المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
قسم الشريعة - تخصص أصول الفقه
الاجتهاد في المناط عند الأصوليين
وعلاقته بالأدلة الشرعية
وتطبيقاته في فقه النوازل المعاصرة
стр. 2
بحث مقدَّم لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه
إعداد
بلقاسم بن ذاكر بن محمد الزُّبيدي
إشراف
أ. د. غازي بن مرشد العتيبي
١٤٣٤ هـ - ١٤٣٥ هـ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن من أعظم أوصاف الشريعة المحمدية أنها شريعةٌ عامة , وهذا الوصف يشمل العموم في خطاب المكلَّفين بها ,كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
كما يشمل العموم في تناولها لأحكام الواقعات بالنصِّ أو الاجتهاد في كل زمانٍ ومكان, كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 5
قال الشافعي ﵀: " "فليستْ تنزلُ بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها." (١).
وقال الخطابي: "الله تعالى لم يترك شيئاً يجب له حكمٌ إلا وقد جعل فيه بياناً، ونصب عليه دليلاً ولكن البيان ضربان، بيانٌ جليٌّ يعرفه عامة الناس كافة، وبيانٌ خفيٌّ لا يعرفه إلا الخاصّ من العلماء الذين عُنوا بعلم الأصول فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرق القياس والاستنباط , وردِّ الشيء إلى المثل والنظير" (٢).
ولاريب أن العموم في خطاب المكلَّفين وأحكام الواقعات يستلزم الاجتهاد في استنباط المعاني التي أنيطت بها الأحكام في الكتاب والسُّنَّة , ثم الاجتهاد في إدراج الأشخاص المعينة والحوادث المستجدة في كل زمانٍ ومكانٍ تحت تلك المعاني التي أنيطت بها أحكامها.
وذلك لأن " الشريعة لم تنصّ على حكم كلِّ جزئيةٍ على حِدتها , وإنما أتت بأمورٍ كليةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر" (٣).
وبناءً على ذلك فإن " كل حكمٍ لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالةٌ فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حُكِم به لمعنىً من المعاني، فنزلت نازلةٌ ليس فيها نصُّ حكمٍ: حُكِم فيها حكمُ النازلة المحكومِ فيها، إذا كانت في معناها" (٤).
ويعتبر الاجتهاد في استنباط الأوصاف والمعاني التي أنيطت بها أحكام الشريعة, وتنزيلها على الوقائع والمستجدات المختلفة في كل عصرٍ ومصرٍ من أدقِّ أنواع الاجتهاد في الشريعة.
قال ابن تيمية: " فالكتاب والسُّنة بيَّنا جميعَ الأحكام بالأسماء العامة , لكن يحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهمٍ دقيقٍ ونظرٍ ثاقبٍ لإدخال كلِّ
стр. 6
معينٍ تحت نوع, وإدخال ذلك النوع تحت نوعٍ آخر بيَّنه الرسول ﷺ " (١).
ولما كان الاجتهاد في مناطات الأحكام استنباطاً وتنزيلاً من أدقّ أنواع الاجتهاد في الشريعة لقي هذا الموضوع مزيد اعتناءٍ عندي , ووقع عليه الاختيار دون غيره من الموضوعات.
أسباب اختيار الموضوع:
من أهم الأسباب التي دفعتني لبحث هذا الموضوع -إضافةً إلى ماتقدم- مايأتي:
١ - إن شرف العلم بشرف المعلوم، وشرف البحث بشرف المبحوث، وهذا البحث يتعلق بأهم مباحث أصول الفقه , وهو الاجتهاد في الأوصاف والمعاني التي أنيطت بها الأحكام استنباطاً وتنقيحاً وتنزيلاً على الأشخاص والأحوال والوقائع المستجدَّة في كل عصرٍ ومصر.
٢ - الاجتهاد في المناط يتعلق غالباً بالنظر في أهم ركنٍ من أركان القياس وهو العِلَّة؛ وذلك لأن الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط تشترك كلها في أنها تَرِدُ على العِلَّة، إما لتنقيحها إذا كانت العِلَّة منصوصةً واقترنت بها أوصافٌ لاتصلح للعليَّة، أو لتخريجها إذا كانت العِلَّة مستنبطة، أو لتحقيقها في الفرع سواءً ثبتت العِلَّة في حكم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط.
ويعتبر الاجتهاد في العِلَّة من أدقِّ مباحث القياس الأصولي, وأكثرها اشتباهاً, وأشدها التباساً , وهو أمرٌ يستدعي البحث والتحقيق في المطالب المتعلقة بالاجتهاد فيها.
٣ - الاجتهاد في المناط يشمل جميع الأحكام الشرعية، فلا يخلو حكمٌ شرعيٌّ من الحاجة إلى النظر في تنقيح المناط أو تحقيقه أو تخريجه.
قال الشاطبي: " ولو فُرِض ارتفاع هذا الاجتهاد - أي: تحقيق المناط - لم تنزَّل الأحكام الشرعية على أفعال المكلَّفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقاتٌ
стр. 7
وعمومات, وما يرجع إلى ذلك منزَّلاتٌ على أفعال مطلقاتٍ كذلك , والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة , وإنما تقع معينةً مشخصةً , فلا يكون الحكم واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام " (١).
٤ - الاجتهاد في المناط يتعلق بجميع الأدلة الشرعية، ولا يخلو دليلٌ شرعيٌّ من تعلُّقٍ بأحد أنواعه الثلاثة.
٥ - الاجتهاد في المناط سببٌ من أهم أسباب اختلاف المجتهدين في عامة أبواب الشريعة.
فالناظر في كثيرٍ من المسائل الخلافية بين المجتهدين في القديم والحديث يجد أن من أهم أسباب الاختلاف في تلك المسائل ما يرجع إلى الاختلاف في مناط الحكم ,ومعرفة المحكوم فيه على حقيقته, وما يدخل فيه وما لا يدخل ,ومكونات الأشياء ومميزاتها ,وخصائص الأعيان وأوصافها, وأسباب الأفعال ومآلاتها, ونحو ذلك مما له تأثيرٌ في الحكم حسب نظر المجتهد.
وكما يقول ابن رشد القرطبي: " لربما اتفقوا على مضمون القاعدة الأصولية أو الفقهية إلا أنهم يختلفون في تحققها في الواقعة والنازلة المعروضة " (٢).
٦ - كثرة الوقائع والحوادث التي تختلف أحكامها بحسب اختلاف مناطاتها، وهو ما يستوجب ضبط الاجتهاد في طلب أحكام تلك الوقائع وتحقيق مناطاتها, والإسهام بجهدٍ تأصيليٍّ وتطبيقيٍّ في هذا الموضوع.
ولا شك أن التقصير في هذا النوع من الاجتهاد يفضي إلى تنزيل الأحكام الشرعية على صورٍ متشابهةٍ في الظاهر متباينةٍ في الحقيقة, كما يفضي إلى صرف الحكم الشرعي عن بعض أفراده المنطبقة عليه.
قال الشاطبي: " الشريعة لم تنصّ على حكم كلِّ جزئيةٍ على حِدتها ,
стр. 8
وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر , ومع ذلك فلكل معينٍ خصوصيةٌ ليست في غيره ولو في نفس التعيين " (١).
بل قد يفضي عدم مراعاة ضوابط الاجتهاد في المناط إلى الابتداع في الدين, والتزيُّد على الشريعة وإدخال ما ليس منها فيها، وقد ذكر الشاطبي أن من خفيات تحريف الكلِم عن مواضعه تحريف الأدلة عن مواضعها ,وذلك بأن يرد الدليل على مناطٍ فيصرف عن ذلك المناط إلى أمرٍ آخر موهماً بأن المناطين واحد (٢).
٧ - لم أعثر حسب اطلاعي على دراسةٍ أصوليةٍ تُعنَى بموضوع الاجتهاد في المناط تخريجاً وتنقيحاً وتحقيقاً , وضوابط ذلك الاجتهاد , ومسالكه , وعلاقته بالأدلة الشرعية, مع التطبيق على فقه النوازل المعاصرة.
لهذه الأسباب وغيرها رغبت في بحث هذا الموضوع تحت عنوان: ((الاجتهاد في المناط وعلاقته بالأدلة الشرعية وتطبيقاته في فقه النوازل المعاصرة)) استكمالاً لمتطلبات شهادة العالمِية العالية (الدكتوراه) في أصول الفقه.
الدراسات السابقة:
أهم الدراسات السابقة التي لها علاقةٌ مباشرةُ بموضوع البحث ما يأتي:
١ - الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي , للباحث: عبد الرحمن زايدي ,رسالة ماجستير بالجامعة الأمريكية المفتوحة بالقاهرة، نوقشت سنة ٢٠٠١ م.
ومما يلحظ على هذه الدراسة:
أولاً: تغليب الأسلوب الثقافي والفكري في لغة البحث على قواعد التأصيل العلمي وتحقيق المسائل والاستدلال لها والتطبيق عليها.
стр. 9
ثانياً: التوسع والإطالة في بحث موضوعات ليس لها علاقةٌ مباشرةٌ بموضوع البحث مما جعل ثلثي الكتاب خارج صلب الموضوع.
ومن تلك الموضوعات: تجزؤ الاجتهاد ,وشروط المجتهد , والاجتهاد في زمن النبي ﷺ , ومراعاة الخلاف , وتجديد الاجتهاد , ونقض الاجتهاد ,والعزائم والرخص وأقسامها وضوابطها , وأقسام المشقة وضوابطها , وتتبع رخص الفقهاء , والكتب المعتمدة في الفتوى , وتطور الإفتاء , والفتاوى الجماعية , وغيرها من الموضوعات التي توسع فيها الباحث ولم يبين وجه علاقتها العلمية أو العملية بموضوع البحث.
ثالثاً: لم تتناول الدراسة كلاً من الموضوعات الآتية:
-مسالك تحقيق المناط , ومنها: الكتاب ,والسُّنة ,والإجماع , وقول الصحابي, ولغة العرب، والعُرْف، والحِسّ، وقول أهل الخبرة، والبينات الشرعية، والحساب والعدد.
-ضوابط تحقيق المناط , ومنها: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ,ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة , واعتبار مآلات الأفعال , ومراعاة اختلاف مقاصد المكلفين, والموازنة بين المصالح والمفاسد.
- العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها.
رابعاً: اقتصرت الدراسة على بحث الاجتهاد في تحقيق المناط , ولم تتناول الاجتهاد في تخريج المناط , أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
٢ - تحقيق المناط وأثره في اختلاف الفقهاء, للباحث: حمادة مصطفى علي القضاة, رسالة ماجستير بالجامعة الأردنية، نوقشت سنة ٢٠٠٠ م.
وهذا البحث يتناول موضوع تحقيق المناط باعتباره سبباً من أسباب اختلاف الفقهاء , مع بيان أثر ذلك في بعض المسائل الفقهية التراثية ,وهي: زكاة الحلي , ونكاح التحليل , والتفريق بين الزوجين قضاءً بسبب إعسار الزوج , وإقامة الحدّ على النباش , واشتراك من لايجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص في القتل.
стр. 10
ولم تتناول الدراسة: مسالك تحقيق المناط , أو العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية ,كما إن الدراسة اقتصرت على بحث الاجتهاد في تحقيق المناط , ولم تتناول الاجتهاد في تخريج المناط ,أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
٣ - تحقيق المناط دراسة أصولية تطبيقية , للباحث: العربي الإدريسي ,بحث منشور في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ,العدد (٧٥) الصادر بتاريخ ١/ ٨/٢٠٠٧ م.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولاً: اقتصر البحث على دراسة الاجتهاد في تحقيق المناط , ولم يتناول الاجتهاد في تخريج المناط , أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
ثانياً: لم يتناول البحث مسالك تحقيق المناط، أو ضوابط تحقيق المناط، أو العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية.
ثالثاً: خلو البحث من التطبيق على النوازل المعاصرة , واكتفاء الباحث بالتطبيق على بعض المسائل الفقهية التراثية , وهي: زكاة الحلي, ونكاح التحليل , والتفريق بين الزوجين للإعسار بالنفقة , وحكم النبَّاش.
٤ - تحقيق المناط , للباحث: د. صالح العقيل ,بحث منشور في مجلة العدل الصادرة عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية، ,العدد (٢٠) شوال ١٤٢٤ هـ، والعدد (٢٦) ربيع الآخر ١٤٢٦ هـ.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولاً: اقتصر البحث على دراسة الاجتهاد في تحقيق المناط ,ولم يتناول الاجتهاد في تخريج المناط , أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
ثانياً: لم يتناول البحث كلاً من الموضوعات الآتية:
-ضوابط تحقيق المناط , ومنها: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ,ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة , واعتبار مآلات الأفعال , ومراعاة اختلاف مقاصد المكلفين, والموازنة بين المصالح والمفاسد.
стр. 11
-العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها.
ثالثاً: لم يتضمن البحث دراسةً تطبيقيةً على النوازل المعاصرة، وقد اكتفى بذكر الشواهد دون دراستها.
٥ - تحقيق المناط عند الأصوليين وأثره في اختلاف الفقهاء, للباحث: د. عبدالرحمن إبراهيم الكيلاني, بحث منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ,جامعة الكويت, العدد ٥٨, سنة ١٤٢٥ هـ -٢٠٠٤ م.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولاً: اقتصر البحث على دراسة الاجتهاد في تحقيق المناط , ولم يتناول الاجتهاد في تخريج المناط , أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
ثانياً: لم يتناول البحث بعض مسالك تحقيق المناط ,ومنها: الكتاب ,والسُّنة , والإجماع , وقول الصحابي , وقول أهل الخبرة، والبينات الشرعية، والحساب والعدد.
ثالثا: لم يتناول البحث ضوابط تحقيق المناط، أو العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية.
رابعاً: لم يتضمن البحث دراسةً تطبيقيةً على النوازل المعاصرة.
٦ - المناط في أصول الفقه, للباحث: رائد عبدالله نمر بدير, رسالة ماجستير في جامعة النجاح الوطنية في غزة , نوقشت سنة ١٤٢٤ هـ, ثم طبعت سنة ١٤٢٧ هـ, من منشورات دار ابن الجوزي بالقاهرة.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولاً: لم يتناول البحث طرق تنقيح المناط , أو مسالك تخريج المناط , أو مسالك تحقيق المناط.
ثانياً: لم يتناول البحث ضوابط تحقيق المناط , ومنها: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ,ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة , واعتبار مآلات الأفعال , ومراعاة اختلاف مقاصد المكلفين, والموازنة بين المصالح والمفاسد.
стр. 12
ثالثاً: لم يتناول البحث العلاقة بين الاجتهاد في المناط والأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها, واكتفى الباحث بدراسة ما أسماه بالخطط التشريعية التي تفرعت على قاعدة تحقيق المناط الخاص , وهي: الاستحسان ,وسد الذرائع, وفتح الذرائع , ومراعاة الخلاف.
رابعاً: لم يتضمن البحث دراسةً تطبيقيةً على النوازل المعاصرة.
جوانب الإضافة في هذا البحث على الدراسات السابقة:
بعد الاطلاع على تلك الدراسات التي لها قَصْب السَّبْق في جوانب عدةٍ من هذا الموضوع فإن الإضافة التي أطمح إلى تحقيقها من خلال هذا البحث تتميماً لتلك الجهود المشكورة تتلخص في الجوانب الآتية:
-دراسة موضوع الاجتهاد في المناط بأنواعه الثلاثة وهي: (تخريج المناط، وتنقيح المناط، وتحقيق المناط) وبيان مسالكها , وأوجه العلاقة بينها.
-دراسة العلاقة بين الاجتهاد في المناط والأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها.
-ربط الجانب التأصيلي للموضوع بالجانب التطبيقي ,وذلك من خلال إفراد بابٍ مستقلٍ يتناول تطبيقات الاجتهاد في المناط على (١٥) مسألةٍ من فقه النوازل والمستجدات الفقهية تشمل: العبادات, والمعاملات, والنكاح وتوابعه, والحدود والجنايات.
ويهدف هذا الباب إلى ربط المستجدات الفقهية بعلم أصول الفقه وقواعده , وهو أمرٌ بالغ الأهمية؛ لأنه يسهم في إحياء وظيفة علم أصول الفقه في واقعنا المعاصر , كما يزيل الغموض عن بعض القواعد والمسائل النظرية التي تبحث في هذا العلم؛ وذلك لأن"معظم الغموض في هذه القواعد منشؤه الاكتفاء بالتراجم والمعاقد , دون التهذيب بالأمثلة" (١).
كما أن الملكة لاتحصل بمعرفة الشيء مجرداً عن تطبيقاته , بل لابد
стр. 13
من الارتياض فيه والدربة عليه كما قال الزركشي: " ليس يكفي في حصول الملكة على شيءٍ تعرُّفُه، بل لا بدَّ مع ذلك من الارتياض في مباشرته " (١).
خطة البحث:
يتكون هذا البحث من مقدمة, وتمهيد, وخمسة أبواب, وخاتمة, وفهارس تفصيلية ,وبيانها على النحو الآتي:
المقدمة , وتشتمل على: أسباب اختيار الموضوع , والدراسات السابقة التي لها علاقةٌ مباشرةٌ به, وجوانب الإضافة التي أطمح إليها من خلال بحث هذا الموضوع , وخطة البحث , ومنهج البحث, والشكر والتقدير لمشايخي الكرام.
التمهيد: تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه , وأوجه الجمع والفرق بينها.
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد لغةً.
المطلب الثاني: تعريف الاجتهاد اصطلاحاً.
المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
المبحث الثاني: تعريف المناط لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المناط لغةً.
المطلب الثاني: تعريف المناط اصطلاحاً.
المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
المبحث الثالث: تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه.
стр. 14
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد في المناط.
المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد في المناط.
المبحث الرابع: أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط.
المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
الباب الأول: الاجتهاد في تنقيح المناط.
ويشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً.
المبحث الثاني: تعريف تنقيح المناط اصطلاحاً.
المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
الفصل الثاني: حكم العمل بتنقيح المناط والأدلة على اعتباره.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حكم العمل بتنقيح المناط.
المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتنقيح المناط.
الفصل الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: تعريف إلغاء الفارق لغةً.
المطلب الثاني: تعريف إلغاء الفارق اصطلاحاً.
стр. 15
المبحث الثاني: أقسام إلغاء الفارق.
المبحث الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق.
الفصل الرابع: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً.
المطلب الثاني: تعريف السَّبْر والتقسيم اصطلاحاً.
المبحث الثاني: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم.
الباب الثاني: الاجتهاد في تخريج المناط.
ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تعريف تخريج المناط لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تخريج المناط لغةً.
المبحث الثاني: تعريف تخريج المناط اصطلاحاً.
المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
الفصل الثاني: حكم العمل بتخريج المناط والأدلة على اعتباره.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حكم العمل بتخريج المناط.
المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتخريج المناط.
الفصل الثالث: مسالك تخريج المناط.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تخريج المناط بمسلك المناسبة.
ويشتمل على أربعة مطالب:
стр. 16
المطلب الأول: تعريف المناسبة لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: أقسام المناسب باعتبار شهادة الشرع له بالملائمة وعدمها.
المطلب الثالث: حُجِّية مسلك المناسبة.
المطلب الرابع: صورة تخريج المناط بمسلك المناسبة.
المبحث الثاني: تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم.
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف السَّبْر والتقسيم لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: أقسام السَّبْر والتقسيم.
المطلب الثالث: حجية السَّبْر والتقسيم.
المطلب الرابع: شروط صحة السَّبْر والتقسيم.
المطلب الخامس: صورة تخريج المناط بمسلك السَّبْر والتقسيم.
المبحث الثالث: تخريج المناط بمسلك الدوران.
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الدوران لغةً واصطلاحاً.
المطلب الثاني: حجية مسلك الدوران.
المطلب الثالث: صورة تخريج المناط بمسلك الدوران.
الباب الثالث: الاجتهاد في تحقيق المناط.
ويشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: تعريف تحقيق المناط لغةً واصطلاحاً.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف تحقيق المناط لغةً.
المبحث الثاني: تعريف تحقيق المناط اصطلاحاً.
المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
стр. 17
الفصل الثاني: أقسام تحقيق المناط.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى نوع المناط.
المبحث الثاني: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى وضوحه وخفائه.
المبحث الثالث: أقسام تحقيق المناط بالنظر إلى مراتبه.
الفصل الثالث: حكم العمل بتحقيق المناط والأدلة على اعتباره.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: حكم العمل بتحقيق المناط.
المبحث الثاني: الأدلة على اعتبار العمل بتحقيق المناط.
الفصل الرابع: ضوابط تحقيق المناط.
ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الأول: التصوُّر الصحيح التام للواقعة ومعرفة حقيقتها.
المبحث الثاني: مراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة.
المبحث الثالث: اعتبار مآلات الأفعال والأقوال الصادرة عن المكلَّفين.
المبحث الرابع: مراعاة اختلاف مقاصد المكلَّفين.
المبحث الخامس: الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة.
الفصل الخامس: مسالك تحقيق المناط.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: المسالك النقلية.
المبحث الثاني: المسالك الاجتهادية.
الباب الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة الشرعية.
ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المتفق عليها.
ويشتمل على أربعة مباحث:
стр. 18
المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالكتاب.
المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالسُّنَّة.
المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بالإجماع.
المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالقياس.
الفصل الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة المختلف فيها.
ويشتمل على ثمانية مباحث:
المبحث الأول: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستصحاب.
المبحث الثاني: علاقة الاجتهاد في المناط بشرع مَنْ قبلنا.
المبحث الثالث: علاقة الاجتهاد في المناط بقول الصحابي.
المبحث الرابع: علاقة الاجتهاد في المناط بالاستحسان.
المبحث الخامس: علاقة الاجتهاد في المناط بالمصلحة المرسلة.
المبحث السادس: علاقة الاجتهاد في المناط بسدِّ الذرائع.
المبحث الثامن: علاقة الاجتهاد في المناط بالعُرْف.
الباب الخامس: تطبيقات الاجتهاد في المناط في فقه النوازل المعاصرة.
ويشتمل على خمسة عشر مبحثاً:
المبحث الأول: استخدام مياه الصرف الصحي المُعالَجة في الطهارة.
المبحث الثاني: تحديد أوقات الصلاة في البلدان الواقعة على خطوط العرض العالية.
المبحث الثالث: زكاة أسهم الشركات.
المبحث الرابع: استخدام الحقن العلاجية أثناء الصيام.
المبحث الخامس: الإحرام بالحج أو العمرة للقادمين جواً بالطائرة.
المبحث السادس: المتاجرة بالهامش في الأسواق المالية.
المبحث السابع: خطاب الضمان البنكي.
المبحث الثامن: التورُّق المصرفي المنظَّم.
стр. 19
المبحث التاسع: تحديد النَّسْل.
المبحث العاشر: إنشاء بنوك الحليب البشري والرضاع منها.
المبحث الحادي عشر: إجراء عمليات التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب.
المبحث الثاني عشر: إسقاط الجنين المشوه خِلْقياً.
المبحث الثالث عشر: رفع أجهزة الإنعاش عن المتوفى دماغياً.
المبحث الرابع عشر: زراعة ونقل الأعضاء التناسلية.
المبحث الخامس عشر: زراعة عضوٍ استُؤصِل في حدٍّ أو قصاص.
خاتمة البحث.
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الآثار.
فهرس الأعلام.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
منهج البحث:
أما منهج البحث الذي سلكته فيتلخص في الآتي:
- الرجوع إلى المصادر الأصلية في البحث والنقل عن أصحابها مباشرةً ما أمكن ذلك.
- الالتزام بقواعد البحث العلمي المتعارَف عليها في النقل والعزو والتوثيق والاقتباس ونحو ذلك.
- عزو الآيات القرآنية إلى سورها مع ذكر أرقامها.
- تخريج الأحاديث النبوية من مصادرها الأصلية , فإذا كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بالعزو إلى ذلك ,وإن كان في غيرهما
стр. 20
عزوت الحديث إلى أشهر مصادره الأصلية , ثم نقلت كلام بعض المحققين في بيان درجته.
- وضع ترجمةٍ مختصرةٍ للأعلام الوارد ذكرهم في البحث , وقد استثنيت من ذلك الخلفاء الأربعة ﵃ , وأمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن؛ وذلك لشهرتهم التي أطبقت الآفاق.
- توضيح الغريب من الألفاظ الواردة في البحث بما يكشف معناها , ويزيل الغموض عنها.
- الإيجاز في تعريف الاصطلاحات الأصولية التي ليست من صلب البحث , والاكتفاء في تعريفها بمايناسب المقام دون توسعٍ يخرج عن المقصود.
- الاقتصار في الجانب التطبيقي من الدراسة على بعض النوازل والمستجدات الفقهية التي لها علاقةٌ بموضوع البحث , والاستناد في أحكام تلك التطبيقات على قرارات الفتوى في بعض مؤسسات الاجتهاد الجماعي الموثوقة , كالمجامع الفقهية, وهيئة كبار العلماء بالسعودية , واللجنة الدائمة للإفتاء , ولم أتعرض إلى ذكر الخلاف في تلك النوازل, أو أدلة المخالفين ومناقشتها؛ لأن إيراد ذلك إنما يناسب أبحاث الفقه المقارن , أما هذه الدراسة فإنها تهدف إلى إبراز العلاقة بين الجانب النظري والتطبيقي في موضوع البحث , ولا تهدف إلى بحث أصل المسألة وأقوال المجتهدين فيها وأدلتهم كما هو الحال في الأبحاث الفقهية.
- تذييل البحث بفهارس تفصيليةٍ تسهل الاستفادة من الدراسة , وقد شملت الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية, والآثار, والأعلام ,والمصادر والمراجع , وفهرس الموضوعات.
صعوبات البحث:
حينما شرعت في بحث هذا الموضوع اعترضتني بعض صعوباتٍ يسَّر الله تجاوزها وذلَّلها بفضله ورحمته , ومن أهم الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث مايأتي:
стр. 21
- لمَّا طفقت أجمع مواد البحث من مدونات علمي الأصول والجدل عثرت على مادةٍ علميةٍ نفيسة , ولكنه اتضح لي فيما بعد أن أكثر هذه المواد عبارةٌ عن جملٍ مقتضبة ,وعباراتٍ دقيقة ,وإشاراتٍ خفيةٍ في جوانب عديدةٍ من هذا الموضوع , مما كان يستدعي مني التأمل الطويل ,مع التحليل والاستقراء والاستنتاج والتركيب, حتى أظفر بمزيد بيانٍ ووضوحٍ في تلك المسائل وعلائقها بغيرها , ثم أضعها في موضعها اللائق من هذا البحث.
- التداخل والترابط الكبير بين أجزاء الموضوع ومقدماته ,وعلاقته بالأدلة الشرعية, وتطبيقاته , مما استدعى كثرة الإحالات إلى متقدمٍ أو متأخر ,والتكرار عند الحاجة إلى ذلك, كتكرار ذكر بعض الأمثلة في مواضع عدةٍ من البحث؛ وذلك لأنه يتجاذبها أكثر من أصل ,ولكل مثالٍ مناسبته التي تليق به من وجهٍ دون آخر , فلا أجد حينئذٍ بأسا في التكرار؛ إذ المقصود الجانب التأصيلي في تلك المواضع , لاسيما وأني قد أفردت باباً مستقلاً للتطبيق على موضوع البحث يشتمل على (١٥) مسألةً معاصرةً من عدة أبوابٍ فقهيةٍ متفرقة.
- جِدَة بعض الموضوعات التي لم أعثر على بحثٍ مفردٍ فيها , أو إيضاحٍ مقصودٍ يستقل بها , وهو ما دفعني إلى بذل مزيدٍ من الجهد في التأمل والتحليل والربط والتركيب أكثر من بذل الجهد في جمع المعلومات وتنظيمها , وذلك مثل موضوع علاقة الاجتهاد في المناط بالأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها.
شكر وتقدير:
في الختام أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لشيخي الكريم فضيلة الأستاذ الدكتور /غازي بن مرشد العتيبي الذي أشرف على هذه الرسالة , وأفادني باستدراكاته الدقيقة, وتنبيهاته النفيسة, وتوجيهاته النيرة , ومنحني من وقته وجهده -رغم أشغاله العلمية والعملية - ما أسهم في تكميل نواقص البحث , وتسديد ثغراته, فأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء , وأن يرفع درجاته في عليين إنه سميعٌ قريب.
стр. 22
كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى جامعة أم القرى منارة العلم في مهبط الوحي , وأخصّ بالشكر والتقدير كلية الشريعة والدراسات الإسلامية التي يبذل المخلصون فيها وسعهم لبث علوم الشريعة وتأصيلها, وتخريج الكفاءات العلمية المتميزة , من خلال برامج الدراسات العليا المختلفة , فجزاهم الله خير الجزاء على ذلك , وبارك في أوقاتهم وجهودهم , إنه سميعٌ مجيب.
وأخيرا - كما هو أولاً- أحمد الله ﵎ حمداً كثيراً يليق بجلاله وكماله على ما أنعم به علي من نعمٍ جليلة , ومنها إتمام هذا البحث ,فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ,ثم إني أسأله جل في علاه أن يتقبل مني هذا العمل , وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم , وأن يعفو عني الزلل فيه , ويجبر الناقص منه , وأن يجعله مكمِّلاً لغيره من جهود إخواني الباحثين في بث علوم الشريعة وتحريرها , إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ,وعلى آله ,وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 23
تمهيد
تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه، وأوجه الجمع والفرق بينهما
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعريف المناط لغةً واصطلاحاً.
المبحث الثالث: تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه.
المبحث الرابع: أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.
стр. 24
المبحث الأول
تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد لغةً.
المطلب الثاني: تعريف الاجتهاد اصطلاحاً.
المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.
стр. 25
المبحث الأول
تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً
سأتناول في هذا المبحث تعريف الاجتهاد في اللغة، وتعريفه في اصطلاح الأصوليين، وبيان وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي، وذلك من خلال ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاجتهاد لغةً .
تكاد تتفق المعاجم اللغوية على أن لفظ"الاجتهاد" مشتقٌ من مادة (جـ هـ د)، وتُطْلَق على: بذل الوسع والطاقة، وبلوغ الغاية في الطلب، وتحمُّل المشقة (١).
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، أي: طاقتهم (٢).
ويقال: جَهَدَ دابته وأجْهَدها، إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها (٣).
والجهد (بالفتح والضم): الطاقة والوسع، وقيل (بالفتح): المشقة، و (بالضم): الوسع والطاقة (٤).
стр. 26
وقيل: الجُهْدُ (بالضم) لغة أهل الحجاز، و (بالفتح) لغة غيرهم (١).
ومن خلال االنظر في أهم الاستعمالات اللغوية للفظ " الاجتهاد " يمكن تقرير ما يأتي:
أولاً: أن لفظ " الاجتهاد " في اللغة يدور على معنى بذل الوسع والطاقة في طلب الأمر، وتحمُّل المشقة من أجل الوصول له.
ثانياً: أن لفظ " الاجتهاد " في اللغة لا يُطْلَق إلا على مَنْ بذل الوسْعَ في تحصيل ما فيه كلفةٌ ومشقة، ومن طلب أمراً دون أن يتحمَّل في طلبه مشقةً فإنه لا يكون مجتهِداً فيه.
قال الغزالي (٢): " وهو - أي: الاجتهاد في اللغة -: عبارةٌ عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعلٍ من الأفعال، ولا يُسْتَعْمَلُ إلا فيما فيه كلفةٌ وجهد، فيقال: اجتهد في حمل حجر الرَّحا، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة " (٣).
وقال الشوكاني (٤): " هو في اللغة مأخوذٌ من الجهد وهو المشقة والطاقة، فيختصُّ بما فيه مشقةٌ لِيُخْرِجَ عنه ما لا مشقةَ فيه " (٥).
ثالثاً: أن لفظ " الاجتهاد " كما يُسْتَعْمَلُ لغةً في الأمور الحسيَّة كبذل الوسع في حمل الحجر الثقيل فإنه يُسْتَعْمَلُ - أيضاً- في الأمور المعنوية كبذل الوسع في اجتهاد الرأي، ومنه قول معاذ بن جبلٍ (٦) ﵁: " اجتهد رأيي " (٧).
стр. 27
رابعاً: أن لفظ " الاجتهاد " على وزن " افتعال "، وهذه الصيغة تدل على المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعلٍ لتحصيل أمرٍ من الأمور.
المطلب الثاني: تعريف الاجتهاد اصطلاحاً .
تعدَّدت واختلفت تعريفات الأصوليين للاجتهاد، وحاصل ذلك التعدد والاختلاف يرجع - غالباً - إلى اختلافهم في نوع المجتهَد فيه: هل يشمل القطعيات والظينات أو ينحصر في الظينات دون القطعيات؟
فالقائلون بأنه يشمل القطعي والظني عرَّفوا الاجتهاد وقيدوه بما يفيد العلم الذي هو: مُطْلَق الإدراك الشامل للقطع والظن؛ باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظنِّي.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الغزالي، وهو: " بَذْلُ المجتهدِ وُسْعَهُ في طلب العلم بأحكام الشرع " (١).
- وتعريف ابن قدامة (٢)، وهو: " بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع" (٣).
- وتعريف علاء الدين البخاري (٤) وهو: " بذل المجهود في طلب
العلم بأحكام الشرع " (٥).
وقد نصَّ بعض العلماء - من أصحاب هذا الاتجاه - في تعريف " الاجتهاد " على قيد " القطع " و"الظن"، وهو تصريحٌ منهم بدخول الأحكام القطعية والظنية في التعريف.
стр. 28
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الشاطبي (١)،
وهو: " استفراغ الوسع لتحصيل العلم أو الظنِّ بالحُكْم " (٢).
- وتعريف ابن الهمام الحنفي (٣)، وهو: " بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حُكْمٍ شرعيٍّ عقلياً كان أو نقلياً قطعياً كان أو ظنياً " (٤).
بينما بعض العلماء أطلق العبارة، ولم ينصّ في تعريف"الاجتهاد "على قيد "القطع" أو "الظن"، وهو إطلاقٌ قد يفيد -ظاهراً- دخول الأحكام القطعية والظنية في التعريف.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف البيضاوي (٥)، وهو: "استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية" (٦).
أما القائلون بأن الاجتهاد محلُّه الظينات لا القطعيات، فقد عرَّفوا الاجتهاد وقيَّدوه بما لا يلحق المجتهد فيه لومٌ مع استفراغ الوسع فيه أو بما يفيد الظن؛ وذلك باعتبار أن الأحكام الثابتة بالاجتهاد ظنيةٌ غالباً.
ومن تلك التعريفات:
- تعريف الرازي (٧)، وهو: "استفراغ الوسع في النظر فيما لايلحقه فيه لومٌ مع استفراغ الوسع فيه" (٨).
حيث قال -بعد أن ساق التعريف-: "وهذا سبيل مسائل الفروع، ولذلك تُسمَّى هذه المسائل مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهداً" (٩).
- وتعريف الآمدي (١٠)، وهو: "استفراغ الوسع في طلب الظنِّ بشيءٍ من الأحكام الشرعيَّة على وجهٍ يُحِسُّ من النفس العجزَ عن المزيد" (١١).
стр. 29
- وتعريف ابن الحاجب (١)،
وهو: " استفراغُ الفقيه الوسع لتحصيل ظنِّ بحُكْمٍ شرعي" (٢).
- وتعريف تاج الدِّين ابن السبكي (٣)، وهو: " استفراغُ الفقيه الوُسْعَ لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ " (٤).
- وتعريف الزركشي (٥)، وهو: " بَذْلُ الوُسْعِ في نيل حُكْمٍ شرعيٍّ عمليٍّ بطريق الاستنباط " (٦).
التعريف المختار:
التعريف الذي أحسبه جامعاً مانعاً - كما سيظهر في شرحه وبيان محترزاته - هو تعريف ابن الحاجب، وهو أن الاجتهاد:
" استفراغُ الفقيه الوُسْعَ لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ شرعي" (٧)، وفيما يأتي شرحٌ للتعريف، وبيانٌ لأهم محترزاته.
شرحُ التعريف وبيانُ محترزاته:
قوله: " استفراغ الفقيه الوسع " معناه: بذل تمام الطاقة بحيث يُحِسُّ من نفسه العجزَ عن المزيد عليه (٨).
واحتُرِزَ به عن اجتهاد المُقَصِّر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه؛ فإنه لا يُعدُّ في اصطلاح الأصوليين اجتهاداً معتبراً (٩).
واستفراغ الفقيه قد يتعلق بالوسع، وقد يتعلق بغير الوسع، فقيد " الوسع" يخرج استفراغ الفقيه غير الوسع (١٠).
стр. 30
واستفراغ الوسع كالجنس؛ لأنه قد يكون من الفقيه، وقد يكون من غيره، فقيد " الفقيه " يخرج استفراغ غير الفقيه (١).
و" الفقيه ": احتراز عن المقلِّد؛ فإنه لا يُسَمَّى مجتهداً (٢).
والمراد بـ " الفقيه " هنا: المتهيئ للفقه، الممارِس له، وليس المراد من يحفظ الفروع الفقهية فقط دون القدرة على الاستنباط والاستدلال (٣).
ولم يَقُلْ في التعريف: " استفراغ المجتهد الوسع "؛ لأنه يلزم منه التسلسل، إذ تكون معرفة الاجتهاد متوقفةً على المجتهد، ومعرفة المجتهد متوقفةٌ على الاجتهاد (٤).
وقوله: " لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ ": قيدٌ مهمٌ في التعريف يحصر محلَّ الاجتهاد في الظنيات دون القطعيات؛ إذ لا اجتهاد فيها؛ لأنها تستند إلى أدلةٍ قطعية الثبوت والدلالة، فلا تحتاج إلى استفراغ الوسع لدركها، كالأحكام المعلومة من الدِّين بالضرورة (٥).
وقوله: " لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ شرعي ": احترازٌ عن استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنٍّ بحُكْمٍ عقليٍّ أو حسيٍّ أو لغوي؛ فإنه لا يُسْمَّى مَنْ بَذَلَ وسْعَهُ في تحصيلها " مجتهداً " اصطلاحاً؛ لأن الكلام هنا يقتصر على الاجتهاد في الشرعيات دون غيرها (٦).
стр. 31
المطلب الثالث: بيان وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والإصطلاحي:
بعد إيراد التعريفين اللغوي والاصطلاحي للاجتهاد نلحظ أن كلاً منهما يشترك في استفراغ الوسع، إلا أن " الاجتهاد " في اللغة يشمل استفراغ الوسع في طلب أي شيءٍ، بينما " الاجتهاد " في اصطلاح الأصوليين يختصُّ باستفراغ الوسع في إدراك الأحكام الشرعيَّة الظنية.
وبهذا يتضح أن العلاقة بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي علاقة عمومٍ وخصوصٍ مطلق؛ فالتعريف اللغوي يَعُمُّ بذلَ الوسع في تحصيل أي شيءٍ فيه كُلْفةٌ ومشقة، والتعريف الاصطلاحي خاصُّ ببذل الوسع في إدراك الأحكام الشرعيَّة الظنية.
стр. 32
المبحث الثاني
تعريف المناط لغةً واصطلاحاً
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المناط لغةً.
المطلب الثاني: تعريف المناط اصطلاحاً.
المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي الاصطلاحي.
стр. 33
المبحث الثاني
تعريف المناط لغةً واصطلاحاً
سأتناول في هذا المبحث تعريف المناط في اللغة، وتعريفه في اصطلاح الأصوليين، وبيان وجه العلاقة بين التعريفين، وذلك من خلال ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المناط لغةً:
مادة (النُّون، والواو، والطَّاء) تدلُّ على تعليق شيءٍ بشيء، يقال: نُطُّته به، أي: علَّقته به، والنَّوط: ما يَتَعلَّقُ به، والجمع: أنواط (١).
وناط الشيء: علَّقه، ونيط عليه الشيء: عُلِّق عليه، ونيط به الشيء: عُلِّق، وكلُّ ما عُلِّق من شيءٍ فهو نوط، والأنواط: المعاليق (٢).
ومنه: (ذات أنواط) اسم شجرةٍ كانت تُعْبَدُ في الجاهلية، وكان المشركون ينوطون بها أسلحتهم (٣)، أي: يعلِّقونها بها (٤).
ومنه: قول حسان بن ثابت (٥) ﵁ فيمن هجاه:
стр. 34
وأنت دَعىٌّ نِيطَ في آل هاشم ... كما نِيطَ خلف الراكب القَدَحُ الفردُ
أي: كما عُلِّق القدح خلف الراكب (١).
والمناط: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى اسم المكان، وهو موضع التعليق، أو مُتَعلَّق الشيء (٢).
وموضع التعليق أو المحَلُّ الذي عُلِّق عليه الشيء كما يكون حسيَّاً فإنه يكون -أيضاً- معنوياً (٣)، كما نحن بصدد البحث فيه، حيث أطلق الأصوليون (المناط) على مُتَعَلَّق الحُكْم، وهو العِلَّة الجامعة بين الأصل والفرع؛ لأن الحُكْم عُلِّق بالعِلَّة ورُبِطَ بها، فَسُمِّيَتْ (مناطاً) تشبيهاً بالمحسوس الذي تعلَّق بغيره (٤).
المطلب الثاني: تعريف المناط اصطلاحاً .
يُطْلَقُ لفظ " المناط " في اصطلاح الأصوليين على: عِلَّة الحُكْم؛ لأنه نِيطَ -أي: عُلِّق- الحُكْم بها.
و"المناط" و "العِلَّة": لفظان مترادفان لمدلولٍ واحدٍ في اصطلاح الأصوليين، فإذا أُطْلِقَ لفظ "المناط" فإنه يُرَادُ به "العِلَّة" في باب القياس، وكذا إذا أُطْلِقَ لفظ "العِلَّة" فإنه يُرَادُ به "المناط".
قال الحسَنُ العُكْبَري (٥): "ويُعنى بالعِلَّة: مناط الحُكْم" (٦).
وقال الغزالي: "اعلم أنا نعني بالعِلَّة في الشرعيات: مناط الحُكْم، أي: ما أضافَ الشرعُ الحُكْمَ إليه ونَصَبَهُ علامةً عليه" (٧).
стр. 35
وقال ابن قدامة: " ونعني بالعِلَّة: مناط الحُكْم " (١).
ولما فرغ الآمدي في الباب الثاني من بحث مسائل العِلَّة ذيَّل الباب بخاتمةٍ عَنْوَنَ لها بقوله: " خاتمةٌ في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحُكْم، وهو: العِلَّة" (٢).
وقال القرافي (٣): " والعِلَّةُ رُبِطَ بها الحُكْم وعُلِّق عليها فسُمِّيَتْ مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة " (٤).
وقال ابن دقيق العيد (٥): " وتعبيرهم عن العِلَّة بالمناط من باب المجاز اللغوي؛ لأن الحُكْم لما عُلِّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلَّق بغيره، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره " (٦).
وقال الطُّوفي (٧): " والمناط: ما نيط به الحُكْم، أي: عُلِّق به، وهو: العِلَّة التي رُتِّبَ عليها الحُكْم في الأصل " (٨).
وقال الزركشي: " والمناط هو: العِلَّة " (٩).
وقال ابن النجَّار الفتوحي (١٠): " وهو - أي: المناط -: العِلَّة التي رُتِّبَ عليها الحُكْم في الأصل " (١١).
وقال الشوكاني: " والمناط هو: العِلَّة " (١٢).
فهذه النصوص وغيرها تُقَرِّرُ أن عامة الأصوليين لا يُفَرِّقون في اصطلاحهم بين لفظ " المناط" ولفظ " العِلَّة "، ويعتبرونهما لفظين مترادفين في الاصطلاح كلاً منهما يُطْلَق إزاء الآخر، وقد غلب في استعمالهم إضافة لفظ
стр. 36
" المناط " إلى أنواع الاجتهاد في العِلَّة، وهي: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.
فإذا أضيف لفظ " المناط " إلى أحد هذه الاصطلاحات الثلاثة فإنه يراد به - غالباً - العِلَّة.
إلا أنه في " تخريج المناط " يراد به: العِلَّة المُسْتَنْبطة (١)، وفي " تنقيح المناط " يراد به: العِلَّة المنصوصة التي اقترن بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية (٢)،
أما في" تحقيق المناط " فإنه يراد به: متعلَّق الحكم الشرعي مطلقاً، أي: سواءٌ كان عِلَّةً أو قاعدةً شرعيةً أو معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي (٣).
وإذا تقرر أن المراد بـ " المناط " في الاصطلاح - أصالةً - العِلَّة فإن ذلك يقتضي أن أُعَرِّج على تعريف " العِلَّة " لغةً واصطلاحاً، مقتصراً في ذلك على أهمِّ التعريفات، مع شرحها، وإيضاح مُحترَزاتِها، وبيان التعريف المُختار منها، كلُّ ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار الملائِم لمقام التمهيد، فأقول وبالله التوفيق:
العِلَّة في اللغة:
ذكر أهل اللغة للعِلَّة معاني كثيرةً من أهمها (٤):
- المرض، يقال: اعتلَّ فلانٌ: إذا مَرِضَ.
- والسبب، يقال: هذا عِلَّة لهذا، أي: سببٌ له.
- والدوام والتكرار، يقال: عَلَلٌ بعد نهَل: للشرب بعد الشرب تباعاً، و (علَّ) (يَعُلُّ) أي: كرَّرَ وتكرَّرَ.
стр. 37
العِلَّة في الاصطلاح:
اختلف الأصوليون في تعريف العِلَّة اصطلاحاً على مذاهب عدَّة، سأكتفي بذكر أشهرها، مع بيان التعريف المُختار منها، وهي على النحو الآتي:
التعريف الأول:
العِلَّة هي: الوصف المؤثِّر في الحُكْم بِجَعْلِ الشارع لا لذاته .
وقد ذهب إلى هذا التعريف: الغزالي (١).
قوله: (الوصف) جنسٌ في التعريف يشمل كلَّ وصف، سواءً كان مؤثِّراً أو مُعرِّفاً.
قوله: (المؤثِّر): قيدٌ يُخْرِجُ العلامة؛ لأنه لا تأثير لها في الحكم، فلا تُسَمَّى عِلَّةً.
ومعنى التأثير: أن الله أجرى عادته بأنه كلما وُجِدَ الوصف وُجِدَ معه الحُكْم، كما رُبِطَ بين الرقبة وإزهاق الروح، والنارِ والإحراق (٢).
وقد يُعبَّرُ عنه تارةً بالمؤثِّر، وتارةً بالموجِب (٣).
قوله: (بِجَعْلِ الشارع): أي أن الشارع هو الذي جعل الوصف مؤثِّراً في الأحكام، وليس الوصف ذاته موجِباً لها؛ لأن الأوصاف لا توجِب الأحكام لذواتها، بل لأن الشرع جعلها موجِبَةً لهذا الأحكام (٤).
التعريف الثاني:
العِلَّة هي: الوصف الباعث على شَرْع الحُكْم .
وقد ذهب إلى هذا التعريف: الآمدي (٥)، وابن الحاجب (٦)،
стр. 38
وجمهور الحنفية (١).
ويقصدون بالباعث: كون الوصف مشتملاً على حكمةٍ صالحةٍ لِأَنْ تكون مقصودةً للشارع من شَرْع الحُكْم به، من تحصيل مصلحةٍ أو تكميلها، أو دفع مفسدةٍ أو تقليلها (٢).
التعريف الثالث:
العِلَّة هي: الوصف المعرِّف للحُكْم بوضع الشارع .
وقد ذهب إلى هذا التعريف: الفخر الرازي (٣)، وابن قدامة (٤)، والبيضاوي (٥)، وتاج الدين ابن السبكي (٦).
قولهم: (المعرِّف للحُكْم) أي: جُعِل علامةً وأمارةً على الحُكْم، إن وُجِد المعنى وُجِد الحُكْم (٧).
وهو قيدٌ يُخرِج: المؤثِّر في الحُكْم؛ فالعِلَّة أمارةٌ على الحكم، وليست موجِبَةً له.
كما أن هذا القيد يُخرِج: الباعث على الحُكْم؛ فالعِلَّة ليست هي الباعث على الحُكْم، وإنما هي علامةٌ على وجود الحُكْم.
قولهم: (بوضع الشارع) أي: أن الشرع هو الذي جعل الوصف علامةً على الحُكْم، كالإسكار، فإنه كان موجوداً في الخمر، ولم يدل وجوده على تحريمه حتى جعله الشارع عِلَّةً في تحريمه، فالإسكار وصفٌ معرِّفٌ للحُكْم بوضع الشارع (٨).
стр. 39
التعريف المختار:
التعريف الذي سأعتمده في بحثي عند إطلاق العِلَّة هو التعريف الثالث الذي يَعْتَبِر "العِلَّة": الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحُكْم بوضع الشارع.
وذلك لأن الشارع نَصَبَ الأوصاف الظاهرةَ علامةً على الأحكام؛ تيسيراً على العباد في ربط الأحكام بأوصافها الظاهرة، وإن كانت تلك الأوصاف ليست عِلَلاً حقيقية؛ لأن العِلَّة الحقيقية هي الحكمة المقصودة من شَرْع الحُكْم، فالسرقة وصفٌ ظاهرٌ لوجوب القطع، أما العِلَّة الحقيقية لوجوب القطع فهي صيانة الأموال، ولكن لما كانت العِلَّة الحقيقية - وهي الحكمة - قد تخفى ولا تنضبط، ويتعذَّر الوقوف على حقائق مقاديرها؛ لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها بحسب الأشخاص والأزمان والأحوال، وليس كلُّ قَدْرٍ منها صالحاً لإناطة الحُكْم به، لذا فإن الشارع ناط الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة كالسفر مثلاً، فإنه نِيْطَ به حُكْم قصر الصلاة والإفطار في رمضان، ولم يُنَطْ بالمشقة التي هي العِلَّة الحقيقية؛ لِما ذُكِرَ من اختلاف مراتبها، وعدم انضباطها (١).
المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي .
تقدَّم أن المناط في اللغة يعني: مُتَعَلَّق الشيء، أو موضع التعليق (٢).
كما تقدَّم أن المناط اصطلاحاً يعني: العِلَّة، وهي: ما أناطَ الشارعُ الحُكْم به وأضافه إليه، وقد يراد به متعلَّق الحكم الشرعي مطلقاً، فيكون أعمَّ من العِلَّة القياسية (٣).
ووجه المناسبة بين المعنيين ظاهر؛ إذ لما عَلَّقَ الشارع الحُكْمَ بالعِلَّة،
стр. 40
وأضاف الحُكْم إليها، ونصبها علامةً عليه وجوداً وعدماً، ناسب تسميتها بـ"المناط".
قال الطُّوفي: " ومعنى كونها مناطاً كما سبق بيانه، وهو أن الحُكْم يُناط بها، أي: يُعلَّق " (١).
وقال ابن دقيق العيد: " وتعبيرهم عن العِلَّة بالمناط من باب المجاز اللغوي؛ لأن الحُكْم لما عُلِّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلَّق بغيره، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره " (٢).
وقال القرافي: " والعِلَّة رُبِطَ بها الحُكْم وعُلِّق عليها، فسُمِّيَت مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة " (٣).