← Джавами‘

Джавами‘ · id 37634

دروس الشيخ محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (390 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فضل وأحكام السواك من أعظم ما يقرب المرء من الله جل وعلا فعل النوافل والإتيان بالسنن، وقد حث النبي الكريم ﵊ على سنة عظيمة كان حريصاً عليها إلى آخر أيام حياته وهي سنة السواك، فالسواك سنة، وله فوائد كثيرة، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب.

стр. 72

أحاديث تحث على السواك إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الإمام المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الأحكام: [باب السواك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وعن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ (إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك). وعن عائشة ﵂ قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت النبي ﷺ استن استناناً قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو أصبعه ثم قال: (في الرفيق الأعلى ثلاثاً. ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي). وفي لفظ: (فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أي: نعم) هذا لفظ البخاري ولـ مسلم نحوه. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يستاك بسواك رطب قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: (أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع)]. السواك سنة عظيمة جليلة القدر من سنن النبي ﷺ ، هذه سنة تخص الوضوء، وتخص الصلاة، وهي من سنن الصلاة. وقد روى أحاديث السواك أبو هريرة ﵁ وأرضاه، وحذيفة وعائشة وابن الزبير وعلي وغيرهم ﵃ أجمعين.

стр. 73

ترجمة حذيفة بن اليمان حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه هو صاحب سر النبي ﷺ ، والنبي ﷺ قد ائتمن حذيفة على أسماء المنافقين، وكان حذيفة يشتهر بين أصحاب رسول الله ﷺ بأنه صاحب السر الذي يعلم أسماء المنافقين. ولذلك عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه الخليفة الراشد الورع التقي الذي قال فيه النبي ﷺ : (لو سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً غير فجه)، قال عمر لـ حذيفة: بالله عليك يا حذيفة! أسماني لك رسول الله ﷺ ؟ يخشى على نفسه أن يكون قد سماه النبي ﷺ من المنافقين، فقال: لا والله! يا أمير المؤمنين! ولا أزكي أحداً بعدك. وكان حذيفة من فقهه أن الصحابة كانوا يذهبون لرسول الله ﷺ يسألون عن الخير، وكان حذيفة يخالف سؤال هؤلاء الصحابة عن الخير فيسأل هو عن الشر، وكان يقول: كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع فيه، وأنشد بعضهم: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه وحذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه أسلم قديماً لكنه لم يشهد بدراً؛ لأنه أبوه لما ذهبا إلى المدينة للنبي ﷺ مرا بقريش فما أرادوا أن يتركوهما حتى قالا: ما ذهبنا إلا إلى المدينة، فقالوا: ذهبتما إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ما ذهبنا إلا إلى المدينة، فلما ذهبا إلى رسول الله ﷺ وقصا عليه القصة قالا: لو أردت يا رسول الله! لقاتلنا معك، فقال النبي ﷺ : (نفي لهم)، أي: للمشركين، وهذه تبين عظم الوعد، وأن المؤمن من خصاله ومن شيمه أنه يفي بوعده حتى ولو كان للكفار. وحذيفة بن اليمان بعد ذلك شهد أحداً وما بعدها مع رسول الله ﷺ . وكان تقياً ورعاً عابداً ناقلاً لأحاديث النبي ﷺ ، فلما أمّره عمر بن الخطاب ذهب إلى إمارته على بغلته، وكانت الأموال تأتيه والغنائم، فبعدما رجع حذيفة أرسل إليه عمر فقال: ائتنا، وكان عمر يختبر الصحابة بهذا، فينظر في الصحابة هل غيرتهم الدنيا أم لا؟ ثم اختبأ عمر له، حتى ينظر في حاله، فجاء حذيفة على البغلة التي سار فيها إلى إمارته لم يتغير حاله بعدما تأمر على الناس، فذهب عمر فاحتضنه وقال: أنت أخي وأنا أخوك. مات حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه بعد مقتل عثمان بأربعين يوماً. وكفاه فخراً بأنه صاحب سر النبي ﷺ ، وكان عمر بن الخطاب ينظر في الجنازات فينظر هل صلى حذيفة على هذه الجنازة أم لا؟ فإن صلى حذيفة صلى عليها، وإن لم يصل حذيفة لم يصل عليها، فلو صلى عليها فهذا ليس من المنافقين فيصلي عليه، وإن لم يصل عليها حذيفة لم يصل عمر؛ لأنه يأتمر بأمر الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].

стр. 74

أهمية العمل بالسنن هذه الأحاديث تبين لنا سنة عظيمة وهي سنة السواك، والنبي ﷺ ما ترك شاردة ولا واردة إلا نصح الأمة بها، فيبين لهم الفرائض، ثم يبين لهم السنن والمستحبات، فبين النبي ﷺ كيف يكون الارتقاء بالأمة، فالسنن المستحبات تكون بعد الفرائض؛ ليرتقي المرء من درجة المحبة إلى درجة المحبوبية، إذ إن درجة المحبة مرتبة يشترك فيها أهل الإسلام، وأما درجة المحبوبية يشترك فيها أهل الإيمان وأهل الإحسان. فمراتب الدين ثلاث: المرتبة الأولى: الإسلام، وهؤلاء الذين قاموا بالفرائض واجتنبوا النواهي، ويجمع ذلك حديث النبي ﷺ القدسي في الصحيحين أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه). ثم قال بعد ذلك: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته)، وهذه درجة المحبوبية، (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)، رعاية وكلاءة من الله لهذا العبد الذي ارتقى إلى درجة المحبوبية. ولذلك كان النبي ﷺ يبين أن مراتب العلو عند الله تكون بكثرة النوافل، وقد بينت أكثر من مرة أن مولى من موالي رسول الله ﷺ عندما قدم الماء للرسول فتوضأ منها وقال له: (سلني ما شئت؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة)، سأله الفردوس الأعلى، فقال: (أعنّي على نفسك بكثرة السجود). وكثرة السجود أي: النوافل، ولذلك دخل أبو ذر مسجداً فصلى كثيراً، ثم سلم فقال رجل لآخر: أرأيت هذا الرجل؟ دخل فصلى فسلم ولا يدري أسلم على وتر أم على شفع؟! فلما سمع أبو ذر هذا الكلام قال: سمعت خليلي يقول: (من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة). ولذلك ورد بأسانيد وإن كان فيها كلام أن أحمد بن حنبل كان له من النوافل ثلاثمائه في اليوم والليلة، فالنوافل تعلو بالمرء إلى المراتب العلى عند الله جل في علاه. ومن يقوم بالفريضة لا بد أن يدخلها النقص، فسن الرسول لنا النوافل والسنن التي تحفظ لك الفرائض؛ لأن الجوهرة إذا كانت عارية عن الحفظ سرقت بسهولة، لكن إذا كانت هذه الجوهرة في مكان أمين، ومحاطة بسور، لا يستطاع الوصول إليها. فالنوافل التي بينها النبي ﷺ تسد الخلل الذي يدخل منه الشيطان، فمن هذه السنن التي علمنا النبي ﷺ إياها السواك، وهي سنة أميتت، ولا أدري لماذا يتقاعس عنها الناس مع أن بعض الفقهاء أوجبوا السواك، ومنهم من أبطل الصلاة بدون التسوك! وقد كان النبي ﷺ أحرص الناس عليها؛ ولذلك تأسى أصحاب رسول الله برسول الله بهذه السنة العظيمة كما في سنن أبي داود بسند صحيح أن زيد بن خالد الجهني كان يكون السواك على أذنه كموضع القلم من أذن الكاتب، فالكاتب الذي يكتب على الكاغد في عصر النبي ﷺ كان يضع القلم على الأذن.

стр. 75

مواضع استعمال السواك أولاً: عند الوضوء لقول النبي ﷺ كما في البخاري: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية أخرى قال: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا الموضع الثاني. الموضع الثالث: عند القيام من النوم، وفي الحديث: (السواك مرضاة للرب ومطهرة للفم)، فالتسوك عند الصلاة للتعبد، ومطهرة للفم هذا تعليل على العموم، فبعد القيام من النوم يسن التسوك، وفي الحديث المذكور هنا: (كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، يعني يغسل فاه بالسواك، ويدلك فمه به دلكاً شديداً حتى يغير رائحة الفم، ومن السنة أن يسوك لسانه؛ لأن أبا موسى قال: (رأيت السواك على طرف لسان رسول الله) أي: كان ينظف اللسان ويدلك بالسواك عرضاً على الأسنان، وهذه هي السنة، أن يتسوك عرضاً للأسنان وطولاً للسان، فعند القيام من النوم تتغير رائحة الفم لأبخرة المعدة؛ فيسن أن يتسوك الإنسان بالسواك، والسواك هو عود الأراك. الموضع الرابع: عند قراءة القرآن؛ للأحاديث التي وردت بأن الإنسان إذا قام من الليل وقرأ القرآن فإن الملك يقترب من القارئ حتى يضع الفم على الفم، فلابد ألا يؤذي الملائكة؛ لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، فيسن أن يتسوك قبل أن يقرأ القرآن. وقد حرصت النساء على هذه السنة، فقد دخل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه على فاطمة بنت محمد ﷺ ، وفي فمها السواك تتسوك به، فقال مداعباً لـ فاطمة: حظيت بثغرها يا عود الأراك أما خفت يا عود الأراك أراك لو كنت من أهل القتال قتلتك ما نجا مني يا سواك سواك وهذا مداعبة من علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لـ فاطمة بنت محمد ﷺ . وهناك قصة سندها ضعيف لكنا نستأنس بها، ونبين الفوائد الجمة من التمسك بالسنة، وهي أن جند المسلمين كانوا يحاصرون قرية وأغلقت عليهم جميع المنافذ لها فقال أحد الفقهاء: انظروا في أنفسكم، فتشوا في أنفسكم لعلكم تركتم سنة من سنن النبي ﷺ ؛ فسد الله الباب عنكم، فنظروا فقالوا: تركنا السواك! فقام رجل فذهب إلى شجرة فقطعها وأخذوا يستعملوها كسواك, فنظر إليهم الكفار فقالوا: هؤلاء يحدون أسنانهم بالشجر حتى يأكلوكم أو يقطعوا لحومكم، فخاف القوم وارتجفوا ففتح الله عليهم بتمسكهم بهذه السنة.

стр. 76

حب النبي ﵊ للسواك حديث عائشة ﵂ وأرضاها يبين لنا كيف كان حب عائشة في قلب رسول الله ﷺ ، وكيف كانت قريبة من قلبه وهو مريض، فكان يقسم لكل امرأة من نسائه ليلة لكن عندما مرض ذهب إلى من يحب، فذهب رسول الله ﷺ إلى عائشة فيا لها من حظوة كانت لـ عائشة عند رسول الله ﷺ ! فحظيت في مرض موت النبي ﷺ أنه نام على حجرها فنظر رسول الله ﷺ إلى أخيها وفي يده السواك، فمد بصره وأطال النظر إلى السواك كأنه يقول: أريد السواك، وكل لبيب بالإشارة يفهم. فنظرت عائشة فقالت: تريده يا رسول الله؟ قالت: وكنت أعلم حب رسول الله ﷺ للسواك، فأشار برأسه أي: نعم، فأخذت السواك فقضمته حتى تلينه لرسول الله ﷺ ، فأخذه رسول الله بأبي هو وأمي، فتسوك به، قالت: ما رأيته تسوك أحسن تسوكاً من هذا التسوك، ثم نظر إلى السماء بأبي هو وأمي فقال: (اللهم! الرفيق الأعلى، اللهم! الرفيق الأعلى)، فبعدما خير الدنيا وبين الآخرة اختار جوار ربه ﷺ ، فقد بلغ أتم وأحسن البلاغ صلى الله عليه أفضل السلام وأزكى التسليم، وعائشة ﵁ وأرضاها بينت لنا حب النبي لهذه السنة حتى عند موته، ليحرص كل امرئ منا على هذه السنة العظيمة ولا يتهاون فيها، ويعلم أنها من سنن المرسلين.

стр. 77

مسائل فقهية في السواك

стр. 78

حكم السواك المسألة الأولى: وجوب السواك أو استحبابه، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: قول جماهير أهل العلم بأنه سنة مستحبة، ودليلهم على ذلك قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة). ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: (لأمرتهم) أي: امتنع النبي من الأمر بالسواك لوجود المشقة، فانتفى الوجوب وبقي الاستحباب وقال بالوجوب داود الظاهري وإسحاق بن راهويه وإن كان بعضهم يشكك في أن ينسب هذا القول له، ويستدل له بحديث في سنن ابن ماجة عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم). و (تسوكوا) هذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، ويستدل لهم أيضاً بأن النبي ﷺ داوم على استعمال السواك، ولم يرد دليل واحد على أنه لم يستخدم هذا السواك، فديمومة فعل النبي مع أمره دل على الوجوب؛ لأن القاعدة تقول: فعل النبي بيان للواجب وبيان الواجب واجب. والراجح هو قول الجمهور وهو الاستحباب؛ لأن حديث عائشة الذي في سنن ابن ماجة سنده ضعيف، ولم يصح عن النبي ﷺ ، والقاعدة عند العلماء أنه إذا ثبت ضعف الحديث فلا حجة فيه. أما ديمومة فعل النبي فالأصل في فعل النبي الاستحباب لا الوجوب، والديمومة تدل على تأكد استحباب استعمال السواك.

стр. 79

حكم السواك أثناء الصيام المسألة الثانية: هل يستحب في الصيام السواك أم يكره؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول جماهير أهل العلم من المالكية والأحناف ورواية عن الحنابلة باستحباب السواك طوال اليوم، واستدلوا على ذلك بعموم قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، واستدلوا أيضاً بحديث عامر بن ربيعة قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتسوك وهو صائم). القول الثاني: قول الشافعية؛ فقالوا بكراهة السواك بعد الزوال للصائم، وهذه رواية عن أحمد ورجحها ابن قدامة، واستدلوا على ذلك بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال: (خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، فإنه سيضيع هذه الرائحة بالسواك، فيكره لهم أن يفعل ذلك؛ لأن هذه الرائحة أطيب عند الله من ريح المسك. والراجح الصحيح هو قول جماهير أهل العلم، وهو استحباب استعمال السواك للصائم ولغير الصائم، للدليل الصريح الأول: (لولا أن أشق على أمتي) وهو عام، أما حديث عامر بن ربيعة فهو حديث ضعيف لا حجة فيه، لكن نستأنس به، والعمدة حث النبي ﷺ على استعمال السواك سواء في الصوم أو في غير الصوم. أما الحجة التي تعلق بها الشافعية فليس فيها قوة، إذ إن المسألة عند الله جل وعلا غير المسألة عند البشر، فاستعمال السواك لا يغير الرائحة؛ لأن هذه الرائحة ليست رائحة الفم، وإنما هي رائحة خرجت من أبخرة المعدة، فعند خلو المعدة تخرج لها أبخرة تحمل هذه الرائحة.

стр. 80

استعمال السواك باليسرى أم اليمنى المسألة الثالثة: مسألة استعمال السواك، هل يكون باليد اليمنى أم باليد اليسرى؟ بعض العلماء يقول: استعمال السواك يكون باليد اليسرى، وبعضهم يقول: باليد اليمنى، ودليل من قال: باليد اليمنى عموم حديث عائشة ﵂ وأرضاها (أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في كل شيء، وفي شأنه كله)، ويدخل السواك في هذا العموم، ولك أن تقول: تسوك رسول الله باليمنى، وهو استنباط كقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣]، والحديث عام: (في شأنه كله). والراجح في هذه المسألة أنه إذا أراد أن يزيل بقايا الطعام في الأسنان فيتسوك باليسار؛ لأن النبي ﷺ كان يجعلها لإزالة النجاسات، أما إذا أراد أن يتسوك للوضوء تعبداً أو لقراءة القرآن تعبداً أو للصلاة تعبداً فيتسوك باليمين.

стр. 81

اجتهاد النبي ﷺ المسألة الرابعة: وهي الأخيرة في هذا الباب أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)، فهل هذا اجتهاد من النبي؟ وهل يسمح للنبي بالاجتهاد أم هو ناقل نقلاً محضاً؟ هذا فيه اختلاف أصولي عريض بين العلماء، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، وقال النبي ﷺ : (ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه)، لكن الصحيح الراجح أن للنبي أن يجتهد، ولكن ليس على الإطلاق، فإن أخطأ لا يقر على الخطأ، والأدلة والواقع يشهد بذلك، فإن رسول الله ﷺ اجتهد في أسارى الحرب وعاتبه الله على ذلك، قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، فخالف اجتهاد النبي ﷺ أمر الله جل في علاه. الأمر الثاني: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]. الأمر الثالث: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣]؛ لأنه أذن للمنافقين المعتذرين فقال له الله معاتباً إياه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣]، ثم عاتبه: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]. فهذه فيها دلالة على أن النبي يجتهد لكن لا يقر على الاجتهاد الخاطئ.

стр. 82

الفوائد المستنبطة من الأحاديث المتعلقة بالسواك الفوائد المستنبطة من الحديث: أولاً: عظم سنة الاستياك، وأن الإنسان لا بد أن يحرص على تمام صلاته وتمام وضوئه في التمسك بهذه السنة العظيمة. الفائدة الثانية: إن الله يحب معالي الأمور، ويحب صاحب الهمة العالية، أما الهمة الدونية فهو بعيد عن مراقي الصعود؛ لأن النبي ﷺ بين لنا: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى)، ولما خير النبي بين الدنيا والآخرة قال: (اللهم! الرفيق الأعلى)، فهذه همة عالية، فهو يريد جوار الله جل في علاه. الفائدة الثالثة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح؛ لأن النبي ﷺ درأ المشقة بعدم الأمر، فخشية من هذه المفسدة وهي ألا يستطيع المسلم أن يأتمر بأمر الرسول الله ﷺ فيُعاقب على ترك هذا الأمر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 83

آداب طالب العلم من آداب طالب العلم: الإخلاص، وسلامة المنهج، ومحبة الله، والحرص على طلب العلم مع العمل به، والتحلي بثمرة العلم وهي خشية الله وتقواه في السر والعلن.

стр. 84

شرف طالب العلم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فيكفي طالب العلم فخراً قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، وما أشد فخره بأن الله جل وعلا استشهده على أشرف مشهود, حيث يقول سبحانه جل في علاه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فيا فخر طالب العلم! إذ جعله الله جل وعلا من الشهداء على أشرف مشهود عليه وهو توحيد الله جل في علاه. خطب معاوية الناس فأخذ يبين جلالة قدر طالب العلم وأهل العلم فقال: قال رسول الله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وقد دعا رسول الله ﷺ لابن عمه فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وقال رسول الله ﷺ مبيناً شرف طلب العلم وشرف العالم على العابد: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع, وإن العالم ليستغفر له من في الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) وشتان ما بين القمر وسائر الكواكب. وفي رواية: أنه قال: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر). وقال النبي ﷺ مبيناً فضل طالب العلم على الناس أجمعين: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). وقال النبي ﷺ : (فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع).

стр. 85

من آداب طالب العلم وقد عز في هذا الزمان الصبر على طلب العلم, وقد قيل: من جد وجد، ومن طلب العلا سهر الليالي، وقال الشاعر: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا وقال بعض من السلف الصالح: إن هذا العلم لا ينال براحة الجسد. وكان الإمام مالك ﵁ وأرضاه يقول: لن يصل لهذا العلم غني؛ لأن الغنى والترفيه يضعف الهمم, فمن انشغل بالدنيا أضر دائماً بالآخرة، ومن أراد العلم فعليه أن يتأدب بآدابه.

стр. 86

الإخلاص لله فمن آداب طالب العلم: الإخلاص لله جل في علاه، فالعلم أجل العبادات, قال الإمام أحمد بن حنبل: ما أرى أفضل عبادة من العلم لمن صلحت نيته. فطلب العلم عبادة, والعبادة لا تقبل عند الله جل وعلا إلا بالإخلاص, قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وفي الحديث القدسي: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وقال النبي ﷺ : (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به). فيا طالب العلم! إذا علمت بفضل العلم, والله جل وعلا شرفك وجعل في قلبك همة الطلب, وأعزك من دون الناس، وجعلك من الذين يحملون شريعة الله جل وعلا, فإياك ثم إياك أن تطلب بذلك وجاهة أمام الناس أو رياء أو سمعة, أو طلباً لغرض دنيء من الدنيا، فإن كل ذلك زائل والباقي عند الله جل وعلا لا يكون إلا بالإخلاص, فإن من أول من تسعر بهم النار: عالم تعلم العلم لغير الله جل في علاه, إما ليماري به السفهاء، أو ليجادل به العلماء , أو ليرى مكانه بين الناس, أو ليترفع على الناس بهذا العلم, وإما أن يطلب به سلطة دنيوية دون أن تكون أخروية, فإياك ثم إياك! فإن أول من تسعر بهم النار هم العلماء الذين لم يطلبوا العلم لوجه الله الكريم, والمنافق يعاقب بنقيض قصده, قال رسول الله ﷺ : (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به). ومن فائدة الإخلاص لله جل وعلا: أن العبد بإخلاصه وإن لم يجد في الطلب فإن الله جلا وعلا يفتح له أبواباً ونوراً عظيماً في قلبه يفرق به بين الحق والباطل ولو بقليل من النظر في بعض الأدلة, وقد كان الإمام مالك يقول: إن العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء, وهذه المنقبة لا تكون إلا بالإخلاص, كما ورد بسند صحيح عن ابن عباس قال: يؤتى المرء الفهم بنيته. إذاً: فمدار كل العلم على القلب وعلى الإخلاص لله جل في علاه, والإخلاص رأس التقوى, قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، يعني: نظراً وفراسة، تفرقون به بين الحق والباطل.

стр. 87

الالتزام بمنهج السلف أما الأدب الثاني الذي لا بد أن يتمثل به طالب العلم: فهو أن يكون على المنهج السديد الصحيح منهج السلف الصالح. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه ولا بد لطالب العلم أن يدعو الله جل وعلا أن يثبته على الطريق السديد الصحيح , وهذا الطريق هو طريق السلف الصالح, طريق الذين نهلوا من علم رسول الله ﷺ ، المنهج القويم القائم على الوسطية بين الذين غالوا في دين الله والذين جفوا عن دين الله جل في علاه, فهم وسط في مسألة الإيمان، وسط في مسألة الأعمال, وسط في العبادات, وسط في المعاملات, وسط في العقائد, فأهل السنة والجماعة وسط بين الذين نفوا صفات الرب جل في علاه، وبين الذين غالوا في الإثبات فشبهوا صفات الخالق بالمخلوق, فقالوا: له يد كيد البشر, وعين كعين البشر, وينزل كما ينزل البشر, ويستوي كما يستوي البشر, أعوذ بالله من ذلك! والذين يغالون يقولون: لا يد, ولا عين, ولا بصر, فيعبدون عدماً, أما أهل السنة والجماعة أصحاب المنهج السديد القويم فهم وسط بين هؤلاء وبين هؤلاء, فهم يثبتون لله جل وعلا صفاته بلا تشبيه, وينزهون الله جل وعلا دون تعطيل، وهم وسط في الإيمان أيضاً بين الخوارج وبين المرجئة, فالخوارج الذين يكفرون بالمعصية يقولون: كل معصية تهدم الإيمان, فمن عصى الله جل وعلا ولو بالغيبة فهو كافر عليه أن يغتسل ويقول: لا إله إلا الله ليدخل الإسلام, والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب, فإن زنى وشرب الخمر وفعل الكبائر فإيمانه كما هو لا ينقص ولا يؤثر ذلك في إيمانه، فأهل السنة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح وأصحاب المنهج السلفي وسط بين هؤلاء الخوارج والمرجئة. أيضاً: فهم وسط في العبادات، فإنهم يتلمسون سنة رسول الله ﷺ , ولا يسيرون إلا على نهج الصحابة الذين ساروا على نهج رسول الله ﷺ , وآلوا على أنفسهم ألا يتعبدوا عبادة إلا عندما يسمعون قال رسول الله ﷺ ، أو قال الصحابة الكرام. العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

стр. 88

محبة الله جل وعلا والأدب الثالث الذي لا بد أن يتأدب به طالب العلم: محبة الله جل وعلا, وأن تتخلل محبة الله في مسالك الروح، فإن المحرك القوي والباعث الشديد والوازع القوي في قلب الإنسان الذي يحركه: هو حب الله جل في علاه, فتهون على المرء الدنيا بأسرها, إذ الإنسان يترك ما هو محبوب له لما هو أحب, فإن ترك الإنسان الدنيا وزخارفها وزينتها وسلطتها وكل ما فيها من الشهوات, فإنه يترك ذلك لأنه يركن إلى ما يصبو إليه في الآخرة عند ربه جل في علاه, فترك هذا المحبوب لما هو أحب إليه من الخلود في النعيم, مع حور العين, والتمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم, ورضا الرحمن فلا يسخط عليه أبداً، فإن المرء إذا عمق محبة الله جل في علاه في قلبه فإنه لن يتحرك إلا لله، ولسان حاله يقول: أنا لله وبالله ومع الله، ولذلك كان رسول الله ﷺ دائماً يسأل ربه جل في علاه فيقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك)؛ لأن حب الله جل وعلا يحرك كل ساكن, وحب الله جل في علاه يشعل الإيمان في قلب الإنسان, وحب الله في قلب الإنسان يجعله يبيع كل غال ونفيس, ويجعله يبذل روحه لله جل في علاه, ويجعله يقطع الأمصار جميعاً من أجل حمل هذه الشريعة, ويجعله يرفع راية لا إله إلا الله ويرى أن دمه رخيصاً إذا انصب تحت هذه الراية. فلا بد لطالب العلم أن يعود نفسه ويدربها على حب الله, والباعث لحب الله في قلب الإنسان أمور ثلاثة: معرفة عظمة الله جل وعلا, ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا, وكيف يتعبد الإنسان بهذه الأسماء الحسنى والصفات العلى. فلو تدبرت مثلاً في اسم الله جل في علاه اللطيف, ثم تعبدت لله بهذا الاسم؛ والله الذي لا إله إلا هو سيمتلئ قلبك من حب الله جل وعلا، ما معنى اللطيف؟ اللطيف: هو الذي أخفى الأشياء في أضدادها، مثل: الاضطرابات التي تنزل بالمسلمين, والبلايا والمهالك التي تحيط بالمسلمين, فالله لطيف يخفي الأشياء في أضدادها، ويجعل المحن التي تتولد منها المنح، وكان رسول الله ﷺ إذا اشتد عليه الأمر أشد ما يكون يرجو الفرج، فعندما تكالب عليه أهل الكفر في غزوة الأحزاب من قريش وغطفان واليهود وتحزبوا على رسول الله ﷺ , ووقفوا خطاً واحداً أمام رسول الله, وصارت محنة أشد ما تكون، وقد صورها الله جل وعلا أحسن تصوير فقال: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]، قال أحد الصحابة: وكان أحدنا يخشى أن يقضي حاجته! ومع ذلك رسول الله ﷺ يحمل المعول ثم يضرب الصخرة فيقول: (الله أكبر! أوتيت كنوز كسرى وقيصر) يقين في الله جل في علاه, فهذه المحنة العظيمة التي تحسبون أنها مهلكتكم سيأتي النصر منها, وقد غنمت كنوز كسرى وقيصر في عهد عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. ولما رد الله جل وعلا الكافرين بغيظهم لم ينالوا خيراً قال رسول الله ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا) , وكأن الأمر قد كتب في اللوح المحفوظ أن النبي ﷺ عندما استيقن بربه وتدبر في أسمائه الحسنى وصفاته العلا وعلم أن الله جل وعلا ردهم بغيظهم فإن الله قد مكن له من الآن، فقال رسول الله ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا). فطالب العلم إذا تدبر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى, والله الذي لا إله إلا هو لن يجد نفسه إلا وهو يبيع نفسه رخيصة في رضا الله جل في علاه, وأفضل الناس على الإطلاق في هذه الدنيا مشارقها ومغاربها العلماء والمجاهدون, فما أحد يقارن هؤلاء في الفضل, فالعالم من أفضل الناس لأنه يبين مراد الله ويبين مراد رسول الله, والآخر يجاهد من أجل أن يثبت مراد الله ومراد رسول الله ﷺ ، ولذلك قال لقمان لابنه وقالها ابن مسعود أيضاً: كن عالماً أو متعلماً أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك، ومصداق هذا قول الرسول ﷺ : (الدنيا ملعونة)، والزهد لا يرتبط بالغنى ولا بالفقر, قالوا للإمام أحمد: هل يكون الغني زاهداً؟ قال: نعم. قالوا: ما الزهد يا إمام؟! قال: إذا أخرجت درهماً فلا تنظر إليه وإذا أدخلت درهماً فلا تنظر إليه, بمعنى أنك إن أدخلت آلافاً في حصيلتك لا يؤثر ذلك في قلبك, ولو أخرجت آلافاً منها فلا يؤثر أيضاً في قلبك؛ لأنك تعامل الرب الكريم، فكلما أخرجت درهماً فعندك آلاف مؤلفة عند الله جل في علاه, وكلما دخلت عليك الآلاف قلت: هذا من فضل الله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، فتستخدمها فيما يرضي الله جل في علاه, وللإنسان أن يلتمس الغنى ليستخدمه في رضا الله جل في علاه. قال النبي ﷺ : (الدنيا ملعونة, ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه وعالماً ومتعلماً)، والجملة التي في الوسط هذا الحديث ترتبط بالشطر الأخير؛ لأن الإنسان لا يذكر الله ولا يتدبر ذكر الله إلا إذا كان عالماً أو متعلماً. قال على بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع. فالغثائية لا تساوي أي شيء, ونحن الآن كما وصفنا النبي ﷺ وكأن لوح الغيب فتح له فقال: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وأيضاً أخبر بأن من علامات الساعة: أن يقل العلم، فقال: (ينتشر الجهل، ويرفع العلم, وينتشر الزنا)، فهذه أمور كأنها من الغيب ألقاها رسول الله ﷺ علينا لنعلم أن طريق النجاة هو العلم، فلنعض عليه بالنواجذ، وكأن الإنسان يقبض على جمر فلا يتركه أبداً فإن نجاته في ذلك.

стр. 89

الحرص على طلب العلم ومن آداب طالب العلم: الحرص على الطلب, وأشكو إلى الله من طالب علم رفعه الله بهذه المنزلة وشرفه بأن يجلس مجالس العلم ثم بعد ذلك لا يصبر على طلب العلم, وعدم الصبر على طلب العلم شين في جبين الذي لا يصبر على طلب العلم, وهذه إهانة له، وهذا يدل على قلة قدره عند ربه جل في علاه، حيث أن الله أراه الفضل والشرف والعزة ثم يستدرجه ويسحبه من هذا الشرف العظيم, ويخشى أن هذا الرجل يسقط من عين الله؛ لأن العبد إذا ارتفع بعين الله فإن الله جل وعلا يضعه بأرفع المنازل, فإن سقط من عين الله جل في علاه طرحه في أدنى المنازل, نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله الموت قبل هذا, ونعوذ بالله من الفتن. وحرصك على طلب العلم يدل على أن الله جل وعلا قد اصطفاك على البشر أجمعين, فالبدار البدار للطلب، والحرص والحرص، والصبر والصبر، فإنك لن تنال العلم براحة الجسد بحال من الأحوال, قال بعض السلف: إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.

стр. 90

الصبر ومن آداب طالب العلم: ألا يتحرك أو يعبث في مجلس العلم، ورسول الله ﷺ بين لنا ذلك جلياً: عندما دخل المسجد ثلاثة نفر فوجد أحدهم فرجة في مجلس رسول الله فجلس فيها، واستحيا الثاني فجلس وراء الحلقة، وذهب الثالث، فقال النبي ﷺ : (أما الأول فأقبل الله عليه)، وإذا أقبل الله على عبد فمن يضيره ومن يضيعه؟ ومن يجعله خاسراً؟ والله لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يضيعوه ما ضيع, فمن كان الله معه فمن عليه؟ قال: (وأما الآخر فاستحيا الله منه)، ومن لوازم حياء الله جل في علاه ألا يفضح عبده الذي جلس بعيداً وقد استحيا منه. قال: (وأما الثالث فاستغنى فاستغنى الله عنه) ومن استغنى الله عنه فمن يغنيه ويدفعه؟ ومن يشفع له عند ربه جل في علاه؟ فيجب الصبر على طلب العلم، قلت تفهم مسائل العلم الدقيقة من أول مرة، فلا بد أن تصبروا وتصابروا على طلب العلم, والذين يجلسون حتى وإن لم يفقهوا فإن الله جل وعلا إن علم من قلوبهم الصدق, وإن علم من قلوبهم الصبر والمثابرة، أتتهم النتيجة, قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فإذا علم الله أنك صادق النية، وأنك بإذن الله جل وعلا تريد الله جل وعلا وتريد طلب العلم ابتغاء وجه الله؛ فإن الله سييسر عليك كل الصعوبات, وستفتح لك مسائل كانت تستغلق على شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى الشافعي وعلى مالك وعلى أحمد فيفتحها الله عليك، ففضل الله يؤتيه من يشاء, فالله أبى أن يعصم أحداً إلا رسوله ﷺ . فلا بد من الحرص على طلب العلم، ولا بد من المذاكرة والمتابعة. ومن شرفه الله جل وعلا بأن يجد في الطلب ثم ينزل عن هذه المرتبة فقد أثم عند ربه؛ لأنه أصبح من فروض الأعيان عليه أن يطلب العلم وأن يجد فيه؛ لأنه من حملة الشريعة, والعلماء عزوا في هذا الزمان، وطلبة العلم هم الذين يسدون مسد العلماء, فإن تنحوا هم عن هذه الفريضة التي فرضها الله عليهم فقد أثموا عند ربهم وحسابهم على الله.

стр. 91

خشية الله ثم من أعظم آداب طالب العلم: خشية الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: إنما العلم الخشية.

стр. 92

ما جاء في فضل العلم والعلماء قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال تبارك اسمه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. وقال ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة, وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده). فكفاك فخراً أن يذكرك الله جل وعلا فيمن عنده، وذكر الله لك: بأن يثني عليك في الملأ الأعلى أمام جبريل وميكائيل وإسرافيل، وتذكر باسمك، فيا للفخر! ولذلك أبي بن كعب ما فرح بعد فرحه بالإسلام مثل فرحه عندما قال له رسول الله ﷺ : (يا أبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة)، فقال أبي: (يا رسول الله! أسماني ربي؟ قال: نعم، فبكى من الفرح) يعني: قال له: اقرأ على أبي. وروي عن عيسى على نبينا وعليه السلام أنه قال: من عَلِم وعمل وعَلَّم فذلك يدعى في ملكوت السماوات عظيماً. وعن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه قال: خير سليمان بن داود -عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام- بين العلم والملك فاختار العلم فأعطي الملك والمال مع العلم، قال الإمام الشافعي: هذا العلم شريف، من طلب به الآخرة أخذها, ومن طلب به الدنيا أخذها, ومن طلب به العلا ارتفع به. وسئل الإمام أحمد: يا أحمد! لم تفعل بنفسك هكذا؟ -وأحمد كان سيد الزهاد، قال فيه الشافعي: ما خلفت بالعراق أعلم ولا أزهد ولا أورع من أحمد - قال الإمام أحمد: والله لو أردت الدنيا بأسرها بهذا العلم لأخذتها، ولكني أريد به الله جل في علاه. وقال عمر بن عبد العزيز: من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني, ومن لم يعد كلماته من عمله كثرت خطاياه. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: من غدا أو راح إلى مسجد لا يريد إلا العلم ثم رجع إلى بيته كان كالمجاهد في سبيل الله يرجع غانماً. وعن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: إن الرجل ليخرج من بيته وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة، فإذا سمع العلم خاف واسترجع من ذنوبه, فانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب. وقال علقمة بن قيس: لأن أغدو على قوم أسألهم عن الله ويسألوني عن الله أحب إلي من أحمل على فرس في سبيل الله . قال ابن القيم: العلماء يفضلون المجاهدين بمرحلتين, فكفى العلماء فخراً هذه الآية العظيمة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]. وقال سعيد بن جبير: كنت أكون مع ابن عباس فأسمع منه الحديث, فأكتبه في واسطة الرحل، فإذا نزلت نسخته. وروي عن يزيد الرقاشي أن لقمان قال لابنه: يا بني! جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء. وقال بعض الحكماء: لا أرحم أحداً أكثر من رحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا يفهم، ورجل يفهم ولا يطلب العلم! وعدم فهم العلم من سوء النية وسوء الطوية، والخلل كل الخلل من نفسه، فليراجع نفسه, فلا بد أن في القلب شيء , أو أن قلبه متعلق بغير الله, والفهم هو من الله ليس منه وليس من ذكاء المرء ولا العقل، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، فإذا حجب الله عنه الفهم فهناك خلل إما في الديانة وإما في النية. وروي أن لقمان قال لابنه: يا بني! اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامس فتهلك. وسئل مالك فقيل له: يا أبا عبد الله! أي شيء أفضل ما يصنعه العبد؟ قال: طلب العلم والفقه, أما سمعت قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]. وقال رجل لـ أبي هريرة: أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن يضيع, قال: كفى بتركك له تضييعاً. وعن سفيان بن عيينة قال: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله. وروي عن عطاء قال: قال موسى: يا رب! أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم. وقيل للقمان: أي الناس خير؟ قال: مؤمن غني. قيل له: غني من المال؟ قال: لا، ولكن غني من العلم، إن احتيج إليه وجد عنده علم، وإن استغني عنه كف نفسه. بمعنى: أنه تعلم ما ينفعه عند ربه، ويرفع به جهله، ويكف نفسه عن الحرام, كما قال النبي ﷺ لـ أبي ذر: (إن لم تجد فكف شرك عن الناس فإنها صدقة) وقال النبي ﷺ : (كونوا أحلاس بيوتكم)، وقال: (ابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)، فإن العالم ينظر إلى عيوب نفسه ولا ينظر إلى عيوب الناس. وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فاته من أدرك العلم؟! فمن فاته العلم فاتته الدنيا بأسرها، إذ العلم هو الذي يسير الدنيا. وقال الحسن: مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء, وهذا الكلام لا أدري ما شرحه، ففيه دلالة: على أن العالم يوزن عند الله جل وعلا بأمة بأسرها. وكان يقال: العلماء سرج الأزمنة, وكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره. وقال بعض الحكماء: العالم سفير بين الله وخلقه, فلينظر كيف يكون, فالعالم رسول لرسول الله ﷺ كما ثبت عن ابن عيينة بسند صحيح قال: خير الناس الواسطة بين رب الناس وبين الناس. وقال سالم بن أبي الجعد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فأعتقني، فقلت: بأي حرفة أحترف؟ يريد عملاً يعمله حتى يكفي نفسه، قال: فاخترت العلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المؤمنين زائراً فلم آذن له! فلو كان تاجراً هل سينظر إليه أمير المؤمنين؟ أمير المؤمنين أكثر منه مالاً, وهذا العبد الذي لا يساوي الأحرار، وعندما أعتق وطلب العلم فبعد عام واحد أمير المؤمنين يستأذن عليه حتى يسأله أن يدعو له, فلما وصل إليه لم يأذن له العبد؛ لأنه خشي على نفسه من السلاطين, كما يحكى عن الأعمش: أن أمير المؤمنين بعث إليه بكتاب فيه مال، وأراد أن يقرأ عليه بعض الأحاديث, فأخذ الورقة بعدما قرأها فأطعمها عنزة. فـ الأعمش كان قوياً في الدين قوياً في نصرة السنة, وكان حرباً على القصاصين, والقصاصون ليسوا من أهل العلم، فالقصاص يسرد أحاديث موضوعة حتى يشوق قلوب الناس فقط, فهذا رجل واعظ كان يكذب على رسول الله جهلاً منه، فكان الأعمش يسمعه وهو يقص على الناس وقد جذب قلوب الناس، فأخذ يحدث عن الجنة وعن النار وعن القبر وأهوال القيامة وعلامات الساعة ويقول: حدثني الأعمش سليمان بن مهران حدثني فلان حدثني فلان عن رسول الله، ويسرد الحديث كيفما شاء، حدثني الأعمش، حدثني الأعمش , فقام الأعمش والناس ينظرون إليه فخلع رداءه وأخذ ينتف إبطه, فقال له الرجل القاص: ألا تتقي الله؟! أما تعلم أنك في مجلس علم؟! قال: دعك عني، ما أنا فيه خير مما أنت فيه، أي: أنت قصاص كذاب على رسول الله ﷺ , والنبي ﷺ يقول: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، وهو ينتف شعر إبطه، وذلك من السنة. وقال لقمان لابنه: يا بني! إن الحكمة أجلست المساكين مجلس الملوك، وهذا ما قاله عمر بن الخطاب عندما سأل عامله على مكة: من خلفت عليهم؟ قال: ابن أبزى، قال: من الموالي أم من الأحرار؟ قال: من الموالي، قال: خلفت عليهم مولى من الموالي!؟ قال: إنه قد قرأ القرآن, وتعلم الفرائض, وتعلم الحديث, فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، ولهذا فأكثر الحفاظ موالي من العجم وليسوا من العرب. قال الزبير بن بكار: كتب إلي أبي من العراق: يا بني! عليك بالعلم فإنك إن افتقرت إليه كان مالاً, وإن استغنيت عنه كان جمالاً. وقد أجاز بعض المحدثين الأجرة على التحديث لمن احتاج إلى ذلك، وهذا ليس من السنة, لكن جوز بعضهم ذلك إذا لم يجد المحدث ما يكفيه من الأموال، لكن على الأمة أن تكفي العالم؛ ولذلك الإمام الشافعي قال: أرى أن يصرف خمس الفيء الذي لرسول الله ﷺ في العلماء والمجاهدين، ولا يصرف في غير هؤلاء. وعن سفيان الثوري قال: ما يراد الله بشيء أفضل من طلب العلم، وما طلب العلم في زمان أفضل منه اليوم. وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس شيئاً مثل العلم, العلم خير من المال, العلم يحرسك وأنت تحرس المال, والعلم حاكم والمال محكوم عليه, والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو مع الإنفاق. وسئل بعضهم: أيهما أفضل الأغنياء أو العلماء؟ فقال: العلماء. فقيل له: فما بال العلماء يأتون الأغنياء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل ما عند الأغنياء، وجهل الأغنياء بفضل ما عند العلماء. قال أبو الأسود: ليس شيئاً أعز من العلم,

стр. 93

مصطلحات في مذهب الشافعية وأدخل دخولاً وجيزاً في المجموع فأقول: هناك مصطلحات في المذهب: كأن يقال: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد, فالقديم يقصد به كلام الشافعي في العراق, فـ الشافعي عندما كان في العراق كان له مذهب، والجديد هو مذهب الشافعي في مصر, والجديد هو المعتمد عند علماء الشافعية, فإذا كان له قولان في المسألة قديم وجديد فعلماء الشافعية يأخذون بالراجح وهو الجديد إلا في مسائل، وإذا جاءت مسألة الشافعي لم يتكلم بها في الجديد وتكلم بها في القديم, فالعلماء يرجحون أن القديم هو المعتمد إذا وافق النص. ومن ذلك قولهم: الأظهر، فإذا قال: الأظهر، يعني: أن هناك خلافاً في المذهب وهو قوي يستند لدليل, فيكون الاختلاف قوياً, والدليل هنا قوي, لكن الأقوى والأصح ما يقول فيه المصنف: هذا الأظهر. والمشهور عند الشافعية كذا, يعني: أن هناك خلافاً ضعيفاً, فإذا قال: المشهور، فالذي يضاده قول ضعيف. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 94

الصدق مع الله من شروط (لا إله إلا الله) الصدق المنافي للكذب، وقد سخر الله لنصرة النبي ﷺ ولنصرة دينه رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحفظوا لنا حوزة هذا الدين المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 95

نماذج من الرجال الصادقين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي /َلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: أيها الإخوة الكرام! يأبى الله إلا أن يكرم أولياءه، ويأبى الله إلا أن يشرف أحبابه، ويأبى الله إلا أن يصدق الصادقين، ويأبى الله إلا أن يحسن إلى من سابق إليه طيلة حياته، ويأبى الله جل في علاه إلا أن يصطفي الأخيار الأفاضل الكرام، الذين باعوا أنفسهم حقاً لربهم جل في علاه، ويأبى الله إلا أن يصطفي هؤلاء إلى مراتب عليا في الدنيا ثم في الآخرة، فأما في الدنيا فالذكرى الحسنة، وهم في الآخرة أحياء في درجة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. إن أسلافنا وعلماءنا الأقدمين كانوا ممن صدقوا الله جل في علاه، فصدقهم الله، فمنهم من سأل الله العلم بصدق، ومنهم من سأل الله الجهاد بصدق، ومنهم من سأل الله الشهادة بصدق، فلما صدقوا ربهم جل في علاه صدقهم الله، وإن الله جل وعلا يغار على مكانات الأكارم أن يدنسها الأسافل، فيأبى الله جل في علاه أن يعطي المكانة العلية إلا لمن أحبه، ومن علم أنه يستحق هذه المكانة، فإن الله جل وعلا نظر في قلوب العباد فعلم من الصادق، ومن المتخاذل، ومن الكاذب، فصدق من صدقه سبحانه.

стр. 96

أنس بن النضر هذا أنس بن النضر يتحسر على تخلفه عن رسول الله ﷺ في بدر ويقول: (هي أول غزوة يغزوها رسول الله ﷺ ولست معه، والله لئن أبقاني الله جل في علاه إلى غزوة أخرى ليرين الله ما أصنع)، فكان صادقاً مع ربه سبحانه، ويعمل بحديث النبي ﷺ : (اصدق الله يصدقك)، فلما كان صادقاً أرى الله منه خيراً، ورأى الله منه خيراً، فإن الله سبحانه شهد لهذا الشهيد البطل - أنس بن النضر - في غزوة أحد العظيمة بالصدق، وأنزل فيه آيات بينات قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. فـ أنس بن النضر بعدما فر الفارون وتفرق الجمع عن رسول الله ﷺ ، وجده سعد بن معاذ وهو يتقدم إلى العدو فقال: يا أنس! إلى أين؟ فيقول له أنس: إيه يا سعد! والله إني لأشم رائحة الجنة دون أحد، فصدق الله فصدقه الله، إن العبد إذا مشى صادقاً مع ربه فإن الله يكشف له ألواح الغيب فيرى منها الجنة وما فيها، ويشتم رائحتها وإن أنس بن النضر واحد من هؤلاء، قال: إيه يا سعد! والله إني لأشم رائحة الجنة دون أحد، فدخل فقاتل حتى قتل ﵁ وأرضاه، ما عرف إلا ببنانه، فهم رجال صدقوا الله ما عاهدوه فصدقهم الله.

стр. 97

الرجل الذي بايع النبي ﷺ بأن تضرب عنقه جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فبايعه وحضر معه غزوة من الغزوات، فلما انتصر المسلمون قام رسول الله ﷺ يقسم الغنائم بينهم، فيضرب له بسهم فقال: (والله يا رسول الله! ما بايعتك على هذا، لا على الدرهم ولا على الدينار، قال: فعلى ماذا بايعت؟ قال: بايعتك على أن أغزو في سبيل الله فأضرب ها هنا، فقال له النبي ﷺ : اصدق الله يصدقك)، فكان صادقاً مع ربه سبحانه، فبلغه الله منازل الشهداء، هذه المنزلة العلية التي يأبى الله جل وعلا أن يعطيها إلا للأخيار الأماجد الأكارم الذين اصطفاهم الله جل وعلا لهذه المنزلة، وقد يشتاق كثير من المؤمنين وتتوق أنفسهم وأرواحهم إليها، حتى إن كثيراً من الصحابة الأخيار كانوا يشتاقون إلى الشهادة شوقاً عجيباً، ومع ذلك يأبى الله جل وعلا عليهم ذلك وإن الله له في ذلك حكم، وهو يصطفي من يشاء لينزله هذه المنزلة، فلما شارك ذلك الرجل مع النبي ﷺ في القتال وجدوه ملقى أمامهم قتيلاً ينظرون إلى عنقه فرأوه قد ضرب في المكان الذي أشار إليه، فصدق الله حين قال: (ما بايعتك إلا على أن أضرب هاهنا)، وضرب في المكان الذي أراده ﵁ وأرضاه، فصدقه الله.

стр. 98

عمرو بن الجموح وهذا عمرو بن الجموح من أسلافنا المؤمنين الذين صدقوا الله فصدقهم الله، وهذا تشريف وتعظيم وتكريم ليس لأي أحد، فإن الله لا يختم بالصالحات إلا للأكارم الأماجد الذين كشف عن قلوبهم فعلم أنهم من الصادقين، فإن عمرو بن الجموح كان أعرج ﵁ وأرضاه، وقد نزل عذره في كتاب الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، ومع ذلك ذهب يستأذن رسول الله ﷺ في الغزو، فقال له رسول الله ﷺ : (لقد أنزل الله عذرك! قال: والله يا رسول الله! والذي نفسي بيده لأطأن بعرجتي هذه في الجنة)، فلما دعا الله أن يرزقه الشهادة بصدق رزقه الله الشهادة. قال: (والذي نفسي بيده يا رسول الله! لأطأن بعرجتي هذه في الجنة، فقال النبي ﷺ لأبنائه: دعوه لعل الله يرزقه ما يشتهي)، فنزل المعركة فقتل في سبيل الله، ونسأل الله جل وعلا أن يجعله يطأ بعرجته هذه الجنة سليمة نقية. ومن هؤلاء الرجال الصادقين مع الله ورسوله ﷺ رجل ينظر إلى السماء فيرفع يديه يرجو الإجابة من ربه ، وقد امتلأ قلبه صدقاً فيقول: يا رب! ارزقني كافراً جلداً صنديداً غداً يقتلني فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ثم أقوم أمامك فتسألني فيم هذا؟ فأقول: فيك رب، فلما جاء الغد لقيه ذلك الكافر الصنديد فقتله وبقر بطنه، وجدع أنفه. ونحن ننتظر بإذن الله على عرصات يوم القيامة وهو يقف أمام ربه بالكرامة العظيمة ويقول: فيك يا رب! فيك يا رب!

стр. 99

أهمية الثبات على الدين لقد صدق هؤلاء الله فيما عاهدوا عليه، والله جل وعلا كما بينا في الصفات له غيرة، وغيرة الله أنه لا يعطي فضله لأحد لا يستحقه، ويأبى الله إلا أن يؤتي فضله من يستحقه من الصادقين الذين يطلبون الجنة ونعيمها، وإن ربي جل في علاه حكيم عليم، فيقبض من شاء حيث شاء كيفما يشاء متى يشاء ، وما لنا إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها، اللهم إنا راضون بما أعطيتنا ومنحتنا ورزقتنا، اللهم اجعلنا لك عباداً خلصاً مخلصين يا رب العالمين! إننا متعبدون لله جل وعلا بالكتاب والسنة، فعلينا بالطاعات في محافل الذكر ومجالس العلم، والتذلل لربنا جل في علاه بالسجود والتسبيح والتكبير والتهليل والذكر، فإن النبي ﷺ يقول: (ليس أحد أفضل عند الله من عبد يعمر الإسلام بالذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)، وهذا دأبنا، ووظيفتنا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. فنسأل الله جل وعلا أن يجمعنا مع نبينا ﷺ في الفردوس الأعلى، وإن مصيبتنا في نبينا أكبر وأعظم، ورسول الله ﷺ هو الذي رفع راية لا إله إلا الله، ولما راودوه عنها قال: (والذي نفسي بيده لو انفردت سالفتي لا أتركها أبداً)، ونحن كذلك نقول: نعض بالنواجذ على دين ربنا حتى نلقاه على ذلك، ونعوذ بالله من الفتن التي تطرأ على العباد، ونعوذ بالله سبحانه من خاتمة السوء، ونسأله الخاتمة الحسنى فإنه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، والعبد في أواخر حياته عند سكرات الموت لا يشعر بشيء، ولا يستطيع أن يتلفظ بلا إله إلا الله فنحن ضعفاء عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. فمن لهج لسانه بذكر الله سبحانه مات على لا إله إلا الله، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وأختم هذه الكلمة بقول النبي ﷺ : (إن الله إذا أحب عبداً عسله، قالوا: يا رسول الله! وما عسله؟ قال: يفتح الله له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه)، فإذا أحب الله عبداً وفقه لعمل خير ثم ختم له بهذا العمل الخير، نسأل الله جل وعلا أن يختم لنا جميعاً بالأعمال الصالحات، وأن يرضى عنا، وأن يجعلنا جميعاً مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.

стр. 100

أهمية السنة النبوية وعلاقتها بالقرآن أيها الإخوة المؤمنون! إن علم الحديث أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مواكب لعلم القرآن، وعلم القرآن فنه وأصله هو علم الحديث الذي فيه بيان القرآن، وشرف علم الحديث يعرف من قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]. قال مكحول: إن القرآن أحوج ما يكون إلى السنة، والسنة لا تحتاج إلى القرآن. أي: لأن في القرآن مجملات وعمومات ومشكلات يصعب بيانها وتفسيرها، ويصعب تخصيص عمومها، وتقييد مطلقها، فجاءت السنة تبين ذلك.

стр. 101

موافقة السنة للقرآن الكريم السنة شقيقة الكتاب وصنوه، وهي التي حفظها الله بحفظه، فإن الجهابذة يحفظونها وينقلونها إلينا نقية بيضاء، فيحفظونها من تحريف الوضاعين والكذابين، وقد أنفقوا الغالي والنفيس لحفظ هذه السنن، وتظهر -كما قلت- قيمة السنة عندما تعرف العلاقة الوطيدة بين القرآن والسنة، فإن السنة علاقتها -كما قال الشافعي وأجمع أهل العلم على ذلك- بالقرآن أنها مؤكدة لأحكامه، فما من حكم في كتاب الله إلا وتجد حكماً مطابقاً في سنة النبي ﷺ يطابق ويوافق ما في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩]، وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨]، إلى آخر الآيات، فترى الموافقة حكماً تأصيلياً من كلام النبي ﷺ هو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، حيث يقول: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)، وأكلها بالباطل لا تطيب النفس فيه، فقد وافق النبي ﷺ الكتاب في هذا الحكم. وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فهو يؤصل حكماً في كتابه على حسن المعاشرة مع الزوجات، والنبي ﷺ في خطبة عرفة في حجة الوداع يقول: (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم). وأيضاً قال النبي ﷺ كما في الصحيحين عن ابن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان). فهذه الأركان الخمسة توافق حكماً في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فهذه كلها موافقات بالتأصيل السني لكتاب ربنا جل في علاه.

стр. 102

السنة مبينة للقرآن إن السنة مبينة لمجمل القرآن، وموضحة لمشكلة، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه، فالله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فإن المفروض على العبد المسلم خمس صلوات في اليوم والليلة، ولا يقبل الله من عبده صلاة إلا أن يأتي بهن كاملات: وهن ركعتان في الفجر، وأربع ركعات في الظهر، وثلاث ركعات في المغرب، وأربع ركعات في العصر، وأربع ركعات في العشاء، فهذا التفصيل لم تجده في كتاب الله ولكن بينته السنة عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، إلى آخر الآيات. وكذلك قال الله تعالى: ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فإن النبي ﷺ بعدما علمنا الصلاة قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولما قال: ((وَآتُوا الزَّكَاةَ))، علمنا النبي ﷺ في أي الأموال يكون الزكاة، وعلمنا أنه لا بد من بلوغ النصاب، وأن يحول الحول حتى تجب الزكاة في هذا المال. وقد علمنا النبي ﷺ كيف نحج فقال: (خذوا عني مناسككم). والله جل وعلا عندما قضى بأحكامه في الكتاب ترك التبيين لرسوله ﷺ ، فالنبي ﷺ يوضح المشكل من الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فقد أشكل على كثير من الصحابة هذا الأمر حتى إن عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه أخذ عقالاً -أي: حبلاً أسود حبلاً أبيض- فجعله تحت وسادته وأخذ يأكل ويشرب حتى يفرق بين الأسود من الأبيض، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك بين له النبي ﷺ ما أشكل عليه فقال: (سواد الليل وبياض النهار). وأيضاً هناك عمومات في القرآن خصصتها السنة، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فهذا عام في كل الأولاد، ومع ذلك جاءت السنة تخصص الإرث على أولاد الأنبياء، فإن أولاد الأنبياء لا إرث لهم، فقد جاء في الحديث المختلف في إسناده والراجح أنه صحيح، ومعناه أيضاً صحيح وهو قول النبي ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة). وأيضاً من تخصيص هذه العمومات: أن الولد القاتل لا يرث؛ فإن النبي ﷺ قال: (لا يرث القاتل)، فالولد الذي يقتل أباه من أجل الإرث لا يرث، وقد قرر العلماء أنه من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه. ومطلقات القرآن أيضاً تبينها السنة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، وقد اختلف العلماء من أين تقطع اليد هل من الرسغ، أم المرفق، أم من العضد؟ فجاءت السنة مبينة أن يد السارق لا تقطع إلا من الرسغ، وهذه أيضاً من أحوال السنة مع القرآن.

стр. 103

السنة مؤصلة تأصيلاً مستقلاً عن القرآن الحالة الثالثة: السنة مؤصلة تأصيلاً حكمياً مستقلاً عن القرآن ليست تابعة له، بل هي أصل بذاته، وهذا الذي جعل علماء الحديث يضعفون حديث معاذ ﵁ وأرضاه عندما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال له ﷺ : (بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي؛ فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ليحكم بما أنزل الله، أو بسنة النبي ﷺ أو يجتهد رأيه)، أو كما قال ﷺ . وهذا الحديث ضعيف متناً؛ لأنه جعل مرتبة السنة بعد مرتبة القرآن، والصحيح الراجح أن السنة صنو الكتاب، كما قال النبي ﷺ : (لا ألفين أحدكم شبعان متكئاً على أريكته)، وهذا دال على الجهل، وفيه ذم للشبع الكثير قال: (شبعان متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: ما وجدناه في كتاب الله أخذنا به وما لم نجده تركناه)، وقال النبي ﷺ : (ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال ﷺ في رواية أخرى: (ألا إن ما أحل رسول الله كما أحل الله، وما حرم رسول الله كما حرم الله). وجاءت أحكام في السنة لم تذكر في القرآن منها: تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وهذا الذي جعل الإمام مالك لا يأخذ بهذا التحريم لعموم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام:١٤٥]، فقد أحل الإمام مالك الهدهد والنسر والصقر والسباع، والفيل، حتى الكلاب يجوز أكلها عند الإمام مالك. فالمقصود أن السنة أصلت هذا الأصل دون الكتاب، وأيضاً تحريم أن يجمع الرجل البنت مع عمتها ومع خالتها، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يجمع رجل بين البنت وخالتها ولا بين البنت وعمتها). وأيضاً حرم النبي ﷺ لحوم الحمر الأهلية، فلم ترد هذه إلا في السنة كما في الصحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: (بعث النبي ﷺ يوم خيبر المنادي ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية). وأيضاً فإن النبي ﷺ أصل أصلاً أخر وهو: أن ميراث الجدة السدس، وهذا غير موجود في كتاب الله، بل هو في السنة، وغاب ذلك عن كثير من الصحابة حتى إن أبا بكر ﵁ وأرضاه لما جاءته الجدة تسأل عن ميراثها قال: لا أعلم لك في كتاب الله شيئاً، ولا أعلم لك في سنة النبي ﷺ شيئاً، دعيني حتى أسأل الناس، فلما سأل الناس شهد المغيرة ورجلُ آخر عنده أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس. والشفعة للجار أيضاً تأصيل مستقل للنبي ﷺ . والقرآنيون يبطلون كل هذه الأحكام؛ لأنهم لم يجدوا ذلك في كتاب الله سبحانه، وكذلك تحريم المتعة هو تأصيلُ في سنة النبي ﷺ .

стр. 104

اتباع النبي ﷺ هو حب لله ولرسوله فالسنة من أشرف العلوم على الإطلاق، وكفى فخراً للسنة أنها مبينة للقرآن وتتلازم معه تلازماً إلى يوم القيامة، ولذلك حث الله الأمة بأسرها على حفظ السنة والعمل بها، واتباع النبي ﷺ ، وربط الإيمان باتباع النبي ﷺ ، وأيضاً امتحن الذين يزعمون حبه باتباع النبي ﷺ ، وجعل إبطال العمل بعدم اتباع النبي ﷺ ، قال الله جل وعلا ممتحناً من زعم حب الله أو حب رسوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، فجعل بطلان الأعمال مربوطاً ومرهوناً بعدم اتباع رسول الله ﷺ . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). وفي المسند بسند صحيح عن العرباض بن سارية (أن النبي ﷺ وعظهم موعظة بليغة فقالوا: كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله! قال: من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). اللهم اجعلنا ممن يتمسك بسنة نبيك ﷺ .

стр. 105

عناية الصحابة والتابعين بسنة النبي ﷺ إن السنة النبوية كما قلت هي أشرف العلوم؛ ولذلك أنفق كل عالم من علماء السنة في سبيلها الغالي والنفيس، ومن هؤلاء العلماء يحيى بن معين، فقد ترك له أبوه ألف ألف دينار فأنفقها كلها عن بكرة أبيها من أجل هذا العلم الشريف، ومن أجل الجرح والتعديل وحفظ سنة النبي ﷺ ، وكان يحفظ ما يقرب من مائة ألف حديث ضعيف، ويقول: أحفظ به سنة النبي ﷺ . والبخاري أيضاً ترك له أبوه ألف ألف درهم وقال: لا يوجد درهم فيه شبهة، فانفق كل هذا المال من أجل سنة النبي ﷺ . وكانت أم الثوري ﵀ أمير المؤمنين في الحديث- تقول: اطلب الحديث وأنا سأغزل لأنفق عليك. وصحابة رسول الله ﷺ باعوا كل شيء من أجل سنته ﷺ ، فقد كان الرجل منهم يجلس في مجلس الرسول ﷺ ليحفظ الحديث بكل صدق؛ ليبلغ الأمة ذلك الحديث، فيتناقله التابعون رحمهم الله تعالى حتى يصل إلينا غضاً طرياً فقد جاء في الحديث: (جاء رجلُ إلى النبي ﷺ متذمراً من فعل أخيه ويقول: يا رسول الله! إني أكد وأتعب وأنا أحمل هذا، وهو لا يبارح مجلسك، فقال له النبي ﷺ -موضحاً أن بركة الرزق ببركة جلوس أخيه عنده ﷺ دعه؛ لعلك ترزق به). وأبو هريرة ﵁ وأرضاه ترك الأنصار وزرعهم، والمهاجرين وتجارتهم، ليصحب النبي ﷺ على فقرة وخلوة بطنه، فعلا ذكره ﵁ الله عنه وهكذا فقد فطن الصحابة الكرام أنهم لن يرتقوا بأنفسهم عند ربهم إلا باتباع رسول الله صلى عليه وسلم، وبنصرة سنته ﷺ ، حتى إن عمر في أحلك اللحظات عندما اشتد غضبه ونظر إلى رسول الله في صلح الحديبية قائلاً: يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ وكل ذلك والرسول ﷺ يقول: بلى. فيقول: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ فيقول النبي ﷺ : (أنا رسول الله ولن يضيعني الله)، يعني: يا عمر! عليك بسنتي وبهديي عض عليها بالنواجذ، ومع ذلك فـ عمر لا يستطيع أن يتقبل هذا، ولا صبر له على ذلك، فيذهب إلى أبي بكر، وانظروا إلى الفقه الذي عند أبي بكر، وهذا الذي جعل العلماء يقولون: إن بين أبي بكر وعمر كما بين السماء والأرض، حتى إن عمر نفسه يقول: ليتني شعرة في صدر أبي بكر. فانظروا إلى دقائق الأمور في أحلك اللحظات حيث جاء عمر بن الخطاب يقول: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نُعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر: الزم غرزه فإنه رسول الله ولن يضيعه الله، ولذلك قال عمر: فعملت بعد ذلك لهذا أعمالاً؛ ولذلك فإن علماء الأصول يقولون: إذا اختلف الصحابة وكان فيهم أبو بكر في كفة؛ رجحت كفة أبي بكر على الباقين، إلا إذا كان هناك دليل معهم؛ لأن أبا بكر ﵁ وأرضاه موفق وصادق وصديق ﵁ وأرضاه. وكان عمر بن الخطاب يحث على السنة، ويعمل بها، ويسارع إليها، ويضرب عليها بصدق وتفان ﵁. وورد عن أصاغر الصحابة في حفظهم للسنة ما يذهل العقول، فقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنه كان يجل أبا بكر وعمر ﵄ ويعلم أن خير هذه الأمة على الإطلاق بعد رسول الله أبو بكر وعمر، وكان يجلس ويقول: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عمر، ومع ذلك فقد كان يجلس يعلم الناس فقه الحج فيقول في المتعة: قد تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فيقول له رجل: يا ابن عباس! إن أبا بكر وعمر لم يقولا بذلك، فقال ابن عباس مغضباً: أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة؛ أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر!. فهذا حرص منه ﵁ الله عنه على اتباع سنة النبي ﷺ ، وأنه لا يفتح باب أمام باب رسول الله صلى الله عليه، ولا يدخل أهل الجنة الجنة حتى يفتحها رسول الله ﷺ ويدخل هو أولاً. فأنصح نفسي وإياكم أن تستعدوا لهاذم اللذات، فقد يأتي بغتة صباحاً أو مساءً، فإن استطاع أحدكم ألا يلتقط أنفاسه إلا بذكر الله فليفعل، أو بنصرة دين الله والعمل له والإسراع إلى مغفرة من الله ورضوان، فإننا لا ندري متى سيباغتنا الموت؟ وما هي خواتيم أعمالنا؟ وهل نحن من الشهداء أم التعساء؟ وهل نحن من السعداء أم من الأشقياء؟! فالشقي من كتب الله له الشقاء وهو في بطن أمه، فكل ميسر لما خلق له، فعليكم بذكر الله، وحضور حلقات العلم والإكثار من ذلك، فإن في ذلك النجاة، وعليكم بالإكثار من قول لا إله إلا الله والاستغفار؛ لعل الله سبحانه يرفع عنا ما نحن فيه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 106

حكم إسبال الثياب من الأمور التي نهى عنها الشرع الحنيف: إسبال الثياب؛ لما فيه من المخيلة والكبر والترفع على الناس، وقد دل على حرمة الإسبال أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، والإسبال لا يقتصر على الإزار فقط، وإنما يتعدى إلى الثوب والعمامة وغير ذلك.

стр. 107

تغليظ تحريم الإسبال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره)، وفي رواية: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم).

стр. 108

تأويل حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله) ما من أحد إلا سيقف أمام ربه فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب، فيسمع الله ، ويبين له ما فعل وما عمل وما ترك، وما اقترفه، وكيف اقترفه، وذلك كما بين النبي ﷺ بقوله: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان). فأما المؤمن فينظر إلى يمينه فلا يجد إلا ما قدم، وينظر إلى شماله فلا يجد إلا ما قدم، وينظر إلى أمامه فلا يجد إلا النار فيظن أنه قد هلك، فيقول الله جل في علاه: (عبدي قد سترت عليك ذلك في الدنيا، وسأغفرها لك في الآخرة). وأما الكافر والعياذ بالله فسيكلمه الله جل في علاه -وقد وردت الأدلة الثابتة بذلك- فيقرره بنعمه ويكبته ويعذبه على ذلك. ومن هذه الأحاديث التي تثبت ذلك: أن الله جل في علاه يقول: (أما يرضيك أن يكون لك شاهد من نفسك على نفسك؟ فيختم على فمه، فتتكلم الأيدي والجوارح بما عملت، ثم يقول: خبتم وخسرتم! والله كنت أنافح عنكم ومازلت أنافح عنكم). وأيضاً: فإن الله سبحانه عندما يحشر العبد الكافر يقول له بعد ما يرى عذاب الله جل في علاه: (أرأيت لو امتلأت الأرض ذهباً أكنت تفتدي به من عذاب النار؟ فيقول: اللهم نعم، فيقول الله جل في علاه: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب آدم، طلبت منك أن تعبدني ولا تشرك بي). ونحتاج إذا قررنا بهذه الأدلة إلى تأويل قول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله). فإن عرصات يوم القيامة كثيرة وليست عرصة واحدة، فلابد من عرصة يكلمهم الله جل في علاه ويقررهم بذنوبهم ويعذبهم على ذلك، ومن نوقش الحساب -كما قال النبي ﷺ عذب، وبعد ذلك لا يكلمهم في بقية العرصات. أو أن الله لا يكلمهم كلام رحمة وأمل، وإنما يكلمهم كلام تبكيت وتوبيخ ونذارة، حيث يقول سبحانه: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] فيمحو الله كل حجة لهم، وكذلك يؤول قول النبي ﷺ : (ولا ينظر إليهم). حيث أن الله ينظر إليهم، ولكن لا ينظر إليهم نظر رحمة، بل نظر سخط لكبائر ارتكبوها إجمالاً. وقول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم) أي: أن لهم عذاباً أليماً في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلا يزكيهم؛ لأن الكبر دنس في القلب والله لا يزكي قلباً فيه كبر. وأما في الآخرة فلا يدخل الله عبداً الجنة أضمر في قلبه ذرة من كبر، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: قال رسول الله ﷺ (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). والعذاب الأليم نوعان: معنوي، وحسي. فالعذاب في الدنيا محو البركة كما تمحى بركة الذي ينفق السلعة بالحلف الكاذب. وأيضاً: لا راحة في القلب، ثم بعد ذلك العذاب المؤلم يوم القيامة.

стр. 109

الأحاديث الواردة في مسألة إسبال الإزار إن المسائل التي تتعلق بهذا الحديث العظيم ثلاث مسائل: المسألة الأولى: مسألة إسبال الإزار، وهذا معترك دامٍ لا بد أن نبينه ونجليه، حتى أن كثيراً من الفقهاء يحملون المطلق على المقيد ويقولون: الإسبال المذموم فقط هو: الإسبال بخيلاء، ونحن سنفصل بإذن الله المسألة برمتها وأقوال الفقهاء فيها. فمن الأدلة التي يحتج بها الفريقان: الحديث الأول: قال النبي ﷺ (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، منهم: المسبل إزاره)، وهذا مطلق لم يقيده بشيء. الحديث الثاني: ورد في الصحيحين قال النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة)، وهذا تقييد، فالأول: كان مسبلاً بإطلاق، والثاني: قيده بالخيلاء. الحديث الثالث: قول النبي ﷺ : (إزار المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج) -رفع الحرج فيه دلالة على الجواز، والأصل في السنة أن يرتفع إلى نصف الساق- أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين. أي: إن كان بينه وبين الكعبين فلا حرج عليه، ثم قال: (من جر إزاره بطراًلم ينظر الله إليه)، وهناك حديث واحد يجمع هذه الأقسام الأربعة، وهو: (ما أسفل الكعبين ففي النار) فقسم النبي ﷺ طول القميص إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السنة: إلى نصف الساق. القسم الثاني: الرخصة: وهو ما نزل من نصف الساق إلى الكعب. القسم الثالث: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه). القسم الرابع: ما كان إطلاقاً، وهو (ما أسفل الكعبين ففي النار). الحديث الرابع: قال النبي ﷺ كما في مسند أحمد: (الإسبال مخيلة). وهذا حديث ممتع، فهو يفصل لنا كل الأقوال، حتى لا يستطيع أحد أن ينازعنا في شيء، ويحمل على الإطلاق، سواء أسفل الكعبين أو فوق الكعبين. والحديث الخامس: قصة عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه عندما استأذن النبي ﷺ حين مر على بيته، فقال النبي ﷺ : (من؟ قال: عبد الله، قال: إن كنت عبداً لله فارفع إزارك)، وكان قد أرخى إزاره تحت الكعبين. الحديث السادس: الذي يتغنى به من يقول: بأن المسألة خاصة بالخيلاء، وهو أن أبا بكر جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن إزاري يسترخي -يسقط- إلا أن أتعاهده، فقال له النبي ﷺ : لست منهم يا أبا بكر!)، أي: لست ممن يفعل ذلك خيلاء. الحديث السابع: قصة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه حين صلى بالناس، فجاء أبو لؤلؤة المجوسي -عليه من الله ما يستحق- فطعن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف وجعله إماماً، ولما أتم الصلاة استقبل بجنبه الأرض، فدخل رجل يمدح في أمير المؤمنين، فقال: تشهد الله إذا سألك على ذلك؟ قال: أشهد الله على ذلك، فلما ولى الرجل نظر عمر بن الخطاب إلى ثوبه فوجده تحت الكعبين، فقال: إلي بالرجل، فقال له: يا بني! ارفع ثوبك، أو قال: ارفع إزارك يكن مرضاة لربك، مطهرة لثوبك. وهذا الحديث سنحتج به على من يخالف القول: بأن المسألة على العموم.

стр. 110

اختلاف أقوال العلماء في الأحاديث الواردة في مسألة إسبال الإزار فهذه سبعة أحاديث في الباب اختلفت أقوال العلماء فيها على قولين: القول الأول: الإسبال حرام إذا كان بمخيلة، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: الأول: حديث أبي بكر -وهو عمدة الباب عندهم- وهو أن أبا بكر ﵁ كان يرخي إزاره إلى تحت الكعبين، فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني أتعاهده ويسترخي، فقال: لست منهم يا أبا بكر)! أي: لست ممن يفعل ذلك خيلاء، ففي هذا دلالة على أن الخيلاء علة مؤثرة في الحكم. الثاني: أن النبي ﷺ عدَّ من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، وهذا على الإطلاق، ثم قيده في الحديث الآخر بقوله: (من جر ثوبه خيلاء)، قالوا: و (خيلاء) وصف مقيد بمفهوم المخالفة، فمن جر ثوبه بلا مخيلة فلا يدخل تحت هذا الوعيد. الثالث: أن النبي ﷺ قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة! فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال يرخين شبراً. قالت: إذاً تنكشف أقدامهن. قال: فيرخينه ذراعاً ولا يزدن). قالوا: لو كان خيلاء ما رخصه للنساء، لأنه سوف يحدث زيادة، وهذا الزيادة تدل على الكبر إن قلتم: لا، ويقولون أيضاً: إن الإسبال فقط في الإزار، أي: لا يدخل القميص ولا السروال ولا أي شيء آخر، وهذا مردود عليهم بنص حديث النبي ﷺ . القول الثاني: وهو القول الفصل الذي لا يمكن أن نحيد عنه، وهو قول المحققين من أهل العلم، قالوا: الإسبال نوعان يتفقان ويفترقان، فيتفقان بأن كلاهما محرم، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار). وهذا على الإطلاق. الثاني: إذا كان كبراً وخيلاء فله عذاب أليم. ويفترقان في العقاب، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يكلمه وله عذاب أليم)، وقوله ﷺ : (ما أسفل الكعبين ففي النار). وسيأتي تفسيره.
следующие страницы →