لقد تتبع عُلَمَاؤُنا الوَضَّاعِينَ في الحديث، وَرَمَوْهُمْ بالزندقة وَالفُسُوقِ، فلم يعجب المستشرق هذا الوصف، بل أطلق عليهم لقب «العلماء الأتقياء» ثم زاد على ذلك أنَّ مَقَرَّهُمْ كان في المدينة، وما كان في المدينة حقاً إلاَّ كل عالم وتقي، ولكن بالمعنى الذي يفهمه المُسْلِمُونَ: من العلم والتقوى، وهو الاجتهاد في دين الله والصدق في شريعته، ومحاربة الكَذَّابِينَ وَالوَضَّاعِينَ، لا بالمعنى الذي يفهمه هذا المستشرق: وهو الدَسُّ في حديث رسول الله والافتراء عليه دِفَاعاً عن دينه.
٣ - هَلْ اسْتَجَازَ عُلَمَاؤُنَا الكَذِبَ دِفَاعًا عَنْ الدِّينِ ؟:
ثم يقول هذا المستشرق اليَهُودِي: «ونظراً لأنَّ ما وقع في أيديهم - أي العلماء - من ذلك لم يكن ليسعفهم في تحقيق أغراضهم، أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوباً فيها ولا تنافي الروح الإسلامية، وَبَرَّرُوا ذلك أمام ضمائرهم بأنهم إنما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد وَالبُعْدِ عن سُنَنِ الدين».
هكذا يُبَرِّرُ جولدتسيهر وضع علمائنا للحديث .. وهو قول من لم يصل ولن يصل إلى مدى السُمُوِّ الذِي يَتَّصِفُ به علماؤنا الأثبات، ولا المَدَى الذي وصلوا إليه في الترفع عن الكذب حتى في حياتهم العادية، ولا مبلغ الخوف الذي استقر في نفوسهم بجنب الله خِشْيَةً وَرَهْبَةً، ولا مَدَى استنكارهم لجريمة الكذب على رسول الله ﷺ ، حتى قال منهم من قال بكفر من يفعل ذلك وقتله وعدم قبول توبته، إنَّ هذا المستشرق معذور إذا لم يفهم عن علمائنا هذه الخصائص، لأنه لا يجد لها ظلاً في نفسه ولا فيما حوله، ومن اعتاد الكذب ظَنَّ في الناس أنهم أكذب منه، وَاللِّصُّ يظن جميع الناس لُصُوصًا مثله ... وإلاَّ فمن الذي يقول: إنَّ مثل سعيد بن المسيب الذي تَعَرَّضَ للضرب والإهانة والتنكيل، حتى لا يبايع بيعتين في وقت واحد فيخالف بذلك سُنَّةََ رسول الله ﷺ يستبيح بعد ذلك لنفسه أنْ يكذب ليدافع عن سُنَّةِ رسول الله ﷺ ؟ ومن الذي يرضى لنفسه أنْ يَتَّهِمَ قوماً جاهروا بالإنكار على بعض وُلاَّتِهِمْ لأنهم خالفوا بعض أحكام السُنَّةِ، بأنهم استجازوا لأنفسهم بعد ذلك أنْ يضيفوا إلى السُنَّةِ أحكاماً لَمْ يَقُلْهَا
стр. 212
رَسُولُ الله ﷺ ، أيها الناس أليست لكم عقول تحكمون بها؟ أم أنتم تتكلَّمون لقوم لا عقول لهم؟
٤ - كَيْفَ بَدَأَ الكَذِبُ فِي الحَدِيثِ ؟:
ثم قال بعد ذلك: «ونظراً لأنهم كانوا - أي العلماء الأتقياء - يؤملون في أعداء البيت الأموي وهم العَلَوِيُّونَ، فقد كان محيط اختراعهم من أول الأمر مُوَجَّهًا إلى مدح أهل البيت، فيكون هذا سبيلاً غير مباشر في ثلب الأُمَوِيِّينَ، ومهاجمتهم! وهكذا سار الحديث في القرن الأول سيرة المعارضة الساكنة بشكل مؤلم ضد هؤلاء المخالفين لِلَسُنَنِ الفقهية والقانونية!».
وهكذا انقلب الأمر من رغبة في وضع الحديث دفاعاً عن الدين، إلى وضع للحديث هجوماً على الأُمَوِيِّينَ .. وهكذا يزعم هذا المستشرق أنَّ علماءنا الأتقياء هم الذين وضعوا الأحاديث في مدح أهل البيت، وَغَيْرَ خَافٍ عَلَى المُشْتَغِلِينَ بِعُلُومِ السُنَّةِ، أنَّ الله مدح بعض الصحابة في الكتاب الكريم، وَ" أَنَّ رسول الله ﷺ مَدَحَ عَلِيًّا، كَمَا مَدَحَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأَمْثَالَهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ "، فهنالك بلا شك قسط من الحديث صحيح في مدح كبار بعض الصحابة ومنهم آل البيت، ولكن الشِّيعَةَ تَزَيَّدُوا في ذلك، وَبَدَأُوا في وضع الأحاديث في فضائل آل البيت نِكَايَةً بالأُمَوِيِّينَ وأشياعهم، فقاوموا عُلَمَاءَ السُنَّةِ، وَبَيَّنُوا ما وضعوه في هذا السبيل من أحاديث كاذبة، فليس الذي وضع الأحاديث إذاً في أهل البيت هُمْ العلماء الأتقياء من أهل المدينة بل إنَّ هؤلاء العلماء الأتقياء هم الذين قاوموا الوضع، ووقفوا دُونَ هذه الحركة، حتى ليقول ابن سيرين - كما نقلنا ذلك من قبل -: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ».
وإذا أراد «جولدتسيهر» أنْ يعرف مَنْ هُمْ أهل البدع في نظر أَهْلِ السُنَّةِ، فليرجع إلى المصادر العربية التي نقل منها وَحَرَّفَ فِيهَا، ليعلم أنهم هم الشِّيعَةُ وَالخَوَارِجُ ومن سار على طريق هؤلاء .. فكيف يقاوم علماؤنا الطوائف التي
стр. 213
تَزَيَّدَتْ ووضعت الأحاديث في فضل أهل البيت، ثم يفعلون هم مثل ذلك الفعل فيضعون الأحاديث لهذا الغرض نفسه؟
ولقد كان الأَوْلَى، إذا كانوا على استعداد لوضع الأحاديث في ذلك ألاَّ يقاوموا حركة الشِّيعَةِ، وأنْ يسيروا معهم في طريق واحد، فلماذا لم يفعلوا؟ ومن الغريب أنهم في الوقت الذي يعترف فيه عالم شِيعِيٌّ كابن أبي الحديد، بِأَنَّ الشِّيعَةَ هم أول من كذبوا في الحديث وزادوا في فضائل أهل البيت (١)، يأتي جولدتسيهر فيلصق بِأَهْلِ السُنَّةِ أو (العلماء الأتقياء من علماء المدينة على رأيه) بأنهم هم أول من فعل ذلك، أليس هذا إمعاناً في تحريف حقائق التاريخ إلى حَدٍّ لا يصل إليه إلاَّ باغ أثيم؟.
٥ - هَلْ تَدَخَّلتْ الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ فِي وَضْعِ الأَحَادِيثِ ؟:
ثم قال: «ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، فإنَّ الحكومة نفسها لم تقف ساكنة إزاء ذلك، فإذا أرادت أَنْ تُعَمِّمَ رَأْياً، أو تمسك هؤلاء الأتقياء، تَذَرَّعَتْ أيضاًً بالحديث المُوَافِقِ لِوِجْهَاتِ نظرها، فكانت تعمل ما يعمله خصومها، فتضع الحديث أو تدعو إلى وضعه».
وهذه دعوى جديدة لا وجود لها إلاَّ في خيال كاتبها، فما روى لنا التاريخ أنَّ (الحكومة الأموية) وضعت الأحاديث لِتُعَمِّمَ بها رأياً من آرائها، ونحن نسأله أين هي تلك الأحاديث التي وضعتها الحكومة؟ إنَّ علماءنا اعتادوا ألاَّ ينقلوا حَدِيثًا إلاَّ بسنده، وها هي أسانيد الأحاديث الصحيحة محفوظة في كُتُبِ السُنَّة، ولا نجد في حديث واحد من آلاَفِهَا الكثيرة، في سَنَدِهِ عبد الملك أو يزيد أو الوليد أو أحد عُمَّالِهِمْ كَالحَجَّاجِ وخالد بن عبد الله القسري وأمثالهم، فأين ضاع ذلك في زوايا التاريخ لو كان له وجود؟ وإذا كانت الحكومة الأُمَوِيَّةُ لم تضع، بل دعت إلى الوضع، فما الدليل على ذلك؟.
٦ - أَسْبَابُ الاِخْتِلاَفِ فِي الحَدِيثِ:
يقول جولدتسيهر: «إنه لا توجد مسألة خلافية سياسية أو اعتقادية إلاَّ وَلَهَا اعتماد على جُمْلَةٍ من الأحاديث ذات الإسناد القوي»!
стр. 214
أهذا هو الدليل على أنَّ الحكومة الأموية هي التي دعت إلى الوضع؟ لماذا لا يكون وضع هذه الأحاديث في المسائل الخلافية من وضع المذاهب المخلتفة نفسها؟ ولماذا لا يكون لهذه الأحاديث المختلفة سَبَبٌ إلاَّ الوضع، لقد ذكر العلماء وجوهاً كثيرة لأسباب اختلاف الحديث:
منها تَعَدُّدُ وقوع الفعل الذي حكاه الصحابي مَرَّتَيْنِ فِي ظَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فيحكي هذا ما شاهده في ذلك الظرف، ويحكي الثاني ما شاهده في ظرف آخر كَحَدِيثََيْ (الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَكَرِ) و (هَلْ هُوَ إِلاَّ بِضْعَةٌ مِنْكَ؟).
ومنها أنْ يفعل النَّبِيُّ الفعل على وجهين إشارة إلى الجواز، فيروي صحابي ما شاهده في الحالة الأولى، ويروي الثاني ما شاهده في الحالة الثانية، كـ «أَحَادِيثِ صَلاَةِ الوِتْرِ أَنَّهَا سَبْعٌ أَوْ تِسْعٌ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ».
ومنها اختلافهم في حكاية حال شاهدوها من رسول الله ﷺ مثل اختلافهم في حَجَّة الرَسُولِ، هل كان فيها قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، وكل ذلك حالات يجوز أنْ يفهمها الصحابة من النَّبِيِّ، لأن في القِرَانِ أَوْ التَمَتُّعِ أَوْ الإفراد مِمَّا لا يَطَّلِعُ عليه الناس.
ومنها اختلاف الصحابة في فَهْمِ المُرَادِ من حديث النَّبِيِّ، فهذا يفهم الوجوب، وذلك يفهم الاستحباب.
ومنها أنْ يسمع الصحابي حُكْمًا جديدًا ناسخًا للأول، ولا يكون الثاني قد سمعه، فيظل يروي الحُكْمَ الأول على ما سمع.
وَقُصَارَى القول أنَّ علماءنا بَيَّنُوا أسباب اختلاف الحديث، فما كان مرجعه إلى الوضع بَيَّنُوهُ، وما كان مرجعه إلى غير ذلك بَيَّنُوهُ أيضًا، وَقَدْ صَنَّفُوا فِيهِ كُتُبًا قَيِّمَةً من أشهر من ألَّفَ فيه الإمام الشافعي، وابن قُتيبة، والطحاوي وغيرهم، فَالزَّعْمُ بأنَّ ذلك دليل على وضع الأحاديث المخلتفة كُلُّهَا زَعْمٌ بَاطِلٌ، وأشد منه بُطْلاَناً أنْ يَتَّخِذّ ذلك دليلاً على تَدَخُّلِ الحكومة الأمويَّة في الوضع ودعوتها إليه.
٧ - هَلْ تَدَخَّلَ مُعَاوِيَةُ فِي الوَضْعِ ؟:
ولا ينسى جولدتسيهر أنْ يأتي لنا بدليل آخر، فيروي عن معاوية أنه قال
стр. 215
للمُغيرة بن شُعبة: (*) «ولا تهمل أنْ تَسُبَّ عَلِيّاً، وأنْ تطلب الرحمة لعثمان، وَأنْ تَسُبَّ أصحاب عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ من أحاديثهم، وعلى الضد مِنْ هذا أنْ تمدح عثمان وأهله وأنْ تُقََرِّبَهُمْ وتسمع إليهم». ثم يقول جولدتسيهر: «على هذا الأساس قامت أحاديث الأُمَوِيِّينَ على عَلِيٍّ».
انظر إلى هذا الدليل! معاوية يقول لأحد أتباعه أو أمرائه: اضطهد أصحاب عَلِيٍّ وقرِّبْ إليك أصحاب عثمان، فأي شيء في هذا يدل على وضع الأحاديث؟ أليس هذا ما يقع دائماً في كل حكومة مع أنصارها وَخُصُومِهَا في الرأي؟ فما علاقة ذلك بوضع الحديث؟ وأين تجد معاوية يقول للمُغيرة: لا تهمل في أنْ تضع الأحاديث على عَلِيٍّ، وأنْ تضع الأحاديث في عثمان؟ لو قال ذلك معاوية لكان دليلاً على ما يزعم، ولكن أين قال ذلك؟ وكيف نعلم ذلك من النص الذي نقله؟.
أما قول معاوية: «وَأنْ تَسُبَّ أصحاب عَلِيٍّ وَتَضْطَهِدَ من أحاديثهم» واستدلال المستشرق على أنَّ بعض الحديث قد اضطهد فَهَا هُنَا مجال العِبْرَةِ لمن يحسن الظن بعلم المُسْتَشْرِقِينَ وأمانتهم، إنَّ أصل العبارة كما رواها الطبري (١): «لاَ تَحْجِمْ عَنْ شَتْمِ عَلَيٍّ وَذُرِّيَّتَهُ، وَالتَّرَحُّمَ عَلَىَ عُثْمَانَ وَالاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَالعَيْبَ عَلَىَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالإِقْصَاءِ لَهُمْ، وَتَرْكُ الاسْتِمَاعِ مِنْهُمْ، وَإِطْرَاءُ شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَالإِدْنَاءِ إِلَيْهِمْ وَالاسْتِمَاعِ مِنْهُمْ» فانظر كيف حَرَّفَ هذا المستشرق لفظ «والإِقْصَاءَ لَهُمْ» بلفظ «وَتَضْطَهِدَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ» فإن كلمة أحاديثهم لا وجود لها في أصل النص، أفرأيت كيف تكون أمانة العلماء؟ ولو فرضنا أنها واردة فلا معنى لأحاديثهم هنا إلاَّ كلامهم ومحاورتهم في مجالسهم، لا الأحاديث بمعنى الأقوال المنسوبة إلى رسول الله ﷺ .
هذه هي أدلته التي يَبْنِي عليها حُكْمًا خطيراً بأسلوب قاطع، بأنَّ الحكومة الأموية وضعت الأحاديث وَدَعَتْ إلى وضعها.
٨ - هَلْ اِسْتَغَلَّ الأُمَوِيُّونَ الزُّهْرِيَّ لِوَضْعِ الأَحَادِيثَ ؟:
ثم يقول بعد ذلك: «ولم يكن الأُمَوِيُّونَ وأتباعهم لِيَهُمَّهُمْ الكَذِبَ في الحديث
стр. 216
المُوَافِقُ لِوِجْهَاتِ نظرهم، فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم، وقد استغل هؤلاء الأُمَوِيُّونَ أمثال الإمام الزُّهْرِيِّ بدهائهم في سبيل وضع الأحاديث ... إلخ».
وهنا نجد من حقنا وواجبنا أنْ نزيح الستار عن مؤامرة هذا اليهودي المستشرق على أكبر إمام مِنْ أَئِمَّةِ السُنَّةِ في عصره، بل على أول مَنْ دَوَّنَ السُنَّةَ من التَّابِعِينَ، لنرى ما فيها من خُبْثٍ وَلُؤْمٍ وَدَسٍّ وَتَحْرِيفٍ، وإنها لَخِطَّةٌ مُبَيَّتَةٍ من هذا المستشرق أنْ يهاجم أركان السُنَّةِ واحداً بعد آخر، فلقد هاجم أكبر صحابي روى الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهو أبو هريرة ﵁، وسترى كيف ناقشنا هذه الاتِّهَامَاتِ التي أوردها الأستاذ أحمد أمين في " فجر الإسلام "، وتابع فيها المستشرقَ احتساباً لغير وجه الله تعالى، حتى إذا فرغ من تهديم أبي هريرة على زعمه، جاء هنا ليهدم ركن السُنَّةِ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ، حتى إذا تَمَّ له انهارت السُنَّةُ بعد أنْ وَجَّهَ إليها المعاول من ناحيتين، ناحية رُوَّاتِهَا وَأَئِمَّتِهَا، وناحية الشك بها جملة، كما ترى صنيعه هنا، ولكن الله غالب على أمره، وَلاَ بُدَّ للحق من هزيمة الباطل مهما أوى الباطل إلى ظل ظليل وَرُكْنٍ مَتِينٍ.
الإِمَامُ الزُّهْرِيُّ وَمَكَانَتُهُ فِي التَّارِيخِ: (١)
وقبل أنْ أبدأ بِدَرْءِ الاِتِّهَامَاتِ التِي وَجَّهَهَا هذا المستشرق إلى الإمام الزُّهْرِي أفعل كما فعلتُ في موقف أبي هريرة إذ أعرض صفحته التي عرف بها في تاريخنا. وآراء علمائنا فيه، ومكانته الحقيقية في التاريخ، لتكون عند المقايسة فَيْصَلاً حَاسِماً فيما يسوقه هذا المستشرق إليه مِنْ تُهَمٍ وَافْتِرَاءَاتٍ.
اسْمُهُ وَوِلاَدَتُهُ وَتَارِيخُ حَيَاتِهِ:
هو أبو بكر محمد بن مُسْلِمٍ بن عُبيد الله بن عبد الله بن شِهَابٍ بن عبد الله
стр. 217
ابن الحارث بن زُهْرَةَ القُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ، ولد سَنَةَ إحدى وخمسين على الأرجح، كان أبوه مسلم بن عبيد الله مِمَّنْ اشترك مع عبد الله بن الزبير في حروبه ضد الأُمَوِيِّينَ، ولما توفي أبوه ترك الزُّهْرِيَّ شاباً حدثاً لا مال له ولا متاع، فنشأ يتيماً فقيراً لا مُرَبِّي له يُعْنَى بشأنه غير أخ أكبر منه لم يرو التاريخ عنه شيئاً يذكر.
توجهت عنايته قبل كل شيء إلى حفظ القرآن، فَأَتَمَّهُ في ثمانين ليلة كما يقول ابن أخيه محمد بن عبد الله بن مسلم، ثم أخذ يَتَرَدَّدُ على عبد الله بن ثعلبة يتعلم منه أنساب قومه، ثم رأى بعد ذلك أنْ يتحول إلى معرفة الحلال والحرام ورواية الحديث، فطاف على من استطاع لقاءه من الصحابة، وهم عشرة: منهم أنس وابن عمر وجابر وسهل بن سعد، على خلاف في بعضهم ثم جلس إلى كبار التَّابِعِينَ في عصره، كسعيد بن المسيب، وعُروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأكثر من صحب من هؤلاء هو الإمام الجليل سعيد بن المسيب، جلس إليه ثماني سنين متواصلة، وكان كثير الترداد على الشام، وفد إليها لأول مَرَّةٍ في زمن مروان وهو محتلم، ثم اتصل بعبد الملك بعد مقتل عبد الله بن الزبير، واتصل بالخلفاء من بعده: الوليد وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد الثاني وهشام بن عبد الملك، وكان يتردد إلى العراق ومصر، حتى وافته المَنِيَّةُ بضيعته في (أدامي) آخر عمل الحجاز، وأول عمل فلسطين، سَنَةَ أربع وعشرين ومائة على الأرجح، وعمره اثنان وسبعون سَنَةً، وأوصى أنْ يدفن على قارعة الطريق حتى يَمُرَّ به مَارٌّ فيدعو له ﵀ ورَضِيَ عَنْهُ -.
أَبْرَزُ أَخْلاَقِهِ وَصَفَاتِهِ:
كان قصيراً قليل اللحية، خفيف العارضين، يصبغ رأسه ولحيته بِالحِنَّاءِ، أُعيمش، فصيح اللسان، وكان يقال: «فُصَحَاءُ أَهْلُ زَمَانِهِمْ ثَلاَثَةٌ: الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرَ بِنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ» ومن أشهر أخلاقه الكرم والسخاء فقد كان في ذلك آيةً عجباً، قال الليث بن سعد: «كَانَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ يَسْأَلُهُ، حَتَّىَ إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَسْتَلِفُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُعْطُونَهُ، حَتَّىَ إِذَا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ اسْتَلَفَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَرُبَّمَا جَاءَهُ السَّائِلُ فَلاَ يَجِدُ مَا يُعْطِيهِ فَيَتَغَيَّرُ عِنْدََ
стр. 218
ذَلِكَ وَجْهُهُ وَيَقُولُ لَهُ: أَبْشِرْ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِخَيْرٍ، فَيُقَيِّضُ اللهُ لابْنِ شِهَابٍ عَلَىَ قَدْرِ صَبْرِهِ وَاحْتِمَالِهِ، إِمَّا رَجُلاً يُهْدِي لَهُمْ مَا يَسَعُهُمْ وَإِمَّا رَجُلاً يَبِيعَهُ ويُنظِرُهُ».
وكان يمد للناس على الطريق موائد الثريد والعسل، نزل مَرَّةً بماء من المياه فشكا إليه أهل الماء أَنَّ لهم ثمانية عشر عجوزاً ليس لهن خادم ولم يكن معه شيء، فاستلف ثمانية عشر ألفاً، وأخدم كل واحدة منهن جارية، وكان إذا أبى أحد من أصحاب الحديث أنْ يأكل معه طعامه حَلَفَ ألاََّّ يُحَدِّثَهُ عشرة أيام، وله رحلات تعليمية إلى الأعراب يُعَلِّمُهُمْ وَيُفَقِّهُهُمْ، فإذا كان في الشتاء أطعمهم عسلاً وزبداً وإذا كان الصيف أطعمهم عسلاً وسمناً، وبمثل هذا الكرم العجيب كانت تركبه الديون مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، فيقضيها عنه خلفاء بني أميَّة تارة، وأصدقاؤه تارة أخرى.
ومن أبرز صفاته التي مَكَّنَتْ له في العلم وأكسبته شُهْرَةً فِي الآفَاقِ وَتَفَوُّقًا على الأقران اثنتان:
الأولى: عَنَاؤُهُ في طلب العلم، فقد كان شديد الحرص على لُقْيَا العلماء، وتدوين ما يسمع منهم، يسهر الليالي الطويلة على ما سمع، يحفظه وَيُتْقِنُهُ، وإليك ما يُحَدِّثُنَا به أقرانه في الطلب:
قال ابو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرامَ، وَكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمَ النَّاسِ».
وقال إبراهيم بن سعد: «قُلْتُ لأَبِي: بِمَ فَاتَكُمْ ابْنِ شِهَابٍ؟ قَالَ: كَانَ يَأْتِي المَجَالِسِ مِنْ صُدُورِهَا، وَلاَ يَلْقَى فِي المَجْلِسِ كَهْلاً وَلاَ شَابًّا إِلاَّ سَأَلَهُ، حَتَّى يُجَادِلَ رَبَّاتَ الحِجَالِ».
وبلغ من حرص الزُّهْرِيِّ على العلم أنه كان يخدم عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ليأخذ عنه، حتى كان يستقي له الماء ثم يقف بالباب، فيقول عُبَيْدُ اللهِ لجاريته: «مَنْ بِالبَابِ؟»، فتقول له: «غُلاَمَكَ الأَعْمَشُ» (تعني الزُّهْرِي وكان به عمش) وهي تظنه غلامه لكثرة ما ترى من خدمته له ووقوفه ببابه، ويحدثون عنه أنه كان إذا خلا في بيته وضع كتبه واشتغل بها عن كل أمر من أمور الدنيا إلى أنََََََْ
стр. 219
ضاقت به امرأته ذرعاً، فقالت له ذات ليلة: «وَاللَّهِ لَهَذِهِ الْكُتُبُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ثَلاَثَ ضَرَائِرَ»، وكان من عادته أنه إذا سمع من بعض الشيوخ وعاد إلى بيته أيقظ جاريته وقال لها: «اسْمَعِي حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَحَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا الحَدِيثِ؟» فَيَقُولُ لَهَا: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ».
الثانية: حِفْظُهُ وَقُوَّةِ ذَاكِرَتِهِ، فقد كان آية عجباً في ذلك، وَقَدْ سَمِعْتَ ابن أخيه من قبل، يُحَدِّثُ عنه أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، ويروي الليث عن الزُّهْرِي أنه قال: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي عِلْمًا فَنَسِيتُهُ»، وروى عنه عبد الرحمن بن إسحاق: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا قَطُّ، وَمَا شَكَكْتُ فِي حَدِيثٍ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِداً، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».
ومن نوادره في الحفظ ما أخرجه مُؤَرِّخ الشَّامِ ابن عساكر في " تاريخه " بسنده إلى عبد العزيز بن عمران: أَنَّ عَبْدَ المَلِكَ كَتَبَ إِلَى أَهَل المَدِينَةِ يُعَاتِبُهُمْ فَوَصَلَ كِتَابُهُمْ فِي طُومَارَيْنِ (صَحِيفَتَيْنِ) فَقُرِئَ الكِتَابُ عَلَى النَّاسِ عَنْدَ المِنْبَرِ، فَلَمَا فَرَغُوا وَافْتَرَقَ النَّاسُ اجْتَمَعَ إِلَى سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ جُلَسَاؤُهُ، فَقَالََ لَهُمْ سَعِيدٌ: «مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ؟ لَيْت أَنَّا وَجَدْنَا مَنْ يَعْرِفُ لَنَا مَا فِيهِ؟» فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ جُلَسَائِهِ يَقُولُ: فِيهِ كَذَا، وَيَقُولُ الآخَرُ: فِيهِ كَذَا، قَالَ: فَكَأَنَّ سَعِيداً لَمْ يَشْتَفِ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ بِخَبَرِهِمْ، فَبَانَ ذَلِكَ لابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: «أَتُحِبُّ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أََنْ تَسْمَعَ كُلَّ مَا فِيهِ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَرَأَهُ حَتَّى جَاءَ عَلَيْهِ كُلَّهُ كَأَنَّمَا كَانَ يَقْرَؤُهُ مِنْ كِتَابٍ بِيَدِهِ.
ولقد بلغ الزُّهْرِيُّ في الحفظ أنْ أراد هشام بن عبد الملك أنْ يمتحنه بنفسه، فسأله أنْ يُمْلِي على بعض ولده، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم إنَّ هشاماً قال له بعد شهر أو نحوه: «يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ ضَاعَ»، فدعا بكاتب فأملاها عليه، ثم قابله هشام بالكتاب الأول فما غادر حرفاً.
ومما يطرف ذكره هنا ما يَرْوُونَهُ عن الزُّهْرِي، أنه كان يشرب العسل كثيراً ويقول: «إِنَّهُ يُذَكِّرُ»، ويكره أكل التفاح الحامض والخل ويقول: «إِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُنْسِي»، وَيَرْوُونَ عنه أنه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الحَدِيثَ، فَلْيَأْكُلِ الزَّبِيبَ ... »
стр. 220
اِشْتِهَارُهُ بِالعِلْمِ وَإِقْبَالُ النَّاسِ عَلَيْهِ:
لم يكن غريباً بعد أنْ عانى الزُّهْرِي في صباه ما عانى من السَهَرِ والسفر وخدمته لشيوخه، وبعد أنْ عرف الناس قوة حفظه، وَشِدَّةَ إتقانه وأمانته وصدقه في العلم أنْ ينتشر صِيتُهُ في الآفاق، وَيُقْبِلَ عليه الناس من كل فَجٍّ يكتبون حديثه.
وقال الإمام مالك: «كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَأَدْرَكْتُ مَشَايِخَ أَبْنَاءَ سَبْعِينَ وَثَمَانِينَ لاَ يُؤَخَذُ مِنْهُمْ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ دُونَهُمْ فِي السِنِّ فَيُزْدَحَمُ عَلَيْهِ».
ثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيْهِ بِسَعَةِ العِلْمِ:
أخرج الذهبي في " تذكرته "، والحافظ ابن عساكر في " تاريخه "، أنَّ الليث بن سعد قال: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجَمْعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ، فَتَقُولُ: لاَ يُحسِنُ إلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ القُرْآنِ وَالسُنَّةُ كَانَ حَدِيثُهُ جَامِعًا».
وَرَوَى الإِمَامُ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَدِمَ المَدِينَةِ، فَأَخَذَ بَيَدِ رَبِيعَةَ وَدَخَلاَ إِلَى بَيْتِ الدِّيوَانِ، فَلَمَا قَرُبَ وَقْتُ العَصْرِ خَرَجَ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ يَقُولُ: «مَا ظَنَنْتُ بالمَدِينَة مِثْلَ رَبِيعَةَ، وخَرَجَ رَبِيعَةُ يَقُولُ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَداً بَلَغَ مِنَ العِلْمِ مَا بَلَغَ ابْنُ شِهَابٍ».
وقال عَمَرٍو بَن دِينَارٍ بَعْدَ أَنْ اجْتَمَعَ بِالزُّهْرِيِّ طَوِيلاً: «وَاللَّهِ مِثْلَ هَذَا القُرَشِيِّ مَا رَأَيْتُ قَطُّ».
مَكَانَتُهُ فِي السُنَّةِ:
أخرج ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل "، والحافظ ابن عساكر وغيرهما، أن عمر بن عبد العزيز قال لجلسائه يَوْماًً: «هَلْ تَأْتُونَ ابْنَ شِهَابٍ؟» قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَأْتُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَم بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ»، قَالَ مَعْمَرُ: «وَإِنَّ الحَسَنَ وَضُرَبَاءَهُ لأَحْيَاءٌ يَوْمَئِذٍ».
قال علي بن المديني: «دَارَ عِلْمُ الثِّقَاتِ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَعَمْرِوُ بْنِ دِيْنَارٍ بِالحِجَازِ وَقَتَادَةَ وَيَحْيَىَ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِالبَصْرَةِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ وَالأَعْمَشِ فِي الكُوفَةِ - يَعْنِي أَنََّ غَالِبَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ لاَ تَخْرُجُ عَنْ هَؤُلاءِ السِتَّةِ».
وقال عمرو بن دينار: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
стр. 221
وقال أيوب لسفيان بن عُيينة: «مَا أَعْلَمُ بَعْدَ الْزُّهْرِيِّ أَعْلَمُ بِعِلْمِ أَهْلَ الحِجَازِ مِنْ يَحْيَىَ بْنُ بُكَيْرٍ». فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: «لَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِالسُنَّةِ مِنْ الزُّهْرِيِّ».
وَقَالَ مَكْحُولٌ: «مَا بَقِيَ عَلَىَ ظَهْرِهَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ مَاضِيَةٍ مِنْ الزُّهْرِيِّ».
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: «مَا بَقِيَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ العِلْمِ مَا بَقِيَ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ».
وهكذا تتضافر نصوص العلماء على أنه كان أعلم الناس بِالسُنَّةِ في عصره، ولعل ذلك راجع إلى ما ذكره الزُّهْرِيُّ نفسه فيما رواه ابن عساكر: «مَكَثْتُ خَمْسًا وَثَلاَثِينَ أَوْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ سَنَةً أَنْقُلُ أَحَادِيثَ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى الحِجَازِ، وَأَحَادِيثَ أَهْلِ الحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، فَمَا أَجِدُ أَحَدًا يُطْرِفُنِي بِحَدِيثٍ لَمْ أَسْمَعْهُ».
آثَارُهُ فِي عِلْمِ السُنَّةِ:
لِلْزُّهْرِيِّ في تاريخ السُنَّةِ مآثر جلى أهمها ثلاثة:
الأولى - تدوينه السُنَّةَ بتكليف من عمر بن عبد العزيز. وقد قدمنا في بحث (ثمار جهود العلماء في مقاومة الوضع) ما يتضح منه أَنَّ الزُّهْرِيَّ كان أول من دَوَّنَ السُنَّةَ في عصره بعد أن أمر عمر بن عبد العزيز بذلك، حين كتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن حزم، وإلى وُلاَّتِهِ بالأمصار أن يجمعوا سُنَّةَ رسول الله ﷺ ، واستظهرنا هناك أن أبا بكر لم يجمع إلا جزءاً يسيراً، وأما الذي ثابر على الجمع وعرف عنه ذلك فهو الزُّهْرِيُّ.
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح ": «وَأَوَّل مَنْ دَوَّنَ [الحَدِيثَ] اِبْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ عَلَى رَأْس المِائَة بِأَمْرِ عُمَر بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ»، كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن عن مالك، قال: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ ابْنُ شِهَابٍ».
أقول: وكذلك رأيت في " تاريخ ابن عساكر " نسبة تدوين السُنَّةِ إِلَى الزُّهْرِيِّ، وأخرج ابن عبد البر بسنده إلى عبد العزيز بن محمد [الدَّرَاوُرْدِي] قال: «أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ العِلْمَ وَكَتَبَهُ ابْنُ شِهَابٍ» (١)، وبهذا يجمع بين الروايات، ويكون لِلْزُّهْرِيِّ فخر السبق إلى تدوين السُنَّةِ وجمعها، ثم تتابع العلماء من بعده بالجمع والترتيب.
الثانية - تَفَرُّدُهُ بحفظ أشياء من السنن لولاه لضاعت، فقد أخرج ابن عساكر عن الليث بن سعد، أن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل الجُمَحِي، قال
стр. 222
له: «يَا أَبَا الحَارِثِ لَوْلاَ ابْنَ شِهَابٍ لَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السُنَّةِ». وأخرج مسلم في " صحيحه " من كتاب الأيمان والنذور ٣/ ١٢٦٨: «وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ».
الثالثة - أنه كان أول من نَبَّهَ الناس إلى العناية بالأسانيد، وقد كانوا من قبل لا يهتمون بذلك، قال مالك: «أَوَّلُ مَنْ أَسْنَدَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ». ولعله قصد بذلك في بلاد الشام حيث أخرج ابن عساكر عن الوليد بن مسلم: أن الزُّهْرِي قال: «يَا أَهْلَ الشَّامِ مَالِي أَرَىَ أَحَادِيثَكُمْ لَيْسَ لَهَا أَزِمََّةُ وَلاَ خَطْمِ؟» وتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ.
آرَاءُ عُلَمَاءِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِيهِ:
قال ابن سعد صاحب "الطبقات ": «كَانَ الزُّهْرِيُّ ثِقَةً كَثِيرُ العِلْمِ وَالحَدِيثِ وَالرِّوَايَةِ، فَقِيهًا جَامِعًا».
وقال النسائي: «أَحْسَنُ أَسَانِيدَ تُرْْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ: الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ»، وذكر الطريقين الآخرين.
وقال الإمام أحمد: «الزُّهْرِيُّ أَحْسَنُ النَّاسِ حَدِيثًا وَأَجْوَدُهُمْ إِسْنَادًا».
وقال ابن أبي حاتم: سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ: أَيُّ الإِسْنَادِ أَصَحُّ، فَقَالَ: «أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا، الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ».
وقال ابن حبان في كتاب " الثقات ": «مُحَمَّدٌ بْنُ مُسْلِمٍ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ القُرَشِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، رَأَى عَشْرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَحْسَنُهُمْ سِيَاقًَا لِمُتُونِ الأَخْبَارِ، وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلاً رَوَىَ عَنْهُ النَّاسُ».
وقال صالح بن أحمد: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: «الزُّهْرِيُّ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ».
وقد ذكر مسلم في " مقدمة صحيحه " فقال: «فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلاَلَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ ... الخ».
وقال الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": «وَهُوَ عَلَمُ الحُفَّاظِ الإِمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ».
стр. 223
وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب ": «هُوَ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الحَافِظُ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ وَالأَعْلاَمِ، وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالشَّامِ». وقال ابن حجر أيضاًً في " التقريب ": «الفَقِيهُ الحَافِظُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَلاَلَتِهِ وَإِتْقَانِهِ». وهكذا تضافرت روايات الأئمة وَالحُفَّاظِ وعلماء الجرح والتعديل على توثيقه وأمانته وجلالة قدره ونبله في أعين المُحَدِّثِينَ.
مَنْ رَوَى عَنْهُ وَخَرَّجَ لَهُ:
روى عنه خلق كثير من أشهرهم: مالك وأبو حنيفة (١) وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز وابن عُيينة والليث بن سعد والأوزاعي وَابْنُ جُرَيْجٍ، وخَرَّجَ له الشيخان البخاري ومسلم، وكُتُبُ " السنن الأربعة "، ومالك في " مُوَطَّئِهِ " والشافعي وأحمد في "مُسْنَدَيْهِمَا "، ولا يخلو مُسْنِدَ مُحَدِّثٍ ولا حافظ من تخريج أحاديث له، بل لا يكاد يخلو باب من أبواب الحديث إلا للزهري فيه حديث أو أثر أو رأي.
رَدُّ الشُبَهِ الوَارِدَةِ عَلَى الزُّهْرِيِّ:
تلك هي مكانة الزُّهْرِي في العلم، وآراء علماء المُسْلِمِينَ فيه، لَمْ يَتَّهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ الزُّهْرِيَّ بما لم يقع منه، ولا أُثِرَ عن أحد منهم أي تشكيك في أمانته وثقته ودينه، ولا نعلم في الدنيا أحداً اتَّهَمَ الزُّهْرِيَّ بأمانته وصدقه في الحديث قبل هذا المستشرق اليهودي المتعصب جولدتسيهر، وقد رأيت ما أورده مِنْ شُبَهٍ عليه وها نحن أُولاَءِ نبطلها بفضل الله واحدة بعد أخرى.
صِلَةُ الزُّهْرِيِّ بِالأُمَوِيِّينَ:
يزعم جولدتسيهر أَنَّ صِلَةَ الزُّهْرِيِّ بالأُمَوِيِّينَ هي التي مكنت لهم أن يستغلوه في وضع الأحاديث الموافقه لأهوائهم. ولا ندري كيف تكون الصلة بين رجل كالزُّهْرِيِّ صادق ثبت حُجَّةٌ، وبين خلفاء بني أمية علامة على استغلالهم له، وقديماً كان العلماء يتصلون بالخلفاء والملوك، دُونَ أن يمس هذا أمانتهم في شيء، وعالم مثل الزُّهْرِي، إذا اتصل بهؤلاء الخلفاء أو اتصلوا به، لا سبيل إلى أن يؤثر ذلك
стр. 224
في دينه وأمانته وَوَرَعِهِ، والمستفيد منه على كل حال هم المُسْلِمُونَ الذين يغدو شيخهم ويروح من حلقات العلم إلى مجالس الخلفاء يروي حَدِيثًا، أو يبث فكرة، أو يُبَيِّنُ حُكْمًا، أو يؤدب لهم وَلَدًا أَوْ يُذَكِّرَهُمْ بما لِلأُمَّةِ عليهم من حقوق وما للهِ عليهم من واجبات.
جاء في " العقد الفريد " (١): «دخل الزُّهْرِيُّ على الوليد بن عبد الملك فقال له: " ما حديث يُحَدِّثُنَا به أهل الشام؟ " قال: " وما هو يا أمير المؤمنين؟ " قال: " يُحَدِّثُونَنَا أَنَّ اللهَ إِذَا اسْتَرْعَى عَبْدًا رَعِيَّتَهُ كَتَبَ لَهُ الحَسَنَاتِ وَلَمْ يَكْتُبَ لَهُ السَّيِّئَاتِ! ". قال الزُّهْرِي: " باطل يا أمير المؤمنين! أنبِيٌّ خليفة أكرم على الله؟ أو خليفة غير نبيّ؟ " قال: " بل نَبِيٌّ خليفة "، قال: " فإن الله تعالى يقول لِنَبِيِّهِ دَاوُدَ ﵇ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢) فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لِنَبِيٍّ خليفة فما ظنك بخليفة غير نبيّ؟ " قال الوليد: " إن الناس ليغووننا عن ديننا "» اهـ.
فانظر إلى مدى ما تنتجه هذه الصلة من فائدة لِلأُمَّةِ بين رجل كالزُّهْرِي وبين خليفة كالوليد؟ ثم انظر ترى موقف الزُّهْرِي موقف عالم يخضع لتأثير البيت المالك ولا يخرج عن هواهم، ويستجيب إلى رغباتهم في وضع الأحاديث على رسول الله ﷺ ؟ أم هو موقف العالم الناصح ينصح لدين اللهِ والمُسْلِمِينَ وَيَذُبُّ عن سُنَّةِ رسول الله ﷺ أكاذيب الوَضَّاعِينَ؟ ويدفع عن خليفة المُسْلِمِينَ وقوعه تحت تأثير الرُّوَاةِ الكَذَّابِينَ، فلا يستمر في ظلم ولا يتمادى في باطل!
وانظر بعد ذلك فيما رواه ابن عساكر بسنده إلى الشافعي ﵀ أن هشام بن عبد الملك سأل سليمان بن يسار عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) فقال هشام: «مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ فِيهِ؟» قال سليمان: «هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَِيٍّ بْنِ سَلُولٍ». فقال هشام: «كَذَبْتَ: إِنَّمَا هُوَ عَلِيٌّ بْنُ
стр. 225
طَالِبٍ» - ويظهر أن هشاماً لم يكن جَادًّا فيما يقول، ولكنه يريد أن يَخْتَبِرَ شِدَّتَهُمْ فِي الحَقِّ - فقال سليمان بن يسار: «أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ»، ثم وصل ابن شهاب، فقال له هشام: «مَنْ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟»، فقال الزُّهْرِيُّ: «هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، فقال له هشام: «كَذَبْتَ إِنَّمَا هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». قال الزُّهْرِيُ وقد امتلأ غضباً: «أَنَا أَكْذِبُ؟ لاَ أَبًا لَكَ! فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ ... حَدَّثَنِي فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ أَنَّ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولٍ»، قال الشافعي: فما زالوا يغرون به هشاماً حتى قال له: «ارْحَلْ فَوَاللهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَحْمِلَ عَنْ مِثْلِكَ»، قال ابن شهاب: «وَلِمَ ذَاكَ؟ أَنَا اغْتَصَبْتُكَ عَلَى نَفْسِي أَوْ أَنْتَ اغْتَصَبْتَنِي عَلَى نفسي؟ فَخَلِّ عَنِّي
». قَالَ لَهُ: «لاَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَدَنْتَ أَلْفَيْ أَلْفٍ»، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «قَدْ عَلِمتَ وَأَبُوكَ قَبْلَكَ أَنِّي مَا اسْتَدَنْتُ هَذَا المَالَ عَلَيْكَ وَلاَ عَلَى أَبِيكَ» ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا. فقال هشام: «إِنَّا نُهِيِّجَ الشَّيْخَ»، ثُمَّ أَمَرَ فَقَضَى عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِ أَلْفَ أَلْفٍ. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَذَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ».
ذلك ما أثبته ابن عساكر في " تاريخه " منذ ثمانية قرون نقلاً عن الشافعي وهو إمام من أئمة الصدق والحق من قبل أن يظهر إلى عالم الوجود رجل يرمي الزُّهْرِي بالكذب وَيَتَّهِمَهُ في دينه لاتصاله بالخلفاء!. ألاَ ترى في هذه الحادثة ما يَدُلُّكَ على مبلغ أمانة الزُّهْرِي، وعلى أَنَّ الصلة بينه وبين الخلفاء كانت أدنى وأضعف من أن تصل إلى دينه وأمانته؟ رجل يقول لخليفة المُسْلِمِينَ: لا أبا لك!. وهي كلمة لا يقولها رجل عادي لآخر مثله يحترمه، دليل على أن صلته بالخليفة ليست صلة ضعيف بقوي، ولا مخدوع بخادع، بل صلة واثق بدينه، معتز بعلمه يغضب إِنْ كُذِبَ، وَيَثُورُ إِذَا حُرِّفَتْ حقيقة من حقائق التاريخ المتصل بصحابة رسول الله ﷺ ، ورجل يَزْأَرُ في وجه الخليفة زئير الآساد لأنه كَذَّبَهُ في تفسير آية من كتاب الله خلاف ما يعلم أهل العلم من قبله، هل من المعقول أن يستخذي لأهواء الخليفة، فيضع له أحاديث عن رسول الله ﷺ لا أصل لها! ألاَ ترى إلى قول الزُّهْرِي: «أَنَا أَكْذِبُ؟ لاَ أَبًا لَكَ! فَوَاللهِ لَوْ نَادَانِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الكَذِبَ مَا كَذَبْتُ» إِنَّ الزُّهْرِي كان من ذلك الطراز الممتاز في تاريخ
стр. 226
الإنسانية الذين رَبَّاهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وأخرجهم للدنيا آيات باهرات في صدق اللهجة، وسمو النفس، والترفع عن الكذب حتى ولو كان مباحاً.
ثم ماذا يبتغي الزُّهْرِي من مسايرته لأهواء الأُمَوِيِّينَ؟ أهو يبتغي المال؟ لقد اعترف معنا هذا المستشرق بأن الزُّهْرِي لم يكن من طراز أولئك الرجال الذين يستعبدهم المال، حيث نقل لنا عن عمرو بن دينار قوله في الزُّهْرِي: «مَا رَأَيْتُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ عِنْدَ أَحَدٍ أَهْوَنَ مِنْهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، كَأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ البَعْرِ» أم هو يبتغي الجاه؟ إن المستشرق يعترف معنا بأن الزُّهْرِي كان ذائع الصيت عند الأُمَّةِ الإسلامية، فأي جاه يطلب بعد هذا؟ وإذا لم يكن الزُّهْرِي طالب جاه ولا طالب مال، وهو في دينه وجرأته، كما رأيت، فهل يبلغ به الحمق والغباوة أن يبيع دينه للأمويين، ويخسر سمعته بين المُسْلِمِينَ وهو لا يطمع في جاه ولا مال ولا منصب؟.
ثم إن المستشرق يُصَوِّرُ لنا عصر بني أمية عصر ظُلْمٍ وَجَوْرٍ، وأن الأتقياء من علماء المدينة كانوا يحاربونهم وَيُزَوِّرُونَ عنهم، ونحن نعلم أن الزُّهْرِي نشأ بالمدينة وأخذ عن شيوخها، جلس إلى سعيد بن المسيب حتى مات سعيد، وأخذ عنه مالك في كل مَرَّةٍ يأتي بها إلى المدينة، وظل يتردد بين المدينة والشام - كما قال الزُّهْرِي - خمساً وثلاثين سَنَةٍ، فلماذا لم يبغضه علماؤها؟ لماذا لم يُكَذِّبُوهُ لو صح أنه كَذَبَ للأمويين؟ لماذا لم يتبرأ منه شيخه سعيد وهو الذي لم يبال بعبد الملك في سطوته وجبروته؟ ما الذي دعاهم إلى السكوت عنه؟ أهو الخوف؟ لم يكونوا يعرفون خوفاً في نقد الرجال، من الخليفة إلى أقل رجل في المجتمع، وَهَبْ أَنَّهُمْ خَافُوهُ، فلماذا لم ينقده العلماء في دولة بني العباس؟ لماذا لم يهاجمه أنصار بني العباس، كما هاجموا خلفاء بني أمية وأمراءهم وأعوانهم؟ لماذا سكت عنه علماء الجرح والتعديل: من أحمد بن حنبل ويحيى بين معين والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم وأضرابهم مِمَّنْ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فكيف إذا كان النقد لرجل من أكبر رجال الدولة الأموية وأعظمهم شهرة؟ أليس في سكوت علماء المدينة وشيوخها وفي مقدمتهم شيخه سعيد، ثم في أخذهم عنه وأخذ العلماء عنه من كل فج، وفي توثيق علماء الجرح والتعديل له في العصر العباسي - رغماً عن صلته بالخلفاء الأُمَوِيِّينَ. أكبر دليل على أَنَّ الرجل كان فوق متناول الشُبَهِ
стр. 227
، وأرفع من أَنْ تعلق به أَلْسِنَةُ السُّوءِ، وأكرم من أَنْ يُوصَفَ بِكَذِبٍ، أو وضع، أو ممالاة لأهل الظلم والباطل؟.
قِصَّةُ الصَّخْرَةِ وَحَدِيثُ «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... »:
يزعم هذا المستشرق أَنَّ عبد الملك بنى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ لِيَحُولَ بين أهل الشام والعراق وبين الحج إلى الكعبة، وأنه أراد أن يلبس عمله هذا ثوباً دينياً، فوضع له صديقه الزُّهْرِي حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... إلخ» فهذا لعمري عجب من أعاجيب الافتراء والتحريف والتلاعب بحقائق التاريخ:
أَوَلاً - إن المُؤَرِّخِينَ الثقات لم يختلفوا في أن الذي بنى القبة (قُبَّةَ الصَّخْرَةِ) هو الوليد بن عبد الملك، هكذا ذكر ابن عساكر والطبري وابن الأثير وابن خلدون وابن كثير وغيرهم، ولم نجدهم ذكروا ولو رواية واحدة نسبة بنائها إلى عبد الملك ولا شك أن بناءها - كما يزعم جولدتسيهر - لتكون بمثابة الكعبة يحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، حادث من أكبر الحوادث وأهمها في تاريخ الإسلام وَالمُسْلِمِينَ فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المُؤَرِّخُونَ مَرَّ الكرام، وقد جرت عاداتهم أَنْ يُدَوِّنُوا ما هو أقل من ذلك خطراً أو أهمية، كتدوينهم وفاة العلماء وتولي القضاء وغير ذلك، فلو كان عبد الملك هو الذي بناها لذكروها، ولكنا نراهم ذكروا بناءها في تاريخ الوليد، وهؤلاء مُؤَرِّخُونَ أثبات في كتابة التاريخ، نعم جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري نقلاً عن ابن خلكان: أن عبد الملك هو الذي بَنَى القُبَّة وعبارته هكذا: «بَنَاهَا عَبْدُ المَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ يَقِفُونَ عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ» ورغماً عما في نسبة بنائها لعبد الملك من ضعف، ومن مخالفته لما ذكره أئمة التاريخ، فإن هذا النص لا غبار عليه، وليس فيه ما يدل على أنه بناها ليفعل الناس ذلك، بل ظاهره أنهم كانوا يفعلون من تلقاء أنفسهم، وليس فيه ذكر الحج عند القُبَّةِ بَدَلاً من الكعبة، بل فيه الوقوف عندها يوم عرفة، وهذه العادة كانت شائعة في كثير من أمصار الإسلام نص الفقهاء على كراهتها، وفرق كبير بين الحج إليها بَدَلاً من الكعبة، وبين الوقوف عندها تَشَبُّهاً بوقوف الحج في عرفة، ليشارك من لم يستطع الحج الحُجَّاجَ في شيء من الأجر والثواب، ولم يكن ذلك مقصوراً على قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، بل كان كل مصر إسلامي يخرج أهله يوم عرفة إلى ظاهر البلد فيقفون كما يقف الحُجَّاجُ.
стр. 228
ثَانِياًً - إن نص الحادثة كما ساقها جولدتسيهر بَيِّنُ البطلان، لأن بناء شيء ليحج الناس إليه كُفْرٌ صَرِيحٌ، فكيف يقدم عبد الملك عليه، وهو الذي كان يلقب بـ «حَمَامَةِ المَسْجِدِ» لكثرة عبادته؟ على أن خصومه طعنوا فيه بأشياء كثيرة ولم نجدهم اتهموه بالكفر» وَلاَ شَنَّعُوا عليه ببناء القبة، ولو كان الأمر ثابتاً لجعلوها في أول مَا يُشَهِّرُونَهُ بِهِ.
ثَالِثاً - أن الزُّهْرِي وُلِدَ - كما قدمنا - سَنَةَ إحدى وخمسين أو ثمان، ومقتل عبد الله بن الزبير كان سَنَةَ ثلاث وسبعين، فيكون عُمْرُ الزُّهْرِي حينذاك على الرواية الأولي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ عَامًا، وعلى الثانية خَمْسَةَ عَشَرَ، فهل من المعقول أن يكون الزُّهْرِيُّ في تلك السن ذائع الصيت عند الأُمَّةِ الإسلامية بحيث تتلقى منه بالقبول حَدِيثًا موضوعاً يدعوها فيه للحج إلى القبة بدلاً عن الكعبة؟
رَابِِعاًً - إن نصوص التاريخ قاطعة بأن الزُّهْرِي في عهد ابن الزبير لم يكن يعرف عبد الملك ولا رآه بعد، فالذهبي يذكر لنا أن الزُّهْرِي وَفَدَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ على عبد الملك في حدود سَنَةِ ثمانين، وابن عساكر روى أن ذلك كان سَنَةَ اثنتين وثمانين، فمعرفة الزُّهْرِي لعبد الملك لأَوَّلِ مَرَّةٍ إنما كانت بعد قتل ابن الزبير ببضع سنوات، وقد كان يومئذ شاباً بحيث امتحنه عبد الملك، ثم نصحه أن يطلب العلم من دور الأنصار، فكيف يَصِحُّ الزعم بأن الزُّهْرِي أجاب رغبة صديقه عبد الملك فوضع له حديث بيت المقدس ليحج الناس إلى القُبة في عهد ابن الزبير؟.
خامساً: إن حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... الخ» روته كُتُبُ السُنَّةِ كلها، وهو مروي من طرق مختلفة عن طريق الزُّهْرِي، فقد أخرجه " البخاري " عن أبي سعيد الخُدري من غير طريق الزُّهْرِي، ورواه " مسلم " من ثلاث طرق إحداهما من طريق الزُّهْرِي وثانيتهما من طريق جرير عن ابن عمير عن قزعة عن أبي سعيد، وثالثتهما من طريق ابن وهب عن عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس عن سلمان الأغر عن أبي هريرة. فالزُّهْرِي لم ينفرد برواية هذا الحديث، كما يزعم جولدتسيهر، بل شاركه فيه غيره كما سمعت، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن حكم زيارة بيت المقدس والصلاة فيه - وهو مِمَّنْ ينكر السفر لأجل
стр. 229
زيارة القبور (١) فقال: ثبت في " الصَحِيحَيْنِ " عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ ... الخ» وهو في " الصَحِيحَيْنِ " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد رُوِيَ من طرق أخرى، وهو حديث مستفيض متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم عَلَى صحته وتلقيه بالقبول والتصديق، واتفق علماء المُسْلِمِينَ على استحباب السفر إلي بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه، وكان ابن عمر يأتي إليه فيصلي» اهـ.
سَادِساًً: إن هذا الحديث رواه الزُّهْرِي عن شيخه سعيد بن المسيب، ومن المعلوم أن سعيداً ما كان ليسكت عن الزُّهْرِي لو أنه وضع هذا الحديث على لسانه إرضاء لأهواء الأُمَوِيِّينَ، وهو الذي أُوذِيَ من قِبَلِهِمْ وضُرِبَ، وقد توفي سعيد (سَنَةَ ٩٣) من الهجرة أي بعد مقتل ابن الزبير بِعِشْرِينَ سَنَةٍ، فكيف سكت سعيد عن هذا كل هذه المدة، وقد كان جبلاً شامخاً من جبال القوة في الحق لا يبالي في الله لومة لائم؟.
سَابِعاًً: لو فرضنا أَنَّ الزُّهْرِي وضع هذا الحديث إرضاء لعبد الملك، فلِمِ لَمْ يُصَرِّحْ فيه بفضيلة قبة الصخرة وقد أراد عبد الملك أن يحج الناس إليها؟ كل ما في هذا الحديث وما صَحَّحُوهُ من أحاديث بيت المقدس فضل الصلاة فيه وفضل زيارته غير مقيدة بوقت معين، وهذا شيء أثبته القرآن جملة، فأين هذا مِمَّا يريده عبد الملك من الحج إلى القبة بدلاً من الكعبة في أيام الحج.
ثَامِناًً: إن حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» الذي صَحَّحَهُ العلماء لا يربط بما ورد في فضائل بيت المقدس والصخرة أو غيرها من أحاديث مكذوبة ليس للزهري رواية فيها، وقد نقدها العلماء جميعاً، حتى قالوا: كل حديث في الصخرة فهو كذب. وقالوا: لَمْ يَصِحَّ في فضل بيت المقدس إلا ثلاثة أحاديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ» وحديث: «سُئِلَ عَنْ أَوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ، قَالَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: المَسْجِدُ الأَقْصَى». وحديث: «إِنَّ الصَلاَةَ فِيهِ تَعْدِلُ سَبْعَمِائَةِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ».
стр. 230
قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الوَلِيدِ الأُمَوِيِّ:
زعم جولدتسيهر أن إبراهيم بن الوليد الأموي جاء إلى الزُّهْرِيِّ بصحيفة، وطلب منه أن يأذن له بنشر أحاديث فيها على أنه سمعها منه، فأجازه الزُّهْرِي مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وقال له: «من يستطيع أن يجيزك بها؟» وهكذا استطاع الأموي أن يروي ما كتب في الصحيفة على أنها مروية عن الزُّهْرِي، وهنا أخطاء ومُغالطات:
أَوَلاًً - إن ابن عساكر صَرَّحَ بسماع إبراهيم من الزُّهْرِيِّ فيكون إبراهيم قد عرض على شيخه صحيفة سمعها منه، وهذا يُسَمَّى في اصطلاح المُحَدِّثِينَ (عَرْضَ المُنَاوَلَةِ) قال الشيخ ابن الصلاح في " مقدمته ": «القسم الرابع من أنواع تحمل الحديث (المُنَاوَلَةُ) فإن كان معها إجازة مثل أن يناول الشيخ الطالب كتاباً من سماعه ويقول: إروِ هذا عني، أو يأتيه الطالب بكتاب قد سمعه من الشيخ فيتأمله الشيخ، ثم يقول له: إروِ عني هذا، ويسمى هذا (عَرْضَ المُنَاوَلَةِ) وقد قال الحاكم: إن هذا سماع عند كثير من المُتَقَدِّمِينَ، وحكوه عن مالك والزُّهْرِي وربيعة ويحيى بن سعيد ومجاهد وسفيان ... إلخ» (١). وقال أيوب: «كُنَّا نَعْرِضُ العِلْمَ عَلَى الزُّهْرِيِّ»، وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: «أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بِكِتَابٍ فَتَأَمَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَجْزِيكَ بِهِ»، ومثله أخبر به كثير من تلاميذ الزُّهْرِيِّ كانوا يعرضون عليه أحاديثه التي سمعوها منه فيتأملها ويجيزهم بها، وما صنع إبراهيم بن الوليد - إن صحت الرواية - إنما هو من هذا القبيل حتماً، يؤكده تصريحه بالعرض كما في رواية ابن عساكر والعرض - كما رأيت - إعطاء الشيخ الكتاب ليتأمله، ثم يجيزه. أما أن يكون إبراهيم دَوَّنَ أحاديث من عنده، ثم طلب من الزُّهْرِي أن يسمح له بروايتها عنه ووافقه الزُّهْرِيُّ على ذلك، فهذا ما يستحيل صدوره من رجل كَالزُّهْرِيِّ كان ذائع الصيت عند الأمة الإسلامية، وما ذاع صيته إلا بأمانته وصدقه وضبطه.
ثَانِياًً - إن قول الزُّهْرِي: «مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجِيزَكَ بِهَا؟» أصله كما نقل ابن عساكر: «وَمَنْ يُجِيزُكَ بِهَا غَيْرِي؟» وليس في هذا شيء، فَغَيْرُ الزُّهْرِيِّ لا يستطيع أن يجيز تلاميذ الزُّهْرِيِّ كإبراهيم بأحاديث لم يسمعوها إلا من شيخهم على أنه
стр. 231
كان أعلم أهل زمانه بِالسُنَّةِ، وقد نقلنا قول غير واحد من أئمة الحديث أنه لولاه لضاعت أشياء كثيرة مِنَ السُنَّةِ، واعترف مُسْلِمٌ له بأنه يروي تسعين حَدِيثًا لا يرويها غيره، فيكون معنى قوله لإبراهيم، هو: ومن يعلم بهذه الأحاديث غيري حتى يجيزك بها؟ وليس معناه أنه لا يجرؤ أحد من المُسْلِمِينَ أن يبيح له وضع الأحاديث غيري ..
ثَالِثاًً - إن إبراهيم هذا لم ترو له كُتُبُ السُنَّة عندنا شيئاً، ولم تذكره كتب الجرح والتعديل، لا في الثقات ولا في الضعفاء والمتروكين، فأين هذه الأحاديث التي نشرها على الناس بإذن من الزُّهْرِيِّ؟ وأين موضعها من كُتُبِ السُنَّة؟ ومن رواها عنه؟ وكيف اختفت هذه الصحيفة فلم يبق لها مكان في كتاب التاريخ؟.
قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ:
ثم زعم جولدتسيهر أَنَّ الزُّهْرِيَّ اعترف اعترافاً خطيراً في قوله الذي رواه عنه معمر: «إِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وأن ذلك يفهم استعداد الزُّهْرِيِّ لأَنْ يَكْسُو رَغَبَاتِ الحكومة باسمه المعترف به عند الأمة الإسلامية.
قدمنا لك عند الحديث عن صدق الزُّهْرِي وجرأته، أنه أبعد الناس عن الرضوخ لأهواء الحاكمين، وذكرنا لك من الوقائع التاريخية بينه وبين خلفاء بني أمية ما تجزم معه بأنه ليس ذلك الرجل المستعد لأن يَكْسُو رَغَبَاتِ الحكومة باسمه المعترف به عند المُسْلِمِينَ.
أما هذا النص الذي نقله ففيه تحريف مُتَعَمَّدٌ يقلب المعنى رأساً على عقب، وأصله كما في ابن عساكر وابن سعد: أن الزُّهْرِي كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس - ويظهر أنه كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم، وَلاَ يَتَّكِلُوا على الكتب كما ذكرنا من قبل - فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمْلِي على ولده ليمتحن حفظه كما تقدم، وأملى عليه أربعمائة حديث، خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْرًا قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلاَءِ، وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث». هذا هو النص التاريخي لقول الزُّهْرِي، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر
стр. 232
وهو: «كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ العِلْمِ - أَيْ كِتَابَتَهُ - حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءُ فَرَأَيْنَا أَنْ لاَ نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ». اهـ (١).
فانظر كم الفرق بين أن يكون قول الزُّهْرِيِّ كما روى جولدتسيهر: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» وبين أن يكون قوله كَمَا رَوَاهُ المُؤَرِّخُونَ: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ» أو كما رواه الخطيب «عَلَى كِتَابَةِ العِلْمِ» ثم انظر إلي هذه الأمانة العلمية حذف «الـ» من «الأحاديث» فقلبت الفضيلة رذيلة .. حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة الزُّهْرِي وإخلاصه في نشر العلم، فلم يرض أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إلا أن يبذله للناس جميعاً، فإذا أمانة هذا المستشرق تجعله ينسب للزهري أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها، فأين هذا من ذاك؟؟.
ذَهَابُهُ لِلْقَصْرِ وَتَحَرُّكُهُ فِي حَاشِيَةِ السُّلْطَانِ:
ثم يقول جولدتسيهر: «ولم يكن الزُّهْرِي من أولئك الذين لا يمكن الاتفاق معهم ولكنه كان مِمَّنْ يرى العمل مع الحكومة، فلم يكن يَتَجَنَّبُ الذهاب إلى القصر، بل كان يتحرك كثيراً في حاشية السلطان».
قدمنا لك أن تردد العلماء على مجالس الخلفاء لا يطعن في أمانتهم ودينهم، ولا يجعلهم صرعى أهواء الخلفاء ونفوذهم، وقدمنا لك أدلة على سمو الصلة التي كانت بين الزُّهْرِيِّ وخلفاء بني أمية، وأنها صلة العالم المعتز بعلمه ودينه ومكانته، العالم الذي لا يتردد عن مجابهة الخليفة في أية لحظة بالحق حين يجد من واجب الحق أن يقف هذا الموقف، وقديماً تردد الصحابة على معاوية، وتردد التابعون على الأُمَوِيِّينَ، وتردد أبو حنيفة على المنصور، وكان أبو يوسف من أشد الناس ملازمة لهارون الرشيد ومع ذلك فلم يطعن فيهم أحد، ولم ينزلهم عن مرتبة العدالة لأنهم خالطوا السلاطين أو جالسوهم.
حَجُّهُ مَعَ الحَجَّاِجِ:
وهذا الذي زعمه «جولدتسيهر» ليزيد في التنفير من الزُّهْرِي والتدليل على
стр. 233
قلة دينه هو زعم باطل، فَالزُّهْرِيُّ لم يكن مع الحَجَّاِج في حاشيته حين حج، وإنما كان مع عبد الله بن عمر، حين اجتمع مع الحَجَّاِج، وإليك النص على حقيقته كما ورد في " تهذيب التهذيب " لابن حجر: «أَخْرَجَ عَبْدُ الرَزَّاقِ فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاِجِ أَنْ اقْتَدِ بابْنِ عُمَر فِي المَنَاسِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الحَجَّاِجُ يَوْمَ عَرَفَةَ: " إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرُوحَ فآذِنَّا "، فَرَاحَ هُوَ وَسَالِمٌ وَأَنَا مَعَهُمَا، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: " وَكُنْتُ صَائِمًا فَلَقِيتُ مِنَ الحَرِّ شِدَّةً "» فالزُّهْرِيُّ، إنما كان مع عبد الله بن عمر حين اجتمعا بالحَجَّاِج في الحج لا في معية الحَجَّاِج.
تَرْبِيَتُهُ لأَوْلاَدِ هِشَامٍ:
وقد زعم «جولدتسيهر» أنه مِمَّا يطعن به على الزُّهْرِيِّ أن هشاماً جعله مُرَبِّياً لِوَلِيِّ عَهْدِهِ، وهذا عدا ما فيه من الخطأ التاريخي، فإن وَلِيَّ عهد هشام هو ابن أخيه الوليد بن يزيد، تنفيذاً لوصية أخيه يزيد بن عبد الملك، وقد كان الوليد هذا مَاجِنًا مُسْتَهْتِرًا بينه وبين الزُّهْرِيِّ من العداوة والجفاء ما بين الأخيار والأشرار، وانما كان الزُّهْرِيُّ مُرَبِّياً لأَوْلاَدِ هِشَامٍ حين حَجَّ معه سَنَةَ ست ومائة وعدا هذا الخطأ التاريخي، فإنا لا ندري أي ريب يلحق بِالزُّهْرِيِّ إذا رَبَّى أَوْلاَدَ هِشَامٍ؟ أليس ذلك - خيراً من أن يتولى تهذيبهم الخلعاء والماجنون وأعداء الله وأعداء رسوله؟ على أن التاريخ يُحَدِّثُنَا أن أولاد هشام كانت لهم غزوات موفقة في بلاد الروم، ولهم أَيَادٍ بيضاء في نشر الإسلام في أصقاع كثيرة، أفليس من الإنصاف أن نُرْجِع شيئاً من الفضل في ذلك إلى شيخهم الزُّهْرِي، لا سيما وَالمُؤَرِّخُونَ يذكرون عنه أنه كان «جُنْدِيًّا جَلِيلاً» وأنه قدم الشام مَرَّةً يريد الغزو، وأنه كان يلبس زِيَّ الجنود.
تَوَلِّيهِ القَضَاءَ:
وأخيراً يعيب «جولدتسيهر» على الزُّهْرِيِّ أنه تولى القضاء ليزيد الثاني، وقد كان عليه - لو كان تَقِيًّا - أن يهرب كما هرب الشعبي والصالحون، فهل هذا النقد حق؟ أما منصب القضاء فما نعلم أحداً عَدَّهُ مُوجِباً للجرح والاتهام في العدالة، وقد وَلَّى رسول الله ﷺ القضاء عَلِيَّ بن أبي طالب ومُعاذَ بن جبل ومعقل بن يسار وغيرهم، وتولى كثيرون من التَّابِعِينَ القضاء لبني أمية وغيرهم».
стр. 234
وهذا شُرَيْحٌ، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وكثير غيرهم تولوا القضاء في عهد بني أمية، ومنهم من تولى القضاء لِلْحَجَّاج نفسه، وما نعلم أن أحداً جَرَّحَ هؤلاء العلماء لتوليهم القضاء، أما أن الشعبي كان يهرب من القضاء، وأنه حارب الحَجَّاجَ مع ابن الأشعث، فها هنا مغالطة منكرة، إذ الواقع أن الشعبي بعد أن حارب الحَجَّاجَ تولى القضاء في عهد الحَجَّاجِ ليزيد بن عبد الملك بعد خمود فتنة ابن الأشعث، فلماذا تجاهل آخر الأمر الذي كان عليه الشعبي وهو الأولى بالاحتجاج؟
أما زعمه بأن الأتقياء كانوا يتحرزون من القضاء ويعدون توليه مُسْقِطاً للثقة بالقاضي، واحتجاجه بحديث: «مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِياً فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» (١) فهذا نقل عن أئمتنا لا يتفق مع الواقع، فقد نصوا على أن القضاء تعتريه الأحكام الخمسة، وأن تولي القضاء لِلْظلَمَةِ جائز بلا نزاع، وأن المراد بقوله: «مَنْ تَوَلَّى القَضَاءَ ... الخ» حث القاضي على أن يتوقى الحُكْمَ ويعدل فيه.
قال شيخ الإسلام المرغيناني في " الهداية ": «[ثُمَّ] يَجُوزُ التَّقَلُّدُ مِنَ السُّلْطَانِ الجَائِرِ كَمَا يَجُوزُ مِنَ العَادِلِ، لأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃[تقلَّدُوهُ] مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، وَالحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعُونَ تَقَلَّدُوا مِنَ الحَجَّاجِ وَكَانَ جَائِرًا، إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُمَكِّنُهُ مِنَ القَضَاءِ بِحَقٍّ» (٢) اهـ.
وقال ابن العربي من علماء المالكية عند شرحه لكتاب القضاء في " الترمذي ": «وَالوِلاَيَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عَلَى الأَعْيَانِ وَإِنِّمَا هُوَ عَلَى الكِفَايَةِ، فَلَوْ دَعَا الإِمَامُ إِلَى العَوْنِ جَمِيع النَّاسِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا لأَثِمُوا، وَإِذَا قَبِلَ بَعْضُهُمْ أُجِرُوا وَسَقَطَ الفَرْضُ عَنْ البَاقِينَ» اهـ.
وقال ابن فَرْحُون في " تبصرة الحكام ": «وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الأَحَادِيثِ
стр. 235
التِي فِيهَا تَخْوِيْفٌ وَوَعَيدٌ فَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الجَوْرِ الْعُلَمَاء أَوْ الجُهَّالِ الذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا المَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الوَعِيدُ» (١).
وبهذا يتبين لنا أن القضاء ليس كما أراد أن يصوره لنا جولدتسيهر مُسْقِطًا للعدالة، بل هو شرف عظيم، ولو لم يكن فيه إلا النيابة عن رسول الله ﷺ في الحُكْمِ بين الناس بما أنزل اللهُ لكفاه شرفاً وفضلاً. نَعَمْ، فَرَّ كَثِيرُونَ من العلماء من القضاء، وَتَحَمَّلَ بعضهم في سبيل ذلك بعض الأذى ولكنهم لم يفعلوا هذا لأنه مسقط للعدالة وداعية إلي الجرح، بل فعلوه بداعي الورع والزهد وتحرزهم من أن يلقوا الله وعليهم تبعات من أمور الناس، قال ابن العربي تعليلاً لامتناع بعض الصحابة عن تولي القضاء: «إِنَّ المَرْءَ فِيمَا يَعْمَلُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجَلٍ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُرُوطِهَا، وَعَلَىَ تَقِيَّةٍ مِنْ عَدَمِ القَبُولِ لَهَا مِمَّا دَخَلَ فِيهَا بِمَا لاَ يُحْصِيهِ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ مِنَ الطَّاعَةِ يَخْتَصُّ بِهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ، فَكَيْفَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبَادِ التِي نِيْطَتْ بِهِ وَأَلْزَمَتْ طَوْقَ عُنُقِهِ، فَالوَجَلُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَالتَّقِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ أَعْظَمَ».
وبعد فهذا بحث مستفيض حول الإمام الزُّهْرِيِّ ﵁، وما حاول أن يلصقه به المستشرق «جولدتسيهر» من تهم وأباطيل، إن صحت أذهبت الثقة بهذا الإمام وبحديثه ومروياته، وإذا ذهبت الثقة به فقد ذهبت الثقة بكُتُبِ السُنَّةِ كلها، لما ذكرناه لك من عظيم مقام الزُّهْرِيِّ فِي عِلْمِ السُنَّةِ، ولأنه أول مَنْ دَوَّنَهَا، ولكننا - بحمد الله - كشفنا الستار عن تلك الأباطيل، وَبَيَنََّا ما فيها من تَحَامُلٍ على هذا الإمام العظيم الذي كان كما قال شيخ الإسلام «ابن تيمية» خادم الإسلام سبعين سَنَةٍ.
إن إماماً كالزُّهْرِي كان يقول: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ العِلْمِ، إِنَّ هَذَا العِلْمَ أَدَبُ اللهِ الذِي أَدَّبَ بِهِ نَبِيَّهُ ﵊، وَهُوَ أَمَانَةٌ اللهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيهِ عَلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلََهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ
стр. 236
وَجَلَّ» وكان يقول: «إِنَّ لِلْتَّعْلِيمِ غَوَائِلَ، فَمِنْ غَوَائِلِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ العَالِمُ حَتَّى يَذْهَبَ عِلْمُهُ، وَمِنْ غَوَائِلِهِ النِّسْيَانُ، أَمَّا وَمِنْ غَوَائِلِهِ الكَذِبُ فِيْهِ وَهُوَ أَشَدُّ غَوَائِلِهِ» إن إماماً كهذا الإمام العظيم، كان في حياته عَلَمًا من أعلام الهُدَى، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله، رغم أنف الجاحدين والمتعصبين والمبطلين، والحمد لله رب العالمين.
عودة إلى مناقشة شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ:
٩ - تَغْيِيرُ الأُمَوِيِّينَ الحَيَاةَ الدِّينِيَّةَ:
ثم يقول المستشرق «جولدتسيهر» بعد أن فرغ من الكذب على الزُّهْرِي: «ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي، بل تَعَدَّى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة، مثل ما هو معروف من أنَّ خطبة الجمعة كانت خُطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفاً، وأنَّ خطبة العيد كانت تَتْبَعُ الصلاة فَغَيَّرَ الأُمَوِيُّونَ من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة الثانية جالساً، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حَيْوَةَ من أنَّ الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوساً في حين قال جابر بن سَمُرَةَ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ». ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذَاتَ مُيُولٍ، بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر الرسمية والعمل على إخفائها وَتَوْهِينِهَا، فَمِمَّا لا شك فيه أنه كانت أحاديث في مصلحة الأُمَوِيِّينَ اختفت عند مجيء العباسيين».
إن هذا الرجل يتكلم بعقلية غريبة عنا - نَحْنُ المُسْلِمِينَ - بل بعقلية غريبة عن المحيط العلمي وذلك أن الناس ما زالوا منذ قديم الزمان حتى اليوم، يرون من بعض الملوك الحاكمين إجراءات تتعلق بالمحافظة على حياتهم أحياناً، أو تتعلق بزيادة مظاهر العظمة والنفوذ، أو يقومون بإصلاحات تتعلق ببلادهم وأماكن العبادة فيها، وقد يكون لهؤلاء الملوك مخالفون كما يكون لهم مؤيدون، ومع ذلك فلا يخطر في بال أحد أن مثل هذه المظاهر تدل على تلاعب بالدين، أو استخدام للعلماء
стр. 237
في سبيل هذا التلاعب بالدين، يقع هذا بين سمعنا وبصرنا، ووقع لمن قبلنا وما زال الخلفاء والملوك منذ عصر الصحابة حتى اليوم يفعلون مثل هذا، فها هو أبو بكر يجمع ألقرآن في مصحف، وعمر يجمع الناس على التراويح وعثمان يُحَدِّث الأذان الأول يوم الجمعة خارج المسجد وعمر بن عبد العزيز يزيد في مسجد رسول الله ﷺ .
وها هُمْ الملوك والرؤساء يُجَدِّدُونَ المساجد ويزيدون فيها وينقصون، ويتخذون من الحيطة لأنفسهم عند الذهاب إلى الصلاة ما يدفع عنهم خطراً متوهماً أو متوقعاً، فلماذا لا يعتبر عمل هؤلاء تَزَيُّداً في الدين يدل على انحراف عنه؟ ونعتبر مثل زيادة معاوية في درجات المنبر، واتخاذه المقصورة دليلاً على تغيير الحُكَّامِ الأُمَوِيِّينَ للحياة الدينية؟ إن المنبر غُيِّرَ على عهد الرسول ﷺ في حياته، فبعد أن كان رسول الله يقف بجانب جذع النخل، اتَّخَذَ مِنْبَرًا مِنْ ثَلاَثِ دَرَجَاتٍ، حين تزايد الناس في المسجد، واحتاج الأمر إلى مكان عال ليسمع البعيد كما يسمع القريب، فما الذي يمنع من زيادة الدرجات على هذا إذا اتسع المسجد أكثر من ذلك؟ وزاد الناس فيه عما كانوا عليه في حياة الرسول ﷺ ؟ لا شيء يمنع من هذا لا ديناً ولا شرعاً ولا تُقىً ولا وَرَعاً، وهذا هو ما فعله معاوية حين زاد درجات المنبر، أما اتخاذه المقصورة، فليس لتغيير الحياة الدينية، بل حيطة لنفسه من الاغتيال بعد أن تآمر الخوارج عليه وعلى عَلِيٍّ وعمرو بن العاص. فلما قُتِلَ عَلِيٌّ ونجا هو وعمرو، رأى من الحيطة أن لا يصلي مختلطاً بالناس بل في مقصورة تمنع عنه الأذى، وقد ذكر ذلك ابن خلدون في صريح العبارة (١).
أما الجلوس في الخطبة الثانية، فنحن نعترف بأنه تغيير من شكل العبادة بدأ به معاوية، ولكن لا تَعَمُّداً لهذا التغيير، بل اضطراراً حين كثر شحمه ولحمه، فلم يعد يستطيع الوقوف كثيراً، قال الشعبي: «أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ قَاعِدًا مُعَاوِيَةُ، وَذَلِكَ حِينَ كَثُرَ شَحْمُهُ وَعَظُمَ بَطْنُهُ» (٢) ومع ذلك فقد لقي من إنكار العلماء يومئذ
стр. 238
ما يعطيك الدليل القاطع على أن علماءنا لم يكونوا يجاملون في حقٍ أو يتساهلون في إنكار منكر يعتقدونه.
أخرج البيهقي عن كعب بن عجرة: أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن الحكم (١)، يخطب قاعداً فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً والله تعالى يقول لرسوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) ومع ذلك فلم يحتج ابن الحكم بحديث، ولم يَدَّعِ في ذلك سُنَّةً عن رسول الله ﷺ .
أما ما ادَّعَاهُ «جولدتسيهر» من أن رجاء بن حيوه روى لهم أن رسول الله والخلفاء كانوا يخطبون جلوساً، فهذا كذب على رجاء، وافتراء على إمام ثقة من أئمة المُسْلِمِينَ، ويستحيل أن يقول رجاء هذا في عصر لا يزال فيه كثير من الصحابة يدافعون عن سُنَّةِ رسول الله دفاع المُسْتَمِيتِ، ولم نجد لنسبة هذا الحديث إلى رجاء أثراً في أي كتاب من كُتُبِ السُنَّةِ المعتمدة، ولعله رآه في كتاب ككتاب " ألف ليلة وليلة "، الذي كثيراً ما اعتمد عليه في النقل أثناء بحوثه العلمية، أو في كتاب " حياة الحيوان " للدميري الذي ينقل عنه كثيراً، ورجاء بن حيوه عند أئمة الحديث ثقة حافظ قال الذهبي (٣): قال ابن سعد: «كان رجاء فاضلاً ثقة كثير العلم، وقال ابن عون: لم أر مثل رجاء بالشام ولا مثل ابن سيرين بالعراق ولا مثل القاسم بالحجاز»، قال الذهبي: قلت: هو الذي اشار على سليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز، فذنب هذا الإمام الثقة في نظر جولدتسيهر أنه كان بالشام وكان متصلاً بخلفاء الأُمَوِيِّينَ كذنب الزُّهْرِي تماماً.
وأما قول جابر بن سَمُرَة: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ»، فليس فيه رَدٌّ على حديث وضع بالفعل، بل يحتمل أن يكون رَداً لما يطرأ في أذهانهم من جواز ذلك، فقطع لهم بأنه مخالف لِسُنَّةِ رسول الله قطعاً.
стр. 239
وأما تقديم الخطبة على الصلاة في العيد، فقد اعتذر مروان عن ذلك بأنه فعله مضطراً لأن الناس لم يعودوا يستمعون إلى خطبهم بعد انتهاء الصلاة، ولم يرد عنه أنه احتج لذلك بحديث أو أنه دفع بعض أتباعه إلى وضع حديث يؤيد ذلك، ومع هذا فقد أنكر عليه الصحابة والتابعون.
أخرج البخاري في " صحيحه " عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه أنكر على مروان والي المدينة من قِبَلِ معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد وجذبه من ثوبه. فجذبه مروان فارتفع فخطب، فقال أبو سعيد فقلت له: غيَّرْتُمْ والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مِمَّا لا أعلم، فقال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة. وأخرج مسلم بهذا المعني ما يؤيده.
فأين ترى استدلال مروان بالحديث؟ وأين ترى استدلال معاوية على الخطبة جالساً وعلى اتخاذه المقصورة وزيادة درجات المنبر بالحديث؟ نحن لا ننازع في وقوع هذه الحوادث، ولكن الذي ننازع فيه اتخاذ هذه الحوادث التي وقعت من أصحابها اجْتِهَادًا ولظروف خاصة اقتضتها، دليلاً على أنهم أرادوا تغيير ألحياة الدينية ووضعوا أحاديث لذلك، وهذا ما لم يقع، بل الواقع أن هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يخبطون فيه على غير هدى، ويتوهمون الأمر فيحكمون فيه بحكم قاطع، ثم لا يستطيعون أن يجدوا لما يتخيلوا دليلاً.
وأما زعم المستشرق بأنه مِمَّا لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأُمَوِيِّينَ قد اختفت عند مجيء العباسيين، فهذا الذي لا يشك فيه المستشرق هو عندنا كل الشك، إذ نحن نسأله: أين هي هذه الأحاديث؟ وكيف اختفت؟ وكيف عمل العباسيون على إخفائها نهائياً؟ هل منعوا علماء الحديث من ذكرها في أسانيدهم؟ نعم لئن كان اختفى بعض الحديث في عصر دُونَ عصر فذلك اختفاء الكذب حين يفتضح، والباطل حين ينهزم، وانما يختفي من ميادين الكتب الصحيحة والمسانيد الموثوقة، أما أن تختفي من الوجود هي وأصحابها وَرُوَّاتِهَا ومُدَوِّنُوها، فهذا ما لم نعلم له مثيلاً في تاريخنا، وَنَتَحَدَّاهُمْ أن يأتونا بمثال واحد عليه.
стр. 240
١٠ - كَذِبُ الصَّالِحِينَ وَتَدْلِيسُ المُحَدِّثِينَ:
ثم استدل المستشرق لتأييد قوله بما قدح به بعض العلماء «فمن ذلك: قول المُحَدِّثِ أبي عاصم النبيل: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان، ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله البَكَّائي: «إِنَّهُ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَانِ كَذُوباً» (وقد سبق إنكار ابن حجر ورود هذه الكلمة فيه). ويقول يزيد بن هارون: «إن أهل الحديث بالكوفة في عصره ما عدا واحداً كانوا مدلِّسين حتى السفيانان ذُكرا في المُدَلِّسِينَ».
قدَّمنا لك في أوائل هذه الرسالة جهود العلماء لمقاومة الوضع والوَضَّاعِينَ وأنه كان من مظاهر هذه الجهود نقد الرُواة نقداً دقيقاً وتصنيفهم إلى من يقبل حديثه، ومن يُرَدُّ ومن يتوقف فيه، وأنهم حصروا الوَضَّاعِينَ في فئات، منهم الزاهدون والجَهَلة الذين حملهم جهلُهُم على وضع الحديث عن رسول الله ﷺ احتساباً وحُسْن نية ... وقد كشف العلماء أمرهم، وبيَّنوا حقيقتهم، حتى لا يخدع الناس بمظاهر صلاحهم عن غفلة قلوبهم، ومن ذلك ما ذكره هذا المستشرق من قول أبي عاصم: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ». فإنه واضح أنه ليس المراد منه الصلاح الحقيقي الذي يتمثل في صلاح العلماء وأئمة الدين وحُفاظ الحديث، بل هو ذلك الصلاح الذي تحدثنا عنه، وإلا لكان يجب أن يكون سعيد بن المسيب وعروة والشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والحسن والزُّهْرِي من أكذب الناس في الحديث، ومن يقول هذا؟ ويدلك على ذلك قول يحيى بن سعيد القطان الذي قال بمثل ما قال أبو عاصم قد ذكره مسلم في " مقدمة صحيحه " وهو يتحدث عن وجوب الاحتياط في قبول الأخبار وعدم الأخذ مِمَّنْ كثر غلطه وساءت عقيدته وعرفت غفلته، كهؤلاء الصالحين، ثم قال مسلم بعد ما ذكر قول يحيى بن سعيد القطان: أي يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدونه. فهل ترى مسلماً يريد بالصالحين هنا أئمة الحديث الثقات المُتَثَبِّتِينَ فيكونوا كَذَّابِينَ؟ أم يُخرج هؤلاء المُحَدِّثِين الثقات عن حظيرة الصلاح فيكون البخاري وأحمد والأوزاعي ومسلم نفسه غير صالحين؟ واسمع تفسيراً آخر للصالحين غير ما ذكرناه من قبل. قال الشعراني في " العهود الكبرى ": وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا ﵀ يقول: «إنما قال
стр. 241
بعض المُحَدِّثِين: «أكذب الناس الصالحون» لغلبة سلامة بواطنهم، فيظنون بالناس الخير، وأنهم لا يكذبون على رسول الله ﷺ ، فمُرادُهم بالصالحين المُتَعَبِّدُونَ الذين لا غوص لهم في علم البلاغة فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره، بخلاف العارفين، فإنهم لا يخفى عليهم ذلك (١).
أما ما نقله «جولدتسيهر» من قول وكيع عن زياد بن عبد الله البكَائي «مِنْ أَنَّهُ كَانَ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَذُوباً». فهذه إحدى تحريفات هذا المستشرق الخبيث، فأصل العبارة كما وردت في " التاريخ الكبير " للإمام البخاري: وقال ابن عقبة السَدُوسي عن وكيع: «هُوَ (أَيْ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». اهـ من القسم الأول - الجزء الثاني ص ٣٢٩.
فأنت ترى أن وكيعاً ينفي عن زياد بن عبد الله الكذب مطلقاً لا في الحديث فحسب، وأنه أشرف من أن يكذب، فحَرَّفَها هذا المستشرق اليهودي إلى «أَنَّهُ كَانَ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَذُوباً». وهكذا تكون أمانة هذا المستشرق!
وأما أمر التدليس فليس هو كما يتبادر من لفظه اللغوي أنه الغش والتزوير الذي يعتبر صاحبه كذاباً، بل هو اصطلاح خاص بِالمُحَدِّثِينَ وهو عندهم قسمان. وإليك عبارة الشيخ ابن الصلاح ﵀:
«التدليس قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه، مُوهِمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه مُوهِمًا أنه قد لقيه وسمعه منه، ... والثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حَدِيثًا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف ... أما القسم الأول: فمكروه جِدًّا ذَمَّهُ أكثر العلماء» وبعد أن ذكر اختلافهم في قبول رواية المدلس. قال: «وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُدَلِّسُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ وَالاتِّصَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ وَأَنْوَاعِهِ، وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُبَيِّنٍ لِلاتِّصَالِ نَحْوَ (سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) وَأَشْبَاهِهَا فَهُوَ مَقْبُولٌ مُحْتَجٌّ بِهِ».
وفي " الصَحِيحَيْنِ " وغيرهما من الكتب
стр. 242
المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جِدًّا، كقتادة والأعمش والسفيانين وهُشيم بن بشير وغيرهم، وهذا لأن التدليس ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل» ثم قال: «وأما القسم الثاني: فأمره أخف ... » إلخ.
ومنه يتبين أن السفيانان وغيرهما مِمَّنْ لم يكن تدليسهم جارحاً وأن روايتهم في كتب الصحاح مقبولة ثابتة، فلا معنى للتهويش باصطلاح خاص في دعوى خطيرة كوضع (العلماء الأتقياء للحديث) على أن ما ذكره إنما هو علماء بلد واحد من بلاد الإسلام وهي الكوفة، فكيف ينطبق على سائر البلاد الإسلامية الأخرى، وقد قال الحاكم في كتابه " معرفة علوم الحديث ": «أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلاَدُ فَارِسَ، وَخَوْزِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ لاَ يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ».
على أن علماء الحديث اعتذروا للسفيانين بأعذار مقبولة. فأما سفيان بن عُيينة فقد قالوا: كان يدلس على الثقات فيقبل تدليسه لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا ما رجحه ابن حبان، وقال: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة (١).
وأما سفيان الثوري، فقالوا: كان تدليسه من قبيل إبدال الاسم بالكنى أو العكس، وهذا تزيين وليس بتدليس، حكاه البيهقي في " المدخل " عن أبي عامر.
١١ - الاِعْتِرَافُ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ (شَكْلِيٌّ):
ثم قال جولدتسيهر: «وقد شعر المُسْلِمُونَ في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى (الشكلي) فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث " سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَمَا
стр. 243
وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ "، هذا هو المبدأ الذي حدث بعد قليل عند انتشارالوضع».
افترى المستشرق هنا على علماء الإسلام في موضعين:
الأول: زعمه بأن الاعتراف بصحة الحديث شكلي فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وهذا افتراء منه عليهم وَهُمْ لم يقولوا بذلك قطعاً، وكيف يعترفون بأن هنالك كثيراً من الأحاديث الموضوعة هي جيدة الإسناد؟ وإنما الذي قاله العلماء حين بحثوا مسالة العمل بخبر الواحد: هل يفيد القطع أو الظن؟ فذهب بعضهم إلى أنه يفيد القطع وذهب الجمهور إلى أنه يفيد الظن لأنه وإن كان صحيحاً بحسب الشروط والقواعد العامة، إلا أنه يحتمل ألاَّ يكون صحيحاً (في الواقع) وهذا منهم مجرد احتمال عقلي دعاهم إليه الاحتياط في دين الله والتثبت في الأحكام، فأين هذا مِمَّا ينقله عنهم هذا المستشرق ....
الثاني: زعمه أن المبدأ الذي حدث بعد قليل هو حديث «سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي ... الخ» وهذا افتراء محض، إذ أن هذا الحديث نقده الأئمة وحكموا بوضعه، وقد قدمنا شيئاً من ذلك عند الكلام على حُجِيَّةِ الأخبار، وقدمنا ما قاله الشافعي.
[الثالث]: زعمه أن المبدأ الذي حدث بعد قليل هو حديث «سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ ... » الذي حكموا بوضعه هو القاعدة التي ساروا عليها والمبدأ الذي قالوا به؟ ...
١٢ - نَقْدُ ابْنِ عُمَرَ لأَبِي هُرَيْرَةَ:
واستدل لما ذكره «جولدتسيهر» عن العلماء سابقاً بما روي من نقد ابن عمر لأبي هريرة في حديث [«أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ»] وقد أشبعنا هذا الحديث بحثاً عند نقاشنا للأستاذ «أحمد أمين» الذي اهتدى بملاحظة المستشرق، فأثارها هنا على أنها ملاحظه منه، ومرحى مرحى للعلم والعلماء!.
١٣ - الصُّحُفُ المَكْتُوبَةَ:
وختم المستشرق بحثه بأن العلماء لم يكتفوا بالروايات الشفهية لإثبات قواعدهم الفقهية، بل اخترعوا الصحف المكتوبة التي زعموا أنها تُبَيِّنُ إرادة الرسول وعنى بذلك مسألة، «تعريف الصدقة» وتعرض للروايات التي تنص على وجود
стр. 244
صحف متعددة تحتوي على نظام مفصل للدفع، ثم مثل لسهولة قبول الناس بهذا النوع من الوثائق، بالحلف المكتوب الذي أعلن حين النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب، ويرجع تاريخه إلى عصر تُبَّعْ بْنِ مَعْدِ يَكْرَبْ، فصدقه الناس رغم قدمه فكيف لا يصدقون ما هو أحدث منه .. ؟
هذا ولا شك تهجم آخر على المُسْلِمِينَ وعلمائهم لا سند له من التاريخ، فإن هذه النصوص المكتوبة التي ظهرت في القرن الأول أو الثاني لم يتقبلها العلماء كما زعم «جولدتسيهر» من غير أن يبحثوا عن صحتها، بل نقدوها وَأَجْرَوْهَا على قواعدهم الدقيقة التي ذكرناها من قبل، ولذلك حكموا بالوضع على مثل نسخ ابن هدبة ودينار وأبي الدنيا الأشج وغيرهم.
أما الكتب التي تفصل شؤون الزكاة وأنصبتها في الإبل والبقر والغنم، فقد كان لها من عنايتهم ونقدهم النصيب الأوفى، وقد أجمع العلماء على صحة كتاب أبي بكر إلى أنس وَخَرَّجَهُ البخاري والنسائي وأبو داود والدارقطني والشافعي والحاكم والبيهقي، واختلفوا في غيره من الكتب بين تصحيح وتحسين ومنها ما جاء مُرْسَلاً، ومنها ما جاء منقطعاً، وأيا ما كان فإن بحوثهم - لمن أراد أن يرجع إليها في مظانها - تدل دلالة قاطعة على أنهم لم يتلقوها بالقبول بدون نقد، وعلى أنهم لم يعتمدوا فقط على مجرد النص المكتوب، بل رَوَوْا محتوياته، بالطرق المعتادة، مشافهة راوياً عن رَاوٍ وهكذا، فكان اعتمادهم عليها من ناحيتين، النص المكتوب والرواية الشفوية المتصلة، وأياً ما كان فما علاقة هذا بالوضع في الحديث؟ وهل يتخذ من وجود نص قديم مكتوب منذ عهد الرسول دليلاً على أنهم كانوا يخترعون الكتب حين تعوزهم الروايات! وهل يعجز الذين وضعوا الحديث في مختلف نواحيه أن يضعوا بضعة أحاديث تفصل مقدار الزكاة دُونَ أن يلجؤوا إلى اختراع نص مكتوب؟ ومتى كان الاختلاف في صحة نص في مسألة وردت فيها عدة نصوص، دليلاً على أن كل ما ورد موضوع لا أساس له؟؟
أما قضية النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وتصديقهم نصاً مكتوباً
стр. 245
من عصر تُبَّعٍ، فهذا من أغرب الأمور في هذا الموطن، إن الناس يتساهلون في كل شيء وقد يصدقون كل شيء، إلا أن يكون متصلاً برسول الله منسوبًا إليه، فهنا تنفتح العيون، وهنا يقوم البحث والاستقصاء، لأن هذا دين، وما كان لأحد أن يقبل دين الله بالوهم والظن والهوى، ثم إن الذين قبلوا النص المكتوب في النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب لم يكونوا من علماء الحديث، فما صلة هذا الموضوع؟
الحق أن هذا المستشرق من أقل الناس حياءً في مجال العلم، فهو كما رأيت يخترع الأكذوبة ويتخيَّلها، ويركب لها في نفسه هيكلاً، ثم يلتقط من هنا وهناك ما يوهم أنه يؤيده فيما ادَّعَى ولا يبالي أن يكذب في النصوص أو يغالط في الفهم، أو يستدل بما ليس بدليل وَيُعْرِضُ عما يكون دليلاً قاطعًا، ولكن ضد فكرته، وليس أدل على تَحَيُّزِهِ وَبُعْدِهِ عن الإنصاف، وتعصبه لآرائه من أن يرفض نصوصًا قاطعة أجمع على صحتها أهل العلم، بنصوص ملفقة من كتاب كـ " [حياة] الحيوان " للدميري، أو كتاب " ألف ليلة وليلة " أو " العقد الفريد "، أو " الأغاني " أو غيرها من كتب الأدب التي تجمع ما هَبَّ وَدَبَّ، وما صح وما لم يصح، فهذا شأن قوم يزعمون التجرد للعلم؟ وهل هؤلاء هم الذين اتخذهم أمثال أحمد أمين أئمة يهتدون بهديهم في تكذيب الصحابة وتجريح التابعين والتهجم على علمائنا في مجال النقد والتمحيص؟
سبحانك تهدي من تشاء وتضل من تشاء ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
стр. 246
الفَصْلُ السَّابِعُ: السُنَّةُ مَعَ بَعْضِ الكَاتِبِينَ حَدِيثًا:
قدمنا لك شُبْهَةَ بعض الطوائف الإسلامية عَلَى السُنَّةِ وَشُبْهَةِ أحد المعاصرين عَلَى السُنَّةِ وإنكاره لحجيتها، وهذا لون آخر من ألوان الهجوم عَلَى السُنَّةِ يقوم به فريق من المُسْلِمِينَ الذين تتلمذوا على المُسْتَشْرِقِينَ، وهو هجوم لا يبدو واضحاً سافراً، كما بدت آراء المُسْتَشْرِقِينَ من قبل، بل مُقَنَّعاً بستار العلم والبحث، مُتَجَنِّباً المصارحة، مفضلا المواربة والمخاتمة، حتى لا يثير صاحبه عليه ثائرة الجمهور وسترى أن هذا اللون أخبث أثراً، وأسوأ نتيجة وأقوى سلاحا والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
من أبرز الكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ الذين سلكوا هذا السبيل (المرِحوم) أحمد أمين خِرِّيجُ القضاء الشرعي وعميد كلية الآداب سابقاً مؤلف كتاب " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، و" ظُهْرُهُ " وقد تحدث في: " فجر الإسلام " عن «الحديث» فَمَزج السُمَّ بالدسم، وخلط الحق بالباطل، وها أنا أذكر هنا خلاصة ما رأيت فيه تحريفاً للحقائق الإسلامية، انحرافاً عن جادة الصواب وتحاملاً على فريق من كبار الصحابة والتَّابِعِينَ.
خُلاَصَةُ فَصْلِ «الحَدِيثِ» فِي " فَجْرُ الإِسْلاَمِ ":
أفرد الأستاذ أحمد أمين في كتابه " فجر الإسلام " فصلاً خَاصًّاً بالحديث استغرق نحواً من عشرين صحيفة، حاول فيه أن يؤَرِّخَ السُنَّةَ وتدوينها، فَبَيَّنَ معنى السُنَّة وقيمتها في الشرع، ثم ذكر أن الحديث لم يُدَوِّنُ في عهد الرِسول ﷺ ، بل كان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم فقط، وأن الصحابة كانوا فريقين بعد وفاة الرسول، فمنهم من كان يكره التحديث عنه بكثرة، وكان يطلب من الراوي دليلاً على صحة ما يروي، ومنهم من كان يكثر في الرواية، ونشأ عن
стр. 247
عدم تدوين الحديث في كتاب خاص، واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، كثرة الوضع والكذب على الرسول، واستظهر أن الكذب عليه بدأ في عهده قبل وفاته، وأشار إلى أن دخول الشعوب في الإسلام كان له أثر كبير في الوضع الذي بلغ من الكثرة أن اختار الإمام البخاري " صحيحه " من ستمائة ألف حديث كانت شائعة في عصره، ثم ذكر أهم الأمور الي حملت على الوضع - وقد تعرضنا لها في بحوثنا السابقة - وذكر منها تغالي الناس في إعراضهم عن العلم إلا ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً، وانتهى من ذلك إلى بيان جهود العلماء في مكافحة الوضع، وذكر ما يؤخذ عليهم من أنهم لم يعنوا بنقد المتن عُشْرَ ما عنوا بنقد السند، ثم تكلم عن أكثر الصحابة حَدِيثًا فذكر أبا هريرة، وقال عنه: إنه لم يكن يكتب، بل كان يُحَدِّث من ذاكرته، وأنه كان يُحَدِّث بما لم يسمعه هو مباشرة من النَّبِيّ- ﵊ وإن بعض الصحابة شَكُّوا في حديثه وبالغوا في نقده، ثم ختم هذا الفصل بالأدوار التاريخية الي مَرَّ بها تدوين السُنَّة حتى عصر البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب " الكتب الستة ".
تلك هي خلاصة فصل الحديث من صحيفة ٢٥٥ إلى ٢٧٤ وأريد أن أُنَبِّهَ قبل الانتقال إلى نقده تفصيلياً إلى أن رأي المرحوم الأستاذ أحمد أمين في السُنَّة معروف، فقد نشر أحد الملاحدة المُسْلِمِينَ في مصر (إسماعيل أدهم) رسالة في عام ١٣٥٣ هـ عن تاريخ السُنَّة، أعلن فيها أن هذه الثروة الغالية من الحديث الموجودة بين أيدينا، والتي تضمنتها كتب الصحاح، ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وقد قوبلت هذه الرسالة بنقمة الأوساط الإسلامية. حتى اضطرت الحكومة المصرية بناء على طلب مشيخة الأزهر إلى مصادرة الرسالة من الأيدي، وقد اضطر إلى أن يدافع عن نفسه في كتاب أرسله إلى إحدى المجلات الإسلامية (١) زعم فيه أن ما ذهب إليه من الشك في صحة السُنَّة لم ينفرد به، بل قد وافقه عليه جماعة من كبار الأدباء والعلماء، وذكر منهم الأستاذ أحمد أمين بكتاب أرسله إليه، وانتظرنا أن يُكَذِّبَ الأستاذ هذا الزعم فلم يفعل، بل كتب في
стр. 248
بعض المجلات الأسبوعية الأدبية (١) ما يفيد تَأَلُّمَهُ مِمَّا حصل لصاحبه، واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي وحجر عثرة في سبيل البحوث العِلْمِيَّةِ. ولما ثار النقاش في الأزهر حول الإمام الزُّهْرِي عام ١٣٦٠ هـ قال الأستاذ أحمدأمين للدكتور علي حسن عبد القادر وهو الذي أثيرت الضجة حوله: «إِنَّ الأزهر لاَ يقبل الأراء العِلْمِيَّةَ الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المُسْتَشْرِقِينَ ألاَّ تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريِّين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها، كما فعلتُ أنا في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " هذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يؤمئذٍ نقلاً عن الأستاذ أحمد أمين، فإذا نقدنا آراءه وَبَيَنَّا ما فيها من تشكيك بِالسُنَّةِ وتحريف للحقائق الإسلامية، فلن نكون مِمَّنْ يَتَصَيَّدُونَ التُّهَمَ لإيقاع بريء في شباك الجريمة، بل مِمَّنْ يجمعون الأدلة للتحقيق مع مُتَّهَمٍ أحيط بالشبهات، ونسبت إليه أقوال في التهمة المنسوبة إليه .. على ضوء هذه الحقيقة سيكون نقدي لما جاء في " فجر الإسلام " عَنْ السُنَّةِ وتاريخها، وقد كنتُ نشرت في هذا العنى أبحاثًا مستفيضة في حياة الأستاذ أحمد أمين، واطلع عليها واعترف بأنها أول نقد علمي لكتابه " فجر الإسلام " (٢).
هَلْ بَدَأَ الوَضْعُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ؟:
قال صاحب " فجر الإسلام " ص ٢٥٨ متكلمًا عن نشأة الوضع: «ويظهر أََنَّ هذا الوضع حدث في عهد الرسول، فحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زُوِّرَ فيها على الرسول» وهذا الذي استظهره لا سَنَدَ له في التاريخ الثابت، ولا في سبب الحديث المذكور كما جاء في الكتب المعتمدة.
أما التاريخ، فقاطع بأنه لم يقع في حياة الرسول أَنَّ أحدًَا مِمَّنْ أسلم وَصَحِبَهُ زَوَّرَ عليه كلاماً ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا
стр. 249
لتوافر الصحابة على نقله لشناعته وفضاعته، كيف وقد كان حرصهم شديداً على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ حتى مشيه وقعوده، ونومه، ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟.
وأما الحديث المذكور فقد اتفقت كُتُبُ السُنَّة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج " البخاري " في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو أن النَّبِيّ- ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ (١)، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الترمذي عن ابن عباس عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ قال: «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حِفْظَ عَنِّي شَيْئًا [فَلْيُحَدِّثْهُ]» (٢) ورواه غيرهم أيضاًً بهذا المعنى. وظاهر من هذه الروايات أن النَّبِيَّ وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة، نَبَّهَ بصورة قاطعة على وجوب التَحَرِّي في الحديث عنه، وَتَجَنُّبِ الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المثبَلِّغُونَ إلى أُمَّتِهِ من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته: وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النَّبِيّ- ﷺ .
وهنالك روايتان تذكران للحديث سبباً غير ما ذكرته الروايات السابقة:
стр. 250
(الأولى) ما أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار " عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ بِرَأْيِي فِيكُمْ فِي كَذَا، وَفِي كَذَا وَقَدْ كَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: «كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ» ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلاً فَقَالَ: «إنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَمَا أُرَاكَ تَجِدُهُ حَيًّا، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ» [فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ] فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... إلخ» (١).
(الثانية) ما أخرج الطبراني في " الأوسط " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ، أَنَّ رَجُلاً لَبِسَ حُلَّةً مِثْلَ حُلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنِي أَيَّ أَهْلِ بَيْتٍ شِئْتُ اسْتَطْلَعْتُ، [فَقَالُوا: عَهْدُنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَوَاحِشِ قَالَ:] فَأَعَدُّوا لَهُ بَيْتًا، وَأَرْسَلُوا رَسُولاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «انْطَلِقَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ حَيًّا فَاقْتُلاَهُ، ثُمَّ حَرِّقَاهُ بِالنَّارِ، وَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ قَدْ كُفِيتُمَاهُ فَحَرِّقَاهُ، وَلاَ أَرَاكُمَا إِلاَّ وَقَدْ كُفِيتُمَاهُ»، فَأَتَيَاهُ فَوَجَدَاهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ يَبُولُ، فَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ أَفْعَى، فَمَاتَ، فَحَرَّقَاهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... » الحديث.
والكلام على هاتين الروايتن من وجوه:
أَوَلاًً - أن مَتْنَهُمَا مُنْكَرٌ، عليه أمارات الوضع واضحة، فلسنا نعلم من سيرة رسول الله ﷺ أنه كان يأمر بإحراق الموتى، ولم تنقل لنا كُتُب السُنَّةِ المعتمدة أنه فعل ذلك ولو مَرَّةً واحدة.
ثَانِياً - أن سندهما ضعيف وفي رُوَاتِهِمَا من لا يقبل حديثه، ولذلك حكم السخاوي على هذه القصة بالوضع فقال: (لا تصح).
ثَالِثاًً - على فرض الصحة فإنهما صريحتان في أن سبب الحديث تزوير في حادث دنيوي خاص بِالمُزَوِّرِ، وأين هذا من التزوير في حدث ديني، عام يروى