← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فَيُحْذَف خصوص الغضب، ويُنَاطُ النهي بالمعنى الأعمّ، فيشمل النهيُ كلَّ ما يشغل القلب ويمنع من استيفاء النظر، كالجوع والعطش المفرطين (١). القسم الثاني: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ بعضها يصلح للتعليل وبعضها لا يصلح، فَيُحْذَف ما لا يصلح للتعليل عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف. ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : "أعتق رقبة" (٢). فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كُلُّها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّيَّة فَتُحْذَف عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالوصف الباقي الصالح للتعليل، وهو " وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان "، فَيُلْحق بالأعرابي غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ جامع في رمضان آخر، ويُلْحَق به من وطِئَ أَمَتَه، ويُلْحَق به الزاني (٣). وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " بقسميه المذكورين آنفاً عند أصحاب هذا الاتجاه هو الاجتهاد في الحذف والتعيين. قال المحلِّي (٤): " وحاصله - أي: تنقيح المناط - أنه الاجتهاد في الحذف والتعيين " (٥). وهذا ظاهر؛ ففي القسم الأول يُجْتَهَدُ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ، وفي القسم

стр. 72

الثاني يُجْتَهَدُ في حذف بعض الأوصاف، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم. المذهب الثاني: تعريف " تنقيح المناط " على أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم. - وقد عرَّفه بذلك البيضاوي، فقال: "تنقيح المناط: بأن يبيِّن إلغاء الفارق" (١). قال شارحه الإسنوي (٢): " هو: أن يبين المُسْتَدِل إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، وحينئذٍ فيلزم اشتراكهما في الحُكْم " (٣). - وعرَّفه القرافي بقوله: " هو: إلغاء الفارق، فيشتركان - أي: الاصل والفرع - في الحُكْم " (٤). - وعرَّفه صفي الدين الهندي (٥) بأنه: " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق " (٦). - وعرَّفه صدر الشريعة الحنفي بقوله: " أن يبين عدم عِلِّيَّة الفارق؛ ليثبت عِلِّيَّه المشترك " (٧). - وعرَّفه الشوكاني بأنه: " إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق " (٨). ومثاله: إلغاء الوصف الفارق بين الأَمَة والعبد في قوله ﷺ : "مَنْ أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ، فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوِّم عليه قيمة عدل، فأَعطَى شركاءَه حصَصَهُمْ، وعَتَقَ عليه، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ " (٩) فهذا النصُّ لا

стр. 73

يتناول الأَمَة، ولا فارق بين العبد والأَمَة إلا الذُّكورة، وهو ملغيٌّ في باب العتق بالإجماع؛ إذ لا مدخل له في العِلِّية، وإن كان للذكورة والأنوثة تأثيرٌ في الفرق في بعض الأحكام كولاية النكاح والقضاء والشهادة (١). وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " عند أصحاب هذا المذهب هو: الاجتهاد في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، وحذفه عن درجة الاعتبار، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم. المقارنة بين التعريفات: من خلال التأمل في التعريفات التي سبق إيرادها ضمن الاتجاهين المذكورين يتبين لي الآتي: أولاً: إن تعريف " تنقيح المناط " على أنه من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه يُعْتَبر أرجح من تعريفه على أنه دليلٌ تثبت به العِلَّة فيُعَدُّ مسلكاً من مسالكها؛ لأن العِلَّة - هنا- ثبتت بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، واقترنت بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية، فاحتيج إلى تهذيبها وتمييزها عن تلك الأوصاف غير المُعْتَبَرة، وهو اجتهادٌ لا يُعْتَبر في ذاته دليلاً على العِلَّة؛ لأنه من أفعال المجتهد، أما دليل ثبوت العِلَّة فهو مسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، ومن شأن الدليل أن يكون ثابتاً في نفسه مع قطع النظر عن فعل المجتهد (٢). قال الغزالي: " والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرِف المناط بالنصِّ لا بالاستنباط " (٣). ولهذا المعنى فقد قيَّد الآمدي تنقيح المناط بالاجتهاد في تعيين ما دل

стр. 74

النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، فعرَّفه بأنه: " النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف" (١). وتنقيح المناط ليس هو طريق استخراج العِلَّة، وإنما هو طريق تمييزها وتهذيبها بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه. قال صفي الدين الهندي: " وحاصله - أي: تنقيح المناط - يرجع إلى أن تصرَّف المجتهد فيه إنما هو في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحُكْم به، دون استنباطه وتخريجه " (٢). ثانياً: إن الاجتهاد في " تنقيح المناط " إما أن يتجه إلى حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ لعدم اعتباره، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ، أو يتجه إلى حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ لعدم تأثيرها في الحُكْم، وإناطة الحُكْم بالباقي من الأوصاف. وفي كلتا الحالتين فإن الاجتهاد في الحذف والتعيين قد يكون بإلغاء الفارق أو بالسَّبْر والتقسيم، وإن كان النظر يتوجه في الأصل إلى الحذف والتعيين، لا إلى إلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم. قال المطيعي (٣): " فالمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الأول هو حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصّ على عليَّته صريحاً أو إيماءً، وإن كان يلزمه إلغاء الفارق أو السَّبْر أيضاً، لكنه غير منظورٍ إليه، والمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الثاني مجرد الأوصاف التي في محلِّ الحُكْم، ولا يجب عليه الحصر، فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي، وإن كان يلزم إلغاء الفارق والسَّبْر والتقسيم لكنه غير منظورٍ إليه " (٤). وعلى هذا فإن تعريف " تنقيح المناط " بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في الحذف

стр. 75

والتعيين أرجح من تعريفه بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق؛ لأن الحذف والتعيين هو الأصل الذي يتوجه إليه الاجتهاد في " تنقيح المناط "، وقد يكون ذلك بإلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم كما سيأتي بيانه (١). ثالثاً: إن الاجتهاد في إلغاء الفارق لا يُحْتَاج معه إلى الوصف الجامع بين الأصل والفرع وهو العِلَّة، بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به والمسكوت عنه فرقٌ يؤثر في الحُكْم ألبتة، فهو مثله في الحُكْم؛ لأن الإلحاق بنفي الفارق لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةً، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (٢). أما الاجتهاد في الحذف والتعيين فإن الباقي من الأوصاف هو الذي يتعين عِلَّةً للحُكْم، وذلك بعد حذف الأوصاف غير المؤثرة. ومع اختلاف الطريقة في كلٍّ منهما إلا أن نتيجتهما تُلْزِم بالتسوية بين الأصل والفرع في الحُكْم؛ لاشتراكهما في الموجب له، غير أن العِلَّة في الطريقة الأولى لم تتعين، وإنما حصل الإلحاق بمجرد إلغاء الوصف الفارق، وفي الطريقة الثانية تعين الباقي من الأوصاف المذكورة في النصِّ عِلَّة للحُكْم بعد حذف الأوصاف غير المُعْتَبَرة. ولهذا فقد أطلق بعض الأصوليين كتاج الدين ابن السُّبكي (٣)، وصفي الدين الهندي (٤) مُسمىَّ " تنقيح المناط " على إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق. كما اعتبر بعض الأصوليين "إلغاء الفارق" ضرباً من " تنقيح المناط ". قال الطُّوفي: " لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحاً؛ إذ إنَّ التنقيح هو

стр. 76

التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف ويخلص للعِلِّيَّة، فلا يكون هذا قولاً ثانياً في تنقيح المناط كما قال القرافي، بل يكون إلغاء الفارق ضرباً من تنقيح المناط" (١). وقال صاحب " نشر البنود " (٢): " وهو - أي: إلغاء الفارق - عند التحقيق قسمٌ من تنقيح المناط؛ لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق، وقد يكون بدليلٍ آخر ". ولما ذكر الأمين الشنقيطي (٣) أنواع الاجتهاد الذي دلَّت عليه نصوص الشرع قال: " ومنها: الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه: السَّبْر والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق " (٤). وعند قول الناظم في مراقي السعود: فمنه ما كان بإلغاء الفارق ... وما بغير من دليلٍ رائقِ قال في شرحه: " يعني أن من تنقيح المناط قسماً يقال له إلغاء الفارق، فَسُمِّيَ تنقيح المناط وإلغاء الفارق " (٥). ومن خلال ما تقدم ذكره يُسْتَخْلَص ما يأتي: ١ - يُعْتَبر " تنقيح المناط " من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، ولا يُعْتَبَر بذاته دليلاً تثبت به العِلَّة. ٢ - الأصل في " تنقيح المناط " أنه اجتهادٌ في الحذف والتعيين، وله صورتان: الأولى: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ. الثانية: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ بعضها

стр. 77

يصلح للتعليل وبعضها لا يصلح للتعليل، فَيُحْذَف ما لا يصلح للتعليل عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف. ٣ - الاجتهاد في الحذف والتعيين قد يكون بإلغاء الفارق (١)، وقد يكون بالسَّبْر والتقسيم كما سيأتي بيانه في مواضعه (٢). التعريف المختار: بعد استعراض تعريفات الأصوليين والمقارنة بينها يظهر لي أن التعريف الأرجح لـ"تنقيح المناط " هو الذي يجمع بين الصورتين الداخلتين تحت هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة وهو: " أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لامدخل لها في العِلِّيَّة، فَتُحْذَف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي". وأصل هذا التعريف مُسْتَخْلَصٌ من تعريف تاج الدين ابن السُّبكي في " جمع الجوامع " (٣)، مع اعتبار أن " تنقيح المناط " من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، لا باعتبار أنه مسلكٌ مستقِلٌ من مسالك العِلَّة. وفيما يأتي شرحٌ للتعريف وبيانٌ لأهم محترزاته: قوله: (أن يدلَّ نصٌّ) المقصود بالنصِّ - هنا -: اللفظ الوارد في الكتاب أو السُّنَّة، وليس المراد منه ما يقابل الظاهر. قوله: (ظاهرٌ) قيدٌ يخرج النصَّ الصريح الذين يُعَيِّن العِلَّة، وهو ما صرَّح الشارع فيه بكون الوصف عِلَّةً للحُكْم من غير احتياجٍ فيه إلى نظرٍ واستدلال، كما لو قال: العِلَّة كذا أو لأجل كذا (٤).

стр. 78

كقوله ﵊: " إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر" (١). قوله: (على التعليل بوصفٍ) أي: على تعليل الحُكْم المذكور في النصِّ بوصفٍ من الأوصاف. قوله: (فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار) أي: يُلغي المجتهد خصوص ذلك الوصف عن اعتباره عِلَّةً في الحُكْم؛ لأن ذلك الوصف ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه. قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ) أي: يُعلَّق الحُكْم وجوداً وعدماً سواءٌ كان أمراً أو نهياً بالمعنى الأوسع الذي ثبت بالشرع اعتباره وصفاً مؤثراً في الحُكْم. قوله: (أو) للتنويع، وذلك ليشمل التعريف الصورتين الداخلتين تحت " تنقيح المناط ". قوله (يقترن بالحُكْم أوصاف) أي: يقترن بالحُكْم المذكور في النصِّ مجموع أوصاف. قوله: (لا مدخل لها في العِلِّيَّة) أي: لا تأثير لتلك الأوصاف في الحكم؛ إما لكونها طرديةً كالطول والقصر، أو لثبوت الحُكْم بدون تلك الأوصاف، أو لغير ذلك كما سيأتي بيانه في طرق تنقيح المناط (٢). قوله: (فَتُحْذَف عن الاعتبار) أي: فيُلْغِي المجتهد اعتبار تلك الأوصاف عِلَّةً للحُكْم؛ لعدم اعتبار الشارع لها. قوله: (ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي) أي: يُعلَّق الحُكْم وجوداً وعدماً بالباقي من الأوصاف التي لم تُحْذَف؛ لكونها أوصافاً صالحةً للتأثير في الحُكْم.

стр. 79

المبحث الثالث وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي تقرَّر فيما سبق أن " تنقيح المناط " في اللغة يعني: تهذيب وتشذيب الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء، وتخليصه مما ليس منه (١). وهو في التعريف الاصطلاحي غير خارجٍ عن وضع اللغة، ولكنه يختصُّ بتهذيب العِلَّة وتشذيبها من الأوصاف المختلِطة بها التي لا تصلح للعِلَّيَّة (٢). ولهذا المعنى اصطلح علماء الأصول على تلقيبه بـ " تنقيح المناط " قال الزركشي: " ولما كانت هذه العِلَّة منصوصاً عليها، ولكنها تختلط بغيرها محتاجةً إلى ما يميُّزها لقَّبوه بهذا اللقب " (٣). وقال القرافي: " لأنه - أي: تنقيح المناط - تصفيةٌ وإزالةٌ لما لا يصلح عما يصلح، وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاحٌ مناسب " (٤).

стр. 80

الفصل الثاني حكم العمل بتنقيح المناط والأدلة على اعتباره ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: حكم العمل بتنقيح المناط. المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتنقيح المناط.

стр. 81

المبحث الأول: حكم العمل بتنقيح المناط: اتفق الأصوليون على العمل بـ "تنقيح المناط"، إما باعتباره مسلكاً من المسالك التي تثبت بها العِلَّة (١)، أو باعتباره طريقاً من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه (٢). وبالاستقراء والتتبع لم أجد -حسب اطلاعي- أحداً من الأصوليين حكى الخلاف في العمل بـ "تنقيح المناط"، بل إن بعضهم يثبت العمل به عند أكثر منكري القياس. قال الغزالي: "أَقرَّ به أكثر منكري القياس" (٣). وقال الطُّوفي: "أكثر منكري القياس استعملوا هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة، وهو تنقيح المناط" (٤). وقال ابن تيمية: " وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه، نعم قد يختلفون في نفس الموجِب: هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها، وهو نوعٌ من تنقيح المناط " (٥).

стр. 82

وقال أيضاً: "وهذا النوع يُقرُّ به كثيرٌ من منكري القياس أو أكثرهم" (١). وقال ابن النجَّار: "وقد أَقرَّ به أكثر منكري القياس" (٢). وقال ابن عبدالشكور البهاري (٣): "وهو مقبولٌ عند الكلِّ" (٤). وقال المطيعي: "وهو مقبولٌ عند كلِّ أهل المذاهب من أهل الحق" (٥). وقال الأمين الشنقيطي: "إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسمِّيه الشافعي في معنى الأصل، وهو تنقيح المناط" (٦). وقد يتصور بعض العلماء وقوع الخلاف في العمل بتنقيح المناط من بعض منكري القياس، وذلك بحُجَّة أنه لا معنى لتنقيح العِلَّة عند من لا يقول أصلاً بتعليل الأحكام. ولهذا لما حكى الزركشي عن الغزالي قوله: " تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس، ولا نعرف بين الأُمَّة خلافاً في جوازه" تعقَّبه بقوله: "ونازعه العَبْدَري (٧) بأن الخلاف فيه ثابتٌ بين من يثبت القياس ومن ينكره؛ لرجوعه إلى القياس" (٨). وفيما ذكر العَبْدَري -نقلاً عن الزركشي- نظر؛ لأن " الذين نفوا القياس لم يقولوا بإهدار كلِّ ما يُسمَّى قياساً، وإن كان منصوصاً على عِلَّته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحنه على اصطلاح من يُسمِّى ذلك قياساً، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل، مشمولاً به مندرجاً تحته " (٩).

стр. 83

وقال ابن تيمية (١): " وكثيرٌ من الفقهاء لا يسمِّيه قياساً، بل يثبتون به الكفارات والحدود، وإن كانوا لا يثبتون ذلك بالقياس، فإنه هنا قد عُلِمَ يقيناً أن الحُكْم ليس مخصوصاً بمورد النصِّ، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق كما يمكن ذلك في صور القياس المحض " (٢). ولهذا قال الغزالي: " فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يَخْفَ فسادُ كلامه " (٣). وقال أيضاً: " ولذلك لا يُتَصَّور الخلاف من القائسين في هذا الجنس" (٤). وقال الأمين الشنقيطي: " لا ينكره - أي: تنقيح المناط - إلا مكابر" (٥). ومع اتفاق العلماء على اعتبار العمل بـ " تنقيح المناط " إلا أنهم اختلفوا في تسميته، وهل هو من باب القياس أو لا؟ أما جمهور الأصوليين فقد اصطلحوا على تسميته بـ "تنقيح المناط" (٦)، واعتبروه قياساً خاصاً مندرجاً تحت مُطْلَق القياس (٧). قال صفي الدين الهندي: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامٌّ يتناوله وغيرَه " (٨). بينما اصطلح الحنفية على تسميته بـ" الاستدلال "، وفرَّقوا بينه وبين القياس: بأن القياس يجري فيه إلحاق الفرع بالأصل بذكر الجامع الذي لا

стр. 84

يفيد إلا غَلَبَة الظن، أما الاستدلال فيكون بإلغاء الفارق لما ثبت عِلَّته بالنصِّ بحذف خصوص عِلَّة النصِّ، وهذا يفيد القطع، فيكون أقوى من القياس، فلذا أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخِه (١). قال الغزالي: " والمقصود: أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرِف المناط بالنصِّ لا بالاستنباط، ولذلك أَقَرَّ به أكثر منكري القياس، بل قال أبو حنيفة ﵀ لا قياس في الكفارات، وأثبت هذا النمط من التصرف، وسمَّاه استدلالاً " (٢). وقال ابن قدامة: " وأجراه أبو حنيفة في الكفارات مع أنه لا قياس فيها عنده " (٣). وقال صفي الدين الهندي: " وهذا الذي يُسَمِّيه الحنفية بالاستدلال، ويفرِّقون بينه وبين القياس بأن يخصصون اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا غَلَبَة الظن، والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع، حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه، فجوَّزوا الزيادة على النصِّ به، ولم يجوَّزوا نسخَه بخبر الواحد " (٤). وقال ابن تيمية: "وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنيفة وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعلمون فيها القياس " (٥). وقال الإسنوي: " وهذا النوع عند الحنفية يُسَمُّونه بالاستدلال، وليس عندهم من باب القياس " (٦).

стр. 85

وقال ابن النجَّار الفتوحي: "وأجراه أبو حنيفة في الكفارات مع منعه القياس فيها" (١). وقال ابن عبدالشكور البهاري: "وهو مقبولٌ عند الكلِّ إلا أن الحنفية لم يصطلحوا على هذا الاسم، كما لم يضعوا تخريج وتحقيق المناط للنظر في تعرُّف تحُّقِقها في الجزئيات مع الاتفاق في المُسَمَّى " (٢). وقال ابن العطَّار (٣): "إن أبا حنيفة يستعمل تنقيح المناط في الكفارة وإن منع القياس فيها لكنَّه لايسمِّيه قياساً بل استدلالاً" (٤). وبهذا يتضح من خلال ما تقدَّم أن الحنفية يتفقون مع الجمهور على اعتبار تنقيح المناط والعمل به، إلا أنهم اصطلحوا على تسميته بـ "الاستدلال"، وفرَّقوا بينه وبين القياس بأن القياس ما أُلْحقَ فيه حُكْمٌ بآخر بجامعٍ يفيد غَلَبَة الظن، والاستدلال ما أُلْحِقَ فيه ذلك بإلغاء الفارق المفيد للقطع. وقد اعتذر بعض الحنفية عن عدم ذكرهم " تنقيح المناط " بأن مرجعه إلى النصِّ؛ ولم يضعوا له اسماً اصطلاحياً مع العمل به. قال ابن الهمام الحنفي: "واعتذر بعض الحنفية عن عدم ذكرهم تنقيح المناط بأن مرجعه إلى النصِّ، ولا شك أن معنى تنقيح المناط واجبٌ على كلِّ مجتهدٍ حنفيٍّ وغيره، وإلا مُنِع الحُكْم في موضع وجود العِلَّة، غير أنَّ الحنفية لم يضعوا له اسماً اصطلاحياً كما لم يضعوا المفرد وتخريج المناط وتحقيقه مع العمل بها في الكلِّ" (٥). ولا شك أن المعاني إذا تحرَّرَت فلا مشاحة في الإصطلاح، ولكن لابدَّ في الاصطلاح من استعمال لفظٍ لا يلتبس معناه أو بعضه مع غيره، وأجدر اصطلاح بالمعنى الذي سبق تقريره هو "تنقيح المناط"؛ لأن تنقيح الشيء:

стр. 86

تهذيبه، وتنقيح المناط: تهذيب العِلَّة وتمييزها من بين عِدَّة أوصافٍ لا مدخل لها في العِلِّية، وهذا اصطلاحٌ مناسب (١). ولهذا قال الغزالي: " نرى أن يُلَقَّب هذا القياس بتنقيح مناط الحُكْم ومُتَعَلَّقِه" (٢). أما تفريق الحنفية بينه وبين القياس بأن القياس ما أُلْحِقَ فيه حُكْمٌ آخر بجامعٍ يفيد غَلَبَة الظن، والاستدلال ما أُلْحِقَ فيه الحُكْم بإلغاء الفارق المفيد للقطع، فقد أجاب عنه صفي الدين الهندي بقوله: " والحقُّ أن تنقيح المناط قياسٌ خاصٌّ مندرجٌ تحت مُطْلَق القياس، وهو عامُّ يتناوله وغيرَه، وكلُّ واحدٍ من القياسين- أعني ما يكون الإلحاق بذكر الجامع وبإلغاء الفارق - يُحْتَمَلُ أن يكون ظنياً وهو الأكثر؛ إذ قلما يوجد الدليل القاطع على أن الجامع عِلَّة، أو أن ما به الامتياز لا مدخل له في العِلِّية، وقد يكون قطعياً بأن يوجد ذلك فيه، نعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي فيه الإلحاق بذكر الجامع، لكن ليس ذلك فرقاً في المعنى بل في الوقوع، وحينئذٍ ظهر أنه لا فرق بينهما في المعنى " (٣). وذهب الأبياري (٤) وابن تيمية إلى أن " تنقيح المناط " خارجٌ عن باب القياس المتنازع فيه، وهو راجعٌ إلى نوعٍ من تأويل الظواهر يتناول كلَّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ معينةٍ مع العلم بأنه لا يختص بها، فيحتاج أن يُعْرف المناط الذي تعلَّق به ذلك الحُكْم. قال الأبياري: " هو خارجٌ عن القياس، وكأنه يرجع إلى تأويل الظواهر" (٥). وقال ابن تيمية: " وهذا بابٌ واسع، وهو متناولٌ لكلِّ حُكْمٍ تعلَّق بعينٍ

стр. 87

معينةٍ مع العلم بأنه لا يختصُّ بها، فيحتاج أن يُعَرْف المناط الذي يتعلَّق به الحُكْم، وهذا النوع يُسَمِّيه بعض الناس قياساً، وبعضهم لا يُسَمِّيه قياساً، ولهذا كان أبو حنفية وأصحابه يستعملونه في المواضع التي لا يستعملون فيها القياس، والصواب أن هذا ليس من القياس الذي يمكن فيه النزاع " (١). وقال أيضاً في موضعٍ آخر: " تنقيح المناط: بأن يُنَصَّ على حُكْم أعيانٍ معينةٍ لكن قد علمنا أن الحُكْم لا يختصُّ بها، فالصواب في مثل هذا أنه ليس من باب القياس؛ لاتفاقهم على النصِّ، بل المعين هنا نصَّ على نوعه، ولكنَّه يحتاج إلى أن يُعْرَفَ نوعه " (٢).

стр. 88

المبحث الثاني الأدلة على اعتبار العمل بـ "تنقيح المناط " تقرَّر فيما تقدَّم أن العلماء اتفقوا على اعتبار العمل بـ " تنقيح المناط"، وهو اتفاقٌ على أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد، لا على اجتهادهم الذي قد ينتج عنه اختلافهم في إلغاء بعض الأوصاف أو اعتبارها، كما في قصة الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان فقال له النبي ﷺ : " أعتق رقبة " (١)، حيث اختلف الفقهاء في تنقيح مناط الحُكْم وهو "وجوب الكفارة". فالحنفية (٢)، والمالكية (٣): حذفوا خصوص وصف " المواقعة " عن الاعتبار، وأناطوا الحُكْم بالمعنى الأعمِّ الذي هو "إفساد الصوم بالإفطار". أما الشافعية (٤)، والحنابلة (٥): فقد حذفوا بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ التي لا تصلح للعِلَّية، مثل: كونه أعرابياً، وكون الموطوءة زوجته، وكون الوطء في ذلك الشهر بعينه، ونحو ذلك، وأناطوا الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وهو: "وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان". قال البروي (٦): "حذف أبو حنيفة ﵁ خصوص الوقاع حتى أوجب الكفارة بالأكل والشرب، وهذا كلُّه من باب تنقيح المناط، غير أن

стр. 89

الشافعي ﵁ ينازعه في دليل الحذف، وإلا فهما متفقان على صحة هذا النوع من النظر" (١). وقال ابن تيمية: " وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه، نعم قد يختلفون في نفس الموجِب: هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها" (٢). وتتلخص أدلة اعتبار العمل بـ"تنقيح المناط" في الآتي: ١ - إذا كان الحُكْم مُعَلَّلاً وَجَبَ على المجتهد البحث عن عِلَّة الحُكْم، وإذا أُثْبِتَتْ العِلَّة بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه ثم اقترنت بها أوصافٌ ليس لها تأثيرٌ في الحُكْم وجب على المجتهد تهذيب الوصف الذي تعلَّق به الحُكْم؛ حتى تتعين العِلَّة، ولا يدخل فيها من الأوصاف ما ليس له مدخلٌ في التأثير أو يخرج منها ما هو من الأوصاف المُعْتَبرة، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة، أو أُثْبِتَ في غير مواضع وجودها. قال ابن الهمام الحنفي: " ولا شك أن معنى تنقيح المناط واجبٌ على كلِّ مجتهدٍ حنفيٍّ وغيرِه، وإلا مُنِعَ الحُكْم في موضع وجود العِلَّة" (٣). قال الشارح ابن أمير بادشاه (٤): " فيمنع وجوب الكفارة على غير الأعرابي، وعلى من جامع في رمضان غير أهله؛ لعدم حذف الزوائد من الصفات التي لا مدخل لها في العِلَّة " (٥). ٢ - إن المجتهد إذا علم يقيناً أو غلب على ظنِّه أن الحُكْم ليس مخصوصاً بما ورد في النصِّ من أوصافٍ اقترنت بالحُكْم، بل يتعلَّق بمعنىً أعمَّ فلا يجوز حينئذٍ للمجتهد أن ينفي الحُكْم عن غير ما ورد به النصِّ؛ لأن في ذلك تخصيصاً للحُكْم لم يقصده الشارع. فقوله ﷺ : " لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان " (٦)، يدل ظاهراً على

стр. 90

أن الحُكْم مُعَلّلٌ بوصف " الغضب "، إلا أنه ثبت بالنظر والاجتهاد أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف، بل يشمل كلَّ ما يُشْغِل القلبَ ويمنع من استيفاء النظر، فإذا عُلِمَ يقيناً أو غلب على الظن أن الحُكْم ليس مخصوصاً بذلك الوصف لذاته، بل يتعلَّق بالمعنى الأعمِّ الذي هو لازمه، فإنه لا يجوز حينئذٍ للمجتهد نفي الحُكْم عما سواه مما هو في معناه. قال ابن تيمية: " فإن - هنا - قد عُلِم يقيناً أن الحُكْم ليس مخصوصاً بمورد النصِّ، فلا يجوز نفيه عما سواه بالاتفاق " (١). ٣ - إن الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا حصل التساوي بين صورتين ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظنُّ القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم، فإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بذلك وجبت التسوية بينهما في الحُكْم، وإذا حصل اعتقادٌ أو ظنٌ غالبٌ بوجود الفرق بينهما وجبت التفرقة بينهما أيضاً في الحُكْم؛ لأنه لا يجوز التفريق بين المتماثلات والتسوية بين المختلفات، لا شرعاً ولا عقلاً ولاعادةً (٢). والإلحاق بنفي الفارق أحد صور تنقيح المناط إذا تهذَّبت العِلَّة وتعيَّنت، كما سيأتي بيانه في العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق (٣).

стр. 91

الفصل الثالث العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً. المبحث الثاني: أقسام إلإلحاق بإلغاء الفارق. المبحث الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.

стр. 92

المبحث الأول تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً سأتناول في هذا المبحث تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً . الإلغاء في اللغة هو (١): الإبطال والإسقاط. يقال: ألغيت الشيء، إذا أبطلته وأسقطته. ويقال: ألغيت هذه الكلمة، إذا رأيتها باطلاً أو فضلاً. ويقال: ألغاه من العدد، إذا ألقاه منه. والفارق في اللغة (٢): اسمُ فاعلٍ، من فرَّق بين الشيئين: إذا فَصَلَ بينهما. والفَرْق: خلاف الجمع، فَرَقه يَفْرقُه فَرْقاً وفَرَّقه. وفَارَقَ الشيء مُفَارقةً وفِراقاً: باينه. قال ابن فارس: " الفاء والراء والقاف أصلٌ صحيح يدل على تمييزٍ وتزييلٍ بين شيئين " (٣).

стр. 93

والفارق من الناس: الذي يَفرِق بين الأمور، أي: يَفْصِلُها. والفارق من الإبل: التي تفارق إِلْفَها فَتَنْتِجُ وحْدَها. وقيل: هي التي أخذها المخاض فذهبت نادَّةً في الأرض (١). المطلب الثاني: تعريف إلغاء الفارق اصطلاحاً . إلغاء الفارق اصطلاحاً هو: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (٢). وتوضيحه أن يقال: لا فارق بين الأصل والفرع إلا كذا، وهو مُلْغَى؛ لأنه غير مؤثِّرٍ في الحُكْم، فيلزم اشتراكهما في ذلك الحُكْم؛ لاشتراكهما في الموجِب له. ومثاله: إلحاق الأَمَة بالعبد في السراية الثابتة في قوله ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قوِّم عليه قيمة عدلٍ، فأَعطى شركاءَه حصَصَهم وعَتَقَ عليه العبد، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عتق " (٣). فالفارق بين الأَمَة والعبد الأنوثة، ولا تأثير لها في منع السراية، فتثبت السراية فيها لِما شاركت فيه العبد (٤). وهذا المعنى يُطْلِقُ عليه جمهور الأصوليين مُسمَّى "إلغاء الفارق"، أو

стр. 94

" نفي الفارق " وذلك بالنظر إلى أنه لا فارق مؤثِّرٌ بين الأصل والفرع، فيشتركان في الحُكْم (١). كما يُطْلِقُون عليه مُسَمَّى " القياس في معنى الأصل " وذلك إذا كان القياس بإلغاء الفارق، باعتبار أن الفرع فيه بمنزلة الأصل؛ لأنه في معناه فيؤخذ حكمه، وهو راجعٌ إلى أنه لا أثر للفارق (٢). ويُطْلِقُون عليه - أيضاً - مُسَّمَى " القياس الجلي " وذلك إذا قُطِعَ فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو " القياس الخفي " إذا لم يُقْطَعْ فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع بل كان مظنوناً (٣) كما سيأتي بيانه في أقسام إلغاء الفارق (٤). ويُعَدُّ الإلحاق بإلغاء الفارق عند جمهور الأصوليين من أقسام القياس كما هو ظاهرٌ في تسميته بـ" القياس في معنى الأصل"، و" القياس الجلي"، و " القياس مع نفي الفارق "، وذلك لأن إلحاق الفرع بحُكْم الأصل - عندهم - له طريقان (٥): الأول: أن لا يُتَعَرَّض إلا للفارق بين الفرع والأصل، فيُعْلَم أنه لا فارق بينهما إلا فرقٌ غير مؤثرٍ في الشرع، فلا فرق حينئذٍ بينهما في الحُكْم. قال الغزالي: " وهذا إنما يحسُن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل،

стр. 95

كقرب الأَمَة من العبد؛ لأنه لا يحتاج التعرُّض للجامع؛ لكثرة ما فيه من الاجتماع " (١). الثاني: أن يُتَعَرَّض للوصف الجامع فيثبته في الأصل، ويظهر تأثيره في الحُكْم، ثم يبيِّن وجوده في الفرع، ولا يُلْتَفَت إلى الفوارق غير المؤثرة وإن كَثُرَت. وذهب الحنفية إلى عدم اعتبار " نفي الفارق " من القياس، وسمَّوه "استدلالاً"؛ وذلك لمنافاته عندهم حقيقة القياس، إذ إنَّ حقيقته التسوية بين أمرين، وهو حاصلٌ في القياس الذي يُبْنَى على العِلَّة ابتداءً، وهذا لم يُبْنَ على العِلَّة، وإنما قُصِدَ فيه نفي الفرق ليس إلا، فحصل الاجتماع بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فلم يكن على صورة المقايسة. (٢) قال ابن الهمام الحنفي: "ولا يخفى أن هذا تقسيمٌ لما يطلق عليه لفظ القياس؛ إذ الجمع بنفي الفارق ليس من حقيقته " (٣). وما ذكره الحنفية لا يُخْرِج الإلحاقَ بنفي الفارق عن كونه قياساً؛ لأنه " إن نُظِرَ إلى العِلَّة فهي واحدةٌ في الصورتين، أعني صورة التي ذُكِر الجامع فيها والتي تُعُرِّض فيها لنفي الفارق، وإن نُظِرَ إلى ما فيه العِلَّة فهما صورتان مختلفتان، إذ صورة الإفطار بالجماع غير صورة الإفطار بالأكل والشرب قطعاً، غاية ما في الباب أنه يُظَنُّ اتحاد العِلَّة في الصورة الأولى بالمناسبة أو بغيرها من الطرق من غير تعرُّضٍ لنفي ما عداها، فيحصل الجمع بين الصورتين بالقصد الأول، وفي الثانية تُعْلَم العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع، فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني، وذلك لا يُخْرِجُه عن كونه قياساً " (٤).

стр. 96

وأياً كانت التسمية فالأمر في ذلك قريب، ولا مشاحة في الأسامي إذا استبانت المعاني؛ لأن من كان القياس عنده عبارة عن نوعٍ من الإلحاق تندرج تحته هذه الصور فإنما مخالفته في التسمية، فيكون الاختلاف في ذلك آيلاً إلى اللفظ ولا يترتب عليه فائدةٌ معنوية، وإن كان الأَوْلى تسمية الإلحاق بنفي الفارق قياساً؛ لأن النصَّ غيرُ مُشْعِرٍ به من طريق وضع اللغة (١). قال إمام الحرمين الجويني (٢): " وهذه مسألة لفظيةٌ ليس وراءها فائدةٌ معنوية، ولكن الأمر إذا رُدَّ إلى حُكْم اللفظ فَعَدُّ ذلك من القياس أمثل؛ من جهة أن النصَّ غير مُشْعِرٍ به من طريق وضع اللغة وموضع اللسان" (٣).

стр. 97

المبحث الثاني أقسام الإلحاق بإلغاء الفارق يُقسِّم الأصوليون الإلحاق بـ " إلغاء الفارق " إلى قسمين (١): القسم الأول: أن يكون الإلحاق بـ "إلغاء الفارق" بين الأصل والفرع مقطوعاً به، ويُسَمَّى "القياس الجلي ". وضابطه: أن لا يُحْتاج إلى التعرُّض للعِلَّة الجامعة بل يُتَعَرَّض للفارق، ويُعْلَم أنه لا فارق إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير قطعاً (٢). وهذا القسم على مرتبتين (٣): المرتبة الأولى: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل مع القطع بنفي الفارق بينهما. ومثاله: إلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، فالفارق بين الأصل والفرع مقطوعٌ بنفي تأثيره؛ لأن الضرب أشدُّ في الأذى، فيكون أولى بالتحريم من التأفيف.

стр. 98

المرتبة الثانية: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، مع القطع بنفي الفارق بينهما. ومثاله: قوله ﷺ : " من ابتاع عبداً وله مال فمالُهُ للذي باعه إلا أن يشترطه المُبتاع " (١) فإن الجارية في معناه؛ لأن الفارق بينهما وهو الأنوثة لا مدخل له في التأثير في باب البيع. القسم الثاني: أن يكون الإلحاق بـ "إلغاء الفارق" بين الأصل والفرع مظنوناً به، ويُسَمَّي "القياس الخفي ". وضابطه: أن يتطرق الاحتمال إلى قول المجتهد: " لا فارق إلا كذا " بأن احتمل أن يكون ثَمَّ فارقٌ آخر، أو يتطرق الاحتمال إلى قوله: " لا مدخل له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخلٌ في التأثير (٢). وهذا القسم - أيضاً - على مرتبتين (٣): المرتبة الأولى: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين. ومثاله: وجوب الكفارة في قتل العَمْد أَوْلَى من وجوبها في قتل الخطأ؛ لأن فيه ما في الخطأ وزيادة عدوان، إلا أنه لا نقطع بنفي الفارق بينهما؛ لأن العَمْد نوعٌ يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ. المرتبة الثانية: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحماً لليقين.

стр. 99

مثاله: إلحاق الأَمَة بالعبد في سراية العتق التي دلَّ عليها قوله ﷺ : " من أعتق شِرْكاً له في عبدٍ قوِّم عليه .. " (١)، فهذا الإلحاق لا يصل إلى درجة القطع؛ لاحتمال أن الشارع له اعتبارٌ في عتق الذَّكَر لم يكن في عتق الأنثى، ككونه يقف في صفوف القتال، ويولَّى القضاء والإمامة، وغير ذلك من الولايات، إلا أن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حُكْم. وبهذا يكون حاصل أقسام الإلحاق بـ " إلغاء الفارق " أربعة أقسام: الأول: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، مع القطع بنفي الفارق بينهما. الثاني: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، وليس أولى منه، ولا هو دونه، مع القطع بنفي الفارق بينهما. الثالث: أن يكون الفرع أولى بالحُكْم من الأصل، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين. الرابع: أن يكون الفرع مساوياً للأصل في الحُكْم، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعياً، بل مظنوناً ظنَّاً قوياً مزاحِماً لليقين. قال الأمين الشنقيطي: "التحقيق أن نفي الفارق أربعة أقسام؛ لأن نفيه إما أن يكون قطعياً أو مظنوناً، وفي كلٍّ منهما إما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحُكْم من المنطوق أو مساوياً له " (٢).

стр. 100

المبحث الثالث العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق اختلفت اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق، وحاصلها ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: يقصر تنقيح المناط على صورة الإلحاق بإلغاء الفارق، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه " إلى قسمين (١): الأول: الإلحاق باستخراج الجامع. والثاني: الإلحاق بإلغاء الفارق. ويطلقون على القسم الثاني مُسَمَّى: " تنقيح المناط "، وهو الذي يُسَمِّيه الحنفية بـ " الاستدلال " كما سبق بيانه (٢). وقد ذهب إلى هذا الإتجاه: الرازي (٣)، والبيضاوي (٤)، والقرافي (٥)، وصفي الدين الهندي (٦)، والإسنوي (٧)، والبدخشي (٨) والشوكاني (٩).

стр. 101

وبناءً عليه فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعَرِّفون تنقيح المناط - كما سبق - بأنه: الاجتهاد في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع (١). وهو أن يقال: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، وذلك لا مدخل له في الحُكْم ألبتة، فيلزم اشتراكها في الحُكْم. الاتجاه الثاني: يغاير بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق. وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الغزالي (٢)، والبروي (٣)، وابن السبكي (٤)، والزركشي (٥)، وابن العطَّار (٦). وبناءً على المغايرة بينهما فإن أصحاب هذا الاتجاه يُعرِّفون "تنقيح المناط " - كما سبق- بـ: أن يدل نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحُكْم أوصافٌ مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية فتُحْذْف عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي (٧). ويُعرِّفون " إلغاء الفارق " - كما سبق - بأنه: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (٨). ويُفرِّق أصحاب هذا الاتجاه بينهما بأن " تنقيح المناط ": اجتهادٌ في الحذف والتعيين؛ فهو اجتهادٌ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، أو اجتهادٌ في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، وفي

стр. 102

كلتا الصورتين لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة (١). أما "إلغاء الفارق" فهو اجتهادٌ في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان عدم تأثيره في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (٢). قال الزركشي: "ولهذا لم يَعُدُّه -أي: إلغاء الفارق- أحدٌ من الجدليين من مسالك العِلَّة" (٣). الاتجاه الثالث: يُعِتبر إلغاء الفارق قسماً من تنقيح المناط، حيث يُقسِّم أصحاب هذا الاتجاه تنقيح المناط إلى قسمين (٤): القسم الأول: الاجتهاد في إلغاء الفارق. و"إلغاء الفارق" - كما سبق - هو: بيان أن الفرق بين الأصل والفرع لا مدخل له في التأثير، فيلزم اشتراكهما في الحُكْم (٥). قال ناظم "مراقي السعود" (٦): فمنه ما كان بإلغاء الفارق ... وما بغيرٍ من دليلٍ رائق قال شارحه: "يعني: أن إلغاء الفارق قسمٌ من تنقيح المناط وإن جعله السبكي العاشر من مسالك العِلَّة، ويُسمَّى حينئذٍ تنقيح المناط وإلغاء الفارق" (٧). وقال -أيضاً-: " وهو -أي: إلغاء الفارق- عند التحقيق قسمٌ من تنقيح المناط؛ لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق،

стр. 103

وقد يكون بدليلٍ آخر " (١). وقال الأمين الشنقيطي: "يعني: أن من تنقيح المناط قسماً يقال له إلغاء الفارق فُسُمِّيَ تنقيح المناط وإلغاء الفارق، خلافاً لمن جعل إلغاء الفارق مسلكاً عاشراً كالسبكي" (٢). وهذا الإطلاق يشمل جميع أقسام إلغاء الفارق التي تقدَّم ذكرها في المبحث السابق (٣). قال الأمين الشنقيطي: " اعلم أن نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة إنما هو قسمٌ من تنقيح المناط " (٤). القسم الثاني: الاجتهاد في الحذف والتعيين. وصورته: الاجتهاد في حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم (٥). قال ناظم "مراقي السعود" (٦): من المناط أن تجي أوصافُ ... فبعضها يأتي له انحذافُ عن اعتباره وما قد بقيا ... ترتب الحُكْم عليه اقْتُفِيا قال شارحه: " يعني: أن هذا القسم من تنقيح المناط، وهو قسيمٌ للقسم الأول، وهو: أن تكون أوصافٌ في محلِّ الحُكْم فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف، وحاصله أن الاجتهاد في الحذف والتعيين " (٧). وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الطُّوفي (٨)، وعبدالله الشنقيطي صاحب

стр. 104

مراقي السعود (١)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٢). وبناءً على ما سبق فإنه يصح عندهم إطلاق مُسَمَّى " تنقيح المناط " على " إلغاء الفارق "، وذلك باعتباره قسماً من أقسامه. قال الطُّوفي: " لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحاً؛ إذ التنقيح هو التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف ويخلص للعِلِّية، فلا يكون هذا قولاً ثانياً في تنقيح المناط كما قال القرافي، بل يكون إلغاء الفارق ضرباً من تنقيح المناط" (٣). تحليل اتجاهات الأصوليين والترجيح بينها: من خلال تأمل اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق تبين لي الآتي: أولاً: إذا عمَّمنا النظر في إلغاء الفارق عند أصحاب الاتجاه الأول بحيث يشمل ما إذا تعينت العِلَّة بعد الإلغاء أو لم تتعين يكون تنقيح المناط عندهم أعمّ منه عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ وذلك لأن تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني لابدَّ فيه من تعيين العِلَّة، والذي يظهر من تعريف أصحاب الاتجاه الأول لتنقيح المناط أنه غير مقيدٍ بتعيين العِلَّة أو عدمه، فيكون إلغاء الفارق أعمّ من تنقيح المناط عند أصحاب الاتجاه الثاني الذين يغايرون بينهما (٤). ثانياً: اعتبر أصحاب الاتجاه الثاني الذين يُفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق أن المقصود الأصلي المنظور إليه في إلغاء الفارق هو بيان أن الوصف الفارق بين الأصل والفرع لا تأثير له فيلزم اشتراكهما في الحُكْم، إلا

стр. 105

أنه بالتأمل يلزم عن ذلك تبعاً حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ الذي هو أحد صور تنقيح المناط كما سبق (١)، فإلحاق الأَمَة بالعبد في السراية بناءً على إلغاء الوصف الفارق وهو أن العبد مُذَكَّرٌ وأن الأَمَة مؤنَّثٌ يلزم عنه حذف خصوصية الوصف وهو الذكورة في العبد، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ وهو العبودية، ولكن ذلك غير منظورٍ إليه بالقصد الأصلي عند أصحاب الاتجاه الثاني؛ لأن المقصود - عندهم - هو إلغاء تأثير الوصف الفارق في الحُكْم ليس إلا، ولا ينفي ذلك حصول الجمع بين الصورتين، ولكن بالقصد الثاني (٢). قال صفي الدين الهندي: " تُعْلَم العِلَّة لنفي ما عداها عن درجة الاعتبار باستقراء أحكام الشرع، فيحصل نفي الفارق بين الصورتين بالقصد الأول، ويحصل الجمع بينهما بالقصد الثاني" (٣). أما أصحاب الاتجاه الثالث الذين يُعتبرون إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط فإنهم نظروا إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمِّ، ولذلك قسَّموا تنقيح المناط إلى قسمين كما سبق (٤)، قسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بإلغاء الفارق، وقسمٌ يكون فيه تنقيح المناط بالحذف والتعيين (٥). فمن نظر إلى أن المقصود من إلغاء الفارق هو إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع ببيان أنه لا أثر له في الحُكْم، وليس فيه تعيينٌ للعِلَّة، فرَّق بناءً على ذلك بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.

стр. 106

ومن نظر إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعم، اعتبر إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط. ثالثاً: الذي يفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق بناءً على تعيين العِلَّة وعدمه لا ينفون عن إلغاء الفارق تصوُّر المعنى الجامع على الإجمال. قال الغزالي: " وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعاً إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل " (١). ولذلك استدلَّ القرافي على حجية تنقيح المناط باعتباره اجتهاداً في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقال: "الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحداً، فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم. . . فوجب كونه دليلاً على عِلِّية المشترك على سبيل الإجمال وإن كنا لا نُعيِّنَه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العِلَّة" (٢). وقال الزركشي: "فإنه -أي: نفي الفارق- لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةٌ، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقةٌ في الفرع من غير تعيين" (٣). بل إن الغزالي يُعِتبر توسُّم المعنى المشترك على سبيل الإجمال ذلك شرطاً في جواز الإلحاق بإلغاء الفارق دون تحديد المناط أوتعيينه. قال ﵀: "اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، ولكن الحقّ فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه

стр. 107

إلا بعد استنشاق رائحة المعنى الذي هو مناط الحُكْم، وإن لم يُطلَّع بَعْدُ على تحديدْه أو تعيينه " (١). ولهذا المعنى عَدَّ ابن السبكي " إلغاء الفارق " ضمن مسالك العِلَّة، وذكر أنه يرجع إلى ضرب شبه؛ لأنه يحصل به ظن العِلِّية في الجملة (٢). وإذا كان "إلغاء الفارق "لا يخلو من وجود معنىً جامعٍ مجملٍ بخلاف "تنقيح المناط" الذي لابد فيه من تعيين المعنى الجامع، فقد قيَّد الغزالي المواضع التي يُحْذَف فيها تأثير الفارق، ويجوز الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، حيث قال: "والطريق الأول الذي هو التعرُّض للفارق ونفيه ينتظم: حيث لم تُعْرف عِلَّة الحُكْم، بل ينتظم في حُكْمٍ لا يُعَلَّل، وينتظم حيث عُرِف أنه مُعَلَّل، لكن لم تتعين العِلَّة، فإنا نقول: الزبيب في معنى التمر في الرِّبا قبل أن يتعين -عندنا- عِلَّة الرِّبا أنه الطعم أو الكيل أو القوت، وينتظم حيث ظهر أصل العِلَّة وتعيَّن -أيضاً- ولكن لم تتلخَّص بَعْدُ أوصافه، ولم تتحرَّر بَعْدُ قيوده وحدوده" (٣). الترجيح بين الاتجاهات السابقة: من خلال ما سبق من المقارنة بين اتجاهات الأصوليين في بيان العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق فإنه يترجَّح -والعلم عند الله- أن "إلغاء الفارق" إذ أُظْهِر معه حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته صراحةً أو إيماءً، وأنيط الحُكْم بالمعنى الأعمِّ بعد تعيينه، فهو أحد صور تنقيح المناط. قال الغزالي: " وإنما الشأن في تنقيح المناط وتلخيصه وتجريده عن كلِّ ما لا مدخل له في الاعتبار، وتقييده بكلِّ وصفٍ له دَخْلٌ في الاعتبار، حتى يصير محدوداً مميزاً لا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو مناطٌ

стр. 108

للحُكْم أصلاً" (١). ومن الأمثلة التي توضح ذلك: إلغاء الوصف الفارق وهو الذُّكورة بين العبد والأَمَة في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وذلك بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عليِّته وهو " الأنوثة "، وتعيين وصف " الرِّق " مناطاً للحُكْم الذي هو تشطير الحدِّ، فوجب استواؤهما فيه (٢). ففي هذا المثال لم يُقْتَصَر على التعرُّض لنفي الفارق وهو "الذكورة"، بل تعيَّن مناط الحُكْم وهو "الرِّق" بحذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته وهو "الأنوثة"، فحينئذٍ يصدق على هذه الصورة تسميتها بـ " تنقيح المناط "؛ لأن مناط الحُكْم -هنا- تعيَّن وتميَّز. أما إذا اقْتُصِرَ على إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، ولم تُعَيَّن فيه العِلَّة وتتميَّز كما لو كان ذلك في الحالات التي ذكرها الغزالي (٣) فإنه لا يُعَدُّ إلغاء الفارق في هذه الصورة من تنقيح المناط؛ لأن "تنقيح المناط" يعني: تهذيب العِلَّة وتمييزها، فإذا لم تُعيَّن العِلَّة وتُهَذَّب لم تصدق التسمية بذلك.

стр. 109

الفصل الرابع العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً. المبحث الثاني: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.

стр. 110

المبحث الأول تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً سأتناول في هذا المبحث تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً . السَّبْر في اللغة هو: التجربة، والاختبار، واستخراج كُنْه الأمر. وسَبَرَ الشيء سَبْرَاً: حَزَرَه وخَبَرَه. وسَبَرَ الجرح: إذا نظر مقداره وقاسه ليعرف غَوْره. والمِسْبار: ما سُبِر به وقُدِّر غَوْرُ الجراحات (١). والتقسيم في اللغة هو: التفريق، والتجزئة. وقسَّم الشيء: إذا جزَّأه وفرَّقه. وقسَّمهم الدهر فتقسَّموا، أي: فرَّقهم فتفرَّقوا (٢).
следующие страницы →