Полный текст (390 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
التلبية يوم التروية
بعد أن تغتسل تتمهل يسيراً، ثم تلبي من مكانها قائلة: لبيك اللهم بحجة.
وبعد أن تلبي بذلك تردفها بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك، فتلبي هذه التلبية، وتخفض صوتها بحيث تسمع نفسها؛ لأن المرأة كلها عورة، فلتتق الله ولتخفض صوتها؛ حتى لا تفتن الرجال.
стр. 352
الدفع إلى منى وقصر الصلاة فيها
فإذا لبت المرأة فلتدفع بإذن الله قبل الزوال إلى منى، فمن السنة أن تدرك وقت الظهر عند الزوال في منى، فتصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاثاً -لأن المغرب لا يقصر- والعشاء ركعتين، كما فعل رسول الله ﷺ ، فإن كان للمرأة ورد من الليل فعليها أن تأخذه قبل الفجر، فإن نسيت فلتقم في النهار، وإن لم يكن لها ورد فحري بكل امرأة جاءت إلى هذه الأماكن المعظمة متمسكة متعبدة لله جل وعلا أن تجعل لها فرصة من الليل تقوم فيها ولو بركعتين، بما تحفظ من الآيات، وما تيسر لها، فتكون قد أحيت ليلها وأرضت ربها، ثم بعد ذلك تصلي الفجر مع الناس جماعة، ثم تذكر الله جل وعلا بأذكار الصباح التي تحفظها، ولتحافظ على الأذكار المؤقتة التي كان لا يتركها النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ لما جاءه رجل -كما في المسند بسند صحيح- فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأوصني وأوجز لي، فقال له النبي ﷺ : (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، وقد ورد حديث في شعب الإيمان بسند ضعيف، قال: (اذكر الله حتى يقال: إنك مجنون).
فترطب القلوب بذلك وتثبت بإذن الله، ومن اعتاد على الذكر في حال رخائه أتاه الفرج من عند ربه جل وعلا وقت الشدة، ويثبت عند الموت، ويقول: لا إله إلا الله.
وبعد أن تنتهي من أذكار الصباح فإن كان لها ورد من القرآن فلتقرأه، حتى تطلع الشمس.
стр. 353
الدفع إلى نمرة
فإذا طلعت الشمس فلتدفع إلى نمرة، وهذه هي السنة، فقد كان النبي ﷺ يتنفل حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت دفع إلى نمرة، فلما وصل إليها ضربت له خيمة في نمرة فنزل فيها.
هذه هي السنة، ولكن مع الازدحام الشديد في هذه الأزمنة لا يستطيع الإنسان أن يطبق هذه السنة، فإذا أرادت المرأة السنة فلتخبر محرمها أن يذهب بها إلى نمرة؛ لأن هذه هي السنة، وإن لم تستطع، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فليس بواجب، ولا لازم عليها، ولكنها سنة مستحبة، فإذا أرادت أن تحج كما حج النبي ﷺ فلتذهب إلى نمرة ولتجلس إلى الزوال.
стр. 354
الدفع من نمرة إلى عرفة
فإذا زالت الشمس عن كبد السماء، واقترب وقت الظهر فلتدفع من نمرة إلى عرنة، ولتجلس في عرنة ولتسمع الخطيب، ثم بعد الخطبة يؤذن للصلاة، ثم تقام صلاة الظهر، فتصلي ركعتين، ثم الإقامة الثانية للعصر، فتصلي العصر ركعتين جمع تقديم لا تأخير، وبعد صلاة الظهر والعصر تستحضر في قلبها الخشوع والذل التام لله جل وعلا، والمقام مهيئاً لذلك، فإن المرء إذا لبس إحرامه الذي هو إزار ورداء علم أنه سيكفن في مثل هذا، فهذا يهيئه تهيئة تامة، والمرأة لها أن تتذكر ذلك فهي تصلي وترى الرجال الذين يرتدون هذا اللباس، فتتذكر أن هذا كفن، وتتذكر الموت، وتخضع وتذل لكبرياء الله، ولعزته وجبروته وقدرته، فتذرف العين دامعةً لله جل وعلا، ويرق القلب شوقاً لرؤية وجهه الكريم ، وتستحضر في قلبها بأن الله سيباهي بها الملائكة.
стр. 355
آداب الدعاء
ولتعلم أن المحل محل دعاء، وعلى المرأ أن يقدم بين يدي دعائه آداب كثيرة:
стр. 356
تقديم طاعة قبل الدعاء
منها: أن يقدم طاعة، وأفضل الطاعات يوم عرفة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجدت امرأة متنقبة فلتقل لها: اتقي الله، ولا تلبسي النقاب.
فإن النبي ﷺ قال: (لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)، وإذا رأت امرأة قد لبست القفاز نصحتها في الله، وإذا رأت امرأة شعرها ظاهر قالت لها: اتقي الله في نفسك، وإذا رأت امرأة أحرمت بالزي الأبيض تقول لها: هذا تشبه بالرجال، فعليك بالسواد أو بالبني أو بالأزرق، وإذا رأت امرأة لبست اللباس الضيق تقول لها: اتقي الله، فإن هذا ليس بلباس المؤمنات.
فتشعر بذلك أنها أمة لله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح في الله، وتبين الحق من الباطل، وإن عنفها أحد، أو أساء إليها، أو سبها.
فذلك في سبيل الله، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وإذا رأت رجلاً يشرب دخاناً نصحت زوجها أن ينصحه، وإذا لم يكن معها زوجها نصحته هي؛ لأن هذه أفضل طاعة وعبادة تقدمها بين يدي دعائها.
стр. 357
الوضوء واستقبال القبلة
ومن آداب الدعاء: الوضوء، فكثير من الناس ينسى هذا، أو يغيب عنه، فتتوضأ المرأة وضوءها للصلاة، ثم تستقبل القبلة، فمن السنة أن تستقبل القبلة وجبل الرحمة، ولكن بعض الناس يتهافتون على الجبل، ومنهم من يترك عرفة بأسره، ويترك الذكر، وقد يترك الصلاة، ويذهب ليتسلق الجبال.
فعند الدعاء تستقبل القبلة مع جبل الرحمة -وهذا قيد- فإن لم تستطع فلتستقبل القبلة بخشوع.
стр. 358
ذكر الله قبل الدعاء
ومن آداب الدعاء أن تذكر الله جل وعلا قبله ثم تسجد لله كثيراً.
وأفضل الذكر كما قال النبي ﷺ : (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله يوم عرفة)، هذا في عرفة، والذكر عام، وأخص وأفضل الذكر قول: لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
فلابد أن تكثر المرأة من هذا الذكر، وأيضاً: تكثر من التحميد والتهليل والتكبير والتسبيح: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبعد أن تصلي العصر مع الظهر، فلها أن تقول أذكار المساء بعد هذه الصلاة؛ لأن الذكر مرتبط بالصلاة، فإذا قدمت الصلاة فلها أن تقرأ أذكار المساء إن كانت تحفظها، فإن لم تكن تحفظها فلتقرأها من أي كتيب صغير يحتوي على صحيح الأذكار، كحصن المسلم، للمؤلف سعد القحطاني أو غيره.
стр. 359
رفع اليدين والصلاة على النبي
من آداب الدعاء رفع اليدين والصلاة على النبي ﷺ ، فإذا رفعت المرأة يديها في هذا اليوم فلن ترد خائبة أبداً، فتدعو الله جل وعلا بما تشتهي من خيري الدنيا والآخرة، فالله كريم، وخزائن السموات والأرض بيده، فلا يرد عبداً خائباً، فإذا ذهبت المرأة إلى امرأة مثلها قد اشتهرت بين النساء بالكرم الفياض، فإنها لن تعرف كيف تكرمها؟ وهي امرأة ضعيفة عاجزة، يعتريها النقص والضعف؛ فكيف بالرب الغني الكريم جل في علاه؟ فإن له خزان السموات والأرض.
فكل امرأة تستحضر خشوع القلب، وترفع يدها فإنها أقرب لاستجابة الدعاء؛ لأن الله جل وعلا كتب -كما أوحى لنبيه- أن النصر مع الضعفاء، والمرأة أضعف من الرجل، فتكون هي أفضل في استجابة الدعاء.
стр. 360
تكرار الدعاء ثلاثاً ثم الاستغفار بعده
وإذا دعت المرأة بدعوة كررتها ثلاثاً؛ لأن رسول الله ﷺ كان من سنته إذا دعا يكرر دعاءه ثلاثاً؛ ليبين إلحاحه وتضرعه وتذلله لله جل وعلا، فلابد أن تكرر الدعاء ثلاثاً، تذللاً لله وتضرعاً له، وطمعاً في فضله وكرمه جل وعلا، وفي أن تكون مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، وفي منازل الصحابة رضوان الله عليهم، وطمعاً في أن يملأ الله قلبها بحبه، وبالعمل له، ونصره دينه.
وبعد أن تختم الدعاء بإنزال يدها، تستغفر الله كثيراً، وتسبح وتكبر وتحمد وتهلل، وتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
وتظل على هذه الحال حتى تغرب الشمس.
стр. 361
الموفق من وفقه الله
التوفيق لا يكون إلا من الله جل وعلا، فإن العبد لا يساوي شيئاً، ولا يتعلم شيئاً إلا بفضل ربه جل في علاه، وهو الذي علمنا أن نقرأ ونقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فمن وفقه الله وسدده فهو الموفق المسدد، ومن أضله الله فلن تجد له ولياً مرشداً.
стр. 362
تطبيق للدعاء بآدابه
المرأة بعد أن ترفع يدها تثني على الله بما هو أهل له، كأن تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ﴾ [فاطر:١]، الحمد لله الذي فرق الحق، الحمد لله الذي عنده خزائن السموات والأرض، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله الواجد الماجد الحميد المجيد، الحمد لله المبدع المعيد الواسع، الحمد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فتتدبر هذا، وتثني على الله بما هو أهل له، ثم تقول: لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وتختم: لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، وبعد أن تختم بهذا تكثر من الصلاة على النبي ﷺ ، فتقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ووالله لو أكثرت على نفسها من الصلاة على النبي بعد كل صلاة لكفاها الله الهم، ورفع عنها الذنب، وأعطاها ما أملت.
فتكثر من كلام النبي ﷺ ، ثم تدعو، وإذا دعت تذكرت معصيتها وعلمت ما فرطت في حق الله جل وعلا، فتستغفر الله وتقول: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وتتوب إلى الله في نفس الدعاء، ثم تصلي على النبي، وهذا ليس بلازم، وبين كل دعائين وفي كل حين وآخر تكثر من الصلاة على النبي ﷺ ، وتدعو الله جل وعلا ما أرادت من خيري الدنيا والآخرة.
ولتستحضر الخشوع والخضوع والتمسكن والتذلل والتضرع، ولتكثر من الذكر، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلمة ومسلم، حتى تغيب الشمس، في سكينة ووقار، فلا تفتن ولا تفتن.
وكل الذي ذكر هنا تشترك فيه الحائض وغير الحائض، فالمرأة إذا نزل عليها الدم، وجاءها الحيض فلا تيأس ولا تبتئس؛ ولتعلم أن الله إذا ابتلاها فإنما أراد أن يرفعها؛ لأن كل بلية ترفع درجة وتحط خطيئة، كما قال النبي ﷺ : (حتى الشوكة يشاكها المرء إلا كانت كفارة له عن سيئاته).
والله جل وعلا قد قدر ذلك على النساء، وكتب ذلك عليهن، فعليهن أن يرضين بما قدر الله عليهن، بوجه طلق، أو بقلب منشرح، أو بصدر فرح؛ لأن الله إذا قدر عليهن شيئاً فلن يضيعهن، فالمرأة الحائض تغتسل وتتوضأ ثم تتم مناسك الحج.
стр. 363
الدفع إلى مزدلفة
وبعد مغيب الشمس تدفع المرأة إلى مزدلفة، ولا تجلس إلا جانب زوجها، الذي هو محرم لها، حتى لا تحدث الخلطة بين الرجال والنساء، دفعاً للفتنة، وسداً للذريعة.
стр. 364
الوقوف بعرفة
البيات في منى سنة، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ لقول النبي ﷺ : (الحج عرفة)، والألف واللام هنا: لبيان الكمال، يعني: كمال الحج في عرفة، يعني: من فاته عرفة فاته الحج.
стр. 365
أول وقت الوقوف بعرفة وآخره
السنة أن أول وقت الوقوف بعرفة هو بعد الزوال -أي: بعد صلاة الظهر والعصر- وآخر وقت للوقوف بعرفة قبيل فجر اليوم الثاني -أي: في يوم العيد- وهذا هو الراجح، والدليل على ذلك: حديث عروة بن مسعود قال: (يا رسول الله! أتعبت نفسي، وكلت راحلتي، ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فقال النبي ﷺ : من صلى صلاتنا هذه) -أي: الصلاة التي تجب أن تجمع في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه، فآخر وقت للوقوف بعرفة هو قبل أن يطلع الفجر يوم العيد.
стр. 366
حكم المبيت بمزدلفة
المبيت بالمزدلفة واجب على الرجال فقط دون النساء، ومن السنة أن المرأة الضعيفة أو القوية تبيت، ولكن يرخص لهن أن يدفعن، فكل امرأة كبيرة أو شابة قوية أو ضعيفة لها أن تدفع، خلافاً لمن يقول: إن الضعفة من النساء فقط هن اللاتي يدفعن ليلة المزدلفة.
стр. 367
الأدلة على أنه يرخص الدفع لجميع النساء
والأدلة على أنه يرخص الدفع لجميع النساء ما يأتي: أولاً: جاء عن ابن عباس أنه قال: (رخص النبي ﷺ للنساء والضعفة من الرجال أن يدفعوا بعد غروب القمر، أو بعد غياب نصف الليل الأول) فبعد غروب القمر، أي: حوالي الساعة الواحدة والنصف، أو الثنتين.
فتدفع النساء والصبيان، وكذلك الرجل القوي الجلد إذا كان محرماً للمرأة فإنه يدفع معها؛ لأن النبي ﷺ إذا رخص للمرأة أن تدفع فقد رخص لمحرمها أن يدفع معها؛ لأنه ملازم لها.
وإذا رخص للملزوم رخص للازم، فيدفع معها.
إذاً: فالمرأة تدفع سواء كانت قويه أو ضعيفة.
وإذا أرادت أن تبيت فلها ذلك إن استطاعت ذلك.
فحديث ابن عباس عام في النساء، وخاص في ضعفة الرجال فقط؛ لأنه خص الضعفة من الرجال، وعم كل النساء.
ثانياً: جاء في صحيح البخاري بسند صحيح معلقاً بصيغة الجزم: أن أسماء بنت أبي بكر كان معها عبدها فتقول له: انظر غاب القمر؟ فيقول: ليس بعد، فتصلي، ثم تقول: انظر غاب القمر؟ فيقول: ليس بعد فتصلي، حتى غاب القمر قالت: فارتحلوا، فقال: ما أرانا إلا غسلنا.
قالت: إن النبي ﷺ أذن للظعن -أي: للظعينة، وتطلق على المرأة، على الهودج التي تذهب به- فدفعت بالليل، ثم رمت.
أي: رمت قبل الفجر.
стр. 368
خطأ من قال من دفع بالليل لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، والأدلة على خطئه
الشيخ الألباني يشترط حتى على المرأة التي دفعت بالليل أن ترمي بعد طلوع الشمس، وليس ذلك بصحيح بحال من الأحوال، لا أثراً ونظراً.
أما الأثر: فحديث أسماء.
وأما النظر: فلأن النبي ﷺ ما رخص لهن في الدفع إلا من أجل الرمي.
فتذهب ليلاً، وترمي ليلاً قبل الفجر، كما رمت أسماء قبل الفجر، ثم ذهبت إلى البيت فطافت قبل الفجر، ثم جاءت إلى بيتها لتتحلل التحلل الأول، فإن لم تستطع فإنها ترمي وتذهب إلى الحرم حتى تطوف.
إذاً: هذه مجمل الأعمال التي تعمل يوم التروية، ثم في يوم عرفة، ثم في مزدلفة.
стр. 369
رمي الجمار
ثم تدفع بعد ذلك إلى الجمار، ولا تقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة، فتستقبلها بصدرها، وتجعل الكعبة عن يسارها، ومسجد الخيف عن يمينها، فتستقبل الجمرة ومعها سبع حصيات، وليس بلازم أن تأخذ الحصيات من مزدلفة، -كما يفعل المبتدعون- وإنما تأخذها من أي مكان يتاح لها، فإن كانت من مزدلفة فخير، وإن لم تستطع فمن منى، فتأخذ سبع حصيات، أو أكثر من ذلك.
ولا يكون الدفع إلا بعد أن تصلي المغرب والعشاء في مزدلفة؛ لأن النبي ﷺ نزل -كما في حديث أسامة - فشرب فتوضأ وضوءً سريعاً، فقال أسامة: (يا رسول الله، الصلاة، فقال له النبي ﷺ : الصلاة أمانة)، أي: ليست هنا، وإنما السنة أن تصلي المغرب والعشاء في اليوم الثالث بمزدلفة، فتجلس حتى غياب القمر، ثم تدفع بعد غياب القمر لترمي الجمرة، فتستقبل الجمرة بصدرها، وتجعل مكة على يسارها، ومسجد الخيف على يمينها؛ لأنه جاء عن ابن مسعود أنه قال بعد ما رمى بهذه الكيفية: (والذي نفسي بيده! إن هذا المكان هو الذي أنزلت عليه سورة البقرة).
أي: على رسول الله ﷺ .
وعند الرمي ترفع يديها وتكبر مع كل حصاة، وتنظر إلى هذه الحصاة هل نزلت في الحوض أم لا؟ ويكفي في ذلك غالب الظن.
وترمي بسبع حصيات، فإن نسيت كم رمت، فالقاعدة: أنها تبني على اليقين، وإلا على الأقل.
стр. 370
طواف الإفاضة
طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، فبعد الرمي تذهب فتسعى، وتطوف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وإذا طافت طواف الإفاضة وسعت فقد تحللت التحلل الأول، أو التحلل الأصغر.
стр. 371
حلق الشعر
على المرأة بعد الرمي قص الشعر، فتجمع كل شعرها بقبضة واحدة، وتأخذ قدر الأنملة من شعرها، ولا يكون هذا في مجمع الناس، وإنما تؤخر المرأة القص حتى تذهب إلى بيتها إن استطاعت أن تذهب، أو تذهب إلى الحمامات فتأخذ بشعرها وتقصه، وهذا أفضل؛ لأن السنة، هي: أن تقص أو تقصر قبل أن تخرج، وإن استطاعت أن تغتسل قبل الطواف فهذا خير، وإن لم تستطع فلا تغتسل، وإنما تذهب فتطوف وتسعى، وتكون قد أنهت أمرها في يومها بفضل الله.
وأسأل الله جل وعلا أن يتم الحج، وأن يجعله حجاً مبروراً.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت.
стр. 372
شرح مناسك الحج للنساء [٢]
فرض الله الحج على كل مسلم مكلف بالغ عاقل مستطيع، إذا كان مالكاً للزاد والراحلة، وقد أوجبه الله على الذكر والأنثى، وقد بين الرسول ﷺ مناسك الحج قولاً وعملاً، ولم يترك مجالاً لمستزيد، فحري بالمسلم أن يقتفي سنن النبي الكريم في هذه الشعائر العظيمة، متقرباً بذلك إلى الله تعالى.
стр. 373
الترغيب في التوبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وقال أيضاً ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل كان في فلاة فضلت راحلته، فيئس منها، فاستظل تحت ظل شجرة وقد أيس من راحلته -أي: ينتظر الموت- فنام نومة، فاستيقظ فوجد راحلته أمام عينه -فأراد أن يحمد الله جل وعلا- فقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) يبين أنه ذهب عقله فأخطأ، وعفا الله عن هذا الخطأ.
وجاء عند الشافعي في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (لله أشد فرحاً بتوبة العبد من فرحة هذا العبد الذي وجد راحلته).
والله جل وعلا لا يترك ليلة وإلا وينزل فيها نزولاً حقيقياً يليق بجلاله وكماله ، لا نعلم كيفيته، وإنما نؤمن بهذه الصفة، بأن الله ينزل، لا كما ينزل البشر، بل ينزل الله نزولاً يليق بجلاله وكماله وعزته وقدرته إلى السماء الدنيا فيقول: (هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟).
والشاهد فيه أنه قال: هل من مستغفر فأغفر له؟ فما من عبد يستغفر الله جل وعلا إلا ويغفر الله له.
وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (عبدي إن أتيتني نهاراً قبلتك، وإن أتيتني ليلاً قبلتك.
إن تقربت إلي شبراً تقربت إليك ذراعاً، وإن تقربت إلي ذراعاً تقربت إليك باعاً، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة).
فالله يهرول، لكن هرولة تليق بجلاله وكماله.
стр. 374
تعلم العقيدة من فروض الأعيان
أصول علم العقيدة فرض من فروض الأعيان، التي لا بد لكل امرأة أن تتعلمها، فإن لم تتعلمها فهي آثمة، وهذه الأصول هي علم التوحيد وما ينافيه من الشرك، فهو فرض عين على كل امرئ أن يتعرف على أسماء الله جل وعلا، وصفاته وتوحيده، أي: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية.
стр. 375
مجمل أعمال الحج يوم الثامن والتاسع والعاشر من ذي الحجة
تبدأ مناسك الحج في اليوم الثامن، وكما فعلت المرأة في العمرة تفعل في الحج، فتغتسل الغسل المسنون المعلوم، وترتدي الملابس غير البيضاء، ثم تلبي: لبيك اللهم بحجة، وتذهب وقت الزوال إلى منى، فتصلي بها الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين، ثم بعد ذلك تبيت بمنى، وهذا المبيت سنة ليس بواجب، يعني: يمكن للمرأة ألا تذهب، فتبيت بمنى إلى الفجر، فتصلي الفجر، ثم تذكر الله جل وعلا، وتقرأ القرآن، وتأتي بالأذكار، ثم بعد طلوع الشمس تدفع مع زوجها إلى عرفة، وتجلس في وادي نمرة إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وإن لم تستطع تجلس في مخيمها مع زوجها، ومع أخواتها، فيصلين الظهر والعصر جمعاً وقصراً ركعتين ركعتين، بأذان واحد وإقامتين.
وإذا بلغتهن خطبة الإمام صلين خلف الإمام، وإن لم تبلغهن يقمن شيخاً من الشيوخ يخطب بهن، ويصلي بهن في المخيم ركعتين ركعتين.
وبعد ذلك تنشغل بالدعاء والذكر والاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل يوم عرفة، ثم تكثر من الدعاء حتى يسقط حاجب الشمس عند الغروب، فتدفع من عرفة إلى مزدلفة، ولا تصلي المغرب والعشاء إلا في مزدلفة جمع تأخير وقصر، ثلاث ركعات للمغرب، وركعتين للعشاء، وتجلس حتى ينتصف الليل، فتدفع مع محرمها إلى منى، وتلتقط من منى -وهو الأصل- وإن التقطته من مزدلفة فليس فيه شيء، فتلتقط سبع حصيات، وتذهب مع محرمها وترمي جمرة العقبة، -وهي الجمرة الكبرى، آخر جمرة- فتستقبلها لترميها، وتجعل الكعبة على يسارها، ومنىً على يمينها، فترميها بسبع حصيات، وتكبر الله مع كل حصى، وخلال كل ذلك تكبر وتلبي، لا تقطع التلبية بحال من الأحوال، إلا عند أول حصى ترمي بها الجمرة، وبعد ذلك تذهب إلى البيت فتطوف بالبيت، ثم تسعى بين الصفا والمروة، ثم تقصر شعرها في بيتها، وبذلك تكون قد تحللت التحلل الأصغر والأكبر، ثم تعود إلى سكنها، فتغتسل وتتحلل وتنام في السكن حتى قبيل غروب الشمس، وتدفع بعد ذلك إلى منى؛ لتبيت فيها.
أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
ولها فضل كبير، وهي من أعظم الأيام، وهي أيام تسبيح وتكبير وتحميد وتهليل وذكر لله، وهي أيام أكل وشرب، كما قال النبي ﷺ عن أيام التشريق: (هي أيام أكل وشرب وذكر لله جل في علاه)، بل جاء في بعض الروايات: (إن أعظم الأيام عند الله هي أيام التشريق)، فهي تابعة للعشر الأوائل من ذي الحجة، وهي أفضل الأيام عند الله جل في علاه على الإطلاق.
стр. 376
مناسك الحج أيام التشريق
من مناسك الحج: أن تبيت المرأة وجوباً في منى ثلاثة أيام أو يومين، ثلاثة أيام لمن أرادت أن تتأخر، ومن أرادت التعجيل فتبيت ليلتين: الليلة الأولى بمنى، فتبيت وتنتظر إلى زوال الشمس، يعني: قبيل الظهر بعشر دقائق أو بربع ساعة بالكثير، فتقف وقت الزوال ولا ترم حتى تزول الشمس عن كبد السماء، ثم ترمي الجمرة الأولى -وهي الصغرى- بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، وتتأكد أن الحصاة قد نزلت في الحوض، ثم تتقدم قليلاً فتأخذ ناحية اليمين، وتجعل هذه الجمرة على يسارها، وتستقبل الكعبة وتدعو طويلاً.
وقد كان ابن عمر يطيل الدعاء جداً بعد رمي الجمرة الوسطى، ويرفع ذلك للنبي ﷺ ، ويقول: هذه سنة نبيكم ﷺ .
وقد قال رسول الله ﷺ : (خذوا عني مناسككم)، فهو قد رمى هذه الجمرة، ثم تقدم عنها وجعلها على يساره واستقبل القبلة ودعا طويلاً.
ثم تذهب إلى الجمرة الوسطى فتستقبلها أيضاً وترميها وتكبر مع كل حصاة، ثم تتقدم أيضاً قليلاً فتجعل الجمرة عن يمينها، -فالأولى كانت على اليسار، وهذه تكون على اليمين- وتستقبل الكعبة ثم تدعو طويلاً، ثم تذهب إلى الجمرة الكبرى، وترميها بسبع حصيات، ولا تستقبل الكعبة في هذه، ولا تقف ولا تدع، فليس ثم دعاء عند الجمرة الكبرى، وإنما الدعاء عند الجمرة الصغرى والوسطى.
ووقت الزوال هو وقت الرمي، ومن رمى قبل وقت الزوال فلا يجزئه ذلك، وهو باطل؛ لأن أول وقت الرمي وقت الزوال؛ ولأن النبي ﷺ أحرص الناس على التيسير على الأمة، وهو الذي رخص للنساء في الدفع من مزدلفة ليرمين جمرة العقبة، وهو نفسه الذي كان يرمي وقت الزوال، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزاً ليسر النبي ﷺ على الأمة، ورخص فيه؛ لأنه قال: (ما بعثت معسراً، إنما بعثت ميسراً) -وقال: (يسروا ولا تعسروا) -، فالتيسير من أصول هذا الدين السمح الحنيف، والنبي ﷺ لو كان يعلم أن الأيسر للأمة أن ترمي قبل الزوال لأذن به، فلما لم يأذن لأحد أن يرمي قبل الزوال، ولم يرم هو قبل الزوال، وهو القائل: (خذوا عني مناسككم)، دل ذلك على حرمة الرمي قبل الزوال، ومن يقول: إن للمرأة أن ترمي قبل الزوال، أو للرجال أن يرموا قبل الزوال فقوله ليس بصحيح، وهذا الرمي باطل وغير مجزئ، ومن فعل ذلك فحجه ناقص وعليه دم.
إذاً: أول وقت الرمي هو وقت الزوال، وآخر وقت الرمي هو قبيل الفجر؛ لأن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً، وهذا فيه دلالة على أنها ترمي في الفجر، يعني: أنها ترمي ليلاً إلى الفجر.
فيمكن للمرأة أن تخرج مع محرمها بعد المغرب أو العشاء وترمي، فيكون الأمر أيسر عليها؛ لأنه لا يكون عند الجمرات في ذلك الوقت إلا النادر اليسير من الناس، وهذا أيسر لها وأفضل، ثم ترجع إلى منى فتبيت هذه الليلة بمنى، ثم في اليوم الثاني عشر والثالث عشر ترمي المرأة كما رمت في اليوم الأول، فترمي الجمرة الأولى وهي الصغرى، ثم تجعلها عن يسارها وتتقدم قليلاً، ثم تدعو طويلاً، كما كان يفعل ابن عمر ﵁ وأرضاه، وكما فعل ذلك النبي ﷺ ، وهو القائل: (خذوا عني مناسككم).
ثم ترمي الجمرة الوسطى أيضاً بسبع حصيات، ثم تتقدم أيضاً، وتجعلها عن يمينها، وتدعو طويلاً، ثم ترمي جمرة العقبة، فتستقبلها، وتجعل مكة عن يسارها، والمسجد عن يمينها، وترميها بسبع حصيات.
فإذا انتهت المرأة من الرمي وأرادت التعجيل تعجلت، وإن كان الأفضل لها أن تتأخر، امتثالاً لسنة النبي ﷺ ، وعملاً بفعله ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].
وهي زيادة طاعة، والنبي ﷺ لا يختار إلا الأفضل، إلا أن يشق على أمته.
فالله جل وعلا رخص في التعجيل، والنبي ﷺ اختار الأفضل، فمن أراد أن يتعجل فلابد أن يرمي قبل غروب الشمس، ويرحل من منى، ولو جلس في منى حتى غربت الشمس، فقد وجب عليه المبيت والتأخير، وإذا جلس مختاراً في منى حتى سقط حاجب الشمس فقد وجب عليه التأخير.
فإذاً: ضابط الأمر: أنها ترمي بعد الزوال، وتبيت بمنى ثلاثة أيام أو ليلتين وجوباً، وإن تخلفت عن المبيت فإن عليها هدياً، إلا إذا كانت مريضة.
стр. 377
طواف الوداع
فإذا أكملت الرمي فلتذهب إلى البيت، وتطوف طواف الوداع، فتستقبل الحجر وتشير وتكبر، ثم تجعل الكعبة على يسارها، وتطوف سبعة أشواط، وتصلي ركعتين.
وبهذا تكون قد أتمت حجها، وقضت تفثها.
стр. 378
لابد أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت
لا يجوز لمن طاف طواف الوداع أن يشتري أشياء، أو يشتغل في الأسواق، فمن فعل ذلك فعليه أن يرجع إلى البيت مرة ثانية ثم يطوف طواف الوداع، إذ أن آخر عهد المرء لا بد أن يكون بالبيت، فقد جاء عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت) إلا أن النبي ﷺ قد رخص للحيض ألا يطفن طواف الوداع إن كن قد طفن طواف الإفاضة، فإذا حاضت المرأة بعد أن طافت طواف الإفاضة فليس عليها طواف الوداع.
أسأل الله جل وعلا أن يتم الحج، وأن يجعله حجاً مبروراً.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت.
стр. 379
الرد على منكري أحاديث البخاري
ابتلي الإسلام بأهل الأهواء الذين يطعنون في الأحاديث التي تخالف أهواءهم، ويشككون الناس في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، فلا نزال نسمع بين الفينة والأخرى من يطعن في أحاديث في البخاري أو في مسلم بلا حجة ولا برهان، بل بالتحكم والادعاء، وقد تصدى أهل الحديث لهؤلاء المنتحلين الجاهلين المبطلين، وردوا عليهم، ونسفوا شبههم، وبينوا تلبيساتهم، وحذروا الناس منها.
стр. 380
أهمية العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإننا نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يرفع راية هذا الدين، وممن ينصر هذا الدين، وإن كنا في الدنيا غرباء، فقد قال النبي ﷺ : (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء)، الذين لا يستقيم أمر دنياهم أو دينهم في هذه الدنيا الدانية الدنية القصيرة، أو في الآخرة التي يمتد أمدها إلى مالا يعلمه إلا الله جل في علاه من الخلود الأبدي إلا بالعض بالنواجذ على هذا الدين، والتمسك بالوحيين: الكتاب والسنة، وتعلمها والعمل بما فيها.
إن الله جل في علاه شحذ همة نبيه ﷺ وحثه أن يدعوه بالاستزادة من العلم، لا من أمر الدنيا، حيث قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤].
وهذه المسألة إجابتها وخيمة، إنها تجعلنا نعتقد أنه لا استقامة لأمر ديننا ولا لدنيانا إلا بالعلم، فما نراه من اعوجاج في تطبيق شريعة الله جل في علاه، أو أي خسارة في أمر من أمور الدنيا أو الدين فسببها الجهل، فسفك الدماء الذي نراه في جميع المواسم قد يسمى جهاداً بسبب الجهل، والتجرؤ على من لا يتجرأ عليه ليس له سبب إلا الجهل، فهم يريدون أن يحسنوا ولا نشكك في النوايا، لكن كما قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه عندما قالوا له: يا أبا عبد الرحمن! والله ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم من مريد للخير لم يبلغه.
فلا بد للإنسان من نور الوحي يستضيء به، ولو أراد أن يبيع نفسه لله جل في علاه فليرفع صوته ويبين للناس أنه مثلاً يريد أن يجاهد في سبيل الله، أو يريد أن ينفق في سبيل الله، أو يتقدم لأي عبادة في سبيل الله جل في علاه، ولكن لا بد من بينة من الكتاب أو من السنة، فلا بد أن يذكر بعضنا بعضاً بأهمية العلم، ثم بعد ذلك نجيب على
السؤال
ماذا لو ترأس الجهلاء؟ إن الدنيا الآن أصبحت أبواباً لأناس لم يتعلموا العلم، ولم يبلغوا أن يكونوا أنصافاً من أهل العلم، فلما ترأسوا الناس رأينا التشويش على السنن، والضرب في كبد الحقيقة يزينوها في طرق الناس ويحسبون بذلك أنهم يحسنون صنعاً، وييسرون على الناس ما هو شاق في نظرهم، وإذا محصت النظر وجدتهم أقل ما يقال فيهم: إنهم جهلاء سئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
إن الله جل في علاه أشهد أشرف الخلق على الإطلاق -وهم باقة الله- على أشرف مشهود، ألا وهو: توحيد الله جل في علاه، إذ التوحيد هو أشرف ما في الوجود، قال الله تعالى: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ)) [آل عمران:١٨]، فشهد الله والملائكة على توحيده، ومعلوم أن الله جل وعلا إذا استشهد لا يستشهد إلا الأفاضل الأماجد الأكارم، فاستشهد أشرف الخلق، والذين خلقوا من النور، وهم الملائكة، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فثنى بأولي العلم تنبيهاًَ على درجتهم، وتشريفاً لمكانتهم وعظم فضلهم، وأيضاً تنبيهاً على أنهم في مكانة أو شرف الملائكة، وبين الله جل في علاه أن أهل العلم هم رءوس الناس، وأرفعهم منزلة عنده، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
قال السعدي: هنا يبين الله جل في علاه أن أهل العلم ليسوا بكثرة، بل هم طائفة قليلة فعلى المرء أن يتق الله ربه ويحفظ للعلم مكانته، ويعلم أن لأهل العلم فضلهم وأنهم نور تضاء به الطريق، وأنه بإتباعهم يعبد الله جل في علاه حق عبادته.
فالله جل في علاه بين أن هذه الطائفة لا بد أن تجتهد فتحمل عن الأمة فرض الكفاية، وهو علم الوحيين: الكتاب والسنة.
وأيضاً: إن الله جل في علاه بين أن أكرم الخلق عليه هو رسول الله ﷺ ، وذلك عندما قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، يبين بهذا فضله وعظم مكانته.
وبين ﷺ أن كل عالم لا فرق بينه وبين النبي إلا درجة النبوة، فقال: (العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا ممن يريد الله به خيراً فيفقه في الدين، فعن معاوية ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فالفقه في الدين أفضل العبادات التي يتقرب بها المرء لله جل في علاه، وقد قال ابن عباس -مبيناً فضل الفقه في الدين- ضمني النبي ﷺ فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
وأيضاً: يقول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله.
وإذا كان الأصل في العطف المغايرة فالفرق بين قوله ﷺ : (اللهم فقهه في الدين) وبين قوله: (وعلمه التأويل) أن الفقه في الدين هو معرفة المسائل بدليلها، وعلم التأويل هو إسقاط هذا الدليل على الواقعة، وهذا هو دقة الفقه، أو فوق الفقه، ولذلك لما سئل بعض العلماء عند موته: من تخلف لنا من العلماء؟ قال: العلماء كثيرون، ولكن أين العالم الفقيه؟ بمعنى: أين العالم الذي تفقه ثم علم التأويل فأسقط الأدلة على الوقائع، وهذا معنى قول ابن رشد في بداية المجتهد: بائع الخفاف ليس كصانع الخفاف؛ لأن صانع الخفاف أعطاه الله الفقه والتأويل، وبائع الخفاف إما أن يكون مقلداً وإما أن يكون قد تعلم الفقه فقط وفي كلٍ خير.
وقد قيل: إن نصف العلم لا أدري، وهذه التي لا يقوى عليها أحد.
كان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل ومالك وغيرهم من العلماء يقولون: من أدب المعلم أن يعلم التلاميذ أن يقولوا: لا أدري، هذا أصل في التعليم، وأول باب التعليم أن يقول: لا أدري، وهذا ابن عمر عندما يسأله سائل يأخذ على يده ويقبض عليها ثم يقول: لا أدري، فإذا سأله الثانية أخذ على يده ففركها وقال: لا أدري، وفي الثالثة يقول: الحمد لله الذي وفق ابن عمر أن يقول: لا أدري فيما لا يعرف، وهذا هو الحق فطالب العلم إن كان لا يدري فليقل: لا أدري، وإن كان يدري لا بد أن يقول: أدري ويبين.
وقد قسم علي وابن مسعود وغيرهم من العلماء الناس إلى أصناف.
стр. 381
فضل العلم
إن النبي ﷺ عندما جلس بين أصحابه بين لهم الفرق بين العالم الذي تفرغ لطلب العلم وانشغل بالوحيين، والعابد الزاهد الذي طال قيامه، وكثر صومه، وكثرت صدقاته، فقال ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، وقال ﷺ : (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم).
وشتان بين القمر وسائر الكواكب، وهذا مما يشحذ الهمم لطلب العلم، فلو غاب أهل العلم فلا بد أن يخرج لنا أناس جهال، فيفتون الناس بغير علم، فيضلون ويضلون، وكما نرى أن الجهاد في سبيل الله والذي هو أشرف ما يكون، ضوابطه الشرعية مغيبة فتسفك دماء بريئة وتكون المفسدة فيه أعظم من المصلحة، وكثير من الجهلة يكفرون الناس البريئة لأنه غاب عنهم أمر العلم.
والذي يحج أو يصلي أو يزكي وقد غاب عن العلم فإنه يفسد أكثر مما يصلح.
إذا غاب العلماء وانتشر الجهل فإن ذلك دليل على أن القيامة قد قربت، قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، أو قال: لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
وبعد أن تذهب الدنيا يستحق النار كل من تجبر، وفي حديث النبي ﷺ : (القضاة ثلاثة) وذكر منهم قاضياً قضى بغير علم فهو في النار، وإن قضى بالحق وأصاب الحق؛ لأنه أفتى بغير علم وتجرأ على الله جل في علاه، ووقع تحت قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦].
ونتائج ذلك كثيرة، منها: أولاً: تضليل الناس لقول النبي ﷺ : (فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
ومنها: انتشار الجهل ووضع الشيء في غير موضعه، ففي السفر مثلاً: من السنة أن يؤمر المسافرون أحدهم ليرجع إليه في بعض الأمور، ولكن بعض الذين يترأسون لا يستبصرون بنود الشرع، فيفسدون أكثر مما يصلحون، ويغلبون العاطفة على الحكمة، ويضعون الشيء في غير موضعه؛ بسبب جهلهم، وقد يصاب الناس جميعاً بما لا يحمد عقباه بعد ذلك؛ لأنهم وضع عليهم من لا أهل له في أن يسير الناس على ما يرضي الله جل في علاه.
وهكذا فكثيراً من الناس يتأمرون وليسوا أهلاً للإمارة، وقد ورد حديث في مسند أحمد وإن كان فيه ضعف -أن النبي ﷺ بين أن من ارتقى إلى منصب أو مكانة وغيره أولى منه فقد أسخط الله.
فقول النبي ﷺ : (اتخذ الناس رءوساً جهالاً) يتحقق في الذين يتصدرون ولا يعرفون عن دين الله شيئاً، أو يعرفون عن دين الله أشياء لكنهم تركوا الأصول وهي: الكتاب والسنة.
стр. 382
تجرؤ بعض المتعالمين على الطعن في أحاديث البخاري
وبعض من تصدر لتعليم الناس أمر الدين يتجرأ على أحاديث البخاري ويبتعد عن العلم الذي فيه النجاة من التخبطات إلى الطريق القويم، فيطعن في أحاديث البخاري تصريحاً بعد أن كان تلميحاً.
وهو رجل ومعه بعض الناس يقولون: إن أحاديث البخاري ليست صحيحة، ففيها الأحاديث الموضوعة والضعيفة والحسنة والصحيحة، والبخاري جبل الحفظ، وهو رأس السنة، وإمام من أئمة أهل السنة والجماعة فكيف يطعن في حديثه؟! إن أمة لا تعرف قدر رجالاتها خابت وخسرت، وأمة قدرت حق رجالاتها فازت وارتقت وعلت، وهذا الذي حدث في مدة وجيزة من عمر الزمن، فقد امتلكوا الدنيا بأسرها مشارقها ومغاربها؛ لأنها أمة قد عرفت قدر رجالاتها، ثم جاءت أجيال بعد ذلك تطعن في ثوابتنا، وتطرح علية القوم أرضاً، فعلمنا أن الأمة حقاً لن تفيق من هذه الكبوة بحال من الأحوال.
لقد طعن هؤلاء في البخاري ثم في مسلم ثم ارتقوا بعد ذلك إلى الطعن في أبي هريرة أروى الناس لحديث رسول الله ﷺ ، فقالوا: ليس بفقيه، ثم بعد ذلك طعنوا في عائشة ولذلك فقد فكرت أن أجتمع بطلبة العلم لأبين لهم فضل العلم، ثم أبين فضل أهل العلم، ثم ماذا لو غاب العلماء وتصدر الذين لا يعلمون عن دين الله شيئاً، ولا يتمسكون بهذه الثوابت؟
стр. 383
صحة حديث إرضاع الكبير والرد على من طعن فيه
ومن الأحاديث التي طعنوا فيها حديث رضاع الكبير، فقالوا: إن هذا الحديث موضوع ولو كان في البخاري، فمن البخاري؟ قالوا: والدلالة على الوضع هو المتن، فـ سالم مولى أبي حذيفة يرضع من امرأة تكبر عنه أو تكون موازية له، المهم أنه شاب وهي امرأة كبيرة قد يشتهيها فتكشف له عن ثديها وترضعه منه، فهذا فيه دلالة كبيرة على الوضع، قالوا: لأن أصول الشريعة ترد هذا الكلام لا سيما وأن الشيخ الفلاني -وهو من الشيوخ والأفاضل- قال: بأنه لا بد أن يرضع من ثديها ويلتقمه في فمه.
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور:٣٠]، وقول النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب اصرف بصرك، وقول النبي ﷺ : (لأن يشج أحدكم بمخيط على رأسه خير له من أن يمس امرأة)، وهنا لن يمس فقط بل سيرضع، وهو أجنبي عنها فكيف يرى عورتها؟ إن التكفيريين أيضاً يردون حديث النبي ﷺ : (نوفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)، وهذا الحديث في مسلم فعندما تقول له: هذا رجل دخل بأمان كيف تقتله؟ كيف تتجرأ عليه؟ فيقول: أهل كفر أعملوا في الأرض الفساد، هؤلاء أيضاً من الذين وقفنا لهم وقلنا: سبحان الله لو تعلمتم ما سفكتم من الدماء التي حرمها الله جل في علاه، ولما تجرأتم على ذلك.
أيضاً: أخذ الأموال بغير حق، والتهاون فيها، فمن الناس من يبين له أنه إن فعل كذا فعليه دم فيتساهل في ذلك؛ لأنه من السهل عليه أن يفدي، وهذا من الاستخفاف بدين الله جل في علاه، والسبب هو الجهل، فلو تعلموا ما اجترءوا على هذه المسائل، ولرجعوا إلى حضيرة الإيمان، وجعلوا الدين هو الذي يسيرهم وليس الهوى والعاطفة والحماسات والثورات.
وأما الذين طعنوا في أحاديث البخاري فعلينا أن ندعو لهم بالهداية، ونحن أصلاً لسنا بصدد العداوة لهم، ونبين أخطاءهم المؤدية إلى الهلاك.
فلو تأثر العامة بهذا الكلام، وطرحوا أحاديث في البخاري، وطعنوا في قيم ثابتة من الدين، وطعنوا في رجالاتنا الذين هم قدوتنا، والذي هم أسوة لهذه الأمة بأسرها، فإن ذلك يعني الطعن في الدين.
ونحن والله لا نرضى الدنية في ديننا، فلا بد أن ندافع عنه بالدفاع عن حديث النبي ﷺ ، وتعظيمه وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وحبنا للنبي يجعلنا نقول: حديث النبي ﷺ فوق رءوسنا، وكلام الناس خلف ظهورنا؛ لأن كلام النبي ﷺ وحي، فلا بد أن نعتز بحديث النبي ﷺ ، ونعتز بثوابتنا وأصولنا، وندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وليسمع من يسمع، وليعزف من يعزف، فإن الله جل في علاه قال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] فما على المسلم إلا أن يبلغ.
والبعض ممن ينتمي إلى أهل السنة قال في مسألة رضاع الكبير: يرضع من ثديها، وهذا الذي جعل الحرب الشعواء تشن على أهل السنة حتى من كثير من النصارى، وبعض المؤلفين يقول: إن هذا طعن في الإسلام، كيف يكشف الرجل عن عورة المرأة ثم نقول هذا محرم عليها بعد ذلك؟ لكننا سوف نبين الحقيقة، فمن أخذ بها فله ذلك، ومن لم يأخذ بها فما علينا إلا البلاغ، وهذا الذي نملكه.
إن صحيح البخاري قد تلقته الأمة بالقبول، فمن طعن فيه فقد شذ عن الأمة، وشذ عن الإجماع، فالإجماع على أن أصح كتاب بعد كتاب الله هو صحيح البخاري، ومن زعم أنه يحتوي على أحاديث موضوعة أو ضعيفة فقد خالف الإجماع بذلك، وأراد هدم الدين، فأسانيد البخاري كلها سلاسل الذهب إلى النبي ﷺ ، وديننا دين إسناد ومن طعن في هذه الأسانيد فقط طعن في ديننا، أما رضاع الكبير فإنه يحرم، والرضاع من الثدي مباشرة قال به الشيخ الألباني بصراحة، وهو علامة الشام ولكنه أخطأ في ذلك، ولا معصوم إلا النبي ﷺ ، حتى نبين للناس أننا لا نتبع ولا نعظم الأشخاص، وإنما نعظم النبي ﷺ ، ونعظم الوحيين، فنرد هذا الخطأ بلطف، ونقول: الحق أحب إلينا، والحق إذا جاء من رجل كائن من كان نأخذه على رءوسنا ونتبعه، ومن أخطأ منا ثم ظهر له الحق فليقل بقلب راسخ: لأن أكون ذنباً في الحق خير لي من أن أكون رأساً في الباطل، وهذا هو الإنصاف.
إننا ندافع عن البخاري ولا بد أن ندافع عنه، حتى يستطيع طلبة العلم أن يردوا على هذه الشبه، وهذه الشبه ثلاث: شبهة حول رضاع الكبير، وشبهة حول زواج عائشة وهي بنت ست سنوات، وشبهة حول سحر النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك حديث الذباب وشق الصدر وغير ذلك، فالشيخ الألباني ذكر قاعدة قوية وهي: أن الله جل وعلا إذا أباح شيئاً فقد أباح وسيلته -وهذه قاعدة صحيحة- فإذا جعل الشرع رضاع الكبير ليحرم فوسيلته مباحة، فلن يرضع إلا بكشف الثدي، وتقدر هذه القضية بقدرها، فلا يظهر منها إلا الجزء الذي سيلتقمه ويرضع منه، ولا ينظر إلى كل الثدي ولا يمسه كله، وإنما يمس المكان المقصود فلما سمع البعض هذا الكلام تغنوا به وطعنوا به في البخاري، ولو أرادوا الحق ما فعلوا ذلك، ولتأدبوا مع البخاري، وقالوا: هذا الحديث لا تدركه عقولنا، وقد قاله النبي ﷺ ولا نعلم بما قاله، ويكفوا عن ذلك، أو يرجعوا إلى العلماء أدباً؛ حتى يتبين لهم صحة حديث النبي ﷺ بدلاً من الطعن في أحاديث النبي ﷺ بهذه الطريقة، وتنفير الناس عن البخاري ومسلم، ولكن هذه بغية مقصودة.
إن العلم يجعل الناس على الميزان الصحيح، ولما تبين الحق لبعض الذين يطعنون في ديننا رجعوا إلى الحق.
стр. 384
خلاف العلماء في حكم إرضاع الكبير
اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة: القول الأول: ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا رضاع للكبير، وأنه لا يحرم، وهذا هو قول الشافعية والمالكية والأحناف، وعلى ما أذكر قول الحنابلة أيضاً، وهو قول جماهير الصحابة وأزواج النبي ﷺ ، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فالشافعية قالوا: قد أتم الله الرضاعة إلى الحولين، فما بعد التمام من شيء إلا النقصان، فلا يحرم ما فوق الحولين.
واستدلوا على ذلك أيضاً: بقول الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، وأيضاً: قول النبي ﷺ : (لا رضاع إلا في الحولين)، وهذا تصريح أنه لا رضاع محرم إلا في الحولين، وقال النبي ﷺ يبين لما سألوه عن الرضاع: (ما أنبت اللحم وأنشز العظم)، أي: تغذت به المعدة وشبع به الطفل، ولا يشبع الطفل من اللبن إلا في غضون الحولين، وبعد الحولين لا يشبعه لبن المرأة، فكل هذه دلالات باهرات تثبت أن رضاع الكبير لا يحرم.
وقالوا: إن رضاع سالم مولى أبي حذيفة حالة خاصة بـ سالم، خصص بها العموم، ويرجع العموم على ما هو عليه.
ولعل النبي ﷺ خصصه لأن سالماً كان مولى لـ أبي حذيفة، وكان الرجل يدخل دائماً على امرأته، فلما نزل الحجاب قالت: شق علينا أن يدخل ويرانا بهذه الطريقة، فقال النبي ﷺ : (أرضعيه يحرم عليك)، فكانت هذه حالة خاصة بها وبـ سالم وبـ أبي حذيفة، فقالوا: هذه دلالة على الخصوصية، وليس هذا من جهة أنفسنا، وهو من كلام أم سلمة وزينب وغيرهن من أزواج النبي ﷺ ، حتى أنهن أنكرن على عائشة ﵂ وأرضاها، والحديث صريح صحيح أن أم سلمة دخلت على عائشة ﵂ وأرضاها تنكر عليها، وتقول: يا عائشة! يدخل عليك الشاب الأيفع، ولا نرضى أن يدخل علينا، فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: أما علمت أن النبي ﷺ أباح لـ سالم مولى أبي حذيفة أن يفعل كذا وكذا -وروت لها الحديث- فأرضعيه يحرم عليك.
فكانت ﵂ وأرضاها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الأجانب الكبار تجعل أختها أو أحد أقاربها يرضعه، فتكون له خالة، فيحرم عليها، ويدخل عليها ﵂ وأرضاها، وكان ذلك مذهباً ومنهجاً لـ عائشة وحدها ﵂ وأرضاها.
هذا هو ما أجاب به الجمهور على من قال بأن رضاع الكبير يحرم.
القول الثاني: هو على العموم، فرضاع الكبير مباح، وهذا على ما أذكر قول ابن حزم إذا لم أكن واهماً، وهو قول طائفة من أهل العلم، بأن رضاع الكبير يحرم في كل الأحوال، فلو أراد الإنسان أن يدخل على امرأة، ويريد أن يكون محرماً لها، فتسافر به ويدخل عليها فليرضع منها، أو من أختها، وهذا القول من أضعف الأقوال، وهو أوهن من بيت العنكبوت.
القول الثالث: وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وبين أنه قول عطاء والليث بن سعد، وهو الفقيه المصري المحدث الذي قال فيه الشافعي: الليث أفقه من مالك لولا أن قومه لم يحملوه.
فشيخ الإسلام ابن تيمية بعدما ذكر قول عائشة والليث بن سعد وعطاء توسط بين قول جماهير العلماء وبين قول عائشة، وقال: أقول: هي واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها، فشيخ الإسلام ابن تيمية نظر إلى قول عائشة فوجدها أباحته مطلقاً، وكذلك عطاء والليث ونظر إلى قول الجماهير وأم سلمة وزينب والأئمة الأربعة الذين حرموا رضاع الكبير، وقالوا: إنه خاص بـ سالم مولى أبي حذيفة.
ومعنى قول ابن تيمية: إنها واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها: أنه من كان حاله كحال سالم أخذ حكم سالم، فإذا تربى ولد يتيم بين رجل وامرأة، ثم كبر سنه فخشي الرجل أن يرى امرأته، فإنه يجوز له الرضاع حتى يكون محرماً لهؤلاء النسوة.
وهذا هو القول الوسط، وهو الذي أميل إليه، فرضاع الكبير قضية خاصة بـ سالم، ولا تجوز مطلقاً، بل هي واقعة عين يقاس عليها مثلها، وأصول الشريعة توافقه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، والحرج مرفوع عن الأمة، فهذا قول قوي، وهو الراجح في هذه المسألة.
стр. 385
كيفية رضاع الكبير من ثدي المرأة
سبب الطعن في حديث البخاري هو: أن الذي أباح رضاع الكبير أجاز أن يمص الثدي وأن يرضع منه مباشرة.
والجواب على هذا الطعن هو أن الراجح أنها واقعة عين يقاس عليها مثلها، ولكن ليس معنى ذلك أن الرضاع يجوز من ثدي المرأة مباشرة، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال، لكنهم قالوا: إن ظاهر الأدلة أنه رضع من ثديها، قالت: (يا رسول الله! إنه لكبير! قال: قد علمت أنه رجل كبير) وقد جاء في بعض الروايات: أنها عصرت ثديها في قارورة وشربها.
فلما أمرها النبي ﷺ بذلك دل على أنه يجوز أن يمص ثديها.
وقد يؤيد البعض ذلك بمبايعة النبي ﷺ للنساء، وهذا خطأ فيحتمل أنه صافحهن بمجرد القول باللسان، وقال: قد بايعت.
يعني: أعلم أنه كبير فتذهب نحوه ويلتقم ثديها ويشرب؛ لأن هذا مرخص لك، والذي استنبطه الشيخ الألباني ﵀ من هذا الحديث هو: أنه يلتقم ثديها ويشرب، وقال: أباح المقصد فأباح الوسيلة له، وهذا تأويل جيد، والقاعدة التي أتى بها الشيخ صحيحة نوافقه عليها، لكن هذا الحديث مجمل، والمجمل يحال على المفسر، والأصل الشرعي: أن النظر إلى عورات النساء حرام، ومن قال بغير ذلك فليأتنا بالدليل غير المحتمل الوسيلة، فنقول: والوسائل تنقسم إلى: وسيلة محرمة، ووسيلة جائزة، ووسيلة مرسلة، فالوسيلة المحرمة: هي التي جاء النص القطعي بتحريمها، ومن ذلك التقام ثدي المرأة والنظر إليه، فهذه وسيلة محرمة، وقد جاء الشرع بتحريمها، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، ويقول النبي ﷺ : (لا أصافح النساء) فهذه دلالة شرعية على أن هذه الوسيلة محرمة، والوسيلة المحرمة لا بد من اجتنابها.
أما الوسيلة المرسلة فهي التي لم يأت الشرع بتحريمها أو تحليلها، وهذه تستخدم عند فقد الوسيلة.
والحلال هو ما جاء الشرع بتجويزه، وهو أن يشرب فيطبق الحديث ولكن دون أن يلتقم ثدي المرأة، ودون أن ينظر إلى العورة، فليس المقصود أن يمص الفم الثدي حتى يصبح حراماً عليها، فالمؤثر في التحريم هو الحليب، وليس مص الثدي ولا النظر إليه، فإن كانت هذه ليست علة مؤثرة والعلة المؤثرة هي وصول الحليب إلى المعدة فيمكن أن يصل الحليب إلى المعدة بأي إناء بعد أن يعصر الثدي وينزل الحليب في مكان معين ثم يشرب، فإذا وصل اللبن إلى المعدة أصبح محرماً.
فنحن وإن قلنا برضاع الكبير ولكن لم نقل بأن ينظر إلى ثديها، أو يمصه؛ لأن هذا محرم في ديننا.
ونكون قد خرجنا مما قالوا كالشعرة من العجين، وقلنا بقول أهل العلم المحققين الذين قالوا بأن هذه واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها، فنحن نقول بالرضاع كما قال النبي ﷺ ، ونقول كما قال النبي ﷺ بحرمة مس المرأة والنظر إليها.
ولا يجوز للابن أن ينظر إلى ثدي أمه أو ذراعيها أو ساقيها أو الفخذ أو الوريد، فكيف برجل أجنبي؟ فالشريعة تأبى مثل هذا الأمر.
فهذا هو الرد عليهم في هذه القضية.
стр. 386
صحة حديث أن النبي ﵇ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين والرد على من طعن فيه
وتكلموا كذلك على الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ وأرضاها وعمرها ست سنين، فيقول قائلهم: إن النبي ﷺ رحيم رءوف بالأمة فكيف يتزوج هذه الصغيرة، ويدخل بها وعمرها تسع سنين؟ فإن قيل له: إن البخاري هو الذي روى هذا الحديث، قال: حتى ولو كان البخاري، فيلقي البخاري خلف ظهره ويقدم العقل ولا يقبل هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن يتزوج امرأة عمرها تسع سنين، بل تزوجها وعمرها ثمانية عشر سنة.
ولا ندري من أين أتى بهذا الكلام؟ إن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون، فيقولون: إن النبي ﷺ كان رحيماً بالنساء، فلا يمكن أن يتزوج بنتاً وعمرها تسع سنين، ويقولون: إن الواقع يشهد لذلك، فلو أن أحداً تقدم لخطبة ابنتك وعمرها ست سنين لأنكرت عليه ذلك، فمثل هذا الحديث -كما يقولون- ليس بالصحيح، بل هو من الموضوعات.
والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر:٧]، فإذا جاء عن النبي أمر من الأمور فعلينا السمع والطاعة، ورسول الله قائدنا وقدوتنا، وقد جاء عنه أنه تزوجها وعمرها ست سنين كما في صحيح البخاري، فإن لم يصدقوا بحديث البخاري قلنا لهم: بيننا وبينكم سلسلة الإسناد، هذا إن كنتم تعلمون ونحن على يقين أنكم لا تعلمون معنى الإسناد، ولا تعرفون كيف تبحثون عن الإسناد، فإن كنتم تعلمون فتعالوا بيننا وبينكم الإسناد المتصل إلى رسول الله صلى، فقد ثبت ذلك بالسند الصحيح إلى النبي ﷺ ، أما أنتم فإنكم جهال تهرفون بما لا تعرفون، وليس عندكم إلا التشويش النظري.
стр. 387
بالعلم ترد البدع والشبهات
إن النجاة لن تكون إلا بالعلم، والاحتفاظ بسنة النبي ﷺ لا يكون إلا بالبصيرة ولن يعبد الله حق العبادة إلا بالتعلم، فعلى المرء ألا يبخل على نفسه بطلب العلم، وألا يضيع مجالس العلم، لا سيما إذا كان أهل العلم الذين يتعلم على أيديهم قد أخذوا العلم عن العلماء وليس عن الصحفيين، فلو أخذ الإنسان العلم من صحفي فلن يرى خيراً.
وقد وضع العلماء ضوابط لمن يؤخذ منه العلم فقالوا: لا بد أن يؤخذ العلم ممن لا يتبع هواه، وإذا روجع في خطأ رجع عنه، كما قال ابن المبارك: إذا رأيت الرجل يخطئ في الحديث ثم إذا روجع رجع فخذ منه الحديث، فإذا ثبت على ما هو عليه فهو متبع لهواه، وعنده من الكبر ما عنده، فلا يؤخذ منه الحديث.
فلا بد من طلب العلم ونشره بين الناس، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
وكما أن العلم يحيي القلوب والأبدان، فغياب العلم أو انتشار الجهل يقتل المرء، فكما يقتل القلب فإنه يقتل البدن.
أما أنه يقتل القلب فهذه معلومة؛ لأن ظلمة الجهل في القلب تجعله يموت ولا يحيى بذكر الله جل في علاه، ولا يتدبر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ولا يتفكر في عظم قدرة الله جل في علاه، وأما أنه يقتل البدن فهناك دلالات كثيرة على ذلك، منها: أولاً: أن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً وذهب فاستفتى الراهب، وهذا الراهب كان عابداً زاهداً لكنه لم يكن ذا علم، فأفتاه بفتوى خاطئة لما قال له: إن الله لن يتوب عليك وقد قتلت تسعة وتسعين نفساً، فقتله فأكمل به المائة، أرأيتم الجهل كيف وصل إلى قتل صاحبه بجهله؟!
стр. 388
قصة برصيص العابد
وبرصيص العابد قتله جهله، مع أنه كان يعبد الله جل وعلا ليل نهار، ولا يفتر لسانه أبداً عن الذكر، وتتفطر قدماه وهو قائم لله جل في علاه، فهو يصوم النهار، ويقوم الليل، ويتصدق بما معه من المال، ومع ذلك قتله جهله، قتل بنتاً بعد أن زنى بها ثم قتل، وسبب ذلك: أنه جاءه بعض أهل المدينة وقالوا: هذه أختنا أمانة عندك حتى نسافر ونرجع، فجعلها في مكان أسفل منه، وهو فوقها، فينزل لها بالطعام والشراب، وهي تخرج لتأخذه، فجاءه الشيطان وقال له: لا تتركها هكذا، تطعمها وتسقيها ولا ترى أحداً، والشيطان ثقيل في الشر، ولا يقوى إلا على الجهلاء، قال ابن عباس: عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
فقال له: انزل فضع الطعام على باب الغرفة ولا تدخل الغرفة، ثم جاءه مرة أخرى فقال له: لم لا تسأل عنها، وتسمع أخبارها، وتسألها هل تصلي أم لا؟ وهل تتعبد أم لا تتعبد؟ انظروا كيف يستدرجه الشيطان بسبب جهله، فيدق الباب فيسمع صوتها فيسألها ثم ينصرف إلى مكانه يتعبد لله جل في علاه، فيأتيه الشيطان فيقول: لو رأيتها هل هي تأكل أم لا تأكل؟ وهل تتعبد أم لا تتعبد؟ ففتح الباب فنظر إليها، ثم رجع ثم استدرجه الشيطان أن يجلس معها ويعلمها، فلما جالسها مرة ومرتين دخل الشيطان بينهما، وقد قال النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا وثالثهما الشيطان)، فزنى بها وهو متعبد، وهو زاهد، وهو يسجد لله، وهو يقيم الليل، وهو يصوم النهار! ولما جامعها أصبحت حبلى بالزنا، فجاء الشيطان يقول: هي حبلى من الزنا، ولو علم الناس لقتلوك، كيف والناس يقدمونك؟ كيف والناس يعظمونك؟ أنت الزاهد! أنت العابد! أنت برصيص، فقتلها، فلما قتلها جاءه الشيطان فقال: إخوتها سيسألون عنها، فلا بد أن تدفنها في مكان بعيد، فأخذها فبقر بطنها ودفنها هي وطفلها في مكان بعيد، فجاء إخوتها يسألون عنها، فقال: أختكم قد ماتت، فصدقوه لأنه عابد زاهد، لكنه جاهل قتله جهله.
فجاء الشيطان الذي استدرجه بجهله وجعله يقتلها إلى إخوتها فأرى كل واحد من الإخوة الثلاثة رؤيا ما فعل الرجل بأختهم، وأنه قتلها في المكان الفلاني، فاستيقظوا جميعاً في الصباح، وكل منهم يقول: رأيت رؤيا كذا، فاتفقت الرؤيا على أن البنت مقتولة في مكان كذا، فذهبوا إليه فأخرجوا البنت مع الجنين الذي كانت حبلى به، فذهبوا إليه فصلبوه، وأرادوا قتله فأمهلوه، فلما أمهلوه جاءه الشيطان وقال: أنا الذي فعلت بك هكذا، أنا الذي أتيت بهذه المرأة، وأنا الذي استدرجتك لتزني بها فزنيت بها، وأنا الذي جعلت عندك العزيمة لقتلها ودفنها، وأنا الذي جعلتهم يفعلون بك هكذا، ولو سجدت لي لأنقذتك منهم، فسجد له فكفر بذلك وقتلوه، فمات كافراً، ولو مات على هذه المعصية لكان رجمه كفارة له، وهي كبيرة بين حسناته الكثيرة، ويوم القيامة توزن الحسنات والسيئات، لكن أبى الشيطان إلا أن يكفره؛ لأنه وراءه بالمرصاد، وأبى الله جل وعلا أن يوفق مثل هذا الذي كان يتعبد لله بجهل ولا يتعلم، وكانت هذه النهاية الوخيمة والعياذ بالله.
стр. 389
قصة الذي أصيب بشجة فاغتسل من الجنابة فمات
وفي حديث الرجل الذي أصابته شجة في سفره ثم نام فأجنب، وهذه الشجة لو وصل الماء إليها يموت، فاستفتى الصحابة الذين كانوا معه، فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تجد الماء، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣]، وما علموا أن الماء قد لا يوجد حكماً أو حقيقة، بأن ينعدم حقيقة، وحكماً: بأن يكون موجوداً لكن لا يستطيع أن يستعمله، فاغتسل الرجل فدخل الماء إلى الشجة فمات، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله! إنما شفاء العي السؤال)، فالجهل شفاؤه السؤال، وهذا الحديث ضعفه بعض العلماء، والراجح أنه حسن لكثرة طرقه.
стр. 390
آثار الجهل بمناسك الحج
وما أكثر الجهل خاصة في الحج، فبعض الحجاج يقفون في عرفة يوم السابع! وبعضهم يترك المبيت بمزدلفة وهو ليس من الضعفة، وإن كان مذهب المالكية أنه يكفي مبيت جزء من الليل؛ لأن النبي رخص للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة ليلاً، وأطلق ولم يحدها بنصف الليل أو بغروب القمر، لكن جاء في الحديث الصحيح أن أسماء كانت تدفع من مزدلفة بعد غياب القمر، فقال بذلك الفقهاء، لكن بعض الناس ليس من الضعفة وينصرف من مزدلفة بلا عذر، وهذا من الجهل.
وبعضهم يتجرأ على محظورات الإحرام ويقول: عليك شيء يسير، وهو دم تشتريه بثلاثمائة ريال! وهذا تجرؤ على حدود الله، والواجب على الحاج أن يسأل من يثق بعلمه، فإن أفتاه بشيء عمل به، حتى لو أفتاه بالرمي قبل الزوال، فلا نقول ببطلان رميه، وأن عليه دماً، فالقاعدة عند العلماء أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وكذلك أفتاه بجواز الرمي في اليوم الثاني عشر بعد المغرب ثم ينصرف إلى مكة فلا حرج عليه، والعلماء قالوا: إذا غابت عليه الشمس لزمه المبيت، وليس عليه دليل قاطع، فلا ينكر على من أخذ بأقوال العلماء المجتهدين، لكن يناصح ويبين له القول الراجح بلا إنكار.
نسأل الله جل وعلا أن يصلح عبادتنا، وأن يعلمنا علم الكتاب والسنة على فهم أئمتنا أصحاب المذاهب الأربعة الشافعي أو المالكي أو الحنفي أو الحنبلي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.