← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذا هو الإطلاق المشهور. الثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها. الثالثة: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده. كما يظهر لي أن من قصر مدلول " تحقيق المناط " على إثبات عِلَّة حكم الأصل في الفرع كما هو في باب القياس إنما اكتفى بذكر أهم أفراد الكلي لا كل أفراده؛ لأن سياق بحثهم في ذلك الموضع كان يتعلَّق بأنواع الاجتهاد في العِلَّة القياسية. ولهذا فإن أقرب تعريفٍ جامعٍ لتلك الصور الداخلة تحته وبعبارة موجزةٍ، هو أن يقال: " تحقيق المناط: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده ". فإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي عِلَّةً فإثباتها في بعض صورها داخلٌ في التعريف. وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي قاعدةً كليةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فإثبات مقتضاها في بعض جزئياتها داخلٌ- أيضاً- في التعريف. وإن كان مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي معنى لفظ عامُّ أو مطلقٍ فإثبات ذلك المعنى في بعض أفراده داخلٌ - أيضاً - في التعريف. وحيث أطلق لفظ " تحقيق المناط" في هذا البحث فإني أقصد به هذا المعنى الذي يشمل تلك الصور.

стр. 212

المبحث الثالث وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي تقدَّم أن تحقيق المناط في اللغة يعني: إثبات الموضع الذي عُلَّق به الشيء (١). كما تقدَّم أن تحقيق المناط في الاصطلاح يعني: إثبات مُتَعَلَّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده (٢). ومن خلال النظر في كلا التعريفين تظهر بينهما علاقة عمومٍ وخصوص مطلق، فالتعريف اللغوي أعمُّ من التعريف الاصطلاحي، حيث يُطْلَق تحقيق المناط على إثبات ما تعلق به الشيء مطلقاً، بينما تحقيق المناط في الاصطلاح يختص بإثبات المعنى الذي تعلَّق به الحُكْم الشرعيُّ في بعض أفراده.

стр. 213

الفصل الثاني أقسام تحقيق المناط ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى نوع المناط. المبحث الثاني: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه. المبحث الثالث: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه.

стр. 214

المبحث الأول أقسام تحقيق المناط بالنظر النظر إلى نوع المناط تقدَّم أن تحقيق المناط يشمل ما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، أو كان المناط قاعدةً شرعيَّةً، أو كان المناط معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي (١). وبناءً على هذا فإن تحقيق المناط ينقسم باعتبار النظر إلى نوع المناط المراد تحقيقه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: تحقيق المناط باعتباره عِلَّةً، سواءً ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٢). وصورته: أن تثبت عِلَّة حُكْم الأصل بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ فيُجْتَهَد في التحقُّق من وجودها في فرعٍ ما. ومثاله: قوله ﷺ في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (٣). فالحديث يومئ إلى أن العِلَّة في الحُكْم بطهارة الهرة هي "الطواف"، فيبحث المجتهد في مدى تحققها في غير الهرة كالفأرة وصغار الحشرات (٤).

стр. 215

القسم الثاني: تحقيق المناط باعتباره قاعدةً شرعيَّة (١). وصورته: أن تثبت قاعدةٌ شرعيَّةٌ بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، فيبحث المجتهد في مدى تحقق مقتضاها في بعض فروعها أو جزئياتها. ومثاله: قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات "، فإن هذه القاعدة متفَقٌ عليها، غير إن التحقُّق من وجود مقتضاها في بعض الفروع أو الجزئيات يحتاج إلى اجتهاد (٢). القسم الثالث: تحقيق المناط باعتباره لفظاً عاماً تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ (٣). وصورته: أن يناط حُكْمٌ شرعيٌّ بلفظٍ عام، فيبحث المجتهد في تحقق معنى ذلك اللفظ العام في بعض أفراده. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فلفظ (الرِّبا) لفظٌ عامٌّ أنيط به حُكْمٌ شرعيٌّ وهو التحريم، فيبحث المجتهد في مدى تحقق معنى ذلك اللفظ العام في صورةٍ بعينها هل هي داخلةٌ تحته فتأخذ حكمه أوْ لا (٤)؟ القسم الرابع: تحقيق المناط باعتباره معنىً مطلقاً تعلَّق به حكمٌ شرعيُّ (٥). وصورته: أن يناط حكمٌ شرعيٌّ بمعنى مطلقٍ، فيبحث المجتهد في تحقُّق ذلك المعنى في بعض أفراده. ومثاله: أناط الشارع رفع الحدث بالماء الطهور الباقي على أصل خلقته في حال وجوده والقدرة على استعماله، فيبحث المجتهد في تحقق ذلك المعنى المطلق - وهو كون الماء باقياً على أصل خلقته - في بعض أفراده هل ذلك الماء بعينه باقٍ على أصل خلقته فتصح به الطهارة أو لا؟ (٦).

стр. 216

المبحث الثاني أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه إن تحقيق المناط -بصوره المختلفة- ليس على رتبةٍ واحدةٍ من الوضوح والجلاء، فقد يظهر وجود المناط أو عدمه في بعض الفروع بجلاء، وقد لا يظهر في فروعٍ أخرى إلا بمزيدٍ اجتهاد؛ وذلك لخفائه وغموضه، وبين المرتبتين مراتبٌ لا تنحصر، بعضها ينجذب إلى الطرف الأول، وبعضها الآخر ينجذب إلى الطرف الثاني. وقد أشار إلى ذلك الغزالي بقوله: "إذا بان لنا بالنصِّ -مثلاً- أن الرِّبا منوطٌ بوصف الطُّعم بقوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" (١)، أو بتصريحه -مثلاً- بأنه لأجل الطعام، فيتصدى لنا طرفان في النفي والإثبات واضحان، أحدهما: الثياب والعبيد والدُّور والأواني فإنها ليست مطعومةً قطعاً، وبينهما أوساطٌ متشابهةٌ ليس الحُكْم فيها بالنفي والإثبات جلياً: كدهن الكتَّان (٢)، ودهن البنفسج (٣)، والطين الأرمني (٤)،

стр. 217

والزعفران (١)، وأنها معدودةٌ من المطعومات أم لا؟ فيُحَتاج إلى نوعٍ من النظر في تحقيق معنى الطُّعم فيها أو نفيه عنها " (٢). وهذا المعنى لا يقتصر على تحقيق وجود العِلَّة في الفرع، بل يعمُّ سائر الصور التي يشملها الاجتهاد في تحقيق المناط بما في ذلك القواعد الكلية والألفاظ والمعاني المطلقة. وقد مثَّل الشاطبي لذلك بتحقيق معنى العدالة في المكلَّفين، فإذا " ثبت عندنا معنى العدالة شرعاً افتقرنا إلى تعيين مَنْ حصلت فيه هذه الصفة، وليس الناس في وصف العدالة على حدِّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً، فإذا تأملنا العدول وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة، طرفٌ أعلى في العدالة لا إشكال فيه ... كأبي بكر الصديق ﵁ وطرفٌ آخر وهو أول درجةٍ في الخروج عن مقتضى الوصف، كالمجاوز لمرتبة الكفر إلى الحُكْم بمجرد الإسلام، فضلاً عن مرتكبي الكبائر المحدودين فيها، وبينهما مراتبٌ لا تنحصر، وهذا الوسط غامضٌ لابدَّ فيه من بلوغ حدِّ الوسع وهو الاجتهاد" (٣). وبهذا الاعتبار ينقسم الاجتهاد في تحقيق المناط إلى قسمين: القسم الأول: تحقيق المناط الجلي . وصورته: أن يثبت المناط في بعض أفراده ثبوتاً واضحاً لا احتمال فيه. ومثاله: ما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر " (٤).

стр. 218

فهذا الحديث يدل على تحريم بيع الغرر، ومناط هذا الحُكْم هو الغرر، وقد ثبت هذا المناط وتحقق وجوده بجلاءٍ في بيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والحمل في البطن (١). القسم الثاني: تحقيق المناط الخفي . وصورته: أن يتردد ثبوت المناط في بعض أفراده بين طرفي الإثبات والنفي. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. فهذه الآية تدل على وجوب قطع يد السارق، ومناط هذا الحُكْم هو السرقة، وقد تردد ثبوت هذا المناط في بعض الصور كالنَّبَّاش (٢): هل يتحقق فيه مناط الحُكْم وهو السرقة فيجب فيه الحدُّ أوْ لا؟ (٣). وإذا تردد ثبوت المناط في بعض أفراده بين طرفي الإثبات والنفي احتيج حينئذٍ إلى بلوغ حدِّ الوسع في الاجتهاد؛ لإزالة ذلك الخفاء حسبما يأتي بيانه في مسالك تحقيق المناط (٤).

стр. 219

المبحث الثالث أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه ينقسم تحقيق المناط باعتبار مراتبه إلى: تحقيق المناط في الأنواع، وتحقيق المناط في الأشخاص أو الأعيان (١). وللشاطبي ﵀ قَصَبُ السَّبْق في توضيح هذا التقسيم، والتنبيه عليه، مع ذكر أمثلته (٢). وبيان هذين القسمين على النحو الآتي: القسم الأول: تحقيق المناط في الأنواع . ولعلَّ تسميته بذلك تغني عن تعريفه، وهو ما حدا بالشاطبي إلى الاقتصار على توضيحه بالأمثلة التي أوردها (٣). ومن خلال تأمل تلك الأمثلة يمكن بيان أن المراد به: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم - أي: مناطه - في الأنواع الداخلة تحته لا في أشخاصٍ معينة. فإذا اعتبرنا أن مُتَعَلَّق الحُكْم جنساً فالاجتهاد في إلحاق الأنواع الداخلة تحت حكمه دون النظر إلى أشخاصٍ معينةٍ يُعْتَبر من تحقيق المناط في الأنواع. ومثاله: إثبات مناط المِثْل في جزاء الصيد في بعض أنواعه.

стр. 220

فالمِثْلُ وَرَدَ في الشرع مطلقاً، والمطلوب من المجتهد تعيين أنواعه، فإذا قيل: الكبش مثلاً للضبع، والعنز مثلاً للغزال، والعَنَاق (١) مثلاً للأرنب، فهذا من تحقيق المناط في الأنواع، حيث اعتبر مناط المثلية جنساً، ثم أُثْبِتَ هذا المناط في بعض أنواعه الداخلة تحته دون النظر إلى أشخاصٍ معينة (٢). فهذا القسم يتعلق النظر فيه بالاجتهاد في إرجاع كلِّ نوعٍ إلى جنسه ليشمله حكمه، حتى لا يبقى نوعٌ من الأنواع إلا ويتحقق مناطه بإدراجه تحت جنسٍ معين، ولا يتعلق النظر فيه بالاجتهاد في أشخاصٍ معينة. القسم الثاني: تحقيق المناط في الأشخاص أو الأعيان . ومن خلال تأمل الأمثلة التي أوردها الشاطبي (٣) يمكن بيان أن المراد به: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم - أي: مناطه - في أشخاصٍ معينة. وهو نوعان: النوع الأول: تحقيقٌ عام، وهو: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم من حيث هو في مكلَّفٍ ما من غير التفاتٍ إلى شيءٍ غير القبول المشروع بالتهيئة الظاهرة (٤). وقد أوضح الشاطبي هذا المعنى بقوله: " وذلك أن الأول - أي: تحقيق المناط العام - نظرٌ في تعيين المناط من حيث هو لمكلَّفٍ ما؛ فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلاً، ووجد هذا الشخص متصفاً بها على حسب ما ظهر له، أوقع عليه ما يقتضيه النصُّ من التكاليف المنوطة بالعدول من الشهادات، والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة " (٥). وهذا المعنى مبنيٌّ على أن الأصل في الأحكام أن تُنَزَّل على أفعال

стр. 221

المكلَّفين باعتبارها مطلقةً من كلِّ قيدٍ، فإذا تحقق المجتهد من وجود مناط الحُكْم في المكلَّفين والمُخَاطَبين على الجملة أوقع عليهم أحكامَ تلك النصوص من غير التفاتٍ إلى شيءٍ غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة، فالمكلَّفون كلهم في أحكام النصوص على سواءٍ في هذا النظر (١). النوع الثاني: تحقيقٌ خاص، وهو: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلَّفٍ ما بالنظر إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، أو بالنظر إلى ما يصلحه في نفسه بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حالٍ، وشخصٍ دون شخص (٢). وكما يتضح من التعريف أن هذا النوع له صورتان: الصورة الأولى: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلفٍ ما بالنظر إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يُتَعَرَّف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى، والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها المجتهد على ذلك المكلَّف مقيَّدةً بقيود التحرُّز من تلك المداخل (٣). وهذه الصورة تشمل مُطْلَق التكليفات الشرعيَّة، وهو ما عبَّر عنه الشاطبي بقوله: " هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره " (٤). ويعني بذلك: أن هذه الصورة من تحقيق المناط الخاص تشمل ما طلب الشارع فعله أو تركه طلباً جازماً أو غير جازم، فكلُّ المطلوبات الشرعيَّة اللازمة وغيرها يدخله العُجْبُ به، والرياء، والسمعة، والاعتماد على العمل، وهكذا من تحميل النفس فيهما ما لا قدرة لها عليه، فيدخل بذلك في الضرر أو الحرج، فهذه القيود تخلِّص له العمل من تلك الشوائب (٥). الصورة الثانية: إثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في مكلَّفٍ ما بالنظر إلى ما يصلحه

стр. 222

في نفسه بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حال، وشخصٍ دون شخص (١). وذلك لأن النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزانٍ واحد، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك، فَرُبَّ عملٍ صالحٍ - غير لازم - يدخل بسببه على شخصٍ ضررٌ أو فترة، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر، وَرُبَّ عملٍ يكون حظُّ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عملٍ آخر، ويكون بريئاً من ذلك في بعض الأعمال دون بعض (٢). ولما كانت النفوس تختلف مقاصدها، وتتفاوت مداركها، وتتباين قوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، كان اللائق بالمقصود الشرعي في تلقي التكاليف أن يحمل على كلِّ نفسٍ من أحكام الشرع ما يليق بها ويصلحها (٣). وهذه الصورة من تحقيق المناط الخاص تقتصر على التكاليف الشرعيَّة غير اللازمة، ولهذا صرَّح الشاطبي بأن هذا النوع من النظر يختصُّ بغير المنحتم من التكاليف (٤)، وذلك باعتبار أن التكاليف اللازمة إذا وُجِدَ شرطها وانتقى مانعها فإنها لا تختلف باختلاف الأزمنة والأحوال والأشخاص، فالمكلَّفون فيها سواءٌ كما تقدَّم (٥). ومن الأمثلة على ذلك: إذا تحقَّق المجتهد من عدالة مكلَّفٍ ما، فإن هذا لا يكفي في توليته المناصب الشرعيَّة كالقضاء والإمامة والجهاد؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص في استعداداتهم العلمية والنفسية والجسدية، وإلا لم يحصل المقصود من تلك الولايات، فلابد أن يتعرف منه على ما يحقق مصالحها على أتمِّ وجه، كما أنه لابدَّ من أن يتعرف على مداخل الشيطان

стр. 223

والهوى والحظوظ العاجلة، وإلا عادت عليه تلك الولاية بفساد آخرته (١). ولما كان هذا النوع من تحقيق المناط يتعلق بالنظر إلى كلِّ واقعةٍ بعينها، وكلِّ مكلَّفٍ بخصوصه في حالٍ دون حالٍ ووقتٍ دون وقتٍ، اعتُبِر من أدقِّ أنواع الاجتهاد في الشريعة، وهو ناشئٌ بعد تحصيل شرائطه عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ومن رُزِق هذا النظر فقد أوتي الحكمة، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] كما أشار إلى ذلك الشاطبي ﵀ (٢). وهذا النوع من تحقيق المناط بُنِيَ الاجتهاد فيه على النظر في الأدلة الدالة على الأحكام مع اعتبار التوابع والإضافات الطارئة عليها، حيث إن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالِّها ينقسم إلى قسمين (٣): القسم الأول: الاقتضاء الأصلي قبل أن تطرأ العوارض، وهو الواقع على المحلِّ مجرَّداً عن التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة الصيد، والبيع، وسُنَّية النكاح. والقسم الثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحلِّ مع اعتبار التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة النكاح لمن لا أَرَبَ له في النساء، ووجوبه على مَنْ خشي العَنَت. فالنظر في تحقيق مناط الأشخاص يتعلق بالنظر إلى مكلَّفٍ بعينه وما يصلحه في نفسه، بحسبٍ وقتٍ دون وقتٍ، وحالٍ دون حال، وهذا مبنيٌّ على النظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام مع اعتبار التوابع والإضافات التي طرأت عليها.

стр. 224

الفصل الثالث حُكْم العمل بتحقيق المناط والأدلة على اعتباره ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: حُكْم العمل بتحقيق المناط. المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتحقيق المناط.

стр. 225

المبحث الأول حُكْم العمل بتحقيق المناط اتفق الأصوليون على إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ، ويجتهد في تحقيقه في الفرع. وقد حكى الإجماع على ذلك: العُكْبَري (١)، والغزالي (٢)، وابن قدامة (٣)، والطُّوفي (٤)، والآمدي (٥)، وابن السُّبْكي (٦)، وابن تيمية (٧)، والزركشي (٨)، والمرداوي (٩)، وابن النَّجار (١٠)، والشوكاني (١١). ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالنصِّ: وجوب استقبال القبلة، فالمناط -وهو التوجُّه إلى القبلة- معلومٌ بالنصِّ، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أمَّا إنَّ هذه جهة القبلة - مثلاً - في حالة الاشتباه فإنما يُدْرَك بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظنِّ عند تعذُّر اليقين (١٢).

стр. 226

ومثاله فيما إذا كان المناط معلوماً بالإجماع: وجوب المِثْل في قِيَم المُتْلَفَات، فالمناط - وهو المِثْل في القيمة - معلومٌ بالإجماع، أما المثلية في القيمة في بعض الصور الجزئية فمظنونٌ بقول المُقَوِمِين المبنيِّ على الاجتهاد والمقايسة، فمن أتلف فرساً فعليه ضمانه، والضمان هو المِثْل في القيمة، أما كون مائة درهمٍ مِثْلاً له في القيمة فإنما يُعْرَف بالاجتهاد (١). وهذا النوع من الاجتهاد يُعْتَبر من ضرورات الشريعة؛ لأن الشارع لا يمكن أن ينصَّ على حُكْم كلِّ واقعةٍ أو شخص، فالتنصيص على عدالة كلِّ شاهد، وقدر كفاية كلِّ شخصٍ مُحَال، وإنما جاءت الشريعة بألفاظٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مُطْلَقَةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر (٢). قال ابن تيمية: " فهذا الاجتهاد - أي: تحقيق المناط - مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروريٌّ في كلِّ شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكليَّة، ثم يُحْتَاج إلى معرفة دخول ما هو أخصّ منها تحتها من الأنواع والأعيان " (٣). والمناط إذا ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ فالاجتهاد في تحقيقه في إحدى صوره الجزئية لا يُعْتَبر من القياس؛ لأنه نوع اجتهادٍ اتُفِقَ على العمل به بين الأُمَّة حتى عند مُنْكِرِي القياس؛ وذلك لأنَّ المناط ثبت بيقينٍ فلم يبقَ إلا الاجتهاد في إثبات محلِّه، وهذا من ضرورات الشريعة، وإلا بقيت الأحكام الشرعيَّة مقررةً في الأذهان، ولا وجود لها في الخارج (٤).

стр. 227

قال الغزالي: " وهذا النوع لا خلاف بين الأُمَّة في قبوله، وهو ضرورة كلِّ شريعة؛ لاستحالة التنصيص على عدالة كلِّ شخصٍ وكفايته، وهو نوع اجتهادٍ وليس بقياس؛ لأنه لا خلاف فيه، أما القياس فقد جرى فيه الخلاف " (١). ونقل الزركشي عن العبدري أنه نازع الغزالي بأن الخلاف ثابتٌ فيه بين من يثبت القياس وينكره؛ لرجوعه إلى القياس (٢). ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن نفاة القياس لابدَّ أن يعملوا بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط إذا كان المناط معلوماً بنصٍّ أو إجماع؛ لأنه لا يمكن إثبات حُكْم النوع أو العين إلا بمثل هذا النوع من الاجتهاد، وهو لا يُسمَّى قياساً عند القائلين به إذا كان المناط معلوماً ثبت بنصٍّ أو إجماع، وإن سُمِّيَ قياساً كان نزاعاً لفظياً؛ لأن من لم يصطلح على تسميته بالقياس اعتبر أن حُكْم الفرع مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته، لذلك أقرَّ به جماعةٌ من مُنْكِرِي القياس (٣). قال ابن بدران الدمشقي: " والحقُّ أنَّ الذين نفوا القياس لم يقولوا بإهدار كلِّ ما يُسمَّى قياساً، وإن كان منصوصاً على عِلَّته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، وما كان من باب فحوى الخطاب أو لَحْنِه على اصطلاح من يُسمِّي ذلك قياساً، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته " (٤). أما إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط فقد اتفق القائلون بالقياس على

стр. 228

إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، حيث لا فرق في ذلك - عندهم- بين ثبوت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (١)، إلا أن الحنفية لم يصطلحوا على تسميته بـ " تحقيق المناط " مع إثبات العمل بمقتضاه والاحتجاج به (٢). وقد يُتَصَوَّر الخلاف مع نفاة القياس - كالظاهرية - في صحة العمل به إذا كان المناط عِلَّةً ثبتت بالاستنباط، وذلك بناءً على ما ذهبوا إليه من إبطال تعليل الأحكام (٣). قال الآمدي: " ولا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط " (٤). ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأنه لا اعتبار لخلاف الظاهرية في أصل العمل بالقياس، سواءً ثبتت عِلَّته بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط، وقد استقرَّ بحث الأصوليين على القول بتعليل الأحكام، والعمل بالقياس الصحيح، ولا عبرة بقول المخالف في ذلك؛ لكثرة الأدلة المتظافرة على إثبات التعليل في أحكام الشرع، وحجية دليل القياس (٥). وإذا ثبت تعليل الأحكام - كما تقدَّم (٦) - فإن كثيراً من العِلَل والمعاني التي أنيطت بها الأحكام الشرعيَّة وجوداً وعدماً غير منصوصٍ أو مُجْمَعٍ عليها، فتُدْرَك حينئذٍ بمسلكٍ من المسالك الاجتهادية المُعْتَبرة، والقول بعدم جواز

стр. 229

ذلك، والاكتفاء بالمعاني المنصوصة يفضي إلى إبطال الشرع جملةً. قال ابن القيم (١): "وهل إبطاله الحِكَمَ والمناسباتِ والأوصافَ التي شُرِعت الأحكام لأجلها إلا إبطالٌ للشرع جملةً، وهل يمكن فقيهاً على وجه الأرض أن يتكلَّم في الفقه مع اعتقاده بطلانِ الحِكْمَة والمناسبة والتعليل وقَصْدِ الشارع بالأحكام مصالحَ العباد؟ وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحِكَم والمصالح والعِلَل .. " (٢). وعلى هذا فإذا ثبت المناط بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ استلزم حينئذٍ الاجتهاد في التحقُّق من وجوده في الفروع والجزئيات الحادثة، وهو ما يُطْلَق عليه مُسمَّى: " الاجتهاد في تحقيق المناط ". ولا يؤثر في أصل العمل بهذا النوع من الاجتهاد كونُ المناط ثبت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط؛ لأنَّ المناط في هذه الصور ثبت بالدليل المعتبر من طريق الشرع، ولم يبق إلا الاجتهاد في التحقُّق من وجود ذلك المناط في بعض الصور والجزئيات التي تتجدَّد بتجدَّد الأزمنة والأمكنة والأحوال، فلا يؤثر في ذلك كون المناط مظنوناً أو معلوماً. قال الزركشي: " إذا ظننا أو علمنا العِلَّة، ثم نظرنا وجودها في الفرع، وظننا تحقَّق المناط، فهو تحقيق المناط " (٣). وعلى هذا فلا يشترط أن تكون المقدِّمة الأولى قطعية، وهي كون المناط في حُكْم الأصل مقطوعاً به، بل يصح أن تكون المقدِّمة الأولى ظنية، لأنَّ الظنَّ يقوم مقام العِلْم - عند تعذُّرة- في وجوب العمل به (٤). ومثاله: قوله ﷺ : " لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ إلا مثلاً بمثل" (٥)، فإن هذا النصَّ لم يدلّ على عِلَّة تحريم الرِّبا في البُرِّ لا صراحةً ولا إيماءً، كما لم يثبت

стр. 230

إجماعٌ في تعليل ذلك الحُكْم، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بأحد مسالك العِلَّة الاجتهادية، فيقال مثلاً: المناط في تحريم الرِّبا في البُرِّ هو " الطعم "، وقد ثبت ذلك بالظنِّ المستنِد إلى دليلٍ مُعْتَبَرٍ شرعاً في إدراك عِلَّة الحُكْم وهو مسلك السَّبْر والتقسيم (١)، والطعمُ موجودٌ في الأُرُز، فلا يجوز بيعُه إلا مِثْلاً بمِثْل (٢). فالمناط في هذا المثال ثبت بطريقٍ ظنيّ، ولم يؤثِّر ذلك في أصل العمل بالاجتهاد في تحقيق المناط وصحة الاحتجاج به؛ لأن الظنَّ يقوم مقام العِلْم في وجوب العمل به كما تقدَّم آنِفاً.

стр. 231

المبحث الثاني الأدلة على اعتبار العمل بتحقيق المناط في هذا المبحث سأتناول الأدلة على إثبات العمل بمقتضى الاجتهاد في تحقيق المناط، وهي على النحو الآتي: الدليل الأول: إن الشريعة لم تنصّ على حُكْم كلِّ واقعةٍ بعينها أو كلِّ شخصٍ بعينه؛ لأن الوقائع والحوادث لا حصر لها. قال الشهرستاني (١): " وبالجملة نعلم قطعاً ويقيناً أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرُّفات مما لا يقبل الحصر والعدّ، ونعلم قطعاً أنه لم يَرِد في كلِّ حادثةٍ نصٌّ، ولا يُتَصَوَّر ذلك أيضاً " (٢). وإنما جاءت الشريعة في أكثر الأحكام بأدلةٍ كليَّةٍ وألفاظٍ عامَّةٍ أو مُطْلَقَةٍ يندرج تحتها أفرادٌ من الوقائع والجزئيات لا حصر لها، ونبَّهت على المعاني التي تتعلَّق بها تلك الأحكام وجوداً وعدماً. قال الشاطبي: " ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنصّ على حُكْم كلِّ جزئيةٍ على حِدَتِها، وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر " (٣). وإذا كان الأمر كذلك لم يَبْقَ حينئذٍ إلا الاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق تلك الأحكام في الوقائع المتجدِّدة والجزئيات الحادثة، سواءٌ كان ذلك المُتَعَلَّق عِلَّةً أو قاعدةً كليَّةً أو معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ كما تقدَّم (٤)، فلا تبقى صورةٌ من

стр. 232

الصور الحادثة إلا وللمجتهد فيها نظرٌ حتى يحقِّق تحت أيِّ دليلٍ تدخل، ولو لم يكن ذلك مشروعاً لما تحقَّق معنى العموم في الشريعة مع تجدُّد الأزمنة والأمكنة والأحوال، وتعدُّد الوقائع والحوادث. قال ابن تيمية: " فالكتاب والسُّنَّة بيَّنا جميعَ الأحكام بالأسماء العامة، لكن يُحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهمٍ دقيقٍ ونظرٍ ثاقب لإدخال كلِّ معيَّنٍ تحت نوع، وإدخال ذلك النوع تحت نوعٍ آخر بيَّنه الرسول ﷺ ، وحينئذٍ فكلٌّ من الحوادث شملها خطابُ الشارع، وتناولها الاعتبار الصحيح، وخطاب الشارع العام الشامل دلَّ عليها بطريق العموم الذي يرجع إلى تحقيق المناط " (١). الدليل الثاني: إن المقصود من تقرير الأحكام الشرعيَّة تنزيلها على الوقائع والأشخاص المعينة في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا يمكن تصوُّر ذلك إلا بالاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام. قال الشاطبي: " المقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلَّفين على ... حسبها" (٢). ولو فُرِضَ عدم صحة العمل بالاجتهاد في تحقيق المناط لبقيت الأحكام الشرعيَّة مُطْلَقَةً لا تُتَصَوُّر إلا في الأذهان، ولا وجود لها في الخارج. قال الشاطبي: " ولو فُرِضَ ارتفاع هذا الاجتهاد لم تُنَزَّل الأحكام الشرعيَّة على أفعال المكلَّفين إلا في الذهن؛ لأنها مُطْلَقاتٌ وعمومات، وما يرجع إلى ذلك مُنَزَّلاتٌ على أفعالٍ مطلقاتٍ كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مُطْلَقَة، وإنما تقع مُعَيَّنَةً مُشَخّصَةً، فلا يكون الحُكْم واقعاً عليها إلا بعد معرفةٍ بأن هذا المُعَيَّن يشمله ذلك المُطْلَق أو ذلك العام " (٣).

стр. 233

ولهذا اعتبر العلماء الاجتهاد في تحقيق المناط من ضرورات الشريعة (١). قال ابن تيمية: " فهذا الاجتهاد مما اتفق عليه العلماء، وهو ضروريٌّ في كلِّ شريعة، فإن الشارع غاية ما يمكنه بيان الأحكام بالأسماء العامة الكليَّة، ثم يُحْتَاج إلى معرفة دخول ما هو أخصّ منها تحتها من الأنواع والأعيان " (٢). الدليل الثالث: لو فُرِض التكليف مع إمكان ارتفاع الاجتهاد في تحقيق المناط لكان ذلك تكليفاً بالمُحَال، وهو غير ممكنٍ شرعاً، كما أنه غير ممكنٍ عقلاً؛ لأنه لا يتأتَّى امتثال التكليف إلا بمعرفة المكلَّف به، وهي لا تكون إلا بهذا النوع من الاجتهاد، حيث إن معرفة المكلَّف به شرطٌ لإمكان الامتثال، وفَقْدُه رافعٌ لهذا الإمكان، فيكون التكليف مع عدم إمكان الامتثال تكليفاً بالمُحَال، والتكليف بالمُحَال غير واقعٍ شرعاً، كما أنه غير واقعٍ عقلاً (٣). وبناءً على هذا فإن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يقتصر على الحاكم والمفتي، بل يشمل كلَّ مكلَّفٍ في نفسه فيما كان واضحاً بالنسبة له، لأنه أَعْرَفُ بحال نفسه. قال الشاطبي: " فالحاصل أنه لابدَّ منه بالنسبة إلى كلِّ ناظِرٍ وحاكِمٍ ومفتٍ، بل بالنسبة إلى كلِّ مكلَّفٍ في نفسه " (٤). ثم ضرب على ذلك مثالاً يوضحه فقال: " فإن العامِّي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهواً من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرةً فمغتفَرة، وإن كانت كثيرةً فلا، فوقعت له في صلاته زيادة، فلابدَّ له من النظر فيها حتى يردَّها إلى أحد القسمين، ولا يكون ذلك إلا باجتهادٍ ونظر، فإذا تعيَّن له قِسْمُها تحقَّق له مناط الحُكْم، فأجراه عليه،

стр. 234

وكذلك سائر تكليفاته " (١). وذلك لأن تحقيق المناط من مستلزمات الامتثال لأحكام الشريعة؛ إذ لا يُتَصَوّر الامتثال بدون معرفة المكلَّف به، ومعرفةُ المكلَّف به منوطةٌ بإثبات مُتَعَلَّق الحُكْم في ذلك الشيء، وهو الاجتهاد في تحقيق المناط (٢). قال الشاطبي في بيان منزلة هذا الدليل: " وهو أوضح دليلٍ في المسألة" (٣). الدليل الرابع: إن النبي ﷺ كان يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص، وينزِّل الأحكام على كلِّ مكلَّفٍ بما يليق به، ويتحقَّق معه مقصود الشريعة في ذلك الحُكْم، وهذا يستلزم إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في محلٍّ ما، وهو تصرُّفٌ يدل على صحة اعتبار هذا النوع من الاجتهاد، ومن ذلك: أولاً: سُئِل رسول الله ﷺ في أوقاتٍ مختلفةٍ عن أفضل الأعمال فأجاب بإجاباتٍ مختلفةٍ، كلُّ إجابةٍ لو حُمِلت على إطلاقها أو عمومها لاقتضى ذلك التضادَّ مع غيره في التفضيل، ولكن التفضيل لم يقع مطلقاً، إنما كان بحسب اختلاف الأحوال والأشخاص (٤). فقد جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله ورسوله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجٌّ مبرور" (٥). وعن ابن مسعود (٦) ﵁ قال: " سأَلْتُ النبيَّ ﷺ أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيُّ؟ قال ثم ... بِرُّ الوالدين، قلت: ثم

стр. 235

أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله " (١). وعن أبي أمامة (٢) ﵁ قال: " أتيتُ رسولَ الله صلى الله ﷺ فقلتُ: مُرْني بأمرٍ آخُذُهُ عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له " (٣). وعن عبدالله بن عمرو (٤) ﵄: أن رجلاً سألَ النبيَّ ﷺ : أيُّ الإسلام خير؟ قال: تُطِعمُ الطعام، وتَقْرأ السلامَ على مَنْ عَرَفْت ومَنْ لم تَعْرفْ" (٥). فهذه الأحاديث التي أجاب فيها النبيُّ ﷺ عن أفضل الأعمال بأجوبةٍ مختلفة، لو حُمِلَت كلُّ إجابةٍ على الإطلاق أو العموم لاقتضى ذلك التضادَّ في التفضيل، ولكنَّ التفضيل لم يقع مطلقاً، إنما كان بحسب وقتٍ دون وقت، وحالٍ دون حال، وشخصٍ دون شخص. قال الشاطبي: " جميعها يدلُّ على أن التفضيل ليس بمُطْلَق، ويشعِر إشعاراً ظاهراً بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت أو إلى حال السائل" (٦). ثانياً: دعا النبيُّ ﷺ لأنس ﵁ بكثرة المال حيث قال ﵊: " اللهم أَكْثِر مالَه وولَده، وبارك له فيما أعطيته " (٧). وقال لثعلبة بن حاطب (٨) ﵁ حين سأله الدعاء له بكثرة المال: " قليلٌ تؤدي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه " (٩).

стр. 236

ويظهر أن النبي ﷺ راعى اختلاف حال الشخصين، وما هو أصلح في حقِّ كلٍّ منهما في دنياه وآخرته. ثالثاً: نهى النبيُّ ﷺ أبا ذرٍّ الغفاري (١) ﵁ عن الإمارة والولاية على مال اليتيم حيث قال له: " يا أبا ذرٍّ إنيِّ أراك ضعيفاً وإني أُحِبُّ لك ما أُحِبَّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين ولا تولَّينَّ مالَ يتيم " (٢). ومعلومٌ أن كلا العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحقِّ الله، وقد قال ﷺ : " إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين " (٣). وقال ﷺ : " أنا وكافل اليتيم في الجَنَّة هكذا " وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (٤). ويظهر أن النبي ﷺ نهى أبا ذرٍّ ﵁ عن هذين العملين لما علم له خصوصاً في ذلك من الصلاح في شأنه بترك ذلك، وكلُّ ولايةٍ لها شروطها التي قد تتوافر في شخصٍ دون آخر (٥). رابعاً: فرَّق النبيُّ صلى الله عيه وسلم في قبول الصدقات بين الصحابة ﵃، حيث قَبِل ﷺ من أبي بكر ﵁ كلَّ مالِه (٦)، ونَدَبَ كعباً (٧) ﵁ إلى استبقاء بعضه وقال: " أَمسِكْ عليك بعض مالِك فهو خيرٌ لك " (٨)، وجاء آخر بمثل البيضة من

стр. 237

الذهب فردَّها في وجهه، وقال: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يَسْتَكِفُّ الناسَ، خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنَى" (١). ويظهر أن النبي ﷺ راعى في ذلك اختلاف أحوال الأشخاص، وما هو أصلح في حقِّ كلِّ واحدٍ منهم في دنياه وآخرته. فهذه الأحاديث وغيرها كلُّها تدلُّ على أن النبي ﷺ كان يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص، وينزِّل الأحكام على كلِّ مكلَّفٍ بما يليق به، وهذا لا يُتَصَوّر إلا بإثبات مُتَعَلَّق الحُكْم الشرعي في بعض أفراده، وهو تصُّرفٌ نبويٌّ يُعْتَبر من صور الاجتهاد في تحقيق المناط الخاص، كما أنه دليلٌ على اعتبار أصل هذا النوع من الاجتهاد جملة؛ لأنه مندرجٌ في عموم الاستدلال على إثبات العمل في تحقيق المناط (٢). قال الشاطبي: " وما تقدَّم وأمثاله كافٍ مفيدٌ للقطع بصحة هذا الاجتهاد" (٣).

стр. 238

الفصل الرابع ضوابط تحقيق المناط ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها. المبحث الثاني: مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة. المبحث الثالث: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين. المبحث الرابع: مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين. المبحث الخامس: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.

стр. 239

الفصل الرابع ضوابط تحقيق المناط ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها. المبحث الثاني: مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة. المبحث الثالث: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلفين. المبحث الرابع: مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين. المبحث الخامس: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.

стр. 240

المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها . التصوُّر هو: حصول صورةٍ لشيءٍ في العقل، وإدراك ماهيته من غير أن يُحْكْم عليها بنفيٍّ أو إثبات (١). والمراد بهذا الضابط: أن يحيط المجتهد بأطراف الواقعة، ومكوناتها، وأوصافها، وأسبابها، وآثارها، قبل إيقاع الأحكام الشرعيَّة عليها. وهذا الضابط يشتمل على جانبين: الأول: التصوُّر الصحيح لحقيقة الواقعة. والثاني: التصوُّر التام للجوانب الأخرى المتعلِّقة بالواقعة. وقد جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري (٢) ﵃ ما يؤكد أهمية الفهم الدقيق للواقعة قبل الحُكْم عليها، حيث قال له: "ثم الفهم فيما أُدِلَى إليك مما ورد عليك مما ليس فيه قرآنٌ ولا سُنَّة" (٣). قال ابن القيم ﵀: "ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحُكْم بالحقِّ إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به عِلْمَاً.

стр. 241

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكْم الله الذي حَكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبِّق أحدهما على الآخر " (١). وذلك أن الحُكْم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فالاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض جزيئاته، وإدراج ذلك الجزئي تحت حُكْم الكلي، مبنيٌّ على تصوُّر محلِّ ذلك الحُكْم الشرعي، ومعرفةِ حقيقته. قال ابن السعدي (٢): " جميع المسائل التي تحدث في كلِّ وقت، وسواءٌ حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تُتَصَوَّر قبل كلِّ شيء، فإذا عُرِفت حقيقتها، وشُخِّصَت صفاتها، وتصوَّرها الإنسان تصوُّراً تامّاً بذاتها ومقدماتها ونتائجها، طُبِّقَت على نصوص الشرع وأصوله الكلية " (٣). وكلُّ من يحْكُم على شيءٍ فإنما يحْكُم عليه بناءً على الصورة الحاصلة في ذهنه، فلابدَّ من مطابقة صورة الشيء الحاصلة في الذهن مع صورته في الخارج (٤). والتقصير في تصور الواقعة أو الخطأ في ذلك يؤدي - غالباً - إلى الخطأ في تنزيل الحُكْم الشرعي على تلك الواقعة. ولهذا فإن أكثر أخطاء المجتهدين ترجع إلى التقصير أو الخطأ في تصوُّر محلِّ الحُكْم الشرعي. قال الحجوي (٥): " وأكثر أغلاط الفتاوى من التصورّ " (٦). ولا شك أن التصوُّر الصحيح التام للواقعة يجنِّب المجتهد الخلط بين المسائل المفضي إلى الخطأ في إجراء الأحكام على تلك الواقعات، فعلى المجتهد أن يبين حقائق الواقعات لاسيما التي قد تتشابه صورةً وتختلف معنى وحكماً، أو التي يكتنفها الالتباس في معرفة حقيقتها.

стр. 242

والتمييز بين مشتبه الواقعات، والتفريق بينها في الأحكام، إنما يستند إلى صحة التصوُّر وتمامه لكلِّ واقعة، ومعرفة الفروق المؤثرة بينها وبين غيرها. وقد نبَّه ابن القيم ﵀ على صورٍ عديدةٍ من ذلك حيث قال: " فالمفتي تَرِدُ إليه المسائل في قوالب متنوعةٍ جداً، فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك، فتارةً تُورد عليه المسألتان صورتهما واحدةٌ وحكمهما مختلف، فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمُحَرَّم، ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق اللهُ ورسولُه بينه، وتارةً تُورد عليه المسألتان صورتهما مختلفةٌ وحقيقتهما واحدةٌ وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرِّق بين ما جمع الله بينه، وتارةً تُورد عليه المسألة مجمَلةً تحتها عدة أنواعٍ فيذهب وهْمُه إلى واحدٍ منها، ويذهل عن المسؤول عنه منها، فيجيب بغير الصواب " (١). ومن لوازم التصوُّر الصحيح للوقائع أن ينظر المجتهد في حقائقها، وأن لا يغترَّ بمسمياتها الخادعة وقوالبها المزخرفة؛ إذ الأحكام الشرعيَّة إنما تتعلَّق بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني. قال ابن القيم: " وتارةً تُورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالَبٍ مزخرَفٍ ولفظٍ حَسَنٍ فيجيب بغير الصواب، فيبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل " (٢). ولاسيما في مثل هذا العصر الذي غُيَّرت فيه كثيرٌ من المُسْمَّيات وسُمِّيت بغير اسمها. فالرِّبا يُسمّى فائدةً أو تمويلاً أو تسهيلاتٍ بنكيةٍ ونحو ذلك، والخمر يُسمَّى مشروباً روحيَّاً، وألعاب القمار والميسر تُسمَّى مسابقات، والرشوة تسمى هديةً أو إكراميةً، وغير ذلك كثير.

стр. 243

ومن لوازم التصور الصحيح للوقائع أن يستفصل المفتي من المستفتي في مسألته إذا كانت المسألة فيها تفصيلٌ وتختلف فيها الأحكام من صورةٍ إلى أخرى (١). وقد " استفصل النبي ﷺ ماعزاً (٢) لما أقرَّ بالزنا، هل وُجِدَ منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنونٌ فيكون إقراره غير مُعْتَبَرٍ أم هو عاقل؟ فلما عَلِمَ عقله استفصله: بأن أمر باستنكاهه (٣) ليُعْلَم هل هو سكرانٌ أو صاحٍ؟ فلما عَلِمَ أنه صاحٍ استفصله: هل أُحْصِنَ أم لا؟ فلما عَلِمَ أنه قد أُحِصنَ أقام عليه الحدّ" (٤). و" كذلك إذا سئل عن رجلٍ حَلَف لا يفعل كذا وكذا ففعله، لم يجز للمفتي أن يفتي بحنثه حتى يستفصله: هل كان ثابت العقل وقت فعله أم لا؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختاراً في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختاراً فهل استثنى عقيب يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالِماً ذاكراً مختاراً أم كان ناسياً جاهلاً أو مُكْرَهاً؟ وإذا كان عالِماً مختاراً فهل كان المحلوف عليه داخلاً في قصده ونيته أو قَصَدَ عدمَ دخوله فخصَّصه بنيته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه، فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله " (٥). وإذا كانت الواقعة لها تعلُّقٌ بعلمٍ من العلوم غير الشرعيَّة لزم المجتهد الرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة في ذلك العلم؛ لتصوير الواقعة، ومعرفة حقيقتها، وأوصافها، وأثارها. فالواقعة قد يكون لها تعلُّقٌ بعلم الطب أو الاقتصاد أو الفلك أو السياسة أو الإعلام أو غير ذلك من العلوم الأخرى، فحينئذٍ يرجع المجتهد إلى أهل

стр. 244

الاختصاص والخبرة في ذلك العلم؛ لتوصيف الواقعة، وبيان حقيقتها، والملابسات المحيطة بها. قال ابن السعدي: " فالطريق إلى الحُكْم العِلْمُ التامُّ بالواقع ليتمكن من الحُكْم عليه، وعند الاشتباه في الجزئيات يُرْجَع فيه إلى أهل الخبرة فيه" (١). والرجوع إلى أهل الاختصاص والخبرة في تصوير الوقائع يحصل بالرجوع إليهم مباشرةً، وذلك بسؤالهم والإفادة منهم، أو الرجوع إلى دراساتهم الموثوقة حول تلك الواقعة، أو الرجوع إلى الموسوعات المتخصِّصة في العلم الذي له تعلُّقٌ بتلك الواقعة ومصطلحاتها، ولاسيما الموسوعات الصادرة عن الهيئات العلمية ومراكز الأبحاث المتخصِّصة. وقد اعتبر مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشر أن من شروط الإفتاء: " الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصُّصات المختلفة لتصوُّر المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها " (٢). وإذا تقرر أن التصور التام للواقعة من مستلزمات تحقيق المناط، فإنه إذا لم يحصل للمجتهد تصورٌ تامُّ لواقعةٍ ما لزمه شرعاً أن يتوقف عن إصدار الحُكْم فيها، ولاسيما في الوقائع التي تحيط به ملابساتٌ كثيرةٌ ولم يسبق للمجتهد استكمال النظر فيها؛ لأن الحُكْم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، وإيقاعُ الأحكام على فروعٍ لم يحصل فيها تصوَّرٌ تامٌّ للمجتهد يُعْتَبر من القول على الله بلا علم.

стр. 245

المبحث الثاني مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة إن الاجتهاد في تحقيق مناطات الأحكام يستلزم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ واقعة، والأعراف التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ لأن الحُكْم يدور مع مناطه وجوداً وعدماً، وقد يطرأ على الوقائع من اختلاف الأحوال وتغيُّر الأعراف بحسب الأزمنة والأمكنة ما يؤثر في اختلاف الأحكام، وهو ما يجب على المجتهد مراعاته في تحقيق المناط. قال ابن عابدين (١): " كثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغيُّر عُرْفِ أهلِه، أو لحدوثِ ضرورة، أو لفسادِ أهلِ الزمان، بحيث لو بقي الحُكْم على ما كان عليه أوَّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف واليسر ودفع الظلم والفساد، لبقاء العالم على أتمِّ نظامٍ وأحسَن أحكام .. " (٢). وهذا الضابط مبنيٌّ على أنَّ اقتضاء الأدلة للأحكام الشرعيَّة بالنسبة إلى محالِّها على وجهين (٣): أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على المحلِّ مجرَّداً عن التوابع والإضافات، كالحُكْم بإباحة الصيد، والبيع، والإجارة، وسَنِّ النكاح، وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك. والثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحلِّ مع اعتبار التوابع

стр. 246

والإضافات، كالحُكْم بإباحة النكاح لمن لا أَرَبَ له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن غلب عليه اللهو. فإنْ أَخَذَ المُسْتَدِلُ الدليلَ على الحُكْم مجرَّداً عن قيد الوقوع صح الاستدلال، وإن أخذه بقيد الوقوع - وهو التنزيل على مناطٍ معين- لم يصح استدلاله إلا بالنظر إلى توابعه والإضافات المقترنة به (١). قال الشاطبي: " ومن اعتبر الأقضية والفتاوى الموجودة في القرآن والسُّنَّة وجدها على وفق هذا الأصل " (٢). وعلى هذا فالاجتهاد في إثبات مُتَعَلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، وما يحيط به من أحوالٍ وملابسات (٣). قال الشاطبي: " وعند ذلك لا يصح للعالِم إذا سُئِل عن أمرٍ كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأنه سُئِل عن مناطٍ مُعَيَّنٍ فأجاب عن مناطٍ غير مُعَيَّن " (٤). ومن الأمثلة على ذلك: أن يُسأل المستفتي عن حُكْم بيع الدرهم من سِكَّة كذا بدرهمٍ في وزنه من سِكَّةٍ أخرى، أو المسكوك بغير المسكوك وهو في وزنه؟ فيجيبه المسؤول بأن الدرهم بالدرهم سواءً بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فإنه لا يحصل له جواب مسألته من ذلك الأصل؛ إذ له أن يقول: فهل ما سألتك عنه من قبيل الرِّبا أم لا؟ أما لو سأله: هل يجوز الدرهم بالدرهم وهو في وزنه وسِكَّتِه؟ فأجابه كذلك لحصل المقصود (٥).

стр. 247

وإذا كان الاجتهاد في إثبات متعلَّق حُكْمٍ شرعيٍّ في بعض أفراده يستلزم أخذَ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى ذلك المحل، فهذا يعني لزوم مراعاة اختلاف الأحوال التي تحيط بكلِّ محلٍّ، فأحوال الضعف غير أحوال القوة، وأحوال الاضطرار وعموم البلوى غير أحوال السعة والاختيار. ومما ذكره إمام الحرمين تخريجاً على هذا الأصل: " إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله ولم يجدو إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة في حقِّ الناس كافَّة تُنَزَّل منزلة الضرورة في حقِّ الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته ولم يتعاط المَيْتَة لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة." (١). كما يستلزم أخذُ الدليل على وفق الواقع بالنسبة إلى كلِّ محلٍّ مراعاةَ اختلاف العوائد، فقد جرت سُنَّة الله تعالى على أن عوائد الناس تختلف باختلاف أزمنتهم وأمكنتهم. قال ابن خلدون (٢): " إن أحوال العالَم والأمم وعوائدهم ونِحَلَهُم لا تدوم على وتيرةٍ واحدةٍ ومنهاجٍ مستقر، إنما هو اختلافٌ على الأيام والأزمنة، وانتقالٌ من حالٍ إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٣) [غافر: ٨٥]. وبناءً على هذا المعنى قرَّر الفقهاء قاعدة: " لا ينكر تغيُّر الاجتهاد بتغيُّر الزمان والمكان والحال " (٤). وعقد ابن القيم ﵀ فصلاً ماتعاً في كتابه " إعلام الموقعين " (٥) بعنوان:

стр. 248

" فصلٌ في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيَّات والعوائد ". وقال في بيان أهميته: " هذا فصلٌ عظيم النفع جداً، وقد وقع بسبب الجهل به غلطٌ على الشريعة أوجبَ من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعْلم أن الشريعة الباهرة التي هي أعلى رتب المصالح لا تأتي به" (١). ثم أقام الأدلة على صحة ذلك، وذكر عليه أمثلةً كثيرةً من أبواب فقهية متفرِّقة (٢). ومن الأمثلة التي ذكرها على تغيُّر الفتوى بتغيُّر العرف والعادة: الاجتهاد في موجبات الأيمان والإقرار والنُّذور، وألفاظ الطلاق والعتاق والأوقاف والوصايا، وغيرها مما يتعلق اللفظ فيها بعُرْف المتكلِّمين به (٣). وقال ﵀: " لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق اللفظ بما اعتاده هو من فَهِمَ تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرْف أهلها والمتكلِّمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإلا كان مخالفاً لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلّ " (٤). ومما يتخرَّج - أيضاً - على هذا الأصل: تغيُّر بعض الأحكام المتعلِّقة بالنقود في المعاملات، والعيوب في البيوعات، وذلك بحسب تغيُّر العوائد في تلك الأحكام. قال القرافي: " الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، فتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد، والسِّكَّة إلى سِكَّةٍ أخرى لحُمِل الثمنَ في البيع عند الإطلاق على السِّكَّة التي تجدَّدت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عَيْبَاً في الثياب في عادةٍ رددنا به المبيع، فإذا

стр. 249

تغيَّرت العادة، وصار ذلك محبوباً موجباً لزيادة الثمن لم تُرَدَّ به، وبهذا القانون تُعتَبر جميع الأحكام المترتِّبة على العوائد، وهو تحقيقٌ مُجْمَعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف فيه " (١). وهذه القاعدة ليست على إطلاقها، إنما تختصُّ بالأحكام الاجتهادية التي تُبْنَى على المصلحة المرسلة أو العوائد المُعْتَبرة؛ لأن وجوه المصالح والعوائد تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، أما الأحكام الثابتة بالنصِّ أو الإجماع كأصول الدين، وأركان الإسلام، وما عُلِمَ من الدِّين بالضرورة، والحدود، والمقدَّرات الشرعيَّة، ونحو ذلك، فإنها لا تتغيَّر بتغيُّر الأزمنة والأمكنة، وإلا أدَّى ذلك إلى إبطال الشرع بتحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله، تحت دعوى تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمنة والأمكنة (٢). وقد ذكر الشاطبي أن العادات على ضربين (٣): أحدهما: العوائد الشرعيَّة التي أقرَّها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أَمَرَ بها إيجاباً أو ندباً، أو نهى عنها كراهةً أو تحريماً، أو أَذِنَ فيها فعلاً أو تركاً. والثاني: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا اتباعه دليلٌ شرعي. فأمَّا الأول فثابتٌ أبداً كسائر الأمور الشرعيَّة، كالأمر بإزالة النجاسات، وستر العورات، فهذه العادات لا تبديل لها. وأما الضرب الثاني فمنها: ما يكون مُتَبَدِّلاً في العادة من حُسْن إلى قُبْحٍ والعكس، مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد المشرقية، وغير قبيحٍ في البلاد المغربية،

стр. 250

فالحُكْم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح؛ لأن ما يختلف بحسب العادات يتنزَّل الحُكْم عليه بحسب ... ذلك (١). ومنها: ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجلِ كذا دون غيره، فالحُكْم أيضاً جارٍ على ذلك بحسب تلك العوائد (٢). وتغيُّر الاجتهاد أو الفتوى ليس راجعاً إلى خطاب الشارع في ذاته؛ لأن الحُكْم الشرعي لا يتغيَّر متى كان المناط واحداً في كلِّ صورة، وإنَّما يرجع التغيُّر هنا إلى اختلاف مناط الحُكْم، إما لاختلاف صورة المحكوم عليه، أو بسبب العوارض الطارئة عليه، فيكون داخلاً تحت أصلٍ شرعيٍّ آخر. قال الشاطبي: " فاعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلافٍ في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوعٌ على أنه دائمٌ أبديٌّ، لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع على مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كلُّ عادةٍ إلى أصلٍ شرعيٍّ يُحُكْم به عليها " (٣). ولما كانت الأحكام المترتِّبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وهي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، اشْتُرط في المجتهد أن يكون عارفاً بعادات الناس وأحوالهم، وإلا عاد اجتهاده على مقاصد الشريعة بالإبطال. قال ابن القيم: " فهذا - أي: معرفة الناس - أصلٌ عظيمٌ يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهاً فيه فقيهاً في الأمر والنهي، ثم يُطَبِّق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفْسِد أكثر مما يُصْلِح .. " (٤).
следующие страницы →