← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 37630

الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية

بلقاسم الزبيدي

Полный текст (610 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

" المناط " إلى أنواع الاجتهاد في العِلَّة، وهي: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط. فإذا أضيف لفظ " المناط " إلى أحد هذه الاصطلاحات الثلاثة فإنه يراد به - غالباً - العِلَّة. إلا أنه في " تخريج المناط " يراد به: العِلَّة المُسْتَنْبطة (١)، وفي " تنقيح المناط " يراد به: العِلَّة المنصوصة التي اقترن بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية (٢)، أما في" تحقيق المناط " فإنه يراد به: متعلَّق الحكم الشرعي مطلقاً، أي: سواءٌ كان عِلَّةً أو قاعدةً شرعيةً أو معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعي (٣). وإذا تقرر أن المراد بـ " المناط " في الاصطلاح - أصالةً - العِلَّة فإن ذلك يقتضي أن أُعَرِّج على تعريف " العِلَّة " لغةً واصطلاحاً، مقتصراً في ذلك على أهمِّ التعريفات، مع شرحها، وإيضاح مُحترَزاتِها، وبيان التعريف المُختار منها، كلُّ ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار الملائِم لمقام التمهيد، فأقول وبالله التوفيق: العِلَّة في اللغة: ذكر أهل اللغة للعِلَّة معاني كثيرةً من أهمها (٤): - المرض، يقال: اعتلَّ فلانٌ: إذا مَرِضَ. - والسبب، يقال: هذا عِلَّة لهذا، أي: سببٌ له. - والدوام والتكرار، يقال: عَلَلٌ بعد نهَل: للشرب بعد الشرب تباعاً، و (علَّ) (يَعُلُّ) أي: كرَّرَ وتكرَّرَ.

стр. 37

العِلَّة في الاصطلاح: اختلف الأصوليون في تعريف العِلَّة اصطلاحاً على مذاهب عدَّة، سأكتفي بذكر أشهرها، مع بيان التعريف المُختار منها، وهي على النحو الآتي: التعريف الأول: العِلَّة هي: الوصف المؤثِّر في الحُكْم بِجَعْلِ الشارع لا لذاته . وقد ذهب إلى هذا التعريف: الغزالي (١). قوله: (الوصف) جنسٌ في التعريف يشمل كلَّ وصف، سواءً كان مؤثِّراً أو مُعرِّفاً. قوله: (المؤثِّر): قيدٌ يُخْرِجُ العلامة؛ لأنه لا تأثير لها في الحكم، فلا تُسَمَّى عِلَّةً. ومعنى التأثير: أن الله أجرى عادته بأنه كلما وُجِدَ الوصف وُجِدَ معه الحُكْم، كما رُبِطَ بين الرقبة وإزهاق الروح، والنارِ والإحراق (٢). وقد يُعبَّرُ عنه تارةً بالمؤثِّر، وتارةً بالموجِب (٣). قوله: (بِجَعْلِ الشارع): أي أن الشارع هو الذي جعل الوصف مؤثِّراً في الأحكام، وليس الوصف ذاته موجِباً لها؛ لأن الأوصاف لا توجِب الأحكام لذواتها، بل لأن الشرع جعلها موجِبَةً لهذا الأحكام (٤). التعريف الثاني: العِلَّة هي: الوصف الباعث على شَرْع الحُكْم . وقد ذهب إلى هذا التعريف: الآمدي (٥)، وابن الحاجب (٦)،

стр. 38

وجمهور الحنفية (١). ويقصدون بالباعث: كون الوصف مشتملاً على حكمةٍ صالحةٍ لِأَنْ تكون مقصودةً للشارع من شَرْع الحُكْم به، من تحصيل مصلحةٍ أو تكميلها، أو دفع مفسدةٍ أو تقليلها (٢). التعريف الثالث: العِلَّة هي: الوصف المعرِّف للحُكْم بوضع الشارع . وقد ذهب إلى هذا التعريف: الفخر الرازي (٣)، وابن قدامة (٤)، والبيضاوي (٥)، وتاج الدين ابن السبكي (٦). قولهم: (المعرِّف للحُكْم) أي: جُعِل علامةً وأمارةً على الحُكْم، إن وُجِد المعنى وُجِد الحُكْم (٧). وهو قيدٌ يُخرِج: المؤثِّر في الحُكْم؛ فالعِلَّة أمارةٌ على الحكم، وليست موجِبَةً له. كما أن هذا القيد يُخرِج: الباعث على الحُكْم؛ فالعِلَّة ليست هي الباعث على الحُكْم، وإنما هي علامةٌ على وجود الحُكْم. قولهم: (بوضع الشارع) أي: أن الشرع هو الذي جعل الوصف علامةً على الحُكْم، كالإسكار، فإنه كان موجوداً في الخمر، ولم يدل وجوده على تحريمه حتى جعله الشارع عِلَّةً في تحريمه، فالإسكار وصفٌ معرِّفٌ للحُكْم بوضع الشارع (٨).

стр. 39

التعريف المختار: التعريف الذي سأعتمده في بحثي عند إطلاق العِلَّة هو التعريف الثالث الذي يَعْتَبِر "العِلَّة": الوصف الظاهر المنضبط المعرِّف للحُكْم بوضع الشارع. وذلك لأن الشارع نَصَبَ الأوصاف الظاهرةَ علامةً على الأحكام؛ تيسيراً على العباد في ربط الأحكام بأوصافها الظاهرة، وإن كانت تلك الأوصاف ليست عِلَلاً حقيقية؛ لأن العِلَّة الحقيقية هي الحكمة المقصودة من شَرْع الحُكْم، فالسرقة وصفٌ ظاهرٌ لوجوب القطع، أما العِلَّة الحقيقية لوجوب القطع فهي صيانة الأموال، ولكن لما كانت العِلَّة الحقيقية - وهي الحكمة - قد تخفى ولا تنضبط، ويتعذَّر الوقوف على حقائق مقاديرها؛ لاختلاف مراتبها التي لا نهاية لها بحسب الأشخاص والأزمان والأحوال، وليس كلُّ قَدْرٍ منها صالحاً لإناطة الحُكْم به، لذا فإن الشارع ناط الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة كالسفر مثلاً، فإنه نِيْطَ به حُكْم قصر الصلاة والإفطار في رمضان، ولم يُنَطْ بالمشقة التي هي العِلَّة الحقيقية؛ لِما ذُكِرَ من اختلاف مراتبها، وعدم انضباطها (١). المطلب الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي . تقدَّم أن المناط في اللغة يعني: مُتَعَلَّق الشيء، أو موضع التعليق (٢). كما تقدَّم أن المناط اصطلاحاً يعني: العِلَّة، وهي: ما أناطَ الشارعُ الحُكْم به وأضافه إليه، وقد يراد به متعلَّق الحكم الشرعي مطلقاً، فيكون أعمَّ من العِلَّة القياسية (٣). ووجه المناسبة بين المعنيين ظاهر؛ إذ لما عَلَّقَ الشارع الحُكْمَ بالعِلَّة،

стр. 40

وأضاف الحُكْم إليها، ونصبها علامةً عليه وجوداً وعدماً، ناسب تسميتها بـ"المناط". قال الطُّوفي: " ومعنى كونها مناطاً كما سبق بيانه، وهو أن الحُكْم يُناط بها، أي: يُعلَّق " (١). وقال ابن دقيق العيد: " وتعبيرهم عن العِلَّة بالمناط من باب المجاز اللغوي؛ لأن الحُكْم لما عُلِّق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلَّق بغيره، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره " (٢). وقال القرافي: " والعِلَّة رُبِطَ بها الحُكْم وعُلِّق عليها، فسُمِّيَت مناطاً على وجه التشبيه والاستعارة " (٣).

стр. 41

المبحث الثالث تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه ويشتمل على مطلبين مطالب: المطلب الأول: تعريف الاجتهاد في المناط. المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد في المناط.

стр. 42

المبحث الثالث تعريف الاجتهاد في المناط وبيان أنواعه سأتناول في هذا المبحث تعريف الاجتهاد في المناط، وبيان أنواعه، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف الاجتهاد في المناط . " الاجتهاد في المناط " مصطلحٌ يُمْكِن أن يُعرَّف باعتبارين: الأول: باعتباره مُركَّباً إضافياً يتكوَّن من كلمتين: " الاجتهاد " و " المناط"، وتعريفه بهذا الاعتبار يستلزم تعريف جزئيه، فيُعرَّف كلُّ لفظٍ - على حِدَة - لغةً واصطلاحاً، ثم يُبيّن وجه العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي في كلٍّ منهما، وقد تقدَّم ذلك في المبحثين الأول (١) والثاني (٢). الثاني: باعتباره مُركَّباً وصفياً أو لقباً يُطلق على معنىً بخصوصه في علم أصول الفقه لا يُفْهَمُ عند الإطلاق غيره. ومن خلال استقرائي لما كتبه الأصوليون بشأن "الاجتهاد في المناط" لم أجد - حسب اطلاعي - لأحدٍ من العلماء الأقدمين أو الباحثين المعاصرين تعريفاً لمصطلح " الاجتهاد في المناط " بهذا الاعتبار، وقد اقتصرت جهودهم على بيان أنواعه، وتعريفها، وضرب الأمثلة عليها، دون وضعٍ حدٍّ أو رسمٍ

стр. 43

لمصطلح "الاجتهاد في المناط" كما هو شأنهم مع باقي الاصطلاحات الدائرة في هذا العلم. وقد اسْتُعمِل هذا المصطلح في مؤلفات أصول الفقه منذ زمنٍ مُبَكِّر، وحسب استقرائي تبين لي أن أقدم كتابٍ مطبوعٍ في أصول الفقه وَرَدَ فيه ذكر أنواع الاجتهاد في المناط هو كتاب: "رسالة في أصول الفقه" لأبي علي الحسن بن شهاب العُكْبَري الحنبلي المتوفَّى سنة (٤٢٨ هـ) أي في القرن الخامس الهجري، حيث عرَّف "الاجتهاد"، ثم ذكر أنه على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، ثم عرَّف كلَّ نوع، وساق مثالاً عليه يوضح المقصود منه (١). ثم جاء من بعده أبو حامد الغزالي المتوفَّى سنة (٥٠٥ هـ) فوضع مقدمتين على كتاب القياس في "المستصفى"، عَنْوَنَ للمقدمة الثانية بقوله: " مقدمةٌ في حصر مجاري الاجتهاد في العِلَل " (٢)، وذكر أن المقصود بالعِلَّة في الشرعيات: مناط الحُكْم. ثم أوضح أنواع الاجتهاد في العِلَّة فقال " والاجتهاد في العِلَّة: إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم، أو في تنقيح مناط الحُكْم، أو في تخريج مناط الحُكْم " (٣)، ثم عرَّف الأنواع الثلاثة، وذكر أمثلةً عليها (٤). وبهذا يكون الغزالي حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة "، وليس كما صنع أبوعلي العُكْبَري حيث أطلق لفظ " الاجتهاد " ولم يقيده بالعِلَل، ثم ذكر تحته أنواع الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلِّقة بالأقيسة، وربما أن العُكْبَري قد تسامح في إطلاق لفظ " الاجتهاد " على القياس كما يصنع بعض الفقهاء (٥).

стр. 44

ثم جاء ابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (٦٢٠ هـ) وعقد فصلاً في أول باب القياس من كتابه "روضة الناظر" استفتحه بقوله: " ونعني بالعِلَّة: مناط الحُكْم" (١)، ثم قال: "والاجتهاد في العِلَّة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط للحُكْم، وتنقيحه، وتخريجه" (٢)، وقد سلك بهذا مسلك الغزالي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى "الاجتهاد في العِلَّة". ثم أعقبه أبو الحسن الآمدي المتوفى سنة (٦٣١ هـ) وذيَّل الباب الثاني في مسالك العِلَّة من كتابه "الإحكام" بخاتمةٍ عَنْوَنَ لها بقوله: "خاتمةٌ في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحُكْم، وهو العِلَّة" (٣). كما أوضح أنواع الاجتهاد في المناط فقال: "ولما كانت العِلَّة مُتَعَلَّقُ الحُكْم ومناطه فالنظر والاجتهاد فيه: إما في تحقيق المناط، أو تنقيحه، أو تخريجه" (٤)، ثم عرَّف كلَّ نوعٍ، وضرب عليه من الأمثلة ما يوضِّح المراد منه (٥). وبهذا يتبيَّن أن الآمدي استعمل مصطلح "الاجتهاد في مناط الحُكْم " بدلاً عن مصطلح "الاجتهاد في العِلَّة" الذي استعمله الغزالي وابن قدامة، وذلك باعتبار أن "العِلَّة" و "المناط" لفظان مترادفان كلٌّ منهما يُطْلَقُ إزاء الآخر. ثم جاء الطُّوفي المتوفَّى سنة (٧١٦ هـ) وعدَّد أنواع الاجتهاد في العِلَّة عند ذكرها ضمن أركان القياس في كتابه "شرح مختصر الروضة"، وعرَّف كلَّ نوعٍ، وضرب عليه أمثلةً توضِّح المراد منه (٦)، ثم قال: "هذا إشارةٌ إلى أنواع

стр. 45

الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلَّقة بالأقيسة، وهو إما بتحقيق المناط، أو تنقيحه، أو تخريجه، والمناط: ما نيط به الحُكْم، أي: عُلِّق به، وهو: العِلَّة التي رُتِّبَ عليها الحُكْم في الأصل " (١)، وقد سلك بهذا مسلك الغزالي وابن قدامة في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى " الاجتهاد في العِلَّة ". ثم جاء من بعد الطوفي أبو إسحاق الشاطبي المتوفَّى سنة (٧٩٠ هـ) وذكر في المسألة الأولى من كتاب الاجتهاد في كتابه " الموافقات " أن الاجتهاد على ضربين (٢): أحدهما: اجتهادٌ لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة، وهو الاجتهاد المتعلِّق بتحقيق المناط العام. والثاني: اجتهادٌ يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا، وهو ثلاثة أنواع: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط الخاص. وبهذا يتضح أن الشاطبي أدخل الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى " الاجتهاد "، ولكن باعتبار انقطاعه وعدمه. ثم تلا الشاطبي أبو الحسن المرداوي الحنبلي المتوفَّى سنة (٨٨٥ هـ) (٣) وذيَّل مسالك العِلَّة بفوائد، ذكر منها أنواع الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة المتعلِّقة بالأقيسة، وهي: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه (٤)، وسلك في ذلك مسلك الغزالي وابن قدامة والطُّوفي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة ". ثم جاء ابن بدران الدمشقي (٥) المتوفَّى سنة (١٣٤٦ هـ) وذكر أركان القياس في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد"، وبعد أن ذكر العِلَّة عَدَّدَ أنواع الاجتهاد فيها، وهي: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه (٦)، وسلك في ذلك مسلك الغزالي وابن قدامة والطُّوفي والمرداوي في حصر الأنواع الثلاثة تحت مُسمَّى" الاجتهاد في العِلَّة".

стр. 46

هذا ما وقفت عليه من المصنفات الأصولية التي اكتفى أصحابها بذكر الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط، ولم يَعْمِدْ أحدٌ منهم إلى وضع حدٍّ أو رسمٍ لمصطلح " الاجتهاد في المناط ". أما سائر المصنفات الأصولية فقد تداولت المصطلحات الثلاثة: تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط، ولكن دون أن تقرن بينها تحت مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" أو "الاجتهاد في مناط الحُكْم" أو "الاجتهاد في العِلَّة"، وإنما ذُكِرَتْ تلك المصطلحات في مواضِعَ متفرِّقةٍ من كتاب القياس عند البحث في مسالك العِلَّة. وهذه المواضِع على النحو الآتي: الموضع الأول: في مسلك الإيماء والتنبيه، وذلك عند الكلام عن أنواعه، وأن من أنواعه ما يُسَمَّى عند بعضهم بـ "تنقيح المناط" (١). الموضع الثاني: في مسلك المناسبة والإخالة، وذلك عند الإشارة إلى تسمية بعض العلماء هذا المسلك بـ"تخريج المناط" (٢). الموضع الثالث: في مسلك تنقيح المناط، وهل يُعْتَبر دليلاً تثبت به العِلَّة؟ (٣). الموضع الرابع: في مسلك تنقيح المناط، وذلك عند بيان الفرق بينه وبين تحقيق المناط وتخريجه، إذ يُعْتَبر ذكر مصطلح "تنقيح المناط" في هذا الموضع مناسباً لذكر المصطلحين الآخرين "تحقيق المناط" و "تخريجه"، وتعريفها، وضرب الأمثلة التي توضح المراد منهما، ليبيِّن الفرق بين

стр. 47

المصطلحات الثلاثة وتتمايز عن بعضها (١). الموضع الخامس: في مسلك تحقيق المناط، ولم أجد - حسب اطلاعي- أحداً من الأصوليين ذكر " تحقيق المناط " باعتباره مسلكاً من مسالك العِلَّة سوى الشوكاني في " إرشاد الفحول "، حيث ذكره في المسلك الحادي عشر (٢). الموضع السادس: عقب الفراغ من بحث مسالك العِلَّة، وذلك أثناء الإشارة إلى بعض الألفاظ التي اصطلح عليها أهل الأصول والجدل ومنها: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط (٣). ومن خلا ل ما تقدَّم ذكره يتضح لي أن الأصوليين لم يُعْنَوا بتعريف مصطلح " الاجتهاد في المناط " كما عُنُوا بذكر أنواعه، وتعريفها، وضرب الأمثلة عليها، لتوضيح المراد منها، ولا ريب أن المقصود إذا حصل بأيسر عبارةٍ فهو المُبتغَى، ولكن جرت العادة في صناعة البحوث العلمية على تحديد مدلولات عنوان البحث تحديداً دقيقاً، ومن أنفع الطرق الموصلة إلى ذلك الاعتناء بتعريف المصطلحات المستعمَلة في هذا البحث. لذا فقد أرتأيت أن أضع حدَّاً لمصطلح "الاجتهاد في المناط" يُقَرُّبُ المراد به، ويُدْخِلُ تحته ما هو منه، ويُخْرِجُ ما ليس منه، فأقول وبالله التوفيق: إذا تقرر ما سبق فيمكن تعريف " الاجتهاد في المناط " باعتباره لقباً يُطْلَق على معنىً بخصوصه في علم أصول الفقه كما يأتي: " الاجتهاد في المناط هو: استفراغ الوُسْعَ في تنقيح عِلَّةٍ منصوصة، أو استخراجِ عِلَّةٍ غيرِ منصوصة، أو إثباتِ متعلَّق حُكْمٍ شرعيٌّ في بعض أفراده ". وهذا التعريف -كما هو ظاهرٌ- يشمل الأنواع الثلاثة للاجتهاد في

стр. 48

العِلَّة، وهي: تنقيح المناط، وتخريجه، وتحقيقه، كما يشمل - أيضاً - المعنى الأعمّ لـ "تحقيق المناط" الذي يدخل تحته ثلاث صور (١): الأولى: إثبات عِلَّة حكم الأصل في الفرع. والثانية: إثبات مقتضى قاعدةٍ كليةٍ تعلَّق بها حكمٌ شرعيُّ في بعض جزئياتها. والثالثة: إثبات معنى لفظ عامٍّ أو مطلَّقٍ تعلق به حكمٌ شرعيٍّ في بعض أفراده. وعند المقارنة بين مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" حسب إطلاق الآمدي، ومُسَمَّى "الاجتهاد في العِلَّة" حسب إطلاق الغزالي ومن تبعه، فإني أجد مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" أكثر دِقَّةً وشمولاً للتعبير عن جميع الأفراد الداخلة تحته، ويرجع ذلك إلى أمرين: أولهما: أن عادة الأصوليين جرت على إضافة الأنواع الثلاثة إلى أحد ألقاب العِلَّة وهو (المناط)، فاشتمال المُسَمَّى على نفس اللفظ وهو "المناط" أولى من اشتماله على لفظ " العِلَّة ". ثانيهما: أن مُسمَّى "الاجتهاد في المناط" يصلح لِأَنْ يشمل "تحقيق المناط" بمعناه الأعمّ الذي هو إثبات معنىً تعلَّق به حُكْم شرعيٌّ في بعض أفراده، وبمعناه الأخصّ الذي هو إثبات عِلَّةِ حكم الأصل في الفرع. أما مُسَمَّى "الاجتهاد في العِلَّة" فهو يُشْعِرُ بحصر النظر في العِلَّة فلا يدخل فيه "تحقيق المناط" بمعناه الأعمَّ إلا تَجَوُّزَاً. ولهذا فقد اخترت مُسَمَّى "الاجتهاد في المناط" ليكون عنواناً لبحثي يعبِّر عن مضمونه كما يتداوله أهل هذا الشأن، وإذا ضُبِطَتْ المدلولات وتحرَّرَت المعاني فلا مُشَاحةَ في الاصطلاح.

стр. 49

المطلب الثاني: أنواع الاجتهاد في المناط . يُقَسِّمُ الأصوليون الاجتهاد بالنظر إلى مناط الحُكْم إلى ثلاثة أنواع: الأول: تحقيق المناط. والثاني: تنقيح المناط. والثالث: تخريج المناط. وقد ذكر هذا التقسيم ثلةٌ من الأصوليين منهم: الحسَن العْكْبَري (١)، والغزالي (٢)، وابن قدامة (٣)، والآمدي (٤)، والطُّوفي (٥)، والمرداوي (٦)، وابن بدران الدمشقي (٧)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٨). وبيان هذه الأنواع الثلاثة - إجمالاً - على النحو الآتي: النوع الأول: تحقيق المناط . ويطلق على ثلاثة معاني: المعنى الأول: إثبات علة حكم الأصل في الفرع بعد معرفتها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (٩). ومثاله: أن يُجعل (الطواف) عِلَّةً لطهارة الهرّ في قوله ﷺ : " إنها ليست

стр. 50

بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (١)، فيبين المجتهد ثبوت العِلَّة - التي هي الطواف- في صغار الحشرات كالفأرة ونحوها، ليلحقها بالهِرّ في الطهارة (٢). والمعنى الثاني: إثبات مقتضى قاعدةٍ شرعيةٍ ثبتت بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباطٍ في بعض جزئياتها (٣). ومثاله: أوجب الله المِثْلَ من النَّعمَ على المُحْرِم في جزاء الصيد بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فالأصل الواجب هو المِثْل، والمثلية هي مناط الحكم، وقد عُلِمت بالنصّ، أما تحقُّق المثلية في البقرة عند الجناية على حمار الوحش- مثلاً - فلا يُعلَم إلا بنوعٍ من الاجتهاد والظنِّ المبني على الاستدلال بالأمارات (٤). والمعنى الثالث: إثبات معنى لفظٍ عامٍّ أو مطلقٍ تعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده (٥). ومثاله: لفظ " الخمر " في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] فإنه لفظٌ عامٌ يتناول تحريم كل مُسْكرٍ من الأشربة والأطعمة؛ لقوله ﷺ : " كل مُسْكِرٍ

стр. 51

خمر" (١)، فيبين المجتهد ثبوت معنى الإسكار في بعض أفراده كالحشيشة مثلاً، فيتناولها الحكم الشرعي وهو " التحريم " (٢). النوع الثاني: تنقيح المناط . وهو: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فيُحذف خصوصه عن الاعتبار، ويناط الحكم بالمعنى الأعمِّ، أو يقترن بالحكم أوصاف مذكورةٌ في النصِّ لا مدخل لها في العِلِّية، فتُحذَف عن الاعتبار، ويناط الحكم بالباقي (٣). ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكتُ وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : " أعتق رقبة " (٤). فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كلُّها أوصافٌ لا تصلح للعليَّة، فتُلْغَى تنقيحاً للعِلَّة، ويثبت ما يصلح للتعليل، فيُلْحَق به الأعرابي الآخر،

стр. 52

ويُلْحَق به غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ أفطر في رمضانٍ آخر، ويُلْحَقُ به مَنْ وطِئ أَمَتَهُ، ويُلْحَق به الزاني، وبهذا يكون الوصف الصالح للتعليل هو" وقاعُ مُكَلَّفٍ في نهارِ رمضان" (١). النوع الثالث: تخريج المناط . وهو: استنباط عِلَّة الحُكْم الذي دلَّ النصُّ أو الإجماع عليه من غير تعرُّضٍ لبيان عِلَّته لا صراحةً ولا إيماءً (٢). ومثاله: قوله ﷺ : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرّ بالبرّ والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مِثْلاً بِمِثْل" (٣). فإن هذا النصَّ لم يتضمَّن ما يدل على عِلَّة تحريم الرِّبا في هذه الأصناف المذكورة لا صراحةً ولا إيماءً، فيُجْتَهَد في استنباط عِلَّة الحُكْم بمسلكٍ من مسالك العِلَّة المُسْتَنْبَطَة (٤). ولا يستدعي المقام - هنا - الإسهاب والتفصيل؛ لأني أفردت كل نوعٍ من أنواع الاجتهاد في المناط ببابٍ مستقِلٍّ يشتمل على تعريفه، وصوره، وأمثلته، والمسائل المتعلِّقة به (٥).

стр. 53

أما بخصوص ترتيب الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط فالطريقة التي سلكها عامة الأصوليين في ترتيبها على النحو الآتي (١): أولاً: تحقيق المناط. وثانياً: تنقيح المناط. وثالثاً: تخريج المناط. وربما يرجع هذا الترتيب عند عامة الأصوليين إلى درجة الخلاف في كلِّ نوع، حيث قُدِّم ذكر النوع الذي لا خلاف فيه وهو " تحقيق المناط " بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقاً أو منصوصاً عليها، أو كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في الفرع. ولذلك لما ذُكِرَ "تحقيقً المناط" في الترتيب أولاً قال العُكْبَري: " لا نعرف في جوازه خلافاً " (٢). وقال الغزالي: " " أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحُكْم فلا نعرف خلافاً من الأُمَّة في جوازه " (٣). وقال الآمدي: " ولا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العِلَّة فيه معلومةً بنصٍّ أو إجماع، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مُدْرَك معرفتها الاستنباط " (٤). ولما أُتْبِع ثانياً بذكر النوع الذي أقرَّ به أكثر المنكرين للقياس، وهو" تنقيح المناط" قال الغزالي: " وهذا - أيضاً - يُقِرُّ به أكثرُ منكري القياس " (٥).

стр. 54

وقال الآمدي: "وهذا النوع وإن أقرَّ به أكثر منكري القياس فهو دون الأول" (١). وقال الطُّوفي: "أكثر منكري القياس استعملوا هذا النوع من الاجتهاد في العِلَّة الشرعيَّة " (٢). ولمَّا أُتْبِع ثالثاً بذكر النوع الذي عَظُمَ فيه الخلاف، وهو " تخريج المناط " قال الغزالي: " فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عَظَمُ الخلاف فيه " (٣). وقال الآمدي: " وهذا في الرتبة دون النوعين الأَوَلَيْن " (٤). وبعد التأمل والنظر في ترتيب أنواع الاجتهاد في المناط ظهر لي أن ترتيبها بحسب أسبقيتها على بعضٍ بالنسبة لعمل المجتهد أَوْلَى - في هذا البحث - من ترتيبها بحسب درجة الخلاف في كلِّ نوع، على أن يكون ترتيبها وفق الآتي: أولاً: تنقيح المناط. وثانياً: تخريج المناط. وثالثاً: تحقيق المناط. ووجه تقديم تنقيح المناط على تخريجه: أن العِلَلَ من حيث طريقة ثبوتها إما منصوصةٌ أو مستنبطةٌ، فإن كانت منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل فالنظر فيها يتعلَّق بتنقيح المناط. وإن كانت مُسْتَنْبَطَةً فالنظر فيها يتعلق بتخريج المناط، والعِلَلُ المنصوصة تُقَدَّمُ على العلل المُسْتَنْبَطَة كما هو مُقَرَّرٌ في ترتيب العِلِل، فناسب حِينئذٍ تقديم تنقيح المناط على تخريجه. أما وجه تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه: فلأِن القياس مبنيٌّ على مقدمتين:

стр. 55

الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل، وهي إما منصوصةٌ اقترن بها من النصوص ما لا يصْلُح لِلْعِلِّية فيتعلَّق النظر فيها بتنقيح المناط، أو مُسْتَنْبّطَةٌ فيتعلَّق النظر فيها بتخريج المناط. الثانية: إثبات وجود عِلَّةِ الأصل في الفرع، وهو تحقيق المناط. ولا ريب أن ثبوت المقدمة الثانية يستلزم ثبوت المقدمة الأولى، وهو ما يقتضي أن تكون متأخرةً عنها، فناسب تأخير تحقيق المناط عن تنقيحه وتخريجه. أما إذا كان تحقيق المناط بالمعنى الذي تكون فيه القاعدة الكلية متفقاً أو منصوصاً عليها، ويُجْتَهد في إثبات وجودها في بعض الجزئيات والصور، فهو نوع اجتهادٍ لا يُحْتَاجُ فيه إلى تنقيح المناط ولا تخريجه، وحينئذٍ لا يُتَصَوَّر بينه وبين تنقيح المناط أو تخريجه تقديمٌ ولا تأخير. ولهذا قال الغزالي: " وهذا لا خلاف فيه بين الأُمَّة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختَلفٌ فيه " (١). وقال ابن قدامة: " وأما النوع الأول فليس ذلك قياساً، فإن هذا مُتَفَقٌ عليه، والقياس مُخْتَلَفٌ فيه " (٢).

стр. 56

المبحث الرابع أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط ويشتمل على ثلاثة مطلبين: المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط. المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط.

стр. 57

المبحث الرابع أوجه الجمع والفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط تَقَدَّم أن أنواع الاجتهاد في المناط ثلاثة (١): الأول: تنقيح المناط. والثاني: تخريج المناط. والثالث: تحقيق المناط. وهذه الأنواع الثلاثة يوجد بينها قدرٌ مشتركٌ يجمعها، كما يوجد بينها اختلافٌ يُمَيِّزُ بعضها عن بعض، وقد اكتفى بعض الأصوليين في التفريق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها مع ضرب المثال الذي يوضِّح المراد، كلُّ ذلك على سبيل الإيجاز دون استطرادٍ أو تتبعٍ لوجوه الجمع والفرق بينها؛ لأنه لما ذُكِرَ " تنقيح المناط " ضمن مسالك العِلَّة ناسب في ذلك الموضع أن يُذْكَرَ " تخريج المناط " و" تحقيق المناط " كما جرت بذلك عادة الجدليين، فَنَبَّه الأصوليون على الفرق بينها بذكر حقيقة كلٍّ منها، وقد جرى ذلك بالقصد التابع لا بالقصد الأصلي. ولهذا لما ذكر البيضاوي " تنقيح المناط " في المسلك التاسع ضمن الطرق الدالة على العِلِّية عرَّف السبكي " تنقيح المناط "، وضرب له أمثلةً توضِّح المراد منه ثم قال: " فائدة: قد اقتصر المصنِّف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط، ونحن لا نطيب قلباً بإخلاء الشرح عن الكلام فيهما ليتحصَّل

стр. 58

التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط " (١). ولما ذكر صاحب " مراقي السعود " تنقيح المناط ضمن مسالك العِلَّة وأشار إلى تحقيق المناط، قال في " نشر البنود ": " وإنما ذكرته هنا جرياً على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط." (٢). ولكن لما أُفْرِدَ البحث - هنا - في أنواع الاجتهاد في المناط، واعتُبِرَ الموضوع مقصوداً بالأصالة اقتضى الحال استكمال النظر - قدر الإمكان - في أوجه الجمع والفرق بينها، مما يزيدها وضوحاً وتحريراً من كلِّ وجه، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: أوجه الجمع بين أنواع الاجتهاد في المناط . يوجد بين أنواع الاجتهاد في المناط قَدْرٌ مشتركٌ يجمعها، وتتلخص أوجه الجمع بينها فيما يأتي: ١ - تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه كلها أنواعٌ تُطْلَقُ على أفعال المجتهد أثناء اجتهاده في العِلَّة، ولا تُعْتَبَرُ من مسالك العِلَّة أو الطرق الدالة على العِلِّية، كما سيأتي بيانه في مواضعه (٣). ٢ - تُعتبر الأنواع الثلاثة كلها من مقدمات القياس، وليست هي القياس نفسه. وتوضيح ذلك أن قياس العِلَّة - حسب الاصطلاح الأصولي - لابد فيه من مقدمتين (٤):

стр. 59

المقدمة الأولى: إثبات العِلَّة في حُكْم الأصل، فإن كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل فالنظر فيها يتعلق بتنقيح المناط، وإن كانت مُسْتَنْبَطَةً فالنظر فيها يتعلق بتخريج المناط. المقدمة الثانية: إثبات عِلَّة الأصل في الفرع، وهو ما يُسمَّى بـ " تحقيق المناط ". وناتج هاتين المقدمتين حصول المساواة في العِلَّةُ بين الأصل والفرع، وهذه المساواة علامةٌ نَصَبَهَا الشارع للدلالة على الأحكام التي لم يَرِدْ بشأنها نصٌّ بعينه، ولا إجماع. ثم تأتي بعد ذلك ثمرة المساواة بين الأصل والفرع، وهي: إثبات مثل حُكْم الأصلِ في الفرع، وهو ما يُطْلَقُ عليه اصطلاحاً " القياس ". وبهذاَ يَتَبَيِّن أن القياس مبنيٌّ على مقدمتين، الأولى تتعلق بتنقيح المناط إن كانت العِلَّةُ منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل، أو تتعلق بتخريج المناط إن كانت العِلَّة مُسْتَنْبَطَة، والثانية تتعلق بتحقيق المناط بعد إثبات عِلَّة الحُكْم في الأصل، ونتيجة هاتين المقدمتين هي القياس، وليس المقدمتان هما القياس. ٣ - تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه كلها أنواعٌ تشترك في أن النظر فيها يتعلق بالعِلَّة، وإن كان تحقيقُ المناط أعمَّ مورداً من التنقيح والتخريج كما سيأتي في أوجه الفرق بينها (١). فالنظر في العِلَّة إما أن يتعلق بتنقيحها، أو تخريجها، أو تحقيقها، ولذلك أضيف لفظ " المناط " إلى التنقيح والتخريج والتحقيق باعتباره أحد إطلاقات العِلَّة كما سبقت الإشارة إلى ذلك (٢).

стр. 60

المطلب الثاني: أوجه الفرق بين أنواع الاجتهاد في المناط . كما يوجد بين أنواع الاجتهاد في المناط قَدْرٌ مشتركٌ يجمعها فكذلك يوجد بينها اختلافٌ يميِّزُ بعضها عن بعض، وتتلخص أوجه الفرق بينها فيما يأتي: ١ - تنقيح المناط وتخريجه لا يَرِدَانِ إلا على العِلَّة، بينما تحقيق المناط يَرِدُ على العِلَّة وعلى غيرها فهو أعمُّ منهما، حيث يُطْلَقُ على إثبات عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع، ويُطْلَقُ على إثبات كلِ معنىً تَعَلَّقَ به حُكْمٌ شرعيٌّ في بعض أفراده. قال الطُّوفي: " وكلُّ واحدٍ منهما يُسمىَّ تحقيق المناط؛ لأن معنى تحقيق المناط هو إثبات عِلَّة حُكْم الأصلِ في الفرع، أو إثبات معنىً معلومٍ في محلٍّ خَفِيَ فيه ثبوتُ ذلك المعنى، وهو موجودٌ في النوعين وإن اختلفا في أن أحدهما قياسٌ دون الآخر، فتحقيق المناط أعمُّ من القياس " (١). ٢ - في " تخريج المناط " يَسْتَخْرِجُ المجتهدُ العِلَّة بأحد مسالكها المُسْتَنْبَطَة، بخلاف " تنقيح المناط " فإنه لا يَسْتَخْرِجُ العِلَّة، لكونها مذكورةً في النصِّ، بل يُنَقِّحُ العِلَّة المنصوصةَ التي اقترنت بها أوصافٌ ات تصلح للعلِّية بإثبات الوصف الصالح للعِلِّية وإلغاء ما سواه، فالأوصاف في تنقيح المناط مذكورةٌ في النصّ، بينما الأوصاف في تخريج المناط غير مذكورة، أما في تحقيق المناط فإن المجتهد يثبت وجود عِلَّة الأصل في الفرع بعد ثبوتها في نفسها بنصٍّ أو إجماع أو استنباط (٢). ٣ - النظر في " تنقيح المناط " يتعلق بالعِلَّة التي عُرِفَتْ بالنصِّ، واقترنت بها أوصافٌ ات تصلح للعلِّية وفي " تخريج المناط " يتعلق النظر بالعِلَّة التي تُعْرَفُ بالاستنباط، أما في" تحقيق المناط " فإن النظر يتعلق بإثبات وجود العِلَّة في

стр. 61

آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها بنصٍّ أو إجماعٍ أو استنباط (١). ٤ - بالنظر إلى ترتيب الأنواع الثلاثة حسب عمل المجتهد فإن تنقيح المناط وتخريجه يتقدمان على تحقيق المناط، حيث لابدَّ من ثبوت عِلَّة حُكْم الأصلِ أولاً، ثم إثبات وجود هذه العِلَّة في الفرع ثانياً، فإن كانت العِلَّة منصوصةً واقترن بها من الأوصاف ما لا يصلح للتعليل تَقَدَّمَ تنقيحُ المناط على تحقيقه، وكذلك إن كانت العِلَّة مُسْتَنْبَطَةً فإنه يتَقَدَّمَ - أيضاً - تخريجُ المناط على تحقيقه، وقد سبق التنبيه على ترتيب الأنواع الثلاثة (٢). ٥ - لا يلزم في " تخريج المناط " أن تكون هناك أوصافٌ، بل قد لا يكون في محل الحُكْم إلا وصفٌ واحدٌ وهو العِلَّة فَسُتْخَرَجُ بالاجتهاد. بينما في " تنقيح المناط " يلزم أن تكون هناك أوصافٌ حتى يُحْذَفَ منها ما لا مدخل له في العِلِّية، ويثبت ما يصلح وصفاً يقترن به الحُكْم. ولهذا لما نَقَلَ الطُّوفي عن بعض الأصوليين أن تخريج المناط: استخراج العِلَّة من أوصافٍ غير مذكورة، قال: " وفيه نظر؛ إذ لا يلزم في تخريج المناط تعداد الأوصاف، بل قد لا يكون في محل الحُكْم إلا وصفٌ واحدٌ وهو العِلَّة، فسُّتَخْرَج بالاجتهاد " (٣). ٦ - بالنظر إلى درجة الخلاف في كلِّ نوعٍ من الأنواع الثلاثة فإن تحقيق المناط بمعناه الأعمّ لا خلاف فيه (٤)، وتنقيح المناط أكثر منكري القياس يُقِرُّون به (٥)، أما تخريج المناط فقد عَظَمُ فيه الخلاف (٦)، ولذلك

стр. 62

اعتبر الأصوليون تحقيق المناط في الرتبة الأولى، كما اعتبروا تنقيح المناط دونه في الرتبة، واعتبروا تخريج المناط دون الرتبتين، وقد سبق بيان ذلك (١).

стр. 63

الباب الأول الاجتهاد في تنقيح المناط ويشتمل على ستة فصول: الفصل الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً واصطلاحاً. الفصل الثاني: حكم تنقيح المناط والأدلة على اعتباره. الفصل الثالث: العلاقة بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق. الفصل الرابع: العلاقة بين تنقيح المناط والسَّبْر والتقسيم. الفصل الخامس: طرق تنقيح المناط.

стр. 64

الفصل الأول تعريف تنقيح المناط لغةً واصطلاحاً ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف تنقيح المناط لغةً. المبحث الثاني: تعريف تنقيح المناط اصطلاحاً. المبحث الثالث: وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي.

стр. 65

المبحث الأول تعريف تنقيح المناط لغةً سأتناول في هذا المبحث تعريف تنقيح المناط لغةً، وذلك من خلال مطلبين: المطلب الأول: تعريف التنقيح لغةً . التنقيح في اللغة: التهذيب والتشذيب، وأصلها: " نَقَح " (١). ومنه قولهم: نقَّح الكلام، إذا هذَّبه وأحسَنَ أوصافه (٢). وشعْرٌ مُنَقَّحٌ، أي: مُفَتَّشٌ مُلقىً عنه ما لا يصلحُ فيه (٣). ونقَّح العَظْمَ: إذا استخرج مُخَّه (٤). ونقَّح الجِذْعَ: إذا شَذَّبه وأصلحه (٥).

стр. 66

المطلب الثاني: تعريف المناط لغةً . المناط في اللغة: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى اسم المكان، وهو موضع التعليق، ومناط الشيء: المَحَلُّ الذي عُلِّق عليه، وقد سبق بيان ذلك من خلال ما ورد في معاجم اللغة من معاني مادة (ن وط) (١). وبناءً على ما تقدَّم من تعريف لفظي " التنقيح " و " المناط " في اللغة يتَّضح أن " تنقيح المناط " في اللغة يعني: تهذيب وتشذيب الموضع الذي عُلِّق عليه الشيء، وتخليصه مما ليس منه.

стр. 67

المبحث الثاني تعريف تنقيح المناط اصطلاحاً " تنقيح المناط " مصطلحٌ استعمله الأصوليون وتناولوه بالبحث في مواضع مختلفةٍ من كتاب القياس فبعض الأصوليين يذكره قبل البحث في مسالك العِلَّة، وبعضهم يذكره عند البحث في مسالك العلة، وبعضهم يذكره بعد الفراغ من البحث في مسالك العلة. ويظهر لي أن اختلاف الأصوليين في مواضع بحث " تنقيح المناط " في المدونات الأصولية ينبِّه على اختلافهم في حقيقته: هل يُعْتَبر في نفسه مسلكاً من مسالك العِلَّة؟ أو يُعْتَبر من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه؟ وحاصل أنظار الأصوليين في ذلك تتمثل في اتجاهين: الاتجاه الأول: ذهب بعض الأصوليين إلى أن " تنقيح المناط " يُعْتَبر من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بأحد المسالك المُعْتَبرة وهو" مسلك النصِّ " أو" مسلك الإيماء والتنبيه "، ولا يُعْتَبر في نفسه مسلكاً من مسالك العِلَّة. وبناءً على ذلك فقد ذكر أصحاب هذا الاتجاه " تنقيح المناط " مستقلاً عن مسالك العِلَّة إما قبلها أو بعدها، وأدرجوه تحت ما يُسَمَّى بـ " أنواع الاجتهاد في العِلَّة " أو " أنواع الاجتهاد في مناط الحُكْم "، ولم يذكروه ضمن مسالك العِلَّة (١).

стр. 68

وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والطُّوفي، والشاطبي، والمرداوي، وابن بدران الدمشقي. وفيما يأتي تعريفاتهم لـ " تنقيح المناط " وقد اقتصر أكثرهم على ما بين المراد دون التقيد بشروط الحدود: - عرَّفه الغزالي بقوله: " أن يضيف الشارع الحُكْم إلى سببٍ وينوطه به، وتقترن به أوصافٌ لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحُكْم " (١). - وعرَّفه ابن قدامة بقوله: " أن يضيف الشارع الحُكْم إلى سببه، فيقترن به أوصافٌ لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم" (٢). - وعرَّفه الآمدي بأنه: " النظر والاجتهاد في تعيين ما دلَّ النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف" (٣). - وعرَّفه الطُّوفي بأنه: " إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحُكْم إليها، لعدم صلاحيتها للاعتبار في العِلَّة " (٤). - وعرَّفه الشاطبي بقوله: " أن يكون الوصف المُعْتَبَر في الحُكْم مذكوراً مع غيره في النصِّ، فَيُنَقَّح بالاجتهاد حتى يُميَّز ما هو معتبرٌ مما هو ملغيٌّ" (٥). - وعرَّفه المرداوي بأنه: " الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به الشارع الحُكْم، فيُبْقِي من الأوصاف ما يصلح، ويُلْغِي ما لا يصلح " (٦). - وعرَّفه ابن بدران الدمشقي بأنه: " إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف

стр. 69

الشارع الحُكْم إليها؛ لعدم صلاحيتها للاعتبار في العِلَّة " (١). ويتضح من خلال النظر في التعريفات السابقة لـ " تنقيح المناط " أن تلك التعريفات وإن كانت مختلفةً في بعض ألفاظها إلا أنها متقاربةٌ في معانيها، فأصحاب هذا الاتجاه يعتبرون أن وظيفة المجتهد في "تنقيح المناط " حذف الأوصاف غير المُعْتَبرة، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم، وذلك بعد أن أُثْبِتت العِلَّة بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، واقترن بالحُكْم أوصافٌ بعضها يصلح للعِلَّيَّة وبعضها لا يصلح، فاحتيج حينئذٍ إلى تمييز وتعيين الوصف الذي يصلح أن يكون عِلَّةً للحُكْم، وإلغاء ما سواه من الأوصاف. ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " ما صنعت "؟ قال: " وقعت على أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ " أعتق رقبة" (٢). فالتعليل بالوقاع وإن كان قد أُومِئَ إليه بالنصِّ غير أنه يُفْتَقَرُ في معرفته إلى حذف كلِّ ما اقترن به من الأوصاف غير المُعْتَبَرة في العِلِّيَّة، وإبقاء الوصف أو الأوصاف الصالحة للعِلَّيَّة، وذلك بأن يبين المجتهد بالدليل أن كونه أعرابياً، وكونه شخصاً معيناً، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجةً أو امرأةً معينةً لا مدخل له في التأثير، حتى يتعدَّى الحُكْم إلى كلِّ مكلفٍ وطئ في نهار رمضان عامداً (٣). الاتجاه الثاني: ذهب بعض الأصوليين إلى أن " تنقيح المناط " يُعْتَبر بنفسه مسلكاً مستقلاً من المسالك التي تثبت بها العِلَّة. وبناءً على ذلك فقد ذكر أصحاب هذا الاتجاه " تنقيح المناط " ضمن مسالك العِلَّة، واعتبروه دليلاً تثبت به العِلَّة الشرعيَّة.

стр. 70

وقد ذهب إلى هذا الاتجاه: الفخر الرازي (١)، والبيضاوي (٢)، والقرافي (٣)، وصفي الدين الهندي (٤)، وصدر الشريعة الحنفي (٥) (٦)، وتاج الدين ابن السبكي (٧)، والزركشي (٨)، والشوكاني (٩). ثم اختلف أصحاب هذا الاتجاه في تعريفه على مذهبين: المذهب الأول: تعريف " تنقيح المناط " على أنه اجتهادٌ في حذف خصوص وصفٍ مذكورٍ في النصِّ عن الاعتبار، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ، أو حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ عن الاعتبار، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحكم. وقد عرَّفه بذلك تاج الدين ابن السُّبكي حيث قال: " هو: أن يدلَّ ظاهرٌ على التعليل بوصفٍ، فَيُحْذَف خصوصه عن الاعتبار، ويُنَاطُ بالأعمّ، أو تكون أوصافٌ، فَيُحْذَف بعضها، ويُنَاطُ بالباقي " (١٠). وبهذا التعريف يتضح أن ابن السُّبكي يقسِّم " تنقيح المناط " إلى قسمين: القسم الأول: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بوصفٍ، فَيُحْذَف، خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ. ومثاله: قوله ﷺ : " لا يقضين حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان " (١١). فإنَّ ذكر الغضب مقروناً بالحُكْم يدل بظاهره على التعليل بالغضب، لكن

стр. 71

ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس عِلَّةً لذاته، بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر، فَيُحْذَف خصوص الغضب، ويُنَاطُ النهي بالمعنى الأعمّ، فيشمل النهيُ كلَّ ما يشغل القلب ويمنع من استيفاء النظر، كالجوع والعطش المفرطين (١). القسم الثاني: أن يدلَّ نصٌّ ظاهرٌ على تعليل الحُكْم بمجموع أوصافٍ بعضها يصلح للتعليل وبعضها لا يصلح، فَيُحْذَف ما لا يصلح للتعليل عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي من الأوصاف. ومثاله: قصة الأعرابي الذي جامع أهله في رمضان، وجاء يضرب صدره وينتف شعره - كما في بعض الروايات - ويقول: هلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : "أعتق رقبة" (٢). فكونه أعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته، وكونه واقع أهله في ذلك الشهر بعينه، كُلُّها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّيَّة فَتُحْذَف عن درجة الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالوصف الباقي الصالح للتعليل، وهو " وقاع مكلَّفٍ في نهار رمضان "، فَيُلْحق بالأعرابي غير الأعرابي، ويُلْحَق به مَنْ جامع في رمضان آخر، ويُلْحَق به من وطِئَ أَمَتَه، ويُلْحَق به الزاني (٣). وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " بقسميه المذكورين آنفاً عند أصحاب هذا الاتجاه هو الاجتهاد في الحذف والتعيين. قال المحلِّي (٤): " وحاصله - أي: تنقيح المناط - أنه الاجتهاد في الحذف والتعيين " (٥). وهذا ظاهر؛ ففي القسم الأول يُجْتَهَدُ في حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ عن الاعتبار، ويُنَاطُ الحُكْم بالمعنى الأعمّ، وفي القسم

стр. 72

الثاني يُجْتَهَدُ في حذف بعض الأوصاف، وتعيين الباقي من الأوصاف عِلَّةً للحُكْم. المذهب الثاني: تعريف " تنقيح المناط " على أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم. - وقد عرَّفه بذلك البيضاوي، فقال: "تنقيح المناط: بأن يبيِّن إلغاء الفارق" (١). قال شارحه الإسنوي (٢): " هو: أن يبين المُسْتَدِل إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، وحينئذٍ فيلزم اشتراكهما في الحُكْم " (٣). - وعرَّفه القرافي بقوله: " هو: إلغاء الفارق، فيشتركان - أي: الاصل والفرع - في الحُكْم " (٤). - وعرَّفه صفي الدين الهندي (٥) بأنه: " إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق " (٦). - وعرَّفه صدر الشريعة الحنفي بقوله: " أن يبين عدم عِلِّيَّة الفارق؛ ليثبت عِلِّيَّه المشترك " (٧). - وعرَّفه الشوكاني بأنه: " إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق " (٨). ومثاله: إلغاء الوصف الفارق بين الأَمَة والعبد في قوله ﷺ : "مَنْ أعتق شِرْكاً له في عَبْدٍ، فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوِّم عليه قيمة عدل، فأَعطَى شركاءَه حصَصَهُمْ، وعَتَقَ عليه، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ " (٩) فهذا النصُّ لا

стр. 73

يتناول الأَمَة، ولا فارق بين العبد والأَمَة إلا الذُّكورة، وهو ملغيٌّ في باب العتق بالإجماع؛ إذ لا مدخل له في العِلِّية، وإن كان للذكورة والأنوثة تأثيرٌ في الفرق في بعض الأحكام كولاية النكاح والقضاء والشهادة (١). وبهذا فإن حاصل " تنقيح المناط " عند أصحاب هذا المذهب هو: الاجتهاد في إلغاء الوصف الفارق بين الأصل والفرع، وحذفه عن درجة الاعتبار، فيلزم حينئذٍ اشتراكهما في الحُكْم. المقارنة بين التعريفات: من خلال التأمل في التعريفات التي سبق إيرادها ضمن الاتجاهين المذكورين يتبين لي الآتي: أولاً: إن تعريف " تنقيح المناط " على أنه من طرق الاجتهاد في العِلَّة بعد إثباتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه يُعْتَبر أرجح من تعريفه على أنه دليلٌ تثبت به العِلَّة فيُعَدُّ مسلكاً من مسالكها؛ لأن العِلَّة - هنا- ثبتت بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، واقترنت بها أوصافٌ لا تصلح للعِلِّية، فاحتيج إلى تهذيبها وتمييزها عن تلك الأوصاف غير المُعْتَبَرة، وهو اجتهادٌ لا يُعْتَبر في ذاته دليلاً على العِلَّة؛ لأنه من أفعال المجتهد، أما دليل ثبوت العِلَّة فهو مسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه، ومن شأن الدليل أن يكون ثابتاً في نفسه مع قطع النظر عن فعل المجتهد (٢). قال الغزالي: " والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عُرِف المناط بالنصِّ لا بالاستنباط " (٣). ولهذا المعنى فقد قيَّد الآمدي تنقيح المناط بالاجتهاد في تعيين ما دل

стр. 74

النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، فعرَّفه بأنه: " النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النصُّ على كونه عِلَّةً من غير تعيين، بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف" (١). وتنقيح المناط ليس هو طريق استخراج العِلَّة، وإنما هو طريق تمييزها وتهذيبها بعد ثبوتها بمسلك النصِّ أو الإيماء والتنبيه. قال صفي الدين الهندي: " وحاصله - أي: تنقيح المناط - يرجع إلى أن تصرَّف المجتهد فيه إنما هو في تعيين السبب الذي ناط الشارع الحُكْم به، دون استنباطه وتخريجه " (٢). ثانياً: إن الاجتهاد في " تنقيح المناط " إما أن يتجه إلى حذف خصوص الوصف المذكور في النصِّ لعدم اعتباره، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعمّ، أو يتجه إلى حذف بعض الأوصاف المذكورة في النصِّ لعدم تأثيرها في الحُكْم، وإناطة الحُكْم بالباقي من الأوصاف. وفي كلتا الحالتين فإن الاجتهاد في الحذف والتعيين قد يكون بإلغاء الفارق أو بالسَّبْر والتقسيم، وإن كان النظر يتوجه في الأصل إلى الحذف والتعيين، لا إلى إلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم. قال المطيعي (٣): " فالمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الأول هو حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصّ على عليَّته صريحاً أو إيماءً، وإن كان يلزمه إلغاء الفارق أو السَّبْر أيضاً، لكنه غير منظورٍ إليه، والمنظور إليه في تنقيح المناط بالمعنى الثاني مجرد الأوصاف التي في محلِّ الحُكْم، ولا يجب عليه الحصر، فَيُحْذَف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويُنَاطُ الحُكْم بالباقي، وإن كان يلزم إلغاء الفارق والسَّبْر والتقسيم لكنه غير منظورٍ إليه " (٤). وعلى هذا فإن تعريف " تنقيح المناط " بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في الحذف

стр. 75

والتعيين أرجح من تعريفه بالنظر إلى أنه اجتهادٌ في إلغاء الفارق؛ لأن الحذف والتعيين هو الأصل الذي يتوجه إليه الاجتهاد في " تنقيح المناط "، وقد يكون ذلك بإلغاء الفارق أو السَّبْر والتقسيم كما سيأتي بيانه (١). ثالثاً: إن الاجتهاد في إلغاء الفارق لا يُحْتَاج معه إلى الوصف الجامع بين الأصل والفرع وهو العِلَّة، بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به والمسكوت عنه فرقٌ يؤثر في الحُكْم ألبتة، فهو مثله في الحُكْم؛ لأن الإلحاق بنفي الفارق لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةً، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقَةٌ في الفرع من غير تعيين (٢). أما الاجتهاد في الحذف والتعيين فإن الباقي من الأوصاف هو الذي يتعين عِلَّةً للحُكْم، وذلك بعد حذف الأوصاف غير المؤثرة. ومع اختلاف الطريقة في كلٍّ منهما إلا أن نتيجتهما تُلْزِم بالتسوية بين الأصل والفرع في الحُكْم؛ لاشتراكهما في الموجب له، غير أن العِلَّة في الطريقة الأولى لم تتعين، وإنما حصل الإلحاق بمجرد إلغاء الوصف الفارق، وفي الطريقة الثانية تعين الباقي من الأوصاف المذكورة في النصِّ عِلَّة للحُكْم بعد حذف الأوصاف غير المُعْتَبَرة. ولهذا فقد أطلق بعض الأصوليين كتاج الدين ابن السُّبكي (٣)، وصفي الدين الهندي (٤) مُسمىَّ " تنقيح المناط " على إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق. كما اعتبر بعض الأصوليين "إلغاء الفارق" ضرباً من " تنقيح المناط ". قال الطُّوفي: " لا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحاً؛ إذ إنَّ التنقيح هو
следующие страницы →