ذلك مثل لموقف العلماء مِمَّا وجدوه بين أيديهم من حديث رسول الله ﷺ ، فقد كان نقدهم لِلْسُنَّةِ على خطوتين: الأولى نقد السند، والثانية نقد المتن.
أما السند فقد قدمنا لك ما اشترطوا في الراوي من العدالة والضبط والحفظ والسماع في كل رَاوٍ في السلسلة إلى أن يصل إلى الصحابي، ونعتقد أن المؤلف ومن سبقه من المُسْتَشْرِقِينَ لا يستطيعون أن يتهموا علماءنا بالتفريط في نقد حال الرُوَاة، ووضع الشروط الدقيقة لقبول أخبارهم، فهم مجمعون معنا على أن علماءنا ﵏ بلغوا في ذلك الشوط الذي ليس بعده غاية، ولا وراءه مطمع لناقد أو متثبت.
أما المتن فقد تقدم لك ما يرشدك إلى القواعد التي وضعوها لنقده وأهمها:
١ - ألاََّّ يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله بليغ أو فصيح.
٢ - ألاََّّ يكون مخالفاً لبدهيات العقول، بحيث لا يمكن تأويله.
٣ - ألاََّّ يخالف القواعد العامة في الحِكَمِ والأخلاق.
٤ - ألاََّّ يكون مخالفًا للحس والمشاهدة.
٥ - ألاََّّ يخالف البدهي في الطب والحكمة.
٦ - ألاََّّ يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع.
٧ - ألاََّّ يخالف العقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله.
٨ - ألاََّّ يكون مخالفاً لسنة الله في الكون والإنسان.
٩ - ألاََّّ يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء.
١٠ - ألاََّّ يخالف القرآن أو مُحْكَمَ السُنَّةِ أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة، بحيث لا يحتمل التأويل.
١١ - ألاََّّ يكون مخالفاً للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر إلنبي ﷺ .
стр. 282
١٢ - أن لا يوافق مذهب الراوي الداعية إلى مذهبه.
١٣ - ألاَّ يخبر عن أمر وقع بمشهد عظيم ثم ينفرد رَاوٍ وَاحِدٌ بروايته.
١٤ - ألاَّ يكون ناشئا عن باعث نفسي، حمل الراوي على روايته.
١٥ - ألاَّ يشتمل على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
على هذه الأسس الرصينة المحكمة جَرَّدُوا أنفسهم لنقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها، ولا شك أنها أسس سليمة لا يستطيع المنصف أن يكابر في قوتها وعمقها وكفايتها، ولم يكتف علماؤنا بهذا، بل نقدوا المتن بعد سلامته من العلل السابقة كلها، نقدوه من ناحية اضطرابه أو شذوذه أو إعلاله، كما بحثوا فيما يمكن أن يقع فيه من قلب أو غلط أو إدراج (١)، ولكل ذلك أمثلة وشواهد مَحَلُّهَا كُتُبَ القوم ﵏.
ومع ذلك التدقيق الشديد والاعتناء البالغ، فقد قالوا باحتمال أَلاَّ تكون هذه الأحاديث صحيحة في نفس الأمر إذا كانت أحاديث آحاد - وإن كان هذا الاحتمال في منتهى الضُعف والبُعد - وقالوا باحتمال وَهْمِ الراوي وَنِسْيَانِه - وإن كنا لم نطلع عليه - ولهذه الاحتمالات قال الجمهور: إن أحاديث الآحاد تفيد الظن مع وجوب العمل بها، وهذا لعمري غاية الاحتياط في دين الله وغاية الاحتياط في إثبات الحقائق العلمية.
стр. 283
كل هذا الاحتياط وهذه الشدة في النقد لم تعجب مؤلف " فجر الإسلام " لأنها لم تعجب أساتيذه المُسْتَشْرِقِينَ فانتقدها بما ذكرناه في صدد هذا البحث، وزعم أنه كان عليهم أن يُحَقِّقُوا حين النقد في المسائل الآتية:
١ - هل يتفق ما نسب إلى النَّبِيّمع الظروف التي قيلت فيه؟
٢ - وهل الحوادث التاريخيه تؤيده؟
٣ - وهل هذا الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبِيّ؟
٤ - هل الحديت أشبه في شروطه وقيوده بمتن الفقه؟ وزاد في " ضُحى الإسلام ": (٢/ ١٣٠ - ١٣١) النواحي الآتية:
٥ - هل ينطبق الحديث على الواقع أم لا؟
٦ - هل هنالك باعث سياسي للوضع؟
٧ - هل يتمشى الحديث مع البيئة التي حكي فيها أم لا؟
٨ - هل هنالك باعث نفسي يحمل الراوي على الوضع أم لا؟
هذه هي القواعد الجديدة التي وضعها مؤلف " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " لنقد المتن وزعم أنها فاتت علماءنا، ولو تنبهوا لها لانْكَشَفَ لهم حال أحاديث كثيرة حكموا بصحتها، وهي في الواقع - على زعمه - موضوعة.
ومَثَّلَ لِذَلِكَ في " فجر الإسلام " بحديثين في " البخاري " ومَثَّلَ في " ضُحَى الإِسْلاَمِ " بحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» وقال: إنهم لم يتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة رغم زعم أبي هريرة، أنه جَرَّبَهَا فأدت إلى الشفاء.
ولكن المؤلف اعترف أخيراً بأنه قد رويت لهم أشياء من النقد النفسي، مثل نقد ابن عمر لأبي هريرة في زيادة «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» في الحديث «بِِأَنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا».
تعال بنا، ننظر زعمه من مقاييس جديدة، ولننظر في أمثلتها التي اختارها لنرى إلى أي مدى كان المؤلف مُوَفَّقاً؟
стр. 284
١ - أما أنهم لم يحققوا فيما نسب إلى النَّبِيّ، هل يتفق والظروف التي قيلت فيه أم لا؟. فقد رأيت عدم صحة هذا الزعم، بل إنهم جعلوا ذلك من أسس نقد المتن، وَمَثَّلْنَا ذلك فيما مضى بحديث الحَمَّامِ، حيث رَدَّهُ العلماء بأن النَّبِيّلم يدخل حَمَّاماً قط، وأن الحجاز في عصر النَّبِيّلم تكن تعرف الحَمَّامَات.
٢ - وأما أن الحوادث التاريخية تُؤَيِّدُهُ أَوْ تُكَذِّبُهُ، فقد رأيت أنهم عَدُّوا ذلك من علائم الوضع أيضاًً، وَمَثَّلُوا لَهُ في رَدِّهِمْ لحديث وضع الجزية على أهل خيبر، فقد رده العلماء بأن الحوادث التاريخية ترده، ورأيت كيف استعملوا التاريخ لكشف كذب الرُوَاةِ في لُقْيَاهُمْ الشيوخ.
٣ - وأما كون الحديث نوعًا من التعبير الفلسفي يخالف المألوف من كلام النَّبِيّ، فإن ذلك داخل تحت بحث «ركاكة اللفظ» وضابطه أن تقطع بأن النَّبِيّلا يقول مثل هذا الكلام، ونقلنا لك قَوْلُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ [وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ] يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ» وحيث كانوا كذلك فمن السهل عليهم أن يَرُدُّوا حَدِيثًا فلسفياً لم يكن مألوفاً من النَّبِيّأن يقول مثله، ونحن نتحدى المؤلف أن ينقل لنا حَدِيثًا واحداً صَحَّحَهُ أَئِمَّتُنَا، وكان من هذا النوع.
٤ - وأما أن الحديث أشبه بشروطه وقيوده بمتن الفقه، فقد رأيت كيف اشترطوا ألا يكون المروي موافقاً لمذهب الراوي المتعصب، وقد رَدُّوا أحاديث كثيرة في العقائد، لأنها تؤيد مذاهب الرُوَاةِ، وكذلك رَدُّوا أحاديث في الفقه كثيرة للسبب نفسه، مثل: «الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلاَثًا فَرِيضَةً»، ومثل: «إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ غُسِلَ الثَّوْبُ وَأُعِيدَتِ الصَّلاَةُ» وأمثال هذه الأحاديث التي حكم عليها العلماء بالوضع كثيرة. انظر " نصب الراية "، و"موضوعات ابن الجوزي " و"اللآلئ المصنوعة " للسيوطي.
٥ - وأما أن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟ فقد ذكروا ذلك، كما رأيت، ومن أجله رَدُّوا أحاديث كثيرة منها «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ»، لأنه يخالف الواقع المشاهد، فإن أكثر الأئمة وأشهرهم ذكراً مِمَّنْ ولدوا
стр. 285
بعد القرن الأول الهجري. ومنها «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ومنها «عَلَيْكُمْ بِالْعَدْسِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ يُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الدَّمْعَةَ» قالوا: هذان حَدِيثًان باطلان لمخالفتهما للواقع المعروف في عالم الطب وتجربة الناس.
٦ - أما أنه هل هناك باعث سياسي للوضع؟ فقد رأيت أنهم نصوا على رواية ذوي المذاهب والأهواء المُتَعَصِّبِينَ، وبذلك رفضوا أحاديث غُلاَةِ الشِيعَةِ فِي عَلِيٍّ. وَغُلاَةِ البكرية في أبي بكر. وَغُلاَةِ العثمانية في عثمان، والمتعصبين للأمويين في بني أمية. والمتعصبين للعباسيين في بني العباس، وقد رأيت أنهم تنبهوا إلى أن الخلافات السياسية من أهم عوامل الوضع، فتتبعوا الأحاديث في ذلك ونقدوها نقداً شديداً. وكان ما قبلوه منها - بعد النقد والتمحيص - أقل بكثير مِمَّا رفضوه.
٧ - وأما أنه هل يتمشى الحديث مع البيئة التي قيل فيها أم لا؟
فقد نصوا على ذلك وَرَدُّوا من أجله أحاديث متعددة:
منها «رَمَدْتُ فَشَكَوْتُ إِلَى جِبْرِيلَ، فَقَالَ لِي: أَدِمْ النَّظَرَ إِلَى المُصْحَفِ». قالوا: لأنه لم يكن على عهد النَّبِيِّ مصحف حتى ينظر فيه.
٨ - وأما أنه هل هنالك باعث نْفسي يحمل على الوضع أم لا؟ فقد رأيت أنهم لم يُغفِلُوا ذلك، بل قالوا: قد يستفاد على الوضع من حال الراوي. ومثَّلُوا لذلك بحديث: «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» فإن راويه كان مِمَّنْ يصنع الهريسة. وحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ... إلخ» فإن راويه سعد بن طريف، قاله حين جاء إليه ابنه يبكي وأخبره أن معلمه ضربه.
فها أنت ترى أن كل ما زعم المؤلف استدراكه على علماء الحديث من قواعد في نقد المتن لم يغفلها علماؤنا بل نَصُّوا عليها وذهبوا إلى أبعد منها في وضع القواعد وبها رَدُّوا كثيراً من الأحاديث، ولو رجع المؤلف إلى كتب الموضوعات ودرس ما كتبه علماء المصطلح، وراجع معاجم الجرح والتعديل، لاعترف بأن هؤلاء العلماء كانوا أكثر منه حرصاً على مثل ما ذكره حتى لقد بلغت القواعد التي وضعوها للتعرف على وضع المتن أكثر من خمس عشرة قاعدة كما رأيت.
стр. 286
نَعَمْ إن العلماء ﵏ لم يستعملوا تلك المقاييس إِلاَّ في النطاق الذي لا بد منه، فلم يَرُدُّوا حَدِيثًا إلا بعد تعذر التأويل، بحيث يتحقق فيه على وجه التأكيد فَقْدَ شَرْطٍ من شروط الصحة، ووجود علامة من علامات الوضع. وقد جعلوا عمدتهم الأولى نقد السند، وبه أزاحوا من طريق السُنَّةِ، آلافاً بل عشرات الألوف من الأحاديث المكذوبة، ثم نقدوا المتن في الحدود التي ذكرناها على نطاق ضيق، إذ كانوا متثبتين لا يلقون الكلام على عواهنه، ولا يجازفون في دين الله بالهوى والعاطفة، وبذلك سلموا مِمَّا وقع فيه المؤلف من أخطاء شنيعة حين أراد أن يستعمل تلك المقاييس بدون تثبت وحيطة، وحسن توجيه، فحكم بوضع أحاديث صحيحة لا غبار عليها كما سترى.
وعذر العلماء ﵏ واضح فيما فعلوه، ذلك أنهم إنما يبحثون في أحاديث تنسب إلى النَّبِيّ ﷺ ، وللنبي ظروف خاصة به، تجعل مقياس النقد في حديثه أدق وأصعب من مقياس النقد في أحاديث الناس، لأنه رسول يتلقى الوحي من الله، أوتي جوامع الكلم، وأعطي سلطة التشريع، وأحاط من أسرار الغيب بما لم يحط به إنسان عادي، فلا مانع يمنع عقلاً من أن يقول حَدِيثًا يعلو عن أفهام الناس في عصره، فيكون أشبه بالتعريف الفلسفي لعصور تبلغ فيه الفلسفة مداها، ولا مانع عقلاً من أن يضع للناس أحكام المعاملات بألفاظ موجزة هي أشبه ما تكون بألفاظ القوانين، فإذا قال لنا: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقََا» وإذا قال: «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا» وإذا قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». كان ذلك في حدود السلطة التي أعطيت له في جو البلاغة التي عرف بها فلا يصح أن يستبعد منه مثل تلك الأقوال القانونية بِحُجَّةِ أنها أشبه ما تكون بمتون الفقه، إذ ماذا كان ينبغي أن يقول لو لم يستعمل هذه الألفاظ العربية الفصيحة لمدلولاتها الصريحة، وإذا جاء الفقهاء بعد ذلك فأخذوها بألفاظها ووضعوها في متونهم، أيقال: إن هذه الأحاديث أشبه ما تكون بمتون الفقه، ومثل ذلك ما أخبر به من خواص بعض النباتات أوالثمار، فقد يكون ذلك من إعجاز النبوة لتعطي الناس في كل عصر دليلاً على صدقها، فإذا لم يكتشف
стр. 287
الناس في عصرٍ سِرَّ ما أخبر به الرسول، لا يكون ذلك دليلاً على كذب الحديث ووضعه، ومن هنا ضَيَّقَ علماؤنا دائرة نقد المتن بمقدار ما وَسَّعُوا في دائرة نقد السند، لأن الذين ينقد حالهم في السند رجال يَجْرِي عليهم من القوانين ما يَجْرِي على الناس جميعاً، أما المتن فإنه كلام ينسب إلى من هو فوق البشرية في علومه ومعارفه واستعداده.
فقد يخرج كلامه مخرج المجاز لا الحقيقة - كما فعل القرآن كثيراً - فَيَتَوَهَّمُ من ينظر فيه لأول مَرَّةٍ أَنَّهُ غير صحيح، بينما المراد منه غير حقيقته اللغوية التي تتبادر إلى الذهن.
وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن المغيبات الي تقع في مسقبل الزمان، ولم يكن - وقت النقد - قد حان زمان تحققها، فلا يصح التسرع في الإنكار. وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن حقائق علمية لم تكتشف في عصر الرسالة ولا في عصور الناقدين، وإنما تكتشف فيما بعد كحديث «وُلُوغِ الكَلْبِ فِي الإِنَاءِ»، فقد أثبت العلم الحديث صحة ما جاء فيه، في حين عَدَّهَا علماؤنا من قبل، من الأمور التَّعَبُّدِيَّةِ التي يحيط الناس بمعناها وحكمتها، وَتَسَرَّعَ بعض الباحثين حَدِيثًا فأنكر حُجَّةَ هدْا الحديث، كُلُّ هذا يجعل علماءنا ﵏ على حق في تَثَبُّتِهِمْ وَتَأَنِّيهِمْ في رَدِّ الأحاديث إذا بدت عليها بادرة شبهة، أو تردد العقل في فهمها، ولم يجزم باستحالتها بعد تأكدهم من صحة السند، وسلامة رجاله من أن يكون فيهم كذاب أو ضعيف أو مُتَّهَمٍ. أما المُسْتَشْرِقُونَ فلم يقفوا من رسول الله هذا الموقف بل نقدوا أحاديثه على وفق ما يعرفون من أصول النقد العام لأخبار الناس العاديين، ذلك لأنهم ينظرون إلى الرسول كرجل عادي لم يتصل بوحي، ولم يطلعه الله على مغيبات، ولم يُمَيِّزْهُ عن بني الإنسان بأنواع من المعارف والكرامات، فإذا روي عَنْهُ حديث يُنْبِىءُ عن معجزة علمية لم تكن معروفة في عصره، قالوا: إن هذا موضوع لأنه لا يتفق مع علوم الناس ومعارفهم في عصره، وإذا رُوِيَ لهم حديث عليه صبغة القانون قالوا: إن هذا موضوع لأنه يمثل الفقه بعد نضوجه، ولا يمثله في سذاجته
стр. 288
وبساطته في عصر النَّبِيّوالصحابة، وإدا رويت لهم بشارة من الرسول أو إخبار عن أمر يقع للمسلمين في المستقبل، قالوا: إن ظروف النَّبِيّلم تكن تسمح له أن يقول هذا القول.
وهكذا وقفوا من رسولنا ﵊ موقف المنكر لرسالته، المتشكك في صدق ما بلغ به عن الله، المُمَارِي في سمو روحه التي اتصلت بالملأ الأعلى، ففاض منها النور والحكمة والعلم والمعرفة، ولم يكتفوا بذلك بل حملوا على علمائنا لأنهم لم يقفوا منه هذا الموقف.
وعلماؤنا معذورون إن لم يتجهوا مع المُسْتَشْرِقِينَ في هذا الاتجاه الخاطىء، لأنهم يؤمنون بمحمد بن عبد الله رسولاً كريماً، أرسله الله إلى الناس أجمعين بشرع محكم، وسعادة شاملة للناس في دنياهم وآخرتهم.
أما أتباع المُسْتَشْرِقِينَ من المُسْلِمِينَ كمؤلف " فجر الإسلام " فمن المؤسف أنهم انساقوا في ذلك الاتجاه، ولم يفطنوا إلى خطأ تلك الطريقة وخطورتها والدس في الدعوة إليها. فأخذوا ينعون على علمائنا تقصيرهم في نقد المتن، غير مستمسكين من الحجج إلا بما أتى به المُسْتَشْرِقُونَ.
وها أنا لم أعثر في كل ما كتبه «أحمد أمين» في هذا الموضوع على رأي طريف لم يأخذه عن المُسْتَشْرِقِينَ، ثم أخذ يضرب هو وأمثاله على وتيرة تحكيم العقل، في نقد الأحاديث، ولا أدري أي عقل يريدون أن يحكموه ويعطوه من السلطة أكثر مِمَّا أعطاه علماؤنا في قواعدهم الدقيقة؟ ليس عندنا عقل واحد نقيس به الأمور، بل العقول متفاوتة، والمقاييس مختلفة، والمواهب متباينة، فما لا يعقله فلان ولايفهمه، قد يراه آخر معقولاً مفهوماً.
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلاً بِلَيْلَى * ... * ... * وَلَيْلَى لاَ تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا
كما أن ما يخفى على الناس في بعض العصور حِكْمَتُهُ وَسِرُّ تشريعه، قد يتجلى لهم في عصر آخر معقول الحكمة واضح المعنى حين تتقدم العلوم وتنكشف أسرار الحياة، ففتح الباب في نقد المتن بناء على حكم العقل الذي لا نعرف له ضابطاً، والسير في ذلك بخطى واسعة على حسب رأي الناقد وهواه، أو اشتباهه الناشئ
стр. 289
في الغالب عن قلة اطلاع، أو قصر نظر، أو غفلة عن حقائق أخرى، إن فتح الباب على مصراعيه لمثل هؤلاء الناقدين، يؤدي إلى فوضى لا يعلم إلا الله منتهاها، وإلى أن تكون السُنّةُ الصحيحة غير مستقرة البنيان ولا ثابتة الدعائم، ففلان ينفي هذا الحديث، وفلان يثبته، وفلان يتوقف فيه، كل ذلك لأن عقولهم كانت مختلفة في الحُكْمِ والرأي والثقافة والعمق، فكيف يجوز هذا؟. ثم أليس لنا أكبر عبرة فيما وقع فيه مؤلف " فجر الإسلام " من أخطاء بشعة حين أراد أن يسير في هذا الاتجاه، فَكذَّبَ ما لا مجال لتكذيبه، وحكم بوضع ما قامت الأدلة والشواهد على صحته! وإليك البيان.
ثَانِيًا: نَقْدُ أَحَادِيثَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ:
الحَدِيثُ الأَوَّلُ: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ»:
هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وفهم منه المؤلف أن مراد الرسول ﷺ ، الإخبار بانتهاء الدنيا بعد مائة سَنَةٍ ومن هنا حكم عليه بالوضع، لمخالفته للحوادث التاريخية والحس والمشاهدة.
ولكن هذا الحديث الذي ذكره، هو جزء من حديث كامل أخرجه البخاري في باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء من كتاب الصلاة، وهو أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ (الْيَوْمَ) عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ [مِنْ] هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ «الْيَوْمَ» عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ، فهذا نص الحديث واضح في «أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ» وجاء في رواية جابر - قبل وفاته بشهر - أن من كان منهم على ظهر الأرض حَيًّا حين قال الرسول تلك المقالة لا يعمر أكثر من مِائَةِ سَنَةٍ، ولم يفطن بعض الصحابة إلى تقييد الرسول بمن هو على ظهرها - اليوم - فظنوه على إطلاقه وأن الدنيا تنتهي بعد مِائَةِ سَنَةٍ، فنبههم ابن عمر إلى القيد في لفظ الرسول وَبَيَّنَ لهم المراد منه، وكذلك فعل علي بن أبي طالب في رواية الطبراني.
стр. 290
وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة موتاً فوجدوه أبا الطفيل عامر بن واثلة، وقد مات سَنَةَ عشر ومائة وهي رأس مائة سَنَةٍ من حديث الرسول ﷺ (*) فيكون الحديث معجزة من معجزات الرسول ﵊، حيث أخبر بأمر مغيب فوقع كما أخبره. ذلك هو ما يفيده نص الحديث من الوقائع المؤيدة له وإليك أقوال الشُرَّاحِ أيضاًً.
قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١): «وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث مُرَاد النَّبِيّ ﷺ وَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مِائَة سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَة، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ. فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَةَ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَة مَوْتًا، وَغَايَة مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَهِيَ رَأْس مِائَة سَنَةٍ مِنْ مَقَالَة النَّبِيّ ﷺ ».
وذكر الإمام مسلم هذا الحديث بطرق متعددة وفي إحدى طرقه عَنْ جَابِرٍ [عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ]: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ (الْيَوْمَ)، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ»
قال النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ قَدْ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ. وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ» (٢).
وَنَقَلَ الكَرْمَانِي عَنْ ابْنِ بَطَّالٍ قَوْلَهُ: «إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ تَخْتَرِمُ الْجِيلَ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَهُمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ».
стр. 291
أما وفاة أبي الطفيل فقد قال ابن الصلاح في " مقدمته ": «آخِرُهُمْ عَلَى الإِطْلاَقِ مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ» (١). وفي " أُسد الغابة ": «تُوُفِّيَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ، مِمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ».
قال ابن حجر في "الإصابة ": «وَأَمَّا الْشَّرْطُ الْثَّانِي وَهُوَ الْمُعَاصِرَةُ، فَيُعْتَبَرُ بِمُضِيِِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرُ سِنِينَ مِنْ هِجْرَةِ الْنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ فِيْ آَخِرِ عُمُرِهِ لأََصْحَابِهِ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَيْهَا أَحَدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ أَنََّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ ... وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ تُصَدِّقْ الأَئِمَّةُ أَحَدًا ادََّعَى الصُّحَبَةَ بَعْدَ الغَايَةِ الْمَذْكُوْرَةِ، وَقَدْ ادََّعَاهَا جَمَاعَةُ فَكَذَّبُوا مِنْهُمْ رَتْنَ الْهِنْدِيََّ» (٢) اهـ.
فأنت ترى أن هذا الحديث الذي كان في الواقع معجزة من معجزات الرسول ﷺ ينقلب في منطق النقد الجديد الذي دعا إليه صاحب " فجر الإسلام " إلى أن يكون مكذوباً مُفْتَرًى!.
أما كيف وقف الأستاذ هذا الموقف، وكيف حكم بكذب هذا الحديث فَهَهُنَا محل العبرة، ذكر ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " فيما ذكره من مطاعن النَظَّامِ وجماعته على أهل الحديث أنهم يَرْوُونَ أحاديث يُكَذِّبُهَا الواقع، وذكر فيها هذا الحديث، ثم تَعَقَّبَهُمْ ابن قتيبة وأجاب عن هذا الحديث بخلاصة ما ذكرنا من قبل، ولكن مؤلف " فجر الإسلام " الذي يحرص على أن يأتينا بنقد جديد ويثبت تقصير علمائنا في نقد السُنَّةِ، والذي يطمئن إلى حد كبير إلى طعون النَظَّامِ وغيره في السُنَّةِ قَدِيمًا، وطعون المُسْتَشْرِقِينَ فيها حَدِيثًا، لم يعجبه دفاع ابن قتيبة على ما يظهر، ولا ما كتبه الشُرَّاحُ حول هذا الحديث بل أغضى عن ذلك كله، وأغضى عن تفسير ابن عمر للحديث في " البخاري " نفسه، وعن رواية جابر في " صحيح
стр. 292
مسلم " واقتصر على جزئه الذي ذكره " البخاري " في كتاب العلم أما البخاري فعذره ما جرى عليه من تقطيع الحديث في أبواب متعددة.
ومؤلف " فجر الإسلام " لا عذر له في اقتصاره على نقل هذا الجزء فقط مع تنبيه الشُرَّاح هنالك على ذلك. قال ابن حجر عند ذكر البخاري لهذا الجزء من كتاب العلم «قَوْلُهُ: " لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَيِ [الآنَ] مَوْجُودًا [أَحَدٌ] إِذْ ذَاكَ وَقَدْ ثَبَتَ [هَذَا التَّقْدِيرُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ] مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلاَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الكَلاَمِ عَلَيْهِ» (١) ثم نقل عبارة «ابْنَ بَطَّالٍ» و «النَّوَوِي». وقد نقلناها من قبل.
وإن تعجب فعجبك من أن مؤلف " فجر الإسلام " ذكر في آخر فصله أهم مراجع بحثه، وفي مقدمتها " فتح الباري "، و" القسطلاني على البخاري " و" شرح النووي على مسلم "، وهؤلاء الشُرَّاح نَبَّهُوا على معنى الحديث، وَبَيَّنُوا تقسيم البخاري له في موضعين، وأشاروا عند الجزء المختصر إلى موضع الحديث الكامل، فإن كان الأستاذ اطلع على روايات الحديث وأقوال الشُرَّاحِ، فكيف حكم بعد ذلك بكذبه؟ وإن لم يطلع عليها فكيف عَدَّ تلك الشروح من مراجع بحثه، بل كيف استباح الخوض في هذا الموضرع على غير هدى؟.
الحَدِيثُ الثَّانِي: «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» .
هذا حديث أخرجه " البخاري " في " كتاب الطب " وأخرجه " مسلم " أيضاًً، وأخرجه " أحمد " عن سعد بن أبي وقاص، وللعلماء فيه مسالك: فمنهم من جعل هذا الحديث خَاصًّاً بتمر المدينة عَمَلاً برواية مسلم: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا» وَيُؤَكِّدُهُ حديث عائشة في " مسلم " عن رسول الله - صَلََّى
стр. 293
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ هَذِهِ عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً» قالوا: لا مانع أن يخص الله بَلَداً بميزة لا تكون في غيرها كما وجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دُونَ ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في تلك الأرض أو ذلك الهواء ببركة النَّبِيّ ﷺ وببركة يده الكريمة، فقد كانت العجوة مِمَّا غرسه النَّبِيُّ ﷺ في المدينة (١)
ومنهم من قال: إن هذا عام في كل عجوة، لأن السموم إنما تقبل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم.
والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه بعجوة المدينة: قال ابن القيم في " زاد المعاد ": «[وَهُوَ غِذَاءٌ] فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ، لاَ سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الأَغْذِيَةِ فِي الْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ وَالْحَارَّةِ الَّتِي حَرَارَتُهَا فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ... » إلى أن قال: «وَتَمْرُ الْعَالِيَةِ مِنْ أَجْوَدِ أَصْنَافِ تَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ [مَتِينُ] الْجِسْمِ، لَذِيذُ الطَّعْمِ، صَادِقُ الْحَلاَوَةِ، وَالتَّمْرُ يَدْخُلُ فِي الأَغْذِيَةِ وَالأَدْوِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، وَهُوَ يُوَافِقُ أَكْثَرَ الأَبْدَانِ، مُقَوٍّ [لِلْحَارِّ] الْغَرِيزِيِّ، وَلاَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الْفَضَلاَتِ الرَّدِيئَةِ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، بَلْ يَمْنَعُ لِمَنِ اعْتَادَهُ مِنْ تَعَفُّنِ الأَخْلاَطِ وَفَسَادِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلأَمْكِنَةِ اخْتِصَاصًا بِنَفْعِ كَثِيرٍ مِنَ الأَدْوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الدَّوَاءُ الَّذِي قَدْ يَنْبُتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَافِعًا مِنَ الدَّاءِ، وَلاَ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ النَّفْعُ إِذَا نَبَتَ فِي مَكَانٍ غَيْرِهِ لِتَأْثِيرِ نَفْسِ التُّرْبَةِ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلأَرْضِ خَوَاصًّا وَطَبَائِعَ يُقَارِبُ اخْتِلاَفُهَا اخْتِلاَفَ طَبَائِعِ الإِنْسَانِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّبَاتِ يَكُونُ فِي بَعْضِ البِلاَدِ غِذَاءً مَأْكُولاً، وَفِي بَعْضِهَا سُمًّا قَاتِلاً». وذكر في
стр. 294
موضع آخر: «يَقْتُلُ الدُّودَ، فَإِنَّهُ مَعَ حَرَارَتِهِ فِيهِ قُوَّةٌ تِرْيَاقِيَّةٌ، فَإِذَا أُدِيمَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّيقِ، خَفَّفَ مَادَّةَ الدُّودِ، وَأَضْعَفَهُ وَقَلَّلَهُ، [أَوْ] قَتَلَهُ، وَهُوَ فَاكِهَةٌ وَغِذَاءٌ، [وَدَوَاءٌ] وَشَرَابٌ وَحَلْوَى». ويقول في مكان آخر: «وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ هَذَا التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاط وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالْقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ» (١).اهـ.
هذا خلاصة ما ذكروه في هذا المقام، والذي أراه أن المبادرة إلى تكذيب حديث ورفضه لا يصح، إلا إذا وهن طريقه، أو حكم العقل والطب حُكْمًا قاطعاً بتكذيبه وبطلانه، وهذا الحديث قد صح عنده من غير طريق عن أئمة الحديت، ورواه ثقات عدول لا مجال لتكذيبهم، ومتنه صحيح على وجه الإجمال، وقد جَرَّبَهُ كثير من الناس، وَكُنْتُ مِمَّنْ جرّبه فظهر صدقه إذ أثبت للعجوة فائدة، وحض على أكلها، ومن المقرر حتى في الطب الحديث أن العجوة مُغَذِّيَةٌ، مُلَيِّنَةٌ للمعدة، منشطة للجسم، مبيدة للديدان المنتشرة فيه، ولا شك أن الأمراض الداخلية من تعفن الأمعاء وانتشار الديدان سموم تُودِي بحياة الإنسان إذا استفحل أمرها. وإذاً فالحديث من حيث معالجة العجوة للسموم؟ بالجملة، صادق لا غبار عليه.
أما السحر فإذا ذهبنا إلى أنه مرض نفسي، وأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وأن الإيحاء النفسي له أثر كبير في شفاء المرضى بمثل تلك الأمراض، وإذا أخذنا العجوة إلى أنها مغذية مفيدة للجسم، مقوية للبنية، قاتلة للديدان، قاضية على تعفن الفضلات، وأنها من عجوة المدينة، مدينة النَّبِيّ ﷺ ، وأن هذا علاج وصفه ﵊، وهو الذي لا ينطق عن الهوى. لا أشك في أن ذلك يُحَدِّث أثراً طيباً في نفس المسحور، وقد أثبت الطب أثر التخيل والوهم والإيحاء النفسي في كثير من الأمراض شفاء أو إصابة، أفليس ذلك من شأنه ألا نتسرع في تكذيب الحديث ما دام من الممكن تخريجه على وجه معقول؟
стр. 295
وإذا كان الطب الحديث لم يوفق في اكتشاف سائر خواص العجوة حتى الآن. أفليس من الخطأ، التسرع إلى الحُكْمِ بوضعه، وهل اِدَّعَى أحد أن الطب انتهى إلى غايته، أو أنه اكتشف كل خاصة لكل من المأكولات والمشروبات والنباتات والثمار التي في الدنيا؟ إنك لا تشك معي في أن إقدام مؤلف " فجر الإسلام " على القطع بتكذيب هذا الحديث جُرْأَةٌ بالغة منه لا يمكن أن تقبل في المحيط العلمي بأي حال: ما دام سنده صحيحاً بلا نزاع، وما دام متنه صحيحاً على وجه الإجمال، ولا يضره بعد ذلك أن الطب لم يكتشف حتى الآن بقية ما دل عليه من خواص العجوة، ويقيني أنه لو كان في الحجاز معاهد طبية راقية أو لو كان تمر العالية موجوداً عند الغَرْبِيِّينَ، لاستطاع التحليل الطبي الحديث أن يكتشف فيه خواص كثيرة: ولعله يستطيع أن يكتشف هذه الخاصة العجيبة، إن لم يكن اليوم ففي المستقبل إن شاء الله.
الحَدِيثُ الثَّالِثِ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ والْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» .
هذا الحديث رواه " الترمذي " عن أبي هريرة ﵁ ورواه أحمد في "مسنده " عن سعيد بن زيد (١)، وقد قال فيه مؤلف " فجر الإسلام ": «فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ [فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ] فَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً (عَشْمَاءَ) لِي فَبَرَأَتْ»
ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث فتجربة جزئية لا تكفي منطقياً لإثبات الشيء في ثبت الأدوية، وإنما الطريق أن تُجَرِّبَ مِرَاراً، وخير من هذا أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر مُمْكِناً فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقاً لمعرفة صحة الحديث أو وضعه» (٢). اهـ.
وهنا أمران: الأول - أن الحديث صحيح ثابت في " الصَحِيحَيْنِ " وغيرهما، وسنده من ناحية النقد متين ليس في روايته مُتَّهَمٌ وَلاَ مَجْرُوحٌ: الثاني - أن أبا هريرة جَرَّبَ هذا الحديث فوجده صحيحاً، وجربه كثيرون من بعده فوجدوه
стр. 296
صحيحاً، وها هو النووي يروي أن بعض علماء زمانه كان قد عمي وذهب بصره فاكتحل بماء الكمأة مجرداً فشفي وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، ومنهم من ادعى أنه إذا أضيف إليه الإثمد كان نافعاً مفيداً، وقد بحثه أطباء المُسْلِمِينَ أيضاً فاعترفوا بصحته، فابن القيم في " الهدي النبوي " (١) يذكر لنا اعتراف مشاهير الأطباء قَدِيمًا بأن ماء الكماة يجلو البصر. منهم، المسيحي، وابن سيناء وغيرهما، وذكروا بأن فيها جوهراً يدل على خفتها، والاكتحال به نافع لظلمة البصر والرمد الحار، وقال ابن البيطار المالقي في "مفرداته ": «مَاءُ الكَمْأَةِ أَصْلَحُ الأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِمَاءِ الإِثْمِدِ وَاكْتُحِلَ بِهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الجَفْنَ، وَيَزِيدُ الرُّوحَ البَاصِرَةَ حِدَّةً وَقُوَّةً». وقال داود في " تذكرته ": «إِنَّ مَاءَهَا يَجْلُو البَيَاضَ كُحْلاً».
فها أنت ترى أن العلماء لم يُقَصِّرُوا في التجربة وأن الأطباء لم يُقَصِّرُوا في البحث، ومع ذلك فلم يرض مؤلف " فجر الإسلام " إلا أن ياتي كل مسلم إلى كمية من الكماة، ثم يعصرها ويقطر عينيه بمائها، فإن أصابهم العمى جميعاً كان الحديث مكذوبا وإلا كان صحيحاً .. ونحن نسأله؟ إن أبا هريرة والنووي والأطباء قَدِيمًا جَرَّبُوا الكماة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ هو جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ ولو سلمنا أنه قام بمثل هذه التجربة فلم تنجح. أليس لنا أن نسأله: هل تحققت أن الكمأة التي حللتها وقمت بتجربتها هي عين الكمأة التي تنبت في أرض الحجاز في عهد الرسول والتي أخبر الحديث عن خاصيتها؟ وهل بلغ الطب اليوم نهايته حتى إذا خالف الحديث جاز لكم أن تحكموا بكذب الحديث ووضعه؟
الحق أن الأستاذ لم يُوَفَّقْ في هذا المثال كما لم يوفق في الحديثين السابقين، ولا أدري كيف يسوغ له أن يشك في حديث لا غبار على سنده، وقد جرب متنه واتفق الأطباء على صحته، ولو أنه أثبت لنا من بحوث الطب اليوم ما لا يتفق مع
стр. 297
ما دَلَّ الحديث لجاز له أن يقف ويتساءل ويشك ويرمي القدامى بالتقصير، ولكنه لم يفعل وهيهات أن يفعل.
الحَدِيثُ الرَّابِعُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» .
روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يزيد في الرواية «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فقال ابن عمر: «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». قال صاحب " ضُحَى الإسلام " بعد ذلك: وهذا نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي (١). اهـ، يريد أن ابن عمر يَتَّهِمُ أبا هريرة بزيادة «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» في لفظ الحديث لأنه كان صاحب زرع فزادها تبريراً لاتخاذه الكلب لزرعه.
حديث أبي هريرة الذي ذكر فيه اتخاذ الكلب للزرع أخرجه " البخاري " في (باب اقتناء الكلب للحرث من كتاب المزارعة) من غير تعرض لابن عمر وحديثه، وأخرج عن سفيان بن زهير ما يؤيد روايته عن أبي هريرة وكذلك أخرجه "الترمذي " في (كتاب الصيد) "، وتعرض لحديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن مغفل وغيرهما، وأخرجه "مسلم " في (كتاب المساقاة والمزارعة) وذكر حديث ابن عمر. ثم ساق أحاديث أخرى تثبت أن بعض الرُوَاة رَوَوْا عن ابن عمر هذه الزيادة التي أثبتها أبو هريرة. وأن بعض الصحابة وافق أبا هريرة على روايته تلك الزيادة، وأنه لم ينفرد بها بل رواها غيره مِمَّنْ سمعها من النَّبِيّ ﷺ .
وقد تعرض الشُرَّاحُ لزيادة أبي هريرة ومن وافقه فيها، وَبَيَنُوا مُرَادَ ابن عمر من مقالته تلك في أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢) بعد أن بَيَّنَ أن مُرَادَ ابن عمر تثبيت رواية أبي هريرة: «وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الزَّرْعِ سُفْيَانُ بْنُ [أَبِي] زُهَيْرٍ كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَهُوَ عِنْدَ " مُسْلِمٍ "».
وقال النووي عند قول ابن عمر، «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: " لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ
стр. 298
اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِشَئٍ يُتْقِنَهُ مَا لاَ يُتْقِنَهُ غَيْرُهُ وَيَتَعَرَّفُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا لاَ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ " مُسْلِمٌ " هَذِهِ الْزِّيَادَةَ وَهِىَ اتِّخَاذُهُ لِلْزَّرْعِ مِنْ رِوَايَةِ بْنِ الْمُغَفَّلِ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِيْ زُهَيْرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَهَا أَيْضا " مُسْلِمٌ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ ابِنْ عُمَرَ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَحَقَّقَهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَهَا فِي حَدِيثِهِ الَّذِي كَانَ يَرْوِيهِ بِدُونِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَذَكَّرَ فِي وَقْتٍ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَوَاهَا وَنَسِيَهَا فِي وَقْتٍ فَتَرَكَهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَيْسَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَتِهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَا لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً مُكَرَّمَةً» (١). اهـ.
هذا هو الوضع الصحيح للمسالة، ومنه تعلم أنه ليس فيها تكذيب ابن عمر لأبي هريرة في تلك الزيادة، وبيان الباعث النفسي على اختلافها ونسبتها إلى النبي ﷺ ، وكيف يتصور هذا من ابن عمر وهو الذي اعترف بأن أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول الله ﷺ ؟ وسيأتي معنا مزيد بيان لمكان أبي هريرة في نفس ابن عمر ونفوس الصحابة جميعاً. أم كيف يذكر الأئمة قول ابن عمر ويخرجونه في صحاحهم لو كان تكذيباً منه لأبي هريرة؟ أمْ كيف يعمل الفقهاء برواية أبي هريرة ويبنون عليها أحكامهم لو كان مُرَادُ ابن عمر تكذيبها وإنكارها؟
الواقع أنه ليس في الأمر شيء من هذا ولكن أمانة صاحب " فجر الإسلام " أبت عليه إلا أن يرى فيما صنع ابن عمر نَقْداً لطيفاً ... لأبي هريرة ... وبياناً للباعث له على هذه الزيادة، وتأبى عليه أمانته العلمية أيضاًً إلا أن يرشدنا إلى موضوع هذا النقد من كتب الحديث فيقول في ذيل الصفحة: انظر " النووي على مسلم " وأنت سمعت كلام النووي فهل شممت فيه رائحة التكذيب من ابن عمر لأبي هريرة؟ بل ألم تره يرد على ما قد يخطر بالبال رَدًّا قوياً واضحاً؟ ولك أن تتساءل بعد هذا: أهو لم يفهم عبارة النووي؟ أم فهمها ولكنه آثر رأي
стр. 299
المستشرق اليهودي جولدتسيهر (وسيأتي كلامه في هذا المعنى تماماً) على رأي علماء المُسْلِمِينَ وأئمة الدين؟.
وبعد فهذه هي الأحاديث الي ذكرها أمثلة لما يريد من نقد عميق دقيق ولا ريب أنه قد اتضح لك فيما ذكرناه أن صاحب " فجر الإسلام " لَمْ يَأْتِ بشيء جديد في قواعد النقد لم ينتبه له علماؤنا، ولكن الجديد هو أنه كان جريئاً في تطبيق هذه المقاييس بغير اتِّزانٍ ولا تثبت، فطبقها على أحاديث كانت، قوتها وصحتها كافية لهزيمته في هذا الميدان، وكشف هزال ما اقتبسه عن المُسْتَشْرِقِينَ من علم مُحَرَّفٍ ورأي خاطىء، وأن علماءنا ﵏ لم تخرجهم الأهواء عن جادة الهُدَى، ولم تندفع بهم عواطفهم إلى أن يركبوا الصعب من الأمور فلا يجدوا لهم مخرجاً، وأن ما وضعوه من قواعد لنقد الرجال ونقد المتن، وما وفقوا إليه من حسن استخدام هذه القواعد وتطبيقها، هو الطريق الواضح الأمين الدْي يتحتم المصير إليه، فما دام الحديث قد وصلنا عن طريق علمي صحيح، بنقل الثقة الثبت عن الثقة الثبت: هكذا إلى رسول الله ﷺ ، وليس في متنه ما يوجب رَدَّهُ حتماً، فلا يجوز إنكاره ولا تكذيبه، لأنه إما أن يعتبر إنكاراً لقول رسول الله، وهذا لا يصير إليه مسلم، أو تكذيباً لرُوَاةِ الحديث من الصحابة والتَّابِعِينَ ومن بعدهم، وقد فرضنا أنهم ثقات أثبات بحكم التاريخ، وأن من تتبع سيرتهم، ودرس أخلاقهم لا يرى في بني الإنسان أصدق منهم ولا أتقى لله ، والشك - مع هذا - فيما نقلوا يستلزم (من باب أولى) الشك في كل ما حوته بطون التاريخ من أخبار الأمم، فإن قال الأستاذ: إنا لا نقول بتكذيب هؤلاء الرُواة الثقات العدول، ولكن بِتَجَوُّزِ الوَهْمِ والخطأ عليهم، قلنا: هذا احتمال ضعيف فلا يغلب الظن القوي، على أن علماءنا احتاطوا لهذا الأمر فقالوا - إلا قليلاً منهم - بإفادة حديث الآحاد غلبة الظن، فأي حاجة لشيء بعد هذا؟
ثم نتابع نقدنا لـ " فجر الإسلام " فنقول:
العَمَلُ بَخَبَرِ الوَاحِدِ:
ذكر المؤلف (١) أن علماء الحديث قَسَّمُوهُ إلى قسمين «متواتر»
стр. 300
وهو يفيد العلم ولكنه لم يوجد، وبعضهم قال بوجود حديث واحد، وبعضهم أوصل التواتر إلى سبعة، وآحاد: وهو يفيد الظن، ويجوز العمل به عند ترجيح الصدق ... إلخ».
وهذا كلام ينبغي الوقوف عنده، فإن الذين اختلفوا في عدد التواتر كانت وجهات نظرهم مختلفة، كما نص على ذلك السيوطي، وإلا فَمِمَّا لا شك فيه أن أحاديث المتواتر كثيرة لا تنحصر في واحد، أو اثنين، أو سبعة.
وأما حديث الآحاد فهو يحكي عن علماء الحديث «القول بجواز العمل به» ولا ندري من الذي قال هذا القول؟! وقد رأيت فيما سبق أن من أنكر حُجِيَّةَ السُنّةِ كَغُلاَةِ الرَّوَافِضِ لا يرى العمل بها أصلاً إذا كانت مروية عن غير طريق أئمتهم ومن قال بحُجِيَّتِهَا وهم جمهور المُسْلِمِينَ، يوجبون العمل بحديث الآحاد قولاً واحداً إذا صح طريقه ومنهم من قال بوجوب اعتقاده أيضاًً، أي أنه يوجب العلم والعمل معاً، فما حكاه الأستاذ من جواز العمل به، إما أن يكون عن عدم اطلاع، فيلزمه الجهل، وهذا عجيب مِمَّنْ يتصدى لتاريخ الدعوة الإسلامية وحضارتها، ونقد العلماء والرجال، ويجعل من نفسه حُكْمًا بين الطوائف والمذاهب، وإما أن يكون عن معرفة، فيلزمه التحريف، ولا ثالث بينهما.
وهذا التحريف لا غاية له إلا التشكيك في السُنَّةِ كلها كما ذكرت لك من قبل، فإنه إذا كان المتواتر غير موجود، والآحاد «يجوز» العمل بها فماذا بقي مِنَ السُنَّةِ، وأين مكانها إذاً من مصادر التشريع؟ وما حاجة المُسْلِمِينَ إليها؟ فَكِّرْ في هذه النتيجة، ثم احكم بعد ذلك على هذا العالم الأمين؟؟؟ ....
***
стр. 301
حَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -:
ننتقل بعد ذلك إلى القسم الأخير من نقدنا لفصل الحديث في " فجر الإسلام ". وهو متعلق بأبي هريرة، ﵁، وأشهد أن المؤلف كان لَبِقاً جِدًّا في توجبه المطاعن نحو أبي هريرة، ومجاراة المُسْتَشْرِقِينَ وَالنَظَّامِ، في التحامل على هذا الصحابي الجليل. فقد وزع طعونه في مواضع متفرقة من بحثه، وكان حديثه عنه حديث محترس متلطف، محاذر أن يجهر بما بعتقده في حقه من سوء، ولكن أسلوب المؤلف، وتحريفه لبعض الحقائق في تاريخ أبي هريرة، وحرصه على الشكيك في صدقه، ونقل شك الصحابة في هذا الصحابي الجليل، كل ذلك قد نَمَّ عن سريرة مؤلف " فجر الإسلام "، وأزاح عن خبيئة نفسه.
وقد رأيت من المناسب أن أذكر ترجمة مختصرة لأبي هريرة - قبل التعرض لمناقشة المؤلف فيما كتبه عنه - لتعرف رأي التاريخ الصادق، ورأي صحابة الرسول، وعلماء التَّابِعِينَ، وأئمة المُسْلِمِينَ في هذا الشيخ الصحابي الجليل، ثم لتقارن بعد ذلك بين هذه الصورة الرائعة المشرقة، وبين الصورة التي أظهره بها مؤلف " فجر الإسلام " تبعاً لشيوخه من المُسْتَشْرِقِينَ.
اسْمُهُ وَكُنْيَِتُهُ (١):
--------------------
اختلف في اسمه، واسم أبيه على أقوال كثيرة أبلغها القطب الحلبي إلى أربعة وأربعين قولاً أرجعها الحافظ ابن حجر إلى ثلاثة أقوال. ومن أشهرها أنه كان في الجاهلية يُسَمَّى عبد شمس بن صخر، فلما أسلم سَمَّاهُ الرسول ﷺ ، عبد الرحمن، وهو من قبيلة دَوْسٍ إحدى قبائل اليمن، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث دوسية أيضاًً.
стр. 302
وسبب تكنيته بأبي هريرة ما حكاه " الترمذي " عنه قَالَ: «كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي وَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعِي فَلَعِبْتُ بِهَا فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ».
إِسْلاَمُهُ وَصُحْبَتُهُ:
-----------------
المشهور أنه أسلم سَنَةَ سبع من الهجرة بين الحديبية وخيبر، وكان عمره حينذاك نحواً من ثلاثين سَنَةٍ (١)، ثم قدم المدينة مع النَّبِيِّ ﷺ حين رجوعه من خيبر، وسكن «الصُفَّةَ» (٢) ولازم الرسول ملازمة تَامَّةً، يدور معه حيثما دار، ويأكل عنده في غالب الأحيان، إلى أن تُوُفِّيَ ﵊.
أَوْصَافُهُ وَشَمَائِلُهُ:
------------------
كان ﵁، آدم بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يُصَفِّرُ لحيته ويعفيها، ويحفي شاربه، وكان صادق اللهجة خفيف الروح، مُحَبَّباً إلى الصحابة، مُحِباً للمزاح.
أخرج ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح " عن الزبير بن بكار أن رجلا قال لأبي هريرة: إني أصبحت صائماً، فجئت أبي فوجدت عنده خبزاً ولحماً فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، فخرجت حتى أتيت فلاناً، فوجدت عنده نعجة تحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله أسقاك، قال: فرجعت إلى أهلي فَقِلْتُ (من القيلولة)، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال: يا ابن أخي، أنت لم تَعَوَّدْ على الصيام!.
وروى ابن قتيبة في " المعارف " أن مروان بن الحكم استخلف أبا هريرة على المدينة، فركب حماراً قد شد عليه بردعة، وفي رأس الحمار خلية من ليف، فيسير
стр. 303
فيلقى الرجل فيقول: «الطَّرِيقَ ... قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ»، وقد استغل الطاعنون في أبي هريرة (أمثال جولدتسيهر) (١) هذه الدعابة التي كانت فيه فبنوا عليها أنه كان ضعيف العقل. ويظهر أن مؤلف " فجر الإسلام " يستحسن هذا الرأي، ولذلك أشار فيما كتبه عن أبي هريرة إلى ما ذكره ابن قتيبة من نوادره، ولم ير في جميع خلاله وأخلاقه ما يستحق منه مثل هذا التنبيه، ولا ريب أن هذا تحامل على أبي هريرة وتشويه لحقيقته على غير أساس، فظهور الرجل بمظهر المتلطف المداعب المحب للمزاح لا يحط من قدره، ولا يكون مظهراً من مظاهر اضطراب عقله وخفته، وإلا لزم أن يكون كل لطيف مزوح، خفيف العقل، وكل ثقيل الظل جافي الطبع، كبير العقل وافر التفكير.
زُهْدُهُ وَعِبَادَتُهُ وَوَرَعُهُ:
----------------------
تقدم أنه كان من أهل الصُفَّةِ، وأنه كان يصحب النَّبِيّ ﷺ في أكثر الأوقات، ويأكل عنده، وكثيراً ما تحمل آلام الجوع حرصا منه على أن لايفوته شيء من حديث رسول الله ﷺ .
أخرج البخاري عن أبي هريرة: «وَاللهِ اَلَّذِي لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْت لأَعْتَمِد عَلَى الأَرْض بِكَبِدِي مِنَ الجُوعِ، وَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي»، ويقول: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُصْرَعُ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَيُقَال: مَجْنُونٌ، وَمَا بِي جُنُونٌ، وَمَا بِي إِلاَّ الجُوعُ».
ولقد افترى على الحق من زعم أن أبا هريرة كان مُصَاباً بالصرع استناداً إلى كلمته «أُصْرَعُ» الواردة في هذا الأثر، فقد فسر أبو هريرة هذا الصرع بأنه صرع جوع وَفَاقَةٍ، لا صرع جنون ومرض. وأيضاًً فالذين تكلموا في حياة أبي هريرة من المُؤَرِّخِينَ المُسْلِمِينَ لم يذكروا لنا أي شيء عن إصابته بهذا المرض، فمن أين جاء بعض المُسْتَشْرِقِينَ بهذه الفرية، وليس لهم ما يرجعون إليه في تاريخ حياته إلا ما كتبه المُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ؟!.
стр. 304
أما عبادته وورعه فقد نقل ابن حجر عَنْ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الطُّفَاوَةِ، قَالَ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ أُدْرِكْ مِنْ الصَحَابَةِ رَجُلاً أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ».
وأخرج أحمد (*) عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، قَالَ: «تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ [يَعْتَقِبُونَ] اللَّيْلَ أَثْلاَثًا: يُصَلِّي هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا».
وأخرج ابن سعد عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةً يَقُولُ: «أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي». وروى [معمر بن راشد] (* *) عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بَعَشَرَةِ آلاَفٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: " اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لَسْتُ عَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا "، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قَالَ: " خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ " فَنَظَرُوهُ، فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، دَعَاهُ عُمَرُ لِيَسْتَعْمِلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، فَقَالَ: " أتَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طَلَبَ الْعَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكَ يُوسُفُ؟ قَالَ: " إِنَّ يُوسُفَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ابْنُ أُمَيْمَةَ أَخْشَى ثَلاَثًا وَاثْنَيْنِ "، قَالَ لَهُ عُمَرُ: " أَفَلاَ قُلْتَ: خَمْسًا؟ " قَالَ: " لاَ، أَخْشَى أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، وَيُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْتَزَعَ مَالِي، [وَيُشْتَمَ عِرْضِي] "».
حِفْظُهُ وَقُوَّةُ ذَاكِرَتِهِ:
-------------------
كان من أثر ملازمة أبي هريرة للرسول ﷺ ملازمة تامة، أن اطلع على ما لم يطلع عليه غيره من أقوال الرسول وأعماله، ولقد كان سيء الحفظ حين أسلم، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: «افْتَحْ كِسَاءَكَ»، فَبَسَطَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «ضُمَّهُ إِلَى صَدْرِكَ» فَضَمَّهُ، فَمَا نَسِيَ حَدِيثًا بَعْدَهُ قَطُّ.
وهذه القصة - قِصَّةُ بَسْطِ الثَّوْبِ - أخرجها أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد والنسائي، وأبي يعلى، وأبي نعيم.
فما زعمه (جولدتسيهر) من أن هذه القصة موضوعة وضعها العامة تبريراً لكثرة حديثه، إنما هو افتراء محض، وتخيل لا يبرره العلم، وتعصب أوحى به التحامل اليهودي على أكبر صحابي روى حديث رسول الله ﷺ ، ولا أدري ما هي أدلته العلمية في أن هذه القصة مختلقة؟ هل عثر فيما بين يديه من نصوص التاريخ على مَا يُؤَيِّدُ هذه الدعوة، حتى يكذب أئمة الحديث الذين نقلوا هذه القصة وَوَثَّقُوا رُوَاتِهَا؟!.
стр. 305
والمُسْتَشْرِقُونَ، ومن لَفَّ لَفَّهُمْ يتظاهرون باستغراب قوة الحفظ عند أبي هريرة إلى هذا الحد، ولو نظروا إلى الأمر بعين الإنصاف، وعلى ضوء علم النفس وعلم الاجتماع، لما وجدوا فيه غرابة ولا بُعْدًا، فلكل أُمَّةٍ ميزة تمتاز بها على غيرها.
والحفظ من الميزات التي امتاز بها العرب، وفي الصحابة وكبار التَّابِعِينَ ومن بعدهم، من كان آية في سرعة الحفظ وقوة الذاكرة، ومن علم أن البخاري كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث بأسانيدها، وأن أحمد بن حنبل كان يحفظ ستمائة ألف حديث، وأن أبا زرعة كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، لا يستغرب على أبي هريرة أن يحفظ ما حفظ، وكل أحاديثه التي أثرت عنه كما جاء في "مسند بقي بن مخلد "، خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حَدِيثًا، وما زال علماء العربية وكبار الشعراء قَدِيمًا وَحَدِيثًا يحفظون من الشعر والنثر ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بجانبه حفظ أبي هريرة لأحاديثه التي حَدَّثَ بها، فها هو الأصمعي كان يحفظ خمسة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب كما يذكر الرُوَاةُ.
ولقد ذكر الكاتب المُحَقِّقُ الأستاذ محب الدين الخطيب ما شاهده من حفظ الشيخ الشنقيطي ﵀ ما يدعو إلى الدهشة، وإليك ما قاله في ذلك: «نحن نعرف معرفة شخصية الأستاذ العَلاَّمَة الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي ﵀ وكان يحفظ الشعر الجاهلي كله، ويحفظ شعر أبي العلاء المعري كله، ولو رحنا نَعُدُّ ما يحفظه لكان شيئاً عظيماً وكتابه " الوسيط في تراجم علماء وأدباء شنقيط " كتبه من أوله إلى آخره من حفظه إجابة لاقتراح شيخنا الشيخ طاهر الجزائري، وفي هذا الكتاب أنساب أهل شنقيط رجالاً ونساءً، وذكر قبائلهم وما نظموه وما يؤثر عنهم من مؤلفات وأخبار، ولم يكن لذلك مرجع يرجع إليه قبل كتاب " الوسيط " الذي ألفه الشيخ أحمد بن الأمين على ما نعرفه نحن شخصياً، فما حفظه أبو هريرة ﵁ من أحاديث رسول الله ﷺ في طول صحبته لا يجيء في كميته شيئاً بجانب ما شاهدناه من محفوظ الشيخ الشنقيطي فضلاً عن غيره من رجال أُمَّتِنَا الممتازين بجودة الحفظ وقوة الذاكرة». اهـ. (١).
стр. 306
على أن الصحابة في عصره اعترفوا له بكثرة الحفظ كما ستسمع، وامتحنه مروان في دقة حفظه، فخرج من الامتحان فائزاً، وذلك كما نقله ابن حجر في " الإصابة " عن أبي الزُعَيْزِعَةِ كاتب مروان: من أن مروان أرسل إلى أبي هريرة فجعل يُحَدِّثُهُ، وأجلس أَبَا الزُعَيْزِعَةِ خلف السرير يكتب ما يُحَدِّث به حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إلى أبي هريرة فسأله في تلك الأحاديث، فأعادها عليه، فنظر مروان في المكتوب عنده فما غَيَّرَ حرفاً، ولعل في هذا ما يرد إفك المُسْتَشْرِقِينَ المُتَعَصِّبِينَ وأذنابهم من المُسْلِمِينَ الذين يشككون في حفظ أبي هريرة وصدقه لا لغرض منهم عند أبي هريرة نفسه، ولكنها إحدى محاولاتهم للنيل من الإسلام والتشكيك في سلامة بنيانه.
ثَنَاءُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ العِلْمِ:
----------------------------------------
قال طلحة بن عبيد الله: «لاَ أَشُكُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ».
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَعْلَمُ بِمَا يُحَدِّثُ».
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَسَأَلَهُ [عَنْ شَيْءٍ]، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: عَلَيْكَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَإِنِّي بَيْنَمَا أنا وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَفُلاَنٌ فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ يَوْمٍ نَدْعُو اللهَ، وَنَذْكُرُ رَبَّنَا خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا فَسَكَتْنَا فَقَالَ: «عُودُوا لِلَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ» قَالَ زَيْدٌ: فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ [قَبْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ]، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِنَا، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: " اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ هَذَانِ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى "، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «آمِينَ»، [فَقُلْنَا]: " يَا رَسُولَ اللهِ وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللهَ عِلْمًا لاَ يُنْسَى "، فَقَالَ: «سَبَقَكُمْ بِهَا الْغُلاَمُ الدَّوْسِيُّ».
وقال عمر لأبي هريرة: «إِنْ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ». وَقَالَ أُبَيٌّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ جَرِيئًا عَلَى أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، عَنْ أَشْيَاءَ لاَ يَسْأَلُهُ عَنْهَا غَيْرُهُ».
وقال الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ». وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «رَوَىَ عَنْهُ نَحْوُ الْثََّمَانِمِائَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ أَحْفَظُ مِنَ رَوَىَ الْحَدِيثَ فِيْ عَصْرِهِ». وَقَالَ أَبُو صَالِح (*): «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ أَصْحَابِ رَسُوْلِ الْلَّهِ ﷺ ». وَقَالَ سَعِيْدٍ بْنِ أَبِي الحَسَنِ (أَخُو الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ): «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْصََّحَابَةِ أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ». وَقَالَ الْحَاكِمُ: «كَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّىَ الْلَّهُ عَلَيْهِ
стр. 307
وَسَلَّمَ - وَأَلْزَمَهُمْ لَهُ، صَحِبَهُ عَلَىَ شِبَعِ بَطْنِهِ، فَكَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِهِ، يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ إِلَى أَنْ مَاتَ ﵊، وَلِذَلِكَ كَثُرَ حَدِيثُهُ». وَقَالَ أَبُوْ نُعَيْمٍ: «وَكَانَ أَحْفَظَ الْصَّحَابَةِ لأَخْبَارِ رَسُولِ الْلَّهِ ﷺ ، وَدَعَا بِأَنْ يُحَبِِّبَهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكُلُُّ مُؤْمِنٍ مُحِبُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ». وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «أَجْمَعَ أَهْلُ الحَدِيثِ عَلَىَ أَنََّهُ أَكْثَرُ الْصَّحَابَةِ حَدِيثًا»، وَقَالَ - بَعْدَ أَنْ سَاقَ قِصََّةً الثَّوْبِ -: «وَالحَدِيْثُ المَذْكُوْرُ مِنْ عَلاَمَاتِ الْنُّبُوَّةِ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ أَحْفَظُ الْنَّاسِ لِلأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِيْ عَصْرِهِ».
مَنْ رَوَى عَنْهُمْ وَمَنْ رَوَوْا عَنْهُ:
------------------------------
روى عن كثير من الصحابة، منهم: أبو بكر، وعمر، والفضل بن العباس، وأُبَيَّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - وروى عنه من الصحابة كثيرون، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثلة بن الأسقع.
ومن التَّابِعِينَ: سعيد بن المسيب وكان زوج ابنته، وعبد الله بن ثعلبة، وعروة بن الزبير، وقُبيصة بن ذؤيب، وسلمان الأغر، وسليمان بن يسار، وعراك بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبو سلمة وَحُمَيْدٌ ابنا عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار وكثيرون جِدًّا بلغوا كما قال البخاري: ثمانمائة من أهل العلم والفقه. وإن في أخذ هؤلاء الثمانمائة من كبار الصحابة والتَّابِعِينَ عنه، ونقلهم لحديثه، وثقتهم به، لثمانمائة برهان على جلالة قدره وصدق لهجته، وثمانمائة تكذيب لمن أكل الحسد والعداوة والتعصب قلوبهم من المُسْتَشْرِقِينَ ومن تبعهم من المُسْلِمِينَ.
مَرَضُهُ وَوَفَاتُهُ:
---------------
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الْدُّنْيَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَىَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَدِيْدُ الْوَجَعِ فَاحْتَضَنْتَهُ، فَقُلْتُ: «الْلَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ»، فَقَالَ: «الْلَّهُمَّ لاَ تُرْجِعَهَا - قَالَهَا مَرَّتَيْنِ -» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَمُوتَ فَمُتْ، وَالْلَّهِ الَّذِيْ نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَىَ النَّاسِ زَمَانٌ يَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَىَ قَبْرِ أَخِيهِ فَيَتَمَنَّى أَنَّهُ صَاحِبُهُ».
стр. 308
وروى أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن مهران عن أبي هريرة أنه قال حين حضره الموت: «لاَ تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطَا وَلاَ تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرَةٍ وَأَسْرَعُوا بِيَ».
وأخرج البغوي عن أبي هريرة أنه لما حضرته الوفاة بكى فسئل فقال: «مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَشِدَّةِ المَفَازَةِ».
ودخل مروان عليه في مرضه الذي مات فيه قال: «شَفَاكَ اللهُ»، فقال أبو هريرة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِيِ». ثم خرج مروان فما بلغ وسط السوق حتى مات. وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان بعد العصر سَنَةِ سبع أو ثمان أو تسع وخمسين. وعمره ثمان وسبعون أو تسع وسبعون سَنَةً. ولما بلغ معاوية نعيه أمر عامله بالمدينة أن يدفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ويحسن جوارهم، لأنه كان مِمَّنْ نصر عثمان يوم الدار ﵀ ورضي عنه وأجزل مثوبته.
شُبَهُ مُؤَلِّفُ " فَجْرِ الإِسْلاَمِ " عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ:
---------------------------------------------
هذه هي الصورة الصادقة لأبي هريرة كما جاءت في التاريخ، وكما عرفها علماؤنا، فكيف أبرز مؤلف " فجر الإسلام "، هذه الصورة؟
لقد ذكر في أوائل فصل الحديث رَدَّ ابن عباس وعائشة عليه، وتكذيبهما له فيما روى من بعض الأحاديث، ثم زعم أنه يترجم له فاقتصر على ذكر نسبه وأصله وتاريخ إسلامه، وأشار إلى ما رُوِيَ من دعابته ومزاحه - وعرفت غرضه من ذلك - وكان من حق الأمانة العلمية عليه أن يذكر لنا مكانته في الصحابة والتَّابِعِينَ وأئمة الحديث، وثناءهم عليه، وإقرارهم له بالحفظ والضبط والصدق لأن هذا الجانب من ترجمة أبي هريرة أدخل في موضوعنا وأمس به من كل شيء سواه، ولكنه لم يفعل شيئاً من هذا، بل تعرض لآمور يسيء ظاهرها إلى أبي هريرة جِدَّ الإساءة، فكانت محاولة مستورة للطعن فيه، تمشياً مع (جولدتسيهر) وأمثاله من المُسْتَشْرِقِينَ.
وتتلخص دسائسه عليه في الأمور التالية:
أولاً - إن بعض الصحابة - كابن عباس وعائشة - رَدُّوا عليه بعض حديثه وَكَذَّبُوهُ.
ثانياً - إنه لم يكن يكتب الحديث، بل كان يعتمد في روايته على ذَاكِرَتِهِ.
стр. 309
ثالثاً - إنه لم يكن يقتصر على ما سمع من الرسول، بل كان يُحَدِّث عنه بما سمعه من غيره.
رابعاً - إن بعض الصحابة أكثروا من نقده، وَشَكُّوا في صِدْقِهِ.
خامساً - إن الحَنَفِيَّة يتركون حديثه إذا عارض القياس ويقولون عنه: إنه غيرفقيه.
سادساً - إن الوُضَّاعَ انتهزوا فرصة إكثاره، فَزَوَّرُوا عليه أحاديث لا تُعَدُّ.
وسترى ما في هذه المسائل من أخطاء وتحريفات ومغالطات، وسترى كيف يتمزق ستر هذه المؤامرة العلمية على رجل جليل كأبي هريرة ﵁.
١ - رَدُّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ:
تعرض المؤلف لأبي هريرة عند الكلام على موقف الصحابة بعضهم من بعض، فقال (١):
«فقد رُوِيَ أن أبا هريرة روى حديث: «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ». فلم يأخذ ابن عباس بخبره وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ»، وكذلك روي أنه حَدَّثَ بحديث جاء في " الصَحِيحَيْنِ " وهو: «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». فلم تأخذ به عائشة وقالت: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» (وهو حجر ضخم منقور يملأ ويتوضأ منه)». وأشار في ذيل الصحيفة إلى أن هذه النقول عن شرح " مسلم الثبوت ": ٢/ ١٧٨.
يذكر المؤلف هاتين الواقعتين دليلاً على أن الصحابة كان يضع بعضهم بعضاً موضع النقد، وينزلون بعضهم منزلة أسمى من بعض وقد بَيَّنْتُ فيما سبق أن كل ما كان من الصحابة من رَدِّ بعضهم على بعض، إنما هو نقاش علمي محض، مبني على اختلاف أنظارهم وتفاوت مراتبهم في الاستنباط والاجتهاد، أو على
стр. 310
نسيان أحدهم حَدِيثًا. وتذكر الآخر له، وليس ذلك ناشئاً عن شك أو ريبة أو تكذيب واحد لآخر، وعلى هذا ينبغي أن يفهم كل ما كان من نقاش بين أبي هريرة وغيره من الصحابة، ولا يجوز حمله على غير ذلك، لما ذكرناه من تصديق بعضهم لبعض، خصوصاً أبا هريرة الذي ذكرنا سابقاً، شيئاً من ثقتهم به واعترافهم له بالحفظ والتثبت. وهذه كلمة إجمالية بشأن كل ما يَرِدُ من نقاش بين أبي هريرة والصحابة، وسننظر في خصوص ما نقله المؤلف هنا:
١ - أما الحديث الأول وهو: «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» وردُّ ابن عباس على أبي هريرة، فالكلام عنه من وجوه:
أولاً - لَمْ أَرَ لهذا الحديث بهذا النص أثراً في كتب الحديث قاطبة، ولا في كتب الفقه والخلاف، وَلَمْ أَرَ فيها ذكراً لهذه الحادثة التي رَدَّ فيها ابن عباس على أبي هريرة، ولو ثبت الحديث وثبتت الحادثة لما أغفلوا النص عليها، نعم ذكرها بعض علماء الأصول - بينهم صاحب " المَسَلَّمِ " - وهؤلاء قوم يتساهل بعضهم في ذكر الأحاديث التي ليس لها أصل، أو لها أصل من طريق ضعيف، لأن الحديث ليس من اختصاصهم، وعلى كل حال فإن كتبهم ليست مرجعاً في علم الحديث، ولا يرجع إليها فيه - متخطياً دواوينه المعتبرة - إلا حاطب ليل، أو صاحب غرض.
ثانياً - إن الموجود في بعض كتب الحديث غير هذا.
فقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: «مِنْ غُسْلِهِ الْغُسْلُ وَمِنْ حَمْلِهِ الْوُضُوءُ»، ثم قال الترمذي: وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ. قَالَ أَبُو عِيسَى: (يعني نفسه) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي يُغَسِّلُ الْمَيِّتَ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ: إِذَا غَسَّلَ مَيِّتًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: «أَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلاَ أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا»، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وقَالَ أَحْمَدُ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا أَرْجُو أَلاَّ يَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَأَقَلُّ
стр. 311
مَا [قِيلَ] فِيهِ». وقَالَ إِسْحَاقُ: «لاَ بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ». وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَغْتَسِلُ وَلاَ يَتَوَضَّأُ مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ».
والذي يستخلص منه أن أبا هريرة لم ينفرد برواية الحديث، بل رواه عَلِيٌّ وعائشة وأنه رُوِيَ عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً، ولا أثر لرد ابن عباس عليه إذ لو ثبت لنقله كما نقل غيره، مِمَّا رَدَّ فيه بعض الصحابة على بعض، وأن أهل العلم مختلفون في ذلك اختلافاً كبيراً، وفي هذا كله ما يسقط احتجاج مؤلف " فجر الإسلام " بهذه الواقعة التي لم يثبت وقوعها، بين أبي هريرة وابن عباس، وأن أبا هريرة رَوَى حَدِيثًا في غسل الميت لم ينفرد به، بل شاركه فيه غيره على ما سمعت.
ثالثاً: على فرض صحة الواقعة وثبوت رَدِّ ابن عباس، فليس معناه التكذيب ولا الطعن، بل هو خِلاَفٌ في فهم الحديث وفقهه، فأبو هريرة يوجب الوضوء من الجنازة عَمَلاً بظاهر الحديث، وابن عباس يرى الوجوب غير مُرَادِ الحديث بل هو محمول على الندب، ولذا قال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ ... »، فلكمة «لاَ يَلْزَمُنَا» نص في تحرير النزاع بين الطرفين: أبو هريرة يثبت اللزوم، وابن عباس ينفيه، وكل منهما صحابي جليل فقيه مجتهد، فلا حرج في اختلافهما في فهم الحديث واستنباط فقهه.
٢ - وأما الحديث الثاني وهو: «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ ... إلخ».
فهو صحيح أخرجه " البخاري " و" مسلم " وغيرهما من أصحاب الصحاح، وهو مروي عن ابن عمر وجابر وعائشة.
أما رد عائشة عليه وقولها له: «[كَيْفَ] نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» فهذا لم يصح في كتب الحديث، ولا ذكر له فيها، بل الذي صَرَّحَ به ابن العربي والحافظ الولي العراقي في " طرح التثريب شرح التقريب " نقلاً عن البيهقي: «أن الذي اعترض على أبي هريرة هو قين الأشجعي من أصحاب عبد الله بن مسعود، وتلك هي عبارة العراقي: " تقدم أنه في رواية مسلم بدل قوله في وضوئه: " فِي إِنَائِهِ " وفي رواية " فِي الإِنَاءِ " وهذا يدل على أن النهي مخصوص بالأواني دُونَ البرك والحياض التي لا يخاف فساد مائها بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها، ولذلك قال قين الأشجعيُّ
стр. 312
لأبي هريرة حين حَدَّثَ بهذا: فكيف إذا جئنا مهراسكم هذا فكيف نصنع به؟ فقال أبو هريرة: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّكَ». رواه "البيهقي ". فكره أبو هريرة ضرب الأمثال للحديث، وكذلك ما رواه " الدارقطني " و" البيهقي " من حديث ابن عمر في هذا الحديث، فقال له رجل: إن كان حوضاَ؟ فكره ابن عمر ضرب الأمثال بحديثه ﷺ ، وكان شديد الاتباع للأثر» اهـ.
فهذا صريح في أن أبا هريرة لم ينفرد برواية الحديث، بل رواه ابن عمر أيضاًً، ونقل " الترمذي " أنه روى عن عائشة أيضاًً، وأن ابن عمر قد اعترض عليه أيضاًَ حين روايته للحديث، وأن المعترض على أبي هريرة قين الأشجعي، لا ابن عباس ولا عائشة، وقين هذا تابعي من أصحاب ابن مسعود، كما تقدم، وإليك عبارة ابن حجر في «قين» ليتأكد لديك ما سبق:
«قين الأشجعي: تابعي من أصحاب عبد الله بن مسعود جرت بينه وبين أبي هريرة قصة، فذكره ابن منده في " الصحابة "، وأخرج من طريق يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن قيناً الأشجعي قال: «كَيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟» وهذا الحديث معروف من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ النَّوْمِ ... إلخ» فقال له قين الأشجعي: «فَإِذَا جِئْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟» وروى الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، الحديث المرفوع. قال الأعمش فذكرته لإبراهيم فقال: «قَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ الْلَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ أَبُوْ هُرَيْرَةَ بِالْمِهْرَاسِ» (١) اهـ.
وبهذا يَتَبَيَّنُ أنه لا صحة لما نقل من رَدِّ عائشة على أبي هريرة، وعلى فرض صحته تكون المسألة خلافاً في فهم الحديث، فـ «أبو هريرة» يرى وجوب غسل الأيدي، وبه قال أحمد وأبو داود والطبري، وعائشة وابن عباس لا يريان ذلك، وهو قول جمهور أهل العلم، وليس في الأمر تكذيب ولا شك.
وهنا شيء ينبغي التأمل فيه والوقوف عنده، وهو أن المؤلف بعد أن ذكر
стр. 313
رَدَّ عائشة على أبي هريرة أسنده إلى " شرح مسلّم الثبوت "، وبالرجوع إليه يعلم أن الذي ذكره إنما هو صاحب " المسلّم "، أما الشارح فقد نَبَّهَ إلى خطئه في هذا النقل وأنه لا صحة له عن عائشة، وتلك عبارة الشارح: قال في "التيسير ": «لَمْ يَثْبُتْ هَذَا مِنْهُمَا - أَيُّ مِنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ قَيْنٍ الأَشْجَعِيِِّ وَفِيْ صُحْبَتِهِ خِلاَفٌ» انتهى. وعبارة " التيسير " التي أشار إليها الشارح، منقولة عن " التقرير " لابن أمير الحاج وفيه يقول: «على أن ما ذكر عن عائشة وابن عباس قال شيخنا الحافظ: لا وجود له في شيء من كتب الحديث، وإنما الذي قال هذا لأبي هريرة رجل يقال له " قين الأشجعي "، فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ ... إلخ» فقال له قين الأشجعيّ: كيف نصنع بمهراسكم؟ فقال له أبو هريرة: نعوذ بالله من شَرِّكَ، وقين الأشجعيّ ذكره ابن منده في " الصحابة "، فقال: له ذكر في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة (يعني هذا) وتَعَقَّبَهُ أبو نعيم بأنه ليس فيه ما يدل على صحبته، قال شيخنا الحافظ: «» (١). اهـ.
إِذًا تبين لك هذا، علمت أن مؤلف " فجر الإسلام " جَانَبَ الحَقَّ في هذا النقل في موضعين:
١ - نسبة ما نقله إلى شارح " المُسَلَّّم "، مع أن الذي ذكره، صاحب " المُسَلَّّم " نفسه.
٢ - تغافله عن تنبيه الشارح إلى خطأ المصنف وعن تصحيحه للواقعة، فبأي شيء تفسر عمله هذا أكثر من أن يكون حرصاً منه على إثبات تكذيب الصحابة بعضهم لبعض وإثبات تكذيب الصحابة لأبي هريرة خاصة، مهما تحمل في سبيل ذلك من أخطاء ومجانبة للحق؟ فقاتل الله العصبية والهوى.
٢ - عَدَمُ كِتَابَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْحَدِيثِ:
أما أنه لم يكن يكتب الحديث، بل كان يُحَدِّث من ذاكرته (٢) فهذا شيء
стр. 314
لم ينفرد به أبو هريرة، وإنما هو صنيع كل من روى الحديت من صحابة رسول الله ﷺ ، ما عدا عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد كانت له صحيفة يكتب فيها، وذلك معروف للمطلعين على تاريخ الحديث، ويعترف به المؤلف نفسه إذ يقول (١): «وعلى كل حال، مضى العصر الأول ولم يكن تدوين الحديث شائعاً، إنما كانوا يَرْوُونَهُ شفاهاً وحفظاً، ومن كان يُدَوِّنُ فإنما كان يُدَوِّنُ لنفسه» انتهى.
ويشير بذلك إلى من دَوَّنَ الحديث من التَّابِعِينَ في القرن الأول، أما من الصحابة فلم يكن يُدَوِّنُ الحديث لنفسه في صحيفة خاصة إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فَما وجه تخصيص أبي هريرة بهذا؟ وما الفائدة من ذكره وهو معلوم مشهور؟ ليس لذلك سر إلا أن المولف يريد التشكيك بأحاديث أبي هريرة، فما دام الرجل لم يكتب الحديث وما دام يروي من ذاكرته فقط، وما دامت الذاكرة قد تخطئ وتخون، فنحن في شك من صحة أحاديثه، إلى هذا يرمي مؤلف " فجر الإسلام " حتماً ولولاه لما أغفل عَمْداً ثناء الصحابة عليه في حفظه وصدقه ودينه وزهده وإقرار العلماء له بالتقدم على الصحابة جميعاً في حفظ الحديث وروايته، حتى ليبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم، كما قال البخاري.
ولو أنه ذكر ذلك لما تأتى له الطعن في أبي هريرة من هذه الناحية، فالرجل الحافظ الصادق المتثبت في حفظه، المعترف له من أهل العلم بالأمانة والإتقان، لا يضره ألاَّ يُحَدِّث من كتاب، بل من العلماء من يُفَضِّلُ الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من حفظه إذا كان مُتَثَبِّتاً صدوقاً على الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من كتاب غيره، حتى لقد ذهب علماء الأصول إلى أنه إذا تعارض حَدِيثًان: أحدهما مسموع والآخر مكتوب، كان المسموع أولى وأرجح، قال الآمدي في " الإحكام " (٢): «وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَىَ الْمَرْوِيَِّ فَتَرْجِيحَاتٌ: الأَوَّلَ، أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعِ مِنَ الْنَّبِيِِّ ﷺ ، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى عَنْ كِتَابَةٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى، لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ الْتَّصْحِيْفِ وَالْغَلَطِ».
стр. 315
ومن هنا كره فريق من السلف الصالح من الصحابة والتَّابِعِينَ كتابة الحديث كَيْلاَ يُتَّكَلَ على الكتابة وحدها فتضعف مَلَكَةُ الحفظ، أخرج ابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (١) بسنده إلى إبراهيم النخعي قال: «لاَ تَكْتُبُوا فَتَتَّكِلُوا». وقال أيضاًً: «قَلَّمَا كَتَبَ رَجُلٌ كِتَابًا إِلاَّ اتَّكَلَ عَلَيْهِ». وأخرج أيضاًً عن الأوزاعي: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَيئا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَلاقُونَهُ (٢) وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ وَصَارَ إِلَىَ غَيْرِ أَهْلِهِ». قال ابن عبد البر: ... وَالَّذِينَ كَرِهُوا الْكِتَابَ كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ شِهَابٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ وَجُبِلَ جِبِلَّتَهُمْ كَانُوا قَدْ طُبِعُوا عَلَى الْحِفْظِ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَجْتَزِئُ بِالسَّمْعَةِ، أَلاَ تَرَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنِّي لأَمُرُّ بِالْبَقِيعِ فَأَسُدُّ آذَانِي مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْخَنَا فَوَاللَّهِ مَا دَخَلَ أُذُنِي شَيْءٌ قَطُّ فَنَسِيتُهُ». وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ، وَهَؤُلاَءِ كُلُّهُمْ عَرَبٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِبُ» وَهَذَا مَشْهُورٌ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ خُصَّتْ بِالْحِفْظِ، [كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْفَظُ أَشْعَارَ بَعْضٍ] فِي سَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ حَفِظَ قَصِيدَةَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ
فِي سَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا ذَكَرُوا، والحادثة مشهورة في كتب الأدب والتاريخ.
٣ - تَحْدِيثُهُ بِغَيْرِ مَا سَمِعَهُ:
وأما أن أبا هريرة «لم يكن يقتصر على ما سمع من رسول الله ﷺ ، بل يُحَدِّثُ عنه بما أخبره به غيره، فقد روى أن رسول الله قال: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ لَهُ» فأنكرت ذلك عائشة وقالت: كان رسول الله يدركه الفجر في رمضان وهو جُنُبٌ من غير احتلام فيغتسل ويصوم، فلما ذُكِرَ ذلك لأبي هريرة قال: «إِنَّهَا أَعْلَمُ مِنِّي وَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الفَضْلِ بْن العَبَّاسِ» (٣).
стр. 316
فالكلام في ناحيتين:
الأولى - في إسناد أبي هريرة إلى الرسول ما لم يسمعه، فهذا لم ينفرد به أبو هريرة، بل شاركه فيه صغار الصحابة ومن تأخر إسلامه، فعائشة وأنس والبراء وابن عباس وابن عمر، هؤلاء وأمثالهم أسندوا إلى الرسول ما سمعوه من صحابته عنه، وذلك لما ثبت عندهم من عدالة الصحابي وصدقه، فلم يكونوا يجدون حرجاً ما في صنيعهم هذا. فقد روى ابن عباس عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ : «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» و «أَنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وقال في الخبر الأول لما روجع فيه: «أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ» (١)، وقال في الخبر الثاني: «أَخْبَرَنِي بِهِ أَخِي الفَضْلِ بْن العَبَّاسِ» (٢)،
وروى ابن عمر عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ أنه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ»، وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة (٣). وقد قدمنا لك قول أنس بن مالك ﵁: «مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يُكَذِّبُ بَعْضُنَا بَعْضًا» وقول البراء: «مَا كُلُّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُهُ عَنْهُ وَكَانَتْ تَشْغَلُنَا عَنْهُ رِعْيَةِ الإِبِلِ».
وهذا ما يسمى عند العلماء بُِِمُرْسَلِ الصحابي، وقد أجمعوا على الاحتجاج به، وأن حكمه حكم المرفوع، ما عدا الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني فإنه قال: «يحتمل أن يكون الصحابي راوياً ذلك الحديث عن تابعي»، وهو قول مردود، ويكفي إجماع أهل الحديث والأصول على خلافه.
قال الشيخ ابن الصلاح في " مقدمته ": «ثُمَّ إِنَّا لَمْ نَعُدَّ فِي أَنْوَاعِ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ مَا يُسَمَّى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ مِثْلَمَا يَرْوِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعُوهُ مِنْهُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ المَوْصُولِ المُسْنَدِ، لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالجَهَالَةَ بِالصَّحَابِيِّ غَيْرُ قَادِحَةٍ، لأَنَّ
стр. 317
الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ» (١) اهـ. وفي " شرح العلامة العراقي على المقدمة " جواباً عما اعترض به على المصنف في قوله: «مَا يُسَمَّى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ»: «إن المُحَدِّثِين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها، فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أنه لا يحتج بها وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالاحتجاج بها». اهـ.
وقال الإمام النووي بعد أن ذكر الخلاف في حُجية المرسل: «هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النَّبِيّ ﷺ أو نحوه - مِمَّا نعلم أنه لم يحضره لصغر سِنِّهِ أو لتأخر إسلامه أو غير ذلك - فالمذهب الصحيح المشهور الذى قطع به جمهور أصحابنا وجماهير أهل العلم به حُجَّةٌ، وأطبق المُحَدِّثُونَ المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بِحُجَّةٍ على الاحتجاج به وإدخاله في الصحيح، وفي " صحيحي " البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى. وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراينى من أصحابنا: لا يحتج به بل حكمه حكم مرسل غيره، إلا أن يبين أنه لا يرسل إلا ما سمعه من النَّبِيّ ﷺ أو صحابي، قال: لأنهم قد يَرْوُونَ عن غير صحابي» ثم قال النووي: «والصواب الأول وأنه يحتج به مطلقاً لأن روايتهم عن غير الصحابي نادرة، وإذا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا فإذا أطلقوا ذلك فالظاهر أنه عن الصحابة والصحابة كلهم عدول» (٢). اهـ.
هذه هي أقوال العلماء في إرسال الصحابة، ومنها نعلم حكم إرسال أبي هريرة الذي حاول مؤلف " فجر الإسلام " أن يتخذ منه مطعناً.
الثانية: وهي الحديث الذي ساقه المؤلف شاهداً لذلك الكلام فيه من وجوه:
أولاً - إن كتب الصحيح لم تذكر إنكار عائشة عليه ولكنها ذكرت المسألة على أن أبا هريرة، اسْتُفْتِيَ في صوم من أصبح جُنُباً فأفتى بأنه لا صوم له،
стр. 318
فاستفتيت عائشة وأم سلمة في المسألة نفسها فكلتاهما أفتت بصحة صومه، وقالت كان رسول الله يصبح جُنُباً ثم يصوم، فلما قيل ذلك لأبي هريرة رجع عن فتواه وقال: «هُمَا أَعْلَمُ مِنِّي»، فالواقعة واقعة فتوى، أفتى فيها كل بما علمه وصح عنده عن رسول الله ﷺ وليس فيه إنكار عائشة ولا رَدَّهَا عليه.
ولِنَسُقْ لك نص " مسلم " ﵀ فقد أخرج بسنده إلى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، [يَقُصُّ]، يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ»، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ (أَيْ لأَبِيهِ) فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ» قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ: قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ.
هذا نص " مسلم " وهو صريح في عدم وقوع الإنكار والرد من عائشة على أبي هريرة، وقد صرح بذلك شارح " مسلَّم الثبوت " حيث قال بعد أن صَحَّحَ نقل المصنف بما نقله من " سفر السعادة ": «وليس في هذا رَدُّ أم المؤمنين على أبي هريرة، ولا يعرف له إسناد» ثم قال: وما في الحاشية: «من أن أم المؤمنين إنما رَدَّتْ لمخالفة الكتاب، فشجرة نبتت على الأصل الموهون، فإن الرَدَّ لم يثبت وإنما روت فعله ﷺ (١). اهـ.
فاقرأ هذا ثم اعجب من صنيع مؤلف " فجر الإسلام " إذ لم يكتف بالتغاضي
стр. 319
عن موقف الشارح من تصحيح الحادثة، ونفي الإنكار والرد على عائشة، بل زاد على ذلك نسبة القول بالإنكار والرد إلى هذا الشارح نفسه، وقد سبق المؤلف مثل هذا في مواطن كثيرة، فهنيئاً له هذه الأمانة العلمية!
ثانياً - لو سلمنا ثبوت الإنكار عنها فليس معناه تكذيب أبي هريرة فيما روى، بل معناه أنها لا تعرف هذا الحكم، وإنما نعرف خلافه، فيكون من الاستدراكات التي استدركتها عائشة أم المؤمنين على كبار الصحابة كعمر وابنه عبد الله وأبي بكر وَعَلِيٌّ وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخُدري وغيرهم (١)، وما زال الصحابة يستدرك بعضهم على بعض لا يرون ذلك تكذيباً، بل تصحيحاً للعلم، وأداء للأمانة على ما يعرفها الصحابي، وقد قال ﵊: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» (٢).
ثالثاً - أكثر الروايات لم تذكر رفع أبي هريرة الحديث إلى النَّبِيّ ﷺ بل ذكرت أن ذلك كان فتوى منه، وقليلها هي التي جاء فيها الحديث مرفوعاً، وكذلك ورد في بعض الطرق أن أبا هريرة نسب ذلك إلى الفضل، وفي بعضها إلى أسامة بن زيد، وفي رواية، أخبرني فيه فلان وفلان، فَدَلَّ ذلك على أنه سمعه من الفضل وأسامة، لكن بعض الرُواة اقتصر على أسامة، وكثيراً ما يقع مثل هذا للرُواة.
رابعاً - قال العلامة ابن حجر: قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك، إما لرُجحان رواية أم المؤمنين في جواز ذلك صريحاً على رواية غيرهما، مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال، إذ يكمن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النهي عن صوم ذلك اليوم، وإما لاعتقاده أن يكون خبر أم المؤمنين ناسخاً لخبر غيرها - وهذا ما عليه أكثر العلماء - وقد بقي على مقالة أبي هريرة
стр. 320
هذه بعض التَّابِعِينَ كما نقله الترمذي ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي (١). اهـ.
هذا وجه الحق في هذه المسألة لمن أراد الحق مجرَّداً عن كل هوى وغرض.
٤ - إِنْكَارُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ الحَدِيثَ:
قال: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقده على الإكثار من الحديث عن رسول الله ﷺ ، وشَكُّوا فيه، كما يدل على ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " أن أبا هريرة قال: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلاً مِسْكِينًا، أخدُم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ». وفي حديث آخر في "مسلم " أيضاًً أن أبا هريرة قال: «يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ - وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ - وَيَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا» (٢) اهـ.
هذه العبارة تكاد تكون عين عبارة «جولدتسيهر» إلا أن هذا كان أكثر أدباً واحتراساً من اتهام أبي هريرة بتكذيب الصحابة له حيث يقول «جولدتسيهر»: «ويظهر أن علمه الواسع بالأحاديث التي كانت تحضره دائماً قد أثار الشك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة والذين لم يترددوا في التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر» (يشير بذلك إلى الحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ نقلَهُما المؤلف عن "مسلم ") (٣).
فأساس الطعن مأخوذ من هنا، كما رأيت مع فارق بسيط وهو أن المستشرق