← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37638

السنة ومكانتها للسباعي ط المكتب الإسلامي

مصطفى السباعي

Полный текст (685 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفَصْلُ السَّابِعُ: السُنَّةُ مَعَ بَعْضِ الكَاتِبِينَ حَدِيثًا: قدمنا لك شُبْهَةَ بعض الطوائف الإسلامية عَلَى السُنَّةِ وَشُبْهَةِ أحد المعاصرين عَلَى السُنَّةِ وإنكاره لحجيتها، وهذا لون آخر من ألوان الهجوم عَلَى السُنَّةِ يقوم به فريق من المُسْلِمِينَ الذين تتلمذوا على المُسْتَشْرِقِينَ، وهو هجوم لا يبدو واضحاً سافراً، كما بدت آراء المُسْتَشْرِقِينَ من قبل، بل مُقَنَّعاً بستار العلم والبحث، مُتَجَنِّباً المصارحة، مفضلا المواربة والمخاتمة، حتى لا يثير صاحبه عليه ثائرة الجمهور وسترى أن هذا اللون أخبث أثراً، وأسوأ نتيجة وأقوى سلاحا والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. من أبرز الكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ الذين سلكوا هذا السبيل (المرِحوم) أحمد أمين خِرِّيجُ القضاء الشرعي وعميد كلية الآداب سابقاً مؤلف كتاب " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، و" ظُهْرُهُ " وقد تحدث في: " فجر الإسلام " عن «الحديث» فَمَزج السُمَّ بالدسم، وخلط الحق بالباطل، وها أنا أذكر هنا خلاصة ما رأيت فيه تحريفاً للحقائق الإسلامية، انحرافاً عن جادة الصواب وتحاملاً على فريق من كبار الصحابة والتَّابِعِينَ. خُلاَصَةُ فَصْلِ «الحَدِيثِ» فِي " فَجْرُ الإِسْلاَمِ ": أفرد الأستاذ أحمد أمين في كتابه " فجر الإسلام " فصلاً خَاصًّاً بالحديث استغرق نحواً من عشرين صحيفة، حاول فيه أن يؤَرِّخَ السُنَّةَ وتدوينها، فَبَيَّنَ معنى السُنَّة وقيمتها في الشرع، ثم ذكر أن الحديث لم يُدَوِّنُ في عهد الرِسول ﷺ ، بل كان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم فقط، وأن الصحابة كانوا فريقين بعد وفاة الرسول، فمنهم من كان يكره التحديث عنه بكثرة، وكان يطلب من الراوي دليلاً على صحة ما يروي، ومنهم من كان يكثر في الرواية، ونشأ عن

стр. 247

عدم تدوين الحديث في كتاب خاص، واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، كثرة الوضع والكذب على الرسول، واستظهر أن الكذب عليه بدأ في عهده قبل وفاته، وأشار إلى أن دخول الشعوب في الإسلام كان له أثر كبير في الوضع الذي بلغ من الكثرة أن اختار الإمام البخاري " صحيحه " من ستمائة ألف حديث كانت شائعة في عصره، ثم ذكر أهم الأمور الي حملت على الوضع - وقد تعرضنا لها في بحوثنا السابقة - وذكر منها تغالي الناس في إعراضهم عن العلم إلا ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً، وانتهى من ذلك إلى بيان جهود العلماء في مكافحة الوضع، وذكر ما يؤخذ عليهم من أنهم لم يعنوا بنقد المتن عُشْرَ ما عنوا بنقد السند، ثم تكلم عن أكثر الصحابة حَدِيثًا فذكر أبا هريرة، وقال عنه: إنه لم يكن يكتب، بل كان يُحَدِّث من ذاكرته، وأنه كان يُحَدِّث بما لم يسمعه هو مباشرة من النَّبِيّ- ﵊ وإن بعض الصحابة شَكُّوا في حديثه وبالغوا في نقده، ثم ختم هذا الفصل بالأدوار التاريخية الي مَرَّ بها تدوين السُنَّة حتى عصر البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب " الكتب الستة ". تلك هي خلاصة فصل الحديث من صحيفة ٢٥٥ إلى ٢٧٤ وأريد أن أُنَبِّهَ قبل الانتقال إلى نقده تفصيلياً إلى أن رأي المرحوم الأستاذ أحمد أمين في السُنَّة معروف، فقد نشر أحد الملاحدة المُسْلِمِينَ في مصر (إسماعيل أدهم) رسالة في عام ١٣٥٣ هـ عن تاريخ السُنَّة، أعلن فيها أن هذه الثروة الغالية من الحديث الموجودة بين أيدينا، والتي تضمنتها كتب الصحاح، ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وقد قوبلت هذه الرسالة بنقمة الأوساط الإسلامية. حتى اضطرت الحكومة المصرية بناء على طلب مشيخة الأزهر إلى مصادرة الرسالة من الأيدي، وقد اضطر إلى أن يدافع عن نفسه في كتاب أرسله إلى إحدى المجلات الإسلامية (١) زعم فيه أن ما ذهب إليه من الشك في صحة السُنَّة لم ينفرد به، بل قد وافقه عليه جماعة من كبار الأدباء والعلماء، وذكر منهم الأستاذ أحمد أمين بكتاب أرسله إليه، وانتظرنا أن يُكَذِّبَ الأستاذ هذا الزعم فلم يفعل، بل كتب في

стр. 248

بعض المجلات الأسبوعية الأدبية (١) ما يفيد تَأَلُّمَهُ مِمَّا حصل لصاحبه، واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي وحجر عثرة في سبيل البحوث العِلْمِيَّةِ. ولما ثار النقاش في الأزهر حول الإمام الزُّهْرِي عام ١٣٦٠ هـ قال الأستاذ أحمدأمين للدكتور علي حسن عبد القادر وهو الذي أثيرت الضجة حوله: «إِنَّ الأزهر لاَ يقبل الأراء العِلْمِيَّةَ الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المُسْتَشْرِقِينَ ألاَّ تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريِّين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها، كما فعلتُ أنا في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " هذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يؤمئذٍ نقلاً عن الأستاذ أحمد أمين، فإذا نقدنا آراءه وَبَيَنَّا ما فيها من تشكيك بِالسُنَّةِ وتحريف للحقائق الإسلامية، فلن نكون مِمَّنْ يَتَصَيَّدُونَ التُّهَمَ لإيقاع بريء في شباك الجريمة، بل مِمَّنْ يجمعون الأدلة للتحقيق مع مُتَّهَمٍ أحيط بالشبهات، ونسبت إليه أقوال في التهمة المنسوبة إليه .. على ضوء هذه الحقيقة سيكون نقدي لما جاء في " فجر الإسلام " عَنْ السُنَّةِ وتاريخها، وقد كنتُ نشرت في هذا العنى أبحاثًا مستفيضة في حياة الأستاذ أحمد أمين، واطلع عليها واعترف بأنها أول نقد علمي لكتابه " فجر الإسلام " (٢). هَلْ بَدَأَ الوَضْعُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ؟: قال صاحب " فجر الإسلام " ص ٢٥٨ متكلمًا عن نشأة الوضع: «ويظهر أََنَّ هذا الوضع حدث في عهد الرسول، فحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زُوِّرَ فيها على الرسول» وهذا الذي استظهره لا سَنَدَ له في التاريخ الثابت، ولا في سبب الحديث المذكور كما جاء في الكتب المعتمدة. أما التاريخ، فقاطع بأنه لم يقع في حياة الرسول أَنَّ أحدًَا مِمَّنْ أسلم وَصَحِبَهُ زَوَّرَ عليه كلاماً ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا

стр. 249

لتوافر الصحابة على نقله لشناعته وفضاعته، كيف وقد كان حرصهم شديداً على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ حتى مشيه وقعوده، ونومه، ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟. وأما الحديث المذكور فقد اتفقت كُتُبُ السُنَّة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج " البخاري " في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو أن النَّبِيّ- ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ (١)، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الترمذي عن ابن عباس عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ قال: «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حِفْظَ عَنِّي شَيْئًا [فَلْيُحَدِّثْهُ]» (٢) ورواه غيرهم أيضاًً بهذا المعنى. وظاهر من هذه الروايات أن النَّبِيَّ وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة، نَبَّهَ بصورة قاطعة على وجوب التَحَرِّي في الحديث عنه، وَتَجَنُّبِ الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المثبَلِّغُونَ إلى أُمَّتِهِ من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته: وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النَّبِيّ- ﷺ . وهنالك روايتان تذكران للحديث سبباً غير ما ذكرته الروايات السابقة:

стр. 250

(الأولى) ما أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار " عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ بِرَأْيِي فِيكُمْ فِي كَذَا، وَفِي كَذَا وَقَدْ كَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: «كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ» ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلاً فَقَالَ: «إنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَمَا أُرَاكَ تَجِدُهُ حَيًّا، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ» [فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ] فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... إلخ» (١). (الثانية) ما أخرج الطبراني في " الأوسط " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ، أَنَّ رَجُلاً لَبِسَ حُلَّةً مِثْلَ حُلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنِي أَيَّ أَهْلِ بَيْتٍ شِئْتُ اسْتَطْلَعْتُ، [فَقَالُوا: عَهْدُنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَوَاحِشِ قَالَ:] فَأَعَدُّوا لَهُ بَيْتًا، وَأَرْسَلُوا رَسُولاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «انْطَلِقَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ حَيًّا فَاقْتُلاَهُ، ثُمَّ حَرِّقَاهُ بِالنَّارِ، وَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ قَدْ كُفِيتُمَاهُ فَحَرِّقَاهُ، وَلاَ أَرَاكُمَا إِلاَّ وَقَدْ كُفِيتُمَاهُ»، فَأَتَيَاهُ فَوَجَدَاهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ يَبُولُ، فَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ أَفْعَى، فَمَاتَ، فَحَرَّقَاهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... » الحديث. والكلام على هاتين الروايتن من وجوه: أَوَلاًً - أن مَتْنَهُمَا مُنْكَرٌ، عليه أمارات الوضع واضحة، فلسنا نعلم من سيرة رسول الله ﷺ أنه كان يأمر بإحراق الموتى، ولم تنقل لنا كُتُب السُنَّةِ المعتمدة أنه فعل ذلك ولو مَرَّةً واحدة. ثَانِياً - أن سندهما ضعيف وفي رُوَاتِهِمَا من لا يقبل حديثه، ولذلك حكم السخاوي على هذه القصة بالوضع فقال: (لا تصح). ثَالِثاًً - على فرض الصحة فإنهما صريحتان في أن سبب الحديث تزوير في حادث دنيوي خاص بِالمُزَوِّرِ، وأين هذا من التزوير في حدث ديني، عام يروى

стр. 251

للمسلمين على أنه حديث رسولهم، وكيف يكون التزوير في حادث دنيوي وهو حادث واحد لا يروي الرُوَاة غيره، دليلاً على أن الوضع في الحديث النبوي قد بدأ في حياة الرسول ذاته؟. رَابِعاًً - من الواضح في هاتين الروايين أن الذي فعل هذا الحادث مجهول، وقد جاء قوما خارج المدينة، ويغلب على الظن انه لم يلق النَّبِيّ ﵇ بل ربما لم يكن أسلم فهو ليس من الصحابة، فلا مستند فيه لمن يريد التشكيك في صدق الصحابة. بهذا تعلم أنه سواء كان سبب الحديث ما ذكرته كُتُبُ السُنَّة المعتمدة، أو ما جاء في تلك الروايتين اللتين حكم عليهما بعض النُقَّادِ بعدم الصحة، فليس فيه ما يدل على حصول الوضع في عهد الرسول، فاستظهار ذلك خطأ قائم على غير أساس فلا يصح الذهاب إليه، لا سيما وأن مِنْ أَوَّلِ نتائجه نسبة الكذب إلى أصحاب الرسول ﵇، وهو مناف للحق والواقع، والمعروف من تاريخ هؤلاء الأصحاب، ومخالف لما ذهب إليه جمهور المُسْلِمِينَ من عدالتهم على الإطلاق لم يشذ في ذلك إلا الشِيعَةُ وطوائف الخوارج والمعتزلة، - كما سبق - فإن كان، الأستاذ يريد بما استظهره الإشارة إلى هذا الرأي المنبوذ، والتمهيد لما سيذكره عن أبي هريرة، ونقد الصحابة، بعضهم لبعض، ليضع بذلك أول (لُغْمٍ) في بناء السُنَّةِ فقد أخطأ الطريق وجانب الحق وبنى أمراً خطيراً على ظنون لا يؤيدها تاريخ صحيح ولا حدت ثابت. ومن الإنصاف للأستاذ أن نقول بعدئذ: إن هذا الاستظهار لم يكن وليد بحثه وتفكيره، بل هو يكاد يكون بنص عبارته ماخوذاً من خطبة منسوبة إلى الإمام عَلِيٍّ ﵁ في " نهج البلاغة " (١)، وقد نقل الأستاذ بعد كلامه هذا بصحيفتين كلاماً عن ابن أبي الحديد في شرح الخطبة المذكورة مِمَّا يدل على أنه مطلع عليها بيقين، ولكن إن كان لِغُلاَةِ الشِيعَةِ هَوًى في تجريح الصحابة ورميهم بالكذب، ليخلصوا إلى إمامة عَلِيٍّ وعصمة الأئمة من بعده، فما هو هَوَى الأستاذ في هذا إلا أن يكون غرضه التشكيك بهم وَهُمْ نَقَلَةُ السُنَّةِ إلينا وعنهم أخذناها؟

стр. 252

أَحَادِيثُ التَّفْسِيرِ: وقال في ص ٥٢٩: «وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: «لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ»، قد جمع فيها آلاف الأحاديث، وأن البخاري وكتابه يشتمل على سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مُكَرَّرَةٌ، قالوا: إنه اختارها وَصَحَّتْ عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره». كثرة الوضع في الحديث مِمَّا لا ينكره أحد، ولكنه أراد أن يستدل على مقدار الوضع فاستشهد بشيئين: أحاديث التفسير، وأحاديث البخاري. وظاهر عبارته في أحاديث التفسير أنه يُشكِّكُ فيها كلها إذ ينقل عن الإمام أحمد أنه قال: «لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ» (١). مع أنهم قد جمعوا فيها مئات الأحاديث، والإمام أحمد لا تخفى مكانته في السُنَّةِ، فإذا قال في أحاديث التفسير: لم يصح منها شيء كان كل ما روي فيها شُكُوكاً بصحته إن لم يحكم عليه بالوضع، أليست هذه نتيجة منطقية لكلام الأستاذ؟ والكلام معه في مقامين. الأول: في أحاديث التفسير. والثاني: فيما نقله عن الإمام أحمد. أما أحاديث التفسير، فلا يخفى على كل من طالع كُتُبَ السُنَّةِ أنها أثبتت شيئاً كثيراً منها بطرق صحيحة لا غبار عليها، وما من كتاب في السُنَّةِ إلا وقد أفرد فيه مؤلفه باباً خَاصًّاً لما ورد في التفسيرعن الرسول ﷺ أو الصحابة أو التَّابِعِينَ، وقد اشترط علماء التفسير على من يُفَسِّرُ كتاب الله أن يعتمد فيه على ما نقل عنه ﷺ في ذلك. قال الإمام أبو جعفر الطبري في " تفسيره ": «إِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلَى نَبِيِّهِ

стр. 253

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لاَ يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، إِلاَّ بِبَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ مَا فِيهِ، مِنْ وجُوهِ أَمْرِهِ: وَوَاجِبِهِ، وَنَدْبِهِ، وَإِرْشَادِهِ». إلى آخره (١). وقال أبوحيان الأندلسي المُفَسِّرُ صاحب " البحر المحيط " في صدد ما يحتاج إليه المُفَسِّرُ: (الوجه الرابع) تعيين مبهم، وتبين مجمل، وسبب نزول، ونسخ. ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك من علم الحديث، وقد تضمنت الكتب والأمهات التي سمعناها ورويناها ذلك كالصحيحين، والجامع للترمذي، وسنن أبي داود ... وأخذ يعدد كتب السُنَّة. وفي " الاتقان " للسيوطي (٢) قال ابن تيمية: «يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا. هذاو قد قسَّم الزركشي القرآن إلى قسمين: قسم ورد تفسيره بالنقل، وهو إما عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ، أو الصحابة والتَّابِعِينَ، وقسم لم يرد. فأنت ترى أنهم جعلوا التفسير بين منقول وغير منقول، وأوجبوا على المُفَسِّرِ أن يرجع إلى الأول ويعرفه، ولو لم يصح فيه شيء بل لو لم يصح منه شيء كثير لما فعلوا ذلك، وهنالك من العلماء من ذهب إلى أنه لا يجوز التفسير إلا بما ورد عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ . قال السيوطي في " الإتقان " (٤): «اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ الْخَوْضُ فِيهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا مُتَّسِعًا فِي مَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالأَخْبَارِ وَالآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ ... إلخ». وهذا وإن كان خلاف المعتمد إلا أنه يدل على أن هنالك آثاراً في التفسير لا يصح تجاهلها ولا يسوغ لأي عالم إنكارها، كيف وقد ذكر الشافعي في " مختصر

стр. 254

البُوَيْطِي " أنه لا يحل تفسير المتشابه إلا بِسُنَّةٍ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ، أو خبر عن أحد من أصحابه: أو إجماع العلماء، نعم إن الذي نقل عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ تفسيره، أقل مِمَّا لم ينقل، وأن ما صح عنه أقل مِمَّا لم يصح، ولكن هذا لايجوز تشكيك الناس في جملته. وأما ما نقله عن الإمام أحمد في أحاديث التفسير، فهو يشير إلى ما روي عنه من قوله: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَفْسِيرُ، وَالمَلاَحِمُ وَالمَغَازِي»، وفي رواية: «[ثَلاَثَةُ] كُتُبٍ لاَ أَصْلَ لَهَا: المَغَازِي وَالمَلاَحِمُ وَالتَفْسِيرُ» والكلام عن هذه العبارة من وجوه: أَوَلاًً - أن في النفس من صحتها شَيْئًا، فإن الإمام أحمد نفسه قد ذكر في " مسنده " أحاديث كثيرة في التفسير. فكيف يعقل أن يُخْرِجَ هذه الأحاديث ويثبتها عن شيوخه في " مسنده "، ثم يحكم بأنه لم يصح في التفسير شيء؟ وأيضاًً فمقتضى هذه العبارة أن يكون كل ما روي عن أخبار العرب ومغازي المُسْلِمِينَ مكذوباً من أصله، ومن يقول بهذا؟ ثَانِياًً - إِنَّ نفي الصحة لا يستلزم الوضع أو الضعف، وقد عرف عن الإمام أحمد خاصة نفي الصحة عن أحاديث وهي مقبولة، وقالوا في تأويل ذلك: إن هذا اصطلاح خاص به، قال اللَّكْنَوِي في " الرفع والتكميل " (١) «كَثِيراً مَا يَقُولُونَ " لاَ يَصِحُّ "، وَ " لاَ يَثْبُتُ " هَذَا الحَدِيثُ، وَيُظَنُّ مِنْهُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، أَوْ ضَعِيفٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلِهِ بِمُصْطَلَحَاتِهِمْ وَعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى مُصَرَّحَاتِهِمْ»، فقد قال علي القاري في " تذكرة الوضوعات ": «لاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الثُّبُوتِ وُجُودُ الوَضْعِ». وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الأذكار المسمى بـ " نتائج الأفكار ": ثبت عن أحمد ابن حنبل أنه قال: «لا أعلم في التسمية (أي التسمية بالوضوء) حَدِيثًا ثابتاً»، قلت: (أي ابن حجر): «لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ العِلْمِ ثُبُوتُ العَدَمِ، وَعَلَى التَنَزُّلِ: لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الثُّبُوتِ ثُبُوتُ الضَّعْفِ، لاِحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بَالثُّبُوتِ الصِحَّةَ، فَلاَ يَنْتَفِي الحُسْنُ» اهـ.

стр. 255

ثَالِثاًً - الإمام أحمد لم يقل: إنه لم يصح في التفسير شيء، وإنما قال: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ»، والظاهر أن مراده نفي كتب خاصة بهذه العلوم الثلاثة، بدليل ما جاء في الرواية الثانية مُصَرِّحاً به «ثَلاَثَةُ كُتُبٍ». وهذا المعنى هو ما فهمه الخطيب البغدادي، حيث قال: «وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ [غَيْرِ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا لِعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا وَزِيَادَاتِ الْقُصَّاصِ فِيهَا فَأَمَّا كُتُبُ الْمَلاَحِمِ فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلْيَسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الْمَلاَحِمِ الْمُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ الْمُنْتَظَرَةِ غَيْرُ أَحَادِيثَ يَسِيرَةٍ، وَأَمَّا كُتُبُ التَّفْسِيرِ] فَمِنْ أَشْهَرَهَا كِتَابَا الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي " تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ ": " مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذِبٌ [قِيلَ لَهُ: فَيَحِلُّ النَّظَرُ فِيهِ؟] قَالَ: لاَ "». رَابِعاًً - يحتمل أن يكون مُرَادُ الإمام أحمد في عبارته المذكورة أن ما صح من التفسير قليل بالنسبة لما لم يصح، وعلى هذا المعنى حملها كثير من أهل العلم. ففي " الإتقان " (١)، قال ابن تيمية: «وَأَمَّا القِسْمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَإِنْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: " ثَلاَثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلاَحِمُ وَالْمَغَازِي" وَذَلِكَ لأَنَّ الغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ». وقال الزركشي في " البرهان " (٢): «لِلْنَّاظِرِ فِي القُرْآنِِ لِطَالِبِ التَّفْسِيرِِ مَآخِذُ كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: النَّقْلُ عَنْ [رَسُولِ اللَّهِ] ﷺ وَهَذَا هُوَ الطِّرَازُ [الأَوَّلُ] (*) لَكِنْ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنَ الضَّعِيفِ [فِيهِ] وَالْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ، [وَإِنَّ سَوَادَ الأَوْرَاقِ سَوَادٌ فِي الْقَلْبِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول]: " ثلاثة كُتُبٍ لَيْسَ لَهَا أُصُولٌ الْمَغَازِي وَالمَلاَحِمُ وَالتَّفْسِيرُ " قَالَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: وَمُرَادُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ صِحَاحٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِلاَّ فَقَدَ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ». اهـ. وقصارى القول أن الاستشهاد بعبارة الإمام أحمد للتشكيك في أحاديث التفسير كلها غير صحيح، يبطله ثبوت أحاديث التفسير في أمهات الكتب الصحيحة كـ " البخاري " و" مسلم " و" الموطأ " و" الترمذي "، بل في " مسند الإمام أحمد " نفسه. هَلْ اسْتَوْعَبَ البُخَارِيُّ كُلَّ الصَّحِيحِ فِي " جَامِعِهِ "؟: وقد زعم الأستاذ، أن البخاري قد انتقى أحاديث " صحيحه " من ستمائة ألف حديث والكلام هنا في موضعين:

стр. 256

الأول - عدد الأحاديث التي كانت متداولة. ولا شك أن الأحاديث التي تداولها الناس في عصر البخاري كانت كثيرة جِدًّا بلغت ستمائة ألف أو أكثر. فقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: «صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَسْرٍ وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ»، ولكن ما حقيقة هذه الكثرة الهائلة؟ هل كلها أحاديث تختلف في المواضيع، أم هي طرق متعددة للأحاديث؟ وهل كلها أحاديث تنسب إلى النَّبِيّأم تنسب أيضاًً إلى الصحابة والتَّابِعِينَ؟ للإجابة عن هذا ينبغي أن نذكر لك اختلافهم في معاني الحديت، والخبر، والأثر. فقد قال جماعة: إن الحديث هو ما أضيف إلى النَّبِيّ ﷺ فيختص بالمرفوع عند الإطلاق ولا يراد به الوقوف إلا بقرينة، أما الخبر فإنه أعم من أن يطلق على المرفوع [و] الموقوف. فيشمل ما أضيف إلى الصحابة والتَّابِعِينَ وعليه يُسَمَّى كل حديث خبراً ولا يُسَمَّى كل خبر حَدِيثًا. وقال آخرون: الحديث هو المرفوع إلى النَّبِيّ ﷺ والموقوف على الصحابة والتَّابِعِينَ، فيكون مرادفاً للخبر. وأما الأثر فإنه مرادف للخبر بالمعنى السابق فيطلق على المرفوع والموقوف، وفقهاء خراسان يسمون الموقوف بالأثر والموفوع بالخبر (١). ذلك هو اختلافهم في تحديد المراد بالحديث والخبر والأثر، إذا كان كذلك سهل علينا أن نفهم معنى لهذه الكثرة الهائلة ستمائة ألف أو سبعمائة ألف. فهي شاملة للمنقول عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ولأقوال الصحابة والتَّابِعِينَ كما تشمل طرق الحديث الواحد فقد يروي المُحَدِّثُ الحديث الواقع من طرق مختلفة إذ يكون للصحابي أو التابعي رُوَاةٌ مُتَعَدِّدُونَ - وهذا هو الغالب - فَيُعْنَى المُحَدِّثُ بجمع طرق الحديث من رواته فقد تبلغ أحياناً عشرة طرق فيعدها عشرة أحاديث وهي ليست إلا

стр. 257

حَدِيثًا واحداً، وقد كان إبراهيم بن سعيد الجوهرِي يقول: «كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْ مِائَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهَ يَتِيمٌ» (١). وبهذا إذا جَمَعْتَ أقوال النَّبِيّ ﷺ وأفعاله وتقريراته إلى أقوال الصحابة والتَّابِعِينَ وجمعت طرق كل حديث منسوب للنبي وللصحابة وللتابعين لاَ يُسْتَغْرَبُ أَبَدًا أن يبلغ ذلك كله مئات الألوف بهذا المعنى. قال العلامة الشيخ طاهرِ الجزأئري: «وبما ذكرِنا أن بعض المُحَدِّثِينَ قد يطلق الحديث على المرفوع والموقوف يزول الإشكال الذي يعرِض لكثير من الناس عندما يحكى لهم أن فلاناً كان يحفظ سبعمائة ألف حديث صحيح، فإنهم مع استبعادهم ذلك يقولون: أين تلك الأحاديث ولِمَ لَمْ تصل إلينا؟ وهلا نقل الحفاظ ولو مقدار عشرها؟ وكيف ساغ لهم أن يهملوا أكثر ما ثبت عنه ﵊؟ مع أن ما أشتهروا به من فرط العناية بالحديث يقتضي أَلاَّ يترِكوا مع الإمكان شيئاً منه، ولنذكرِ له شيئاً مِمَّا رُوِيَ في قدر الحفاظ: نقل عن الامام أحمد أنه قال: " صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَسْرٍ وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ ". قال البيهقي: " أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الصَحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ "، وقال أبو بكر محمد بن عمرِ الرازي الحافظ: " كَانَ أَبَو زُرْعَةَ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفاً فِي التَفْسِيرِ. ونقل عن البخاري أنه قال: " أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ "، ونقل عن مسلم أنه قال: " صَنَّفْتُ هَذَا الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلاَثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ "، وَمِمَّا يرفع استغرابك لما نقل عن أبي زرعة من أنه كان يحفظ مائة وأربعين ألف حديث في التفسير، أن النعيم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٢) وقد ذكرِ فيه المفسرون عشرة أقوال كان كل قول منها يُسَمَّى حَدِيثًا في عُرِِْف من جعله بالمعنى الأعم، والماعون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٣) قد ذكروا فيه ستة أقوال، كل قول منها ما عدا السادس، يعد حَدِيثًا كذلك» (٤).

стр. 258

الثاني: ما صح عند البخاري: زعم مولف " فجر الإسلام " أن ما جمعه البخاري في حديثه وهو أربعة ألاَّف عن غير المُكَرَّرِ هو كل ما صح عنده من عدد الأحاديث التي كانت متداولة في عصره وبلغت ستمائة ألف، وهذا الذي زعمه المؤلف غير معروف عند العلماء، بل المعروف عندهم، أن البخاري لم يجمع في كتابه كل ما صح عنده. قال ابن الصلاح ﵀ في " مقدمته ": «لَمْ يَسْتَوْعِبَا - أي البخاري ومسلم - الصَّحِيحَ فِي " صَحِيحَيْهِمَا "، وَلاَ الْتَزَمَا ذَلِكَ. فَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي (الْجَامِعِ) إِلاَّ مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ [لِحَالِ] الطُّولِ ".، وَرُوِّينَا عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٌ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا - يَعْنِي فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ - إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ "» (١). قال الحافظ ابن كثير: «ثُمَّ إِنَّ البُخَارِي وَمُسْلَِمًا لَمْ يَلْتَزِمَا بِإِخْرَاجِ جَمِيعِ مَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ فَإِنَّهُمَا قَدْ صَحَّحَا أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابَيْهِمَا كَمَا يَنْقُلُ التِرْمِذِي عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ (أَيْ: فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ) بَلْ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا» (٢). قال الحافظ الحازمي في كتابه " شروط الأئمة الخمسة ": «وأما البخاري فلم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث، ويشهد لصحة ذلك ما أخبرنا به أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد قال: أنبأنا به طلحة في كتابه عن أبي [سعد] الماليني أنبأنا عبد الله بن عدي قال: حدَّثني محمد بن أحمد قال: سمعت محمد بن حمدويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل «يعني البخاري» يقول: «أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَأَحْفَظُ مِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ». وذكر أيضاًً بسنده إلى البخاري أنه قال:

стр. 259

«لَمْ أُخْرِجْ فِي هَذَا الكِتَابِ إِلاَّ صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَحِيحِ أَكْثَر» (١) اهـ. فإذا كان العلماء يقرون أن البخاري لم يستوعب الصحيح في "جامعه"، وأنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، يكون ما نقله المولف عنهم نقلاً غير صحيح، هذا إذا عناهم بقوله: «قَالُوا» أما إذا كان يعني بهم عامة الناس والشائع على ألسنة الطلبة فذلك شيء آخر، إلا أن المقام مقام علم وتحقيق. عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ وَهَلْ كَانَ مُغَفَّلاً ؟: قال المؤلف ص ٢٦٠ متكلماً عن الوَضَّاعِينَ في الحديث: «وبعضهم كان سليم النية يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق فَيُحَدِّثُ بكل ما سمع، فيأخذه الناس عنه مخدوعين بصدقه، كالذي قيل في عبد الله بن المبارك فقد قيل: إنه ثقة صدوق اللسان ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر». وأشار في هامش الكتاب إلى أن هذا القول في عبد الله بن المبارك وارد في " صحيح مسلم ". المولف يتكلم عن الوَضَّاعِينَ في الحديث، والوضاعون هم الذين كانوا يختلقون الأحاديث على رسول الله ﷺ لأغراض متباينة ذكرِناها في مواضعها من هذا الكتاب، أما سليم النية الذي جمع كل ما أتاه وهو في ذلك صادق فهذا ليس من الوَضَّاعِينَ بحال، لأنه لم يكذب لا في سند الحديث ولا في متنه، وغاية ما يقال فيه أنه «ذو غفلة» يتلقى الحديث بلا نقد ولا تمحيص، فيتوقف في قبول حديثه إلى أن يتبين ما يرِويه، فإن كان عن ثقات وشاركه الثقات فيما ينقل قُبِلَ، وإلا فلا، أما إدراجه ضمن الوَضَّاعِينَ كما فعل المولف فهو خطأ بَيِّنٌ ناتج عن عدم الدقة في التعبير والتأليف، وأيضاًً فالكلام عن عبد الله بن المبارك في صَدَدِ الحديث عن الوَضَّاعِينَ يوهم أنه منهم، هذا نقد شكلي للعبارة، أما النقد الموضوعي، فالذي يُسْتَخلَصُ مِمَّا ذكر المؤلف ثلاثة أمور: أَوَلاًً: أن عبد الله بن المبارك كان سليم النية يُحَدِّث بكل ما سمع من غيرِ نقد للرجال.

стр. 260

ثَانِياًً: أن الناس خدعوا بصدقه فتلقوا كل أحاديثه الني سمعوها عنه على أنها صحيحة. ثالثاً: أن العبارة التي نقلها عن " صحيح مسلم " إنما هي في عبد الله بن المبارك. والأستاذ المولف مخطىء في هذه الأمور الثلاثة كل الخطأ. ١ - أما أن عبد الله بن المبارك كان سليم النية يُحَدِّث بكل ما سمع، فهذا ما لا يتفق مع الحق في شيء، فقد كان ابن المبارك من مشاهير أئمة عصره الذين عنوا بنقد الرجال نقداً شديداً، وهذا مسلم ﵀ يذكرِ لنا في " مقدمة صحيحه " عدة أمثلة عن نقده للرجال، فقد ذكر بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: «إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ»؟ قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت له، هذا من حديث شهاب بن خِراش فقال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، قال: قلت: قال رسول الله ﷺ . قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النَّبِيّ ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف». وأخرج مسلم في " المقدمة " أيضاً بسنده إلى عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهُ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: «دَعُوا حَدِيثَ عَمْرُو بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَلَفَ». وَبِسَنَدشهِ إِلَى أَحْمَد بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ " كَذَّابٌ " إِلاَّ لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: " كَذَّابٌ "». فهذه الأمثلة وكثيرة غيرها ذكرها مسلم في " مقدمة صحيحه " تدل على أن عبد الله بن المبارك كان نَقَّاداً للرجال، مَعْنِيًّا بأسانيد الأحاديث. وأصرح من ذلك ما رواه مسلم أيضاًَ بسنده إلى الْعَبَّاسِ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ، يَقُولُ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ.

стр. 261

وذكر الحافظ الذهبي في " تذكرته " قال المسيب بن واضح: «سَمْعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ وَسُئِلَ عَمَّنْ نَأْخُذُ؟ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ العِلْمَ للهِ، وَكَانَ فِي إِسْنَادِهِ أَشَدَّ، قَدْ تَلْقَى الرَّجُلَ ثِقَةً وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، وَتَلْقَى الرَّجُلَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَتَلْقَى الرَّجُلَ غَيْرِ ثِقَةٍ وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ ثِقَةٍ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثِقَةً عَنْ ثِقَةٍ». وذكر الذهبي أَنَّ الرَّشِيْدَ أَخَذَ زِنْدِيقاً لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟ فَقَالَ الرَّشِيْدُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ يَتَخَلَّلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفاً حَرْفاً». وقيل لابن المبارك: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ [المَصْنُوعَةُ]؟ فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ». وذكر الذهبي عن إبراهيم بن إسحاق قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: «: حَمَلْتُ عَنْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ شَيْخٍ فَرَوَيْت عَنْ أَلْفٍ مِنْهُمْ». بهذا كله يتبين لك خطأ ما ذهب إليه صاحب " فجر الإسلام " من وصف هذا الإمام العظيم بسلامة القلب حتى إنه لَيُحَدِّثُ بكل ما سمع. ٢ - وأما زعمه بأن الناس خدعوا بصدقه ... إلخ، فقد سمعت أنه كان نَقَّاداً للرجال مُتَشَِّّداً في الأسانيد، ومتى اجتمع الصدق والعدالة والتثبت في رجل فقد وجب الأخذ عنه، ولا يصح أن يقال: إن الناس خدعوا بصدقه. هذا على أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على توثيق ابن المبارك وإمامته وجلالة قدره. قال ابن مهدي: «الأَئِمَّةُ أَرْبَعَةٌ: الثَّوْرِي وَمَالِكٌ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ المُبَارَكِ». وقال فيه الإمام أحمد: «لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَطْلَبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ، جَمَعَ أَمْرًا عَظِيمًا، مَا كَانَ أَحَدٌ أَقَلَّ قِسْطًا مِنْهُ، كَانَ رَجُلاً صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يُحَدِّث مِنْ كِتَابٍ». وقال ابن معين: «كَانَ كَيِّسًا مُتَثَبِّتًا ثِقَةً، وَكَانَ عَالِماً، صَحِيحَ الحَدِيثِ». وقال ابن سعد صاحب " الطبقات ": «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا حُجَّةً كَِثيرَ الحَدِيثِ». وقال الحاكم: «هُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ فِي الآفَاقِ، وَأَوْلاَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمًا وَزُهْدًا وَشَجَاعَةً وَسَخَاءً». وقال النسائي: «لاَ نَعْلَمُ فِي عَصْرِ ابْنِ المُبَارَكِ أَجَلَّ مِنْ ابْنِ المُبَارَكِ، وَلاَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَلاَ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ مِنْهُ».

стр. 262

وقال النووي في "شرح مسلم " بعد أن ترجم له: «وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَلاَلَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَكِبَرِ مَحَلِّهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ» (١) اهـ. فرجل يجمع نُقَّادُ الحديث وأئمة الجرح والتعديل على تَثَبُّتِهِ وجودة حديثه وقلة سقطه، يكون من المحزن أن يجيء في آخر الزمان من يقول عنه: «إن الناس كانوا يأخذون عنه، مخدوعين بصدقه». وشيء آخر، وهو أن إقرارهم له بالإمامة وعلو المرتبة والمكانة في علم الحديث - كما رأيت - يُكَذِّبُ ما يلصقه به مؤلف " فجر الإسلام " من أنه كان يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ. فقد ذكر مسلم بسنده إلى الإمام مالك ﵀ قال: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَوْلَهُ: «لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ» إلى ما هنالك من أقوال تدل على أن علماء هذا الشأن لا يُقِرُّونَ بالإمامة لرجل إلا إذا كان مُتَثَبِّتًا مِمَّا يحفظ، متأملاً فيما يروي، لا يُحَدِّث بكل ما سمع. ٣ - وأما العبارة التي نقلها عن " صحيح مسلم " في حق عبد الله بن المبارك فها هنا لا يكاد المرء ينتهي عجباً من صنيع المؤلف. إن عبارة الإمام مسلم في "الصحيح " هكذا: «حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا (*)، يَقُولُ: عَنْ سُفْيَانَ (**)، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: «بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ» وأنت لا تشك حين تقرأ هذا أن القول هو قَوْلُ عبد الله بن المبارك في " بقية " وهو أحد المُحَدِّثِينَ في عصره، ولكن المؤلف فهم هذا النص على أنه قَوْلٌ فِي عَبْدِ اللهِ بن المبارك، وأنه هو الموصوف بهذه الأوصاف، مع أن سياق السند كان يفسد عليه هذا الفهم، فإن السند هكذا: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ، أي ابن المبارك، فهو القائل وَالمُتَحَدِّثِ لاَ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ. ثم إن اللفظ " بقية " لا " ثقة " فابن المبارك يتكلم عن بقية بن الوليد المُحَدِّثَ

стр. 263

الحمصي، وهو مشهور بما وصفه به ابن المبارك ويؤكد هذا ما رواه مسلم بعد ذلك بقليل عن أبي إسحاق الفزاري: «عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: «اكْتُبْ عَنْ " بَقِيَّةَ "، مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلاَ تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ»، ويؤيده أيضاًً ما نقله الذهبي عن ابن المبارك نفسه أنه كان يقول في " بقية ": «إِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ قَوْمٍ ضُعَفَاءَ وَيَرْوِي عَمَّنْ دَبَّ وَدَرَجَ»، وهذا معنى قوله الذي رواه مسلم عنه: «عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ». فَتَبَيَّنَ لنا مِمَّا تقدم أن المؤلف أخطأ في عبارة مسلم خطأين: الأول - أن الكلام لغير ابن المبارك في عبد الله بن المبارك، مع أنه كلام عبد الله بن المبارك في غيره. الثاني - أنه نقل اللفظ «ثِقَةٌ» وهي في " صحيح مسلم " «بَقِيَّةٌ» والمؤلف بين ثلاثة أمور لا رابع لها: إما أن يكون ذكر هذا في كتابه بعد أن قرأ العبارة بنفسه في " صحيح مسلم "، ولكنه لم يفهمها فوقع في تلك الأخطاء، وإما أن يكون فهمها ولكنه تَعَمَّدَ تحريفها لغاية في نفسه، وإما أنه رآها لبعض المُسْتَشْرِقِينَ الذي نقلها نَقْلاً مَمْسُوخًا من " صحيح مسلم "، فاكتفى بنقله عن خصوم الشريعة المحمدية دُونَ أن يرجع بنفسه إلى أصل النص في " مسلم "، وأنا أُرَجِّحُ هذا الأخير، إذ من البعيد على المؤلف أَلاَّ يفهم هذا النص مع وضوحه وجلائه، ومن البعيد عليه أيضاًَ أن يَتَعَمَّدَ مثل هذا التحريف في نص كتاب مشهور لا يخلو منه بيت عالم مسلم، وقد رجعت إلى النسخ المطبوعة عن " صحيح مسلم " لَعَلِّي أجد إحدى النسخ ذكَرَتْ العبارةَ خطأ كما نقلها المؤلف، فيكون له بعض العذر وإن كان سياق الكلام يفسده كما تقدم، ولكني رأيت النُّسَخَ المطبوعة كلها ذكرت النص صحيحاً من غير تحريف، فَتَرَجَّحَ عندي أن أحد أعداء الإسلام وقع في هذا التحريف، إما عَمْدًا لتشويه سيرة إمام كبير من أئمة الحديث - كما فعل جولدتسيهر مع الزُّهْرِي - وإما خطأً بحيث اشتبه عليه الأمر بين " بقية " و" ثقة " لقرب تشابههما في الرسم. وإذا كنا نجد للمستشرقين عُذْراً في ذلك لعجمته، أو عدم وفائه للإسلام، أو فقده الذوق العربي الذي يُدْرِكُ بسياق الكلام صحة الكلمة ومعناها، فأي عذر للمؤلف في متابعته على هذا التحريف لا سيما وقد

стр. 264

بنى عليه رأياً خطيراً فاسداً في إمام جليل من أئمة النُقَّادِ في عصره؟. حَدِيثُ «سَدِّ الأَبْوَابِ»: ثم تكلم المؤلف في [ص ٢٦٠] أيضاًً عن أهم الأمور التي حملت الوُضَّاعَ على الوضع، وذكر من أولها الخصومة السياسية بين عَلِيٍّ وأبي بكر، وبين عَلِيٍّ ومعاوية، وبين عبد الله بن الزبير وعبد الملك، ثم بين الأُمَوِيِّينَ والعباسيين. وهذا كلام لا غبار عليه، ثم نقل بعد ذلك كلاماً لابن أبي الحديد جاء فيه «إِنَّ أَصْلَ الكَذِبِ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشِيعَةِ (*) فَلَمَّا رَأَتْ البَكْرِيَّةُ - أَيْ مُفَضِّلُو أَبِي بَكْرٍ - مَا صَنَعَتْ الشِيعَةُ وَضَعَتْ لِصَاحِبِهَا أَحَادِيثَ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ نَحْوَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً» فَإِنَّهُمْ وَضَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ " حَدِيثِ الإِخَاءِ "، وَنَحْوِ " سَدِّ الأَبْوَابِ "، فَإِنَّهُ كَانَ لِعَلِيٍّ فَقَلَبَتْهُ البَكْرِيَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ... إلخ». لا شك أن ابن أبي الحديد معذور في عَدِّهِ هذين الحديثين من الموضوعات ما دام مُعْتَزِلِيًّا شِيعِيًّا يَتَعَصَّبُ لشيعيته (١)، ولكنا لا نرى للأستاذ عُذْرًا في عدم تَعَقَّبَهُ له - إلا أن يكون مُتَّفِقًا معه - على ما ذهب إليه في عَدِّهِمَا من الموضوعات، والحَدِيثًان صحيحان، خَرَّجَهُمَا أئمة الحديث. أما الحديث الأول، فقد أخرجه " البخاري " من طريق ابن عباس وابن الزبير ورواه " مسلم " من طريق أبي سعيد وابن مسعود.

стр. 265

وأما الحديث الثاني، وهو «سَدُّ الأَبْوَابِ إِلاَّ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» فقد رواه " البخاري " من طريق أبي سعيد وابن عباس، ورواه " مسلم " من طريق أبي سعيد وجندب وأُبَيْ بن كعب، وروى الحديثين - غير البخاري ومسلم - مالك والترمذي والطبراني وأحمد وابن عساكر وابن حبان وغيرهم. أما " حَدِيثُ الإِخَاءِ " الذي زعمته الشِيعَةُ من أن النَّبِيّآخى بينه وبين عَلِيٍّ فلم يصح من طريق يوثق به، ولم يخرجه كتاب من كتب السُنّةِ المعتمدة، ولا رواه من يُوثَقُ به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لاَ يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَوَاضِعُهُ جَاهِلٌ [كَذَبَ] كَذِبًا ظَاهِرًا مَكْشُوفًا» (١). وأما حديث " سَدَّ الأَبْوَابِ " الذي يرويه الشِيعَةُ ويستثنون منه باب عَلِيٍّ، فقد ذكر أكثر النُقَادِ أنه حديث موضوع، حكم بذلك ابن الجوزي والعراقي وابن تيمية وغيرهم، وعلى فرض صحته فقد أجاب عنه العلماء بما ذكره ابن حجر في " فتح الباري ": «من أن النَّبِيّ ﷺ ، أَمَرَ أَوَلاًً بِسَدِّ الأَبْوَابِ إِلاَّ بَابَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا سَدُّوهَا أَحْدَثُوا خَوْخًا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدَ، فَأَمَرَ بِسَدِّهَا إِلاَّ خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، وحمل الباب الوارد في بعض الروايات في حق أَبِي بَكْرٍ على الخَوْخَةِ، تَمَشِّيًا مع بعض الروايات الأخرى»، ثم قال: «فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لاَ بَأْسَ بِهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَبِهَا جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي " مُشْكِلِ الآثَارِ " ... وَأَبُو بَكْرٍ الْكَلاَبَاذِيُّ فِي" مَعَانِي الأَخْبَارِ " وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لَهُ بَابٌ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَخَوْخَةٌ إِلَى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ. وَبَيْتُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ إِلاَّ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ». اهـ. أَحَادِيثُ الفَضَائِلِ: وقال في [ص ٢٦١]: «وتلمح أحاديث كثيرة لا تشك - وأنت تقرؤها - أنها وضعت لتأييد الأُمَوِيِّينَ والعباسيين أو العلويين أو الحط منهم .. ويتصل بهذا النحو أحاديث وضعها الوَضَّاعُونَ في تفضيل القبائل ... فكم من الأحاديث وضعت

стр. 266

في فضل قريش والأنصار وجهينة ومزينة .. ومثل ذلك، العصبية للبلد فلا تكاد تجد بلداً كبيراً إلا وفيه حديث، بل أحاديث في فضله، فـ «مكة» و «المدينة» وجبل «أُحُد» و «الحجاز» و «اليمن» و «الشام»، و «بيت المقدس» و «مصر»، و «فارس» وغيرها كل ذلك وردت فيه الأحاديث المتعددة في فضله» ... إلخ. كان رسول الله ﷺ بين أصحاب يفتدونه بأرواحهم وأموالهم، وقد كانوا متفاوتين في الفداء والتضحية والمواهب، كما كانوا متفاوتين في السبق إلى الإسلام، فليس بغريب أن يخص رسول الله ﷺ بعض أصحابه بثناء أو إعجاب، أو كشف عن موهبة أو غير ذلك مِمَّا يدل على فضلهم ومكانتهم وَقُلْ مثل ذلك في «مكة» التي كان منها بدء الدعوة، وفي «المدينة» التي كان فيها تأسيس الدولة، و «بيت المقدس» الذي أثنى الله عليه في كتابه، وغير ذلك من المدن أو القبائل التي كانت تسارع إلى الخير ويسهم أبناؤها في سبيل الله والإسلام بسهم وافر. كما أن من الجائز - بل الذي وقع فِعْلاً - أن يضع المُتَعَصِّبُونَ والجاهلون أحاديث في فضائل رؤسائهم أو بلدانهم أو قبائلهم يزيدون على ما في الحديث الصحيح من فضائل، أويضعون فضائل لم يرد بها حديث صحيح. هذان أمران لا ينازع فيهما منازع. فَوُرُودِ أحاديث صحيحة ثابتة في فضائل بعض الأشخاص والبلدان والقبائل، لا يمنع من وجود أحاديث مكذوبة في ذلك أيضاًً، وشأن العالم المنصف في مثل هذه الحالة أَلاَّ يسارع إلى تصديق هذه الأحاديث كلها، ولا إلى تكذيبها كلها، لا يحمله وجود الكذب فيها على أن يُكَذِّبَ جميعها، ولا وجود الصحيح فيها على أن يُسَلِّمَ بجميعها. وللعلماء طرق في معرفة الثابت من المكذوب، وهي نقد السند والمتن معاً، فما ثبت بعد البحث صحة سنده ومتنه، حكمنا بصحته، وما لا فلا. هذا هو الطريق المعقول في مثل هذه الحالات، وهذا هو الذي فعله أئمتنا حين واجهتهم تلك الكثرة الهائلة من الأحاديث، بما فيها أحاديث الفضائل، وقد ثبت منها بعد البحث والتمحيص طائفة كبيرة أثبتها الأئمة في مُصَنَّفَاتِهِمْ، فالإمام البخاري مثلا وكتابه أصح كتب الحديث وأدقها، وأكثرها تَشَدُّدًا - باعتراف

стр. 267

صاحب " فجر الإسلام " - أفرد في " صحيحه " أبواباً متعددة، أثبت فيها ما صح عنده من فضائل المهاجرين والأنصار، وفضائل رجال باسمائهم من الفريقين، كأبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ وسعد وَأُبَيٌّ ومعاذ وكثير من أعيان الصحابة، كما أثبت أحاديث متعددة في فضائل مكة والمدينة واليمن والشام وغيرها، وأحاديث في فضائل قبائل مختلفة كقريش ومُزينة وجُهينة، ومثل ذلك صح لدى أئمة الحديث كأحمد ومسلم والترمذي وغيرهم، وفي الوقت نفسه بَيَّنُوا الأحاديث الموضوعة في ذلك، وكشفوا حال رُوَاتِهَا، ونقدوها نقداً دقيقاً، وَبَيَّنُوا الباعث على وضعها من رجال وأحوال. فما الذي دعا مؤلف " فجر الإسلام " إلى أن يتجاهل هذه الحقيقة المعلومة، ويشكك في أحاديث الفضائل كلها؟ إنها - ولا ريب - خِطَّةَ المُسْتَشْرِقِينَ الذين سَمِعْتَ رأيهم في الموضوع فاقتفى الأستاذ أثرهم. والله المستعان. أَحَادِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ: ثم قال في [ص ١٦٢] في الباعث الثاني على الوضع وهو الخلافات الكلامية والفقهية: «وكذلك في الفقه فلا تكاد تجد فَرْعًا فقهياً إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذاك، حتى مذهب أبي حنيفة الذي يذكر العلماء عنه أنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة - قال ابن خلدون: «إِنَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ» ملئت كتبه بالأحاديث التي لا تعد، وأحيانا بنصوص هي أشبه ما تكون بمتون الفقه ... » إلخ أما إن الخلافات الفقهية والكلامية كان لها أثر في الوضع فهذا ما لا ننكره. وقد سبق الإشارة إليه عند الكلام على حركة الوضع وأسبابها، وأما الادعاء بان أبا حنيفة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حَدِيثًا ونسبة ذلك إلى العلماء فهذا ما أخطا فيه المؤلف جانب الحق وسلك غير سبيل العلماء. ذلك أن مذهب أبي حنيفة أوسع المذاهب الفقهية تفريعاً واستنباطاً، حتى لقد بلغت المسائل التي أثرت عنه مئات الألوف، وليس من المعقول أن يستنبط أبو حنيفة ذلك من آيات الأحكام القليلة وبضعة عشر حَدِيثًا فقط، فإن قيل: إنه استنبط هذا الفقه من القياس، قلنا: ما جمع من أحاديث أبي حنيفة في "مسانيده " التي رواها عنه

стр. 268

أصحابه وتلاميذه: بلغت بضعة عشر مسنداً، مِمَّا يدل على أن قدراً كبيراً من فقهه مأخوذ مِنَ السُنَّةِ، ولا يصح، أن يقال: إن ما صح عنده منها بضعة عشر حَدِيثًا فقط، إذ كيف لم تصح عنده وهو يحتج بها ويفرع عليها؟ أما قول ابن خلدون، فقد ذكره بصيغة التمريض إشارة إلى أنه غير جازم بذاك: وأيضاًً فلا نعلم لابن خلدون سَلَفاً في هذه المقالة، بل نصوص العلماء متضافرة على أنه صح عند أبي حنيفة قدر من الأحاديث كبير، وسنرى ذلك عند البحث عن أبي حنيفة ﵀ في آخر الرسالة بحثاً علمياً دقيقاً في هذا الموضوع. تَغَالِي النَّاسِ فِي الاعْتِمَاد عَلَى السُنَّةِ: يقول المؤلف في ص ٢٦٣ متكلماً عن أسباب الوضع: «يخيل إِلَيَّ أن من أهم أسباب الوضع تغالي الناس إذ ذاك في أنهم لا يقبلون من العلم إلا على ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً وما عدا ذلك فليس له قيمة كبيرة، فأحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث ولا يقرب منه، بل كثير من العلماء في ذلك العصر كان يرفضها ولا يمنحها أية قيمة، بل بعضهم كان يُشَنِّعُ على من ينحو هذا النحو، والحكمة والموعظة الحسنة إذا كانت من أصل هندي أو يوناني أو فارسي، أو من شروح " التوراة " و" الإنجيل " لم يؤبه له، فحمل ذلك كثيراً من الناس أن يصبغوا هذه الأشياء كلها صبغة دينيه حتى يقبلواعليها، فوجدوا الحديث هو الباب الوحيد المفتوح على مصراعيه، فدخلوا منه على الناس ولم يتقوا الله فيما صنعوا، فكان من أثر ذلك أن نرى الحُكْمَ الفِقْهِيَّ المَصْنُوعَ، والحكمة الهندية والفلسفة الزردشية، والموعظة الإسرائيلية والنصرانية» اهـ. أتفق المُسْلِمُونَ سلفاً وخلفاً - إلا من لا يعتد بهم من أصحاب البدع والأهواء - على أن الكتاب وَالسُنَّةُ أصلان من أصول التشريع الإسلامي، لا يجوز لأحد أن يحكم في القضاء الإسلامي بخلاف ما جاء فيهما، ولا لمجتهد أن يجتهد في مسالة بغير الرجوع إليهما، ثم انقسموا قسمين: قسم يرى الأخذ بظواهر النصوص من غير تعليل ولا توسع في القياس وَهُمْ الظاهرية وأكثر أهل الحديث.

стр. 269

وقسم يرى إعمال الفكر في استنباط الأحكام من النصوص فعملوا بالقياس مع الكتاب وَالسُنَّةُ، وبحثوا عن العلة وَخَصَّصُوا العَامَّ، وَقَيَّدُوا المُطْلَقَ، وَبَيَّنُوا الناسخ من المنسوخ حين تقوم القرينة على ذلك كله، وهؤلاء هم جمهور المُجْتَهِدِينَ وَحَمَلَةِ العلم منذ عصر الصحابة حتى يومنا هذا. نعم كان هناك تفاوت بينهم في الأخذ بالقياس والتعليل، وفي الأحاطة بِالسُنَّةِ وشروط صحتها والعمل بها، ومن هنا كان الخلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، ولكنهم متفقون جميعاً على أنه لا يصح الاجتهاد في الفقه مُجَرَّدًا غير منظور به إلى الحديث، بل أوجبوا على المجتهد أن يحيط بأحاديث الأحكام كلها لا يألو في ذلك جهداً. عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا» أخرج الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم " عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا» (١). والمجمع عليه لدى الأئمة المُجْتَهِدِينَ، أن المجتهد ينظر أَوَلاً في كتاب الله، ثم في سُّنَّةِ رسوله، وفي أقوال الصحابة، ثم ينقلب إلى الاستنباط والقياس إن لم يكن هناك إجماع، وسترى عند الكلام على الأئمة الأربعة من أصول مذاهبهم في الاجتهاد ما يؤكد لك ذلك. فما ادعاه المؤلف من أن أحكام الحلال والحرام، إذا كانت مؤسسة على الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث، يفيد أن هناك اجْتِهَادًا غير مؤسس على الحديث مع وجوده في يد المجتهد، وهذا لم يقع لإمام من الأئمة المُجْتَهِدِينَ قط، ومن قواعدهم المُسِلَّمَةِ لهم جميعاً أن الاجتهاد في مقابلة النص لا يجوز. أما الحكمة والموعظة الحسنة، فلا نعلم إماماً من الأئمة رفض الأخذ بها لمجرد أنها لم ترد في القرآن وَالسُنَّةُ، ما دامت لا تصادم نصوص الشريعة، ولا روحها، ولا

стр. 270

غايتها السامية ولا آدابها المطلوبة. ومن المأثور عندهم أن الحكمة ضالة المؤمن (١) يلتقطها أنى وجدها. وقد ذكرِ الله في وصف عباده المؤمنين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وقص علينا كثيراً من قصص الماضين، وحكمهم ومواعظهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ تنبيهاً على أنه لا مانع من الأخذ عن الماضين بما لا يختلف عن مقاصد الشريعة، ومن هنا جاءت القاعدة الأصولية: «شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله علينا من غير نكير». وقد أخرِج البخاري في " صحيحه " عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ». قال الحافظ ابن حجر: «أَيْ لاَ ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ ﷺ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الأَحْكَامِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ الأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الاعْتِبَارِ»، ثم قال ابن حجر: «وَقَالَ مَالِكٌ: المُرَادُ جَوَازُ التَحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ، فَلاَ». اهـ. باختصار (٢)، وقد أكثر بعض الصحابة من الأخذ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه حتى فاضت كتب التفسير بالإسرائيليات، كما فاضت كتب الصوفية والأخلاق بالحكم المنقولة عن الأمم الأخرى، فكيف يصح الزعم بعد ما ذكرناه كله بأن المُسْلِمِينَ رفضوا الحكمة والموعظة الحسنة، إذا كانت من أصل غير إسلامي؟ وصفوة القول أن هذا السبب الذي استظهره المؤلف وتخيله لا أساس له من الواقع، ولا دليل يسنده، وكُتُبُنَا الإسلامية حافلة بما ينقضه، ولا أدري ما الذي دعاه إلى هذا التخيل إلا أن يكون مراده الزعم بأن التَشَدُّدَ في التمسك بالكتاب وَالسُنَّةُ كان له من الضرر على الدين ما حمل الناس على الوضع والكذب.

стр. 271

عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ: وقال في [ص ٢٦٥]: «وأكثر هؤلاء النُقَّاد - أي نُقَّادِ الحديث - عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِباً، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم». إلى أن قال: في الصحيفة التالية «وعلى كل فالذي جرى عليه العمل من أكثر نُقَّادِ الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عَدَّلُوا كل صحابي، ولم يرموا أحداً منهم بكذب، ولا وضع، وإنما جَرَّحُوا من بعدهم». مِمَّا اتفق عليه التابعون، ومن بعدهم من جماهير المُسْلِمِينَ من أهل السُنّةِ وَالجَمَاعَةِ، ونُقَّادِ الحديث قاطبة تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع، وَشَذَّ عن ذلك من ذكرنا من الخوارج والمعتزلة وَالشِيعَةِ، هذا هو الواقع والمعروف في المسألة. ولكن المؤلف - لغرض في نفسه سبق التنبيه إليه - يريد أن يُشَكِّكَنَا في هذه الحقيقة، فزعم أَوَلاًً أن أكثر النُقَّادِ عَدَّلُوا الصحابة، مع أن النُقَّادَ (جميعاً) عَدَّلُوهُمْ، وزعم ثَانِياًً، أن قليلاً منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، واستشهد بعبارة الغزالي، مع أن الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّادِ الحديث، ولكنهم من ذوي الميول المعروفة في تاريخ الإسلام بالتعصب لبعض الصحابة على البعض الآخر. قال الحافظ الذهبي: «فَأَمَّا الصَحَابَةُ ﵃ فَبِسَاطُهُمْ مَطْوِيٌّ وَإِنْ جَرَى مَا جَرَى ... إِذْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ مَا نَقَلُوهُ العَمَلَ، وَبِهِ نَدِينُ اللهَ تَعَالَى» (١). قال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، ثم قال: «وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ». ثم قال: «وَأَمَّا طَوَائِفُ الرَوَافِضِ وَجَهْلِهِمْ، وَقِلَّةَ عَقْلِهِمْ، وَدَعَاوِيهِمْ أَنَّ الصَحَابَةَ كَفَرُوا إِلاَّ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا - وَسَمَّوْهُمْ - فَهُوَ مِنَ الهَذَيَانِ بِلاَ دَلِيلٍ» (٢).

стр. 272

فأنت ترى أن الذين تكلموا في الصحابة إنما هم أصحاب الفرق المعروفة بميولها السياسية لبعض الصحابة دُونَ بعض، لا من النُقَّادِ الذين وصفهم المؤلف بقوله: «جماعة من العلماء الصادقين، نهضوا لتنقية الحديث مِمَّا أَلَمَّ به، وتمييز جَيِّدِهِ مِنْ رَدِيئِهِ» وزعم المؤلف ثَالِثاًً: أن هذا التعديل كان من أكثر نُقَّادِ الحديث وخاصة المتأخرين منهم، مع أنه لم يُؤْثَرْ عن أحد من المُتَقَدِّمِينَ من أهل العلم من التَّابِعِينَ، فمن بعدهم أنه طعن في صحابي أو ترك الحديث عنه، والغريب أن المؤلف استشهد بعبارة الغزالي في هذا المقام، وعبارته صريحة في أن السلف مُجْمِعُونَ على تعديل الصحابة، وذلك هو قوله: «وَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ» (*) أفلا ترى هذا رداً واضحاً على ما زعمه المؤلف من أن المتأخرين هم أكثر من المُتَقَدِّمِينَ تعديلاً للصحابة؟ هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يكذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟: ولم يكتف المؤلف بهذا، بل زاد على ذلك زعماً آخر، تأكيداً لما رمى إليه من التهوين بشأن الصحابة، وذلك أنه قال بعد ما تقدم (١): «ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضاً موضع النقد، وينزلون بعضاً منزلة أسمى من بعض». إلخ، يريد بذلك أن يعترض على موقف (أكثر) النُقَّادِ من عدالة الصحابة، وَيُبَيِّنُ ألاََّّ مجال لهذا التعديل على الإطلاق، فقد كان الصحابة يشك بعضهم في صدق بعض، وَضَعَ بعضهم بعضاً موضع النقد، ودلل على ذلك بثلاثة أمور: ١ - ما نقله من نقد ابن عباس، وعائشة لأبي هريرة. ٢ - ما سبق أن ذكره من أن بعض الصحابة كان إذا رُويَ له حديث طلب من المُحَدِّثِ دليلاً على صدقه. ٣ - ما حصل بين عمر وفاطمة بنت قيس. وإليك ما يرد استدلاله بهذه الأدلة الثلاثة، ويجعل دعواه عرجاء لا سند لها من التاريخ.

стр. 273

أما أن الصحابة كان يشك في صدق بعض فهذه دعوى لا برهان لها إلا في كتب الروافض من غُلاَةِ الشِيعَة الذين نقلوا عن عَلِيٍّ ﵁ تكذيبه لمن خالفه من الصحابة وسبه لهم، وإطلاق لسانه فيهم، ولكن النقل الصحيح والتاريخ النزيه عن أهواء ذوي الغايات، يثبت ببيان لا غموض فيه أن الصحابة كانوا أبعد الناس عن أَنْ يَسُبَّ بعضهم بعضاً، أو يشك بعضهم في صدق بعض والأدلة على هذا متوافرة جِدًّا، فقد كان الصحابي إذا سمع من صحابي آخر حَدِيثًا صَدَّقَ به ولم يخالجه الشك في صدقه، وأسنده إلى الرسول كما لو كان سمعه بنفسه. وقدمنا لك القول عن مرسل الصحابي، وذكرنا لك قول أنس: «لَمْ يَكُنْ يُكَذِّبُ بَعْضُنَا بَعْضًا» وقول البراء: «مَا كُلُّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُهُ عَنْهُ» مِمَّا يدلك على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين. ١ - وأما ما نقله من رَدِّ عائشة وابن عباس على أبي هريرة فنرجىء الحديث فيه إلى الكلام عن أبي هريرة ﵁. ٢ - وأما طلب بعض الصحابة دليلاً على صدق الحديث، فهو يشير بذلك إلى ما سبق أن ذكرناه في بحث موقف الصحابة مِنَ السُنَّةِ من طلب أبي بكر من المُغيرة من يشهد معه، وطلب عمر من أبي موسى من يشهد معه، وَبَيَنَّا هنا الحكمة التي رمى إليها كل من أبي بكر وعمر في هذين الموقفين، وأثبتا أنهما قَبِلاَ أخبار بعض الصحابة دُونَ أن يطلبا شاهداً آخر، وأن ذلك كان عادتهما التي درجا عليها في قبول الأخبار، ولم يَشُذَّا عنها إلا في مواقف خاصة رميا منها إلى تعليم المُسْلِمِينَ التثبت في الحديث، وكيف يكون عمر شَاكًّا في صدق أبي موسى وهو الذي يقول له: «[أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ]، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْْ لاَ يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْحَدِيثِ عَلَى الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ » ثم انظر إلى ما رواه " مسلم " من أن أُبَيّاً عاتب عمر على موقفه من أبي موسى وقال له: «لاَ تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » أَلاَ ترى في هذا العتاب الشديد دليلاً على أَنَّ عمر وقف من أحد الصحابة موقفاً لم يكن مألوفاً لديهم.

стр. 274

٣ - وأما موقف عمر من فاطمة بنت قيس فقد قال المؤلف عن ذلك (١): «وكالذي روي أن فاطمة بنت قيس رَوَتْ أن زوجها طَلَّقَ فَبَتَّ الطلاق فلم يجعل رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، وقال لها: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى»، فردها أمير الؤمنين عمر قائلاً. لا نترك كتاب ربنا وسُنَّةَ نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت لها عائشة: أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ ... الخ». هذا الحديث مروي في أكثر كتب السُنّة، ومعروف عند الفقهاء، والبحث فيه من وجوه: أَوَلاًً - أن الصحابة كا نوا يتفاوتون في الفهم والدقة في الاستنباط، كما كانت لبعضهم ظروف خاصة يعامله بها الرسول فيحكيها للناس على أنها حكم عام، فيقع بينهم نقاش علمي محض، لا مدخل فيه للنقد المبني على الريبة في الصدق، ولا أثر فيه للتصديق أو التكذيب، فهذا يروي حَدِيثًا فيراه الآخر منسوخاً أو مخصوصاً أو مُقَيَّداً، وهذا يُحَدِّث بحديث فيراه الآخر خَاصًّاً بمن حكم له الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لظروف خاصة به، وهذا يذكر خبراً فيذكره الآخر على وجه آخر ويحكم عليه بأنه وَهِمَ فيه أو نَسِيَ، أو نقص منه أو ما أشبه ذلك، فكل ما ورد في الآثارعن الصحابة في رَدِّ بعضهم على بعض، واستدراك صحابي على آخر، مَرَدُّهُ إلى ما ذكرناه، وليس معناه تكذيباً من فريق لفريق. ثَانِياًً - إن قول عمر «لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ " ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " مَعْزُواً إلى " صحيح مسلم "، وليس في " مسلم " إلا " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ " وقد نَبَّهَ شارح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " إلى هذا فقال: «وَالمَحْفُوظُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ" " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ "». اهـ.

стр. 275

وإن تعجب فعجبك من صاحب " فجر الإسلام " بعد أن نقل هذا الحديث بهذا اللفظ قال في الهامش: «انظر " شرح النووي على مسلم " وشرح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ ". وبالرجوع إلى " شرح النووي " لم نجد فيه ذكراً لقوله «صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» وبالرجوع إلى " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " نجده قد نص على أن هذه الزيادة التي ذكرها صاحب " المُسَلَّمِ " ليست واردة في " صحيح مسلم ". على أن المؤلف يعلم أن " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " ليس من كتب السُنَّةِ ولا يرجع إليه في معرفة حديث رسول الله، وقد تابع فيه غيره من الفقهاء والأصوليين بدون تثبت ورجوع إلى كتب الحديث، وقد كان من واجب المؤلف وهو يؤرخ تدوين الحديث أن يرجع في نصوصه إلى مصادره الأصلية، فلا ينقل نصاً إلا من هذه المصادر، كما أن من واجبه، وهو عالم أن يَتَحَلَّى بصفة العلماء وهي الأمانة في النقل والتثبت فيه، فلا ينقل نصاً إلا بعد تثبته منه واطمئنانه إلى أنه وارد وصحيح، ولكنه لم يفعل ذلك، فلا هو رجع إلى كتب الحديث ولا هو كان أميناً في الإحالة إلى كتب الحديث وكتب الأصول، بل أحال النص" المكذوب " إلى "شرح النووي" وشرح "مسلم الثبوت ". ولا ندري هل كان يظن أن قراءه يكتفون منه بادعاء وجوده في هذين المصدرين فيطمئنون؟ أم يرتابون في ذلك ويبحثون؟ ثَالِثاًً - على فرض صحة هذه العبارة - وهو ما لم يثبت حتى الآن - فكان ينبغي له حمل كلمة «كَذَبَتْ» على الخطأ، وحمل كلمة «صَدَقَتْ» على الصواب، وقد قال ابن حجر: «إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يُطْلِقُونَ «الكَذِبَ» عَلَى الخَطَأِ». اهـ. رَابِعاًً - إنما رَدَّ عُمَرُ خبر فاطمة، لأنه وجده متعارضاً مع ما صَحَّ عنده من الكِتَابِ وَالسُنَّةُ، ومن المعلوم أن الخبرين إذا تعارضا يصار إلى الأقوى منهما، ومدلول الكتاب أقوى من مدلول السُنَّةِ بيقين، فلا جَرَمَ أن كان متعينا على عمر ترك خبرها والأخذ بما قام عنده من الأدلة، واعتذر عنها بأنها لعلها نسيت فأخبرت بما أخبرت، وليس في هذا تشكيك ولا طعن. خَامِساًً - إن قول عائشة: «أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ» إنما كان بناء على ما علمته من أن الرسول لم يحكم لها بالنفقة والسكنى لعارض لها خاصة، لا أنه حكم عام في كل مُطَلَّقَةٍ مَبْتُوتَةٍ، فلما رأتها تُحَدِّثُ الناسَ بما حكم لها الرسول على أنه حكم عام

стр. 276

نَبَّهَتْهَا إلى هذه الحقيقة، وَأَفهَمَتْهَا أن الحُكْمَ خاص بها. وقد ثبت في " مسلم ": أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلاَثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: «فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ»، وأكد هذا ما جاء في بعض روايات " البخاري " أن عائشة قالت: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الحَدِيثِ»، «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ [وَحْشٍ] (*)، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ » (١). والذي اتضح لنا بعد أن رددنا شُبَهَ المؤلف واحدة بعد أخرى، أنه لم ينفع من الصحابة شك ولا نقد قائم على التكذيب من فريق نحو فريق، وكل ما أثر عنهم - مِمَّا ذكره المؤلف وما لم يذكره - لا يخرج عن كونه نقاشاً علمياً في فهم الحديث، أو يكون تعليماً للجيل الناشئ لينشأ على ما كان عليه الصحابة من التَحَرِّي وَالتَثَبُّتِ، وكل ذلك يدل على حرصهم على الحق، وإخلاصهم للعلم، واهتمامهم بحديث رسول الله ﷺ ، وتأديته إلى الأُمَّةِ من بعدهم خالياً من اللُبْسِ والوهم، فرضي الله عن هذا الجيل الممتاز في تاريخ الإنسانية وجزاهم عنا أكمل الجزاء. اخْتِلاَفُ العُلَمَاءِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ: قال المؤلف في [ص ٢٦٦]: «وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فَأَهْلُ السُنَّةِ يُجَرِّحُون كثيراً من الشِيعَة حتى إنهم نَصُّوا على أنه لايصح أنْ يروى عن عَلِيٍّ ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح أنْ يُرْوَى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود، وكذلك كان موقف الشِيعَة من أَهْلِ السُنَّةِ، فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشِيعَةُ عن أهل البيت، وهكذا. ونشأ عن هذا أنَّ من يُعدِّلُهُ قوم قد يُجَرِّحُهُ آخرون، قال الذهبي: «لَمْ يَجْتَمِعْ اثْنَانِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ عَلَى تَوْثِيقِ ضَعِيفٍ وَلاَ عَلَى تَضْعَيفِ ثِقَةٍ» ومع ما في قوله هذا من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريح والتعديل، ولنضرب لك مثلاً محمد بن إسحاق - أكبر مُؤَرِّخٍ في حوادث الإسلام الأولى - قال فيه

стр. 277

قتادة: «لاَ يَزَالُ فِي النَّاسِ عِلْمٌ مَا عَاشَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ»، وقال النسائي: «لَيْسَ بِالقَوِيِّ»، وقال سفيان: «مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَتَّهِمُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، وقال الدارقطني: «لاَ يُحْتَجُّ بِهِ وَبِأَبِيهِ»، وقال مالك: «أَشْهَدُ أَنَّهُ كَذَّابٌ ... ». والكلام هنا في موضعين: الأول: - في قواعد الجرح والتعديل. والثاني: - في عبارة الذهبي، والآراء في محمد بن إسحاق. أما الموضع الأول، فقد أجمل المؤلف الكلام هنا عن قواعد الجرح والتعديل كما أجمل الكلام عن أثر االاختلاف المذهبي وأوهم ظاهر قوله: «وَنَشَأَ عَنْ هَذَا أَنَّ مَنْ يُعَدِّلُهُ ... إلخ»، أن منشأ الاختلاف في التجريح والتعديل هو الاختلاف المذهبي. وتفصيل الكلام أن الاختلاف في التجريح والتعديل، إما أن يكون فيما بين أَهْلَ السُنَّةِ بعضهم مع بعض، أو بين أهل السُنَّة وبين من خالفهم من الفرق الأخرى. أما الاختلاف فيما بين أَهْلَ السُنَّةِ، فمنشؤه تباين الأنظار في صدق الراوي وكذبه، وعدالته وفسقه، وحفظه ونسيانه. وأما الاختلاف بين أَهْلَ السُنَّةِ وغيرهم فليس ناشئاً عن تباين المذاهب بل إن أهل السُنَّة كما قدمناه - في بحث الجرح والتعديل - لا يُجَرِّحُونَ مخالفهم إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر، أو وقوع في صحابة رسول الله، أو كان داعية إلى بدعته، أو لم يكن داعية ولكن حديثه موافق لما يدعو إليه، ويرون في ذلك كله ما يشكك في صدقه وأمانته، فالخلاف في التجريح بين أهل السُنَّة وغيرهم راجع في الحقيقة إلى الشك بصدق الراوي أو الثقة به لا إلى مجرد الخلاف المذهبي، ولهذا أخرجت كُتُبُ السُنَّة وفي مقدمتها " الصحيحان " لجماعة من المبتدعة الذين دَلَّ تاريخهم على أنهم لا يكذبون، كعِمران بن حطان الخارجي، وأبان بن تغلب الشيعي، قال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة أبان بن تغلب: «شِيعِيٌّ جَلِدٌ، فَلَنَا صِدْقُهُ، وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ».

стр. 278

أما إن أهل السُنَّة لا يقبلون رواية أصحاب عَلِيٍّ عنه فذلك لأنهم أفسدوا علمه وَدَسُّوا عليه آراء لم يذهب إليها وَقََوَّلُوهُ ما لم يقله، وقد روي عَنْ [أَبِي] إِسْحَاقَ (*)، قَالَ: «لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟» فلما فشا عليه الكذب بين أصحابه تركوا روايتهم احتياطاً وتثبُّتاً. وبهذا تعلم ما في عبارة المصنف من إجمال وغموض فضلاً عما فيها من إيهام أن الاختلاف في التجريح والتعديل منشؤه الاختلاف المذهبي فحسب. أما الموضع الثاني فهو قوله: «ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّلُهُ قوم يُجَرِّحُهُ آخرون» واستشهد بعبارة الذهبي وساق دليلاً على ذلك خلافهم في محمد بن إسحاق وها هنا أخطاء متلاحقة. أَوَلاًً - إن تمثيله لأثر الاختلاف المذهبي بالاختلاف في أمر ابن إسحاق غير صحيح، فإن الاختلاف في أمره ليس ناشئاً عن اختلاف مذهبي، فإن محمد بن إسحاق من أهل السُنَّة، والذين اختلفوا فيه جميعاً من أهل السُنَّة، فلا يصح التمثيل في هذا المقام. ثَانِياًً - إنه فهم عبارة الذهبي على غير ما تؤدي إليه، وعلى غير ما أرادها الذهبي نفسه، فقد فهمها المؤلف على أنها دليل على شِدَّةِ اختلاف الأنظار، وأن معناها لم يتفق اثنان على توثيق رجل ولا على تضعيفه، بل من يوثقه هذا يُجَرِّحُهُ ذاك، والعكس بالعكس، ولكن المتأمل في عبارة الذهبي أدنى تأمل، يفهم منها خلاف ما فهمه المؤلف تماما، فالذهبي يريد أن يقول: إن علماء هذا الشأن متثبتون في نقد الرجال، فلم يقع منهم أن اختلفوا في توثيق رجل اشتهر بالضعف، ولا في تضعيف رجل عرف بالتثبت والصدق، وإنما يختلفون فيمن لم يكن مشهوراً بالضعف أو التثبت وحاصله أنهم لا يذكرون الرجل إلا بما فيه حقيقة. أَلاَ ترى

стр. 279

إلى قوله: توثيق (ضَعِيفٍ) وتضعيف (ثِقَةٍ) ولو كان مراده كما فهم المؤلف لقال: لم يجتمع اثنان على توثيق رَاوٍ ولا على تضعيفه (١). ثَالِثاًً - إن الخلاف في محمد بن إسحاق ليس فيه تأييد لعبارة الذهبي بل هو وارد عليها مورد الاعتراض وأصل المسالة، أن صاحب "مسلم الثبوت " بعد آن ذكر عبارة الذهبي اعترض عليه الشارح بأن هذا التعميم غير صحيح، والاستقراء ليس تاماً فقد اختلفوا مثلاً في محمد بن إسحاق وذكر أقوال العلماء فيه بين تعديل وتجريح ثم قال: «فانظر فإن كان هو ثقة فقد اجتمع أكثر من اثنين على تضعيفه. وإن كان ضعيفاً فقد اجتمع أكثر من اثنين على توثيقه» ولكن المؤلف لم يعجبه فهم الشارح ولا فهم صاحب "المُسَلَّمِ " ولا مراد الذهبي نفسه، بل ساق ما قيل في ابن إسحاق تَأْكِيدًا، لما حاول فهمه من عبارة الذهبي، فانظر هل هو في الحقيقة لم يفهم عبارة الذهبي، ولم يفهم عبارة الشارح، ولم يفهم أن ما قيل في ابن إسحاق اعتراض على ما يُسْتَفَادُ من عموم عبارة الذهبي، أو هو فهم ذلك كله، لكنه تجاهله وَحَمَّلَ عبارة الذهبي عكس ما تحتمله ليصل من ذلك كله إلى تهوين أمر علماء الجرح والتعديل، وإفهام القارىء أنهم مضطربون متناقضون، وأنهم في أحكامهم على الرُوَاةِ يصدرون عن تباينهم في النزعات والمذاهب، وأن أي رَاوٍ وَثَّقَهُ أحد أئمة الحديث، هنالك من يُضَعِّفُهُ غالباً، فلسنا ملزمين بان نقبل حَدِيثًا اعتبر البخاري - مثلاً - حال رواته ووثَّقَهُم؟ أنظر في هذا وتأمله. قَوَاعِدُ النَّقْدِ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ: وقال في [ص ٢٦٦] أيضاًً: «وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس

стр. 280

هنا محل ذكرها. ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مِمَّا عنوا بنقد المتن، فَقَلَّ أن نظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النَّبِيّ ﷺ لا يتفق والظروف الي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبِيّ، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بِعُشْرِ مِعْشَارِ ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه - على جليل قدره ودقيق بحثه - يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة، لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ [مِنْ عَجْوَةً] لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». وهذا الكلام تضمن أمرين: الأول: - نقد القواعد التي وضعها العلماء لنقد الحديث. والئاني: - نقد حديثين وردا في " صحيح البخاري "، تمشياً مع القواعد الجديدة التي وضعها للنقد. أَوَلاًً: قَوَاعِدُ العُلَمَاءِ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ: نبحث هذا الأمر لنرى هل قََصَّرَ العُلَمَاءُ في نقد المتن؟ وهل كان هناك مجال للتوسع في النقد أكثر مِمَّا فعلوه؟ إذا أخبرك رجل عن آخَرَ خَبَرًا، كان أول ما يسبق إلى خاطرك، أن تستوثق من صِدْقِ المُخْبِرِ، بالنظر في حاله وأمانته ومعاملته وغير ذلك، فإذا استوثقت منه نظرت بعد ذلك في الخبر نفسه، وعرضته على ما تعرف عن صاحبه من أقرال وأحوال، فإذا اتفق مع ما تعلمه من ذلك، لم تشك بصدق المُخْبِرِ والاطمئنان إليه، وإلا كان لك أن تتوقف في قبول الخبر لا لريبة في المُخْبِرِ - فأنت واثق من صدقه - بل لشبهة رأيتها في الخبر نفسه، ويصح أن يكون مرجعها وَهُمًا أو نسياناً من المُخْبِرِ، كما يصح أن ترجع إلى سِرٍّ في الأمر لم تتبينه، فلعل في مستقبل الزمن ما يكشف السِرَّ ويوضح لك ما غاب عنك، فإذا أنت لم تقتصر على التوقف في الخبر في هذه الحالة، بل حكمت بكذبه، كان ذلك افتئاتاً منك على من أخبرك، ونقضاً لما أبرمته، إذ كذبت المُخْبِرَ وأنت له مُصَدِّقٌ وبه واثق.

стр. 281

ذلك مثل لموقف العلماء مِمَّا وجدوه بين أيديهم من حديث رسول الله ﷺ ، فقد كان نقدهم لِلْسُنَّةِ على خطوتين: الأولى نقد السند، والثانية نقد المتن. أما السند فقد قدمنا لك ما اشترطوا في الراوي من العدالة والضبط والحفظ والسماع في كل رَاوٍ في السلسلة إلى أن يصل إلى الصحابي، ونعتقد أن المؤلف ومن سبقه من المُسْتَشْرِقِينَ لا يستطيعون أن يتهموا علماءنا بالتفريط في نقد حال الرُوَاة، ووضع الشروط الدقيقة لقبول أخبارهم، فهم مجمعون معنا على أن علماءنا ﵏ بلغوا في ذلك الشوط الذي ليس بعده غاية، ولا وراءه مطمع لناقد أو متثبت. أما المتن فقد تقدم لك ما يرشدك إلى القواعد التي وضعوها لنقده وأهمها: ١ - ألاََّّ يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله بليغ أو فصيح. ٢ - ألاََّّ يكون مخالفاً لبدهيات العقول، بحيث لا يمكن تأويله. ٣ - ألاََّّ يخالف القواعد العامة في الحِكَمِ والأخلاق. ٤ - ألاََّّ يكون مخالفًا للحس والمشاهدة. ٥ - ألاََّّ يخالف البدهي في الطب والحكمة. ٦ - ألاََّّ يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع. ٧ - ألاََّّ يخالف العقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله. ٨ - ألاََّّ يكون مخالفاً لسنة الله في الكون والإنسان. ٩ - ألاََّّ يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء. ١٠ - ألاََّّ يخالف القرآن أو مُحْكَمَ السُنَّةِ أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة، بحيث لا يحتمل التأويل. ١١ - ألاََّّ يكون مخالفاً للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر إلنبي ﷺ .

стр. 282

١٢ - أن لا يوافق مذهب الراوي الداعية إلى مذهبه. ١٣ - ألاَّ يخبر عن أمر وقع بمشهد عظيم ثم ينفرد رَاوٍ وَاحِدٌ بروايته. ١٤ - ألاَّ يكون ناشئا عن باعث نفسي، حمل الراوي على روايته. ١٥ - ألاَّ يشتمل على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير. على هذه الأسس الرصينة المحكمة جَرَّدُوا أنفسهم لنقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها، ولا شك أنها أسس سليمة لا يستطيع المنصف أن يكابر في قوتها وعمقها وكفايتها، ولم يكتف علماؤنا بهذا، بل نقدوا المتن بعد سلامته من العلل السابقة كلها، نقدوه من ناحية اضطرابه أو شذوذه أو إعلاله، كما بحثوا فيما يمكن أن يقع فيه من قلب أو غلط أو إدراج (١)، ولكل ذلك أمثلة وشواهد مَحَلُّهَا كُتُبَ القوم ﵏. ومع ذلك التدقيق الشديد والاعتناء البالغ، فقد قالوا باحتمال أَلاَّ تكون هذه الأحاديث صحيحة في نفس الأمر إذا كانت أحاديث آحاد - وإن كان هذا الاحتمال في منتهى الضُعف والبُعد - وقالوا باحتمال وَهْمِ الراوي وَنِسْيَانِه - وإن كنا لم نطلع عليه - ولهذه الاحتمالات قال الجمهور: إن أحاديث الآحاد تفيد الظن مع وجوب العمل بها، وهذا لعمري غاية الاحتياط في دين الله وغاية الاحتياط في إثبات الحقائق العلمية.

стр. 283

كل هذا الاحتياط وهذه الشدة في النقد لم تعجب مؤلف " فجر الإسلام " لأنها لم تعجب أساتيذه المُسْتَشْرِقِينَ فانتقدها بما ذكرناه في صدد هذا البحث، وزعم أنه كان عليهم أن يُحَقِّقُوا حين النقد في المسائل الآتية: ١ - هل يتفق ما نسب إلى النَّبِيّمع الظروف التي قيلت فيه؟ ٢ - وهل الحوادث التاريخيه تؤيده؟ ٣ - وهل هذا الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبِيّ؟ ٤ - هل الحديت أشبه في شروطه وقيوده بمتن الفقه؟ وزاد في " ضُحى الإسلام ": (٢/ ١٣٠ - ١٣١) النواحي الآتية: ٥ - هل ينطبق الحديث على الواقع أم لا؟ ٦ - هل هنالك باعث سياسي للوضع؟ ٧ - هل يتمشى الحديث مع البيئة التي حكي فيها أم لا؟ ٨ - هل هنالك باعث نفسي يحمل الراوي على الوضع أم لا؟ هذه هي القواعد الجديدة التي وضعها مؤلف " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " لنقد المتن وزعم أنها فاتت علماءنا، ولو تنبهوا لها لانْكَشَفَ لهم حال أحاديث كثيرة حكموا بصحتها، وهي في الواقع - على زعمه - موضوعة. ومَثَّلَ لِذَلِكَ في " فجر الإسلام " بحديثين في " البخاري " ومَثَّلَ في " ضُحَى الإِسْلاَمِ " بحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» وقال: إنهم لم يتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة رغم زعم أبي هريرة، أنه جَرَّبَهَا فأدت إلى الشفاء. ولكن المؤلف اعترف أخيراً بأنه قد رويت لهم أشياء من النقد النفسي، مثل نقد ابن عمر لأبي هريرة في زيادة «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» في الحديث «بِِأَنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». تعال بنا، ننظر زعمه من مقاييس جديدة، ولننظر في أمثلتها التي اختارها لنرى إلى أي مدى كان المؤلف مُوَفَّقاً؟

стр. 284

١ - أما أنهم لم يحققوا فيما نسب إلى النَّبِيّ، هل يتفق والظروف التي قيلت فيه أم لا؟. فقد رأيت عدم صحة هذا الزعم، بل إنهم جعلوا ذلك من أسس نقد المتن، وَمَثَّلْنَا ذلك فيما مضى بحديث الحَمَّامِ، حيث رَدَّهُ العلماء بأن النَّبِيّلم يدخل حَمَّاماً قط، وأن الحجاز في عصر النَّبِيّلم تكن تعرف الحَمَّامَات. ٢ - وأما أن الحوادث التاريخية تُؤَيِّدُهُ أَوْ تُكَذِّبُهُ، فقد رأيت أنهم عَدُّوا ذلك من علائم الوضع أيضاًً، وَمَثَّلُوا لَهُ في رَدِّهِمْ لحديث وضع الجزية على أهل خيبر، فقد رده العلماء بأن الحوادث التاريخية ترده، ورأيت كيف استعملوا التاريخ لكشف كذب الرُوَاةِ في لُقْيَاهُمْ الشيوخ. ٣ - وأما كون الحديث نوعًا من التعبير الفلسفي يخالف المألوف من كلام النَّبِيّ، فإن ذلك داخل تحت بحث «ركاكة اللفظ» وضابطه أن تقطع بأن النَّبِيّلا يقول مثل هذا الكلام، ونقلنا لك قَوْلُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ [وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ] يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ» وحيث كانوا كذلك فمن السهل عليهم أن يَرُدُّوا حَدِيثًا فلسفياً لم يكن مألوفاً من النَّبِيّأن يقول مثله، ونحن نتحدى المؤلف أن ينقل لنا حَدِيثًا واحداً صَحَّحَهُ أَئِمَّتُنَا، وكان من هذا النوع. ٤ - وأما أن الحديث أشبه بشروطه وقيوده بمتن الفقه، فقد رأيت كيف اشترطوا ألا يكون المروي موافقاً لمذهب الراوي المتعصب، وقد رَدُّوا أحاديث كثيرة في العقائد، لأنها تؤيد مذاهب الرُوَاةِ، وكذلك رَدُّوا أحاديث في الفقه كثيرة للسبب نفسه، مثل: «الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلاَثًا فَرِيضَةً»، ومثل: «إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ غُسِلَ الثَّوْبُ وَأُعِيدَتِ الصَّلاَةُ» وأمثال هذه الأحاديث التي حكم عليها العلماء بالوضع كثيرة. انظر " نصب الراية "، و"موضوعات ابن الجوزي " و"اللآلئ المصنوعة " للسيوطي. ٥ - وأما أن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟ فقد ذكروا ذلك، كما رأيت، ومن أجله رَدُّوا أحاديث كثيرة منها «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ»، لأنه يخالف الواقع المشاهد، فإن أكثر الأئمة وأشهرهم ذكراً مِمَّنْ ولدوا

стр. 285

بعد القرن الأول الهجري. ومنها «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ومنها «عَلَيْكُمْ بِالْعَدْسِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ يُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الدَّمْعَةَ» قالوا: هذان حَدِيثًان باطلان لمخالفتهما للواقع المعروف في عالم الطب وتجربة الناس. ٦ - أما أنه هل هناك باعث سياسي للوضع؟ فقد رأيت أنهم نصوا على رواية ذوي المذاهب والأهواء المُتَعَصِّبِينَ، وبذلك رفضوا أحاديث غُلاَةِ الشِيعَةِ فِي عَلِيٍّ. وَغُلاَةِ البكرية في أبي بكر. وَغُلاَةِ العثمانية في عثمان، والمتعصبين للأمويين في بني أمية. والمتعصبين للعباسيين في بني العباس، وقد رأيت أنهم تنبهوا إلى أن الخلافات السياسية من أهم عوامل الوضع، فتتبعوا الأحاديث في ذلك ونقدوها نقداً شديداً. وكان ما قبلوه منها - بعد النقد والتمحيص - أقل بكثير مِمَّا رفضوه. ٧ - وأما أنه هل يتمشى الحديث مع البيئة التي قيل فيها أم لا؟ فقد نصوا على ذلك وَرَدُّوا من أجله أحاديث متعددة: منها «رَمَدْتُ فَشَكَوْتُ إِلَى جِبْرِيلَ، فَقَالَ لِي: أَدِمْ النَّظَرَ إِلَى المُصْحَفِ». قالوا: لأنه لم يكن على عهد النَّبِيِّ مصحف حتى ينظر فيه. ٨ - وأما أنه هل هنالك باعث نْفسي يحمل على الوضع أم لا؟ فقد رأيت أنهم لم يُغفِلُوا ذلك، بل قالوا: قد يستفاد على الوضع من حال الراوي. ومثَّلُوا لذلك بحديث: «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» فإن راويه كان مِمَّنْ يصنع الهريسة. وحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ... إلخ» فإن راويه سعد بن طريف، قاله حين جاء إليه ابنه يبكي وأخبره أن معلمه ضربه. فها أنت ترى أن كل ما زعم المؤلف استدراكه على علماء الحديث من قواعد في نقد المتن لم يغفلها علماؤنا بل نَصُّوا عليها وذهبوا إلى أبعد منها في وضع القواعد وبها رَدُّوا كثيراً من الأحاديث، ولو رجع المؤلف إلى كتب الموضوعات ودرس ما كتبه علماء المصطلح، وراجع معاجم الجرح والتعديل، لاعترف بأن هؤلاء العلماء كانوا أكثر منه حرصاً على مثل ما ذكره حتى لقد بلغت القواعد التي وضعوها للتعرف على وضع المتن أكثر من خمس عشرة قاعدة كما رأيت.
следующие страницы →