← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والتقسيم مركَّباً عند أكثر الأصوليين (١). ورغم أن " التقسيم " متقدمٌ في الوجود الخارجي على " السَّبْر" إلا أنه في لقب المسلك قُدِّم " السَّبْر" على " التقسيم "؛ لأن " السَّبْر" هو المقصد الأهمّ في الدلالة على العِلِّية، و " التقسيم " يُعْتَبر وسيلةً إليه، والعادة تقديم الأهمِّ على غيره، والمقصدِ على الوسيلة (٢). المطلب الثاني: أقسام السَّبْر والتقسيم . يقسِّم الأصوليون السَّبْر والتقسيم إلى قسمين (٣): القسم الأول: التقسيم الحاصر . وهو: ما يكون دائراً بين النفي والإثبات بحيث يحصر المجتهدُ جميعَ أوصاف الأصل المقيس عليه، ثم يختبرها ويبطل ما لا يصلح منها بدليله، فيتعيَّن الباقي عِلَّةً للحُكْم (٤). ومثاله: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار في النكاح: إما أن تكون مُعَلَّلَةً أو غير مُعَلَّلَة، والثاني باطلٌ بالإجماع، فتعيَّن كونها مُعَلَّلَةً. وإذا كانت مُعَلَّلَةً فعِلَّتُها إما البكارة أو الصِغَر أو غيرها، وقد بطل بالإجماع كون غير الصِغَر أو البكارة عِلَّةً للولاية، فانحصرت العِلَّة في وصفي البكارة والصِغَر، ولكن وصف الصِغَر لا يصلح أن يكون عِلَّةً لولاية الإجبار في النكاح؛ لأن هذا الوصف لو جاز التعليل به لثبتت ولاية الإجبار

стр. 177

على الثيب، وهذا باطلٌ؛ لقوله ﷺ : " الثيب أحقُّ بنفسها " (١)، وإذا بطل التعليل بالصِغَر تعيَّن التعليل بالبكارة لثبوت ولاية الإجبار، وهو المطلوب (٢). القسم الثاني: التقسيم غير الحاصر . ويُسَمَّى " المنتشر " (٣)، وعبَّر عنه البيضاوي بـ " السَّبْر غير الحاصر" (٤). وهو: ما لا يكون دائراً بين النفي والإثبات، أو كان دائراً بينهما ولكن الدليل على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن فيه ظنيٌّ (٥). ومثاله: أن يقول المجتهد في تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً: العِلَّة في التحريم إما أن تكون الكيل أو الطَّعم أو القوت، ثم يختبر تلك الأوصاف، ويبطِل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، ويتعيَّن الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، فيبطِل - مثلاً - الكيل؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في القليل مما لا يُكال كالحفنة بحفنتين، ويبطِل القوت؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في الملح، وهو واقعٌ بنصِّ الحديث " الملح بالملح " (٦)، فلم يَبْقَ إلا أن يكون الطُّعم هو العِلَّة (٧).

стр. 178

وفي كلا القسمين: إما يكون الحصر والإبطال قطعياً، أو ظنياً، أو أحدهما يكون قطعياً والآخر ظنياً (١). المطلب الثالث: حجية السَّبْر والتقسيم: صور الحصر والإبطال بحسب قوة الدليل لا تخرج عن أربعة صور: الصورة الأولى: أن يكون الحصر والإبطال قطعياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ونفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المُعَيَّن قطيعاً. الصورة الثانية: أن يكون الحصر والإبطال ظنياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ونفي عِلَّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن ظنياً. الصورة الثالثة: أن يكون الحصر قطعياً والإبطال ظنياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم قطعياً، والدليل الدال على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن ظنياً. الصورة الرابعة: أن يكون الحصر ظنياً والإبطال قطعياً، أي: يكون الدليل الدال على انحصار الصفات في محلِّ الحُكْم ظنياً، والدليل الدال على نفي عِلِّيَّة ما عدا الوصف المعيَّن قطعياً (٢). فإنْ كان الحصر والإبطال قطعياً كما في الصورة الأولى من صور الحصر والإبطال فقد اتفق الأصوليون على اعتبار هذا المسلك قطعياً في إفادة العِلِّيَّة،

стр. 179

ويُعْتَبر حُجَّةً في العقليات والشرعيات، وهو في الشرعيات قليل (١). وإن كان الحصر والإبطال أو أحدهما ظنياً فقد اختلف الأصوليون في حجيته واعتباره مسلكاً من مسالك العِلَّة على أربعة مذاهب: المذهب الأول: أنه حُجَّةٌ للمُسْتَدِل وهو الناظر، وللمعترِض وهو المناظِر . وقد ذهب إلى ذلك أكثر الأصوليين من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). ودليلهم: أن ذلك يثير غَلَبَة الظنّ، وما كان كذلك يجب العمل به، أما بالنسبة إلى الناظِر فظاهر، وأما المناظِر فوجه كونه حُجَّةً عليه أنه يفيد الظنَّ ما لم يدفعه، وما يفيد الظنَّ يجب العمل به، فإن كان المناظِر مجتهداً وجب عليه، وإن كان مقلِّداً توجَّه الإلزامُ على من قلَّده (٣). واعتُرِض عليه: بأن إفادة غَلَبَة الظنَّ بعِلِّيَّة هذا الوصف غير مُسَلَّمٍ؛ لأن من الأحكام ما لا يُعلَّل بدليل أن عِلِّيَّة العِلَّة غير مُعَلَّلَةً، وإذا ثبت أن من الأحكام ما لا يُعَلَّل فلا مانع أن يكون هذا الحُكْم من جملة ما لا يُعَلَّل، ولو سُلِّم كونه مُعَلَّلاً فلا نُسَلِّم الحصر، فيجوز أن يُكْوَن هناك وصفٌ لم يُذْكَر وهو العِلَّة، وبهذين الاحتمالين اللذين لا ينفكان عنه لا يفيد غَلَبَة الظن (٤).

стр. 180

وأجيب عنه: بأن الأدلة العقلية والسمعية دلَّت على أن أحكام الله تعالى مُعَلَّلَةً بالحِكَم والمصالح، وما اسْتُدِلَّ به من أن عِلِّيَّة العِلَّة غير مُعَلَّلَةٍ فيه نظرٌ من وجهين: الأول: أن عِلِّيَّة العِلَّة ليست مما نحن فيه. والثاني: أنها من الأمور الاعتبارية التي لا تُعَلَّلَ، وعلى تسليم أن منها ما لا يُعَلَّل فالغالب فيها التعليل، وحينئذٍ يكون احتمال كون هذا الحُكْم غير مُعْلَّلٍ مرجوحاً لا ينافي غَلَبَة الظن. وأما احتمال أن هناك وصفاً آخر فلا يكون الحصر فيما ذُكِر صحيحاً فلا يمنع غَلَبَة الظن؛ لأن الحاصر إن كان ناظراً فحصره فيما ذكره إنما كان بحسب ما أدَّى إليه نظره واجتهاده فيجب عليه أن يعمل به ولا يكابر نفسه، وإن كان مناظراً وهو عدلٌ فيه أهلية النظر فيكفي أن يقول: بحثتُ فلم أجد غيرَ هذه الأوصاف، والأصلُ عدمُ ما سواها، فيندفع عنه منعُ الحصر، ويلزمُ المعترِضَ قبولُه، ويكون حُجَّةً عليه، فإن أبدى المعترِض وصفاً آخر لم يذكره المُسْتَدِل وجب على المُسْتَدِل إبطاله وإلا انقطع (١). المذهب الثاني: أنه حُجَّةٌ للمُسْتَدِل وهو الناظِر، وليس حُجَّةً على المعترِض وهو المناظِر . وقد ذهب إلى ذلك الآمدي (٢). ودليله: أن ظنَّ الشخص لا يقوم حُجَّةً على خصمه، والمناظرة لا معنى لها إلا إظهار مأخذ الحُكْم، فلا يكون هذا النوع من التقسيم حُجَّةً إلا للمُسْتَدِل دون المعترِض (٣).

стр. 181

واعتُرِض عليه: بأنه إذا كان مفيداً لغَلَبَة الظن في ذاته من غير دافعٍ كان حُجَّةً للمُسْتَدِل والمعترِض مطلقاً. فإذا ثبت أن سَبْر المُسْتَدِل للأوصاف حاصِرٌ بموافقة الخصم أو عجزه عن الزيادة وجب حينئذٍ على الخصم المعترِض إما تسليم الحصر فيحصل مقصود المُسْتَدِل منه، أو إظهار ما عند المعترِض من الأوصاف الزائدة على ما ذكره المُسْتَدِل لينظر فيه فيفسده، ولا يُسْمَعُ قولُ المعترِض: عندي وصفٌ زائدٌ لكن لا أذكره؛ لأنه حينئذٍ إما صادقٌ فيكون كاتماً لعلمٍ دعت الحاجة إليه فيفسق بذلك، أو كاذبٌ فلا يُعَوَّل على قوله، ويلزمه الحصر (١). المذهب الثالث: أنه حُجَّةٌ للمستدِل وهو الناظِر، وللمعترِض وهو المناظِر، بشرط الإجماع على تعليل حُكْم الأصل . وقد ذهب إلى ذلك إمام الحرمين الجويني (٢). ودليله: إنه لو لم يكن حُجَّةً في حال الإجماع على تعليل حُكْم الأصل لأدى بطلان الباقي إلى خطأ المُجْمِعِين (٣). واعُتِرض عليه: بأنه لا يلزم من إجماعهم على تعليل الحكم الإجماعُ على أنه معلّلٌ بشيء مما أُبطِل (٤). المذهب الرابع: أنه ليس بحُجَّةٍ مطلقاً . وقد ذهب إلى ذلك أكثر الحنفية (٥). دليلهم: أنه متى جاز إبطال وصفٍ جاز إبطال الباقي من الأوصاف (٦).

стр. 182

واعُتِرض عليه: بأن الأصل في الأحكام التعليل، فإذا بطل التعليل بالأوصاف المحذوفة تعيَّن المُسْتَبقَى للعِلِّيَّة، ولا أثر لجواز بطلانه (١). الترجيح: بعد التأمل في أدلة كلِّ مذهبٍ، والاعتراضات الواردة عليها، وما أجيب عنها، يترجَّحُ - والعلم عند الله - أنه: إذا كان الدليل الدَّال على الحصر والإبطال قطعياً فهو مسلكٌ قطعيٌّ يفيد العِلِّيَّة قطعاً، وإن كان كلٌ منهما ظنياً أو أحدهما قطعياً والآخر ظنياً فهو مسلكٌ يفيد العِلِّيَّة ظناً، وهو حُجَّةٌ للمُسْتَدِل، أما المعترِض فهو حُجَّةٌ عليه ما لم يدفعه؛ لأنه يفيد الظنّ، وما يفيد الظنَّ يجب العمل به. قال الطُّوفي: " اعلم أن دلالة السَّبْر قاطعةٌ إن كان حصرُ الأقسام وإبطالُ ما عدا الواحد منها قاطعاً، وإن كانا ظنيين أو أحدهما كانت دلالته ظنية" (٢). المطلب الرابع: شروط صحة السَّبْر والتقسيم . يُشْتَرط لصحة الاستدلال بمسلك السَّبْر والتقسيم على إفادة العِلِّية ثلاثة شروط، وهي على النحو الآتي: الشرط الأول: أن يكون الحُكْم في الأصل مُعَلَّلاً (٣). ويكفي في ذلك موافقة الخصم على التعليل؛ لأن الحُكْم لو ثبت كونه تعبُّدياً - غير معقول المعنى - امتنع القياس (٤).

стр. 183

الشرط الثاني: أن يكون السَّبْر حاصراً لجميع الأوصاف التي تصلح أن تكون عِلَّةً للحُكْم (١). لأنه لو لم يكن السَّبْر حاصراً لجاز أن يبقى وصفٌ هو العِلَّة في نفس الأمر لم يذكره، فيقع الخطأ في القياس (٢). وطريق ثبوت حصر السَّبْر من وجهين (٣): أحدهما: موافقة الخصم على انحصار العِلَّة فيما ذكره المُسْتَدِل. والثاني: أن يعجز الخصم عن إظهار وصفٍ زائدٍ على ما ذكره المُسْتَدِل. فإذا تمَّ أحد الأمرين لزم المعترِض إما تسليم الحصر فيحصل مقصود المُسْتَدِل، أو إظهار ما عند المعترِض من الأوصاف الزائدة على ما ذكره المُسْتَدِل؛ لينظر فيه فيفسده. الشرط الثالث: إثبات أن الأوصاف التي أبطلها المُسْتَدِل لا تصلح للعِلِّيَّة . والطرق المُعْتَبرة في ذلك ثلاثة: الطريق الأول: الإلغاء (٤). وهو: أن يبيِّن المجتهد أن الوصف المُسْتَبْقَى قد ثبت به الحُكْم في صورةٍ بدون الوصف المحذوف، فحينئذٍ لا يكون للمحذوف تأثيرٌ في الحكم (٥). ومثاله: أن يقول المُسْتَدِل: يصح أمانُ العبد؛ لأنه أمانٌ وُجِد من عاقلٍ

стр. 184

مُسْلِمٍ غيرِ مُتَّهم، فيصح قياساً على الحُرِّ، فيقول المعترِض: لا نُسَلِّم أن ما ذكرت هو أوصاف العِلَّة في الأصل فقط، بل هناك وصفٌ آخر، وهو الحرية، وهو مفقودٌ في العبد، وحينئذٍ لا يصح القياس، فيقول المُسْتَدِل: وصف الحرية ملغىً بالعبد المأذون له، فإن أمانه يصح باتفاقٍ مع عدم الحرية، فصار وصفاً لاغياً لا تأثير له في العِلَّة (١). الطريق الثاني: الطَّردية (٢). وهو: أن يبين المجتهد أن الوصف المحذوف من جنس ما عُلِمَ من الشارع إلغاؤه وعدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام (٣). وسواءً كان ذلك في شيءٍ من الأحكام كالطول والقِصَر، والسواد والبياض، فإنها لم تُعْتَبَر في شيءٍ من الأحكام، فلا يُعلَّل بها حُكْمٌ أصلاً، أو كان ذلك في بعض الأحكام كالذكورة والأنوثة، فإنهما لم يعتبرا في العِتْق، فلا يُعلَّل بهما شيءٌ من أحكامه وإن اُعْتُبِرا في غيره، كالشهادة، والقضاء، وولاية النكاح، والإرث (٤). الطريق الثالث: أن لا يظهر للوصف المحذوف مناسبةٌ للحُكْم (٥). ويكفي أن يقول المجتهد: بحثتُ فلم أجد بين الوصف والحُكْم مناسبة، فإذا كان المجتهد أهلاً للبحث والنظر عَدْلاً فالظاهر صِدْقُه، ويُقْبَل قولُه؛ لعدالته وأهليته، ولا يلزم - حينئذٍ - إقامة الدليل على عدم ظهور المناسبة (٦).

стр. 185

المطلب الخامس: صورة تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم . تقدَّم أن تخريج المناط هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (١). كما تقدَّم أن السَّبْر والتقسيم هو: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل المقيس عليه، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّية، فيتعين الباقي عِلَّةً (٢). وإذا كان الأمر كذلك فإن تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم يعني: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً، وذلك بحصر الأوصاف الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، وإبطال ما لا يصلح منها للعِلِّيَّة، فيتعيَّن الباقي عِلَّة. وصورته: أن يحُكْم الشارع في محلٍّ بحُكْم، ولا يتعرَّض لبيان عِلَّة ذلك الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيحصر المجتهدُ الأوصافَ الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، ثم يختبر تلك الأوصاف واحداً واحداً، ويبطل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً لذلك الحُكْم بدليله، فيتعيَّن الوصفُ الباقي مناطاً للحُكْم. ومثاله: تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً في قوله ﷺ : ... " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " (٣). فالحديث نصٌّ صريحٌ على تحريم بيع البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً، ولم يتعرَّض النصُّ لبيان عِلَّة الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيحصر المجتهدُ الأوصافَ الموجودة في الأصل المحتمِلة للتعليل، وهي: الكيل، والطعم، والاقتيات،

стр. 186

ثم يختبر تلك الأوصاف واحداً واحداً، ويبطل ما لا يصلح أن يكون عِلَّةً، فيُبْطِل - مثلاً - الكيل؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في القليل لما لا يُكال كالحفنة والحفنتين، ويبطِل الاقتيات؛ لأنه لو كان عِلَّةً لما وقع الرِّبا في الملح، وهو واقعٌ بنصِّ الحديث: " الملح بالملح" (١)، فلم يبق من الأوصاف إلا الطعم فيتعين مناطاً للحُكْم (٢). وبهذا يتضح أن مسلك السَّبْر والتقسيم أحد الطرق المُعْتَبرة التي يعتمد عليها المجتهد في تخريج المناط.

стр. 187

المبحث الثالث تخريج المناط بمسلك الدوران ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف الدوران لغةً واصطلاحاً. المطلب الثاني: حُجِّية مسلك الدوران. المطلب الثالث: صورة تخريج المناط بمسلك الدوران.

стр. 188

المبحث الثالث تخريج المناط بمسلك الدوران المطلب الأول: تعريف الدوران لغةً واصطلاحاً . الدوران في اللغة (١): مأخوذٌ من دار، يدور، دوراً، ودوراناً، بمعنى طاف حول الشيء، وعاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ومنه قولهم: يدور حول البيت، إذا طاف به. ودوران الفَلَكِ: تواتر حركاته بعضها إثر بعض من غير ثبوتٍ ولا استقرار. والدوران في الاصطلاح هو (٢): أن يثبت الحُكْم بثبوت وصفٍ وينتفي عند انتفائه. والوصف يُسمَّى: "المدَار"، والحُكْم يُسمَّى: "الدائر" (٣). ويعبِّر الأقدمون عن الدوران بـ "الجريان" (٤). ويُسمَّى بـ "الدوران الوجودي والعدمي" (٥).

стр. 189

وسمَّاه الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) بـ: " الطَّرْد والعَكْس "، أي: مجموع الطَّرْد والعَكْس، فالطَّرْد: " يلزم من وجود الوصف وجود الحُكْم "، والعَكْس: يلزم من عدم الوصف عدم الحُكْم، والدوران هو مجموع ذلك (٣). المطلب الثاني: حجية مسلك الدوران . اختلف الأصوليون في إفادة الدوران للعِلِّيَّة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يفيد العِلِّيَّة قطعاً . ويُحْكَى هذا القول عن بعض المعتزلة (٤). استدلوا على ذلك: بأن من تكرَّر دوران غضبه عن اسمٍ إذا ذُكِرَ له، وعدُم غضبه إذا لم يُذْكَرُ له، عُلِمَ قطعاً أن سبب غضبه ذِكْرُ ذلك الاسم، حتى إنَّ مَنْ لا أهلية فيه للنظر كالصبيان - مثلاً - إذا قصدوا إغضابه اتَّبعوه في الطرق ودعوه بذلك الاسم (٥). وأجيب عنه: بأن النزاع إنما هو في حصول العلم بمجرَّدِه، وذلك فيما ذكرتم من المثال ممنوع، بل غايته حصول الظنِّ عنده، والظنِّ عند الدوران إنما هو مع غيره من التكرار (٦). قال ابن السُّبْكي: " لعل من ادَّعى القطعَ فيه ممن يشترطُ ظهورَ المناسبةِ

стр. 190

في قياس العِلَل مطلقاً، ولا يكتفي بالسَّبْر، ولا الدوران بمجرَّدِه، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإذا انضمَّ الدورانُ إلى المناسبة رقي بهذه الزيادة إلى اليقين، وإلا فأيُّ وجهٍ لتخيُّلِ القطع في مجرَّد الدوران؟ " (١). وعلى فرض اشتراط ظهور المناسبة فإن مناسبة الوصف لا تمنع الاحتمال، ومع الاحتمال لا يثبت القطع (٢). القول الثاني: أن الدوران يفيد العِلِّيَّة ظناً بشرط عدم المُزَاحِمِ وعدم المانع . وقد ذهب إلى ذلك جمهور الأصوليين (٣). واستدلوا عليه بالآتي: أولاً: إن هذا الحُكْم لابدَّ له من عِلَّة، والعِلَّة إما هذا الوصف أو غيره، والأول هو المطلوب، والثاني لا يخلو إما إن يكون ذلك الغير كان موجوداً قبل حدوث هذا الحُكْم، أو ما كان موجوداً قبله، فإن كان موجوداً قبله وما كان الحُكْم موجوداً لزم تخلُّف الحُكْم عن العِلَّة، وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجوداً فالأصل في الشيء بقاؤه على ما كان عليه، فيحصل ظنٌّ أنه بقي كما كان غير عِلَّة، وإذا حصل ظنٌّ أن غيره ليس بعِلَّةٍ حصل ظنُّ كون هذا الوصف عِلَّةً لا محالة (٤). واعتُرِض عليه: بأنه كما دار الحُكْم مع حدوث ذلك الوصف وجوداً

стр. 191

وعدماً، فكذلك دار مع تعيين ذلك الوصف وحصوله في المحلّ، فامتنعت إضافة الحُكْم إلى الوصف، أو تكون العِلَّة مجموعَ الوصف مع تعيُّنِه وحصوله في المحلّ، وذلك يمنع التعدية (١). وأجيب عنه: بأن التعيين والحصول في المحلِّ أمران عدميان، إذ لو كانا وجوديين لزم أن يكون للتعيين تعيُّنٌ آخر، وللحصول في المحلِّ حصولٌ آخر فيتسلسل، ضرورةَ مشاركةِ التعيينِ حينئذٍ لسائر التعيينات في كونه تعيُّناً، وامتيازه عنها بخصوصية، وكذا الحصول في المحلِّ فإنه حينئذٍ يكون له حصولٌّ في المحل؛ إذ هو ليس بجوهرٍ قائمٍ بنفسه، وهو معلومٌ بالضرورة، فيكون له حصولٌ في المحلّ، فثبت أنهما أمران عدميان، وحينئذٍ لا يجوز أن يكونا جزئي عِلَّة ولا مزاحماً لها (٢). ثانياً: أن من دُعِيَ باسمٍ فغضب، ولا يغضب إذا دُعِىَ بغيره، ثم تكرر الغضب مع تكرر مناداته بذلك الاسم، فإنه يحصل الظنُّ بأنه إنما غضب لأنه دُعِيَ بذلك الاسم، وهذا الظنُّ إنما حصل من الدوران، وإذا ثبت أن الدوران يفيد ظنَّ العِلِّيَّة في مثل هذه الصورة فإنه يجب أن يثبت الظنُّ في غيرها؛ لأن هذا من العدل الذي أمر الله به، وهو التسوية، ولن تحصل التسوية بين الدورانات إلا بعد إشراكهما في إفادة الظنّ (٣). ثالثاً: إن العقلاء بأسرهم مع اختلاف عقائدهم وآرائهم يفزعون في أمر الأدوية والأغذية إلى التجربة، فهم عندما يرون أن التجارب أثبتت أن الأثر الفلاني مما يُعَدُّ صحةً ونشاطاً قد حصل عند استعمال الدواء أو الغذاء الفلاني وتكراره، ولم يحصل حالة انعدامها، فإنهم سيتمسكون به عندما يريدون الحصول على ذلك الأثر، ولولا غلبة ظنِّهم أن استعماله سببٌ لذلك الأثر لما

стр. 192

فزعوا إليه عند إرادتهم له، ولم يفزعوا لغيره (١). القول الثالث: أن الدوران لا يفيد العِلِّية مطلقاً . وقد ذهب إلى ذلك: ابن السمعاني (٢)، والآمدي (٣)، وابن الحاجب (٤)، وأكثر الحنفية (٥). واستدلوا بما يأتي: أولاً: إنه لا معنى للدوران إلا الطَّرْد والعَكْس، والطَّرْد لا يفيد العِلِّيَّة، لأن الطَّرْد معناه سلامته من الانتقاض، وسلامةُ المعنى من مبطِلٍ واحدٍ من مبطلات العِلَّة لا توجب انتفاء كلِّ مبطِل، أما العَكْس فإنه غير معتبرٍ في العِلَلِ الشرعيَّة؛ لأن عدم العِلَّة مع وجود المعلول عِلَّتان على التعاقب، كالبول والمسِّ بالنسبة إلى الحَدَث. فإذا ثبت أن الطَّرْد والعَكْس غير مفيدين للعِلَّة على جهة الانفراد، فإنهما غير مفيدين لها - أيضاً - على جهة الاجتماع (٦). واعتُرِضَ عليه: بأنه لا يلزم من عدم إفادتهما للعِلِّية منفردين عدم إفادتهما للعِلِّية مجتمعين؛ فإنه يجوز أن يكون للهيئة الاجتماعية تأثيرٌ لا يكون لكلِّ واحدٍ من الأجزاء، كأجزاء العِلَّة، فإن كلَّ جزءٍ لا يُعَدُّ عِلَّةً مستقلةً بمفردة، لكنه متى ما اجتمعت الأجزاء صار الجميع عِلَّةً، كالقتل العمد العدوان، فإنه عِلَّةٌ لوجوب القصاص، لكن أجزائها - وهي القتل العمد

стр. 193

والعدوان - لا يؤثر كلُّ واحدٍ منهما على انفرادٍ، وإنما التأثير بمجموعها (١). ثانياً: أن الدوران قد وُجِدَ فيما لا دلالة له على العِلِّيَّة، كدوران أحد المتلازمين المتعاكسين، ومن ذلك المتضايفان (٢) كالأبوَّة والبنوَّة، فإنه كلما تحقق أحدهما تحقق الآخر، وكلما انتفى أحدهما انتفى الآخر، وليس أحدهما عِلَّةً للآخر، فإذا كان الدوران قد يُوجَدُ من غير أن يكون عِلَّةً دلَّ ذلك على عدم دلالته على العِلِّيَّة (٣). واعتُرِضَ عليه: بأن الدوران الذي يفيد ظنَّ العِلِّيَّة هو الذي لم يَقُمْ دليلٌ على عدم عِلِّيَّة المدار فيه، أي: الخالي عن المُزَاحِم، أمَّا ما ذكرتم من الصور التي تخلَّفت عنه العِلِّيَّة فيها فليس من الدوران الذي يفيد ظنَّ العِلِّيَّة؛ لأنه ليس خالياً عن المُزَاحِم، ولذلك فلا يقدح ما ذكرتم في الدوران الذي هو حُجَّةٌ عندنا (٤). ثالثاً: أنه لم يُؤْثَرْ عن الصحابة ﵃ أنهم يتعلَّقون بالطَّرْد والعَكْس، وليس هو في معنى طلب المصالح في شيءٍ حتى يقال: استرسالهم في طريق الحُكْم بالمصالح من غير تخصيص شيءٍ منها يقتضي التعلُّق بالطَّرْد والعَكْس (٥).

стр. 194

واعتُرضَ عليه: بأن الطَّرْد والعَكْس يغلب على الظنِّ انتصابُ الجاري فيهما عَلَمَاً في وضع الشرع، فمن أنكر ذلك في طريق الظنون فقد عاند، ومن ادَّعى أن الصحابة ﵃ كانوا يأبون التعلُّق بطريقٍ يغلب على الظنِّ مراد الشارع، وكان يخصُّون نظرهم بمغلِّبٍ فقد ادَّعى بِدْعَاً (١). الترجيح: بعد النظر في المذاهب المتقدمة، وأدلة أصحابها، وما يتوجّه إليها من الاعتراضات، يترجح - والعلم عند الله -: مذهب جمهور الأصوليين، وهو أن مسلك الدوران يفيد العِلَّية ظناً بشرط عدم المُزَاحِم وعدم المانع؛ وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها من المُعَارِض الراجح. المطلب الثالث: صورة تخريج المناط بمسلك الدوران . تقدَّم أن تخريج المناط هو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماعُ عليه، ولم يتعرَّض لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (٢). كما تقدَّم أن الدوران هو: أن يثبت الحُكْم بثبوت وصفٍ وينتفي عند انتفائه (٣). وإذا كان الأمر كذلك فإن تخريج المناط بمسلك الدوران يعني: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلّ النصُّ أو الإجماعُ عليه، ولم يتعرَّض لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً، وذلك بالاستدلال على أن الحُكْم يدور مع وصفٍ وجوداً وعدماً، فيوجد عند وجوده، وينعدم عند عدمه. وصورته: أن يحُكْم الشارع بحُكْمٍ في محلّ، ولا يتعرَّض لبيان عِلَّة ذلك الحُكْم لا بصريح لفظٍ ولا بإيماء، فيستنبط المجتهد وصفاً يدور الحُكْم معه

стр. 195

وجوداً وعدماً، ولم يقم دليلٌ على عدم عليِّة المدار فيه، ولم توجد عِلَّةٌ أخرى لهذا الحُكْم سوى ذلك الوصف، فإنه حينئذٍ يتعين عِلَّةً لذلك الحُكْم. ومثاله: العنب حين كونه عصيراً ليس بمُسْكِرٍ ولا مُحَرَّم، حيث اقترن عدم الحُكْم وهو التحريم بعدم الوصف وهو الإسكار، فإذا صار مُسْكِرَاً صار محرَّماً، حيث اقترن ثبوت الحُكْم وهو التحريم بثبوت الوصف وهو الإسكار، فإذا تخلَّل لم يكن مسكراً ولا مُحَرَّماً، حيث اقترن عدم الحُكْم وهو التحريم بعدم الوصف وهو الإسكار، فيعيِّن المجتهدُ - حينئذٍ- وصفَ الإسكار "عِلَّةً " لحُكْم التحريم في الخمر؛ لأنه وجد أن الحُكْم يدور مع ذلك الوصف وجوداً وعدماً (١). وبهذا يتضح أن مسلك الدوران أحد الطرق المُعْتَبرة التي يَعْتَمِدُ عليها المجتهدُ في تخريج المناط.

стр. 196

الباب الثالث الاجتهاد في تحقيق المناط ويشتمل على خمسة فصول: الفصل الأول: تعريف تحقيق المناط لغةً واصطلاحاً. الفصل الثاني: أقسام تحقيق المناط. الفصل الثالث: حُكْم العمل بتحقيق المناط والأدلة على اعتباره. الفصل الرابع: ضوابط تحقيق المناط. الفصل الخامس: مسالك تحقيق المناط.

стр. 197

الفصل الأول تعريف تحقيق المناط لغةً واصطلاحاً ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف تحقيق المناط لغةً. المبحث الثاني: تعريف تحقيق المناط اصطلاحاً. المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.

стр. 198

المبحث الأول تعريف تحقيق المناط لغةً سأتناول في هذا المبحث تعريف تحقيق المناط لغةً، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف التحقيق لغةً . قال ابن فارس: " الحاء والقاف أصلٌ واحدٌ، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته " (١). وحقَّ الأمر يحقُّ حَقَّاً وحُقوُقاً: إذا ثَبَتَ ووَجَبَ (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [القصص: ٦٣] أي: وجب عليهم العذاب، وحقَّه، وأحقَّه: إذا أثبته وصار عنده حقاً لا شك فيه (٣). والتحقيق: تفعيل من حَقَّ، إذا ثبت (٤). وعلى هذا فالتحقيق لغةً: إثبات الشيء.

стр. 199

المطلب الثاني: تعريف المناط لغةً . المناط في اللغة: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى اسم المكان، وهو موضع التعليق، ومناط الشيء: المحلُّ الذي عُلِّق عليه، وقد سبق بيان ذلك من خلال ما ورد في معاجم اللغة من معاني مادة (ن وط) (١). وبناءً على ما تقدَّم من تعريف لفظي "التحقيق" و "المناط" في اللغة يتضَّح أن "تحقيق المناط" -من حيث التركيب الإضافي- في اللغة يعني: إثبات الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء.

стр. 200

المبحث الثاني تعريف تحقيق المناط اصطلاحاً اختلف الأصوليون في تعريف تحقيق المناط بناءً على اختلافهم فيما يندرج تحته من الصور وما لا يندرج، وبعد استقراء تلك التعريفات ظهر لي أنها ترجع إلى تعريفاتٍ خمسة، وهي على النحو الآتي مبتدأً بالأخصّ: التعريف الأول: عرَّفه صفي الدين الهندي بأنه: " النظر في معرفة وجود العِلَّة في الصورة التي يراد إثبات الحُكْم فيها بعد أن كانت معلومةً إما بنصٍّ أو إجماع " (١). وعرَّفه ابن الهمام الحنفي بما هو في معناه مع اختلافٍ في العبارة، وهو: النظر في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد تعرُّفها بنصٍّ أو إجماع (٢). أما ابن السبكي في " الإبهاج " (٣)، والزركشي (٤)، والشوكاني (٥)، فقد عرَّفوه بقولهم: " أن يُتْفَق على عِلِّيِّة وصفٍ بنصٍّ أو إجماعٍ، ويُجْتَهَد في وجودها في صورة النزاع ". والمقصود بقولهم: " أن يُتْفَق على عِلِّيِّه وصف " أي: يتفق الخصمان

стр. 201

-المُسْتَدِل والمناظِر- على عِلَّة حُكْم الأصل؛ لأنها المقدمة الأولى في تحقيق المناط، فلابدَّ من ثبوتها وفرضها مُسَلَّمَةً عند الخصمين، وإلا فلا يمكن تصُّور تحقيق المناط مع الاختلاف في تلك المقدمة (١)، وليس المقصود أنه يشترط في تحقيق المناط أن تثبت عِلَّة الحُكْم في الأصل بمسلك الإجماع؛ لأن العلماء اختلفوا في تحقيق مناطاتٍ لم تثبت بطريق الإجماع، بل ثبتت بطرق أخرى كالسَّبْر والتقسيم أو المناسبة كما تقدَّم بيانه في عِلَّة تحريم الرِّبا (٢). وحاصل هذه التعريفات أنها تدور حول معنىً واحد، وهو: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماع. التعريف الثاني: عرَّفه الآمدي بأنه: " النظر في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها، وسواءٌ كانت معروفةً بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط" (٣). وعرَّفه القرافي بقوله: " أن يُتْفَق على عِلَّةٍ، ويُطْلَب تحقيقها في صورة النزاع " (٤). وعرَّفه ابن السُّبكي في " جمع الجوامع " (٥) بأنه: " إثبات العِلَّة في آحاد صورها ". وعرَّفه الإسنوي بأنه: " تحقيق العِلَّة المُتْفَق عليها في الفرع " (٦)، أي: إقامة الدليل على وجودها فيه (٧). وظاهر تعريف القرافي وابن السبكي والإسنوي إطلاق القول في طريق معرفة عِلَّة حُكْم الأصل، سواءٌ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.

стр. 202

وعرَّفه التفتازاني (١)، والمرداوي (٢)، وابن النجار الفتوحي (٣) بنحو تعريف الآمدي مع اختلافٍ يسيرٍ في العبارة، وهو: النظر والاجتهاد في معرفة وجود العِلَّة في آحاد الصور بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط. وحاصل هذه التعريفات أنها تدور حول معنىً واحد وهو: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط. التعريف الثالث: عرَّفه الطُّوفي (٤) وابن بدران الدمشقي (٥) بأنه: "إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، أو إثبات معنىً معلوم في محلٍّ خَفِيَ فيه ثبوت ذلك المعنى". وهذا التعريف مبنيٌّ على أن " تحقيق المناط " يُطْلَق على نوعين من الاجتهاد فيكون أعمّ من القياس، وهما (٦): النوع الأول: أن يكون هناك قاعدةٌ شرعيَّةٌ مُتْفَقٌ عليها، أو منصوصٌ عليها وهي الأصل، فيتبين المجتهدُ وجودَها في الفرع، أي: يجتهد في تحقيق مقتضاها في الفرع. ومثاله: أن يقال في حمار الوحش إذا قتله المُحْرِمُ مِثْلُه، وفي الضبع - أيضاً - يقتلها المُحْرِمُ مِثْلُها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] والبقرة مثل حمار الوحش، والكبش مثل الضبع، فيجب أن يكون هو الجزاء، فوجوب المِثْل مُتْفَقٌ عليه، ثابتٌ بالنصِّ المذكور، وكون البقرة مثل حمار الوحش، والكبش مثل الضبع، ثابتٌ بالنظر والاجتهاد، وهو ما يُسمَّى بـ"تحقيق المناط".

стр. 203

وقد اقتصر الغزالي في "المستصفى" (١) في بيان معنى تحقيق المناط على ضرب أمثلةٍ لهذا النوع، ثم قال: " فلنعبِّر عن هذا الجنس بـ" تحقيق مناط الحُكْم "؛ لأن المناط معلومٌ بنصٍّ أو إجماعٍ لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذَّرت معرفته باليقين، فاسُتُدِلَّ عليه بأماراتٍ ظنية، وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد .. " (٢). ولهذا فقد صرَّح ابن قدامة (٣) والطُّوفي (٤) وابن بدران (٥) أن هذا النوع لا يُعْتَبر من القياس؛ لأن تحقيق المناط اجتهادٌ أعمُّ من القياس. النوع الثاني: أن تُعْرَف عِلَّة الحُكْم في الأصل بنصٍّ أو إجماع، فيتبين المجتهدُ وجودَها في الفرع. ومثاله: أن يقال: الطواف عِلَّةٌ لطهارة الهِرة، بناءً على قوله ﷺ : " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عيكم والطوافات" (٦)، والطواف موجودٌ في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، فإثبات وجود عِلَّة حُكْم الأصل -وهي: الطواف- في الفأرة ونحوها من صغار الحشرات، يطلق عليه مُسمَّى: "تحقيق المناط". وقد اكتفى ابن قدامة في بيان معنى تحقيق المناط بذكر هذين النوعين مع ضرب الأمثلة عليها، دون أن يضع تعريفاً لهذا الاصطلاح (٧). التعريف الرابع: عرَّفه ابن تيمية بقوله: "أن يعلِّق الشارع الحُكْمَ بمعنىً كليٍّ فينظر في

стр. 204

ثبوته في بعض الأنواع أو بعض الأعيان " (١). وهذا التعريف يشمل صورتين كما ظهر لي من خلال تتبع الأمثلة التي أوردها ابن تيمية وأطلق عليها مُسمَّى: " تحقيق المناط "، وهما على النحو الآتي: الصورة الأولى: إدخال قضية معينةٍ تحت حُكْمٍ كليٍّ عام، وقد أوضح ذلك بقوله: " والناس كلهم متفقون على الاجتهاد والتفقه الذي يُحْتاج فيه إلى إدخال القضايا المعينة تحت الأحكام الكلية العامة التي نطق بها الكتاب والسُّنَّة، وهذا هو الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (٢). ثم ضرب على ذلك أمثلةً منها: الاجتهاد في تعيين القبلة عند الاشتباه، والاجتهاد في عدل الشخص المُعَيَّن، والاجتهاد في مقدار النفقة بالمعروف للمرأة المُعَيّنة، والمِثْل لنوع الصيد أو للصيد المُعَيَّن (٣). وقال ﵀: " ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية مثل إيجاب الزكوات وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمرُ أحدٍ بما أمره الله به ونهيه عما نهاه الله عنه إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها لا يمكن معه فعل مأمورٍ ولا ترك محظورٍ إلا بعلمٍ معينٍ بأن هذا المأمور داخلٌ فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخلٌ فيما نهى الله عنه، وهذا الذي يُسمَّى تحقيق المناط " (٤). الصورة الثانية: إثبات مقتضى لفظٍ عامٍّ في بعض أفراده. وقد مثَّل ﵀ لذلك بلفظ: " الخمر " و " الميسر " و " الرِّبا "، ونحو ذلك من الألفاظ العامة التي يحتاج المجتهد في العمل بمقتضاها إلى إثبات معانيها في الأفراد الداخلة تحتها.

стр. 205

فلفظ " الخمر " يتناول تحريم كلِّ مسكرٍ من الأشربة والأطعمة كالحشيشة المسكرة من أي مادةٍ كانت، لقوله ﷺ : " كلُّ مسكرٍ خمر" (١)، وإثبات هذا المعنى في بعض أفراد المسكرات المشروبة أو المطعومة يُعدُّ من صور تحقيق المناط (٢). ولفظ " الميسر " يتناول اللعب بالنرد والشطرنج، كما يتناول بيوع الغرر، فإن فيها معنى القمار الذي هو ميسر، إذ القمار معناه: أن يؤخذ مال الإنسان وهو على مخاطرة هل يحصل له عوضه أو لا يحصل؟ فإثبات هذا المعنى في بعض أفراده يُعدُّ من صور تحقيق المناط (٣). ولفظ " الرِّبا " يتناول رِبا النسيئة ورِبا الفضل، والقرضَ الذي يَجُرُّ منفعةً وغير ذلك، فإثبات معنى " الرِّبا " في بعض أنواعه أو أعيانه يُعدُّ من صور تحقيق المناط (٤). وحاصل ما ذكر ﵀ من هذه الأمثلة يرجع إلى أن إثبات معنى لفظٍ عامٍّ في بعض أفراده يُطلق عليه مُسمَّى: " تحقيق المناط ". التعريف الخامس: عرَّفه الشاطبي بقوله: " أن يثبت الحُكْم بمُدْرَكِه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محلِّه " (٥). ومعناه: أن يثبت الحُكْم بدليلٍ شرعيٍّ، ويُجْتَهد في تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية، سواءٌ أكان نفس الحُكْم ثابتاً بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٦).

стр. 206

وهذا التعريف مبنيٌّ على أن كلَّ استدلالٍ له مقدمتان (١): الأولى: تتعلق باستنباط الحُكْم من دليله الشرعي. والثانية: تتعلق بتعيين محلِّ الحُكْم، أي: تطبيقه في الوقائع والجزئيات التي يشملها ذلك الحُكْم. فالأولى ترجع إلى نفس الحُكْم الشرعي، والثانية ترجع إلى تعيين محلِّ الحُكْم الذي هو تحقيق المناط (٢). فالنظر في المقدمة الأولى يشمل كلَّ دليلٍ شرعي، والنظر في المقدمة الثانية يشمل مُتَعَلَّقَ كلِّ حُكْمٍ، سواء كان عِلَّةً أو غير ذلك، كأن يكون مُتَعَلَّقُ الحُكْم معنىً كلياً ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستقراءِ كما يتضح ذلك من خلال الأمثلة التي أوردها الشاطبي، ومنها: - إذا شرع المكلَّف في تناول خمرٍ مثلاً، قيل له: أهذا خمرٌ أم لا؟ فلابدَّ من النظر في كونه خمراً أو غير خمر، فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظرٍ مُعْتَبَر، قال: نعم، هذا خمر، فيقال له: كلُّ خمرٍ حرامُ الاستعمال، فيجتنبه (٣). - إذا أراد أن يتوضأ بماء، فلابدَّ من النظر إليه: هل هو مُطْلَق أم لا؟ وذلك برؤية اللون، وبذوق الطعم، وشمِّ الرائحة، فإذا تبين أنه على أصل خلقته وأنه مُطْلَقٌ فالوضوء به جائز (٤). - إذا قال الشارع: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وثبت عندنا معنى العدالة شرعاً افتقرنا إلى تعيين مَنْ حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حدٍّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً (٥). - إذا أوصى بماله للفقراء، فلا شك إن من الناس من لا شيء له،

стр. 207

فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية، ومنهم من لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصاباً، وبينهما وسائط، كالرجل يكون له الشيء ولا سعة له، فينظر فيه: هل الغالب عليه حُكْم الفقر أو حُكْم الغنى؟ (١). - من القواعد القضائية: " البيِّنة على المُدَّعِي واليمين على من أنكر" (٢)، فالقاضي لا يمكنه الحُكْم في واقعة، بل لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم بما عليهم، إلا بعد فهم المُدَّعِي من المدَّعَى عليه، وهو أصل القضاء، ولا يتعين ذلك إلا بنظرٍ واجتهادٍ، وردِّ الدَّعاوى إلى الأدلة، وهو تحقيق المناط بعينه (٣). فهذه الأمثلة وأشباهها (٤) التي أوردها الشاطبي تقريراً لمعنى تحقيق المناط عنده تُنَبِّه على انه اجتهادٌ لا يقتصر على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، بل يشمل إثبات مُتَعَلَّقِ كلِّ حُكْمٍ في بعض جزئياته، ويستوي في ذلك أن يكون مُتَعَلَّقِ الحُكْم ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستقراءِ أو كان عِلَّةً أو معنىً كلياً. مناقشة التعريفات والمقارنة بينها: من خلال التأمل في التعريفات السابقة والموازنة بينها تبين لي الآتي: أولاً: إن تعريفات الأصوليين لـ " تحقيق المناط " تمثِّل - في الجملة - اتجاهين: الاتجاه الأول: يقصر أصحابُه تحقيقَ المناط على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع. ثم اختلفوا في نوع العِلَّة التي يُطْلَبُ إثباتها في الفرع، وذلك على مذهبين:

стр. 208

المذهب الأول: يُقيِّد تحقيق المناط بما ثبتت عِلَّة حُكْم الأصل فيه بنصٍّ أو إجماع (١). المذهب الثاني: يُطْلِق تحقيق المناط على ما ثبتت عِلَّة حُكْم الأصل فيه بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٢). الاتجاه الثاني: يَعْتَبر أصحابُه تحقيقَ المناط من الاجتهاد الذي هو أعمّ من إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، فيدخُل تحته ثلاث صور (٣): الأولى: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع. والثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ في بعض جزئياتها. والثالثة: إثبات مقتضى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي في بعض افراده. ويظهر لي - والله أعلم - أن الخلاف يرجع إلى الاصطلاح، فأصحاب الاتجاه الأول قصروا تحقيق المناط - اصطلاحاً - على إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع، بينما اصطلح أصحاب الاتجاه الثاني على ما هم أعمّ من ذلك، فلا مشاحة في الاصطلاح. ثانياً: إذا اعتبر أن " تحقيق المناط " اجتهادٌ هو أعمّ من إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع فإنه يتوجه الاعتراض على التعريف الأول بأنه غير جامع؛ لأنه قَصَرَ تحقيقَ المناط على ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماع، بينما تحقيق المناط يشمل ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بأحد الطرق المستَنبطة للعِلَّة (٤). كما يتوجه الاعتراض - أيضاً - على التعريف الثاني بأنه غير جامع، لأنه قَصَرَ تحقيقَ المناط على ما ثبتت فيه عِلَّة حُكْم الأصل بالنصِّ أو الإجماعِ أو

стр. 209

الاستنباطِ، بينما تحقيق المناط يشمل ما إذا كان مُتَعَلَّق الحُكْم غير عِلَّة، كأن يكون معنى كليَّاً ثبت بالنصِّ أو الإجماعِ أو الاستنباط (١). وقد يُعْتَذَر لأصحاب التعريف الأول والثاني بأنهم عرَّفوا " تحقيق المناط " ببعض أنواعه أو بالأخصِّ من أنواعه (٢)، لأن الكلام كان يتعلَّق بأضرب الاجتهاد في العِلَّة، فاقْتُصِرَ على المعنى الذي له تَعَلُّقٌ بذلك. ثالثاً: قيَّد الطُّوفي تعريفه " تحقيق المناط " بالمحلِّ الذي خفي فيه ظهور المعنى (٣)، وهذا القيد غير معتبرٍ في كلِّ الصور، بل إن من الصور ما يتحقق فيه المناط بوضوحٍ وجلاء، ومنها ما يستوجب بذل الواسع في دركه لخفائه، كما سيأتي بيانه في أنواع تحقيق المناط باعتبار وضوحه وخفائه (٤). وبهذا يكون تعريف الطُّوفي غير جامع، إلا أن يكون القيد خَرَجَ مَخْرَجَ الغالب، وذلك باعتبار أن أكثر صور تحقيق المناط تظهر فيها الحاجة إلى بذل الوسع؛ لخفاء تحقيق المناط في تلك الصور. رابعاً: إيراد لفظ " إثبات " في التعريف أولى من إيراد لفظ " تحقيق " كما في تعريف القرافي (٥) والإسنوي (٦)؛ لأنه قد يُعْتَرض على ذلك بأن فيه دَوْرَاً، وإن كان المراد بذلك المعنى اللغوي. خامساً: اختلفت تعبيرات الأصوليين عن المحلِّ الذي يتوجه إليه النظر في تحقيق المناط. فالآمدي (٧) والتفتازاني (٨)، وابن الهمام الحنفي (٩)، والمرداوي (١٠)،

стр. 210

وابن النجار (١)؛ عبُّروا عن ذلك بـ " آحاد الصور ". ومنهم من عبَّر عنه بـ "آحاد صورها " أي: العِلَّة، كابن السبكي في" جمع الجوامع " (٢). وعبَّر صفي الدين الهندي عنه بـ" الصورة التي يُرَاد إثبات الحُكْم فيها" (٣). وابن السُّبكي في " الابهاج " (٤)، والزركشي (٥)، والشوكاني (٦)، عبُّروا عن ذلك بـ " صورة النزاع ". وعبَّر الطُّوفي (٧)، والإسنوي (٨) عن ذلك بـ " الفرع". وعبَّر ابن تيمية عنه بـ " ببعض الأنواع أو بعض الأعيان " (٩). أما الشاطبي فقد عبَّر عن ذلك بـ " محلِّ الحُكْم " (١٠). وكلها ألفاظٌ تؤدي إلى مقصودٍ واحد، وهو المحلُّ الذي يبين المجتهدُ في ثبوتَ ذلك المعنى المطلوب المعبَّر عنه بـ " المناط ". التعريف المختار: من خلال المقارنة بين التعريفات السابقة واستقراء الأمثلة التي أوردها الأصوليون ظهر لي أن" تحقيق المناط " يطلق على ثلاث صور: الأولى: إثبات عِلَّة حُكْم الأصل في الفرع بعد معرفتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط.

стр. 211

وهذا هو الإطلاق المشهور. الثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها. الثالثة: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده. كما يظهر لي أن من قصر مدلول " تحقيق المناط " على إثبات عِلَّة حكم الأصل في الفرع كما هو في باب القياس إنما اكتفى بذكر أهم أفراد الكلي لا كل أفراده؛ لأن سياق بحثهم في ذلك الموضع كان يتعلَّق بأنواع الاجتهاد في العِلَّة القياسية. ولهذا فإن أقرب تعريفٍ جامعٍ لتلك الصور الداخلة تحته وبعبارة موجزةٍ، هو أن يقال: " تحقيق المناط: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده ". فإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي عِلَّةً فإثباتها في بعض صورها داخلٌ في التعريف. وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي قاعدةً كليةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فإثبات مقتضاها في بعض جزئياتها داخلٌ- أيضاً- في التعريف. وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي معنى لفظ عامُّ أو مطلقٍ فإثبات ذلك المعنى في بعض أفراده داخلٌ - أيضاً - في التعريف. وحيث أطلق لفظ " تحقيق المناط" في هذا البحث فإني أقصد به هذا المعنى الذي يشمل تلك الصور.

стр. 212

المبحث الثالث وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي تقدَّم أن تحقيق المناط في اللغة يعني: إثبات الموضع الذي عُلَّق به الشيء (١). كما تقدَّم أن تحقيق المناط في الاصطلاح يعني: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده (٢). ومن خلال النظر في كلا التعريفين تظهر بينهما علاقة عمومٍ وخصوص مطلق، فالتعريف اللغوي أعمُّ من التعريف الاصطلاحي، حيث يُطْلَق تحقيق المناط على إثبات ما تعلق به الشيء مطلقاً، بينما تحقيق المناط في الاصطلاح يختص بإثبات المعنى الذي تعلَّق به الحُكْم الشرعيُّ في بعض أفراده.

стр. 213

الفصل الثاني أقسام تحقيق المناط ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى نوع المناط. المبحث الثاني: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه. المبحث الثالث: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه.

стр. 214

المبحث الأول أقسام تحقيق المناط بالنظر النظر إلى نوع المناط تقدَّم أن تحقيق المناط يشمل ما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، أو كان المناط قاعدةً شرعيَّةً، أو كان المناط معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي (١). وبناءً على هذا فإن تحقيق المناط ينقسم باعتبار النظر إلى نوع المناط المراد تحقيقه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: تحقيق المناط باعتباره عِلَّةً، سواءً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٢). وصورته: أن تثبت عِلَّة حُكْم الأصل بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فيُجْتَهَد في التحقُّق من وجودها في فرعٍ ما. ومثاله: قوله ﷺ في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (٣). فالحديث يومئ إلى أن العِلَّة في الحُكْم بطهارة الهرة هي "الطواف"، فيبحث المجتهد في مدى تحققها في غير الهرة كالفأرة وصغار الحشرات (٤).

стр. 215

القسم الثاني: تحقيق المناط باعتباره قاعدةً شرعيَّة (١). وصورته: أن تثبت قاعدةٌ شرعيَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، فيبحث المجتهد في مدى تحقق مقتضاها في بعض فروعها أو جزئياتها. ومثاله: قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات "، فإن هذه القاعدة متفَقٌ عليها، غير إن التحقُّق من وجود مقتضاها في بعض الفروع أو الجزئيات يحتاج إلى اجتهاد (٢). القسم الثالث: تحقيق المناط باعتباره لفظاً عاماً تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ (٣). وصورته: أن يناط حُكْمٌ شرعيٌّ بلفظٍ عام، فيبحث المجتهد في تحقق معنى ذلك اللفظ العام في بعض أفراده. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فلفظ (الرِّبا) لفظٌ عامٌّ أنيط به حُكْمٌ شرعيٌّ وهو التحريم، فيبحث المجتهد في مدى تحقق معنى ذلك اللفظ العام في صورةٍ بعينها هل هي داخلةٌ تحته فتأخذ حكمه أوْ لا (٤)؟ القسم الرابع: تحقيق المناط باعتباره معنىً مطلقاً تعلَّق به حكمٌ شرعيُّ (٥). وصورته: أن يناط حكمٌ شرعيٌّ بمعنى مطلقٍ، فيبحث المجتهد في تحقُّق ذلك المعنى في بعض أفراده. ومثاله: أناط الشارع رفع الحدث بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته في حال وجوده والقدرة على استعماله، فيبحث المجتهد في تحقق ذلك المعنى المطلق - وهو كون الماء باقياً على أصل خلقته - في بعض أفراده هل ذلك الماء بعينه باقٍ على أصل خلقته فتصح به الطهارة أو لا؟ (٦).
следующие страницы →