Полный текст (390 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
واجب الأمة نحو رسولها
ختاماً: ما هو واجب الأمة نحو هذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه وكرمه وشرفه، وعظمة الصحابة الكرام والتابعون من بعدهم؟ إن هذه الأمة لما استهانت بنبيها ﷺ باستهانتها لسنته جعلت في الخلف ظهرياً، وعندما أصبحت تعيب على أصحاب السنن وتستهين بهم، بل وتستهين بعلمائها الذين هم حملة الدين وورثة النبي ﷺ ؛ هانوا عند ربهم بأفعالهم؛ لأنهم حاربوا السنن بقدر استطاعتهم.
فعلى هذه الأمة أن تستيقظ من سباتها، وتستفيق من غفوتها، وترجع إلى تعظيم نبيها ﷺ ، وتعظيم سنته، والعمل بها ونشرها بين الناس، فإذا رأى أهل الكفر أن هذه الأمة تعظم نبيها بتعظيم سنته عظموه وهابوا مكانته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٨ - ٩] وتعظيم النبي وتعظيم سنته وتحكيم شريعته يكون في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل دقيقة؛ ونشر ذلك في كل مكان: على الإنترنت، على الفضائيات، على المذياع، على كل شيء.
لا تسكت أنت تستطيع أن تحول أمة بأسرها إن كنت مخلصاً، فلحظة صدق واحدة مع الله لنصرة النبي ﷺ تنقلب الدنيا بأسرها لتناصر رسول الله ﷺ .
انظروا إلى أم إسماعيل لحظة صدق واحدة صدقت فيها مع ربها جل في علاه فحباها الله زمزم عيناً معيناً إلى يوم القيامة بلحظة واحدة.
ولا بد من النصح لأصحاب الفضائيات وغير هؤلاء بوقفهم الهجوم الضاري على سنن النبي ﷺ ، ويناصح الذين يقولون: إن البخاري أحاديثه موضوعة، ومسلم أحاديثه ضعيفة! علينا أن نناصح هؤلاء القوم بأن نقول: إن سنة النبي فوق الرءوس، فهو قدوتنا وأسوتنا، ولن نرتقي ولن نمكن ولن نرتفع إلا بتعظيم النبي ﷺ بتعظيم سنته.
ألخص النقاط التي يجب علينا فعلها ونسأل الله أن نفعلها جميعاً: أولا: التوبة إلى الله: فإن سب الرسول من أردئ وأشد البلايا على هذه الأمم؛ لأن الله يغربل البشر، فإن سب الرسول فيه غربلة لنا، وإن رسول الله جنابه محفوظ، ومكانته عند ربه محفوظة، والمعني بذلك نحن، وإن الله يختبرنا وينظر إلى قلوبنا ويكشف عنا، هل نصدق معه؟ هل نحب رسول الله حقاً؟ هل نتمسك بسنته حقاً أم لا؟ فلا بد من التوبة الصادقة على تفريطنا في دين الله جل في علاه، وعلى تفريطنا في عدم التمسك بسنة النبي ﷺ ، فإن هذا بلاء، وإن البلاء لا ينزل إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة.
ثانياً: نشر فضائله في كل الأقطار، فعليك أن تنشر فضل نبيك ﷺ وأن تعرف رحمته وتعرف سماحته وكرمه وشجاعته وعلمه وتقواه وورعه، وأن تنشر ذلك في كل مكان: في عملك في دكانك في بستانك في أسرتك، علم أولادك حب رسول الله وحب آل بيت رسول الله وتعظيم رسول الله وتعظيم صحابة رسول الله، كما قال عبد الله بن المبارك: إن تعليم الأولاد حب صحابة رسول الله من دين الله جل في علاه فكيف بحب رسول الله ﷺ ؟! ثالثاً: التمسك بهذه السنن والعمل بها وتعظيمها وتعظيم من يعمل بها، ولن يتم ذلك إلا بطلب العلم، فلا يمكن أن تعظم سنة النبي إلا أن تعلمها، وكيف تعلمها وأنت على سريرك؟ وكيف تتعلمها وأنت أمام الفضائيات؟ فهم لا يشرحون لك الكتب العلمية، ولا يعلمونك كيف كان يستنبط العلماء كلام النبي ﷺ ، ولن تتعلم سنة النبي إلا بالعلم، ولن تفوز ولن ترتقي إلا بذلك، وقد قرأت كلام بعض العلماء المعاصرين قال: من أراد التمكين والرفعة لهذه الأمة والرجوع إلى الازدهار الأول وجب عليه التفريق بين القراء وبين العلماء، وبين العلماء والخطباء، لا بد أن تفرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن الأمة لم ترتق إلا بعلمائها، وكل القراء والخطباء والعظماء والمثقفون لابد أن ينزلوا تحت لواء العلماء، وخلفهم؛ لأن هؤلاء كلهم خلف رسول الله، ورسول الله يحمل لواءه العلماء، فعليك أن تعلم أنك لن تنشر سنة نبيك إلا بالعلم، ولن ترتقي إلا بتعلم سنة النبي حتى تنصرها وحتى تنشرها بين الناس.
رابعاً: الولاء التام للنبي ﷺ بكل ما تستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، بالقلم فتكتب عن رسولنا العظيم، ولن تبرأ ذمتك أمام ربك جل في علاه حتى تضرب بسهم في نصرة رسول الله وعرض رسول الله ﷺ .
خامساً: حث الناس على مقاطعة كل ما يأتي من قبل هؤلاء، أنا ما كنت أقول بالمقاطعة في السابق حتى عارضين بعض طلبة أهل العلم، فقلت بذلك نظراً للمصالح في هذه المسألة، فهذا عرض رسول الله هذا جناب رسول الله، فكيف نرضى بالدرهم والدينار ليهدم عرض رسول الله؟ لو قمنا بهذه المقاطعات هل سيحدث الفقر؟! وإذا حدث فلنمت على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [التوبة:٢٨].
سادساً: لا بد من الوقفة الصحيحة الصادقة مع النفس، فكل واحد يقول: هل نصرت رسول الله أم لا؟ وهذه تكفيك، والإجابة عندكم وليست عندي.
سابعاً وأخيراً: الهمة في دعوة غير المسلمين، أنت الآن لا تستطع أن تفعل لهم شيئاً، ولكن تستطيع أن تدعوهم، فالنبي ﷺ ما قاتل الكفار من أجل القتال ولا من أجل إسالة الدماء ولكن قاتل من أجل نشر الدعوة والتوحيد، فنحن نقول الآن: أنت تستطيع أن تدعوهم إلى الإسلام، فلا بد من الهمة العالية في دعوة غير المسلمين إلى الدخول في هذا الدين؛ لأن هذا من حق نبينا عليك، ومن نصرة النبي أن تفعل ما أمرك به، فمن حق نبينا علينا أن نبلغ عنه ولو آية، كما قال ﷺ : (بلغوا عني ولو آية)، وقال ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
وحتى لا يصل الإسلام مشوهاً إلى هؤلاء الذين يقولون عنا: قتلة، ويسيلون الدماء، ويفعلون كذا، فلا بد عليك من أن تتعلم العلم وتنشره بين الناس وتدعو إلى ربك على غرار قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وبقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل ربي الكريم أن يلهمني الإخلاص، وأن يبرئ ساحتي أمام رسول الله ﷺ ، وألا أكون مقصراً في حقه إلى يوم الدين.
стр. 317
هل ينسب الشر لله ؟
القدر سر الله في الكون، والعبد مكلف بالتسليم لأقدار الله وحكمه فحسب، فالله يخلق ما يشاء ويقدر ما يشاء لا اعتراض على حكمه ولا شقاق لأمره، أفعاله كلها كمال كأسمائه وصفاته، ولا عبث فيما خلق، فكل مخلوق خلق لحكمة جهلها من حجب الله عنه نور علمه، وعلمها من هداه الله لنور حكمته، وعظيم تقديره وصنعه، ومع ذلك فالعبد عاجز عن إدراك حكمة الله في كل دقائق محيطه، والله من رحمته قد جلى له حكماً تنير سبيل تسليمه لربه.
стр. 318
مقدمات ضرورية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فسنتكلم في هذا البحث عن مسألة طرحت وتطرح وينظر ويدقق النظر فيها، وهي مسألة نسبة الشر إلى الله، فهل ينسب الشر لله جل في علاه أم لا؟ وهذه مسألة عويصة تكلم فيها من لا علم له فيها فأفسد، وتكلم فيها من أتقن فيها فأجاد، ولا بد في هذه المسألة من نظر أولي بتأصيل علم معين.
ومن هذا التأصيل أن نقول: الشر مثل: الزنا، والسرقة، والكذب، والخداع، والغش، هل هو من خلق الله؟ والسؤال الثاني المطروح: هل يحب الله هذه الشرور؟ وهل كل ما خلقه الله يحبه؟ فهذا سؤالان مطروحان لابد من الإجابة عنهما.
والإجابة عن هذه الأسئلة تأتي بعد التأصيل الذي سيريح طالب العلم، وهو كالتالي: الأصل الأول: إن الله جل في علاه له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الكمال المطلق، فله الكمال في أسمائه الحسنى، وله الكمال في صفاته العلى، وله الكمال في أفعاله، فلا يمكن أن ينتج عن فعل الله إلا الكمال.
وهذا التأصيل هو الذي يجب أن تعتقده أولاً.
الأمر الثاني الذي يجب أن تعتقده: أن الله جل في علاه لم يخلق خلقاً ولم يفعل فعلاً إلا وهو نابع عن حكمة وعلم، فالله جل في علاه هو أعلم العالمين، وهو أحكم الحاكمين، فما خلق شيئاً إلا لحكمة، وما فعل شيئاً إلا لحكمة، وستدرك فائدة هذه المسألة حين تعلم أن الله ما قدر قدراً، سواء كان يسراً أو عسراً إلا لحكمة بالغة.
التأصيل الثاني يتناول الشرور وهو: شر الزنا وشر السرقة وشر الغش هل هذه شرور محضة؟ وهل الشر فيها شر محض أم أنه نسبي إضافي؟ وهذا تأصيل ثانٍ لابد لطالب العلم أن يتقنه.
فينبغي أن يعلم أن الشرور قسمان: القسم الأول: شر محض مطلق لا خير فيه بوجه من الوجوه، وهذا القسم من الشر لا وجود له بحال من الأحوال، فلم يخلق الله شراً محضاً.
القسم الثاني: شر نسبي إضافي، يكون من وجه شر ومن وجه آخر خير، أو من وجوه أخرى خير، ومثال ذلك: قطع يد السارق فهو شر بالنسبة له؛ لأنه فقد عضواً من أعضائه التي كان من الممكن أن يعينه ويساعده على الحياة، وهو ليس بشر محض، بل هو خير من وجوه أخر منها قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فكل سارق سيحدث له القطع الزجر الشديد، ويكون رادعاً له فلا يسرق، فيأمن الناس على بيوتهم وأموالهم وأعراضهم، وكل هذه خيرات من قطع يد السارق.
بل فوق ذلك أن هذا الشر الذي لحق بالسارق فيه خير له، وهو أن قطع اليد كفارة لما فعل، فلا يسأل عن السرقة يوم القيامة عند الله جل في علاه، والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ عندما جاءته المرأة فقالت: إني حبلى من الزنا فطهرني، فأمر برجمها، فلما رجمت تناثر الدم على وجه خالد فقال خالد: لعنة الله عليك، فقال النبي ﷺ : لا تسبها فإنها تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).
ووجه الدلالة أن النبي ﷺ قد أقرها على قولها: طهرني، فيستفاد من ذلك أن إقامة الحد طهارة من الذنوب، وإذا طهرت من الذنب فلا تسأل عنه يوم القيامة بحال من الأحوال، وهذا وجه الدلالة الأول.
وهناك وجه ثان في قول النبي ﷺ : (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوستعهم)، وهو أن التوبة تجب ما قبلها، ومعلوم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويؤيده حديث (من تاب تاب الله عليه)، وإن كان فيه ضعف.
فدل ذلك على أن إقامة الحد فيه خير كبير للسارق.
وقد يظن أن إبليس شر محض، فهو صاحب الغواية والوسوسة، وهو الذي ألزم نفسه وأقسم بربنا جل في علاه أنه يزين لأهل الأرض حتى يدخلهم نار جهنم، وهو شر ليس بعده شر، ومع ذلك خلقه الله جل في علاه، وهنا لا ينبغي أن تقول: رضية ولا تقول: أراده بل تقول: شاءه الله، أي: قدره كوناً، ومع ذلك فهو شر نسبي إضافي.
فما الخير الذي يأتي من ورائه إذا قلنا: إنه ليس بشر محض؟ هو شر من وجه ومن وجوه أخرى فيه خيرات، فهل هناك خيرات تأتي من الشيطان؟ كيف وقد لعنه الله حيث قال: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]؟ كيف والشر كله في إبليس غواية، ووسوسة، وقتل، وتفريق بين الزوجين، وسحر، وغير ذلك؟! نعم، كل هذه شرور من الشيطان، لكن فيه خير، بل خيرات، فمنها مغفرة الذنوب، ومنها التمييز إذ بالشيطان يحدث التمايز، وهذه حكمة بليغة من الله جل في علاه؛ لأن الله من حكمته أنه يضع الشيء في موضعه، ومعلوم أن الشرع يأتي فيفرق بين المختلفين ويسوي بين المتماثلين، وأصل هذه التقعيدات قول الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
فلولا أن الشيطان موجود، يوسوس لهذا ويوسوس للآخر، ويجعل هذا يزل وهذا يزني وهذا يسرق، لادّعى كل إنسان الخير والصلاح.
وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل سيدعي أنه من أهل الخير، فالتميز حاصل بالوسوسة التي تمحص المؤمن من الكافر، وتميز المسلم من الفاسق والبر من الفاجر.
إذاً: الأصل الثاني: لم يخلق الله جل في علاه شراً محضاً، وهنا قد يقول قائل: إنك أصلت أصلاً أولاً قد رجع عليك بالنقد إذ إنك قلت: كل أفعال الله كمال، خالية من الشر وقد أقررت هنا بالشرور! والجواب على ذلك أن نقول: إن الشر في مفعولات الله وليس في أفعال الله، بمعنى: الشر في الأثر وليس في الأصل، فخلق الله لإبليس كمال محض، من حيث إنه خلق، أما إبليس نفسه ففيه شر، فيعلم أن فعل الله كمال والشر في المفعول وليس في الفعل.
ويفسر هذا قول النبي ﷺ : (وأعوذ بك من شر ما قضيت)، فالشر في المقضي فحسب، فدل على أن الشر في المفعولات وليس في الأفعال.
стр. 319
الأدب في نسبة المفعولات إلى الله
من الشرور الزنا والسرقة والقتل والغدر، فهل تنسب هذه الشرور إلى الله؟ الإجابة على ذلك أن نقول: سنقر بهذا لكن بقيد وشرط، ونثبت هذا على التقييد لا على الإطلاق، أو نقول: على التضمين وليس على التصريح، فلنا ثلاثة أمور نقر فيها بأن الله خلق الشر: الأمر الأول: أن نجعل هذه الشرور تندرج تحت الأصل العام، فلو قيل: أخلق الله الزنا؟ أخلق الله القتل؟ أخلق خلق الله السرقة؟ نقول: الله خالق كل شيء؛ إذ إنه من سوء الأدب أن تقول: خلق الله الزنا، أو خلق الله هذا الفحش من الكلام، فمع أن الله خلقه، لكن نقول: هذا الشر في المفعول وليس في الفاعل، فتدرجه تحت الأصل العام ألا وهو: الله خالق كل شيء.
الأمر الثاني: أن تنسب هذا الشر للإنسان وكسبه، فالإنسان هو الذي زنى، وهو الذي سرق، وهو الذي قطع، وهو الذي تكلم بفحش الكلام، وقد قال الله تعالى حاكياً عن الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] فمع أن المرض خلقه الله، إلا أنه نسب المرض لنفسه؛ ولذا يصح أن تقول: الزاني فلان، أو السارق فلان.
وفي الحديث أن عائشة ﵂ وأرضاها لما دخل اليهود وقالوا: يا رسول الله! السام عليك، فقالت عائشة: وعليكم السام، ثم قالوا: السام عليكم مرة ثانية ثم ثالثاً فقالت عائشة: وعليكم السام والموت يا إخوة القردة والخنازير، فلما قالت ذلك قال لها النبي ﷺ : (يا عائشة! قد رددنا عليهم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء)، فنسب السب للمكلف، فلك أن تنسب الشر لفاعله.
وسبق في مبحث الأسماء والصفات أننا عندما نتحدث عن صفات الكمال ينبغي أن نتحدث عنها بتفصيل فنقول: الله خالق، الله رازق، الله معطي، الله محب، الله ينزل، وعند التحدث عن الصفات السلبية التي هي صفات النقص نتحدث عنها بإجمال، وقد ضرب صاحب شرح الطحاوية مثلاً لذلك فقال: لو دخل رجل على ملك موقر فقال له: أنت ليس في الكون مثلك، أنت لست بزبال ولست بكناس ولست بزان وأمك ليست بعاهرة، ولا أبوك بسارق، فلا شك أنه سيقطع رأسه في الحال؛ لأنه سيء الأدب.
وهكذا عند نسبة الشر لله جل في علاه نقول: إنه يندرج تحت القاعدة العامة أو الأصل العام: الله خالق كل شيء، والثاني: أن ننسب لفاعل الشر فعل الشر، وهذا مستقى من قول إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
ومع ذلك لا بد أن يعلم أن نسبة الشر لفاعله ليس على الإطلاق، بل ننسبه لفاعله كسباً وننسبه لله خلقاً وإيجاداً، فإن قال لك قائل: خلق الله الزنا؟ خلق الله الفحش؟ فقل: هذا زان، هذا فاحش، وإذا شئت التفصيل فقل: هذا زان كسباً، ولكن الله جل وعلا خلق كل شيء.
الأمر الثالث: عند نسبة الشر لله جل في علاه ينبغي أن تبني بالمفعول، فلا تصرح بنسبة الشر لله، وهذا علمناه من فقهاء الجن، حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فهم عندما تحدثوا عن الكمالات نسبوها صريحة لله جل في علاه، وعندما تحدثوا عن الشرور بنوا للمفعول فقالوا: أريد بهم شراً ولم يقولوا: الله أراد بهم شراً.
стр. 320
مسائل في القدر
إن أول ما خلق الله من المخلوقات القلم كما ورد في الحديث: (أولُ ما خلق الله القلم - أو: أولَ ما خلق الله القلم- ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء إلى يوم القيامة)، فالله قد كتب كل شيء، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما في مسند أحمد قال: (إن النبي ﷺ خرج ومعه كتاب في يمينه فقال: فرغ ربكم من العباد، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، قال: فختم عليهم بأسمائهم وأسماء ذرياتهم وأسماء آبائهم، وكتاب آخر في شمال النبي ﷺ فقال: وهؤلاء في النار ولا أبالي، ختم عليهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وذرياتهم) فانتهى الأمر، والله أعلم بما كانوا عاملين.
стр. 321
أهل الفترة وأقوال أهل العلم فيهم
أهل الفترة هل هم من الذين كتبهم الله جل في علاه من الناجين أم من المهلكين؟ وبمعنى آخر: هل هم من الكفار وسيكونون مع الكفار يوم القيامة أم أنهم من المؤمنين وسيكونون مع المؤمنين يوم القيامة؟ وكذلك ما حكم أطفال المسلمين وأطفال المشركين؟ أما أهل الفترة فإن فيهم لأهل العلم قولان: وقبل أن نذكر القولين لا بد أن نعرف أولاً من هم أهل الفترة؟ أهل الفترة هم الذين فتر عنهم الوحي، أي: انقطع عنهم الوحي، وهم مثل القوم الذين عاشوا بين عيسى والنبي ﷺ ، فمعلوم أنهم لم يأتهم النذير، لا الموحى إليه وهو النبي، ولا المبلغ عنه وهم العلماء.
فهل هم من المؤمنين أم من الكفار؟ اختلف العلماء في حكمهم على قولين: القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم: أنهم في الجنة، أو قالوا: ليسوا بمخلدين في النار، واستدلوا على ذلك بأدلة: الأول: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهذه الآية قاطعة فاصلة في النزاع بأن أهل الفترة ليسوا من أهل النار.
ومفهوم المخالفة هو وجه الدلالة، إذا قال الله: إننا سنعذب إذا جاءت الرسل، فيكون إن لم تأت الرسل فلا تعذيب.
الثاني: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
الثالث: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، ولا أحد يستطيع أن يقول للكافر: كافر إلا إذا جاءته الحجة فكفر بها.
الرابع: قال الله تعالى مبيناً الحكمة من إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
وهذه الآية صريحة جداً في أن أهل الفترة ليسوا من أهل النار؛ لأنه إذا لم يكن هناك رسل، فلهم الحجة عند الله جل في علاه يوم القيامة.
القول الثاني وهو لبعض العلماء وعلى رأسهم الإمام النووي قالوا: لا نوافق على هذا القول؛ لأنه من الضعف بمكان، بل عندنا الأدلة الخاصة التي تثبت أنهم من أهل النار، ومنها: أولاً: قال الله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وهم كفار قد كفروا بالله جل في علاه.
ثانياً: قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وهذا الدليل عام، وهو مخصوص بالحديث الذي في صحيح مسلم عندما دخل رجل فقال: (يا رسول الله أين أبي؟ فقال: أبي وأبوك في النار).
وهذا دليل فاصل في النزاع؛ لأن أبا النبي ﷺ كان من أصحاب الفترة، وكذا أم النبي ﷺ كانت في عصر الفترة، وقال النبي ﷺ فيها: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فذهب للقبر فبكى وبكى من حوله).
ثالثاً: حديث في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها سألت عن عبد الله بن زيد بن جدعان وقالت: (يا رسول الله كان يكرم الضيف ويصل الرحم ويصنع المعروف، فما له عند الله؟ فقال النبي ﷺ : إنه ما قال يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، وهذه دلالة على أن أهل الفترة في النار.
أما أدلة الجمهور، فالرد عليها كالآتي: أما قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فنحن نقول: نفى الله العذاب عنهم في الدنيا لا في الآخرة، فهذا خاص بالدنيا دون الآخرة، وعذابهم في الآخرة موجود.
فرد الجمهور على ذلك مستدلين بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨ - ٩]، فكل فئة، وكل طائفة في كل زمان ومكان إذا دخلوا النار سألهم الخزنة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا﴾ [الملك:٨ - ٩] وقولهم: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ [الملك:٩] قاطعة بأنه لا فترة الآن؛ لأنهم قالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٩] فهذه آية عامة.
فرد عليهم: بأن هذه آية عامة والمراد بها الخصوص فيمن أرسل إليهم الرسل، ونزاعنا فيمن لم يرسل إليهم الرسل.
رابعاً: ميثاق الفطرة، حين مسح الله على ظهر آدم، فأخرج كل الذرية ووقفوا أمام ربهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] فشهدوا بربوبية الله جل في علاه، فكان هذا الميثاق حجة عليهم بأنهم أقروا بربوبية الله، فلا يعذرون بالشرك في الربوبية سواء بعث الرسول أم لم يبعث، فهم مطالبون بأصول الشريعة وهو التوحيد الخالص لله جل في علاه.
والراجح من القولين هو القول الأول وهو قول الجمهور، فإن أهل الفترة ليسوا من أهل النار، والدليل على ذلك عموم قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وعموم قول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]، وأيضاً عموم قول الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فالحجة مرتبطة ومناطة بالرسل، فإذا فقد الرسول فلا حجة، وإذا وجد الرسول وجدت الحجة، والله لا يعذب قوماً حتى يبين لهم ما يتقون، وما كان الله ليظلم قوماً أبداً حتى يبعث إليهم رسولاً يبين لهم طريق القويم الطريق النجاة وطريق الهلاك.
أما أدلة القول الثاني فالرد عليها كما يلي: أولاً: زمن النبي ﷺ زمن فترة ولا فترة بمعنى أن أشخاصاً في زمن النبي ﷺ قبل البعثة كانوا من أهل الفترة وآخرين في زمن النبي ﷺ ليسوا من أهل الفترة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:١ - ٣].
فالآية دليل على أن زمن النبي الذي سبق البعثة زمن فترة؛ لأن الله نفى أن يكون قد أتاهم نذير، ولما لم يأتهم النذير لا بالوحي ولا بالبلاغ فهم من أهل الفترة.
أما الدليل على أن زمن النبي ﷺ زمن فترة فإن النبي ﷺ لما فتح مكة دخل الكعبة فوجد تصاوير لإبراهيم وإسماعيل ﵉، وكانوا قد صوروهما يستقسمان بالأزلام، فقال النبي ﷺ : (كذبوا والله لقد علموا ما استقسما بالأزلام قط)، فعُلم أنهم قد بلغتهم رسالة إبراهيم.
وبالنظر في الدليلين: الآية التي تثبت أنه ما أتاهم من نذير، والحديث الذي يثبت أنهم يعلمون من حنيفية إبراهيم وأنهم أتاهم النذير، نجمع بين الآية والحديث بحيث يدرأ التعارض الظاهر فيقال: الآية تثبت عدم النذير لأشخاص معينين، والحديث يثبت أن هناك أشخاصاً علموا دين إبراهيم ﵇ فلزمهم دين إبراهيم، فلما أشركوا لم يكن لهم العذر عند الله جل في علاه، ويتضح هذا الجمع جلياً في حديث السنن عن النبي ﷺ قال: (أربعة لهم الحجة عند الله: رجل أحمق، ورجل أصم، ورجل هرم، ورجم من أهل الفترة، فأما الأحمق فيقول: رب جاءني رسولك ولم أعلم عن قوله شيئاً -أي: لم أفهم منه شيئاً- وقال الهرم: رب جاءني رسولك ولا أعقل عنه شيئاً -والهرم من وصل إلى أرذل العمر-، ويقول الأصم: رب جاءني رسولك ولم أسمع شيئاً، وقال صاحب الفترة: رب لم يأتني رسولك)، فيوجد ثلاثة أصناف قالوا: جاءنا الرسول لكن الحجة لم تبلغ، وهذه تجعل طالب العلم يدقق النظر، وأن المسألة ليست في الرسول فقط كما يعتقد التكفيريون؛ لأنه لو قيل لأحدهم: هذا رجل طاف بالقبر لأفتى بكفره وأحل دمه! والحق أن يقال: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، لكن لا نكفره حتى نقيم الحجة عليه، ونزيل الشبهة، ولو قيل: من يقيم الحجة؟ نقول: الرسل، فإن رد: قد ماتوا؟ فهنا يجاب بما جاء في الحديث من أن ثلاثة ممن جاءهم الرسول نفوا الحجة، فدل على أن الحجة هي المهمة، وأن الأصل قيام الحجة سواء أقامها الرسول أو أقامها من ناب عن الرسول.
أما الرابع فقال: ما جاءني الرسول فعد من أهل الفترة، ولم تقم عليه الحجة، وهذا الحديث ظاهر جداً فاصل في النزاع بأن صاحب الفترة له الحجة عند الله.
(فقال الله تعالى إذا أخذت عليكم المواثيق تقرون وتسمعون وتطيعون؟ قالوا: سمعنا وأطعنا، فيأمرهم جميعاً أن يدخلوا نار جهنم، فإذا دخلوها كانت برداً وسلاماً عليهم، وإن لم يدخلوها فهم من أهل النار وبقوا فيها، والله أعلم بما كانوا عاملين)، والحديث صحيح.
فتعين أن القول الفصل في هذه المسألة أن أهل الفترة غير معذبين لكنهم مكلفون يوم القيامة، حيث يختبرهم الله جل في علاه ويأمرهم بدخول النار، فإذا دخلوا النار كانت برداً وسلاماً عليهم كما كانت على إبراهيم ﵇ ثم مآلهم إلى الجنة، وإن عصوا بقوا في النار خالدين فيها؛ لأنهم عصوا الله جل في علاه، والله أعلم بما كانوا عاملين.
أما الأحاديث التي استدلوا بها على زمن الرسول ﷺ فالإجابة عنها: أن زمن النبي قسمان: زمن فترة وزمن لا فترة، زمن فترة لقول الله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة:٣]، وهذا إقرار من المليك المقتدر بأنه لم يأت النذير لهؤلاء، وأما أم النبي وأبو النبي وعبد الله بن زيد بن جدعان فقد
стр. 322
حكم قتل السياح
من سماحة الإسلام وعدله أن حرم قتل الكفار الذين يدخلون إلى بلاد المسلمين بأمان، مثل الذين يدخلون بتأشيرة دخول؛ لأن تأشيرة الدخول بمثابة صك أمان أعطته الدولة لهذا السائح فأصبح حكمه حكم المستأمن الذي لا يجوز قتله.
стр. 323
حكم قتل السياح وحكم تأمينهم في البلاد الإسلامية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قتل السياح لا يجوز بحال من الأحوال، والمستأمن كذلك لا يجوز قتله في أي حال من الأحوال.
ولو حصل أنه يسب الدين ويشرب الخمر ويزني ويفعل ويفعل، ففي المسألة تفصيل.
فنقول: هذه المسألة لها وجهان لا بد أن ننظر فيهما: الوجه الأول: لو أعطي التأشيرة فقد أعطي الأمان من قبل المسلمين، والنبي ﷺ يقول: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)، فإذا دخل بأمان فلا يجوز نقض هذا الأمان، ولا يجوز لك أن تخون المستأمن بحال من الأحوال في دمه ولا في عرضه ولا في ماله، كما قال علي بن أبي طالب: المسلم والمستأمن يستويان في الحرمة، حرمة الدم والمال والعرض.
فإذا قال قائل: هل ينتقض الأمان بزناه أو بفسقه أو بشربه للخمر؟ أقول: لا بد أن تكون فطناً وتقول: شربه للخمر وزناه أو فسقه إن كان في مكانه والباب مغلق عليه، فلا ينتقض الأمان، والدليل على ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لما أخذ على الذميين العهد، وأخذ منهم الجزية، ولاهم ما تولوا، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون لحم الخنزير، ولكن في منازلهم، حتى لا يفسدون على المسلمين دينهم، ولا ينشرون الفساد في الأرض، فإن كان الفساد غير معلن، فهذا ليس بنقض للأمان، أما إذا أعلن الفساد فقد انتقض الأمان بإعلانه بسب الدين وسب الرسول وسبِّ الله، فينتقض أمانه على الراجح الصَّحيح.
وإذا انتقض أمانه لا يجوز لآحاد المسلمين بحال من الأحوال أن يقتلوه، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يتجرءوا على ذلك؛ لأنه محظور عليهم إراقة دمه إلا بأمرين اثنين: أن يرفعوا أمره إلى ولي الأمر، فإذا لم يفعل ولي الأمر معه شيئاً، فلا تستطيع أنت إليه سبيلاً؛ لأنه يجب عليك إذا انتقض أمانه أن تكون مؤمناً تقياً تعمل بأدلة الشرع، وتعمل بدين الله فتبلغه مأمنه، ولا يجوز لك حتى لو انتقض أمانه أن تتجرأ عليه فتقتله حتى يبلغ مأمنه، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فإذا سمع كلام الله وكفر به فاقتله؛ لأنه أصبح محارباً الآن وقد سب الله وسب الرسول أمامك وهو يسمع كلام الله، وإلا فقد خالفت ظاهر القرآن.
فالمقصود: لا بد أن يبلغ مأمنه، ولا تقتله في محله، ولا في مكانه الذي دخل فيه بأمان، ولو انتقض الأمان، فلا يجوز إراقة دمائهم، ولو سمعنا من يأتي بمائة شبهة.
نحن نعلم أن هؤلاء كفرة، كفروا بالله وأخذوا يسبون الله ويحاربون دينه، ولكن إعطاء التأشيرة تدور مع مصلحة المسلمين، فولي الأمر إن رأى أن المصلحة هو إدخال الكافر إلى بلاد المسلمين ليستفيد منه بالعشر أو الضريبة التي تضرب عليه، أو الأعشار التي يدفعها مثلاً، أو غير ذلك مما يدر علينا من النفع، أو رأى أن المصلحة استجلابه وإعطاؤه الأمان لمدة وجيزة، فإن ذلك يرجع لنظر أهل الحل والعقد، وأيضاً لنظر ولي الأمر.
فهذه المسألة ليست على المحاربة ولا على الكفر ولا الإيمان، فالمسألة رأس أمرها هو مصلحة المسلمين فقط، حتى وإن كان كافراً أو حربياً أو غير ذلك، فأنت لك أحكام تتقيد بها بهذا الشرع الحنيف، فعليك أن تفعل ما أمرك به الشرع، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وليس لك أن تقول: ظلموا إخواننا فنظلمهم! فيجب ألا تستبيح الظلم بظلمهم الله، هل تستبيح أن تسب المسيح عيسى بن مريم إذا سبوا رسول الله ﷺ ؟ لو فعلت ذلك لكفرت.
فالذين يجوزون قتل السياح مهما أتوا من أدلة فكلها منهارة، وليس لهم ثمة دليل، إلا أن يقولوا: مصر كلها كافرة، أو الحكومات كافرة، وولي الأمر كافر، وإذا قالوا ذلك قلنا لهم: أنتم أجهل من دابة البعير، هل تستطيعون أن تكفروا البلاد بأسرها وما أقمتم عليهم حججاً، ولم تقفوا لتنظروا أي كفر وقعوا فيه?! هذه المسألة مشكلة جداً كما قلت، فلو قالوا بهذا القول فقد وقعوا في عذر أقبح من ذنب؛ لأنهم بذلك سيكفرون الناس بأسرهم، ويرجعون إلى منهج مصطفى شكري وطائفته، ثم بعد ذلك يرتقون إلى التوقف والتبين والأفكار الدخيلة الهدامة التي لا تصح بحال من الأحوال، والتي تفسد أكثر مما تصلح.
فنحن نقول: إذا دخلوا بأمان، وليس لكم أن تقتلوهم، فإذا انتقض الأمان وأقمتم الحجة وبينتم أنه انتقض الأمان بحق الله، فقد عرفتم المسألة في الشرع.
стр. 324
عدم جواز قتل المسلم بالمحارب أو المستأمن
إن المسلم لا يقتل بالمحارب أو المستأمن على الصحيح الراجح عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، أما عند أبي حنيفة فيقتل به، والصحيح الراجح القول الأول؛ لأن النبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم).
الذين ضيعوا الأمة هم الجهلة المتنطعون الذين يرتقون مرتقى صعباً لا يمكن أن يرتقوا إليه، فيتكلمون في مسائل لا يجوز أن يتكلم فيها إلا العلماء الراسخون، وليس العلماء فقط، مثل هذه المسألة؛ ولذلك أنا أنحي نفسي جانباً عنها، وقد بينت ذلك بسبب تفجيرات الأزهر فقط، وقد بينت أن حكم قتل المستأمنين لا يجوز في أي حال من الأحوال، وهذه المسائل شائكة، والناس يريدون سماعها من باب التسلية، أما إن أرادوا الخير فليتعلموا أولاً؛ لأن مسألة القتل والتفجير والتكفير وغير التكفير والمستأمن وغير المستأمن مسائل صعبة جداً، وما ضيع الأمة إلا الجهلة الذين ارتقوا مرتقى صعباً، وأفتوا بغير علم، ولا يزالون إلى الآن يفتون ولا يسمعون لأحد! إن من يتجرأ على إسالة دم امرئ مسلمٍ فإن هذه من علامات الساعة، وإني أنصح الإخوة أن يكفوا عن هذه المسائل، وأن يتعلموا علوم الشريعة، وأن لا يغتروا بالخطب الرنانة؛ لأن الحماسات والثورات والعواطف الهائجة تؤجج وتحرك الناس، وهي تتنزل على كل البشرية على القضاة وغير القضاة والحاكم والمحكوم والسائر والواقف والنائم والقاعد، حيث يهيج الجاهل فيقول: لا بد أن نعمل للإسلام، ولا يجد أحداً يشجعه على ما يريد، فيدخل النت، فيجد ما يشتهي، فيبدأ يفعل ما ترون، ويضيع ويهلك وهو لا يدري.
стр. 325
حكم العمليات الفدائية
والله الذي لا إله إلا هو! إني أدين أن الذي يفجر نفسه في فلسطين بين اليهود فليس بشهيد، إلا بضوابط خمسة قد ذكرتها أكثر من مرة وفصلتها، وابن تيمية يقول: إن صاحب الأخدود ما كان قاتلاً لنفسه لولا المصلحة العامة التي ظهرت بقتله، يعني: لولا أن القرية بأسرها أسلمت بقتله لقلت: هو قاتل نفسه؛ لأن الأصل التحريم القاطع على قتل المرء نفسه.
ولذلك نحن نقول: إذا كانت النكاية في أهل الكفر مستيقنة جاز ذلك، وإن كانت النكاية فيهم أعظم من أي نكاية في المسلمين جاز ذلك، وأنى لهم هذا؟! فهو يموت ويقتل نفسه ويسارع بأجله إلى ربه جل في علاه، ولا والله! ليس بشهيد إلا بالضوابط التي ذكرتها، والإخوة يرجعون إلى الأشرطة، ويسمعون الضوابط الخمسة التي ذكرتها حتى يكون مفجر نفسه بين اليهود -الذين هم أغضب أهل الأرض وألعنهم- شهيداً.
والأخبار تواترت أن كل الذي قتل في هذا المكان هم المسلمون، أم أن المصريين ليسوا بمسلمين؟! فلا أدري كيف يتجرأ بعض الناس على دم امرئ مسلم؟! وما الذي جره إلى ذلك؟! ولسنا بصدد الكلام في هذا؛ لكن مررت على المسألة بإيجاز مرور الكرام حتى أشبع الرغبة، ومع ذلك فإني على مضض، وإني أرجو من الإخوة أن يتعلموا، فالضياع كل الضياع في أن تجهل دينك ولا تعلم عنه شيئاً، وتشترك في الثورات وهذه الأمور التي على الساحة، وتتأثر بها وليس عندك قول فصل فيها، فتعلم فالعلم أفضل لك.
стр. 326
شرح مناسك الحج [١]
للحج فضائل عظيمة وفوائد كثيرة في الدنيا والآخرة، ومن أراد الحج فعليه أن يستعد له بالتوبة ورد المظالم إلى أهلها، ويخلص لله في حجه، ويحرص على تعلم أحكامه ليقتدي برسول ﷺ الذي قال: (خذوا عني مناسككم).
стр. 327
فضائل الحج
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فمرحباً بوفد الله وحجاج بيت الله الحرام الذين اشتاقت قلوبهم إلى المشاعر العظيمة، وإلى التسارع والتسابق إلى القربات.
وإلى طاعة الله جل في علاه.
مرحباً بمن يدق قلبه، وتدمع عينه وهو يقول: لبيك اللهم لبيك -أي: إجابة بعد إجابة- لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، لبيك تعبداً ورقاً، لبيك إخلاصاً وورعاً، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦].
بإذن الله سوف نتناول بإيجاز الكلام على مناسك الحج، وأول ما نبدأ به هي بشارة للذين وفقهم الله جل وعلا لحج بيت الله الحرام، وكتبهم في اللوح المحفوظ في ليلة القدر أنهم من حجاج هذا العام، ورزقهم الله جل وعلا النفقة، أبشرهم ببشارة بشرنا بها النبي ﷺ بعدما أوجب الله الكريم عليه الحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، قال النبي ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، هذا الحديث عظيم جليل، وهذا الأجر العظيم لمن حج بشرط ألا يفسق وألا يرفث.
والرفث هو الجماع ومقدماته، كالتغزل بالمرأة مثلاً، فمن حج مع امرأته فلا يجوز له حتى أن ينظر إلى عينيها إذا كانت هذه النظرة تفهم منه أنه يشتهيها.
والفسق مثل الغيبة، أو النميمة، أو السب، أو عدم الصبر على البلاء والجهد الذي سيعيش فيه، لا سيما في أوقات الزحام الشديد، فعلى الحاج أن يترك الفسق، وألا يتعدى حدود الله، ولو وقع منه ذلك استغفر وتاب وأناب، فهذا الذي يكون له الجزاء العظيم، والذي قال فيه النبي ﷺ : (من حج فلم يفسق ولم يرفث رجع كيوم ولدته أمه)، وهذا الحديث عام يعم كل الكبائر والصغائر، حتى الزنا وأكل الربا والسرقة، كلها تمحى عنه بهذا الحج، فيا لها من مثوبة عظيمة! ويا له من أجر جليل لو تدبره المرء.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)، وكلنا نصدق قول النبي ﷺ ؛ لأنه صادق ومصدوق، فالذي يتابع بين العمرة والعمرة لا ينفق نفقة إلا ويخلف الله جل وعلا عليه أضعافاً مضاعفة بدلاً منها، فمن أراد الغنى فعليه بالحج، وعليه بمتابعة العمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، ويأتيان على كل الذنوب فتمحوانها.
وأيضاً من الثواب الجليل العظيم الذي يناله الحاج أنه يوم عرفة إذا وقف وهو أشعث أغبر فإن الله جل وعلا ينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا فيباهي بالحجاج الملائكة، وهذا النزول خاص بأهل عرفة، ولا أحد يكرم ويعظم ويشرف منزله إلا من وقف في عرفة، فينزل الله جل وعلا عشية عرفة نزولاً يليق بجلاله، ثم يباهي الملائكة بهؤلاء الشعث الغبر الذين أنفقوا أموالهم وتركوا الدنيا خلفهم.
والنبي ﷺ يقول: (أكثر عتقاء الله جل وعلا في هذه الليلة) أي: ليلة عرفة، نسأل الله جل وعلا أن يجمعنا جميعاً على عرفة، وأن يجعلنا من عتقائه من النار.
فأبشروا ببشارة النبي ﷺ ، وأملوا خيراً، فإنكم وفد الله، وإنكم زوار الكريم، والكريم لا يترك أحداً يرجع خائباً، وأملوا أيضاً خيراً بأن الله إن وفقكم وكتبكم من أهل الحج فإن الله جل وعلا يريد بكم خيراً، وما يريد أن يرجعكم ندامى ولا خائبين.
стр. 328
الاستعداد للحج بالتوبة ورد المظالم والديون لأصحابها
إذا استعد المرء استعداداً تاماً للحج فعليه أمور لا بد أن يقدمها قبل أداء الحج، ومنها: رد المظالم، سواء الظلم بالمال، أو الظلم للنفس، أو الظلم للغير.
والعبد يظلم نفسه بالتجرؤ على حدود الله، فعلينا أن نستعيذ بربنا على أنفسنا وعلى الشيطان، ونؤمل خيراً، فربنا غفور رحيم كما في مسند أحمد: (أن رجلاً أذنب ذنباً وقال: رب عبدك أذنب ذنباً وجاء يستغفر، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفره، أشهدكم أني قد غفرت له، ثم عاد فأذنب نفس الذنب ثم استغفر فغفر له)، فالعبد المؤمن خلق مفتناً تواباً، والنبي ﷺ يقول: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وقال النبي ﷺ : (باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة) أو كما قال.
فأول شيء على الحاج: أن يرد المظالم، ويترك الظلم، ويتوب التوبة النصوح، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وقال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨] فالله جل وعلا يرغبنا في التوبة في كل وقت وحين، وأشد ما يحتاج المرء إلى التوبة عندما يذهب إلى حج بيت الله الحرام، فيتوب من ظلمه لنفسه، ويرد المظالم إلى أهلها، ويتوب من ظلم غيره.
وما منا أحد إلا وقد تعدى على أخيه بالنميمة أو بالغيبة أو بالسب أو بالقذف أو بأكل ماله بالباطل، أو بأكل الربا، أو بالسرقة، وظلم العبد لغيره أشد ما يكون عليه يوم القيامة، والنبي ﷺ يقول: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم، فيوم القيامة ليس ثمة درهم ولا دينار وإنما هي الحسنات والسيئات) أو كما قال، فإذا تعديت على إنسان فيوم القيامة لو دفعت له ملء الأرض ذهباً أو فضة لن يرض بها، لكن يؤخذ من حسنات الظالم وتوضع في كفة المظلوم، أو تؤخذ من سيئات المظلوم وتلقى على كفة الظالم، والعياذ بالله.
وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عائشة مرفوعاً: (لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يتركه أبداً، وديوان لا يغفره أبداً، وديوان في مشيئته)، أما الديوان الذي في مشيئته فهو ظلم العبد لنفسه بالمعاصي، والتجرؤ على حدود الله، ورحمة الله سبقت غضب الله جل في علاه، وأما الديوان الذي لا يغفره الله أبداً فهو ديوان الشرك، ونعوذ بالله من الشرك والشقاق والنفاق، أما الديوان الذي لا يتركه الله أبداً، فهو المظالم.
أخي الحاج! لا بد أن تذهب للحج نظيفاً طيباً ترجو المغفرة، وترجو أن ترجع من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، فلابد أن ترد المظالم لأصحابها، وإذا كان في قلبك شحناء على أحد فاتصل به، وإن استطعت أن تدعو له كثيراً قبل أن تتصل به فهذا أفضل، وتحلل منه، وإن كان له عليك حق فلا بد أن تسارع بأن تعطيه حقه، فالسرعة في التوبة من علامات قبول الحج.
والأحاديث في تحريم الظلم كثيرة، منها: قول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
стр. 329
التزود بالنفقة الحلال
يجب على الحاج أن يستعد للحج بالمال الحلال، فإن النبي ﷺ قعد لنا قاعدة فقال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فالحج بالمال الحرام ينبئ بأن هذا الحج غير مقبول، وصاحبه غير مأجور.
وفي الطبراني بسند مختلف فيه والراجح صحته أن النبي ﷺ قال: (من كان حاجاً ونفقته طيبة فإذا استوى على دابته وقال: لبيك وسعديك، ينادي مناد من السماء: لبيك وسعديك، نفقتك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور، وأنت مأجور غير مأزور، ومن كانت نفقته من حرام فيقول: لبيك وسعديك، فينادي مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، ارجع مأزور غير مأجور، نفقتك حرام وراحلتك حرام).
فلابد أخي الحاج أن يتحرى الحلال عندما يذهب إلى الحج، فإذا أراد أن يرجع إلى أهله فائزاً مأجوراً غير مأزور، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فليبعد بعد المشرق عن المغرب عن الحرام، فـ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
стр. 330
الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله في الحج
على الحاج أن يهيئ نفسه بأن ينزع عن قلبه الرياء، فلا يحج لأجل أن يقال له: يا حاج، فمن حج بيت الله الحرام لأجل أن يقول: حججت، يريد بذلك الرياء والسمعة، فحجه لا يقبل عند الله جل وعلا، فإن من شروط قبول العمل الإخلاص، والله جل وعلا يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ورسول الله سيد الخلق أجمعين وأحب خلق الله إلى الله يحذره الله جل في علاه من الرياء فيقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، وهذا تنبيه لغير النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه).
ويقول النبي ﷺ : (من راءى راءى الله به) يعني: أن الله يرائي به الناس، فالذين يمدحونه على ما فعل يذمونه بأنه ما فعل ذلك إلا مراءاة للناس، قال: (ومن سمع سمع الله به).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فعلى العبد أن يتهيأ للحج بقلب صاف نقي لله جل وعلا، مخلصاً في عبادته لله.
ولابد أن يكون الحج على هدي النبي ﷺ حتى يكون مقبولاً، فإن الله أغلق كل باب، وفتح باباً واحداً وهو طريق رسول الله ﷺ .
قال الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: متبعاً فيه سنة النبي ﷺ ، ومخلصاً لوجه الله ، وفي الصحيحين يقول النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى.
قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟! قال: من أطاعني -يعني فعل مثلما فعلت- دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
فعلى الحاج أن يعرف كيف حج النبي ﷺ ، وكيف كان يعتمر، فيفعل مثله (حذو القذة بالقذة).
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، والله جل وعلا حذرنا من مخالفة النبي ﷺ فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 331
مواقيت الحج
للحج مواقيت زمانية، ومواقيت مكانية، فالمواقيت الزمانية هي الوقت الذي إذا أحرم فيه الحاج يصح حجه، وإذا أحرم قبله لا يصح الحج، وهذه المواقيت مذكورة في قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وأهل التحقيق يرون أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة، والمالكية يرون أن شهر ذي الحجة يدخل في أشهر الحج.
وفائدة معرفة أشهر الحج أن من أحرم بالحج في شهر رمضان فقال: لبيك اللهم بحجة فلا يكون حاجاً، فالله جل وعلا وقت للحج ميقاتاً مثل ميقات صلاة الظهر، فلو صلى رجل الظهر بعد الفجر بساعة فصلاته باطلة وغير مقبولة؛ لأنه صلاها قبل الوقت، والله جل وعلا يبين لنا أن وقت الحج الذي يقبل فيه الإحرام بالحج من الأشهر الثلاثة: ذو القعدة وشوال وعشر من ذي الحجة، ومن أحرم بالحج في آخر ليلة من ليالي رمضان ففي صحة حجة خلاف.
أما المواقيت المكانية فهي المكان الذي يصح الإحرام منه، ولا يصح أن يتعداه.
وفائدة معرفة المواقيت المكانية التي وقتها النبي ﷺ أنه لا يصح لأحد أن يجاوزها إلا وقد ارتدى الإحرام وقال: لبيك اللهم بحجة أو بعمرة.
والمواقيت المكانية مبينة كما في الصحيحين عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أجمعين: (أن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة -وهي أبيار علي على بعد سبعة كيلو من المدينة- ووقت لأهل الشام -ومثلهم أهل مصر والمغرب- الجحفة، ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل نجد قرن المنازل) ويسمى السيل الكبير، وهو ميقات أهل الإمارات.
وميقات العراق ذات عرق، واختلف العلماء فيمن وقته هل هو عمر أو النبي ﷺ ، والصحيح الراجح أن النبي ﷺ هو الذي وقته، ووافق اجتهاد عمر توقيت النبي ﷺ .
стр. 332
أنواع الحج
أنواع الحج ثلاثة: الإفراد، والتمتع، والقران.
فالإفراد: أن يحرم الحاج مفرداً بالحج ويقول: لبيك اللهم بحجة، ويبقى محرماً لا يحل إلى يوم النحر، فإذا أحرم بالحج من أول ذي الحجة فلا يحل إلا يوم النحر، وليس عليه دم.
ولو أن رجلاً أحرم بالحج في أول شوال فقال: لبيك اللهم بحجة، فلا يحل إلا يوم النحر؛ لأن الذي أحرم بالحج مفرداً لا يتحلل من إحرامه إلا بعد أن يرمي جمرة العقبة، هذا النوع الأول.
النوع الثاني: التمتع، وهو جمع نسكين في سفر واحد، وهو أن يؤدي عمرة ثم يتحلل منها ثم يحج، فيقول عند الإحرام بالعمرة: لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم يحل منها بعد أن ينتهي من آخر ركن من أركان العمرة، بأن يحلق شعره أو يقصره، فيحل من إحرامه للعمرة، ويتمتع إلى اليوم الثامن من ذي الحجة الذي يحرم فيه بالحج، وعليه هدي يسمى هدي شكران، بمعنى أنه يشكر الله على أنه سيؤدي نسكين في سفر واحد.
والعمرة على الراجح من أقوال أهل العلم واجبة، كما أن الحج واجب، ففي سفرة واحدة يؤدي فريضة العمرة وفريضة الحج، فلذلك يشكر ربه ويطعم فقراء مكة بهدي يسمى هدي التمتع.
النوع الثالث: القران، هو يشبه الإفراد ويشبه التمتع، فيشبه الإفراد من حيث أنه لا يتحلل بحال من الأحوال، فإذا قال: لبيك اللهم بعمرة وحج فليس له أن يتحلل إلا يوم النحر، ويشبه التمتع لأنه جمع نسكين في سفرة واحدة، وعليه دم شكراً لله جل وعلا؛ لأنه وفقه لأداء العمرة والحج في سفرة واحدة.
والقران يخالف الإفراد والتمتع في أن القارن يكفيه سعي واحد للعمرة وللحج، أما المتمتع فلا بد له من سعيين، فالقارن لو طاف وسعى عند القدوم يسقط عنه السعي يوم النحر، لكن المتمتع يجب عليه طوافان وسعيان، يطوف طواف العمرة ويسعى لها، ثم يطوف طواف الإفاضة للحج ويسعى له.
стр. 333
التزود من الطاعات والإكثار من النوافل
على الحاج أن يتزود من الطاعات وذكر الله والاستغفار والصدقة، ويتذكر دائماً قول النبي ﷺ لـ بلال: (أنفق بلالاً ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، (فأنفق ولو بالكلمة الطيبة، وتبسمك في وجه أخيك الحاج صدقة، فعندما تتعامل معه كن ليناً هيناً؛ لأن أهل الجنة: كل هين لين بشوش.
وأكثر من الطاعات في المسجد النبوي؛ لأن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، ولا تصل السنن الرواتب؛ لأنك على سفر، ولكن عليك أن تصلي الفرائض فيه، وإن أردت أن تصلي النوافل فيه فلك ذلك، وأكثر من ذكر الله ومن الصلاة في الروضة، ولا يجوز أن تذهب كل يوم لزيارة قبر النبي ﷺ وتسلم عليه، ولكن أول ما تصل فاذهب إلى قبر النبي ﷺ ، وسلم عليه، ثم اجعل قبره خلفك واستقبل القبلة وادعو الله وانصرف، ثم إذا أردت الرحيل فاذهب إلى القبر الشريف وسلم على النبي ﷺ .
стр. 334
شرح مناسك الحج [٢]
للحج والعمرة صفة جاءت مبينة في السنة المطهرة، تبدأ من الإحرام وما يجب على المحرم، وما يحرم عليه، وما يستحب له، وتنتهي بآخر أعمال الحج والعمرة، فمن أراد الحج أو العمرة فعليه أن يتعلم صفتها حتى يؤديهما كما أمر الله ورسوله.
стр. 335
صفة العمرة والحج
стр. 336
الاغتسال للإحرام
يستحب للعمرة أولاً: الاغتسال، ولا يجب، فلو كان البرد شديداً، فلا يغتسل وإنما يكتفي بالوضوء.
والسنة أن يغتسل مثل غسل الجنابة، فيغسل يده ثم فرجه، ثم بعد ذلك يغسل يده ثلاثاً، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يغسل رأسه ثلاثاً، والنساء شقائق الرجال في الأحكام، والسنة في غسل الرأس ما ثبت عن أم سلمة أن النبي ﷺ : (كان يغسل شق رأسه الأيمن ثلاثاً، والشق الأيسر ثلاثاً)، ثم يصب الماء على رأسه كله ثلاثاً، كما قالت عائشة: (وكان يحثو على رأسه ثلاث حثيات)، ثم يصب الماء على شقه الأيمن ثلاثاً، ثم على شقه الأيسر ثلاثاً، ويكون بذلك قد أتم الغسل.
وينبغي للمسلم ألا تمر عليه أربعون يوماً إلا ويقلم أظفاره وينتف إبطه ويحلق عانته.
стр. 337
التطيب للإحرام
جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ حين يحرم -يعني عند إحرامه- وأطيبه بعدما يحل قبل أن يطوف)، فمن السنة أن يطيب الرجل نفسه بعد أن يغتسل.
وهناك خلاف بين العلماء: هل يجوز استدامة الطيب أو لا يجوز؟ والراجح أنه يجوز، والأصل في المسلم أن يفعل ما فعله النبي ﷺ ، فيتطيب بدهن العود أو المسك أو أي طيب آخر، ثم يدهن به رأسه، فعن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كنت أرى وبيص المسك في مفرق رأس رسول الله ﷺ .
فيتطيب ثم بعد ذلك يرتدي ملابس الإحرام.
стр. 338
الإحرام بعد الصلاة
ليس للإحرام سنة خاصة به، فالنبي ﷺ اغتسل وصلى الظهر بذي الحليفة ثم أحرم بالحج، فالصحيح أن يصلي المحرم بعد الاغتسال ليس صلاة خاصة بالإحرام، لكن يصلي الفرض ثم يحرم، وإن كان الوقت ليس وقت صلاة فليصل صلاة سنة الوضوء بعد الغسل، أو يدخل المسجد فيصلي ركعتي تحية المسجد فتكون صلاة ذات سبب، لكن لا يصلي للإحرام صلاة خاصة.
وإذا صلى الفرض فالرباعية يصليها ركعتين قصراً؛ لأنه على سفر، ثم يحرم.
стр. 339
صفة الإحرام ووقته
الإحرام جاء فيه ثلاثة أحاديث: الأول: أنه بعد أن يسلم يقول: لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، وقد ورد هذا عن النبي ﷺ من حديث جابر وابن عمر وأنس بن مالك ﵃ أجمعين، قالوا: (أحرم النبي ﷺ بعدما سلم).
والحديث الثاني: (أحرم النبي ﷺ عندما استوى على الدابة)، فقد سمع أناس النبي ﷺ عندما ركب على الدابة يقول: (لبيك اللهم بحجة وعمرة وهو مستو على دابته).
والحديث الثالث: عندما استوى على البيداء، وهو متجه إلى مكة راكباً.
والأفضل أن يحرم بعد أن يسلم فيقول: لبيك اللهم بعمرة، وهذا هو الأصح؛ لأنه إذا قال: لبيك اللهم بعمرة بعد أن يسلم يدخل وقت الإحرام، والنبي ﷺ يقول لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك ونفقتك)، وهذه قاعدة قعدها العلماء فقالوا: يعظم الأجر على قدر المشقة؛ ولذلك كلما كان البيت أبعد عن المسجد كان الأجر أعظم، وكل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، والنبي ﷺ قال مبيناً فضل الجمعة: (من غسل واغتسل وذهب إلى الجمعة ماشياً ولم يركب، ثم دنا من الإمام فأنصت ولم يلغ؛ كتبت له كل خطوة بأجر سنة صيامها وقيامها).
فبعد أن يسلم يقول: لبيك اللهم بعمرة، وإن كان الأيسر على المرء أن يحرم بعد أن يستوي على الدابة فله ذلك، وهذا أيسر له؛ لأنه قد ينسى فيأخذ من أظفاره أو يأخذ من شعره أو يتطيب مرة ثانية، فيكون الأيسر له أن يحرم عندما تستوي به الدابة على الطريق، فيقول: لبيك اللهم بعمرة متمتعاً بها إلى الحج.
وهل يصح أن يقول المصلي: نويت أصلي فرض الظهر الذي فرضه الله علي بعدما عرج بالنبي ﷺ وعاود ربه بخمسين صلاة فأصبحت خمس صلوات؟
الجواب
لا، فإن قيل: الصلاة بدون نية باطلة، قلنا: النية في القلب، وقد سمع ابن عمر رجلاً يقول: لبيك اللهم بعمرة أتمتع بها إلى الحج فقال: اسكت، أتعلم ربك بما في صدرك؟! لكن الصحيح الراجح أن يتلفظ بها؛ لأن ابن عمر غاب عنه حديث النبي ﷺ كما في السنن -بسند صحيح- أنه قال: (جاءني جبريل فأمرني أن أصلي في هذا الوادي المبارك -وهو وادي العقيق- وقال: قل: عمرة في حجة)، ولما أهل النبي ﷺ تلفظ بالإهلال، والتلبية ليست هي النية، فلو أن إنساناً لم ينو الحج، وقال: لبيك اللهم بعمرة، فهو غير محرم، وله أن يمس الطيب وله أن يفعل كل شيء؛ لأنه لم يدخل في النسك، فلا بد من عقد القلب على النسك، فالنية تسبق التلفظ، ثم يقول: لبيك اللهم بعمرة، فتحرم عليه محظورات الإحرام.
стр. 340
محظورات الإحرام
قبل أن نذكر محظورات الإحرام نقول: النساء شقائق الرجال في الأحكام، فكل ما قيل للرجال يقال للنساء، غير أن الحائض عندما تغتسل تنقض ضفائرها، وتدخل الماء في أصول شعرها، لحديث أسماء بنت عميس ﵂ وأرضاها: (أنها ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل)، وقال لـ عائشة ﵂ وأرضاها لما حاضت: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)، فالحائض تغتسل وتفعل ما يفعل الحاج فتقول: لبيك اللهم بعمرة، وتطوف بعد أن تطهر.
وحديث ابن عمر يجمع لنا محظورات الإحرام، وهو: (لا يلبس المحرم البرانس ولا القمص ولا العمائم ولا السراويل ولا الخفاف ولا ثوباً مسه زعفران ولا ورس).
فالعمامة تحيط بالرأس، والسراويل تحيط بالوسط وبالفخذ وبالرجل، والقميص يحيط بالبدن.
وقال الفقهاء: يحرم كل مخيط محيط، ففهم بعض الناس أنه يحرم لبس كل ما فيه خيط، وهذا فهم خاطئ، فالمسألة لا تتعلق بالخيط، وإنما تتعلق بالإحاطة، فالسراويل تحيط بالفرج وبالرجل وبالساق، والقميص يحيط بالأعضاء كلها، فكل محيط بالعضو لا يجوز لبسه، حتى ما يوضع على مفصل القدم والساق عند الكعب لا يجوز لبسه؛ لأنه أحاط بالكعب.
بينما النعل العادي يصح لبسه لأنه لا يحيط بالعضو، أما الخف فيحرم على المحرم لأنه محيط بالقدم، إلا إذا لم يجد النعل، وكذلك السراويل لا تجوز للمحرم إلا إذا لم يجد الإزار.
ويحرم على المحرم لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس، بمعنى أنه يحرم عليه الطيب.
والحديث الثاني الذي يبين محظورات الإحرام: حديث كعب بن عجرة: (أن النبي ﷺ جاءه والقمل يتناثر على وجهه فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى، احلق رأسك، ثم خيره بين أن ينسك شاة أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين)، فيحرم على المحرم حلق الرأس، وقاس العلماء شعر البدن كله على شعر الرأس، ومنهم من قال: يحرم عليه حلق ثلاث شعرات، ومنهم من قال: أربع، والصحيح الراجح أنه لو وقع منه ثلاث أو خمس شعرات من غير أن يكون قاصداً فلا شيء عليه.
ويحرم عليه الطيب، ويحرم عليه قلم الأظفار بجامع الترفه والتمتع، ويحرم عليه أن يرتدي ثوباً يحيط بجسده، أما لبس النظارة فيجوز، ويجوز حمل الأمتعة فوق الرأس؛ لأن عائشة ﵂ وأرضاها وكثير من الصحابة أجازوا ذلك.
وهذه المحرمات تحرم على المرأة كما تحرم على الرجل.
وقال النبي ﷺ : (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين)، فالمحرمة لا تلبس القفازين، وكذلك الرجل لا يلبس القفازين؛ لأن القفازين يحيطان بالكفين، وهو مثل ما يلبس على الركبة، فلا يجوز للرجل لبسها؛ لأنها تحيط بالركبة، فإن كانت ركبته تؤلمه واحتاج إليها فله أن يلبسها وعليه شاة أو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
فالمرأة لا ترتدي القفازين ولا تنتقب، وإذا خشيت أن يرى وجهها أحد من الأجانب فترد خمارها على وجهها، وتبعده عن الوجه بقدر استطاعتها، ولو أن ترتدي شيئاً يبعده عن وجهها، وإذا انتقبت أو أسدلت الخمار لغير حاجة فعليها فدية.
стр. 341
صلاة ركعتين بعد الطواف عند المقام واستلام الحجر الأسود
جاء في الصحيح أن عمر قال: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
فبعد الانتهاء من الطواف ذهب رسول الله ﷺ ذهب إلى المقام فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، ومقام إبراهيم فيه أثر قدم إبراهيم على الحجر، ولا يقبل المقام ولا يمسه، فهذا ما فعله رسول الله ﷺ .
والمصلي يجعل المقام بينه وبين الكعبة، فيصلي ركعتين يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وليعلن الاستسلام التام، والخضوع والتذلل التام لله جل وعلا.
وفي الثانية يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لبيان التوحيد، كما قال عمر وهو يقبل الحجر: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك، وهذا فيه رد على المتنطعين العلمانيين الذين لا يعرفون عن دين الله شيئاً فيقولون: إن المسلمين يطوفون حول حجارة!
و
الجواب
أنا فعلنا ذلك استسلاماً وخضوعاً لله جل وعلا، ومن المعلوم أنه لا يجوز لأحد أن يسجد لأحد، وأنه شرك وكفر، ولكن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك شركاً منهم؛ لأنهم سجدوا له استسلاماً وخضوعاً لأمر الله جل وعلا، ونحن كذلك نطوف ونقبل الحجر ونقول: والله إنا لنعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكنا علمنا أن رسول الله ﷺ يفعل ذلك ففعلنا مثل ما فعل، تذللاً وخضوعاً واقتداء وتأسياً به ﷺ .
وبعد أن يصلي ركعتين يذهب إلى بئر زمزم ليشرب من مائه بنية وهو مستيقن بالله؛ لأن كثيراً من الناس لا يفهمون هذه القاعدة، فتجد أحدهم يقول: أنا لي كذا سنة أشرب من ماء زمزم، ولم يتحقق لي مطلوب، فنقول: السيف بتار لكن القابض على السيف ضعيف، فالمسألة كلها مسألة يقين بالله جل وعلا، فعلى المسلم أن يكون صادقاً مع ربه، يعلم أنه لو أخذ بالسبب الصحيح فإن الله سيصدقه.
وكما قيل: اصدق الله يصدقك.
فيشرب من ماء زمزم وينوي إما نصرة هذا الدين، أو من أجل أن يقترب من أهل الخير، ويترافقوا على الخير نصرة للدين، ثم من أجل تفريج الكربات، فالله جل وعلا يعطيه ذلك إن كان صادقاً، يقول النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وأيضًا يقول: (هو طعام طعم وشفاء سقم) ثم بعد ذلك يذهب إلى الحجر مرة ثانية، فيستلمه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإذا ما استطاع، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فإذا نوينا أن نحج كما حج النبي ﷺ وما استطعنا، فالله جل وعلا يكتب لنا الأجر، قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
стр. 342
السعي بين الصفا والمروة
ثم يذهب قاصداً الصفا والمروة فيصعد على الصفا، وحدود الصفا تبدأ من خط العربات، فهو أول حدود الصفا، فيبدأ الشوط من عنده، لكن الأكمل أن يصعد وينظر، فيتذكر أن رسول الله ﷺ وقف ثم قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] ويبدأ من الصفا، لقول رسول الله ﷺ : (ابدءوا بما بدأ الله به) ثم يستقبل الكعبة في المكان الذي يراها منه -إن يسر الله له ذلك- فينظر إلى الكعبة ويكبر ثلاث تكبيرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ويقول هذا بقلب متصل بالله جل وعلا متدبر لهذا الذكر، وينظر إلى الكعبة رافعاً يديه ثم يدعو طويلاً، وقد ورد ذلك عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وأيضًا ورد عن جابر في سنن ابن ماجة بسند صحيح أنه قال هذا الذكر، وبعض الناس لا يهتم بهذا، وإنما همه أن يكمل الأشواط، فتراه ينهي السعي بين الصفا والمروة في ثلاث دقائق، فيجب على المسلم أن يعلم أنه لم يأت إلى هذا المكان، ولم ينفق هذه النفقة إلا ليرتقي عند الله جل وعلا، وليعلم أن هذه هي المواطن التي يستجيب الله فيها له، فليقطع المسلم أنفاسه في ساعات قليلة وهو يدعو الله، ويطمع في الكريم، فيدعو الله بخيري الدنيا والآخرة، فإن الله له خزائن السماوات والأرض، ثم بعد ذلك يأتي إلى الجسر مرة ثانية، ثم يدعو طويلاً، ثم يأتي إلى الجسر مرة ثالثة ويدعو، ثم يمضي إلى المروة، وأثناء ذلك عليه بالذكر والاستغفار والدعاء وتلاوة آيات القرآن، فإذا وصل إلى الخط الأخضر أسرع أسراعاً شديداً.
بدون أن يؤذي الناس، هذا بالنسبة للرجال، أما النساء فلا يسرعن وإنما يمشين المشي المعتاد، فالصحيح الراجح أن المرأة تخالف الرجل فليس لها الإسراع، أما الرجل فإنه يسرع حتى يصل إلى الخط الأخضر الثاني، ثم يمشي مشيه المعتاد، فإذا وصل إلى المروة وقف عليها، لكنه لا يقرأ الآية التي قرأها في الصفا، وكذلك في الشوط الثاني أيضاً لا يقرأ هذه الآية، فهي تقرأ في الشوط الأول فقط.
فيسعى سبعة أشواط على هذه الكيفية بين الصفا والمروة، يبدأ من الصفا، وينتهي من الشوط السابع في المروة، ثم يقصر الرجل من شعره، والأفضل الحلق؛ لأن النبي ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين، اللهم ارحم المحلقين، اللهم ارحم المحلقين)، لكن لأن المصالح تتعاظم، فإن القاعدة عند العلماء تقضي بأن نترك المساحة الصغرى للمساحة الأكبر، والمساحة الأكبر أنك تبقى الحلق إلى يوم النحر، فيقصر المرء من شعره على المروة، ويكون بذلك قد تحلل بفضل الله جل وعلا من عمرته، فيبقى في مكة متحللاً، فيجوز له مس الطيب، ومجامعة النساء، وكل شيء حرم عليه حال الإحرام، حتى اليوم الثامن فيهل بالحج.
والتقصير هذا لابد أن يعم كل الرأس؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فرءوس هنا مضاف، وإذا أضيفت عمت كل جزء منها، فلا يصح أن يأخذ من بعض شعره، أو أن يأخذ من هنا وهنا، ولا يعمم التقصير في كل الرأس، ومن فعل ذلك فربما لا يزال محرماً فليرجع وليلبس ثياب الإحرام ويقصر رأسه كله.
أما بالنسبة للمرأة فإنا لا تقصر رأسها أمام الناس، وإنما تصبر إلى أن تذهب إلى بيتها، أو إلى المقر الذي تجلس فيه في مكة، ثم تقصر هناك، وهذا من باب التقوى والورع، فتأخذ شعرها وتجعله في قبضة يديها، ثم تأخذ منه قدر أنملة، أي: قدر الأصبع، فبذلك تكون بفضل الله تعالى قد تحللت وتمت عمرتها.
стр. 343
المكوث في مكة والإكثار من الطاعات بعد تحلل الرجل من العمرة
بعد ذلك: على المسلم أن يجلس في مكة، ويلزمه أن يكثر من الطاعات والاستغفار والصلاة في المسجد الحرام؛ لأن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وهذا خاص بالرجال لا بالنساء، فإن بعض العلماء وقفوا عند قول النبي ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقالوا هذا حديث متفق عليه، أي: في أعلى درجات الصحة، ولكنه ورد عن عمر أنه قال لزوجته: لا تخرجين، قالت: أتمنعني من المسجد؟ فخاف عمر على نفسه، فقال: لا أمنعك لكني أكره، وابن عمر لما سمع ذلك قال: لنمنعهن! إذاً يتخذنه دغلاً، يعني: غيبة ونميمة، وعائشة ﵂ قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما تفعل النساء لمنعهن من المساجد، لكن أقول: السنة ألا تمنع، وقد ورد أن أحد الفضلاء قال لامرأته: لا تذهبي إلى المسجد قالت: أتمنعني؟ قال: لا أمنعك عملاً بحديث النبي ﷺ ، فذهبت تصلي العشاء في الظلام، واختبأ لها خلف شجرة، وغمزها في خاصرتها، فرجعت إلى البيت فقال لها: لم أرك في المسجد.
قالت: فسد الناس، فقال: أما قلت لك تجلسي في بيتك، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، فالنساء عليهن الاهتمام بالحج، فهو الجهاد بالنسبة لهن، كما قال النبي ﷺ لـ عائشة: (جهادكن الحج)، فهي لم تذهب لتصلي في الحرم، وإنما ذهبت لترى شعائر الله وتعظمها، ولتؤدي المناسك.
ويعلم الله أن أشد فتنة رأيتها في الحرم هي النساء، فتجد الرجل يسجد على المرأة، وهي تسجد عليه، وتساوي معه الصفوف، وأخرى مريضة تخلع ثيابها وتغتسل بماء زمزم، وترى الرجل يصلي والمرأة أمامه، فتركع وتسجد أمامه، ثم يأتي الشيطان فيزينها له.
فيجب على المرأة أن تلتزم بقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وإذا ذهبت إلى الحج فإنها تذهب لتؤدي المناسك، ولتعلم أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد الحرام، وخير لها من صلاتها في المسجد النبوي، وهذا ليس قولي، بل قول النبي ﷺ ، فقد ورد عنه أنه قال: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة، ثم قال: وصلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجدي هذا) ونفس الأمر فإن صلاتها في المكان الذي ستنزل فيه خير لها من الصلاة في المسجد الحرام، وهو القائل ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن)، فالأكمل والأصح والأتقى والأورع للمرأة أن تجلس في بيتها، وإنما تأتي لتجاهد في المناسك، وهي بذلك أرفع درجة عند الله من اللاتي ذهبن إلى البيت الحرام فزاحمن الرجال ففتن وفتن.
стр. 344
مناسك يوم التروية
في اليوم الثامن -يوم الترويه- يغتسل الحاج في وقت الضحى، يعني: الساعة التاسعة صباحاً، كما اغتسل في المرة الأولى، ثم يرتدي الإحرام ويقول: لبيك اللهم بحجة، فيدفع إلى منى، والسنة أن يذهب إلى منى قبل الظهر، ويصلي بمنى الصلوات قصراً لا جمعاً، فقد ورد عن جابر وغيره: (أن النبي ﷺ صلى في منى قصراً لا جمعاً)، فيصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، والفجر ركعتين؛ لأنه لا قصر في المغرب ولا الفجر، وأما القيام فإن النبي ﷺ ما ترك قيام الليل سفراً ولا حضراً، فإذا اعتاد المسلم أن يصلي ركعتين في الليل فلا يدعهما يوم منى، فهذه أفضل الطاعات وهذه أفضل الأماكن التي تعظم فيها الطاعة، فيصلي في الليل ما تيسر، ثم ينام إلى الفجر، ثم يقوم ليصلي الفجر، ثم يذكر الله، ويقرأ أذكار الصباح إلى أن تطلع الشمس، فلا يدفع نحو عرفة حتى يرى الشمس، فإن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، أي: ينتظر حتى تطلع الشمس ثم يدفع إلى عرفة، وهذه هي السنة، ولكن من فعل خلاف ذلك فلا شيء عليه، خاصة إذا كان مريضاً أو عاجزاً، فبنيته يكتب له الأجر مضاعفاً.
стр. 345
مناسك يوم عرفة
فإذا طلعت الشمس فعلى الحاج أن يذهب إلى بطن الوادي في عرفة، أو يذهب إلى نمر، وقد ذهب النبي ﷺ إلى نمرة وضربت له الخيمة هناك، فيذهب الحاج إلى المخيم الذي يخصه، ويضع أغراضه فيه، ثم يذهب سريعاً؛ لأن هذه هي السنة، وخلال ذلك يكثر من التكبير التهليل -بل من حين أن يقول: لبيك اللهم بحجة، في اليوم الثامن، لا يقطع التلبية أبداً إلا عند أول حصاة في رمي جمرة العقبة- ثم يذهب إلى نمرة ويصلي فيها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، وذلك مع الناس بعد أن يسمع الخطبة، أما الذين لا يستطيعون أن يذهبوا إلى مسجد نمرة، ولا يسمعون الخطبة فإنهم ينتدبون لهم خطيباً يخطب لهم، فيخطب فيهم ويصلي بهم الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ولكن السنة والأفضل أن يذهب إلى نمرة ويجلس فيها إلى أن يصلي الظهر والعصر فإذا انتهى من الصلاة اذهب إلى عرفة، وخلال ذلك فليلزم السكينة والوقار، فيستغفر الله ويذكره، ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، كما قال النبي ﷺ : (خير ما قلت أنا والنبيين قبلي)، وذكر هذا الذكر.
ويكثر من الدعاء والتضرع لله ، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن ذلك من النصيحة لله، وقد ورد في صحيح مسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)، ولقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره)، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالرفق واللين، فإذا نصح المسلم فليكن هيناً ليناً، فتدعو إلى الله وينصح حتى وإن قيل له: لا جدال في الحج، فليقل قولاً معروفاً، ولا ييأس، والمقصود بلا جدال في الحج: لا جدال على باطل، أما هذا الجدال فهو حق، والنبي ﷺ يقول: (الجدال المنبوذ الجدال على باطل)، أما الجدال على الحق فإنه لا ينتهي إلى يوم القيامة.
ثم بعد ذلك يهذب إلى جبل الرحمة إن استطاع ووجد إلى ذلك سبيلاً -ولا يجب عليه أن يصعد الجبل- فإن لم يستطع أن يصل إلى ذلك فمن السنة أن يستقبل القبلة ويدعو الله بما شاء، والأفضل ألا يقترب من أحد، كامرأته أو ابنه أو أخيه أو غيرهم؛ ليخلو بربه، وهؤلاء قد يشغلوه عن الدعاء والتضرع.
فليدع الله وليتضرع بين يديه.
والنبي ﷺ كان يدعو الله على راحلته، وهذه هي السنة، فلو استطاع أن يحمل كرسياً ليقعد عليه وقت الدعاء فهذا أفضل؛ لأن هذا سيكون أيسر حتى يطيل في الدعاء، فقد كان النبي ﷺ يدعو طويلاً وهو على ناقته، وخطام الناقة يسقط منه فيأخذ بيده والأخرى مرفوعة إلى السماء.
فليدع الإنسان ربه طويلاً، ولا يتوان في الدعاء، فهذا الموقف هو موقف استجابة الدعاء، وموقف المباهاة بعباد الله، وموقف عتق من النيران.
اللهم اجعلنا جميعاً من عتقائك من النار.
стр. 346
المبيت بمزدلفة
ثم تبقى هناك طوال النهار، ولا يجوز لك أن تدفع قبل الغروب، (فقد كان النبي ﷺ يتحين حتى يسقط حاجب الشمس) أي: حتى تغرب الشمس، فتدفع وعليك السكينة والوقار من عرفة إلى مزدلفة، وأثناء الطريق تستغفر الله، وتذكره كثيراً، حتى تصلي المغرب والعشاء في مزدلفة، وهذا هو الأولى لك؛ لأن هذه هي السنة، فقد ورد في الحديث: (أن النبي ﷺ نزل فغسل وجهه، أو استنشق وتوضأ وضوء سريعاً، فقال له أسامة: يا رسول الله! الصلاة، فقال الرسول ﷺ : الصلاة أمانة) يعني: الصلاة في مزدلفة، فالسنة أن تصلي في مزدلفة قدر الإمكان، لكن إذا تأخرت ولم تستطع أن تصلي في مزدلفة إلا بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً -لأن بعض العلماء قالوا: إن وقت العشاء ممتد إلى نصف الليل فقط- ففي هذه الحالة صلي في الطريق أولى لك، وقد كنت أقول: إن الصحيح أن تصلي المغرب والعشاء في مزدلفة ثم لا تصل شيئاً بعد ذلك حتى الوتر، والدليل على ذلك أن جابراً ﵁ وأرضاه -أحرص الناس على حديث النبي ﷺ ، وأروى الناس لحديث النبي ﷺ قال: (صلى النبي ﷺ المغرب والعشاء وترحل -يعني: صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم نام، قال: واضطجع إلى الفجر)، فقد سكت عن الوتر، ولو فعله لنقل جابر ذلك، وفي هذا دلالة قوية على عدم الصلاة بعد المغرب والعشاء في مزدلفة، ولكن مع توحيد النظر أرجع عن هذا القول؛ لأن في حديث جابر نفسه قال: (ثم قام في الفجر، فصلى الفجر وذهب إلى المشعر الحرام فدعا)، فلم ينقل عن النبي ﷺ انه صلى سنة الفجر، وقد أجمع العلماء على أن سنة الفجر لم يكن يتركها النبي ﷺ لا سفراً ولا حضراً، فنعامل سنة الفجر معاملة الوتر؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يترك قيام الليل سفراً ولا حضراً، ولم يترك القنوت سفراً ولا حضراً، فالصحيح الراجح أن المستحب أن يوتر، وإن لم يوتر فلا شيء عليه.
بعد ذلك ينام حتى الفجر، ثم يقوم ويتوضأ ويصلي الفجر، ثم يذهب إلى المشعر الحرام، أما الضعفاء فإنهم يدفعون بعد غياب القمر، فإن وجد مثلاً رجل شديد وامرأته ضعيفة، فيغلب حكم الضعيف، كما في الحديث الثابت في الصحيح عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ رخص للضعفاء، لكن أمرهم ألا يرموا حتى تطلع الشمس) هذا خاص بالرجال، أما النساء فلهن أن يرمين قبل الفجر، والصحيح الراجح جواز الرمي قبل الفجر للكل بعد غياب القمر، أما الشديد الذي يريد أن يستن بسنة النبي ﷺ فإنه يصلي الفجر في مزدلفة، ثم يذهب إلى المشعر الحرام فيدعو الله كثيراً -وهذا أيضا موقف من مواقف استجابة الدعاء- حتى يسفر، أي: يختلط بياض النهار بسواد الليل، حتى يكون البياض هو الذي عم كل السماء، قبل أن يظهر قرص الشمس، ثم بعد الإسفار يدفع مباشرة إلى منى، ولا يلزمه أن يلتقط الحصى من مزدلفة، بل يجوز أن يأخذ الحصى من منى، ولكن إذا تيسر له بعد أن يدعو الله جل وعلا وهو يدفع إلى منى أن يلتقط الحصى فله ذلك، وإذا فعل ذلك فلا يلتقط عدداً كبيراً من الحصيات للأيام كلها، بل يلتقط سبع حصيات فقط، ومن زاد على ذلك فقد خالف السنة، وله أن يأخذ واحدة أو اثنتين احتياطاً إذا خشي أن تضيع منه بعض الحصيات.
стр. 347
مناسك يوم النحر وأيام التشريق
ويذهب ماشياً إلى منى، وعليه السكينة والوقار، ويكثر من التلبية والتكبير -ولا تكون التلبية جماعية، فإن ذلك من الأخطاء التي يقع فيها الحاج- فيلبي ويكبر ويستغفر ويذكر الله حتى يصل إلى جمرة العقبة، فيرمي السبع الحصيات، وطريقة وقوفه عند رمي الجمرات أن يكون صدره مقابل العمود الذي في الحوض، فتكون مكة عن يساره ومنى ومسجد الخيف عن يمينه، فـ ابن مسعود -بعدما فعل ذلك قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
فيرمي سبع حصيات كالحصى الخذف، يعني: هذه الحصى تكون كالحمص أو فوق الحمص قليلاً، ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية عند رمي أول حصاة، وليعلم أنه لا يرمي الشيطان، ولا يرمي أحد، وإنما هذا منسك من مناسك الحج.
فيجب على الحاج أن يقف الوقفة الصحيحة، ويرمي ولا يسأل أحداً بعد ذلك بأن الحصيات لم تقع في الحوض، أو نحو ذلك، فإن الله جل وعلا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهذه هي استطاعتك، إلا إذا كان هذا الحاج مستيقناً أو غلب على ظنه أن واحدة من الحصيات لم تنزل في الحوض، أو أنها ضربت في الشاهد وخرجت -لكن لو ضربت في الحوض ثم خرجت فهذه صحيحة- ففي هذه الحالة عليه أن يعيد رمي هذه الحصاة.
فإذا رمى فليذهب لينحر، أو يشهر النحر -ووقت النحر يمتد إلى ثالث أيام التشريق- ثم يذهب إلى الحلاق فيحلق.
وهذا الترتيب هو الترتيب السني بالنسبة للتقديم والتأخير، وقد جمعوا هذا الترتيب السني في هذا اليوم بكلمة (رنحط)، يعني: رمي ثم نحر ثم حلق ثم طواف، أي: طواف الإفاضة، وهذا الترتيب هو الأفضل لمن استطاعه، أما الذي لا يستطيع ذلك فلا شيء عليه إن قدم أو أخر؛ لأن النبي النبي ﷺ (جاءه أحدهم يقول: طفت قبل أن أنحر، قال انحر ولا حرج، وجاء آخر فقال: سعيت قبل أن أطوف، فقال: طف ولا حرج، وآخر قال: رميت قبل أن أحلق، فقال: ارم ولا حرج) فالنبي ﷺ ما سئل عن شيء قدم أو أخر في هذا اليوم إلا وقال: (افعل ولا حرج)، فأي إنسان يرى أن السهل عليه أن يسعى قبل أن يطوف فليسع، أو أن يطوف قبل أن يسعى فله ذلك.
ثم بعد ذلك إذا فعل هذه الثلاثة يكون قد تحلل، بل يقول بعض أهل العلم: إن الرمي وحده يكفي في أن يتحلل بذلك، أما جمهور الفقهاء فإنهم يرون أنه لا بد أن يرمي ثم يحلق أو يطوف حتى يتحلل، والأحوط -خروجاً من خلاف الفقهاء- هو أن يرمي ويحلق، ثم بعد ذلك يغتسل ويتطيب قبل أن يطوف؛ لأن عائشة ﵂ قالت: (وكنت أطيبه بعد أن يحل قبل أن يطوف بالبيت)، فيتطيب ويغتسل ويحل له كل شيء إلا النساء، وهذا هو التحلل الأول فإذا طاف بالبيت سعى بين الصفا والمروة، وهذا واجب، كما قالت عائشة ﵂ وأرضاها: إنه لا حج لمن لم ير السعي بين الصفا والمروة، ويخالف طواف الإفاضة مع السعي، طوافَ القدوم، في الرمل والاضطباع، فإنهما خاصان بطواف القدوم أو العمرة، أما طواف الإفاضة فلا رمل ولا اضطباع فيه، فيمشي ويقول ما قلنا في طواف العمرة من الأدعية والأذكار، فإذا فعل ذلك حل له كل شيء، وهذا يفعله وجوباً، والواجب هو الذي لو ترك سهواً أو نسياناً فلا شيء على صاحبه، كما لو كان يمشي بالسيارة ولم يصل إلى منى إلا فجراً، فهذا ليس عليك شيء، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ويقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فالمحظورات هذه من ارتكبها بخطأ -بدون عمد- أو بسهو أو بنسيان فلا شيء عليه.
ثم في اليوم الثاني -يوم الحادي عشر، وهو أول أيام التشريق- فالسنة أن ينتظر حتى الزوال ثم يرمي، وهذا أيضًا وجوباً، وقد يفتي البعض بأنه يجوز أن يرمي بعد الفجر، أو بأي وقت قبل الزوال، ويحتج هؤلاء بأن ديننا يسر، فأقول صحيح أن ديننا يسر، وأن النبي ﷺ تصفه عائشة ﵂ فتقول: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، ولكنه قد بين ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقف عند الجمرة يتحين الزوال، فإذا زالت الشمس رمى) فلو كان الأيسر على الأمة أن يكون الرمي قبل الزوال لرخص النبي ﷺ فيه، وكون النبي ﷺ يتحين وقت الزوال، فإن ذلك يعني أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال، أما الإحتجاج بعدم القدرة وخاصة النساء والشيوخ، وذلك بسبب كثرة الناس.
فالجواب عليه أن الرمي لا يختص بوقت الزوال فقط، وإنما يمتد إلى فجر اليوم الثاني، وبذلك يكون الإنسان قد عمل بالسنة، وأمن على أهله وولده، ورمى وهو يستشعر أنه طائع الله جل في علاه.
ومن السنة أيضًا أن ينزل بعد أن يرمي إلى مكة ويطوف بالبيت ثم يرجع يبيت في منى، إن استطاع إلى ذلك سبيلا، فإذا لم يستطع فله أن يجلس في منى الثلاثة الأيام، إن أراد التأخير -وهو الأفضل- قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].
فإذا تأخر إلى اليوم الثالث رمى أيضًا بعد الزوال، ويجوز أن يرمى عن الأولاد وعن الزوجة أيضًا إن لم تستطع، فمن فعل ذلك في اليوم الثالث فقد تم حجه، وقضى تفثه، وأتم السنن والمستحبات والواجبات.
ويبقى أن ننبه على أمر قد أمرنا به النبي ﷺ ، ففي حديث ابن عباس أنه قال: (أمر الرسول ﷺ الحاج أن يكون آخر عهده بالبيت)، فطواف الوداع لا يجوز تركه، ومن تركه فعليه دم.
هذه إجمالاً أحكام الحج جميعاً، وصلنا إلى نهايتها، ونسأل الله أن يلهمنا الإخلاص، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
стр. 348
شرح مناسك الحج للنساء [١]
الحج ركن من أركان الدين، ومعلم من معالمه، وأساس من أسسه، فهو أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إلا بها، وقد رغب فيه الإسلام، وحث عليه، من أجل ذلك كان لابد على المسلم أن يتعلم أحكام الحج وكيفيته، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى، وإن كان هناك بعض المسائل التي يختلفان فيها نظراً لطبيعة كل منهما.
стр. 349
أعمال يوم التروية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن أهم مناسك الحج تبدأ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة.
стр. 350
الاغتسال يوم التروية
من السنة أن يغتسل الحاج غسل الجنابة وتغتسل المرأة غسلها من الجنابة، ثم ترتدي ما شاءت من الثياب؛ لأنه ليس محظوراً عليها شيء من الثياب، سوى النقاب والقفاز، فالمرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين.
فتغتسل هذا الغسل، وتتطيب، والطيب قسمان: قسم له رائحة لا يجوز للنساء استعماله، فهو خاص بالرجال.
وقسم له عين وليست له رائحة فيجوز لهن.
والمرأة إذا أرادت أن تلتمس السنة، وتصيبها فلتطيب بطيب ليس له رائحة بحال من الأحوال، تعبداً لله جل وعلا، بالتمسك بالسنة.
стр. 351
التلبية يوم التروية
بعد أن تغتسل تتمهل يسيراً، ثم تلبي من مكانها قائلة: لبيك اللهم بحجة.
وبعد أن تلبي بذلك تردفها بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك، فتلبي هذه التلبية، وتخفض صوتها بحيث تسمع نفسها؛ لأن المرأة كلها عورة، فلتتق الله ولتخفض صوتها؛ حتى لا تفتن الرجال.
стр. 352
الدفع إلى منى وقصر الصلاة فيها
فإذا لبت المرأة فلتدفع بإذن الله قبل الزوال إلى منى، فمن السنة أن تدرك وقت الظهر عند الزوال في منى، فتصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاثاً -لأن المغرب لا يقصر- والعشاء ركعتين، كما فعل رسول الله ﷺ ، فإن كان للمرأة ورد من الليل فعليها أن تأخذه قبل الفجر، فإن نسيت فلتقم في النهار، وإن لم يكن لها ورد فحري بكل امرأة جاءت إلى هذه الأماكن المعظمة متمسكة متعبدة لله جل وعلا أن تجعل لها فرصة من الليل تقوم فيها ولو بركعتين، بما تحفظ من الآيات، وما تيسر لها، فتكون قد أحيت ليلها وأرضت ربها، ثم بعد ذلك تصلي الفجر مع الناس جماعة، ثم تذكر الله جل وعلا بأذكار الصباح التي تحفظها، ولتحافظ على الأذكار المؤقتة التي كان لا يتركها النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ لما جاءه رجل -كما في المسند بسند صحيح- فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأوصني وأوجز لي، فقال له النبي ﷺ : (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، وقد ورد حديث في شعب الإيمان بسند ضعيف، قال: (اذكر الله حتى يقال: إنك مجنون).
فترطب القلوب بذلك وتثبت بإذن الله، ومن اعتاد على الذكر في حال رخائه أتاه الفرج من عند ربه جل وعلا وقت الشدة، ويثبت عند الموت، ويقول: لا إله إلا الله.
وبعد أن تنتهي من أذكار الصباح فإن كان لها ورد من القرآن فلتقرأه، حتى تطلع الشمس.
стр. 353
الدفع إلى نمرة
فإذا طلعت الشمس فلتدفع إلى نمرة، وهذه هي السنة، فقد كان النبي ﷺ يتنفل حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت دفع إلى نمرة، فلما وصل إليها ضربت له خيمة في نمرة فنزل فيها.
هذه هي السنة، ولكن مع الازدحام الشديد في هذه الأزمنة لا يستطيع الإنسان أن يطبق هذه السنة، فإذا أرادت المرأة السنة فلتخبر محرمها أن يذهب بها إلى نمرة؛ لأن هذه هي السنة، وإن لم تستطع، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فليس بواجب، ولا لازم عليها، ولكنها سنة مستحبة، فإذا أرادت أن تحج كما حج النبي ﷺ فلتذهب إلى نمرة ولتجلس إلى الزوال.
стр. 354
الدفع من نمرة إلى عرفة
فإذا زالت الشمس عن كبد السماء، واقترب وقت الظهر فلتدفع من نمرة إلى عرنة، ولتجلس في عرنة ولتسمع الخطيب، ثم بعد الخطبة يؤذن للصلاة، ثم تقام صلاة الظهر، فتصلي ركعتين، ثم الإقامة الثانية للعصر، فتصلي العصر ركعتين جمع تقديم لا تأخير، وبعد صلاة الظهر والعصر تستحضر في قلبها الخشوع والذل التام لله جل وعلا، والمقام مهيئاً لذلك، فإن المرء إذا لبس إحرامه الذي هو إزار ورداء علم أنه سيكفن في مثل هذا، فهذا يهيئه تهيئة تامة، والمرأة لها أن تتذكر ذلك فهي تصلي وترى الرجال الذين يرتدون هذا اللباس، فتتذكر أن هذا كفن، وتتذكر الموت، وتخضع وتذل لكبرياء الله، ولعزته وجبروته وقدرته، فتذرف العين دامعةً لله جل وعلا، ويرق القلب شوقاً لرؤية وجهه الكريم ، وتستحضر في قلبها بأن الله سيباهي بها الملائكة.
стр. 355
آداب الدعاء
ولتعلم أن المحل محل دعاء، وعلى المرأ أن يقدم بين يدي دعائه آداب كثيرة:
следующие страницы →