← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كيفية مواجهة مثل هذه الشبهات ودعاتها إن الذي يدور حوله الناس في هذا العصر هو هدم هذه المعالم الدينية، وهدم هذه الثوابت والأصول؛ حتى لا يكون هناك دين ولا هوية إسلامية يتمسك بها، ولا يمكن مواجهة مثل هذه الشبهات بالسيف أو الثورات الحماسية أو القتل، فإنك إن فعلت ذلك أتيت بمفاسد أعظم، وقد تعلن راية لا تعرف صحة منهج هذه الراية؛ لذلك فإن مواجهة هؤلاء تكون بإظهار عوارهم، والرد عليهم بالحجة، وأن تبين عطب ما هم فيه من فكر، وتبين للناس أن هؤلاء من الجهل بمكان، وأنهم ما يريدون إلا فعل إبليس وهو التلبيس على الناس، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]. فأنت إن لم تكن راسخاً في العلم فلا تستطيع أن تقف، وهذه أيضاً من تلبيسات الشيطان، إذ يلبس على أناس فيهم من الخير العميم ما هو فيهم، وهم من المجتهدين في طلب العلم، فيدعوهم إلى التقاعس من الطلب، أو الانسلاخ من بعض الطلب، فيلبس عليهم، ويقول: السؤالات كثيرة تكرارات هي مسائل نظرية وليست عملية، وهذا هو تلبيس إبليس، إذ يجعل المجد الذي تظن فيه أنه يحمل الراية يتقاعس مرة تلو المرة، فيجعله يكثر من الأسئلة والنقاشات الكثيرة حتى يمل منها فيتقاعس، فيبقى على ما هو عليه، فتأتيه الفتن فلا يستطيع أن يقف أمامها. فلابد للإنسان أن يتقي الله ربه، وأن يتقن الطلب، وأن يثبت أمام هذه الشبهات.

стр. 37

بعض الشبهات التي يقولها بعض الناس حول الردة لابد من سرد بعض الشبهات حول هذه المسألة، منها قول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وهذه آية عامة، ولا يمكن لأحد أن تكرهه على الدين بنص الآية، فلا يجوز لك أن تكره أحداً على الدخول في دين الإسلام، فالناس أحرار، فمن وجد أن دين الإسلام دين عصبية، فخرج منه إلى دين اليهود والمجوس فأنت ليس لك أن تقتله؛ لهذه الأية. وأيضاً قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وقول الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، فانظروا إلى هذا التأصيل الباطل الذي يوحيه الشيطان. وقالوا: إن دلالة القرآن قطعية، وحديث (من بدل دينه فاقتلوه)، دلالته ظنية، وإذا تعارض القطع مع الظن فلا بد من تقديم القطع على الظن، وهذا في الحقيقة حق أريد به باطل. ومن الشبه الأخرى أيضاً قالوا: إن النبي ﷺ ارتد في وقته وفي حينه أكثر من شخص ولم يقم عليهم حد الردة، وهذا فيه دلالة على أن النبي ﷺ لا يرى أن هذا حد، إذاً فهذه المسألة من عمر وأبي بكر هي مسألة اجتهاد ولي الأمر. وهناك شبهة أخرى، حيث قالوا: إن حديث: (من بدل دينه فاقتلوه)، من رواية عكرمة عن ابن عباس، وعكرمة كذاب كما قال ابن المسيب، فهو مقدوح فيه ومجروح، وقد وهم البخاري حين رواه عن عكرمة. وقالوا: إن الإمام مسلم رفض الرواية عن عكرمة وهذه شبهة من أقوى الشبهات؛ إذ إن مسلم بن الحجاج النيسابوري مفخرة المسلمين في رواية الحديث، وقد عضد الإمام مسلماً في رفضه لرواية عكرمة الإمام مالك، فقد طرح رواية عكرمة، فقالوا: نحن نرد الحديث؛ إذ الحديث عندنا فيه شبهة فلا يمكن أن نأخذ به، إذاً فلا دليل على حد للردة في القرآن ولا في السنة، ونحن نعرف أن هناك أناساً ارتدوا، وهناك أناس قتلوا فيها بسبب الردة، لكن هذا اجتهاد فقهاء، والفقهاء رجال قد يقبل اجتهادهم أو يرد. وهكذا انقطع هذا الدين بإسقاط حد من حدود الله، وكل ذلك بسبب هذه الشبهات والتلبيسات التي تحدث، والأحناف أيضاً يقولون بذلك. فالحاصل: أن هذه المسائل لا يمكن أن يقف أمامها صاحب دين وعبادة وزهد فقط، بل لا بد أن يكون صاحب علم، وهذا من فضل العالم على العابد، ومن فضل مجالس العلم على غيرها، وسنبين أيضاً أننا في حاجة ماسة لعلم التفسير؛ بسبب هذه المسائل التي يدخلون علينا بها.

стр. 38

معنى الردة لغة واصطلاحاً وبيان عظم خطورتها من الكتاب والسنة الردة لغة: الرجوع، واصطلاحاً: الرجوع عن دين الله جل في علاه، والردة أمر عظيم جداً يبغضه الله جل في علاه ويبغضه رسوله ﷺ ، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، منها: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، أي: أنه لا يضر الله شيئاً ولا يضر صحابة رسول الله ﷺ شيئاً، ولا يضر عامة المسلمين شيئاً، بل يضر نفسه، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، إذاً: فالذي يرتد لا يحب الله ولا يحبه الله جل في علاه. وأيضاً يقول الله جل في علاه زاجراً ومخوفاً من يرتد عن دينه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، نعوذ بالله من هذا الخذلان.

стр. 39

ذكر بعض أبواب الردة إن أمر الردة أمر فظيع ذمه الله جل في علاه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وأبواب الردة كثيرة جداً، فمنها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، فسب الله باب من أبواب الردة عن دين الله، فمن سب الله فقد كفر، ولا يمكن أن يرجع لدين الله إلا بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتوب من ذلك. وكذلك سب رسول الله ﷺ ، ودع من قال: هذا سوء أدب، أو بعض المتأخرين الذين حاولوا أن يبينوا أن هذا من دأب القوم، والقوم يفعلون ذلك من سوء أدبهم، فإن هذا الأمر لا مدخل فيه؛ لأنه سياج قوي، فمن سب رسول الله فقد كفر. وكذلك إنكار معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار شرب الخمر، وكإنكار فرض الصلاة، وكإنكار الحجاب، ومعنى المعلوم من الدين بالضرورة: أنه لا يحتاج إلى نظر، ولا يحتاج لبحث ولا اجتهاد، فإنكار المعلوم من الدين بالضرورة ردة عن الدين أيضاً، وهناك أمور أخرى مختلف فيها لا ندخل فيها، فهذه أمور مهمة جداً تثبت لك أن هذا من الردة وسب الدين يدخل مع سب الله وسب رسوله ﷺ ، فكل هذه الثلاثة خروج من الملة، ولا يحتاج في ذلك إلى إقامة الحجة وإزالة الشبهة. ومن أبواب الردة أيضاً: تكذيب الله جل في علاه، وهو يدخل في سب الله جل في علاه ورد حكمه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.

стр. 40

اختلاف العلماء في كون حد الردة من المعلوم من الدين بالضرورة إن حد الردة من دين الله جل في علاه، فمن رده دون تأويل فإنه يدخل في هؤلاء، لكن من رده بتأويل فإنه لا يكون منهم، لكن يناقش ويناصح وينكر عليه ما قال، ونقول له: أنت على خطر عظيم، فحدّ الردة من الثوابت لكن لا يعتبر من المعلوم من الدين بالضرورة؛ لأن الأدلة عليه فيها أخذ ورد، فحد الردة من الثوابت، وتكذيب الله من الردة، لأنه معلوم من الدين بالضرورة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].

стр. 41

ثبوت حد الردة بالسنة والإجماع إن حد الردة أيضاً ثابت بالإجماع، والذي يرد الإجماع يكفر، لكن الإشكال أن بعض علمائنا من أهل الأصول قالوا: راد الإجماع يكفر إذا كان الإجماع يستند إلى دليل قطعي، وأما إذا كان يستند إلى دليل نظري ففيه نظر؛ لذلك فالمسألة فيها أخذ ورد. إذاً: فحد الردة ثابت بالسنة وبالإجماع، فأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على أن من سب رسول الله فإنه يقتل، وهذا نقله ابن المنذر في الإجماع، وكتب الأئمة الأربعة تعج بذلك، فبالاتفاق أن من سب رسول الله يقتل، فما بالكم بمن سب الله؟! وكذلك سب دين الله جل في علاه؟! أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، فالإجماع منعقد على حد الردة، وأن الذي يرتد عن دين الله يقتل. وأما السنة: فقد ثبت في الحديث المتفق عليه أن أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن ردءاً لـ أبي موسى الأشعري، فدخل معاذ على أبي موسى فقال: يا أيها الناس! إني رسول رسول الله إليكم، وأبو موسى يعلم منزلة معاذ، حيث إن معاذ أعلم الأمة بالحلال والحرام، كما قال النبي ﷺ : (أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ)، وقال النبي ﷺ : (يأتي معاذ يوم القيامة يسبق العلماء برمية حجر)، أي: يتقدم العلماء وأبو موسى الأشعري يعلم مكانة معاذ، فألقى له وسادة وقال: اجلس فهذا مكانك، فأوتي معاذ قبل أن يجلس برجل مكبل، فقال: من هذا؟ قالوا: يهودي دخل الإسلام ثم ارتد عن دين الله جل في علاه، فقال معاذ: (ارتد بعد إسلامه؟ قالوا: نعم، قال: والله لا أقعد حتى يقتل)، فـ معاذ لم يعلم قتل المرتد إلا من النبي ﷺ ، ويتضح ذلك من قول معاذ لـ أبي موسى: (والله لا أقعد حتى يقتل، فما قعد حتى قتل، فقال معاذ: هذا قضاء الله) أي: هذا قضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ . ووجه الدلالة منه: أن معاذاً ﵁ نسب القتل إلى أنه قضاء الله، وهو ليس بكاذب ولا متأول ولا متنطع وحاشاه، بل هو صحابي من صحابة رسول الله لا يتحرك إلا بإشارة من رسول الله، ولا ينفذ حكم القتل إلا بشرع من الله ومن رسوله ﷺ ، فقال: قضاء الله، وهو لا يوحى إليه، إذاً: فعندما ينسب القضاء إلى الله فهو عن طريق النبي ﷺ ، وهذا حديث متفق عليه لا يستطيعون الكلام عليه، وقد رواه بقية الجماعة أيضاً. ومن الأدلة في السنة: حديث عكرمة عن ابن عباس قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا حديث له قصة لطيفة جداً، وهي: أن علي بن أبي طالب جاءه أناس فقالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فأقام عليهم الحجة وقال: اتقوا الله إني بشر مثلكم، إني آكل كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، ثم تركهم يوماً، ثم رجعوا فقالوا: أنت خالقنا ورازقنا، فأجج النار فأحرقهم بالنار،؛ لأنهم ارتدوا عن دين الله، وادعوا الألوهية لـ علي فلما بلغ ابن عباس ذلك قال: لو كنت مكانه ما فعلته، إن الله هو الذي يعذب بالنار، (ونهى النبي ﷺ أن يعذب أحداً بعذاب الله جل في علاه)، قال رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فإذاً: حكمهم القتل لا الحرق، والحديث ثابت عن النبي ﷺ ؛ لأنه في البخاري وفي السنن الأربعة. ومن الأمثلة في السنة: حديث مسلم قال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث)، ثم ذكر من الثلاث: (التارك لدينه المفارق للجماعة). ومن السنة أيضاً: ما أورده أصحاب السير، وهذا الحديث معول على إمرار الحافظ ابن حجر له دون بيان القدح فيه، قال: ذكر أهل السير أن النبي ﷺ قتل امرأة ارتدت عن دين الله جل في علاه. وهذا الحديث سيكون لنا فيه وقفة في الرد على الشبهات حوله بفضل الله. ومن السنة أيضاً: أن أبا بكر ﵁ وأرضاه قيل له: إن امرأة ارتدت وارتد من ارتد من العرب، فأمر زيد بن ثابت فقتلها. كذلك قتل رجل على عهد عمر ﵁ وأرضاه كان قد ارتد، فقتلوه قبل أن يستتيبوه، فجاء رجل يخبر عمر، فقال عمر: أما أطبقتم عليه بيتاً ثم أطعمتموه في كل يوم رغيفاً حتى يرجع إلى الله، فإن لم يرجع فاقتلوه، اللهم إني لا أرضى ولا آذن. يعني: لا آذن أن يقتل من غير استتابة. وكذلك عثمان بن عفان، فقد جاء بسند صحيح أن امرأة ارتدت في عصر عثمان فأمهلها ثلاثاً، فلم ترجع لدين الله فقتلها. إذاً فحد الردة ثابت بآثار عن الصحابة ﵃ كما هو ثابت عن النبي ﷺ ، وهذه الآثار ثابتة عن الخلفاء الأربعة، فهذا فعل أبي بكر وفعل عمر وفعل عثمان وفعل علي، فهي سنة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، فهو إجماع وسنة ثبت به حد الردة فأبى علينا المرجفون إلا أن يقولوا: لا ردة في الإسلام، ولا حد في الردة، واستدلوا بأدلة على ذلك، وأول هذه الأدلة التي استدلوا بها قول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، قالوا: وهذا تخيير من الله جل في علاه. واستدلوا أيضاً بقصص عجيبة منها: أن هجرة الحبشة الأولى تنصر فيها اثنان ممن هاجروا إلى الحبشة بعدما كانوا على الإسلام، وما أقام عليهم النبي ﷺ الحد. قالوا: وفي المدينة كان حصين له ابنان تنصرا فأراد أن يقتلهما، فقال له النبي ﷺ : اتركهما ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فاستدلوا بهذا على أن النبي ﷺ تركهما ولم يقتلهما. ومن الشبهات التي ذكروها أيضاً أن هذه الآيات قطعية في الدلالة، وأما الأحاديث فظنية الدلالة، والقطع إذا تعارض مع الظن فإنه يقدم على الظن. ومن الشبهات أيضاً: أن النبي ﷺ ما أقام حداً بحال من الأحوال، فلما لم يقم النبي ﷺ حد الردة فليس بثابت. ومن الشبهات أيضاً: أن هذا من اجتهاد الفقهاء، والفقهاء رجال يقبل منهم ويرد. ومن الشبهات أيضاً: التشكيك في حديث عكرمة: (من بدل دينه فاقتلوه)، فقالوا: إن عكرمة متهم، وكفى أن الإمام مسلم ترك الاحتجاج به. ومن أعظم الشبهات قولهم: جاء حديث النبي: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الحكم إذا علق على شرطين وعلتين فلا يكون الحكم إلا بوجود الشرطين والعلتين، قالوا: وهذا الحديث قد ذكر شرطين وعلتين فلا حد للردة إلا بشرطين اثنين: الشرط الأول: التارك لدينه، إذاً: فالردة انفراداً لا حد فيها، والمفارق كذلك لابد له من علة أخرى وهي الردة عن دين الله. وكذلك قالوا: إن المفارق للجماعة معناه: أنه يفارق الجماعة بعدما كان في وطن المسلمين وهو مسلم بينهم وارتد وبدل وذهب وناصر أهل الكفر على أهل الإسلام، فهذا هو الوحيد الذي عليه حد؛ لأنه فارق الجماعة إلى جماعة الكافرين، وحتى في هذه الحالة لم يقولوا: هذا حد ردة، بل قالوا: هو محارب، والمحارب يقتل. أي: لا يوجد ردة أيضاً.

стр. 42

الرد على الشبهة الأولى وهي احتجاجهم بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) الرد على الشبهة الأولى وهي قولهم: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ﴾ [البقرة:٢٥٦] أن نقول: إن هذه الآية فيها ستة أقوال عند المفسرين: فمنهم من قال: هذه الآية منسوخة، وهو أن النبي ﷺ قد قاتل العرب على الدين فأكرههم على الدين. والتفسير الثاني: أنها باقية، لكنها خاصة بأهل الكتاب، يعني: لا تكرهوا أهل الكتاب على الدين، ولكن خذوا منهم الجزية إن دفعوها، وغير أهل الكتاب فاقتلوهم وأكرهوهم على الإسلام على قول الجمهور، لكن الإمام مالكاً يرى أن الجزية تؤخذ من اليهود والنصارى والكفار عامة. التفسير الثالث: أنها خاصة في امرأة نصرانية كانت كلما أنجبت مات ابنها، فانتظرت الإنجاب لتجعله يهودياً أو نصرانياً، فلما جاء الإسلام وقد جعلت الولد يتنصر أرادت أن تكرهه على الإسلام، فنزلت هذه الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: إن أحب الإسلام دخل فيه وإن لم يحب الإسلام لا يدخل فيه. وهذا قول ابن عباس، وقال القرطبي وهذا أوجه ما يقال في هذه الآية؛ لأن هذا قول بحر الأمة وحبرها الذي علم التأويل والتفسير، وهذا لا يمكن أن يكون من بنات أفكاره، بل هو مرفوع، وهذا هو سبب النزول وفيه نظر، لكنه أقوى الأقوال. التفسير الرابع: أن الآية فقط إرشاد إلى أنه ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: أن الدين واضح جلي وكله براهين، والعقل السليم السديد يقبله، ولا يمكن أن يكره على أن يدخل فيه صاحب القلب الصادق النقي، ولم تتعرض الآية لا لسيف ولا لقتال ولا لغيره، وهذا ترجيح السعدي، وهذا كلام من الجودة بمكان. فهذه التفاسير كلها لا تثبت ما قالوه ولا ما زعموه. وقولهم: إن قول الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] يعارض (من بدل دينه فاقتلوه)، فقدموا الآية على الحديث؛ لأن الآية قطعية الدلالة، والحديث ضد الدلالة، الرد عليهم فيه من وجوه: الوجه الأول: استدلالكم بالآية على الإسلام وغير الإسلام: فالمسلم الذي يرتد لا إكراه عليه، والكافر الأصلي لا إكراه عليه، هذا استدلال بالعموم، لكن قول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) خاص، وباتفاق أهل الأصول أنه لا تعارض بين عام وخاص، فإذا وجد العام والخاص قدم الخاص على العام، إذاً: فنقدم هذا الحديث (من بدل دينه فاقتلوه) على الآية، فهذه الآية يعمل بها في دائرتها كلها إلا في الإسلام، فلا نكره اليهودي على دخول الإسلام، ولا نكره المجوسي على دخول الإسلام، ولا نكره عباد البقر وغيرهم على دخول الإسلام، ولا نكره النصراني على أن يدخل الإسلام، فإن شاء أن يكفر فليكفر، وإن شاء أن يؤمن فليؤمن، وأما المسلم -خصوصاً إذا دخل الإسلام- فلا؛ حتى لا نفتح باباً للمنافقين والذين يريدون أن يشوشوا على هذا الدين، فهذا هو دأب الكافرين قال الله تعالى مبيناً أن هذا هو دأب الكافرين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢]، وعلة هؤلاء حين يفعلون ذلك أن يرتد المسلمون عن دين الله، فلا نفتح الباب لمثل هؤلاء. إذاً: فنقول: هذه حالة خاصة في المسلمين فقط، فمن كان مسلماً فلا بد أن يكره على دين الإسلام ويبقى عليه ولا يخرج منه، وإن خرج فدمه حلال كما بين النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن ذلك الاستدلال غير صحيح، بل الآية التي يحتجون بها خاصة بالكافرين وليست في المسلمين، فإن أفضل التفاسير هو تفسير القرآن بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فالسياق والسباق يفسر لنا أن هذا أمر من الله لمحمد ﷺ أن يقول لأهل الكفر: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. إذاً: فالسياق يبين لنا أن هذه الآية ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، كقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وأنهما في الكفار، فالسياق يبين أنها خطاب للكفار وليست خطاباً للمسلمين الذين ارتدوا، فالآيتان خاصتان، والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ لما قام لأهل مكة قال: لكم دينكم)، فيخاطب الكفار، فالآيتان خاصتان بالكفار، والأحاديث خاصة بالمسلمين فلا تعارض بحال من الأحوال. وقولهم: الدلالة القطعية تقدم على الدلالة الظنية، نقول: هذا حق أريد به باطل؛ لأنه لا تعارض، فالآيات عامة والأحاديث خاصة فتقدم، أو الآيات خاصة بالكافرين، والأحاديث خاصة بالمسلمين فلا تعارض، فلا يقدم قطعي على ظني، ولا بد أن نأخذ بهذا الحديث.

стр. 43

الرد على الشبهة الثانية وهي تنصر رجلين ممن هاجر إلى الحبشة وعدم قتل النبي لهما إن النبي ﷺ بعدما حدث الظلم على المسلمين، والتعذيب الشديد والتنكيل بمن رفع راية لا إله إلا الله أمرهم بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن فيها رجلاً صاحب عدل لا يظلم عنده أحد، وكان يدعى النجاشي ﵁ وأرضاه، فلما هاجروا تنصر رجلان من المسلمين، ولم يقتلهما النبي ﷺ . والرد على ذلك: أن هجرة الحبشة عندما كان النبي ﷺ في مكة، وكان هذا قبل التشريع، وكل الآيات المكية التي نزلت لا تقرر أحكاماً، بل تعلم التوحيد وتعلم الإيمان وتزيده، فلما تنصر هذا وذاك لم يرد التشريع في قتلهما، فلا حجة للقائلين: إنه لا حد على الردة.

стр. 44

الرد على الشبهة الثالثة وهي تنصر ابني حصين وعدم قتل النبي لهما وأما شبهة تنصر ابني حصين وكان النبي ﷺ في المدينة، فأراد حصين قتلهما فقال له النبي ﷺ : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. والرد على هذه الشبهة أن نقول: ثبت العرش ثم انقش، فهذه الرواية من رواية السدي الصغير وهو كذاب لا يؤخذ منه شيء، فروايته مهلهلة، فإذا كانت مهلهلة فلا يحتج بها، ولن يستطيعوا أن ينقشوا حتى ولو ثبتوا العرش، فإذا قلنا: إن النبي لم يقتل فقد خالف قوله فعله؛ حيث إن النبي ﷺ لم يقتل عبد الله بن أبي بن سلول وهو قد سبه وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتله النبي ﷺ ، وقام رجل أبله سفيه وقال لرسول الله: اعدل فهذه قسمة لا يراد بها وجه الله، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فلم يقتله النبي ﷺ . فالنبي ﷺ جعل هذه حالات خاصة حتى لا يتحدث الناس في مقتبل الدعوة وعند تأسيس الدولة الإسلامية أن محمداً يقتل أصحابه، ولذلك قلنا: إن المصالح هي التي جعلت عمر لا يقيم الحد على الناس؛ لأن هناك مقاصد شرعية، فالنبي ﷺ امتنع عن القتل وإقامة حد الردة من أجل ألا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، فيفر الناس من دين الله بدلاً من أن يدخلوا في دين الله أفواجاً.

стр. 45

الرد على الشبهة الرابعة وهي قولهم: إن النبي لم يقم حد الردة على أحد الشبهة الرابعة: قالوا: لم يقم النبي ﷺ الحد. والرد على هذا القول من وجوه، الوجه الأول: قد أقام النبي ﷺ الحد، فقد نقل الحافظ ابن حجر في السير أن النبي ﷺ أقام حد الردة على امرأة بعدما أمهلها ثلاثاً. الوجه الثاني: أن رواية لم يقم النبي ﷺ الحد، رواية ضعيفة، ولو قلنا: لم يفعل النبي ﷺ ذلك، فقد قال ذلك، وقول النبي ﷺ يقدم على فعله، بل قول النبي تشريع، كما أن فعل النبي تشريع، وقول النبي أقوى في التشريع، وقد قال: (من بدل دينه فاقتلوه). فإن قالوا: لا نقبل هذا الحديث، قلنا: معاذ ﵁ وأرضاه قتل رجلاً ارتد، ولم يفعل ذلك معاذ إلا بدليل، وهذه تسمى سنة تقريرية. فإن قالوا: إن النبي ﷺ لم يعلم ذلك، قلنا: قد علم رب محمد ذلك، فلو كان هذا من الخطأ بمكان لأعلمه النبي ﷺ ؛ لأن رب السماوات والأرض هو الذي يشرع، وقد اطلع على ما فعل معاذ، فقد أقر رب معاذ فعل معاذ قبل أن يقر رسول الله ﷺ فعل معاذ، فكانت سنة تقريرية.

стр. 46

الرد على الشبهة الخامسة: وهي قدحهم في رواية عكرمة الشبهة التي بعدها هي قولهم: إن عكرمة لم يرو عنه مسلم والرد عليهم: أن عدم رواية مسلم لـ عكرمة ليس قدحاً في عكرمة؛ لأنه قد روى له شيخه وسيده البخاري باتفاق العلماء وبإجماع أهل العلم، واعترف مسلم نفسه أن البخاري سيده، وذلك عندما دخل على البخاري يسأله عن حديث فقال البخاري: هذا الحديث فيه علة، فقال مسلم: أخبرني، فلم يخبره البخاري حتى كاد مسلم أن يبكي ويموت كمداً؛ لأنه لم يخبره عن العلة، ثم قال: أخبرني عن العلة فأخبره عن العلة، فقال: دعني أقبل رجلك. وقال الدارقطني: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء، وهذا سيظهر لك جلياً حديثياً كيف أن أهل التحقيق والتدقيق عند الالتباسات هم الذين يظهرون الصواب، فنقول: إن تركه مسلم فقد روى له البخاري وكفانا بـ البخاري حجة. فإن قالوا: إن ابن المسيب قد قال عنه: إنه كذاب، وورد عن بعضهم أنه قال: لا تأخذوا منه حديثاً، ولا يكتب حديثه، وقدح كثير من الناس في حفظه، فالرد على ذلك أن نقول: إن القاعدة عند علماء الجرح والتعديل: أنه إذا ورد في المرء تعديل وورد فيه جرح، فإن الجرح لا يقبل إلا مفسراً، فقد ورد في عكرمة أنه من أوعية العلم، وأنه بحر في التفسير، وقال سعيد بن جبير عن عكرمة: إنه أعلم الناس بالتفسير، وبعضهم قال: وهو من أكثر العلماء رواية، ومنهم من قال: ثقة ثبت، إذاً: فقد ورد فيه التعديل، ثم ورد فيه الجرح، فبعضهم يقول: كان يرى رأي الخوارج وهذا الذي أثبته الذهبي عليه، فإذا ورد فيه جرح وتعديل فلابد من تفسير للجرح. وعند التفسير لابد أن نقف أمام ملاحظات ثلاث، الملاحظة الأولى: الإثبات بالسند أن الجرح حدث من هذا الراوي، فتجريح سعيد بن المسيب له لا يصح؛ لأن السند إليه ضعيف لا يصح. والملاحظة الثانية: أن من تكلم فيه فقد تكلم فيه من قبل رأيه، فقال: كان يرى رأي الخوارج، حتى إنه نسب ذلك إلى ابن عباس، وقالوا عنه: إنه وقف في الكوفة أمام المسجد، وكلما دخل رجل قال: هذا من الكفار، أي: يرى أنه كافر بالمعصية. إذاً: عندنا حالتان: الأولى: أنه لم يثبت، الثانية: أنهم أثبتوا الجرح فيه من أجل أنه يرى رأي الخوارج. إذاً: ففي الجرح قد أثبت العلماء أن الكلام فيه من قبل حفظه لا يصح، وأيضاً من قبل عدالته لا يصح، فالعلة الأولى واهية، وأما قولهم: أثبت الذهبي أنه كان يرى رأي الخوارج وأقر بذلك، فنقول: إن الحافظ ابن حجر قال: لم يثبت في جرحه في حفظه من شيء، ولم يثبت أيضاً شيء عن رأيه، يعني: لم تثبت فيه بدعة الخوارج، ولم يثبت الكلام فيه من جهة الحفظ، وابن حجر أتقن من الذهبي ولذلك طرح البخاري كلام المجرحين فيه وجعل عكرمة من ضمن المحدثين الذين يروى عنهم. وقد قال العلماء: من روى عنه البخاري فقد وثقه، وقد جاوز القنطرة. ومن الرد عليهم أيضاً: أن مسلماً لم يترك عكرمة كلياً، بل روى لـ عكرمة مقروناً برجل ثقة، ولو كان منطرحاً كذاباً لا يمكن ولا يحل لـ مسلم بمعرفته على وجه الكذاب أن يضعه في كتابه، فهنا نقول: قد تهافتت هذه الشبهة وصح لنا الحديث وسلم لنا بأن عكرمة ثبت، وأن عدم رواية مسلم له ليست فاضحة في عكرمة ﵁ وأرضاه.

стр. 47

الرد على الشبهة السادسة: استدلالهم بالحديث (التارك لدينه المفارق للجماعة) أما شبهة: التارك لدينه المفارق للجماعة فالرد عليها من وجوه، أولاً: أن التارك لدينه المفارق للجماعة ليستا علتين بحال من الأحوال، بل هي علة واحدة، والتارك لدينه يقتل. وأما قول النبي ﷺ : (المفارق للجماعة)، فهي صفة كاشفة، أي: أن التارك لدينه هو الذي فارق الجماعة. ثانياً: أن التارك لدينه فارق الجماعة؛ لأن التارك لدينه قد فارق جماعة المسلمين عن دينهم الإسلام إلى دين الكفر. ثالثاً: أن التارك لدينه المفارق للجماعة هو أغلظ من التارك لدينه فقط دون المفارق للجماعة. رابعاً: قد جاءنا الدليل الذي لا احتمال فيه أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، يعني: من ارتد عن دين الله، والتارك لدينه حكمه القتل، وأغلظ منه وأعتى منه وأشد وأنكى من ترك دينه ثم ذهب إلى الكفار يحارب معهم ضد المسلمين، فيكون أغلظ من ذلك، فيقتل في كل الأحوال، ولا يقبل منه توبة ولا يقبل منه شيء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصل اللهم وسلم على محمد، وآله وصحبه أجمعين.

стр. 48

رثاء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لقد فاق العلامة ابن باز معظم أهل زمانه، وربا على على كثير من علماء عصره، وجمع الله له بين العلم والعمل، فحق لهذه الأمة أن تحزن أشد الحزن على رحيله، ومن حقه على هذه الأمة أن ينشروا علمه وكتبه.

стр. 49

إشارات في وفاة الشيخ ابن باز إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: خابت وخسرت أمة لا تعرف قدر رجالها، خابت وخسرت أمة لا تعرف قدر علمائها، فلما ماتت هذه الفاجرة التي تفعل الفاحشة ديانة وأراحنا الله منها ومن نتن سيرتها لم تنقطع الصحف عن الكلام عنها، ولما مات عالم الأمة العلامة ابن باز ما تكلم عنه أحد إلا النزر اليسير. إن هذا العالم كان لنا كالشمس للدنيا، بل شمس دنيانا قد غابت، وكما قالت عائشة ﵂ وأرضاها كما روى مسلم في صحيحه: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم)، فهذا العالم الجليل أفنى عمره وقفاً لله جل وعلا، وباع نفسه لله، هكذا يجب أن يقال في الخطب وعلى المنابر، وقد قضى عمره في العلم والتعليم والإفتاء. ووالله الذي لا إله إلا هو والله وبالله وتالله إن الأمة تحتاج لمثل هذا الرجل أشد من حاجتها للماء والهواء، فخير الناس وأفضل الناس هم العلماء ورثة الأنبياء، (وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم). لقد جمع هذا العالم الجليل بين العلمين: علم الفقه وعلم الحديث، ويقوى المرء كل القوة إذا جمع بين هذين العلمين، كما قال الشافعي: من أراد أن تقوى حجته فعليه بالحديث، ومن أراد أن يرجح عقله فعليه بالفقه، وقد جمع هذا الرجل بين العلمين: علم الفقه -أي: فقه المتن- وهو رأس الأمر، والأمة بأسرها تحتاج لفقه المتن؛ لتعلم الحلال من الحرام. وأيضاً انشغل بعلم الحديث والإسناد، ويقال: إن الرجل كان يحفظ جل رجال كتاب التقريب للحافظ ابن حجر عليه رحمة الله. وهذا الرجل باع نفسه لله وأوقف نفسه لله، فتجد كثيراً من الرجال وكثيراً من النساء يبعثون له برسائل يحتاجون إلى الفتوى، ويحتاجون إلى المال، فما كان يترك مالاً عنده قط مع أن راتبه حوالي الستين ألف ريال، بل كان في كل شهر مديناً؛ لأنه كان ينفق كل هذه الأموال في سبيل الله عليه رحمة الله، أسأل الله العظيم أن يجعله مع النبيين والصديقين والشهداء. فهذا العالم الجليل لا بد علينا أن ونتحدث بفضائله ليل نهار، وكذلك له علينا وفي رقابنا أن ننشر علمه بين الناس، وذلك بتوزيع الشريط، أو بتوزيع رسائله كفتاوى نور على الدرب، ومجموع الفتاوى والرسائل، فعلى كل من قواه الله بمال أو بعلم بأن ينشر علم هذا الرجل وينشر فتاواه. والرجل له تلاميذ كثر، ومن أبرز تلاميذه الشيخ العلامة الجليل ابن عثيمين الذي يتحدر العلم منه، وقد سمعته وهو يقول: استفتاني بعض طلبة العلم في أمر الاعتكاف وكان في المسجد الحرام، على أنه ينزل من باب ويذهب من باب آخر؛ ليسهل عليه استماع دروس الشيخ. فقال الشيخ ابن عثيمين: فأفتيته أنه لا شيء عليك، ثم تراجعت وخفت على نفسي أن أكون قد أفتيته بغير علم. الله أكبر هذا هو الورع. قال: فسألت شيخي الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: ما قلت أنت هو الحق، قال: فاطمأن قلبي؛ فإن الرجل جهبذ، وبحر في العلوم. نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، فعلى كل امرئ يسر الله له بالمال أن يطبع رسائل هذا الرجل ويوزعها مجاناً للناس لتقرأها، وعلى كل من يسر الله له العلم أن يعلِّم الناس ويشرح لهم بعض كتب هذا العالم الجليل. فنسأل الله تعالى أن يشرفه على الصراط أمام الخلق أجمعين، وأن يجعله مع النبيين والشهداء والصالحين اللهم، آمين يا رب العالمين!

стр. 50

ترجمة مختصرة للشيخ محمد بن صالح العثيمين الشيخ محمد بن صالح العثيمين من الأعلام النبلاء، وكبار الفقهاء، من الله به على أهل هذا العصر، فملأ الدنيا علماً، فما أحسن تقريراته، وما أحكم تقعيداته، وما أكثر فوائده، دروسه درر موضونة، وكتبه لآلئ مكنونة، فحري بطالب العلم أن يستفيد من علمه، وأن يقرأ كتبه.

стр. 51

مصيبة الأمة بموت العلماء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فكنت قد وعدتكم بترجمة وجيزة للشيخ محمد بن صالح رحمة الله عليه، والأمة قد بليت بلاءً شديداً بموت الجبلين: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، ثم بموت الشيخ الألباني رحمة الله عليه، ثم بموت هذا الجبل الثالث أسكنهم الله فسيح جناته، فالأمة لم تعوض هؤلاء الثلاثة، فموت هؤلاء نذير شؤم، ونذير خراب، وسنة الله جل وعلا في العباد أنه إذا أراد أن يهلك أمة قبض خيارها أولاً، ثم بعد ذلك نزل الهلاك والبلاء الشديد العميم على هذه الأمة التي قبض الله خيارها. ومن ذلك: أن الله جل وعلا قبل يوم القيامة يبعث ريحاً باردة تقبض أرواح المؤمنين، حتى لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، ولا يبقى على وجه الأرض إلا شرار الخلق، فينزل بهم العذاب، فالله جل وعلا إذا أراد أن يهلك قوماً قبض خيارها أولاً، فنعوذ بالله من أن ينزل علينا البلاء! ووفاءً لهذا الشيخ العظيم الجليل رحمة الله عليه لا بد أن نترجم له.

стр. 52

التعريف بالشيخ ابن عثيمين هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي، عضو هيئة كبار العلماء، ورئيس قسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم رحمة الله عليه، أسأل الله جل وعلا أن يلحقه بالنبيين والصديقين. هذا الرجل له كرامات يبينها الله للعباد قبل موت الصالحين من العباد، قال في آخر درس له: وهذا آخر درس لي، أسأل الله أن يتوفني مسلماً، وأن يلحقني بالصالحين. وكان هذا فعلاً آخر درس له، وأسأل الله أن يعطيه الثانية والثالثة، فيكون قد توفاه مسلماً، وألحقه بالصالحين. وكان هذا الدرس في يوم ثلاثين من رمضان، قال هذا البحر الذي لا ساحل له بعد أن دب السرطان في كل جسده، ومع هذا فقد أتى إلى العمرة، وما كان يجلس على كرسيه كما كان يفعل كل سنة، بل كان رحمه الله تعالى يلقي الدرس وهو على سرير في غرفة في الحرم، وتعلق له المحاليل، حتى يشهد الله جل وعلا أنه ينفق هذا العلم في سبيله, ولا يتوانى بحال من الأحوال: هذا آخر درس لي، أسأل الله أن يتوفني مسلماً، وأن يلحقني بالصالحين!

стр. 53

مولد ابن عثيمين ونشأته ولد الشيخ أبو عبد الله في مدينة عنيزة، إحدى مدن القصيم، عام ١٣٤٧ هجرية يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك في عائلة معروفة بالدين والاستقامة. تتلمذ على جده من جهة أمه الشيخ عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ ﵀، فقد قرأ عليه القرآن فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الأدب. وكان الشيخ قد رزقه الله ذكاءً وطهارة ونقاءً في القلب، وهذه الذي أورثته قوة وذكاءً في العقل وهمة عالية، والله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها، والله يحب عالي الهمة ويكره خسيس الهمة. وحرصاً منه على التحصيل العلمي ومزاحمة العلماء بالركب تتلمذ على كثير من المشايخ، وكان في مقدمة شيوخه: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المفسر الفقيه، القوي في الفقه الحنبلي، المتحرر عن المذهب، وقبل ذلك قرأ الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين على بعض تلامذة الشيخ السعدي قبل أن يرتقي إلى الشيخ السعدي: مختصر العقيدة الواسطية للسعدي، ومنهاج السالكين في الفقه له أيضاً، والأجرومية ثم الألفية. فالعلم صعب، وليس لكل أحد أن يسلك هذا الطريق، فهذا الطريق لا بد له من مصابرة وصبر، ولن يصل لهذا العلم غني، إلا من أضجعه الفقر: فقر الحاجة وفقر الطلب، قال بعضهم: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا الشيخ متزوج من امرأة واحدة، وله من الأولاد الذكور: عبد الله وعبد الرحمن وإبراهيم وعبد العزيز وعبد الرحيم. وله من الإخوة: الدكتور عبد الله رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود. لم يرحل الشيخ لطلب العلم إلا إلى الرياض.

стр. 54

مشايخ ابن عثيمين يقاس الناس عند رب الناس بالفهوم والعلوم والقلوب، لا بالمظاهر والفصاحة والبلاغة، فالصوفية غلبت في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، فخفي نجمه في عصره؛ لأنهم كانوا بلغاء فصحاء، يبكي الناس من كلامهم الحلو، وكان شيخ الإسلام المؤسس والمؤصل فهجروه، لكن الآن ما من أحد يرفع رأسه على أنه على علم إلا ويستقي من شيخ الإسلام، وكان الشيخ نفسه ازدرى بعض العلماء للهيئة التي لا تورث الهيبة، فعندما ذهب لطلب العلم في الرياض قال: دخلت المعهد العلمي من السنة الثانية، والتحقت به بمشورة من الشيخ علي الصالحي تلميذ الشيخ السعدي، فرحل بعد أن استأذن من الشيخ السعدي ﵀، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين: خاص، وعام، قال: فكنت في القسم الخاص، وكان في ذلك الوقت من شاء أن يتقدم، بمعنى: أنه يدرس سنة مستقبلة، فيدرس سنتين في سنة، أو ثلاث سنين في سنة، فالشيخ تقدم وفعل ذلك. قال الشيخ: كنا طلاباً في المعهد العلمي في الرياض، وكنا جلوساً في الفصل، فإذا بشيخ يدخل علينا فقلت: هذا بدوي من الأعراب، لا عنده ثياب طيبة ولا هيئة ولا هيبة، وليس عنده بضاعة من العلم، قال: فسقط من أعيننا، وتذكرت الشيخ السعدي وقلت في نفسي: أترك الشيخ السعدي وأجلس عند هذا البدوي الذي ليس عنده هيبة ولا علم، وكان هذا هو الشيخ الشنقيطي، العلم الفرد الذي قال عنه الشيخ الألباني: ما رأيت شيخ الإسلام يمشي على الأرض مثل الشنقيطي، كان موسوعة علمية تتحرك على الأرض، فذ في التفسير، أستاذ في الحديث، نحرير في الأصول، عالم باللغة والنحو والصرف، ابن باز جبل العلم جلس تحت يديه وتعلم منه اللغة والأدب، قال: فلما ابتدأ الشنقيطي درسه انهالت علينا الدرر من الفوائد العلمية من بحر علمه الزاخر، فعلمنا أننا أمام جهبذ من العلماء، وفحل من فحول العلم، فاستفدنا من علمه وسمته وخلقه وزهده وورعه، رحمة الله على الشيوخ أجمعين. أيضاً: من مشايخ الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه الشيخ ابن باز، قال: تأثرت كثيراً بالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله من جهة عنايته بالحديث. فالشيخ ابن باز معلم الشيخ ابن عثيمين في علم الحديث؛ لأن الشيخ ابن باز خلط بين الحديث والفقه، فكان هو شيخ ابن عثيمين في الحديث، وكان يدرسه علم المصطلح، ويدرسه البخاري ومسلم. قال: وتأثرت به من جهة الأخلاق والزهد والورع. أيضاً: من شيوخه الشيخ السعدي الذي كان من جهابذة علماء القصيم، وكان هذا الشيخ علم في القصيم، وكان كل علماء القصيم على مذهب السادة الحنابلة، ما يحيدون عنه قيد أنملة، أما هذا الشيخ فقد أعلن التحرر من المذهب، والاجتهاد المطلق؛ ولذلك تأثر به الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وتحرر من المذهب، وكان يفتي كثيراً بفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية التي يخرج بها عن مذهب الحنابلة، ويرجح مذهب الشافعية أو مذهب المالكية. أيضاً من شيوخه: الشيخ علي بن حمد الصالحي، والشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، والشيخ عبد الرحمن سلمان آل دامغ الذي هو جده من جهة أمه كما ذكرنا.

стр. 55

شهرة ابن عثيمين وقوة عارضته من أسباب شهرة الشيخ وتأصيله للعلم وقوة عارضته: صدق الشيخ وإخلاصه في طلب العلم، وبذل نفسه في التعليم، وأنا مغرم جداً بهذا الشيخ؛ لأنه نحرير جداً في العلم، وله فقه كفقه المتن، وأقدم عليه الشيخ ابن باز، لكن أقول: هذا العالم نحرير جداً، وأنا متأثر به جداً، وأذكر هذه الرؤيا في حق الشيخ: رأيت رؤيا بيني وبين الشيخ، وهي أني دخلت على الشيخ فبكيت في الرؤيا فانكببت على يده فقبلتها فقام هو فقبل رأسي بفضل الله، فقلت له: يا شيخ! كيف أوصلك الله لهذه المكانة العالية؟ فقال لي: بالإخلاص، فكدت أسقط، وبكيت بكاء شديداً جداً، ودعوت الله أن يلهمني الإخلاص، فقلت: المسألة ليس فيها إلا الإخلاص، ولن يصل المرء للعلم إلا بإخلاصه، كما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه: يؤتى المرء الفهم بالإخلاص، نسأل الله أن يلهمنا الإخلاص. فصدق الشيخ في الطلب، والإخلاص في طلب العلم والتعليم، وبذل النفس في ذلك؛ أوصله لهذه المكانة. ومن الأسباب أيضاً: تدريس الشيخ وتأصيله لطلبة العلم، وكان الشيخ قد أنشأ بيتاً في القصيم كاملاً لطلبة العلم، وينفق من ماله على طلبة العلم، ويقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، فينفق على طلاب العلم وعلى زوجته وعلى أولاده، فالشيخ كان يستقبل طالب العلم الذي يزكى بأنه صادق الطلب ومخلص، فيعطيه شقة، ويجري عليه راتباً شهرياً له ولزوجته وأولاده، فكان البيت مليئاً بطلبة العلم. ومن الأسباب كذلك: سلامة المنهج والعقيدة.

стр. 56

زهد ابن عثيمين وورعه وتقواه كان الشيخ من أزهد البشر، وأنا رأيت هذا منه بعيني، وإذا من الله عليك بالقرب من أهل العلم الذين منَّ الله عليهم بعلم أصيل فانظر في هيئتهم وسمتهم حتى تتأدب منهم، وقد كنت أقترب من الشيخ جداً لأنظر فيه، فالشيخ كان يرتدي القميص ولا يهمه مظهره بحال من الأحوال. ومن زهد الشيخ أنه كان بعد الدرس يرجع إلى البيت حافياً، وهو يعمل بحديث النبي ﷺ : (نهى النبي ﷺ عن الإرفاه وكان يحتفي أحياناً). نسأل الله جل وعلا أن يتغمده برحمته، وأن يجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويرحمه ويرحم الجبلين الأصيلين في العلم الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ الألباني، فهؤلاء الثلاثة لا يضاهون في هذا العصر، وأسأل الله جل وعلا أن يأجرنا في مصيبتنا، ويخلف علينا خيراً منها، وأن يسكن هؤلاء المشايخ جميعاً فسيح جناته في الفردوس الأعلى.

стр. 57

مقدمة الدورة العلمية الثالثة العلم هو سر تقدم الشعوب ونهضة الأمم والمجتمعات، وقد حث الإسلام عليه في القرآن الكريم وعلى لسان نبينا ﵊، وحاجة الأمة إلى العلم حاجة ماسة وخاصة في هذه الأيام التي كثرت فيها الشبهات التي تحارب الدين وتسعى إلى تدميره.

стр. 58

بيان فضل ومنزلة طلب العلم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إن الله خلق الخلق لمهمة عظيمة وشأن جسيم، خلق الخلق لعبادته، قال جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فأشرف ما يمكن أن ينشغل به المخلوق هو عبادة الله جل في علاه، ولن تستقيم عبادة امرئ ولن يستقيم دين امرئ إلا بالعلم، فقد قال الله تعالى مقدماً العلم على العبادة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ﴾ [محمد:١٩]، فثنى بالعبادة ولم يقدمها على العلم. وقد قال علماؤنا: إن طلب العلم هو أشرف ما يمكن للمرء أن يتقدم به بين يدي عبادته، وإن العلم قد ذهب بشرف الدنيا والآخرة. قال الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة: هذا العلم الشريف من أراد به الدنيا أخذها، ومن أراد به الآخرة أخذها. ونقل أبو الوليد الباجي: عن إمام الأئمة أمير المؤمنين في الحديث الإمام الثوري أنه كان يقول: طلب العلم شرف في الدنيا وشرف في الآخرة. إن الله جل في علاه شرف خلقه الذين ورثوا عن نبيه ﷺ هذا العلم ورفعهم رفعة ليس بعدها رفعة، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فأشهد الملائكة على أشرف مشهود في هذه الدنيا ألا وهو توحيد الله جل في علاه، والعلماء جعلهم الله جل في علاه في مرتبة الملائكة في هذا الإشهاد، وهذا الذي جر كثير من علمائنا أن يقولوا: إن العلماء تفوقوا على الشهداء بمرتبتين؛ ولذلك نقل عن الحسن البصري أنه قال: مداد العلماء يوم القيامة يوزن بدماء الشهداء. إن العالم شهيد وزيادة، فإن الله جل في علاه رفع العلماء منزلة تأتي خلف منزلة النبوة، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، الإجابة لا تحتاج لدقة نظر، فالإجابة: لا والله! لا يستوون. إن الله جل في علاه أمر نبيه بأمر عظيم جسيم، أمره أن يستزيد من العلم، وهذه سنة وفقه عال يعلمه كل فقيه وأريب لبيب عرف كيف يتعامل مع من فوق العرش. إن الله جل في علاه جواد كريم سبحانه، وطالب العلم المجد المتقن المتفقه بكيفية التعامل مع الله جل في علاه، يطمع كثيراً فيما عند الله، فإن خزائن الله ملأى لا تنفد أبداً، فرسول الله ما أصبح بهذه المنزلة إلا بمحض فضل ومنة من الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦]. وأبو بكر ما اعتلى عرش سيادة الصحابة وتقدم عليهم إلا بفضل ورحمة من الله جل في علاه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] سبحانه جل في علاه، فأمر الله نبيه ﵊ أن يستزيد من شيء قط إلا من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وتأولها ابن مسعود ﵁ وأرضاه فقام من الليل يصلي بسورة طه ثم يأتي إلى هذه الآية ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فيقف طويلاً ويقول: رب زني علماً، رب زني علماً، رب زني علماً. ولكم في شيخ الإسلام أسوة حسنة، كان قلما تشرق عليه الشمس إلا وهو في مكان مهجور يمرغ جبينه في التراب ويدعو الله مبتهلاً متذللاً متمسكناً خاضعاً، ويعلم أن ما يريد هو بيد الله جل في علاه، فيقول: اللهم يا معلم إبراهيم! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني. إن طلب العلم هو أشرف ما يمكن للمرء أن تشرئب عنقه له، وقد أناط النبي ﷺ الخيرية بطلب العلم كما في الصحيحين-: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فأناط الخيرية وجمعها وعلقها بطلب العلم، وهذه هي الجائزة التي أعطاها النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵁ وأرضاه عندما قام من الليل وقدم له وضوءه فأخذه النبي ﷺ ودعا له بدعوة عظيمة فقال: (اللهم! فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فحاز بهذه الدعوة على الشرف في الدنيا والمرتبة الراقية في الآخرة. إن رسول الله ﷺ استنهض الأمة بأسرها إلى أن يتعلموا العلم ويبلغوه. وورد عن عيسى أنه قال: من تعلم العلم وعمل به ونشره يدعى في ملكوت السماوات عظيماً، أرأيتم عظمة مثل هذه العظمة؟! وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً يطلب فيه العلم سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فطريق الجنات بالعلم، وطريق التعبد لا يكون إلا بالعلم، فقد قام النبي ﷺ يحدث أصحابه ويبين لهم تفاوت المكانات بين الناس، فالناس منهم البر ومنهم الصالح، منهم العابد ومنهم العالم المجاهد، فيقول: (فضل العالم على العابد كفضلي -أنا- على أدناكم)، وفي رواية في السنن أنه قال (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)، يالها من رفعة! إن المرء يسعد سعادة عظيمة إذا وافق رسول الله ﷺ في حكم من الأحكام، إذا طلب الحديث فلم يجده فاجتهد رأيه فوافق رأيه رسول الله ﷺ ، وهذا من توفيق الله جل في علاه ليبين الفرق بين العالم المتقن أو طالب العلم المجتهد الذي له النظر في الأدلة وبين المقلد، قال الله جل في علاه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ﴾ [النساء:٨٣] أي: العلماء، والسياق يبين أن المقصود في الآية هم العلماء، قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وسأضرب لكم مثلاً رائعاً يبين لكم فرحة العالم بموافقته لرسول الله ﷺ ؛ لأن هذا من التعبد لله جل في علاه. سئل ابن مسعود ﵁ وأرضاه في مسألة، فقيل له: امرأة عقد عليها رجل ولم يبن بها فمات؟ فقال: لها المهر كاملاً، وعليها العدة، فقام رجل فقال لـ ابن مسعود ﵁ وأرضاه: قد حكم النبي ﷺ في بنت واشق بذلك. ففرح فرحاً شديداً، وخر ساجداً، وسعد سعادة كبير جداً عظيمة؛ لأنه وافق رسول الله ﷺ . إن منزلة العلماء عند رسول الله ﷺ منزلة راقية جداً، فقد كان النبي ﷺ يفاوت بين أصحابه ويميز العالم من غيره، ليتقدم العالم فيعلم الناس، قال ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). إن النبي ﷺ بعث معاذاً ﵁ وأرضاه يعلم الناس في اليمن؛ لأن معاذاً كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وورد في الحديث أنه: (يأتي يوم القيامة يتقدم على العلماء برمية حجر)، ﵁ وأرضاه. فرسول الله ﷺ يستنهض أصحابه والأمة من بعد الأصحاب على الجد والاجتهاد في طلب العلم، فقد جاء إلى أبي بن كعب فقال له رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر! ما هي أعظم آية في كتاب الله؟ فقال له: آية الكرسي، فضرب النبي ﷺ على صدره ضربة وقال له: ليهنك العلم أبا المنذر! ليهنك العلم أبا المنذر!). والعلماء موجودون الآن في عصورنا بذكرهم الحسن أمامنا الآن، فما زلنا ليلاً ونهاراً نتحدث عن البخاري وما الذي بوأ البخاري هذه المنزلة؟ وما الذي جعل ذكر البخاري لا ينقطع إلى يوم الدين. إن البخاري بطلبه لحديث النبي ﷺ وإنفاقه الغالي والنفيس من أجل أن يحفظ حديث النبي ﷺ أعلى الله ذكره فهو في أسمى المنازل وأرقى المراتب، وما زال الناس في أماكن من صعيد مصر يقسمون بكتاب البخاري كأنه المصحف، وذلك لجلالة قدره! البخاري هو أمير المؤمنين في الحديث، وجبل الحفظ، وعلم من أعلام الأمة، وطبيب العلل، إني أمتلئ شرفاً عندما يذكر لساني اسم هذا الرجل، ويمتلئ الناس شرفاً عندما يتكلمون عن البخاري أو يذبون عن ك

стр. 59

الطريق الذي يصل به المرء إلى العلم نتكلم الآن عن أمرين اثنين: الأمر الأول: إن كان العلم بهذه المنزلة الراقية وهذه المكانة الرفيعة فلا بد من معرفة المنهج الأسمى والطريق الذي يصل به المرء إلى هذا العلم. إنه طريق واحد ليصل المرء كما وصل البخاري وغير البخاري، أصل هذا الطريق وركنه الركين وأساسه أن تعرف لأهل الفضل فضلهم، وأن تعرف لأهل العلم قدرهم، وأن تجل العلماء حتى تجل بعد ذلك، واعلم أن الله جل في علاه يغار على أوليائه، وأنه ليس لله أولياء غير العلماء كما قال الشافعي: لا أعلم أولياء لله غير العلماء، فأنت إن علمت قدر منزلة العلماء وأنزلتهم منازلهم، وأعطيت لكل صاحب فضل فضله، كان هذا هو الطريق الذي يمكن أن تصل به إلى الرقي وإلى رضا الله جل في علاه. وفضل العلماء ينبثق من قوله ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) أو كما قال ﷺ . يروى أنه دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وأبو بكر يجلس بجانب النبي ﷺ ، فينظر رسول الله ﷺ -يلتفت- لأي مكان يجلس فيه علي، فوسع أبو بكر له وقال: هاهنا يا أبا الحسن، فابتسم النبي ﷺ مقراً لـ أبي بكر وقال: (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل). وفي مقدمة صحيح مسلم عن عائشة قالت: (أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم). وكان ابن عباس ﵁ وأرضاه يعرف لأهل الفضل فضلهم؛ ولذلك أصبح علماً في الناس والناس يرجعون إليه، وكان حبر الأمة وبحر العلوم ﵁ وأرضاه، وإذا تصفحت في تاريخ طلبه للعلم علمت أنه كان يعرف لكل صاحب فضل فضله، فكان ينام على عتبات أبواب بيوت صحابة رسول الله ﷺ ليطلب حديث النبي ﷺ ، ففي ذات مرة أخذ بخطام ناقة زيد بن ثابت وكان من أجل شيوخه وعلمائه فقال له زيد: يا ابن عم رسول الله! اترك الناقة، فقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال: يا ابن عم رسول الله! اترك الناقة وهو يقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فينزل زيد بن ثابت ﵁ وأرضاه فيأخذ بيده ويقبلها ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بابن عم رسول الله ﷺ . وكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يجل أبي بن كعب إجلالاً عظيماً ويقول: أبي سيد المسلمين، لقول النبي ﷺ -كما في المسند-: (وأقرؤهم أبي)، وكان يجمع الناس عليه. وعمر بن الخطاب له هيبته وجلالة قدره ومكانته، فكان ابن عباس ﵁ وأرضاه يقول: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر سؤالاً ولم أستطع من هيبته ومن إجلال قدر عمر ﵁ وأرضاه. وهذا في سلفنا كثير، فـ أحمد بن حنبل كان يوقر الشافعي، فقد كان أولاً ينهى الناس عن الشافعي، وكان يحسب أن الشافعي كان ينشغل بالقياس والرأي عن حديث النبي ﷺ ، ثم بعدما علم الشافعي وجلالة قدر الشافعي كان يسير خلف بغلة الشافعي، فينكر الناس عليه ويقولون: أنت تنهى الناس عن الشافعي وتمشي خلف البغلة! قال: اسكتوا، والذي نفسي بيده! لو مشيت خلف البغلة لتعلمت من الشافعي علماً، يجل قدره. وفي السير أن الشافعي لما نزل في بلد أحمد كان بيته مقابلاً لبيت أحمد، فكان لا يمد رجله إلى مقابل هذا البيت الذي يسكنه الشافعي؛ أدباً وإجلالاً لقدر الشافعي، فكانوا يعرفون أقدار بعضهم. وهذا يحيى بن معين علم من أعلام الأمة، رجل ترتعد فرائص المحدثين بوجوده؛ لأنه يكتب الجرح والتعديل، وعلي بن المديني كان يقف بجانب يحيى وإمام أهل السنة والجماعة يقفون الثلاثة وكان يجلس يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن المهدي، قال العلماء: إن وثق ابن القطان وابن مهدي أحداً فعضوا عليه بالنواجذ، فكان يقف أحمد ويقف يحيى بن معين وعلي بن المديني وهؤلاء أعلام الأمة يقفون أمام ابن القطان كالأطفال لا يتجرأ أحد منهم أن يسأل ابن القطان. ودخل ابن المبارك على المعتمر بن سليمان وكان يحدث الناس فسكت، فقام الطلبة فقالوا: أكمل حديثك، فقال: نحن لا نتحدث عند كبرائنا. وكان الثوري جالساً في مجلس التحديث فدخل عليه أبو حنيفة فقام الثوري فقال الطلبة: لم تفعل ذلك؟ فقال: إن لم أقم لعلمه قمت لسنه؛ احتراماً لأهل العلم وتوقيراً لجلالة قدر العلماء، فطالب العلم -ورب السموات- لن يصل إلى العلم إلا بإجلال العلم وإجلال العلم لا يكون إلا بإجلال حملة هذه الشريعة. قال بعض السلف: اجعل أدبك دقيقاً، واجعل علمك ملحاً، فلابد لطلبة العلم أن يتصفحوا التاريخ وينظروا في سير العلماء وكيف كانوا يوقرون العالم؛ ويعرفون منزلته وفضله.

стр. 60

التحذير من تعظيم أحد وتقديمه على رسول الله لو سألت أحد طلاب العلم: هل تقدم أي شيء على النبي ﷺ ؟ سيجيب: والله ما أفعل، ولا أستطيع، فرسول الله ﷺ سيد المسلمين، ولا أقدم أحداً عليه، ولكن قد يقدم العالم الفلاني عليه دون أن يشعر! دخل عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه على الرسول ﷺ . فقرأ عليه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فقال: والله! ما عبدناهم من دون الله، أي: لم نسجد ولم نركع لهم، ففسر له النبي ﷺ ذلك ليزيل هذه الدهشة فقال له: (أحلوا لكم الحرام وحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم في ذلك، فتلك عبادتكم لهم)، فإذا علمت أن النبي ﷺ قال كذا، وشيخك قال كذا، فلا تقدم قول الشيخ على ما قاله رسول الله ﷺ ، فينبغي عليك أن تخالف قول شيخك إذا كان مخالفاً لقول الرسول ﷺ ، فرسول الله يقدم على أي أحد، وهذا دأب علمائنا، ونحن كلنا على ذلك.

стр. 61

أمثلة تبين تعظيم السلف للرسول وللعلماء إليكم الأمثلة التي تبين أن السلف كانوا يعظمون رسول الله ﷺ ويجلون قدر العلماء تعظيماً لرسول الله ﷺ . هذا زيد بن ثابت عالم الأمة وفرضي هذه الأمة، الذي كان متقناً في كل شيء، في الفرائض وفي الحلال وفي الحرام، كان ابن عباس ذليلاً بين يدي زيد بن ثابت كما قدمنا، وكان يتعلم عليه العلم، وابن عباس خالف زيد في مسألة من المواريث فـ زيد كان يقول بأن الجد يشارك الإخوة، وابن عباس يرى أن الجد ينزل منزلة الأب، فقالوا له: كيف تقول بذلك وشيخك زيد يقول بغير قولك؟! قال ابن عباس ﵁ وأرضاه: ألا يتق الله زيد؟! أما علم أن الله جل في علاه قال: ﴿مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨]؟! فيوسف سمى إبراهيم أباً له وهو يعتبر جداً له فأنزله منزلة الأب. وعائشة ﵁ وأرضاها خالفت كثيراً من الصحابة بل استدركت على كثير من الصحابة، وهذا لم يوجد الشحناء بينهم بحال من الأحوال. وكثير من أهل العلم خولفوا من طلابهم، فهذا الشافعي تعلم على يد مالك ومالك هو الذي نصحه وأعطاه ومنحه العلم ومع ذلك لما نزل مصر أظهر كتاباً كاملاً اسمه اختلاف مالك، وهذا لم يؤثر في مكانة الشافعي ولم يؤثر في مكانة مالك، وما زال الناس يتبعون الإمام مالك وما زال الناس يتبعون الشافعي، يعظمون هذا ويعظمون هذا. والإمام أحمد خالف شيخه الشافعي الذي قال فيه: الشافعي للناس كالعافية للبدن والشمس للدنيا، ومع ذلك خالف الإمام الشافعي. وهذا الإمام العلم الإمام النووي، قالوا عنه: لا يخرج عن الشافعية بحال من الأحوال، لكنه عندما يرى الدليل خلاف مذهب الشافعية يخرج عن الشافعية، فقد خرج عن الشافعية في أكثر من مسألة، ومن هذه المسائل: الوضوء من لحم الجزور وهي مسألة خلافية عريضة بين العلماء، فالإمام الشافعي والجمهور يرون أن حديث جابر ناسخ فلا وضوء من لحم الجزور، والإمام أحمد يرى الوضوء من لحم الجزور، فخرج النووي عن الشافعية من أجل الأثر والدليل، وما أحد عاب عليه ذلك ولا ذمه في ذلك. فيجب علينا أن نتعبد لله جل في علاه بتوقير علمائنا ومعرفة جلالة قدرهم، ونعرف لهم حقهم، لكننا نعرف أيضاً لرسول الله ﷺ حقه، ولحديث النبي ﷺ حقه، والمرء الذي من الله عليه بالطلب إذا قلد فقد ازدرى نعمة الله عليه. إن الإمام ابن دقيق العيد كان على فراش الموت فكتب كتاباً، قالوا: إن هذه وصية لابد أن تنفذ، فبعد ما مات ابن دقيق العيد أخذوا هذا المكتوب فنظروا فيه فوجدوه يؤلف رسالة في تحريم التقليد، فهؤلاء العلماء يخرجون كثيراً عن أصل المذهب إذا رأوا الدليل إلى ذلك. وابن عبد البر لا يخفى على أمثالكم فقد كان مالكياً يشرح كتب الإمام مالك وابن عبد البر أخذ بحديث البيعان بالخيار وهو لا يأخذ به الإمام مالك، فخالف مالكاً ووافق الجمهور في هذه المسألة. حتى شيخ الإسلام احتار فيه بعض العلماء هل هو حنبلي أم مجتهد اجتهاداً مطلقاً؟ والغرض المقصود أنه خالف الإمام أحمد، وخرج عن المذهب في مسائل شتى، وكان يعظم كثيراً الدليل، فخرج عن الإمام أحمد في مسألة استلحاق ولد الزنا، فلو أن رجلاً زنى بامرأة وبعد ما زنى بها تاب وتابت وهي حامل فأراد الزواج منها، فالصحيح أنه لا يتزوجها إلا بشرطين اثنين: بعد التوبة وبعد العدة أي: بعد أن تضع، فقال الإمام أحمد: له أن يستلحق هذا الولد، يعني: ينسب له، وهذا مخالف لظاهر حديث النبي ﷺ أنه قال عموماً ومطلقاً: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فلا ينسب له، وقد خالف ابن تيمية الإمام أحمد؛ لأنه رأى أن هذا الدليل هو الدليل الأثري الصحيح الذي يوافق النظر. وابن القيم كان يعظم شيخ الإسلام تعظيماً كبيراً ومع ذلك خالف شيخ الإسلام في مسألة الاستعانة بالجني المسلم على إخراج الجن، وشيخ الإسلام ابن تيمية اشتهرت عنه هذه المسألة وتابعه عليها الشيخ صالح بن عثيمين من المعاصرين رحمة الله عليه رحمة واسعة، فقد كان يقول بصحة الاستعانة بالجني المسلم، ويحتج على ذلك بحديث عن أبي موسى الأشعري ليس هذا مجال التفصيل فيه. والغرض المقصود أن ابن القيم خالف شيخه وبين عدم جواز الاستعانة بالجن؛ لأنه غائب، ولا بد أن يكون حياً حاضراً. ومحمد بن الحسن من أعلم الناس ومن أنجب تلاميذ الإمام أبي حنيفة وخالف أبا حنيفة مسائل كثيرة وجد أن النظر أقوى مما تبناه أبو حنيفة. وابن عثيمين أفتى في مسألة مهمة جداً تشغل جميع طلبة العلم وهي مسألة هل كل مكة حرم أم المسجد الحرام فقط؟ فالشيخ ابن باز يرجح قول الجمهور بأن كل مكة حرم، وله أدلة كثيرة لست بصدد الكلام على هذه المسألة الفقهية، فهو يرى أن كل مكة حرم، فمن صلى في مسجد يبعد أميالاً عن المسجد الحرام وهو في الحرم فإن صلاته بمائة ألف صلاة، وأما الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين فيرى أن مائة ألف صلاة لا تكون إلا في المسجد الحرام، ودليله ما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (الصلاة في مسجد الكعبة بمائة ألف صلاة) قال: فقد قيد النبي ﷺ ذلك بالكعبة، لكن هذا فرد من أفراد العموم لا يخصص، فخالف شيخه ابن باز؛ لأنه رأى أن الدليل والأثر مع قوله مع إجلاله واحترامه لهذا الشيخ.

стр. 62

حاجة الأمة إلى العلم أختم بحاجة الأمة إلى العلم؛ لأن شمس البدعة قد بزغت، وأكثر المبتدعة في هذه الآونات من الظهور في المرئيات والسمعيات، وكثر الكلام عن الأصول والثوابت الراسخات، ومن ذلك الطعن في حديث رضاع الكبير والجدل في ذلك ونحوه. فهذا كله يحدوا بأمثالنا أن نطلب العلم ونجد في الطلب حتى نقف راسخين أمام الشبهات التي يخر صريعاً أمامها كثير من طلبة العلم، فكثير من الشبهات التي خرجت علينا يجب على أهل العلم أن يردوها ما استطاعوا، وأن يجيبوا عنها. أسأل الله جل في علاه أن ينفعنا ويرفعنا وييسر علينا الطلب، وأن يثبتنا على هذا الطريق القويم. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 63

انظروا إلى ألطاف الله بعباده التعرف على الله له صور كثيرة منها: تدبر أسمائه والعمل بمقتضاها، ومن أسمائه: اللطيف، فهو سبحانه لطيف بعباده، يخرج الخير من داخل الشر، والنصر من باطن الهزيمة، واليسر من جوف العسر، فإذا استيقن المسلم بذلك حق التيقن فإنه لن ييأس ولن يقنط مهما رأى من كثرة الشر، ومن تسلط أعداء الله على المسلمين، بل سوف يعمل وهو مطمئن ومؤمن بأن نصر الله ووعده آت لا محالة.

стр. 64

التدبر في أسماء الله من صور التعرف على الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لقد آن لهذه الأمة -أمة الخيرية، الأمة المنصورة- أن تتعرف على ربها حق التعرف، فتطلع على أسرار حكمته في خلقه وعزته وجبروته وقوته، فتستنشق عبير رحماته وبره ولطفه وجوده بعباده جل في علاه، فهو فوق عرشه مستو عليه، بائن من خلقه، يدبر أمر الكون ثم يعرج إليه في يوم مقداره ألف سنة مما نعد، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، يرفع أقواماً ويخفض آخرين، يعز أناساً ويذل آخرين، ينصر طائفة ويهزم آخرين، يؤتي ملكه أقواماً وينزعه من آخرين، يمهل ولا يهمل، يملي وإذا أخذ لم يفلت، كما قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]. فعلى هذه الأمة المنكوبة الغافلة التي هي في سبات عميق أن تتدبر عظمة ربها جل في علاه. انظروا إلى عظيم خلقه الدال على عظمته جل في علاه، ففي الصحيح عن النبي ﷺ قال: (أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)! هذا من عظيم خلق الله جل في علاه، انظروا إلى السماء فوقكم كيف خلقها الله من غير عمد! انظروا إلى الجبال الشاهقات، وإلى السهول والقفار، وإلى البحار والأنهار! فسماء ذات أبراج، وبحار ذات أمواج، وأرض ذات فجاج، تدل على عظمة الواحد القهار. آن لنا جميعاً أن نرجع إلى ما رجع إليه الرسول ﷺ ، ونتدبر ما تدبره الصحابة الكرام، نتدبر عظمة الله جل في علاه، ونتعرف على ربنا، وألوان التعرف على الله كثيرة جداً، أسماها وأقواها وأرقاها منزلة: التدبر في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)، أي: من تدبرها وحفظها ووعاها، وأداها كما سمعها، ومن تعبد الله بها، ومن عايشها واقعاً في حياته اليومية دخل الجنة.

стр. 65

دعوة إلى تدبر معنى الرحمن الرحيم تدبر في اسمين من أسماء الله جل في علاه: (الرحمن، والرحيم) انظر رحمة الله جل في علاه السابغة على عباده، رحمة الله التي سبقت غضبه، فهو خلق مائة رحمة وأنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة من هذه الرحمات، ليتراحم بها الخلق أجمعون. انظر أخي الكريم! رحمة الله بك وأنت جنين في بطن أمك، يصلك طعامك وشرابك من الحبل السري، ثم خرجت إلى هذه الدنيا طفلاً رضيعاً، فأجرى الله جل في علاه اللبن في ثدي أمك بئراً فياضاً، ثم رحمته لم تزل سابغة عليك شاباً، ثم شيخاً كبيراً.

стр. 66

من أسرار ومعاني اسم الله اللطيف إن واقع الأمة المرير المظلم الدامس الحالك الأسود البهيم الذي أحاط بها من كل جوانبها؛ ليجرنا إلى أن نتدبر في اسم تدبره رسول الله ﷺ ، فأتته المبشرات تترى، وإن تدبرناه كما تدبره رسول الله، وعشناه واقعاً في حياتنا اليومية كما عاشه رسول الله ﷺ ، وعاشه الصحابة رضوان الله عليهم، لأتتنا المبشرات تترى، أقول هذا وأنا مستيقن في ذلك غير شاك: إن هذا الاسم العظيم: (اللطيف) قد ذكره الله جل في علاه في مواطن كثيرة من كتابه، قال جل في علاه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقال جل في علاه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقال جل في علاه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣]، ومعنى هذا الاسم يستقى من هذه الآيات الكريمات، قال بعض العلماء: جماع اسم الله جل في علاه اللطيف: البار بأوليائه ، بر بعباده ولطف بهم، فجوده وعطفه وبره وصل إلى عباده، قال أحد السلف: رعاك وأنت في بطن أمك ولطف بك، ونور قلبك بالهدى، وربى جسدك بالغذاء، وحرسك وأنت في لظى، وجعل الولاية لك حين البلوى، ثم يدخلك بعد ذلك جنة المأوى. وجماع ذلك كله: أن الله جل وعلا يدبر لعباده من حيث لا يعلمون، ويجعل لهم المصالح من حيث لا يحتسبون، هو اللطيف أخفى الأشياء في أضدادها، يخفي الخير داخل الشر، والنصر في باطن الهزيمة، واليسر في جوف العسر. إن لم تعلم أخي المسلم بعد تدبر هذا الاسم أن النصر سيأتيك بعملك بهذا الاسم والتعبد به فارجع إلى رسولك ﷺ ، بل ارجع وراء ذلك إلى الأمم والشعوب، وانظر كيف أن الله من فوق عرشه دبر لخلقه ولأوليائه، وكانت العاقبة للمتقين، والنصر والمبشرات لأولياء الرحمن المتقين المؤمنين.

стр. 67

ألطاف الله بيوسف ﵇ انظر إلى يوسف ﵇، كيف لطف الله به، فقد كان في حنان أبيه وشفقة أمه، وبعدما ماتت أمه فقد الحنان، فكان أبوه يكتنفه من جميع جوانبه، لكن الحقد والحسد لعب برءوس إخوته، حتى قال له أبوه كما ورد ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، أي: حقداً وحسداً، وقد كان، فقد أخذوه من عند أبيه الحنون، ثم أهانوه بالشتم والجر والضرب، ثم ألقوه في غيابة الجب. انظر أخي الكري! م وتدبر في اللطيف الذي لطف بيوسف وهو في غيابة الجب، في ظلمات الجب، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥]، انظروا إلى ألطاف الله، هذا الطفل الصغير ألقي في غيابة الجب، وأخفى الله له النصر والرفعة والتمكين في هذه الظلمة، وفي ظلمات السجن، فإنه بعدما جاء السفهاء البله، ووجدوه في الجب أخذوه وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة، قال عزيز مصر بعدما تفرس به: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١]، لقد لطف الله جل في علاه بهذا الشاب الصغير، فإنه بعدما تربى في بيت العزيز مكن الله له، وأخفى له في ظل الرق عز التمكين، ثم راودته امرأة العزيز عن نفسها، ثم دخل السجن ظلماً وعدواناً وبهتاناً وزوراً، فالله أخفى له التمكين على مصر بأسرها وهو في ظلمات السجن، وذلك عندما رأى الرجلان اللذان كانا معه في السجن الرؤيا، فعبرها لهم، ثم إن الله جل في علاه جعل له سبباً آخر للتمكين أخفاه، وهو في السجن لطف منه جل في علاه، وهذا السبب: هو أن الملك رأى رؤيا فأراد أن يعبرها، فلم يعبرها له أحد مثلما عبرها يوسف ﵇، فقال له الملك كما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤]. فانظر أخي المسلم الكريم! كيف أن اللطيف يخفي الأشياء في أضدادها، فمن يصدق أن الذي في السجن سيخرج ويصبح ملكاً على هذه الأرض، يتحكم في رقاب الناس، وفي أقواتهم بمشيئة الله جل في علاه، وهناك ما هو أبعد من هذا، فبعدما اطمأن إخوته أنهم قد ألقوه في غيابة الجب في هذه الظلمات أنبأه الله بأنه سيرتقي عليهم رغم هذا الظنك الشديد، وهذا الكرب العظيم، وأنه سيعفو عنهم، وقد حدث هذا الوعد عندما دخلوا عليه بعدما أخذ أخاه بحيلة كادها له الله جل في علاه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨] ماذا قال لهم؟ ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٨٩ - ٩٠] أعلنها صراحة: أنا يوسف، ظلمت منكم واشتد علي الكرب، لكن ألطاف الله أسرعت نحوي، فبفضل الله ولطفه ورحمته قد أصبحت ملكاً عليكم، ثم قال لهم كما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]، فانظر إلى لطف الله جل وعلا بيوسف ﵇، فبعدما اشتد عليه الكرب، وبعدما ألقي في غيابة الجب، وبعدما ظلم وسجن، مكن الله جل وعلا له في الأرض. وهذه الأمة منصورة -ورب السماوات- إن تدبرت هذا الاسم، ثم عاشته واقعاً في حياتها، فإن الله سيخفي لها النصر في باطن الهزيمة، وسيجعل لها اليسر في جوف العسر، إنه لطيف بعباده سبحانه جل في علاه.

стр. 68

ألطاف الله بموسى ﵇ انظر إلى ألطاف الله بموسى ﵇، فالله أخفى حياته في موته، لأن فرعون علا في الأرض وعاث فيها فساداً، يقتل أبناءهم ويستحيي نسائهم، وفي ذلك بلاء عظيم عليهم، لكن موسى ﵇ قدر الله له أن يعيش في بيت الذي أراد قتله، وسبب تقتيل الأبناء هو: أن فرعون رأى رؤيا، كأن ناراً أتت من بيت المقدس إلى مصر فأحرقت بيوت القبط ومن فيها، وبقيت بيوت بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل مستعبدين عند فرعون، فقد كان يستعملهم في أرذل وأحقر الأعمال، وكانوا أهل علم يتحدثون عن آثار إبراهيم ﵇، يقولون: إن هذا الزمان زمان نبي سيهلك الله فرعون والقبط على يديه، فتصادفت وتوافقت الرؤيا مع الأثر الذي تلاه بنو إسرائيل، فقام فرعون بإشارة من بطانة السوء فقال: اقتلوا أبناءهم واستحيوا نساءهم، فانظر إلى ألطاف الله بأنبيائه، وكيف يحيطهم برعايته، ثم قال فرعون بعد ذلك: اقتلوا الأولاد عاماً وذروا الأولاد عاماً، فالله جل في علاه قدر أن يولد هارون ﵇ في العام الذي لا يقتل فيه الأبناء، أما موسى فإنه أروع وأقوى لطفاً عند الله جل في علاه، فقد ولد في العام الذي يقتل فيه فرعون الأبناء، فإن الله أوحى إلى أم موسى بلطف منه، قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) [طه:٣٩]، انظر إلى ألطاف الله، فرعون يكيد لأبناء بني إسرائيل، يقتل الأطفال، وكان قد رأى رؤيا أن مقتله، وأن هلاك ملكه وتدمير عروشه سيكون على يد طفل وليد، هذا الطفل الوليد بعدما أمر فرعون بقتل كل أبناء بني إسرائيل رباه هو في بيته، كأن الله يقول له: يا أيها المتكبر العاتي! يا أيها المأفون المفتون المغرور بكثرة جنوده وشدة بأسه وبطشه! إن ربك لا يغالب ولا يمانع، وإن أقدار الله جل في علاه لا بد حتماً واقعة، وإن هذا الطفل الذي رمت قتله سأربيه في دارك، يأكل من طعامك، ويشرب من شرابك، وينام على فراشك، ثم يكون هلاكك وهلاك قومك على يديه، انظر إلى ألطاف الله، ففرعون بعدما دبر المكيدة لقتل موسى، رباه الله في بيته وعلى فراشه، إنه اللطيف الخبير سبحانه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ثم بعدما تربى وترعرع شاباً، ثم رجلاً مدركاً بعثه الله نبياً، بشيراً ونذيراً إلى فرعون، فعتا وتكبر واستكبر، ثم جحد بآيات الله ظلماً وعدواناً، ثم بعد ذلك قال له بطانة السوء: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، انظر إلى هذه الكلمة يلوكها كل الظلمة: أتترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، إرهاباً وتطرفاً، يا للعجب! موسى النبي الكريم هو الذي يعيث في الأرض فساداً وتطرفاً وإرهاباً! قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، تكبر وتجبر، ظن أنه بسلطته وجنوده وبطشه سيغلب قوة الله، والله جل في علاه لطيف خبير يستدرج من يشاء من حيث لا يعلم، إن الله جل في علاه يكيد بالكائدين ويمكر بالماكرين، فهذا فرعون استدرجه الله جل في علاه إلى هلكته، بعدما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٦]، فقد أدرك موسى وأصحابه وقت طلوع الشمس، فأمامهم البحر وخلفهم فرعون العدو وقومه، ومع أن البحر مظنة الهلكة؛ فإن الغرق والموت داخله، وفرعون خلفهم، لكن انظروا إلى لطف الله فهو محيط بموسى وقومه، قال تعالى حاكياً حال أصحاب موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، نظر يوشع بن نون إلى أعماق البحار فقال: هاهنا أمرك ربك؟، قال: هاهنا أمرني ربي، وجاء مؤمن آل فرعون فقال: انظر يا موسى! هذا الموت المحتم، هذا الغرق الأكيد في مياه البحار، أأمرك ربك هنا؟ قال: أمرني ربي هنا، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣]. انظر إلى ألطاف الله جل في علاه كيف يخفي النجاة في محل الغرق، ويخفي النصر في محل الهزيمة، ويخفي اليسر في جوف العسر، سبحانه إنه هو اللطيف الخبير، قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣]، الذي أخرج الثمرة الطيبة من أرض ضحلة ، فإنه سيخرج النور من الظلام الحالك، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) [يس:٣٧] سبحانه جل في علاه، وقال سبحانه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. نسأل الله الكريم أن ينزل علينا لطفه، وأن يبرنا بكرمه وعطفه وجوده سبحانه جل في علاه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 69

ألطاف الله برسوله محمد ﷺ الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، لا تواري عنه سماء سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء، ويرى مخ سوقها سبحانه جل في علاه، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. أما بعد: فإن رسول الله ﷺ قد علمنا أسماء الله الحسنى، وكيف نتعبد بها، ثم حثنا على حفظها والعمل بها وتعليمها، حيث قال ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، أي: من تعبد الله بها دخل الجنة، ومن تدبرها دخل الجنة، وقد تدبرها قبلنا رسول الله ﷺ وطبقها واقعاً، فأتته المبشرات نتيجة لهذا التطبيق الواقعي في حياته ﷺ . انظر إلى ألطاف الله مع رسول الله ﷺ ، تكالبت الدنيا بأسرها عليه، فهذه قريش والعرب أجمعون رموا رسول الله ﷺ ومن معه عن قوس واحدة، أجج اليهود نار الحرب بين رسول الله ﷺ وبين العرب أجمع، فاليهود هم الذين عاثوا في الأرض فساداً، وأرادوا ناراً مؤججة على رسول الله حقداً عليه وحسداً، ألبوا قريشاً وألبوا العرب جميعاً على رسول الله ﷺ ، فجاءوا بخيلهم ورجلهم، وجاءوا بصناديدهم وسيوفهم وحديدهم، فالتفوا حول المدينة وأحاطوا برسول الله ﷺ شر إحاطة، ثم بعد ذلك نزل الكرب الشديد على أصحاب رسول الله ﷺ ، وزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً، حيث صور لنا الله الموقف تصويراً بديعاً، وصفهم أنهم جاءوا من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وقال المؤمنون: ما وعدنا الله ورسوله إلا صدقاً وحقاً، أما المنافقون فقد ضربوا رسول الله من الداخل، جاء الطابور الخامس يرجفون في المدينة ويشيعون الإشاعات بأن رسول الله مهزوم حتماً، كانوا يقولون: هذا محمد الذي كان يعدنا بالنصر على الأعداء، ويعدنا بالتمكين في الأرض، ويعدنا بكنز كسرى وقيصر، يعدنا بهذا كله وأحدنا لا يأمن أن يخرج لقضاء حاجته، أين النصر الذي وعدنا به؟! فهؤلاء هم الذين ضربوا رسول الله ﷺ من داخل المدينة، أما من الخلف فقد جاء اليهود فنقضوا العهود؛ لأنهم لا عهد لهم ولا وعد، فقد قام بنو قريظة بنقض العهد مع رسول الله ﷺ ، فاشتد الكرب على رسول الله، وقال لـ سعد بن عبادة: (اذهب فأخبر لنا خبر القوم، فإذا علمت أنهم فعلوا ذلك فالحن لي لحناً، حتى لا تفت في عضد أهل الإسلام، فذهب فوجد أن القوم قد نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسل)، انظر أخي الكريم! إلى هؤلاء الكفار كيف أحاطوا برسول الله ﷺ وأصحابه من جميع الجهات، وهم قلة ضعاف لا يستطيعون حرباً ولا يستطيعون قتالاً، لكن ألطاف الله جل في علاه، وتدبير الله في كونه من فوق عرشه ، فقد أدرك الله رسوله ﷺ ومن معه من صحابته الكرام في المدينة بألطافه، فإنه يدبر من حيث لا يحتسبون، فكلنا يعلم أن نعيم بن مسعود أسلم بعدما كان أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وأصحابه، فقد قلب اللطيف قلبه إلى الإسلام، فأسلم وجاء إلى رسول الله ﷺ يسأله ماذا يفعل من أجل أهل الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : (خذل عنا الناس ما استطعت)، فقام نعيم بتدبير الله ولطفه ففرق بين اليهود والكفار، فقد ذهب إلى قريش فألبهم على يهود بني قريظة، وذهب إلى يهود بني قريظة فألبهم على قريش، وانفض الحصار من حول رسول الله ﷺ ، ورد الله الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً، ألطاف الله جل في علاه برسوله ﷺ حينما حفر الخندق، وهو في هم وغم وحزن مما يحدث له ولأصحابه، ومع ذلك يضرب صخرة وهو مستيقن باللطيف الخبير الذي يدبر الأمر من فوق العرش، فيقول ﷺ : (أبشروا! فتحت لي كنوز كسرى وقيصر، أعطيت الكنزين: الأحمر والأصفر)، والله الذي لا إله إلا هو إنا مستيقنون بربنا كما استيقن رسول الله ﷺ بربه، وإنا سنعطى الكنزين: الأحمر والأصفر، وإن الله جل وعلا سيمكن لدينه في الأرض، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وإني مصدق في قول رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، وقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم)، وبشر رسول الله ﷺ -مع هذا الكرب العظيم وهذه الشدة التي نزلت به- ابنته فاطمة فقال: (أبشري يا ابنتي! والله لن يترك هذا الدين بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز وذل ذليل).

стр. 70

مبشرات في زمن الاستضعاف نحن والله مستيقنون بربنا، في أن البشرى العظمى ستكون لأهل الإسلام، وأن أهل الإسلام ستكون لهم القيادة والريادة والسيادة، وأن الله أخفى المنحة في المحنة، وأن الله يصنع الرجال من الشدائد، وأن الله يستخرج النصر من أنياب القهر والظلم والعدوان، لكن لا يكون ذلك إلا بشرط وبقيد عظيم قد فعله رسول الله ﷺ وفعله الصحابة الكرام ﵃، ألا وهو: التعبد والتذلل لله والتمسك بدينه جل في علاه، والرجوع إلى كتاب الله جل في علاه، والرجوع إلى سنة النبي ﷺ . إذاً: تعرف على ربك بقدرته، فإنك لن تصل إلى اليأس أبداً، ولن تصل إلى القنوط أبداً، ولن تتسخط على أقدار الله أبداً، ولن تقول: هؤلاء أهل الكفر قد عتوا في الأرض فساداً، وتربعوا على عرش الدنيا، وكل أهل الإسلام الآن في حقارة وفي ذل وفي مهانة، فلم يفعل الله بنا ذلك؟! أقول مجيباً له: تدبر لطف ربك بك، فإن الله يبتليك لترجع إليه، ينزل عليك البلاء تترى حتى يرفعك ويمكن لك، فإن الإنسان لا يمكن حتى يبتلى، قيل للشافعي: يا إمام! أيمكن المرء أم يبتلى؟ فـ الشافعي الذي يعرف ألطاف الله وأنه يخفي الخير داخل الشر قال: لا يمكن المرء حتى يبتلى. هذه سنن كونية قد قدرها الله وكتبها من فوق عرشه في اللوح المحفوظ، فيجب علينا أن نرجع إلى ربنا، وأن نتدبر في أسمائه الحسنى وفي صفاته العلى، وأن نعبده كما عبده رسوله ﷺ ، وأن نرمي الدنيا خلفنا ظهرياً، فنحن الذين نزعم أننا نؤم الناس ونربيهم وندعوهم، هل فعلنا ما أمرنا به رسول الله ﷺ ؟ إن رسول الله ﷺ استيقن بربه فقدم لذلك، أما نحن فقد تحاربنا وتنازعنا على دنيا زائلة، وتهافتنا على جيف لا يتهافت عليها إلا الكلاب، فنحن الذين أتينا بهذا البلاء، وهذا الظلم والعدوان علينا، والله لا نلومن إلا أنفسنا، فالله سبحانه لطيف خبير قدير على كل شيء، يبتلي العبد بالعبد نتيجة عمله، فإنه جل في علاه إذا كشف عن القلوب ووجد أن العمل لغيره فلن يوفق ولن يسدد ولن ينصر أبداً، وهذا من سننه الكونية ، فإن الطائفتين إذا التقتا بسيفيهما وكانتا على الكفر فإن الله يجعل الغلبة للأقوى منهما، أما إذا كانت إحدى الطائفتين مؤمنة مستيقنة متدبرة في أوامر الله جل في علاه، والطائفة الأخرى على الكفر، وهذا واقع ومشاهد، نراه كل يوم ونسمع به، فإن الله يجعل الغلبة لأهل الإسلام لطفاً بهم؛ لأنه يحب أولياءه وينصرهم. أختم كلامي بحديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وقال ﷺ : (إن دم المسلم أعظم عند الله وأشرف من الكعبة)، كما وصف ابن عباس مستيقناً في كلام رسول الله ﷺ : (أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وإن حرمة دم المسلم أعظم وأشرف عند الله منك). كونوا من أولياء الله تأتيكم المبشرات ويأتيكم النصر المبين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أنزل على المؤمنين نصراً مؤزراً، اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا، اللهم ارحم أموات المسلمين أجمعين. اللهم أجمع كلمتنا جميعاً تحت رايتك يا رب العالمين! وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 71

فضل وأحكام السواك من أعظم ما يقرب المرء من الله جل وعلا فعل النوافل والإتيان بالسنن، وقد حث النبي الكريم ﵊ على سنة عظيمة كان حريصاً عليها إلى آخر أيام حياته وهي سنة السواك، فالسواك سنة، وله فوائد كثيرة، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب.

стр. 72

أحاديث تحث على السواك إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الإمام المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الأحكام: [باب السواك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ (إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك). وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت النبي ﷺ استن استناناً قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو أصبعه ثم قال: (في الرفيق الأعلى ثلاثاً. ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي). وفي لفظ: (فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أي: نعم) هذا لفظ البخاري ولـ مسلم نحوه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: (أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع)]. السواك سنة عظيمة جليلة القدر من سنن النبي ﷺ ، هذه سنة تخص الوضوء، وتخص الصلاة، وهي من سنن الصلاة. وقد روى أحاديث السواك أبو هريرة ﵁ وأرضاه، وحذيفة وعائشة وابن الزبير وعلي وغيرهم ﵃ أجمعين.

стр. 73

ترجمة حذيفة بن اليمان حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه هو صاحب سر النبي ﷺ ، والنبي ﷺ قد ائتمن حذيفة على أسماء المنافقين، وكان حذيفة يشتهر بين أصحاب رسول الله ﷺ بأنه صاحب السر الذي يعلم أسماء المنافقين. ولذلك عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه الخليفة الراشد الورع التقي الذي قال فيه النبي ﷺ : (لو سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً غير فجه)، قال عمر لـ حذيفة: بالله عليك يا حذيفة! أسماني لك رسول الله ﷺ ؟ يخشى على نفسه أن يكون قد سماه النبي ﷺ من المنافقين، فقال: لا والله! يا أمير المؤمنين! ولا أزكي أحداً بعدك. وكان حذيفة من فقهه أن الصحابة كانوا يذهبون لرسول الله ﷺ يسألون عن الخير، وكان حذيفة يخالف سؤال هؤلاء الصحابة عن الخير فيسأل هو عن الشر، وكان يقول: كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع فيه، وأنشد بعضهم: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه وحذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه أسلم قديماً لكنه لم يشهد بدراً؛ لأنه أبوه لما ذهبا إلى المدينة للنبي ﷺ مرا بقريش فما أرادوا أن يتركوهما حتى قالا: ما ذهبنا إلا إلى المدينة، فقالوا: ذهبتما إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ما ذهبنا إلا إلى المدينة، فلما ذهبا إلى رسول الله ﷺ وقصا عليه القصة قالا: لو أردت يا رسول الله! لقاتلنا معك، فقال النبي ﷺ : (نفي لهم)، أي: للمشركين، وهذه تبين عظم الوعد، وأن المؤمن من خصاله ومن شيمه أنه يفي بوعده حتى ولو كان للكفار. وحذيفة بن اليمان بعد ذلك شهد أحداً وما بعدها مع رسول الله ﷺ . وكان تقياً ورعاً عابداً ناقلاً لأحاديث النبي ﷺ ، فلما أمّره عمر بن الخطاب ذهب إلى إمارته على بغلته، وكانت الأموال تأتيه والغنائم، فبعدما رجع حذيفة أرسل إليه عمر فقال: ائتنا، وكان عمر يختبر الصحابة بهذا، فينظر في الصحابة هل غيرتهم الدنيا أم لا؟ ثم اختبأ عمر له، حتى ينظر في حاله، فجاء حذيفة على البغلة التي سار فيها إلى إمارته لم يتغير حاله بعدما تأمر على الناس، فذهب عمر فاحتضنه وقال: أنت أخي وأنا أخوك. مات حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه بعد مقتل عثمان بأربعين يوماً. وكفاه فخراً بأنه صاحب سر النبي ﷺ ، وكان عمر بن الخطاب ينظر في الجنازات فينظر هل صلى حذيفة على هذه الجنازة أم لا؟ فإن صلى حذيفة صلى عليها، وإن لم يصل حذيفة لم يصل عليها، فلو صلى عليها فهذا ليس من المنافقين فيصلي عليه، وإن لم يصل عليها حذيفة لم يصل عمر؛ لأنه يأتمر بأمر الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].

стр. 74

أهمية العمل بالسنن هذه الأحاديث تبين لنا سنة عظيمة وهي سنة السواك، والنبي ﷺ ما ترك شاردة ولا واردة إلا نصح الأمة بها، فيبين لهم الفرائض، ثم يبين لهم السنن والمستحبات، فبين النبي ﷺ كيف يكون الارتقاء بالأمة، فالسنن المستحبات تكون بعد الفرائض؛ ليرتقي المرء من درجة المحبة إلى درجة المحبوبية، إذ إن درجة المحبة مرتبة يشترك فيها أهل الإسلام، وأما درجة المحبوبية يشترك فيها أهل الإيمان وأهل الإحسان. فمراتب الدين ثلاث: المرتبة الأولى: الإسلام، وهؤلاء الذين قاموا بالفرائض واجتنبوا النواهي، ويجمع ذلك حديث النبي ﷺ القدسي في الصحيحين أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه). ثم قال بعد ذلك: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته)، وهذه درجة المحبوبية، (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)، رعاية وكلاءة من الله لهذا العبد الذي ارتقى إلى درجة المحبوبية. ولذلك كان النبي ﷺ يبين أن مراتب العلو عند الله تكون بكثرة النوافل، وقد بينت أكثر من مرة أن مولى من موالي رسول الله ﷺ عندما قدم الماء للرسول فتوضأ منها وقال له: (سلني ما شئت؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة)، سأله الفردوس الأعلى، فقال: (أعنّي على نفسك بكثرة السجود). وكثرة السجود أي: النوافل، ولذلك دخل أبو ذر مسجداً فصلى كثيراً، ثم سلم فقال رجل لآخر: أرأيت هذا الرجل؟ دخل فصلى فسلم ولا يدري أسلم على وتر أم على شفع؟! فلما سمع أبو ذر هذا الكلام قال: سمعت خليلي يقول: (من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة). ولذلك ورد بأسانيد وإن كان فيها كلام أن أحمد بن حنبل كان له من النوافل ثلاثمائه في اليوم والليلة، فالنوافل تعلو بالمرء إلى المراتب العلى عند الله جل في علاه. ومن يقوم بالفريضة لا بد أن يدخلها النقص، فسن الرسول لنا النوافل والسنن التي تحفظ لك الفرائض؛ لأن الجوهرة إذا كانت عارية عن الحفظ سرقت بسهولة، لكن إذا كانت هذه الجوهرة في مكان أمين، ومحاطة بسور، لا يستطاع الوصول إليها. فالنوافل التي بينها النبي ﷺ تسد الخلل الذي يدخل منه الشيطان، فمن هذه السنن التي علمنا النبي ﷺ إياها السواك، وهي سنة أميتت، ولا أدري لماذا يتقاعس عنها الناس مع أن بعض الفقهاء أوجبوا السواك، ومنهم من أبطل الصلاة بدون التسوك! وقد كان النبي ﷺ أحرص الناس عليها؛ ولذلك تأسى أصحاب رسول الله برسول الله بهذه السنة العظيمة كما في سنن أبي داود بسند صحيح أن زيد بن خالد الجهني كان يكون السواك على أذنه كموضع القلم من أذن الكاتب، فالكاتب الذي يكتب على الكاغد في عصر النبي ﷺ كان يضع القلم على الأذن.

стр. 75

مواضع استعمال السواك أولاً: عند الوضوء لقول النبي ﷺ كما في البخاري: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية أخرى قال: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا الموضع الثاني. الموضع الثالث: عند القيام من النوم، وفي الحديث: (السواك مرضاة للرب ومطهرة للفم)، فالتسوك عند الصلاة للتعبد، ومطهرة للفم هذا تعليل على العموم، فبعد القيام من النوم يسن التسوك، وفي الحديث المذكور هنا: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، يعني يغسل فاه بالسواك، ويدلك فمه به دلكاً شديداً حتى يغير رائحة الفم، ومن السنة أن يسوك لسانه؛ لأن أبا موسى قال: (رأيت السواك على طرف لسان رسول الله) أي: كان ينظف اللسان ويدلك بالسواك عرضاً على الأسنان، وهذه هي السنة، أن يتسوك عرضاً للأسنان وطولاً للسان، فعند القيام من النوم تتغير رائحة الفم لأبخرة المعدة؛ فيسن أن يتسوك الإنسان بالسواك، والسواك هو عود الأراك. الموضع الرابع: عند قراءة القرآن؛ للأحاديث التي وردت بأن الإنسان إذا قام من الليل وقرأ القرآن فإن الملك يقترب من القارئ حتى يضع الفم على الفم، فلابد ألا يؤذي الملائكة؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، فيسن أن يتسوك قبل أن يقرأ القرآن. وقد حرصت النساء على هذه السنة، فقد دخل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه على فاطمة بنت محمد ﷺ ، وفي فمها السواك تتسوك به، فقال مداعباً لـ فاطمة: حظيت بثغرها يا عود الأراك أما خفت يا عود الأراك أراك لو كنت من أهل القتال قتلتك ما نجا مني يا سواك سواك وهذا مداعبة من علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لـ فاطمة بنت محمد ﷺ . وهناك قصة سندها ضعيف لكنا نستأنس بها، ونبين الفوائد الجمة من التمسك بالسنة، وهي أن جند المسلمين كانوا يحاصرون قرية وأغلقت عليهم جميع المنافذ لها فقال أحد الفقهاء: انظروا في أنفسكم، فتشوا في أنفسكم لعلكم تركتم سنة من سنن النبي ﷺ ؛ فسد الله الباب عنكم، فنظروا فقالوا: تركنا السواك! فقام رجل فذهب إلى شجرة فقطعها وأخذوا يستعملوها كسواك, فنظر إليهم الكفار فقالوا: هؤلاء يحدون أسنانهم بالشجر حتى يأكلوكم أو يقطعوا لحومكم، فخاف القوم وارتجفوا ففتح الله عليهم بتمسكهم بهذه السنة.
следующие страницы →