقاً من طرق تنقيح المناط خادماً للاجتهاد في تهذيب العِلَّة وتعيينها بعد إثباتها بمسلك الإيماء والتنبيه، وعلى هذا يكون السَّبْر والتقسيم من طرق تنقيح المناط الذي تعلَّق الاجتهاد فيه بمسلكي النصِّ والإيماء والتنبيه؛ وذلك لأنه يَعُمُّ مسالك العِلَّة المنصوصة والمستنبَطة، ويصلح الاستدلال به لإثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر إذا انضمَّ إلى أحد مسالكها المُعْتَبرة. ولهذا لمّا ذكر الطُّوفي قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (٢)، واعتبره مثالاً على تنقيح المناط قال: " فالنبيُّ أَمَرَه بالكفارة في جواب قوله: " واقعت أهلي في رمضان " مع مجيئه على الصفات المذكورة، فربما خُيِّل للسامع أن مجموع الصفات المذكورة مع الوقاع في رمضان هي مناط وجوب الكفارة وعِلُّته، لكن من جملتها ما ليس بمناسبٍ لكونه عِلَّةً ولا جزء عِلَّة، فاحتيج إلى إلغائه وتنقيح العِلَّة وتخليصها بالسَّبْر والتقسيم." (٣). بل إن دليل السَّبْر والتقسيم دليلٌ عامٌّ لا يقتصر الاستدلال به على إثبات العِلَل؛ لأن المُسْتَدِل يذكر الاحتمالات التي لا يخرج عنها موضع النزاع، ثم يبيَّن بطلانها كلها إلا واحداً. وقد أَكْثَرَ الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ من ذكر أمثلة هذا الدليل كما ورد

стр. 118

في القرآن الكريم وغيره، وذَكَرَ بعض آثاره العقائدية والتاريخية في كتابه: " أضواء البيان" (١) عند كلامه في سورة مريم على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٨]، وهو من الشواهد الظاهرة على اعتبار دليل السَّبْر والتقسيم دليلاً عاماً لا يقتصر الاستدلال به على إثبات العِلَل. ثانياً: إن أصحاب الاتجاه الثاني يعتبرون تنقيح المناط هو الإلحاق بإلغاء الفارق، ولذلك يفرِّقون بينه وبين السَّبْر والتقسيم بأن تنقيح المناط لا يجب فيه تعيين العِلَّة، ولا يُحْتَاج فيه إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة، بل يُتعرَّض فيه للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير، أما السَّبْر والتقسيم فلابدَّ فيه من تعيين الجامع والاستدلال على العِلِّية. وقد تَقَدَّمت مناقشة ذلك وبيان الفرق بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، وأن تنقيح المناط هو تهذيب العِلَّة وتمييزها، فلابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، وإلا لم تصدق تسمية ذلك بـ" تنقيح المناط "، أما في إلغاء الفارق فيُكْتَفى بإبطال الوصف الفارق بين الأصل والفرع، وبيان أن لا مدخل له في التأثير (٢). ثالثاً: إن أصحاب الاتجاه الثالث يعتبرون أن تنقيح المناط هو نفسه استخراج العِلَّة بطريق السَّبْر والتقسيم؛ لأنه يقال في طريقة إيراد تنقيح المناط - بناءً على تعريفهم تنقيح المناط بأنه: إلغاء الفارق -: حُكْم الأصل لابدَّ له من عِلَّة، وهي إما جهة الاشتراك أوجهة الامتياز، والثاني باطل، فيتعين الأول، وجهة الاشتراك حاصلةٌ في الفرع، فعِلَّةُ الحُكْم حاصلةٌ في الفرع، فيلزم تحقيق الحُكْم في الفرع. وهذه الطريقة يعتبرها أصحاب الاتجاه الثالث هي طريقة السَّبْر والتقسيم من غير تفاوت. وقولهم هذا غير مسلَّم؛ لأمورٍ ثلاثة:

стр. 119

الأول: أن تنقيح المناط هو تهذيب العِلَّة وتعيينها، لا استخراجها، كما تقدَّم بيانه (١). الثاني: أن هناك فرقاً بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، فتنقيح المناط لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، أما إلغاء الفارق فيُكْتَفَى فيه بإبطال الوصف الفارق بين الأصل والفرع وبيان أن لا مدخل له في التأثير، فبناء الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم على أن تنقيح المناط هو إلغاء الفارق دون تعيينٍ للعِلَّة لا يصح؛ لأن وظيفة المجتهد في تنقيح المناط هي تهذيب العِلَّة وتمييزها كما تقدَّم (٢). الثالث: أن تنقيح المناط له صورتان (٣): الصورة الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعِّم. فهذه الصورة ليس فيها سَبْرٌ ولا تقسيم، وإنما يُكتفى فيها بحذف خصوص الوصف عن الاعتبار، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ. الصورة الثانية: أن يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلَّية فَتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي. فهذه الصورة وإن احِتيج فيها إلى السَّبْر والتقسيم إلا أنه غير منظورٍ إليه بالقصد الأصلي؛ لأن النظر متوجِّهٌ إلى تهذيب العِلَّة، وتعيينها من بين الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ. ولهذا قال ابن العطَّار: " -والفرق بين المسلك بهذا المعنى - أي: النوع الثاني من تنقيح المناط - ومسلك السَّبْر أن السَّبْر يجب فيه حصر الأوصاف الصالحة للعِلِّية، ثم إلغاؤها ما عدا ما ادُّعِيَّ عِلَّته، وتنقيح المناط بالمعنى المذكور إنما يُلاحَظ فيه الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وإن كان

стр. 120

الحصر فيه أيضاً موجودٌ لكنه غير مُلاحَظٍ، فهو حاصلٌ غير مقصود" (١). الترجيح بين الاتجاهات السابقة: من خلال ما تقدَّم ذكره ومناقشته من اتجاهات الأصوليين في بيان الفرق بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم يترجَّح - والعلم عند الله - أن السَّبْر والتقسيم ليس دليلاً مستقلاً على العِلِّية يختصُّ بالأوصاف المستنبَطة، بل يدخل الاستدلال به في أكثر طرق إثبات العِلَّة بوجهٍ أو بآخر، ومن ذلك مسلك النصِّ ومسلك الإيماء والتنبيه اللَّذَان تعلَّق بهما الاجتهاد في تنقيح المناط. وعلى هذا يعتبر السَّبْر والتقسيم دليلاً خادماً للاجتهاد في العِلَّة الذي أحد أضربه الاجتهاد في تنقيح المناط، فالسَّبْر والتقسيم أعمُّ وأشمل من تنقيح المناط، حيث يشمل الاستدلال به مسالك العِلَّة المنصوصة والمستنبَطة، أما تنقيح المناط فهو يختصُّ بالاجتهاد في الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وقد يُحتاج في بعض صوره إلى استعمال دليل السَّبْر والتقسيم كما في النوع الثاني من تنقيح المناط. فالمجتهد في هذا النوع يحصر الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، ثم يختبرها ويبطل ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً للحُكْم، ويكون بذلك اسْتُعْمَل دليل السَّبْر والتقسيم في هذا النوع من تنقيح المناط، ولكن لتهذيب العِلَّة وتعيينها، وليس لاستخراجها كما هو الحال في العِلَل المستنبَطة، كما سيأتي بيانه في تخريج المناط (٢).

стр. 121

الفصل الخامس طرق تنقيح المناط

стр. 122

الفصل الخامس طرق تنقيح المناط تقدَّم أن تنقيح المناط له صورتان (١): الأولى: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويناط الحُكْم بالمعنى الأعمّ. والثانية: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ، فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار، ويناط الحُكْم بالباقي من الأوصاف. وفي كلتا الصورتين فإن وظيفة تنقيح المناط تتركَّز في تهذيب العِلَّة وتمييزها عن الأوصاف غير المؤثرة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، وذلك يقوم على ركنين (٢): الأول: إسقاط ما لا مدخل له من الأوصاف عن درجة الاعتبار. والثاني: إظهار وتعيين ما له مدخلٌ من الأوصاف في الاعتبار. وحاصله أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين كما تقدَّم (٣)، وهو اجتهادٌ لا يقوم على التحُكُّم والتشهي، بل لابدَّ فيه من دليلٍ يُسْتَنَد إليه وطريقٍ شرعيٍّ يثبت به؛ لأن الشرع هو الذي اختصَّ باعتبار تلك الأوصاف مؤثرةً في الأحكام وعدم اعتبارها كذلك، ولا يُعْلَمُ ذلك إلا بدليلٍ من جهته. قال الغزالي: " ومُدْرَكُه - أي: تنقيح المناط - شواهد الشرع، وإبقاء ما

стр. 123

يُقَدَّر له أثر، وإلغاء ما لا يُعْقَل له أثر " (١). وقال البروي: " وصورته - أي: تنقيح المناط أن يَرِدَ ظاهرٌ في التعليل بأوصافٍ عِدَّة، فنحذف بعض تلك الأوصاف عن درجة الاعتبار بالدليل" (٢). وقال ابن النجَّار الفتوحي في تعريف تنقيح المناط: " أن يُبقِى من الأوصاف ما يصلح، ويُلغي بالدليل ما لا يصلح " (٣). والمناط كما يثبت تعلُّق الحُكْم به بتوقيفٍ من جهة الشرع، فكذلك تنقيح المناط وتمييزه عن غيره من الأوصاف غير المؤثِّرة لايثبت إلا بتوقيفٍ من الشرع. قال الغزالي: " ولا نجعل الشيء مناطاً أو وصفاً من أوصاف المناط بالحُكْم والرأي بل بالتوقيف، ولا نسقطه أيضاً عن درجة الاعتبار بالرأي والقياس، بل بشواهد التوقيف " (٤). وقال - أيضاً-: " وبقي أن نبيِّن أن المناط كيف يتجرَّد ويتلخَّص متميزاً بحدِّه على كلِّ ما لا يُعْتَبر فيه، وجامعاً لجميع ما هو معتبَرٌ فيه؟ فنقول- أيضاً-: لا يكون إلا بالتوقيف والتعريف من جهة الشارع." (٥). والتوقيف من جهة الشارع لا يُقْتَصَرُ في معرفته على مجرَّد النصِّ، بل يشمل دلالات الألفاظ بأنواعها، والأفعال وما في حكمها، وقرائن الأحوال، وسياق الكلام، وتصرُّفات الشارع في الأحكام. قال الغزالي: " تعريفات الشارع مختلفةٌ بالإضافة إلى ما به التعريف؛ فتارةً يُعْرَفُ بالقول، وتارةً بالفعل، ثم إذا عُرِفَ لا بالقول: تارةً يكون بإشارةٍ، وتارةً بسكوتٍ، وتارةً باستبشارٍ، وتارةً بإظهار آثار كراهيةٍ، وعلى الجملة: قرائن أحواله في تصريفاته وإشاراته وهيئة وجهه في الفرح والكراهية يجوز أن

стр. 124

تكون معرِّفاتٍ جاريةً في إفادة التعريف مجرى القول، فيكون ذلك توقيفاً .. " (١). ثم عدَّد ﵀ أنواعاً من التعريف بالقول فقال: "أما إذا عُرِف بالقول فتارةً يُعْرَف بلفظٍ صريح، وتارةً بظاهرٍ كاللفظ العام، وتارةً بلفظٍ خاصٍ كُنِّيَ به العام على سبيل التجوِّز في لسان العرب، وتارةً بإيماء القول وإشارته لا بصريح الملفوظ، وتارةً بتضمن القول واقتضائه. . . وتارةً بمفهوم القول وقصده إلى تخصيص بعض الأشياء بالذكر ليفهم نفي الحُكْم عما عداه، وتارةً بسياق الكلام الذي أُنْشِىَء الكلام له .. " (٢). وكما أن مدارك التوقيف من جهة الشارع لا تنحصر في مجرَّد النصِّ فكذلك لا تنحصر مداركه في الأقوال والأفعال، بل يثبت التوقيف أيضاً بتتبع عادة الشارع في الأحكام إثباتاً ونفياً، وهو من أغمض وأدقِّ جهات التوقيف. قال الغزالي: "فهذه جهات تعريفه -أي: الشارع- وأغمضُها التعريفُ بالعادة، وإليها استناد القياس، ولأجل خفائه لم يدركه بعض الناس ولم يعرفه من جملة المدارك، فظنَّ أن مدارك التعريف محصورةً في الأقوال والأفعال .. " (٣). وإذا كان تنقيح المناط وتمييزه عن غيره من الأوصاف غير المؤثِّرة لا يثبت إلا بتوقيفٍ من الشرع فحينئذٍ لابد من دليلٍ يستند إليه، وطريقٍ شرعيٍّ يثبت به هذا النوع من الاجتهاد. قال الآمدي: "وأما تنقيح المناط فهو: النظر والاجتهاد في تعيين ما دلَّ النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف، كلُّ واحدٍ بطريقه .. " (٤). ولما ساق قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان قيَّد الاجتهاد

стр. 125

في تنقيح مناط الحكم بالأدلة فقال: " فإنه وإن كان مؤمناً إليه بالنصِّ غير أنه يُفْتَقَرُ في معرفته عيناً إلى حذف كلِّ ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبيِّن أن كونه أعرابياً، وكونه شخصاً معيناً، وإن كون ذلك الزمان، وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجةً وامرأةً معينة لا مدخل له في التأثير بما يساعد من الأدلة في ذلك .. " (١). وهذه الأدلة التي يثبت بها تنقيح المناط يمكن أن يُطْلَق عليها مُسَمَّى "طرق تنقيح المناط" وذلك باعتبار أن الدليل هو: ما يُتَوصَّل به إلى المطلوب (٢)، وتلك هي الطرق الموصلة إلى تهذيب العِلَّة وتمييزها عن غيرها من الأوصاف المؤثِّرة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه. ومن أهم طرق تنقيح المناط ما يأتي: أولاً: استقراء عادة الشرع في إلغاء وصفٍ عن درجة الاعتبار وعدم إناطة الحكم به . ثانياً: الإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف عن درجة الاعتبار، أو ألغى خصوصه وأناط الحكم بما هو أعمّ منه. ثالثاً: كون الحُكْم ثابتاً في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف. وبيان هذه الطرق على النحو الآتي: أولاً: استقراء عادة الشرع في إلغاء وصفٍ عن درجة الاعتبار وعدم إناطة الحكم به: وذلك لأنه ليس في إناطة الحُكْم به مصلحة، فهو خالٍ من المناسبة (٣).

стр. 126

وهو ما يُطْلَقُ عليه عند الأصوليين بـ: "الوصف الطردي"، وينقسم إلى قسمين (١): الأول: ما هو طرديٌّ في جميع الأحكام، كالطول والقِصَر، والسواد والبياض، فلا يُعلَّل بها شيءٌ من أحكام الشرع. الثاني: ما هو طرديٌّ في بعض الأحكام، مع كونه معتبراً في بعضٍ آخر، كالذُّكورة والأنوثة، فإنهما وصفان طرديان بالنسبة إلى العتق، فلا يُعلَّل شيءٌ من أحكام العتق بذكورةٍ ولا أنوثةٍ، مع أنهما معتبران في بعض الأحكام كالميراث والشهادة ونحو ذلك. فإذا أثبت المجتهد كون الوصف طردياً، إما مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة أو بالنسبة إلى ذلك الحُكْم المطلوب، كان ذلك دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار. قال الآمدي في القسم الأول: " أن يكون ما يحذفه من جنس ما أَلِفْنَا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقِصَر والسواد والبياض ونحوه .. " (٢). ويقصد بذلك: طرد المحذوف مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة فلا يُعَلَّل بها حُكْمٌ أصلاً. وقال في القسم الثاني: " أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألِفْنَا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحُكْم المُعَلَّل، فيجب إلغاؤه .. " (٣).

стр. 127

ويقصد بذلك: طرد المحذوف بالنسبة إلى بعض الأحكام دون غيرها، كالذُّكورة والأنوثة في العتق، فإنهما لم يعتبرا فيه، فلا يُعْلَّل بهما شيءٌ من أحكام العتق، وإن اعتبرا في الشهادة والقضاء والإرث وولاية النكاح. وإثبات أن الوصف المحذوف مما عُلِمَ من عادة الشرع إلغاؤه وعدم إناطة الحُكْم به إنما يكون باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره، إما مطلقاً، وإما في جنس ذلك الحُكْم. قال الغزالي: " وإنما يُعْرَفُ أنه لا مدخل له في التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره .. " (١). وقال صفي الدين الهندي: " تُعْلَمُ العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع .. " (٢). وقال حُلولو المالكي (٣): "ويُعْرَفُ كون الوصف طردياً- أي: لامدخل له في التعليل- باستقراء موارد الشرع ومصادره إما مطلقاً، وإما في ذلك الباب المُتَكَلَّم فيه" (٤). فإذا استقرأ المجتهد أحكام الشرع وموارده ومصادره وحصل له من ذلك العلم أو غلب على ظنه بأن الشارع اعتبر أوصافاً وألغى أخرى وجب حينئذٍ على المجتهد أن يتصرَّف بتصرَّف الشريعة في جنس تلك الأحكام، فيُسقِط ما أسقطه الشارع من الأوصاف عن درجة الاعتبار، ويُبقِي الحُكْم منوطاً بالباقي من الأوصاف المؤثِّرة. قال الغزالي: " النظر في تنقيح المناط: بإلغاء بعض القيود والاختصاصات أو اعتبارها، والتدوار فيها على أمورٍ عُقِل من الشرع تأثيرها في الأحكام " (٥).

стр. 128

ومن الأمثلة على ذلك: تنقيح المناط بحذف الأوصاف الطردية المذكورة في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (١) بناءً على استقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في إلغاء تلك الأوصاف، وعدم اعتبارها مؤثِّرةً في تلك الأحكام. فوصف " الأعرابية " وصفٌ ملغيٌّ فيُلْحَق به غير الأعرابي؛ لأنه باستقراء أحكام الشرع وجد أنها لاتختصُّ بقومٍ دون آخرين. و" كون الموطوءة زوجة " وصفٌ ملغيٌّ - أيضاً - فيُلْحَق به المملوكة والمزني بها؛ لأنه باستقراء أحكام الشرع لا فرق بين كون الجماع في محلٍّ هو حلالٌ بملك النكاح أو اليمين أو هو حرامٌ كالأجنبية، وذلك باعتبار أن كلاً منهما جنايةٌ على الصوم. و" كون الوطء في عين ذلك الشهر " وصفٌ ملغيٌّ - أيضاً- فيُلْحَق به من وطئ في رمضان آخر، لأن أحكام الشرع إذا أُطْلِقَتْ لا تختصُّ بزمانٍ دون آخر. فهذه الأوصاف المذكورة في النصِّ إنما حُذِفَت لكونها أوصافاً طردية، عُلِمُ من عادة الشرع باستقراء أحكامه إلغاؤها، وعدم إناطة الأحكام بها. قال الغزالي: " هذه إلحاقاتٌ معلومةٌ تُبْتَنَى على تنقيح مناط الحُكْم بحذف ما عُلِم بعادة الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير " (٢). وقال - أيضاً-: " فهذه وجوهٌ من القيود والخصوص اتفقت في الواقعة التي فيها الحُكْم، وبعضها محذوفٌ لا مدخل له في الاقتضاء، وبعضها معتَبر، وبعضها مختلَفٌ فيه، والتدوار في الإلغاء والإبقاء على تأثيراتٍ معقولةٍ من مورد الشرع." (٣).

стр. 129

ومن الأمثلة على ذلك أيضاً -ولكن مما يختصُّ ببابٍ من الأحكام دون الأبواب الأخرى-: تنقيح المناط بحذف الوصف الطردي المذكور في حديث النبي ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ وكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدل " (١). فوصف الذُّكورة في قوله: " عبد " وصفٌ ملغيٌّ، حيث ثبت باستقراء موارد الشرع ومصادره في أحكام العتق خاصةً التسَوية بين الذكر والأنثى، وعدم اعتبار الذكورة والأنوثة من الأوصاف المؤثِّرة في ذلك، وإن كان لهما تأثيرٌ في بعض الأحكام الأخرى كولاية النكاح والقضاء والشهادة (٢). قال الغزالي: "الشارع إذا ذكر في باب العتق أحكاماً كثيرة. . . وهو في جميع ذلك يُجْري الذُّكور مجرى الأنثى ولا يلتفت إلى الاختلاف فيه أصلاً، فعدم تعرُّضه لهذا الاختلاف مرَّةً بعد أخرى على سبيل العَوْدِ والتكرار يفهمنا أن مدخل الذكورة فيه كمدخل السواد والبياض والطول والقِصَر والتركي والهندي، فبه نتجاسر على قولنا: الأَمَة في معنى العبد. . ." (٣). وقال الآمدي: " .. فإنه وإن أمكن تقرير مناسبةٍ بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذَّكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذُّكورة في السراية بخلاف ما عداه من الأحكام" (٤). وقال الطُّوفي: "لا تأثير للذُّكورة والأنوثة في هذا الحُكْم ونحوه في عُرْف الشرع وتصرُّفه، إذ هما وصفان طرديان كالسواد والبياض والطول والقِصَر والحُسْن والقبح، وإن كان للذُّكورية والأنوثية تأثيرٌ في الفرق في بعض الأحكام كولاية النكاح والقضاء والشهادة" (٥).

стр. 130

وبهذا يتبيَّن أن إثبات كون الوصف طردياً، إما مطلقاً في جميع الأحكام الشرعيَّة، أو بالنسبة إلى ذلك الحُكْم المطلوب، وذلك باستقراء عادة الشرع في موارده ومصادره يُعدُّ دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار. وإذا حُذِفَت الأوصاف الطردية التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ، وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف فقد تنقَّح المناط بدليله. ثانياً: الإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف ولم يعتبره مؤثِّراً في الحُكْم، أو ألغى خصوصه وأناط الحُكْم بما هو أعمَّ منه (١). ومثاله: تنقيح المناط بحذف وصف " الذكورة " الذي دلَّ عليه ظاهر قوله ﷺ : " إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل متاعه بعينه، فهو أحقُّ به" (٢)؛ وذلك لإجماع الأُمَّة على أن المرأة في معناه، ولا اعتبار لوصف " الذكورة " هنا؛ إذ لا مدخل له في العِلِّية؛ لأنه من الأوصاف الطردية (٣). ومثاله - أيضاً-: "تنقيح المناط بحذف خصوص وصف" الغضب" الذي دلَّ عليه ظاهر قوله ﷺ : "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" (٤)؛ وذلك لإجماع الأُمَّة على أن وصف "الغضب" وحْدَه ليس هو المقصود بإناطة الحُكْم، وإنما المقصود ما يحصل بسببه من التغيُّر الذي يختلُّ به النظر فلا يحصل استيفاء الحُكْم معه على الوجه المطلوب، فَيُحْذَف خصوص وصف "الغضب"، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، وهو "شغل القلب المانع من استيفاء

стр. 131

النظر"، فيُلْحَق به الجوع والعطش المُفْرِطَين وغَلَبَة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلُّقاً يشغله عن استيفاء النظر (١). وبهذا يتبيَّن أن الاستدلال بالإجماع على أن الشارع ألغى ذلك الوصف، ولم يعتبره مؤثراً في الحكم، أو ألغى خصوصه وأناط الحكم بما هو أعمّ منه يُعَدُّ دليلاً على حَذِف ذلك الوصف أو خصوصه عن درجة الاعتبار. وإذا حُذِف ذلك الوصف وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف، أو حُذِف خصوصه وأنيط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ استناداً إلى دليل الإجماع فقد تنقَّح المناط بدليله. ثالثاً: كون الحُكْم ثابتاً في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف (٢). وذلك لأن المُسْتَدِل إذا بيَّن أن الحُكْم ثابتٌ في إحدى صوره بالباقي من الأوصاف التي دلَّ عليها ظاهر النصِّ دون الوصف المحذوف عُلِمَ حينئذٍ أن ذلك الوصف غير مُعتبرٍ في الحُكْم. قال الآمدي: " ومنها - أي: من طرق الحذف - أن يُبَيِّن المُسْتَدِل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحُكْم في صورةٍ بدون الوصف المحذوف" (٣). أما الزركشي فقد صرَّح بهذا الطريق واعتباره دليلاً على تنقيح المناط حيث قال: " أن يدل لفظٌ ظاهرٌ على التعليل بمجموع أوصاف، فَيُحْذَف بعضها عن درجة الاعتبار؛ إما لأنه طردي، أو لثبوت الحُكْم على بقية الأوصاف بدونه، ويُنَاطُ بالباقي " (٤).

стр. 132

ومثاله: تنقيح المناط بحذف وصف " الأعرابية " الذي دلَّ عليه ظاهر النصِّ في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان (١)؛ وذلك لأن الحُكْم ثابتٌ بالباقي من الأوصاف دون ذلك الوصف، فعُلِم حينئذٍ أن وصف " الأعرابية " غير مُعتبَرٍ في الحُكْم، فَيُحْذَف وتُحْذَف كلُّ الأوصاف التي هي مثله، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف. وبهذا يتبيَّن أن ثبوت الحُكْم في صورةٍ ما بالباقي من الأوصاف دون الوصف المحذوف يُعدُّ دليلاً على حذف ذلك الوصف عن درجة الاعتبار. وإذا حُذِف ذلك الوصف وما هو مثله، وأنيط الحُكْم بالباقي من الأوصاف استناداً إلى ثبوت الحُكْم بها دون الوصف المحذوف فقد تنقَّح المناط بدليله.

стр. 133

الباب الثاني الاجتهاد في تخريج المناط ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: تعريف تخريج المناط لغةً واصطلاحاً. الفصل الثاني: حُكْم العمل بتخريج المناط، والأدلة على اعتباره. الفصل الثالث: مسالك تخريج المناط.

стр. 134

الفصل الأول تعريف تخريج المناط لغةً واصطلاحاً ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف تخريج المناط لغةً. المبحث الثاني: تعريف تخريج المناط اصطلاحاً. المبحث الثالث: بيان وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.

стр. 135

المبحث الأول تعريف تخريج المناط لغةً سأتناول في هذا المبحث تعريف تخريج المناط في اللغة، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف التخريج لغةً . لفظ "التخريج" في اللغة: يعود إلى الفعل الثلاثي "خَرَجَ"، وهو نقيض" دَخَلَ". والتخريج على وزن " تفعيل " بمعنى: الإخراج. وتُسْتَعْمَل هذه اللفظة في معنى: الإظهار والإبراز، سواءً للشيء نفسِه، أو أمرٍ معنويٍّ مُتَعَلِّقٍ به. يُقال: اخْتَرَجَهُ واسْتَخْرَجَهُ: إذا طلب إليه أو منه أن يَخْرُج. والاستخراج: الاستنباط (١). والإخراج أكثر ما يُقال في الأعيان، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥]. والتخريج أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات (٢).

стр. 136

المطلب الثاني: تعريف المناط لغةً: تقدَّم تعريف المناط في اللغة بأنه: اسم مكان الإناطة، وهو موضع التعليق. ومناط الشيء: المحلُّ الذي عُلِّق عليه (١). وبهذا يكون معنى " تخريج المناط " في اللغة: استخراج الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء.

стр. 137

المبحث الثاني تعريف تخريج المناط اصطلاحاً تخريج المناط اصطلاحاً هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (١). ومثاله: قوله ﷺ : " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل" (٢)، فإن هذا النصَّ لم يتضمن ما يدلُّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بالنظر والاجتهاد القائم على الدلائل الشرعيَّة، فيقال -مثلاً-: عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ الطعم، أو الاقتيات، أو الكيل، أو غير ذلك (٣). وهذا المعنى تكاد تتفق عليه تعريفات الأصوليين، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك في نوع المسلك أو الطريق الذي تُسْتَنْبَط به العِلَّة في تخريج المناط: هل يُقْتَصَرُ في " تخريج المناط " على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة، أو يشمل كلَّ مسالك العِلَّة الاجتهادية سواءً المناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران؟ وحاصل أنظار الأصوليين في الاصطلاح على ذلك تتمثل في اتجاهين: الاتجاه الأول: ذهب أصحابه إلى أن العِلَّة في تخريج المناط تُسْتَنْبَط بأي

стр. 138

مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة كالمناسبة (١)، أو السَّبْر التقسيم (٢)، أو الدوران (٣). وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح: العُكْبَري، والغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والأصفهاني، والقرافي، وصفي الدين الهندي، والإسنوي، وابن الهمام الحنفي، وتعريفاتهم على النحو الآتي: - عرَّفه العُكْبَري بقوله: " أن ينصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في مَحَلٍّ، ولا يتعرَّض لمناطه أصلاً، فيُسْتَنْبَط بالرأي والنظر" (٤). - وعرَّفه الغزالي بقوله: " أن يُحُكْم بتحريمٍ في محلٍّ - مثلاً - ولا يُذكر إلا الحُكْم والمحل، ولا يتعرَّض لمناط الحُكْم وعِلَّته، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (٥). - وعرَّفه ابن قدامة بقوله: " أن يَنُصَّ الشارعُ على حُكْمٍ في محلٍّ ولا يتعرض لمناطه أصلاً، فيُسْتَنْبَط المناط بالرأي والنظر" (٦). قال الأمين الشنقيطي: " وظاهر كلام المؤلِّف - أي: ابن قدامة - أن مراده بتخريج المناط هو استخراج العِلَّة بالاستنباط مطلقاً، فيدخل فيه السَّبْر والتقسيم، والدوران الوجودي والعدمي، مع المناسبة والإخالة " (٧). - وعرَّفه الآمدي بأنه: " النظر والاجتهاد في إثبات عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته " (٨).

стр. 139

- وعرَّفه الأصفهاني (١) بأنه: " استخراج عِلَّةٍ معينةٍ مع الدلالة على عِلِّتها بطرقها المذكورة " (٢). ويعني بـ" طرقها المذكورة ": مسالك العِلَّة الاجتهادية كالسَّبْر والتقسيم، والمناسبة، والدوران. - وعرَّفه القرافي بأنه: " تعيين العِلَّة من أوصافٍ غير مذكورةٍ في نصِّ الحُكْم " (٣). وظاهر التعريفات السابقة أن " تخريج المناط " - عند أصحاب هذا الاتجاه - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران. - وعرَّفه صفي الدين الهندي بأنه: " الاجتهاد والنظر في إثبات أصل عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا بالصراحة ولا بالإيماء " (٤). ولمَّا مثَّل على تخريج المناط باستنباط عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ والشعير قال: " .. لا يتصور قياس مطعومٍ بمطعوم؛ لاندراج الكلِّ تحت النصّ، أو الكيل أو الوزن، أو القوت أو صلاحية الادخار، لكن المجتهدين نظروا واجتهدوا في استنباط عِلَّته بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها فاستنبطوا عِلَّته، وقال كلُّ واحدٍ منهم بعليِّة ما أدى إليه اجتهادُه" (٥). وهذا نصٌّ صريحٌ في أن تخريج المناط - عند صفي الدين الهندي - يشمل استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران. - وعرَّفه الإسنوي بأنه: " استخراج عِلَّة معينةٍ للحُكْم ببعض الطرق المتقدِّمة كالمناسبة " (٦).

стр. 140

ويعني بقوله: " ببعض الطرق المتقدمة ": مسالك العِلَّة الاجتهادية كالمناسبة - وقد ذكرها - والسَّبْر والتقسيم، والدوران. وهذا - أيضاً - نصٌّ صريحٌ في أن تخريج المناط لا يقتصر على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة فقط، بل يشمل كلَّ المسالك الاجتهادية المُعْتَبرة. ويتضح من خلال النظر في التعريفات السابقة لـ " تخريج المناط" أن تلك التعريفات وإن كانت مختلفةً في بعض ألفاظها إلا أنها متقاربةٌ في معانيها، فأصحاب هذا الاتجاه يعتبرون أن " تخريج المناط " هو: الاجتهاد في استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته، وذلك بأي مسلكٍ من مسالك العِلَّة الاجتهادية، كالمناسبة، أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران. الاتجاه الثاني: ذهب أصحابه إلى أن تخريج المناط إنما يُطْلَقُ على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة دون غيره من المسالك الاجتهادية الأخرى. وقد ذهب إلى هذا الاصطلاح: ابن الحاجب (١)، وابن السبكي (٢)، والزركشي (٣)، والمرداوي (٤)، وابن النجار الفتوحي (٥)، والشوكاني (٦)، وعبدالله الشنقيطي (٧)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٨). قال ابن الحاجب: " الرابع - أي: من مسالك العِلَّة -: المناسبة والإخالة، ويُسَمَّى تخريج المناط، وهو: تعيين العِلَّة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنصٍّ ولا غيره " (٩).

стр. 141

وقد اسْتُدْرِك على ابن الحاجب تسميته مسلك المناسبة بـ " تخريج المناط"؛ وذلك لأن المناسبة هي دليل العِلَّة، وشأن الدليل ثبوته في نفس الأمر من غير اعتبار نظر المُسْتَدِل فيه سابق الوجود عليه، أما تخريج المناط فهو فعل المُسْتَدِل (١). وأجيب عن ذلك: بأن المناسبة دليل العِلَّة، وتخريج المناط إقامة الدليل، وكلٌّ من الدليل وإقامته يصح أن يُنْسَب إليه الثبوت المطلوب؛ لأن الدليل يثبت المطلوب بواسطة النظر، وإقامة الدليل الذي هو النظر فيه يثبت المطلوب، فهما كالشيء الواحد، فيصح إطلاق المسلك على كلٍّ منهما (٢). والظاهر من كلام ابن الحاجب أن المُسمَّى بتخريج المناط هو تخريج المناسبة لا المناسبة نفسها، لأنه عرَّف تخريج المناط بأنه "تعيين العِلَّة. . . الخ"، وتعيين العِلَّةً هو فعل المجتهد، أما المسلك في نفسه فهو الملائمة والموافقة بين الوصف المُعَيَّن والحُكْم (٣). ولهذا صرَّح ابن السبكي ومن تَبِعَهُ بأن تخريج المناط هو استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة. قال ابن السبكي: " الخامس - أي: من مسالك العِلَّة -: المناسبة والإخالة، ويُسمَّى استخراجها تخريج المناط، وهو: تعيين العِلَّة بإبداء مناسبةٍ مع الاقتران والسلامة عن القوادح " (٤). وقد وصف المحلِّي طريقة ابن السبكي في إطلاق مُسَمَّى " تخريج المناط" على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة بأنها " أقعد " من طريقة ابن

стр. 142

الحاجب الذي أطلق المُسمَّى على المسلك نفسه (١). ووجْهُ ذلك: أن المناسبة والإخالة معنيان قائمان بالوصف المناسب - وهو الملائمة والموافقة - فلا يناسبهما التسمية بتخريج المناط، ولا التعريف بتعيين العِلَّة؛ إذ التخريج والتعيين فعلان للمُسْتَدِل (٢). وبهذا يتضح أن أصحاب الاتجاه الثاني يعتبرون تخريج المناط بأنه: الاجتهاد في استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه دون عِلَّته، وذلك بمسلك المناسبة دون غيره من المسالك الاجتهادية الأخرى. تحليل اتجاهات الأصوليين والمقارنة بينها: من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في المسلك الذي تُسْتَنْبَط به العِلَّة في تخريج المناط تبيَّن لي الآتي: ١ - أن أصحاب الاتجاهين اتفقوا على أن تخريج المناط يختصُّ بالعِلَل المُسْتَنْبَطَة، فالعِلَّة غير مذكورةٍ في النصِّ لا صراحةً ولا إيماءً، وعلى المجتهد أن يقوم باستخراجها (٣). ٢ - أن الاختلاف بين الاتجاهين في المسلك الذي تُسْتَنْبَط به العِلَّة في تخريج المناط إنما يرجع إلى الاصطلاح، وليس له أثرٌ معنوي، فأصحاب الاتجاه الأول اصطلحوا على إطلاق مسمى " تخريج المناط " على استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة، وأصحاب الاتجاه الثاني اصطلحوا على إطلاق مُسمَّى " تخريج المناط " على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة دون غيره من المسالك الاجتهادية الأخرى، وهذا الاختلاف الذي

стр. 143

يعود إلى الاصطلاح ليس له أثرٌ في إثبات العِلِّيَّةِ أو نفيها بمسلكٍ أو بآخر، وإذا كان الأمر كذلك فلا مشاحةَ في الاصطلاح. ٣ - أن أصحاب الاتجاه الأول اعتبروا العلاقة بين الاصطلاح ومعناه، فتخريج المناط سُمِّي بذلك لأنه: استخراج ما نيط به الحُكْم من خفاء وهو العِلَّة (١)، وهذا المعنى يصدق على استنباط العِلَّة بأي مسلكٍ من مسالكها الاجتهادية المُعْتَبرة. أما أصحاب الاتجاه الثاني فقد أطلقوا مُسَمَّى " تخريج المناط " على استنباط العِلَّة بمسلك المناسبة فقط، وهذا يُعْتَبر اصطلاحاً أخصَّ من الأول، وهو أحد أفراد معانيه. ٤ - لم أجد أحداً من الأصوليين - حسب اطلاعي - ينازع صراحةً في إطلاق مُسمَّى " تخريج المناط " على استنباط العِلَّة بالسَّبْر والتقسيم أو الدوران أو أحد المسالك الاجتهادية الأخرى. فالعِلَّة تثبت في تلك المسالك بالاستنباط كما تثبت كذلك في مسلك المناسبة ولا فرق، وغاية ما يثبت عن أصحاب الاتجاه الثاني أنهم يطلقون مُسمَّى " تخريج المناط " على استخراج العِلَّة بمسلك المناسبة، ويُصرِّحون بذلك عند تعريفهم لمسلك المناسبة والإخالة كما سبق ذكره (٢). ولهذا فلا يَبْعُد أن يقال ذلك باعتبار أن المناسبة هي أهم مسالك العِلَّة الاجتهادية، أو يقال ذلك لأن باقي المسالك كالسَّبْر والتقسيم والدوران لا تستقل بالدلالة على العِلِّيِّة، بل لابد أن يَنْضَمَّ إليها المناسبة (٣). وبناءً على ما تقدَّم فإن الاصطلاح الذي سأعتمده في بحثي هو إطلاق مُسمَّى " تخريج المناط " على: " الاجتهاد في استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ

стр. 144

النصُّ أو الاجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلِّته لا صراحةً ولا إيماءً، وذلك بأي مسلكٍ من مسالك العِلَّة الاجتهادية المُعْتَبرة، كالمناسبة أو السَّبْر والتقسيم، أو الدوران ".

стр. 145

المبحث الثالث وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي تقدَّم أن " تخريج المناط " في اللغة يعني: استخراج الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء (١). وهو في المعنى الاصطلاحي غير خارجٍ عن وضع اللغة، إلا أنه يختصُّ باستخراج عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (٢). والمناسبة في التسمية بين المعنيين ظاهرة؛ إذ إنه لمَّا كان اللفظ لم يتعرَّض لمناط الحُكْم - وهو العِلَّة - واجْتُهِد بالبحث والنظر في استخراجه، ناسب تسميته اصطلاحاً بـ " تخريج المناط "؛ لأن المجتهد استخرجَ العِلَّةَ - هنا - من خفاء (٣). قال الزركشي: " وهو - أي: تخريج المناط - مُشْتَقٌ من الإخراج، فكأنه راجعٌ إلى أن اللفظ لم يتعرَّض للمناط بحال، فكأنه مستورٌ، أُخْرج بالبحث والنظر" (٤).
следующие страницы →