مُعَاوِيَةَ ﵁، وَالحَقُّ كَانَ بِيَدِ عَلِيٍّ فِي نَوْبَتِهِ، وَالتَّابِعُونَ تَقَلَّدُوا مِنَ الحَجَّاجِ وَكَانَ جَائِرًا، إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُمَكِّنُهُ مِنَ القَضَاءِ بِحَقٍّ» (١) اهـ.
وقال ابن العربي من علماء المالكية عند شرحه لكتاب القضاء في " الترمذي ": «وَالوِلاَيَةُ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ عَلَى الأَعْيَانِ وَإِنِّمَا هُوَ عَلَى الكِفَايَةِ، فَلَوْ دَعَا الإِمَامُ إِلَى العَوْنِ جَمِيع النَّاسِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا لأَثِمُوا، وَإِذَا قَبِلَ بَعْضُهُمْ أُجِرُوا وَسَقَطَ الفَرْضُ عَنْ البَاقِينَ» اهـ.
وقال ابن فَرْحُون في " تبصرة الحكام ": «وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ مِنْ الأَحَادِيثِ التِي فِيهَا تَخْوِيْفٌ وَوَعَيدٌ فَإِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الجَوْرِ الْعُلَمَاء أَوْ الجُهَّالِ الذِينَ يُدْخِلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا المَنْصِبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ جَاءَ الوَعِيدُ» (٢).
وبهذا يتبين لنا أن القضاء ليس كما أراد أن يصوره لنا جولدتسيهر مُسْقِطًا للعدالة، بل هو شرف عظيم، ولو لم يكن فيه إلا النيابة عن رسول الله ﷺ في الحُكْمِ بين الناس بما أنزل اللهُ لكفاه شرفاً وفضلاً. نَعَمْ، فَرَّ كَثِيرُونَ من العلماء من القضاء، وَتَحَمَّلَ بعضهم في سبيل ذلك بعض الأذى ولكنهم لم يفعلوا هذا لأنه مسقط للعدالة وداعية إلي الجرح، بل فعلوه بداعي الورع والزهد وتحرزهم من أن يلقوا الله وعليهم تبعات من أمور الناس، قال ابن العربي تعليلاً لامتناع بعض الصحابة عن تولي القضاء: «إِنَّ المَرْءَ فِيمَا يَعْمَلُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجَلٍ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُرُوطِهَا، وَعَلَىَ تَقِيَّةٍ مِنْ عَدَمِ القَبُولِ لَهَا مِمَّا دَخَلَ فِيهَا بِمَا لاَ يُحْصِيهِ، وَهَذَا فِيمَا كَانَ مِنَ الطَّاعَةِ يَخْتَصُّ بِهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ، فَكَيْفَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبَادِ التِي نِيْطَتْ بِهِ وَأَلْزَمَتْ طَوْقَ عُنُقِهِ، فَالوَجَلُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَالتَّقِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ أَعْظَمَ».
وبعد فهذا بحث مستفيض حول الإمام الزُّهْرِي ﵁، وما
стр. 247
حاول أن يلصقه به المستشرق «جولدتسيهر» من تهم وأباطيل، إن صحت أذهبت الثقة بهذا الإمام وبحديثه ومروياته، وإذا ذهبت الثقة به فقد ذهبت الثقة بكُتُبِ السُنَّةِ كلها، لما ذكرناه لك من عظيم مقام الزُّهْرِيِّ فِي عِلْمِ السُنَّةِ، ولأنه أول مَنْ دَوَّنَهَا، ولكننا - بحمد الله - كشفنا الستار عن تلك الأباطيل، وَبَيَنََّا ما فيها من تَحَامُلٍ على هذا الإمام العظيم الذي كان كما قال شيخ الإسلام «ابن تيمية» خادم الإسلام سبعين سَنَةٍ.
إن إماماً كالزُّهْرِي كان يقول: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ العِلْمِ، إِنَّ هَذَا العِلْمَ أَدَبُ اللهِ الذِي أَدَّبَ بِهِ نَبِيَّهُ ﵊، وَهُوَ أَمَانَةٌ اللهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيهِ عَلَى مَا أَدَّى إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلََهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ » وكان يقول: «إِنَّ لِلْتَّعْلِيمِ غَوَائِلَ، فَمِنْ غَوَائِلِهِ أَنْ يَتْرُكَهُ العَالِمُ حَتَّى يَذْهَبَ عِلْمُهُ، وَمِنْ غَوَائِلِهِ النِّسْيَانُ، أَمَّا وَمِنْ غَوَائِلِهِ الكَذِبُ فِيْهِ وَهُوَ أَشَدُّ غَوَائِلِهِ» إن إماماً كهذا الإمام العظيم، كان في حياته عَلَمًا من أعلام الهُدَى، وسيظل كذلك إلى ما شاء الله، رغم أنف الجاحدين والمتعصبين والمبطلين، والحمد لله رب العالمين.
عودة إلى مناقشة شُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ:
٩ - تَغْيِيرُ الأُمَوِيِّينَ الحَيَاةَ الدِّينِيَّةَ:
ثم يقول المستشرق «جولدتسيهر» بعد أن فرغ من الكذب على الزُّهْرِي: «ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية أو لصالح البيت الأموي، بل تَعَدَّى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة، مثل ما هو معروف من أنَّ خطبة الجمعة كانت خُطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفاً، وأنَّ خطبة العيد كانت تَتْبَعُ الصلاة فَغَيَّرَ الأُمَوِيُّونَ من ذلك، فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة الثانية جالساً، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حَيْوَةَ من أنَّ الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوساً في حين قال جابر بن سَمُرَةَ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ». ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة التي
стр. 248
أزالها العباسيون بعد ذلك، كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذَاتَ مُيُولٍ، بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر الرسمية والعمل على إخفائها وَتَوْهِينِهَا، فَمِمَّا لا شك فيه أنه كانت أحاديث في مصلحة الأُمَوِيِّينَ اختفت عند مجيء العباسيين».
إن هذا الرجل يتكلم بعقلية غريبة عنا - نَحْنُ المُسْلِمِينَ - بل بعقلية غريبة عن المحيط العلمي وذلك أن الناس ما زالوا منذ قديم الزمان حتى اليوم، يرون من بعض الملوك الحاكمين إجراءات تتعلق بالمحافظة على حياتهم أحياناً، أو تتعلق بزيادة مظاهر العظمة والنفوذ، أو يقومون بإصلاحات تتعلق ببلادهم وأماكن العبادة فيها، وقد يكون لهؤلاء الملوك مخالفون كما يكون لهم مؤيدون، ومع ذلك فلا يخطر في بال أحد أن مثل هذه المظاهر تدل على تلاعب بالدين، أو استخدام للعلماء في سبيل هذا التلاعب بالدين، يقع هذا بين سمعنا وبصرنا، ووقع لمن قبلنا وما زال الخلفاء والملوك منذ عصر الصحابة حتى اليوم يفعلون مثل هذا، فها هو أبو بكر يجمع ألقرآن في مصحف، وعمر يجمع الناس على التراويح وعثمان يُحَدِّث الأذان الأول يوم الجمعة خارج المسجد وعمر بن عبد العزيز يزيد في مسجد رسول الله ﷺ .
وها هُمْ الملوك والرؤساء يُجَدِّدُونَ المساجد ويزيدون فيها وينقصون، ويتخذون من الحيطة لأنفسهم عند الذهاب إلى الصلاة ما يدفع عنهم خطراً متوهماً أو متوقعاً، فلماذا لا يعتبر عمل هؤلاء تَزَيُّداً في الدين يدل على انحراف عنه؟ ونعتبر مثل زيادة معاوية في درجات المنبر، واتخاذه المقصورة دليلاً على تغيير الحُكَّامِ الأُمَوِيِّينَ للحياة الدينية؟ إن المنبر غُيِّرَ على عهد الرسول ﷺ في حياته، فبعد أن كان رسول الله يقف بجانب جذع النخل، اتَّخَذَ مِنْبَرًا مِنْ ثَلاَثِ دَرَجَاتٍ، حين تزايد الناس في المسجد، واحتاج الأمر إلى مكان عال ليسمع البعيد كما يسمع القريب، فما الذي يمنع من زيادة الدرجات على هذا إذا اتسع المسجد أكثر من ذلك؟ وزاد الناس فيه عما كانوا عليه في حياة الرسول ﷺ ؟ لا شيء يمنع من هذا لا ديناً ولا شرعاً
стр. 249
ولا تُقىً ولا وَرَعاً، وهذا هو ما فعله معاوية حين زاد درجات المنبر، أما اتخاذه المقصورة، فليس لتغيير الحياة الدينية، بل حيطة لنفسه من الاغتيال بعد أن تآمر الخوارج عليه وعلى عَلِيٍّ وعمرو بن العاص. فلما قُتِلَ عَلِيٌّ ونجا هو وعمرو، رأى من الحيطة أن لا يصلي مختلطاً بالناس بل في مقصورة تمنع عنه الأذى، وقد ذكر ذلك ابن خلدون في صريح العبارة (١).
أما الجلوس في الخطبة الثانية، فنحن نعترف بأنه تغيير من شكل العبادة بدأ به معاوية، ولكن لا تَعَمُّداً لهذا التغيير، بل اضطراراً حين كثر شحمه ولحمه، فلم يعد يستطيع الوقوف كثيراً، قال الشعبي: «أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ قَاعِدًا مُعَاوِيَةُ، وَذَلِكَ حِينَ كَثُرَ شَحْمُهُ وَعَظُمَ بَطْنُهُ» (٢) ومع ذلك فقد لقي من إنكار العلماء يومئذ ما يعطيك الدليل القاطع على أن علماءنا لم يكونوا يجاملون في حقٍ أو يتساهلون في إنكار منكر يعتقدونه.
أخرج البيهقي عن كعب بن عجرة: أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن الحكم (٣)، يخطب قاعداً فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً والله تعالى يقول لرسوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) ومع ذلك فلم يحتج ابن الحكم بحديث، ولم يَدَّعِ في ذلك سنة عن رسول الله ﷺ .
أما ما ادَّعَاهُ «جولدتسيهر» من أن رجاء بن حيوه روى لهم أن رسول الله والخلفاء كانوا يخطبون جلوساً، فهذا كذب على رجاء، وافتراء على إمام ثقة من أئمة المُسْلِمِينَ، ويستحيل أن يقول رجاء هذا في عصر لا يزال فيه كثير من الصحابة يدافعون عن سُنَّةِ رسول الله دفاع المُسْتَمِيتِ، ولم نجد لنسبة هذا الحديث إلى رجاء أثراً في أي كتاب من كُتُبِ السُنَّةِ
стр. 250
المعتمدة، ولعله رآه في كتاب ككتاب " ألف ليلة وليلة "، الذي كثيراً ما اعتمد عليه في النقل أثناء بحوثه العلمية، أو في كتاب " حياة الحيوان " للدميري الذي ينقل عنه كثيراً، ورجاء بن حيوه عند أئمة الحديث ثقة حافظ قال الذهبي (١): قال ابن سعد: «كان رجاء فاضلاً ثقة كثير العلم، وقال ابن عون: لم أر مثل رجاء بالشام ولا مثل ابن سيرين بالعراق ولا مثل القاسم بالحجاز»، قال الذهبي: قلت: هو الذي اشار على سليمان باستخلاف عمر بن عبد العزيز، فذنب هذا الإمام الثقة في نظر جولدتسيهر أنه كان بالشام وكان متصلاً بخلفاء الأُمَوِيِّينَ كذنب الزُّهْرِي تماماً.
وأما قول جابر بن سَمُرَة: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ جَالِساً فَقَدْ كَذَبَ»، فليس فيه رَدٌّ على حديث وضع بالفعل، بل يحتمل أن يكون رَداً لما يطرأ في أذهانهم من جواز ذلك، فقطع لهم بأنه مخالف لِسُنَّةِ رسول الله قطعاً.
وأما تقديم الخطبة على الصلاة في العيد، فقد اعتذر مروان عن ذلك بأنه فعله مضطراً لأن الناس لم يعودوا يستمعون إلى خطبهم بعد انتهاء الصلاة، ولم يرد عنه أنه احتج لذلك بحديث أو أنه دفع بعض أتباعه إلى وضع حديث يؤيد ذلك، ومع هذا فقد أنكر عليه الصحابة والتابعون.
أخرج البخاري في " صحيحه " عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه أنكر على مروان والي المدينة من قِبَلِ معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد وجذبه من ثوبه. فجذبه مروان فارتفع فخطب، فقال أبو سعيد فقلت له: غيَّرْتُمْ والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مِمَّا لا أعلم، فقال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة. وأخرج مسلم بهذا المعني ما يؤيده.
فأين ترى استدلال مروان بالحديث؟ وأين ترى استدلال معاوية على
стр. 251
الخطبة جالساً وعلى اتخاذه المقصورة وزيادة درجات المنبر بالحديث؟ نحن لا ننازع في وقوع هذه الحوادث، ولكن الذي ننازع فيه اتخاذ هذه الحوادث التي وقعت من أصحابها اجْتِهَادًا ولظروف خاصة اقتضتها، دليلاً على أنهم أرادوا تغيير ألحياة الدينية ووضعوا أحاديث لذلك، وهذا ما لم يقع، بل الواقع أن هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ يخبطون فيه على غير هدى، ويتوهمون الأمر فيحكمون فيه بحكم قاطع، ثم لا يستطيعون أن يجدوا لما يتخيلوا دليلاً.
وأما زعم المستشرق بأنه مِمَّا لا شك فيه أنه كانت هناك أحاديث في مصلحة الأُمَوِيِّينَ قد اختفت عند مجيء العباسيين، فهذا الذي لا يشك فيه المستشرق هو عندنا كل الشك، إذ نحن نسأله: أين هي هذه الأحاديث؟ وكيف اختفت؟ وكيف عمل العباسيون على إخفائها نهائياً؟ هل منعوا علماء الحديث من ذكرها في أسانيدهم؟ نعم لئن كان اختفى بعض الحديث في عصر دُونَ عصر فذلك اختفاء الكذب حين يفتضح، والباطل حين ينهزم، وانما يختفي من ميادين الكتب الصحيحة والمسانيد الموثوقة، أما أن تختفي من الوجود هي وأصحابها وَرُوَّاتِهَا ومُدَوِّنُوها، فهذا ما لم نعلم له مثيلاً في تاريخنا، وَنَتَحَدَّاهُمْ أن يأتونا بمثال واحد عليه.
١٠ - كَذِبُ الصَّالِحِينَ وَتَدْلِيسُ المُحَدِّثِينَ:
ثم استدل المستشرق لتأييد قوله بما قدح به بعض العلماء «فمن ذلك: قول المُحَدِّثِ أبي عاصم النبيل: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ»، ويقول مثل ذلك يحيى بن سعيد القطان، ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله البَكَّائي: «إِنَّهُ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَانِ كَذُوباً» (وقد سبق إنكار ابن حجر ورود هذه الكلمة فيه). ويقول يزيد بن هارون: «إن أهل الحديث بالكوفة في عصره ما عدا واحداً كانوا مدلِّسين حتى السفيانان ذُكرا في المُدَلِّسِينَ».
قدَّمنا لك في أوائل هذه الرسالة جهود العلماء لمقاومة الوضع والوَضَّاعِينَ وأنه كان من مظاهر هذه الجهود نقد الرُواة نقداً دقيقاً وتصنيفهم
стр. 252
إلى من يقبل حديثه، ومن يُرَدُّ ومن يتوقف فيه، وأنهم حصروا الوَضَّاعِينَ في فئات، منهم الزاهدون والجَهَلة الذين حملهم جهلُهُم على وضع الحديث عن رسول الله ﷺ احتساباً وحُسْن نية ... وقد كشف العلماء أمرهم، وبيَّنوا حقيقتهم، حتى لا يخدع الناس بمظاهر صلاحهم عن غفلة قلوبهم، ومن ذلك ما ذكره هذا المستشرق من قول أبي عاصم: «مَا رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَكْذِبُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ». فإنه واضح أنه ليس المراد منه الصلاح الحقيقي الذي يتمثل في صلاح العلماء وأئمة الدين وحُفاظ الحديث، بل هو ذلك الصلاح الذي تحدثنا عنه، وإلا لكان يجب أن يكون سعيد بن المسيب وعروة والشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والحسن والزُّهْرِي من أكذب الناس في الحديث، ومن يقول هذا؟ ويدلك على ذلك قول يحيى بن سعيد القطان الذي قال بمثل ما قال أبو عاصم قد ذكره مسلم في " مقدمة صحيحه " وهو يتحدث عن وجوب الاحتياط في قبول الأخبار وعدم الأخذ مِمَّنْ كثر غلطه وساءت عقيدته وعرفت غفلته، كهؤلاء الصالحين، ثم قال مسلم بعد ما ذكر قول يحيى بن سعيد القطان: أي يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدونه. فهل ترى مسلماً يريد بالصالحين هنا أئمة الحديث الثقات المُتَثَبِّتِينَ فيكونوا كَذَّابِينَ؟ أم يُخرج هؤلاء المُحَدِّثِين الثقات عن حظيرة الصلاح فيكون البخاري وأحمد والأوزاعي ومسلم نفسه غير صالحين؟ واسمع تفسيراً آخر للصالحين غير ما ذكرناه من قبل. قال الشعراني في " العهود الكبرى ": وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا ﵀ يقول: «إنما قال بعض المُحَدِّثِين: «أكذب الناس الصالحون» لغلبة سلامة بواطنهم، فيظنون بالناس الخير، وأنهم لا يكذبون على رسول الله ﷺ ، فمُرادُهم بالصالحين المُتَعَبِّدُونَ الذين لا غوص لهم في علم البلاغة فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره، بخلاف العارفين، فإنهم لا يخفى عليهم ذلك (١).
стр. 253
أما ما نقله «جولدتسيهر» من قول وكيع عن زياد بن عبد الله البكَائي «مِنْ أَنَّهُ كَانَ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَذُوباً». فهذه إحدى تحريفات هذا المستشرق الخبيث، فأصل العبارة كما وردت في " التاريخ الكبير " للإمام البخاري: وقال ابن عقبة السَدُوسي عن وكيع: «هُوَ (أَيْ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ». اهـ من القسم الأول - الجزء الثاني ص ٣٢٩.
فأنت ترى أن وكيعاً ينفي عن زياد بن عبد الله الكذب مطلقاً لا في الحديث فحسب، وأنه أشرف من أن يكذب، فحَرَّفَها هذا المستشرق اليهودي إلى «أَنَّهُ كَانَ - مَعَ شَرَفِهِ فِي الحَدِيثِ - كَذُوباً». وهكذا تكون أمانة هذا المستشرق!
وأما أمر التدليس فليس هو كما يتبادر من لفظه اللغوي أنه الغش والتزوير الذي يعتبر صاحبه كذاباً، بل هو اصطلاح خاص بِالمُحَدِّثِينَ وهو عندهم قسمان. وإليك عبارة الشيخ ابن الصلاح ﵀:
«التدليس قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه، مُوهِمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه مُوهِمًا أنه قد لقيه وسمعه منه، ... والثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حَدِيثًا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف ... أما القسم الأول: فمكروه جِدًّا ذَمَّهُ أكثر العلماء» وبعد أن ذكر اختلافهم في قبول رواية المدلس. قال: «وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّ مَا رَوَاهُ الْمُدَلِّسُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ وَالاتِّصَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ وَأَنْوَاعِهِ، وَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُبَيِّنٍ لِلاتِّصَالِ نَحْوَ (سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) وَأَشْبَاهِهَا فَهُوَ مَقْبُولٌ مُحْتَجٌّ بِهِ».
وفي " الصَحِيحَيْنِ " وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جِدًّا، كقتادة والأعمش والسفيانين وهُشيم بن بشير وغيرهم، وهذا لأن التدليس ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل» ثم قال: «وأما القسم الثاني: فأمره أخف ... » إلخ.
ومنه يتبين أن السفيانان وغيرهما مِمَّنْ لم يكن تدليسهم جارحاً وأن روايتهم في كتب الصحاح مقبولة ثابتة، فلا معنى للتهويش باصطلاح خاص
стр. 254
في دعوى خطيرة كوضع (العلماء الأتقياء للحديث) على أن ما ذكره إنما هو علماء بلد واحد من بلاد الإسلام وهي الكوفة، فكيف ينطبق على سائر البلاد الإسلامية الأخرى، وقد قال الحاكم في كتابه " معرفة علوم الحديث ": «أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ وَالْعَوَالِي، لَيْسَ التَّدْلِيسُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ وَأَصْبَهَانَ، وَبِلاَدُ فَارِسَ، وَخَوْزِسْتَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرِ لاَ يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسَ، وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ».
على أن علماء الحديث اعتذروا للسفيانين بأعذار مقبولة. فأما سفيان بن عُيينة فقد قالوا: كان يدلس على الثقات فيقبل تدليسه لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما، وهذا ما رجحه ابن حبان، وقال: هذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة (١).
وأما سفيان الثوري، فقالوا: كان تدليسه من قبيل إبدال الاسم بالكنى أو العكس، وهذا تزيين وليس بتدليس، حكاه البيهقي في " المدخل " عن أبي عامر.
١١ - الاِعْتِرَافُ بِصِحَّةِ الحَدِيثِ (شَكْلِيٌّ):
ثم قال جولدتسيهر: «وقد شعر المُسْلِمُونَ في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع إلى (الشكلي) فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث " سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ "، هذا هو المبدأ الذي حدث بعد قليل عند انتشارالوضع».
افترى المستشرق هنا على علماء الإسلام في موضعين:
الأول: زعمه بأن الاعتراف بصحة الحديث شكلي فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وهذا افتراء منه
стр. 255
عليهم وَهُمْ لم يقولوا بذلك قطعاً، وكيف يعترفون بأن هنالك كثيراً من الأحاديث الموضوعة هي جيدة الإسناد؟ وإنما الذي قاله العلماء حين بحثوا مسالة العمل بخبر الواحد: هل يفيد القطع أو الظن؟ فذهب بعضهم إلى أنه يفيد القطع وذهب الجمهور إلى أنه يفيد الظن لأنه وإن كان صحيحاً بحسب الشروط والقواعد العامة، إلا أنه يحتمل ألاَّ يكون صحيحاً (في الواقع) وهذا منهم مجرد احتمال عقلي دعاهم إليه الاحتياط في دين الله والتثبت في الأحكام، فأين هذا مِمَّا ينقله عنهم هذا المستشرق ....
الثاني: زعمه أن المبدأ الذي حدث بعد قليل هو حديث «سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي ... الخ» وهذا افتراء محض، إذ أن هذا الحديث نقده الأئمة وحكموا بوضعه، وقد قدمنا شيئاً من ذلك عند الكلام على حُجِيَّةِ الأخبار، وقدمنا ما قاله الشافعي.
[الثالث]: زعمه أن المبدأ الذي حدث بعد قليل هو حديث «سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ ... » الذي حكموا بوضعه هو القاعدة التي ساروا عليها والمبدأ الذي قالوا به؟ ...
١٢ - نَقْدُ ابْنِ عُمَرَ لأَبِي هُرَيْرَةَ:
واستدل لما ذكره «جولدتسيهر» عن العلماء سابقاً بما روي من نقد ابن عمر لأبي هريرة في حديث [«أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ»] وقد أشبعنا هذا الحديث بحثاً عند نقاشنا للأستاذ «أحمد أمين» الذي اهتدى بملاحظة المستشرق، فأثارها هنا على أنها ملاحظه منه، ومرحى مرحى للعلم والعلماء!.
١٣ - الصُّحُفُ المَكْتُوبَةَ:
وختم المستشرق بحثه بأن العلماء لم يكتفوا بالروايات الشفهية لإثبات قواعدهم الفقهية، بل اخترعوا الصحف المكتوبة التي زعموا أنها تُبَيِّنُ إرادة الرسول وعنى بذلك مسألة، «تعريف الصدقة» وتعرض للروايات التي تنص على وجود صحف متعددة تحتوي على نظام مفصل للدفع، ثم مثل لسهولة قبول الناس بهذا النوع من الوثائق، بالحلف المكتوب الذي أعلن حين
стр. 256
النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب، ويرجع تاريخه إلى عصر تبع بن معد يكرب، فصدقه الناس رغم قدمه فكيف لايصدقون ما هو أحدث منه .. ؟
هذا ولا شك تهجم آخر على المُسْلِمِينَ وعلمائهم لا سند له من التاريخ، فإن هذه النصوص المكتوبة التي ظهرت في القرن الأول أو الثاني لم يتقبلها العلماء كما زعم «جولدتسيهر» من غير أن يبحثوا عن صحتها، بل نقدوها وَأَجْرَوْهَا على قواعدهم الدقيقة التي ذكرناها من قبل، ولذلك حكموا بالوضع على مثل نسخ ابن هدبة ودينار وأبي الدنيا الأشج وغيرهم.
أما الكتب التي تفصل شؤون الزكاة وأنصبتها في الإبل والبقر والغنم، فقد كان لها من عنايتهم ونقدهم النصيب الأوفى، وقد أجمع العلماء على صحة كتاب أبي بكر إلى أنس وَخَرَّجَهُ البخاري والنسائي وأبو داود والدارقطني والشافعي والحاكم والبيهقي، واختلفوا في غيره من الكتب بين تصحيح وتحسين ومنها ما جاء مُرْسَلاً، ومنها ما جاء منقطعاً، وأيا ما كان فإن بحوثهم - لمن أراد أن يرجع إليها في مظانها - تدل دلالة قاطعة على أنهم لم يتلقوها بالقبول بدون نقد، وعلى أنهم لم يعتمدوا فقط على مجرد النص المكتوب، بل رَوَوْا محتوياته، بالطرق المعتادة، مشافهة راوياً عن رَاوٍ وهكذا، فكان اعتمادهم عليها من ناحيتين، النص المكتوب والرواية الشفوية المتصلة، وأياً ما كان فما علاقة هذا بالوضع في الحديث؟ وهل يتخذ من وجود نص قديم مكتوب منذ عهد الرسول دليلاً على أنهم كانوا يخترعون الكتب حين تعوزهم الروايات! وهل يعجز الذين وضعوا الحديث في مختلف نواحيه أن يضعوا بضعة أحاديث تفصل مقدار الزكاة دُونَ أن يلجؤوا إلى اختراع نص مكتوب؟ ومتى كان الاختلاف في صحة نص في مسألة وردت فيها عدة نصوص، دليلاً على أن كل ما ورد موضوع لا أساس له؟؟
أما قضية النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وتصديقهم نصاً مكتوباً من من عصر تُبَّعٍ، فهذا من أغرب الأمور في هذا الموطن، إن الناس يتساهلون في كل شيء وقد يصدقون كل شيء، إلا أن يكون متصلاً برسول الله منسوبًا إليه، فهنا تنفتح العيون، وهنا يقوم البحث والاستقصاء
стр. 257
، لأن هذا دين، وما كان لأحد أن يقبل دين الله بالوهم والظن والهوى، ثم إن الذين قبلوا النص المكتوب في النزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب لم يكونوا من علماء الحديث، فما صلة هذا الموضوع؟
الحق أن هذا المستشرق من أقل الناس حياءً في مجال العلم، فهو كما رأيت يخترع الأكذوبة ويتخيَّلها، ويركب لها في نفسه هيكلاً، ثم يلتقط من هنا وهناك ما يوهم أنه يؤيده فيما ادَّعَى ولا يبالي أن يكذب في النصوص أو يغالط في الفهم، أو يستدل بما ليس بدليل وَيُعْرِضُ عما يكون دليلاً قاطعًا، ولكن ضد فكرته، وليس أدل على تَحَيُّزِهِ وَبُعْدِهِ عن الإنصاف، وتعصبه لآرائه من أن يرفض نصوصًا قاطعة أجمع على صحتها أهل العلم، بنصوص ملفقة من كتاب كـ " [حياة] الحيوان " للدميري، أو كتاب " ألف ليلة وليلة " أو " العقد الفريد "، أو " الأغاني " أو غيرها من كتب الأدب التي تجمع ما هَبَّ وَدَبَّ، وما صح وما لم يصح، فهذا شأن قوم يزعمون التجرد للعلم؟ وهل هؤلاء هم الذين اتخذهم أمثال أحمد أمين أئمة يهتدون بهديهم في تكذيب الصحابة وتجريح التابعين والتهجم على علمائنا في مجال النقد والتمحيص؟
سبحانك تهدي من تشاء وتضل من تشاء ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
стр. 258
الفَصْلُ السَّابِعُ: السُنَّةُ مَعَ بَعْضِ الكَاتِبِينَ حَدِيثًا:
قدمنا لك شُبْهَةَ بعض الطوائف الإسلامية عَلَى السُنَّةِ وَشُبْهَةِ أحد المعاصرين عَلَى السُنَّةِ وإنكاره لحجيتها، وهذا لون آخر من ألوان الهجوم عَلَى السُنَّةِ يقوم به فريق من المُسْلِمِينَ الذين تتلمذوا على المُسْتَشْرِقِينَ، وهو هجوم لا يبدو واضحاً سافراً، كما بدت آراء المُسْتَشْرِقِينَ من قبل، بل مُقَنَّعاً بستار العلم والبحث، مُتَجَنِّباً المصارحة، مفضلا المواربة والمخاتمة، حتى لا يثير صاحبه عليه ثائرة الجمهور وسترى أن هذا اللون أخبث أثراً، وأسوأ نتيجة وأقوى سلاحا والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
من أبرز الكُتَّابِ المُعَاصِرِينَ الذين سلكوا هذا السبيل (المرِحوم) أحمد أمين خِرِّيجُ القضاء الشرعي وعميد كلية الآداب سابقاً مؤلف كتاب " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ "، و" ظُهْرُهُ " وقد تحدث في: " فجر الإسلام " عن «الحديث» فَمَزج السُمَّ بالدسم، وخلط الحق بالباطل، وها أنا أذكر هنا خلاصة ما رأيت فيه تحريفاً للحقائق الإسلامية، انحرافاً عن جادة الصواب وتحاملاً على فريق من كبار الصحابة والتَّابِعِينَ.
خُلاَصَةُ فَصْلِ «الحَدِيثِ» فِي " فَجْر الإِسْلاَمِ ":
أفرد الأستاذ أحمد أمين في كتابه " فجر الإسلام " فصلاً خَاصًّاً بالحديث استغرق نحواً من عشرين صحيفة، حاول فيه أن يؤَرِّخَ السُنَّةَ وتدوينها، فَبَيَّنَ معنى السُنَّة وقيمتها في الشرع، ثم ذكر أن الحديث لم يُدَوِّنُ في عهد الرِسول ﷺ ، بل كان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم فقط، وأن الصحابة كانوا فريقين بعد وفاة الرسول، فمنهم من كان يكره التحديث عنه بكثرة، وكان يطلب من الراوي دليلاً على صحة ما يروي، ومنهم من كان يكثر في
стр. 259
الرواية، ونشأ عن عدم تدوين الحديث في كتاب خاص، واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، كثرة الوضع والكذب على الرسول، واستظهر أن الكذب عليه بدأ في عهده قبل وفاته، وأشار إلى أن دخول الشعوب في الإسلام كان له أثر كبير في الوضع الذي بلغ من الكثرة أن اختار الإمام البخاري " صحيحه " من ستمائة ألف حديث كانت شائعة في عصره، ثم ذكر أهم الأمور الي حملت على الوضع - وقد تعرضنا لها في بحوثنا السابقة - وذكر منها تغالي الناس في إعراضهم عن العلم إلا ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً، وانتهى من ذلك إلى بيان جهود العلماء في مكافحة الوضع، وذكر ما يؤخذ عليهم من أنهم لم يعنوا بنقد المتن عُشْرَ ما عنوا بنقد السند، ثم تكلم عن أكثر الصحابة حَدِيثًا فذكر أبا هريرة، وقال عنه: إنه لم يكن يكتب، بل كان يُحَدِّث من ذاكرته، وأنه كان يُحَدِّث بما لم يسمعه هو مباشرة من النَّبِيّ- ﵊ وإن بعض الصحابة شَكُّوا في حديثه وبالغوا في نقده، ثم ختم هذا الفصل بالأدوار التاريخية الي مَرَّ بها تدوين السُنَّة حتى عصر البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب " الكتب الستة ".
تلك هي خلاصة فصل الحديث من صحيفة ٢٥٥ إلى ٢٧٤ وأريد أن أنبه قبل الانتقال إلى نقده تفصيلياً إلى أن رأي المرحوم الأستاذ أحمد أمين في السُنَّة معروف، فقد نشر أحد الملاحدة المسلمين في مصر (إسماعيل أدهم) رسالة في عام ١٣٥٣ هـ عن تاريخ السُنَّة، أعلن فيها أن هذه الثروة الغالية من الحديث الموجودة بين أيدينا، والتي تضمنتها كتب الصحاح، ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وقد قوبلت هذه الرسالة بنقمة الأوساط الإسلامية. حتى اضطرت الحكومة المصرية بناء على طلب مشيخة الأزهر إلى مصادرة الرسالة من الأيدي، وقد اضطر إلى أن يدافع عن نفسه في كتاب أرسله إلى إحدى المجلات الإسلامية (١) زعم فيه أن ما ذهب إليه من الشك في صحة السُنَّة لم ينفرد به، بل قد وافقه عليه جماعة من كبار الأدباء والعلماء، وذكر منهم
стр. 260
الأستاذ أحمد أمين بكتاب أرسله إليه، وانتظرنا أَنْ يُكَذِّبَ الأستاذُ هذا الزعم فلم يفعل، بل كتب في بعض المجلات الأسبوعية الأدبية (١) ما يفيد تَأَلُّمَهُ مِمَّا حصل لصاحبه، واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي وحجر عثرة في سبيل البحوث العِلْمِيَّةِ. ولما ثار النقاش في الأزهر حول الإمام الزُّهْرِي عام ١٣٦٠ هـ قال الأستاذ أحمدأمين للدكتور علي حسن عبد القادر وهو الذي أثيرت الضجة حوله: «إِنَّ الأزهر لاَ يقبل الأراء العِلْمِيَّةَ الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المُسْتَشْرِقِينَ ألاَّ تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريِّين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبًا رقيقًا لا يزعجهم مسها، كما فعلتُ أنا في " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " هذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يؤمئذٍ نقلاً عن الأستاذ أحمد أمين، فإذا نقدنا آراءه وَبَيَنَّا ما فيها من تشكيك بِالسُنَّةِ وتحريف للحقائق الإسلامية، فلن نكون مِمَّنْ يَتَصَيَّدُونَ التُّهَمَ لإيقاع بريء في شباك الجريمة، بل مِمَّنْ يجمعون الأدلة للتحقيق مع مُتَّهَمٍ أحيط بالشبهات، ونسبت إليه أقوال في التهمة المنسوبة إليه .. على ضوء هذه الحقيقة سيكون نقدي لما جاء في " فجر الإسلام " عَنْ السُنَّةِ وتاريخها، وقد كنتُ نشرت في هذا العنى أبحاثًا مستفيضة في حياة الأستاذ أحمد أمين، واطلع عليها واعترف بأنها أول نقد علمي لكتابه " فجر الإسلام " (٢).
هَلْ بَدَأَ الوَضْعُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ؟:
قال صاحب " فجر الإسلام " ص ٢٥٨ متكلمًا عن نشأة الوضع: «ويظهر أََنَّ هذا الوضع حدث في عهد الرسول، فحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زُوِّرَ فيها على الرسول» وهذا الذي استظهره لا سَنَدَ له في التاريخ الثابت، ولا في سبب الحديث المذكور كما جاء في الكتب المعتمدة.
أما التاريخ، فقاطع بأنه لم يقع في حياة الرسول أَنَّ أحدًَا مِمَّنْ أسلم
стр. 261
وَصَحِبَهُ زَوَّرَ عليه كلاماً ورواه على أنه حديثه ﵊، ولو وقع مثل هذا لتوافر الصحابة على نقله لشناعته وفضاعته، كيف وقد كان حرصهم شديداً على أن ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ حتى مشيه وقعوده، ونومه ولباسه، وعدد الشعرات البيض في رأسه الشريف؟.
وأما الحديث المذكور فقد اتفقت كُتُبُ السُنَّة الصحيحة المعتمدة على أن الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم، فقد أخرج " البخاري " في باب ما ذكر عن بني إسرائيل من طريق عبد الله بن عمرو أن النَّبِيّ- ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ (١)، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وروى مسلم من طريق أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الترمذي عن ابن عباس عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ قال: «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وروى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حِفْظَ عَنِّي شَيْئًا [فَلْيُحَدِّثْهُ]» (٢) ورواه غيرهم أيضاًً بهذا المعنى. وظاهر من هذه الروايات أن النَّبِيَّ وقد علم أن الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة، نَبَّهَ بصورة قاطعة على وجوب التَحَرِّي في الحديث عنه، وَتَجَنُّبِ الكذب عليه بما لم يقله، ووجه الخطاب في ذلك إلى صحابته، لأنهم هم المثبَلِّغُونَ إلى أُمَّتِهِ من بعده، وهم شهداء نبوته ورسالته: وليس في هذه الروايات إشارة قط إلى أن هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النَّبِيّ- ﷺ .
стр. 262
وهنالك روايتان تذكران للحديث سبباً غير ما ذكرته الروايات السابقة:
(الأولى) ما أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار " عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى قَوْمٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ بِرَأْيِي فِيكُمْ فِي كَذَا، وَفِي كَذَا وَقَدْ كَانَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَذَهَبَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَبَعَثَ الْقَوْمُ إلَى النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: «كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ» ثُمَّ أَرْسَلَ رَجُلاً فَقَالَ: «إنْ أَنْتَ وَجَدْتَهُ حَيًّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَمَا أُرَاكَ تَجِدُهُ حَيًّا، وَإِنْ وَجَدْتَهُ مَيِّتًا فَحَرِّقْهُ» [فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ] فَوَجَدَهُ قَدْ لُدِغَ فَمَاتَ فَحَرَّقَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... إلخ» (١).
(الثانية) ما أخرج الطبراني في " الأوسط " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ، أَنَّ رَجُلاً لَبِسَ حُلَّةً مِثْلَ حُلَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَتَى أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنِي أَيَّ أَهْلِ بَيْتٍ شِئْتُ اسْتَطْلَعْتُ، [فَقَالُوا: عَهْدُنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَوَاحِشِ قَالَ:] فَأَعَدُّوا لَهُ بَيْتًا، وَأَرْسَلُوا رَسُولاً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «انْطَلِقَا إِلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ حَيًّا فَاقْتُلاَهُ، ثُمَّ حَرِّقَاهُ بِالنَّارِ، وَإِنْ وَجَدْتُمَاهُ قَدْ كُفِيتُمَاهُ فَحَرِّقَاهُ، وَلاَ أَرَاكُمَا إِلاَّ وَقَدْ كُفِيتُمَاهُ»، فَأَتَيَاهُ فَوَجَدَاهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ يَبُولُ، فَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ أَفْعَى، فَمَاتَ، فَحَرَّقَاهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ... » الحديث.
والكلام على هاتين الروايتن من وجوه:
أَوَلاًً - أن مَتْنَهُمَا مُنْكَرٌ، عليه أمارات الوضع واضحة، فلسنا نعلم من سيرة رسول الله ﷺ أنه كان يأمر بإحراق الموتى، ولم تنقل لنا كُتُب السُنَّةِ المعتمدة أنه فعل ذلك ولو مَرَّةً واحدة.
ثَانِياً - أن سندهما ضعيف وفي رُوَاتِهِمَا من لا يقبل حديثه، ولذلك حكم السخاوي على هذه القصة بالوضع فقال: (لا تصح).
стр. 263
ثَالِثاًً - على فرض الصحة فإنهما صريحتان في أن سبب الحديث تزوير في حادث دنيوي خاص بِالمُزَوِّرِ، وأين هذا من التزوير في حدث ديني، عام يروى للمسلمين على أنه حديث رسولهم، وكيف يكون التزوير في حادث دنيوي وهو حادث واحد لايروي الرواة غيره، دليلا على أن الوضع في الحديث النبوي قد بدأ في حياة الرسول ذاته؟.
رَابِعاًً - من الواضح في هاتين الروايين أن الذي فعل هذا الحادث مجهول، وقد جاء قوما خارج المدينة، ويغلب على الظن انه لم يلق النبي ﵇ بل ربما لم يكن أسلم فهو ليس من الصحابة، فلا مستند فيه لمن يريد التشكيك في صدق الصحابة.
بهذا تعلم أنه سواء كان سبب الحديث ما ذكرته كُتُبُ السُنَّة المعتمدة، أو ما جاء في تلك الروايتين اللتين حكم عليهما بعض النُقَّادِ بعدم الصحة، فليس فيه ما يدل على حصول الوضع في عهد الرسول، فاستظهار ذلك خطأ قائم على غير أساس فلا يصح الذهاب إليه، لا سيما وأن مِنْ أَوَّلِ نتائجه نسبة الكذب إلى أصحاب الرسول ﵇، وهو مناف للحق والواقع، والمعروف من تاريخ هؤلاء الأصحاب، ومخالف لما ذهب إليه جمهور المُسْلِمِينَ من عدالتهم على الإطلاق لم يشذ في ذلك إلا الشِيعَةُ وطوائف الخوارج والمعتزلة، - كما سبق - فإن كان، الأستاذ يريد بما استظهره الإشارة إلى هذا الرأي المنبوذ، والتمهيد لما سيذكره عن أبي هريرة، ونقد الصحابة، بعضهم لبعض، ليضع بذلك أول (لُغْمٍ) في بناء السُنَّةِ فقد أخطأ الطريق وجانب الحق وبنى أمراً خطيراً على ظنون لا يؤيدها تاريخ صحيح ولا حدت ثابت.
ومن الإنصاف للأستاذ أن نقول بعدئذ: إن هذا الاستظهار لم يكن وليد بحثه وتفكيره، بل هو يكاد يكون بنص عبارته ماخوذاً من خطبة منسوبة إلى الإمام عَلِيٍّ ﵁ في " نهج البلاغة " (١)، وقد نقل
стр. 264
الأستاذ بعد كلامه هذا بصحيفتين كلاماً عن ابن أبي الحديد في شرح الخطبة المذكورة مما يدل على أنه مطلع عليها بيقين، ولكن إن كان لغُلاَة الشِيعَة هوى في تجريح الصحابة ورميهم بالكذب، ليخلصوا إلى إمامة عليٍّ وعصمة الأئمة من بعده، فما هو هوى الأستاذ في هذا إلا أن يكون غرضه التشكيك بهم وهم نقلة السُنَّة إلينا وعنهم أخذناها؟
أَحَادِيثُ التَّفْسِيرِ:
وقال في ص ٥٢٩: «وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: «لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ»، قد جمع فيها آلاف الأحاديث، وأن البخاري وكتابه يشتمل على سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مُكَرَّرَةٌ، قالوا: إنه اختارها وَصَحَّتْ عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره».
كثرة الوضع في الحديث مِمَّا لا ينكره أحد، ولكنه أراد أن يستدل على مقدار الوضع فاستشهد بشيئين: أحاديث التفسير، وأحاديث البخاري. وظاهر عبارته في أحاديث التفسير أنه يُشكِّكُ فيها كلها إذ ينقل عن الإمام أحمد أنه قال: «لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ» (١). مع أنهم قد جمعوا فيها مئات الأحاديث، والإمام أحمد لا تخفى مكانته في السُنَّةِ، فإذا قال في أحاديث التفسير: لم يصح منها شيء كان كل ما روي فيها شُكُوكاً بصحته إن لم يحكم عليه بالوضع، أليست هذه نتيجة منطقية لكلام الأستاذ؟ والكلام معه في مقامين.
الأول: في أحاديث التفسير.
والثاني: فيما نقله عن الإمام أحمد.
أما أحاديث التفسير، فلا يخفى على كل من طالع كُتُبَ السُنَّةِ أنها
стр. 265
أثبتت شيئاً كثيراً منها بطرق صحيحة لاغبار عليها، وما من كتاب في السُنَّة إلا وقد أفرد فيه مؤلفه باباً خاصاً لما ورد في التفسيرعن الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابعين، وقد اشترط علماء التفسير على من يفسِّر كتاب الله أن يعتمد فيه على ما نقل عنه ﷺ في ذلك.
قال الإمام أبو جعفر الطبري في " تفسيره ": «إِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، مَا لاَ يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، إِلاَّ بِبَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ مَا فِيهِ، مِنْ وجُوهِ أَمْرِهِ: وَوَاجِبِهِ، وَنَدْبِهِ، وَإِرْشَادِهِ». إلى آخره (١).
وقال أبوحيان الأندلسي المُفَسِّرُ صاحب " البحر المحيط " في صدد ما يحتاج إليه المُفَسِّرُ: (الوجه الرابع) تعيين مبهم، وتبين مجمل، وسبب نزول، ونسخ. ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك من علم الحديث، وقد تضمنت الكتب والأمهات التي سمعناها ورويناها ذلك كالصحيحين، والجامع للترمذي، وسنن أبي داود ... وأخذ يعدد كتب السُنَّة.
وفي " الاتقان " للسيوطي (٢) قال ابن تيمية: «يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.
هذاو قد قسَّم الزركشي القرآن إلى قسمين: قسم ورد تفسيره بالنقل، وهو إما عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ، أو الصحابة والتَّابِعِينَ، وقسم لم يرد.
فأنت ترى أنهم جعلوا التفسير بين منقول وغير منقول، وأوجبوا على المُفَسِّرِ أن يرجع إلى الأول ويعرفه، ولو لم يصح فيه شيء بل لو لم يصح منه شيء كثير لما فعلوا ذلك، وهنالك من العلماء من ذهب إلى أنه لا يجوز التفسير إلا بما ورد عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ .
стр. 266
قال السيوطي في " الإتقان " (١): «اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ الْخَوْضُ فِيهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا مُتَّسِعًا فِي مَعْرِفَةِ الأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالأَخْبَارِ وَالآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ ... إلخ».
وهذا وإن كان خلاف المعتمد إلا أنه يدل على أن هنالك آثاراً في التفسير لايصح تجاهلها ولا يسوغ لأي عالم إنكارها، كيف وقد ذكر الشافعي في " مختصر البُوَيْطِي" أنه لا يحل تفسير المتشابه إلا بِسُنَّةٍ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ، أو خبر عن أحد من أصحابه: أو إجماع العلماء، نعم إن الذي نقل عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ تفسيره، أقل مِمَّا لم ينقل، وأن ما صح عنه أقل مِمَّا لم يصح، ولكن هذا لايجوز تشكيك الناس في جملته.
وأما ما نقله عن الإمام أحمد في أحاديث التفسير، فهو يشير إلى ما روي عنه من قوله: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَفْسِيرُ، وَالمَلاَحِمُ وَالمَغَازِي»، وفي رواية: «[ثَلاَثَةُ] كُتُبٍ لاَ أَصْلَ لَهَا: المَغَازِي وَالمَلاَحِمُ وَالتَفْسِيرُ» والكلام عن هذه العبارة من وجوه:
أَوَلاًً - أن في النفس من صحتها شَيْئًا، فإن الإمام أحمد نفسه قد ذكر في " مسنده " أحاديث كثيرة في التفسير. فكيف يعقل أن يُخْرِجَ هذه الأحاديث ويثبتها عن شيوخه في " مسنده "، ثم يحكم بأنه لم يصح في التفسير شيء؟ وأيضاًً فمقتضى هذه العبارة أن يكون كل ما روي عن أخبار العرب ومغازي المُسْلِمِينَ مكذوباً من أصله، ومن يقول بهذا؟
ثَانِياًً - إِنَّ نفي الصحة لا يستلزم الوضع أو الضعف، وقد عرف عن الإمام أحمد خاصة نفي الصحة عن أحاديث وهي مقبولة، وقالوا في تأويل ذلك: إن هذا اصطلاح خاص به، قال اللَّكْنَوِي في " الرفع والتكميل " (٢):
стр. 267
«كَثِيراً مَا يَقُولُونَ " لاَ يَصِحُّ "، وَ " لاَ يَثْبُتُ " هَذَا الحَدِيثُ، وَيُظَنُّ مِنْهُ مَنْ لاَ عِلْمَ لَهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، أَوْ ضَعِيفٌ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلِهِ بِمُصْطَلَحَاتِهِمْ وَعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى مُصَرَّحَاتِهِمْ»، فقد قال علي القاري في " تذكرة الوضوعات ": «لاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الثُّبُوتِ وُجُودُ الوَضْعِ». وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الأذكار المسمى بـ " نتائج الأفكار ": ثبت عن أحمد ابن حنبل أنه قال: «لا أعلم في التسمية (أي التسمية بالوضوء) حَدِيثًا ثابتاً»، قلت: (أي ابن حجر): «لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ العِلْمِ ثُبُوتُ العَدَمِ، وَعَلَى التَنَزُّلِ: لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الثُّبُوتِ ثُبُوتُ الضَّعْفِ، لاِحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بَالثُّبُوتِ الصِحَّةَ، فَلاَ يَنْتَفِي الحُسْنُ» اهـ.
ثَالِثاًً - الإمام أحمد لم يقل: إنه لم يصح في التفسير شيء، وإنما قال: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ»، والظاهر أن مراده نفي كتب خاصة بهذه العلوم الثلاثة، بدليل ما جاء في الرواية الثانية مُصَرِّحاً به «ثَلاَثَةُ كُتُبٍ». وهذا المعنى هو ما فهمه الخطيب البغدادي، حيث قال: «وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ [غَيْرِ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا لِعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا وَزِيَادَاتِ الْقُصَّاصِ فِيهَا فَأَمَّا كُتُبُ الْمَلاَحِمِ فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلْيَسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الْمَلاَحِمِ الْمُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ الْمُنْتَظَرَةِ غَيْرُ أَحَادِيثَ يَسِيرَةٍ، وَأَمَّا كُتُبُ التَّفْسِيرِ] فَمِنْ أَشْهَرَهَا كِتَابَا الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي " تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ ": " مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذِبٌ [قِيلَ لَهُ: فَيَحِلُّ النَّظَرُ فِيهِ؟] قَالَ: لاَ "».
رَابِعاًً - يحتمل أن يكون مُرَادُ الإمام أحمد في عبارته المذكورة أن ما صح من التفسير قليل بالنسبة لما لم يصح، وعلى هذا المعنى حملها كثير من أهل العلم. ففي " الإتقان " (١)، قال ابن تيمية: «وَأَمَّا القِسْمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَإِنْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: " ثَلاَثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلاَحِمُ وَالْمَغَازِي" وَذَلِكَ لأَنَّ الغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ».
وقال الزركشي في " البرهان " (٢): «لِلْنَّاظِرِ فِي القُرْآنِِ لِطَالِبِ التَّفْسِيرِِ مَآخِذُ
стр. 268
كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: النَّقْلُ عَنْ [رَسُولِ اللَّهِ] ﷺ وَهَذَا هُوَ الطِّرَازُ [الأَوَّلُ] (*) لَكِنْ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنَ الضَّعِيفِ [فِيهِ] وَالْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ، [وَإِنَّ سَوَادَ الأَوْرَاقِ سَوَادٌ فِي الْقَلْبِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول]: " ثلاثة كُتُبٍ لَيْسَ لَهَا أُصُولٌ الْمَغَازِي وَالمَلاَحِمُ وَالتَّفْسِيرُ " قَالَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: وَمُرَادُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ صِحَاحٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِلاَّ فَقَدَ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ». اهـ.
وقصارى القول أن الاستشهاد بعبارة الإمام أحمد للتشكيك في أحاديث التفسير كلها غير صحيح، يبطله ثبوت أحاديث التفسير في أمهات الكتب الصحيحة كـ " البخاري " و" مسلم " و" الموطأ " و" الترمذي "، بل في " مسند الإمام أحمد " نفسه.
هَلْ اسْتَوْعَبَ البُخَارِيُّ كُلَّ الصَّحِيحِ فِي " جَامِعِهِ "؟:
وقد زعم الأستاذ، أن البخاري قد انتقى أحاديث " صحيحه " من ستمائة ألف حديث والكلام هنا في موضعين:
الأول - عدد الأحاديث التي كانت متداولة. ولا شك أن الأحاديث التي تداولها الناس في عصر البخاري كانت كثيرة جِدًّا بلغت ستمائة ألف أو أكثر. فقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: «صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَسْرٍ وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ»، ولكن ما حقيقة هذه الكثرة الهائلة؟ هل كلها أحاديث تختلف في المواضيع، أم هي طرق متعددة للأحاديث؟ وهل كلها أحاديث تنسب إلى النَّبِيّأم تنسب أيضاًً إلى الصحابة والتَّابِعِينَ؟
للإجابة عن هذا ينبغي أن نذكر لك اختلافهم في معاني الحديت، والخبر، والأثر.
فقد قال جماعة: إن الحديث هو ما أضيف إلى النَّبِيّ- ﷺ فيختص بالمرفوع عند الإطلاق ولا يراد به الوقوف إلا بقرينة، أما الخبر فإنه أعم من أن يطلق على المرفوع [و] الموقوف. فيشمل ما أضيف إلى الصحابة والتَّابِعِينَ وعليه يُسَمَّى كل حديث خبراً ولا يُسَمَّى كل خبر حَدِيثًا.
стр. 269
وقال آخرون: الحديث هو المرفوع إلى النَّبِيّ- ﷺ والموقوف على الصحابة والتَّابِعِينَ، فيكون مرادفاً للخبر. وأما الأثر فإنه مرادف للخبر بالمعنى السابق فيطلق على المرفوع والموقوف، وفقهاء خراسان يسمون الموقوف بالأثر والموفوع بالخبر (١).
ذلك هو اختلافهم في تحديد المراد بالحديث والخبر والأثر، إذا كان كذلك سهل علينا أن نفهم معنى لهذه الكثرة الهائلة ستمائة ألف أو سبعمائة ألف. فهي شاملة للمنقول عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ولأقوال الصحابة والتَّابِعِينَ كما تشمل طرق الحديث الواحد فقد يروي المُحَدِّثُ الحديث الواقع من طرق مختلفة إذ يكون للصحابي أو التابعي رُوَاةٌ مُتَعَدِّدُونَ - وهذا هو الغالب - فَيُعْنَى المُحَدِّثُ بجمع طرق الحديث من رواته فقد تبلغ أحياناً عشرة طرق فيعدها عشرة أحاديث وهي ليست إلا حَدِيثًا واحداً، وقد كان إبراهيم بن سعيد الجوهرِي يقول: «كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْ مِائَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهَ يَتِيمٌ» (٢).
وبهذا إذا جَمَعْتَ أقوال النَّبِيّ- ﷺ وأفعاله وتقريراته إلى أقوال الصحابة والتَّابِعِينَ وجمعت طرق كل حديث منسوب للنبي وللصحابة وللتابعين لاَ يُسْتَغْرَبُ أَبَدًا أن يبلغ ذلك كله مئات الألوف بهذا المعنى.
قال العلامة الشيخ طاهرِ الجزأئري: «وبما ذكرِنا أن بعض المُحَدِّثِينَ قد يطلق الحديث على المرفوع والموقوف يزول الإشكال الذي يعرِض لكثير من الناس عندما يحكى لهم أن فلاناً كان يحفظ سبعمائة ألف حديث صحيح، فإنهم مع استبعادهم ذلك يقولون: أين تلك الأحاديث ولِمَ لَمْ تصل إلينا؟ وهلا نقل الحفاظ ولو مقدار عشرها؟ وكيف ساغ لهم أن يهملوا أكثر ما ثبت عنه ﵊؟ مع أن ما أشتهروا به من فرط العناية بالحديث يقتضي أَلاَّ يترِكوا مع الإمكان شيئاً منه، ولنذكرِ له شيئاً مِمَّا رُوِيَ
стр. 270
في قدر الحفاظ: نقل عن الامام أحمد أنه قال: " صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَكَسْرٍ وَهَذَا الْفَتَى - يَعْنِي أَبَا زُرْعَةَ - قَدْ حَفِظَ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ ". قال البيهقي: " أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الصَحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ "، وقال أبو بكر محمد بن عمرِ الرازي الحافظ: " كَانَ أَبَو زُرْعَةَ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفاً فِي التَفْسِيرِ. ونقل عن البخاري أنه قال: " أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ "، ونقل عن مسلم أنه قال: " صَنَّفْتُ هَذَا الْمُسْنَدَ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلاَثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ "، وَمِمَّا يرفع استغرابك لما نقل عن أبي زرعة من أنه كان يحفظ مائة وأربعين ألف حديث في التفسير، أن النعيم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (١) وقد ذكرِ فيه المفسرون عشرة أقوال كان كل قول منها يُسَمَّى حَدِيثًا في عُرِِْف من جعله بالمعنى الأعم، والماعون في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) قد ذكروا فيه ستة أقوال، كل قول منها ما عدا السادس، يعد حَدِيثًا كذلك» (٣).
الثاني: ما صح عند البخاري: زعم مولف " فجر الإسلام " أن ما جمعه البخاري في حديثه وهو أربعة ألاَّف عن غير المُكَرَّرِ هو كل ما صح عنده من عدد الأحاديث التي كانت متداولة في عصره وبلغت ستمائة ألف، وهذا الذي زعمه المؤلف غير معروف عند العلماء، بل المعروف عندهم، أن البخاري لم يجمع في كتابه كل ما صح عنده.
قال ابن الصلاح ﵀ في " مقدمته ": لَمْ يَسْتَوْعِبَا - أي البخاري ومسلم - الصَّحِيحَ فِي " صَحِيحَيْهِمَا "، وَلاَ الْتَزَمَا ذَلِكَ
. فَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي (الْجَامِعِ) إِلاَّ مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ [لِحَالِ] الطُّولِ ".، وَرُوِّينَا عَنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٌ
стр. 271
وَضَعْتُهُ هَا هُنَا - يَعْنِي فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ - إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ "» (١).
قال الحافظ ابن كثير: «ثُمَّ إِنَّ البُخَارِي وَمُسْلَِمًا لَمْ يَلْتَزِمَا بِإِخْرَاجِ جَمِيعِ مَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ فَإِنَّهُمَا قَدْ صَحَّحَا أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابَيْهِمَا كَمَا يَنْقُلُ التِرْمِذِي عَنِ البُخَارِيِّ تَصْحِيحَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ (أَيْ: فِي الجَامِعِ الصَّحِيحِ) بَلْ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا» (٢).
قال الحافظ الحازمي في كتابه " شروط الأئمة الخمسة ": «وأما البخاري فلم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث، ويشهد لصحة ذلك ما أخبرنا به أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد قال: أنبأنا به طلحة في كتابه عن أبي [سعد] الماليني أنبأنا عبد الله بن عدي قال: حدَّثني محمد بن أحمد قال: سمعت محمد بن حمدويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل «يعني البخاري» يقول: «أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَأَحْفَظُ مِائَتَيْ أَلْفَ حَدِيثٍ غَيْرَ صَحِيحٍ». وذكر أيضاًً بسنده إلى البخاري أنه قال:: «لَمْ أُخْرِجْ فِي هَذَا الكِتَابِ إِلاَّ صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَحِيحِ أَكْثَر» (٣) اهـ.
فإذا كان العلماء يقرون أن البخاري لم يستوعب الصحيح في "جامعه"، وأنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، يكون ما نقله المولف عنهم نقلاً غير صحيح، هذا إذا عناهم بقوله: «قَالُوا» أما إذا كان يعني بهم عامة الناس والشائع على ألسنة الطلبة فذلك شيء آخر، إلا أن المقام مقام علم وتحقيق.
стр. 272
عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ وَهَلْ كَانَ مُغَفَّلاً ؟:
قال المؤلف ص ٢٦٠ متكلماً عن الوَضَّاعِينَ في الحديث: «وبعضهم كان سليم النية يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق فَيُحَدِّثُ بكل ما سمع، فيأخذه الناس عنه مخدوعين بصدقه، كالذي قيل في عبد الله بن المبارك فقد قيل: إنه ثقة صدوق اللسان ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر». وأشار في هامش الكتاب إلى أن هذا القول في عبد الله بن المبارك وارد في " صحيح مسلم ".
المولف يتكلم عن الوَضَّاعِينَ في الحديث، والوضاعون هم الذين كانوا يختلقون الأحاديث على رسول الله ﷺ لأغراض متباينة ذكرِناها في مواضعها من هذا الكتاب، أما سليم النية الذي جمع كل ما أتاه وهو في ذلك صادق فهذا ليس من الوَضَّاعِينَ بحال، لأنه لم يكذب لا في سند الحديث ولا في متنه، وغاية ما يقال فيه أنه «ذو غفلة» يتلقى الحديث بلا نقد ولا تمحيص، فيتوقف في قبول حديثه إلى أن يتبين ما يرِويه، فإن كان عن ثقات وشاركه الثقات فيما ينقل قُبِلَ، وإلا فلا، أما إدراجه ضمن الوَضَّاعِينَ كما فعل المولف فهو خطأ بَيِّنٌ ناتج عن عدم الدقة في التعبير والتأليف، وأيضاًً فالكلام عن عبد الله بن المبارك في صَدَدِ الحديث عن الوَضَّاعِينَ يوهم أنه منهم، هذا نقد شكلي للعبارة، أما النقد الموضوعي، فالذي يُسْتَخلَصُ مِمَّا ذكر المؤلف ثلاثة أمور:
أَوَلاًً: أن عبد الله بن المبارك كان سليم النية يُحَدِّث بكل ما سمع من غيرِ نقد للرجال.
ثَانِياًً: أن الناس خدعوا بصدقه فتلقوا كل أحاديثه الني سمعوها عنه على أنها صحيحة.
ثالثاً: أن العبارة التي نقلها عن " صحيح مسلم " إنما هي في عبد الله بن المبارك.
والأستاذ المولف مخطىء في هذه الأمور الثلاثة كل الخطأ.
стр. 273
١١ - أما أن عبد الله بن المبارك كان سليم النية يُحَدِّث بكل ما سمع، فهذا ما لا يتفق مع الحق في شيء، فقد كان ابن المبارك من مشاهير أئمة عصره الذين عنوا بنقد الرجال نقداً شديداً، وهذا مسلم ﵀ يذكرِ لنا في " مقدمة صحيحه " عدة أمثلة عن نقده للرجال، فقد ذكر بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: «إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لأَبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ»؟ قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت له، هذا من حديث شهاب بن خِراش فقال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، قال: قلت: قال رسول الله ﷺ . قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النَّبِيّ- ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف».
وأخرج مسلم في " المقدمة " أيضاً بسنده إلى عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهُ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: «دَعُوا حَدِيثَ عَمْرُو بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَلَفَ».
وَبِسَنَدشهِ إِلَى أَحْمَد بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يُفْصِحُ بِقَوْلِهِ " كَذَّابٌ " إِلاَّ لِعَبْدِ الْقُدُّوسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ: " كَذَّابٌ "».
فهذه الأمثلة وكثيرة غيرها ذكرها مسلم في " مقدمة صحيحه " تدل على أن عبد الله بن المبارك كان نَقَّاداً للرجال، مَعْنِيًّا بأسانيد الأحاديث.
وأصرح من ذلك ما رواه مسلم أيضاًَ بسنده إلى الْعَبَّاسِ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ، يَقُولُ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ.
وذكر الحافظ الذهبي في " تذكرته " قال المسيب بن واضح: «سَمْعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ وَسُئِلَ عَمَّنْ نَأْخُذُ؟ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ العِلْمَ للهِ، وَكَانَ فِي إِسْنَادِهِ أَشَدَّ، قَدْ تَلْقَى الرَّجُلَ ثِقَةً وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، وَتَلْقَى الرَّجُلَ غَيْرَ ثِقَةٍ، وَتَلْقَى الرَّجُلَ غَيْرِ ثِقَةٍ وَهُوَ يُحَدِّث عَنْ ثِقَةٍ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثِقَةً عَنْ ثِقَةٍ».
стр. 274
وذكر الذهبي أَنَّ الرَّشِيْدَ أَخَذَ زِنْدِيقاً لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا؟ فَقَالَ الرَّشِيْدُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ يَتَخَلَّلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفاً حَرْفاً». وقيل لابن المبارك: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ [المَصْنُوعَةُ]؟ فقال: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ».
وذكر الذهبي عن إبراهيم بن إسحاق قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: «: حَمَلْتُ عَنْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ شَيْخٍ فَرَوَيْت عَنْ أَلْفٍ مِنْهُمْ».
بهذا كله يتبين لك خطأ ما ذهب إليه صاحب " فجر الإسلام " من وصف هذا الإمام العظيم بسلامة القلب حتى إنه لَيُحَدِّثُ بكل ما سمع.
٢ - وأما زعمه بأن الناس خدعوا بصدقه ... إلخ، فقد سمعت أنه كان نَقَّاداً للرجال مُتَشَِّّداً في الأسانيد، ومتى اجتمع الصدق والعدالة والتثبت في رجل فقد وجب الأخذ عنه، ولا يصح أن يقال: إن الناس خدعوا بصدقه.
هذا على أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على توثيق ابن المبارك وإمامته وجلالة قدره. قال ابن مهدي: «الأَئِمَّةُ أَرْبَعَةٌ: الثَّوْرِي وَمَالِكٌ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ المُبَارَكِ».
وقال فيه الإمام أحمد: «لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَطْلَبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ، جَمَعَ أَمْرًا عَظِيمًا، مَا كَانَ أَحَدٌ أَقَلَّ قِسْطًا مِنْهُ، كَانَ رَجُلاً صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يُحَدِّث مِنْ كِتَابٍ».
وقال ابن معين: «كَانَ كَيِّسًا مُتَثَبِّتًا ثِقَةً، وَكَانَ عَالِماً، صَحِيحَ الحَدِيثِ».
وقال ابن سعد صاحب " الطبقات ": «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا حُجَّةً كَِثيرَ الحَدِيثِ».
وقال الحاكم: «هُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ فِي الآفَاقِ، وَأَوْلاَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمًا وَزُهْدًا وَشَجَاعَةً وَسَخَاءً».
وقال النسائي: «لاَ نَعْلَمُ فِي عَصْرِ ابْنِ المُبَارَكِ أَجَلَّ مِنْ ابْنِ المُبَارَكِ، وَلاَ أَعْلَمَ مِنْهُ، وَلاَ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَصْلَةٍ مَحْمُودَةٍ مِنْهُ».
стр. 275
وقال النووي في "شرح مسلم " بعد أن ترجم له: «وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَلاَلَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَكِبَرِ مَحَلِّهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ» (١) اهـ.
فرجل يجمع نُقَّادُ الحديث وأئمة الجرح والتعديل على تَثَبُّتِهِ وجودة حديثه وقلة سقطه، يكون من المحزن أن يجيء في آخر الزمان من يقول عنه: «إن الناس كانوا يأخذون عنه، مخدوعين بصدقه».
وشيء آخر، وهو أن إقرارهم له بالإمامة وعلو المرتبة والمكانة في علم الحديث - كما رأيت - يُكَذِّبُ ما يلصقه به مؤلف " فجر الإسلام " من أنه كان يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ. فقد ذكر مسلم بسنده إلى الإمام مالك ﵀ قال: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلاَ يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَوْلَهُ: «لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ» إلى ما هنالك من أقوال تدل على أن علماء هذا الشأن لا يُقِرُّونَ بالإمامة لرجل إلا إذا كان مُتَثَبِّتًا مِمَّا يحفظ، متأملاً فيما يروي، لا يُحَدِّث بكل ما سمع.
٣ - وأما العبارة التي نقلها عن " صحيح مسلم " في حق عبد الله بن المبارك فها هنا لا يكاد المرء ينتهي عجباً من صنيع المؤلف. إن عبارة الإمام مسلم في "الصحيح " هكذا: «حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا (*)، يَقُولُ: عَنْ سُفْيَانَ (**)، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: «بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ» وأنت لا تشك حين تقرأ هذا أن القول هو قَوْلُ عبد الله بن المبارك في " بقية " وهو أحد المُحَدِّثِينَ في عصره، ولكن المؤلف فهم هذا النص على أنه قَوْلٌ فِي عَبْدِ اللهِ بن المبارك، وأنه هو الموصوف بهذه الأوصاف، مع أن سياق السند كان يفسد عليه هذا الفهم، فإن السند هكذا: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ، أي ابن المبارك، فهو القائل وَالمُتَحَدِّثِ لاَ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ. ثم إن اللفظ " بقية " لا " ثقة " فابن المبارك
стр. 276
يتكلم عن بقية بن الوليد المُحَدِّثَ الحِمْصِي، وهو مشهور بما وصفه به ابن المبارك ويؤكد هذا ما رواه مسلم بعد ذلك بقليل عن أبي إسحاق الفزاري: «عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ: «اكْتُبْ عَنْ " بَقِيَّةَ "، مَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ، وَلاَ تَكْتُبْ عَنْهُ مَا رَوَى عَنْ غَيْرِ الْمَعْرُوفِينَ»، ويؤيده أيضاًً ما نقله الذهبي عن ابن المبارك نفسه أنه كان يقول في " بقية ": «إِنَّهُ يُدَلِّسُ عَنْ قَوْمٍ ضُعَفَاءَ وَيَرْوِي عَمَّنْ دَبَّ وَدَرَجَ»، وهذا معنى قوله الذي رواه مسلم عنه: «عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ».
فَتَبَيَّنَ لنا مِمَّا تقدم أن المؤلف أخطأ في عبارة مسلم خطأين:
الأول - أن الكلام لغير ابن المبارك في عبد الله بن المبارك، مع أنه كلام عبد الله بن المبارك في غيره.
الثاني - أنه نقل اللفظ «ثِقَةٌ» وهي في " صحيح مسلم " «بَقِيَّةٌ» والمؤلف بين ثلاثة أمور لا رابع لها: إما أن يكون ذكر هذا في كتابه بعد أن قرأ العبارة بنفسه في " صحيح مسلم "، ولكنه لم يفهمها فوقع في تلك الأخطاء، وإما أن يكون فهمها ولكنه تَعَمَّدَ تحريفها لغاية في نفسه، وإما أنه رآها لبعض المُسْتَشْرِقِينَ الذي نقلها نَقْلاً مَمْسُوخًا من " صحيح مسلم "، فاكتفى بنقله عن خصوم الشريعة المحمدية دُونَ أن يرجع بنفسه إلى أصل النص في " مسلم "، وأنا أُرَجِّحُ هذا الأخير، إذ من البعيد على المؤلف أَلاَّ يفهم هذا النص مع وضوحه وجلائه، ومن البعيد عليه أيضاًَ أن يَتَعَمَّدَ مثل هذا التحريف في نص كتاب مشهور لا يخلو منه بيت عالم مسلم، وقد رجعت إلى النسخ المطبوعة عن " صحيح مسلم " لَعَلِّي أجد إحدى النسخ ذكَرَتْ العبارةَ خطأ كما نقلها المؤلف، فيكون له بعض العذر وإن كان سياق الكلام يفسده كما تقدم، ولكني رأيت النُّسَخَ المطبوعة كلها ذكرت النص صحيحاً من غير تحريف، فَتَرَجَّحَ عندي أن أحد أعداء الإسلام وقع في هذا التحريف، إما عَمْدًا لتشويه سيرة إمام كبير من أئمة الحديث - كما فعل جولدتسيهر مع الزُّهْرِي - وإما خطأً بحيث اشتبه عليه الأمر بين " بقية " و" ثقة " لقرب تشابههما في الرسم. وإذا كنا نجد للمستشرقين عُذْراً في ذلك لعجمته، أو عدم وفائه للإسلام، أو فقده الذوق العربي الذي يُدْرِكُ بسياق
стр. 277
الكلام صحة الكلمة ومعناها، فأي عذر للمؤلف في متابعته على هذا التحريف لا سيما وقد بنى عليه رأياً خطيراً فاسداً في إمام جليل من أئمة النُقاد في عصره؟.
حَدِيثُ «سَدِّ الأَبْوَابِ»:
ثم تكلم المؤلف في [ص ٢٦٠] أيضاًً عن أهم الأمور التي حملت الوُضَّاعَ على الوضع، وذكر من أولها الخصومة السياسية بين عَلِيٍّ وأبي بكر، وبين عَلِيٍّ ومعاوية، وبين عبد الله بن الزبير وعبد الملك، ثم بين الأُمَوِيِّينَ والعباسيين.
وهذا كلام لا غبار عليه، ثم نقل بعد ذلك كلاماً لابن أبي الحديد جاء فيه «إِنَّ أَصْلَ الكَذِبِ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشِيعَةِ (*) فَلَمَّا رَأَتْ البَكْرِيَّةُ - أَيْ مُفَضِّلُو أَبِي بَكْرٍ - مَا صَنَعَتْ الشِيعَةُ وَضَعَتْ لِصَاحِبِهَا أَحَادِيثَ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ نَحْوَ: " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً» فَإِنَّهُمْ وَضَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ " حَدِيثِ الإِخَاءِ "، وَنَحْوِ " سَدِّ الأَبْوَابِ "، فَإِنَّهُ كَانَ لِعَلِيٍّ فَقَلَبَتْهُ البَكْرِيَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ... إلخ».
لا شك أن ابن أبي الحديد معذور في عَدِّهِ هذين الحديثين من الموضوعات ما دام مُعْتَزِلِيًّا شِيعِيًّا يَتَعَصَّبُ لشيعيته (١)، ولكنا لا نرى للأستاذ
стр. 278
عذراً في عدم تعقبه له - إلا أن يكون متفقاً معه - على ما ذهب إليه في عدهما من الموضوعات، والحديثان صحيحان، خرَّجهُما أئمة الحديث.
أما الحديث الأول، فقد أخرجه البخاري من طريق ابن عباس وابن الزبير ورواه مسلم من طريق أبي سعيد وابن مسعود.
وأما الحديث الثاني، وهو «سَدُّ الأَبْوَابِ إِلاَّ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» فقد رواه " البخاري " من طريق أبي سعيد وابن عباس، ورواه " مسلم " من طريق أبي سعيد وجندب وأُبَيْ بن كعب، وروى الحديثين - غير البخاري ومسلم - مالك والترمذي والطبراني وأحمد وابن عساكر وابن حبان وغيرهم.
أما " حَدِيثُ الإِخَاءِ " الذي زعمته الشِيعَةُ من أن النَّبِيّآخى بينه وبين عَلِيٍّ فلم يصح من طريق يوثق به، ولم يخرجه كتاب من كتب السُنّةِ المعتمدة، ولا رواه من يُوثَقُ به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لاَ يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَوَاضِعُهُ جَاهِلٌ [كَذَبَ] كَذِبًا ظَاهِرًا مَكْشُوفًا» (١).
وأما حديث " سَدَّ الأَبْوَابِ " الذي يرويه الشِيعَةُ ويستثنون منه باب عَلِيٍّ، فقد ذكر أكثر النُقَادِ أنه حديث موضوع، حكم بذلك ابن الجوزي والعراقي وابن تيمية وغيرهم، وعلى فرض صحته فقد أجاب عنه العلماء بما ذكره ابن حجر في " فتح الباري ": «من أن النَّبِيّ- ﷺ ، أَمَرَ أَوَلاًً بِسَدِّ الأَبْوَابِ إِلاَّ بَابَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا سَدُّوهَا أَحْدَثُوا خَوْخًا يَسْتَقْرِبُونَ الدُّخُولَ مِنْهَا إِلَى الْمَسْجِدَ، فَأَمَرَ بِسَدِّهَا إِلاَّ خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ، وحمل الباب الوارد في بعض الروايات في حق أَبِي بَكْرٍ على الخَوْخَةِ، تَمَشِّيًا مع بعض الروايات الأخرى»، ثم قال: «فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لاَ بَأْسَ بِهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَبِهَا جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي " مُشْكِلِ الآثَارِ " ... وَأَبُو بَكْرٍ الْكَلاَبَاذِيُّ فِي" مَعَانِي الأَخْبَارِ " وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لَهُ بَابٌ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَخَوْخَةٌ إِلَى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ. وَبَيْتُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ إِلاَّ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ». اهـ.
стр. 279
أَحَادِيثُ الفَضَائِلِ:
وقال في [ص ٢٦١]: «وتلمح أحاديث كثيرة لا تشك - وأنت تقرؤها - أنها وضعت لتأييد الأُمَوِيِّينَ والعباسيين أو العلويين أو الحط منهم .. ويتصل بهذا النحو أحاديث وضعها الوَضَّاعُونَ في تفضيل القبائل ... فكم من الأحاديث وضعت في فضل قريش والأنصار وجهينة ومزينة .. ومثل ذلك، العصبية للبلد فلا تكاد تجد بلداً كبيراً إلا وفيه حديث، بل أحاديث في فضله، فـ «مكة» و «المدينة» وجبل «أُحُد» و «الحجاز» و «اليمن» و «الشام»، و «بيت المقدس» و «مصر»، و «فارس» وغيرها كل ذلك وردت فيه الأحاديث المتعددة في فضله» ... إلخ.
كان رسول الله ﷺ بين أصحاب يفتدونه بأرواحهم وأموالهم، وقد كانوا متفاوتين في الفداء والتضحية والمواهب، كما كانوا متفاوتين في السبق إلى الإسلام، فليس بغريب أن يخص رسول الله ﷺ بعض أصحابه بثناء أو إعجاب، أو كشف عن موهبة أو غير ذلك مِمَّا يدل على فضلهم ومكانتهم وَقُلْ مثل ذلك في «مكة» التي كان منها بدء الدعوة، وفي «المدينة» التي كان فيها تأسيس الدولة، و «بيت المقدس» الذي أثنى الله عليه في كتابه، وغير ذلك من المدن أو القبائل التي كانت تسارع إلى الخير ويسهم أبناؤها في سبيل الله والإسلام بسهم وافر.
كما أن من الجائز - بل الذي وقع فِعْلاً - أن يضع المُتَعَصِّبُونَ والجاهلون أحاديث في فضائل رؤسائهم أو بلدانهم أو قبائلهم يزيدون على ما في الحديث الصحيح من فضائل، أويضعون فضائل لم يرد بها حديث صحيح.
هذان أمران لا ينازع فيهما منازع. فَوُرُودِ أحاديث صحيحة ثابتة في فضائل بعض الأشخاص والبلدان والقبائل، لا يمنع من وجود أحاديث مكذوبة في ذلك أيضاًً، وشأن العالم المنصف في مثل هذه الحالة أَلاَّ يسارع إلى تصديق هذه الأحاديث كلها، ولا إلى تكذيبها كلها، لا يحمله وجود الكذب فيها على أن يُكَذِّبَ جميعها، ولا وجود الصحيح فيها على
стр. 280
أن يُسَلِّمَ بجميعها. وللعلماء طرق في معرفة الثابت من المكذوب، وهي نقد السند والمتن معاً، فما ثبت بعد البحث صحة سنده ومتنه، حكمنا بصحته، وما لا فلا. هذا هو الطريق المعقول في مثل هذه الحالات، وهذا هو الذي فعله أئمتنا حين واجهتهم تلك الكثرة الهائلة من الأحاديث، بما فيها أحاديث الفضائل، وقد ثبت منها بعد البحث والتمحيص طائفة كبيرة أثبتها الأئمة في مُصَنَّفَاتِهِمْ، فالإمام البخاري مثلا وكتابه أصح كتب الحديث وأدقها، وأكثرها تَشَدُّدًا - باعتراف صاحب " فجر الإسلام " - أفرد في " صحيحه " أبواباً متعددة، أثبت فيها ما صح عنده من فضائل المهاجرين والأنصار، وفضائل رجال باسمائهم من الفريقين، كأبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ وسعد وَأُبَيٌّ ومعاذ وكثير من أعيان الصحابة، كما أثبت أحاديث متعددة في فضائل مكة والمدينة واليمن والشام وغيرها، وأحاديث في فضائل قبائل مختلفة كقريش ومُزينة وجُهينة، ومثل ذلك صح لدى أئمة الحديث كأحمد ومسلم والترمذي وغيرهم، وفي الوقت نفسه بَيَّنُوا الأحاديث الموضوعة في ذلك، وكشفوا حال رُوَاتِهَا، ونقدوها نقداً دقيقاً، وَبَيَّنُوا الباعث على وضعها من رجال وأحوال.
فما الذي دعا مؤلف " فجر الإسلام " إلى أن يتجاهل هذه الحقيقة المعلومة، ويشكك في أحاديث الفضائل كلها؟ إنها - ولا ريب - خِطَّةَ المُسْتَشْرِقِينَ الذين سَمِعْتَ رأيهم في الموضوع فاقتفى الأستاذ أثرهم. والله المستعان.
أَحَادِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ:
ثم قال في [ص ١٦٢] في الباعث الثاني على الوضع وهو الخلافات الكلامية والفقهية: «وكذلك في الفقه فلا تكاد تجد فَرْعًا فقهياً إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذاك، حتى مذهب أبي حنيفة الذي يذكر العلماء عنه أنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة - قال ابن خلدون: «إِنَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ» ملئت كتبه بالأحاديث التي لا تعد، وأحيانا بنصوص هي أشبه ما تكون بمتون الفقه ... » إلخ
стр. 281
أما إن الخلافات الفقهية والكلامية كان لها أثر في الوضع فهذا ما لا ننكره. وقد سبق الإشارة إليه عند الكلام على حركة الوضع وأسبابها، وأما الادعاء بان أبا حنيفة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حَدِيثًا ونسبة ذلك إلى العلماء فهذا ما أخطا فيه المؤلف جانب الحق وسلك غير سبيل العلماء.
ذلك أن مذهب أبي حنيفة أوسع المذاهب الفقهية تفريعاً واستنباطاً، حتى لقد بلغت المسائل التي أثرت عنه مئات الألوف، وليس من المعقول أن يستنبط أبو حنيفة ذلك من آيات الأحكام القليلة وبضعة عشر حَدِيثًا فقط، فإن قيل: إنه استنبط هذا الفقه من القياس، قلنا: ما جمع من أحاديث أبي حنيفة في "مسانيده " التي رواها عنه أصحابه وتلاميذه: بلغت بضعة عشر مسنداً، مِمَّا يدل على أن قدراً كبيراً من فقهه مأخوذ مِنَ السُنَّةِ، ولا يصح، أن يقال: إن ما صح عنده منها بضعة عشر حَدِيثًا فقط، إذ كيف لم تصح عنده وهو يحتج بها ويفرع عليها؟
أما قول ابن خلدون، فقد ذكره بصيغة التمريض إشارة إلى أنه غير جازم بذاك: وأيضاًً فلا نعلم لابن خلدون سَلَفاً في هذه المقالة، بل نصوص العلماء متضافرة على أنه صح عند أبي حنيفة قدر من الأحاديث كبير، وسنرى ذلك عند البحث عن أبي حنيفة ﵀ في آخر الرسالة بحثاً علمياً دقيقاً في هذا الموضوع.
تَغَالِي النَّاسِ فِي الاعْتِمَاد عَلَى السُنَّةِ:
يقول المؤلف في ص ٢٦٣ متكلماً عن أسباب الوضع: «يخيل إِلَيَّ أن من أهم أسباب الوضع تغالي الناس إذ ذاك في أنهم لا يقبلون من العلم إلا على ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً وما عدا ذلك فليس له قيمة كبيرة، فأحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث ولا يقرب منه، بل كثير من العلماء في ذلك العصر كان يرفضها ولا يمنحها أية قيمة، بل بعضهم كان يُشَنِّعُ على من ينحو هذا النحو، والحكمة والموعظة الحسنة إذا كانت من أصل هندي أو يوناني أو فارسي، أو من شروح " التوراة " و" الإنجيل " لم يؤبه له،
стр. 282
فحمل ذلك كثيراً من الناس أن يصبغوا هذه الأشياء كلها صبغة دينيه حتى يقبلواعليها، فوجدوا الحديث هو الباب الوحيد المفتوح على مصراعيه، فدخلوا منه على الناس ولم يتقوا الله فيما صنعوا، فكان من أثر ذلك أن نرى الحُكْمَ الفِقْهِيَّ المَصْنُوعَ، والحكمة الهندية والفلسفة الزردشية، والموعظة الإسرائيلية والنصرانية» اهـ.
أتفق المُسْلِمُونَ سلفاً وخلفاً - إلا من لا يعتد بهم من أصحاب البدع والأهواء - على أن الكتاب وَالسُنَّةُ أصلان من أصول التشريع الإسلامي، لا يجوز لأحد أن يحكم في القضاء الإسلامي بخلاف ما جاء فيهما، ولا لمجتهد أن يجتهد في مسالة بغير الرجوع إليهما، ثم انقسموا قسمين: قسم يرى الأخذ بظواهر النصوص من غير تعليل ولا توسع في القياس وَهُمْ الظاهرية وأكثر أهل الحديث.
وقسم يرى إعمال الفكر في استنباط الأحكام من النصوص فعملوا بالقياس مع الكتاب وَالسُنَّةُ، وبحثوا عن العلة وَخَصَّصُوا العَامَّ، وَقَيَّدُوا المُطْلَقَ، وَبَيَّنُوا الناسخ من المنسوخ حين تقوم القرينة على ذلك كله، وهؤلاء هم جمهور المُجْتَهِدِينَ وَحَمَلَةِ العلم منذ عصر الصحابة حتى يومنا هذا.
نعم كان هناك تفاوت بينهم في الأخذ بالقياس والتعليل، وفي الأحاطة بِالسُنَّةِ وشروط صحتها والعمل بها، ومن هنا كان الخلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، ولكنهم متفقون جميعاً على أنه لا يصح الاجتهاد في الفقه مُجَرَّدًا غير منظور به إلى الحديث، بل أوجبوا على المجتهد أن يحيط بأحاديث الأحكام كلها لا يألو في ذلك جهداً.
عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا»
أخرج الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم " عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا» (١).
стр. 283
والمجمع عليه لدى الأئمة المُجْتَهِدِينَ، أن المجتهد ينظر أَوَلاً في كتاب الله، ثم في سُّنَّةِ رسوله، وفي أقوال الصحابة، ثم ينقلب إلى الاستنباط والقياس إن لم يكن هناك إجماع، وسترى عند الكلام على الأئمة الأربعة من أصول مذاهبهم في الاجتهاد ما يؤكد لك ذلك.
فما ادعاه المؤلف من أن أحكام الحلال والحرام، إذا كانت مؤسسة على الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث، يفيد أن هناك اجْتِهَادًا غير مؤسس على الحديث مع وجوده في يد المجتهد، وهذا لم يقع لإمام من الأئمة المُجْتَهِدِينَ قط، ومن قواعدهم المُسِلَّمَةِ لهم جميعاً أن الاجتهاد في مقابلة النص لا يجوز.
أما الحكمة والموعظة الحسنة، فلا نعلم إماماً من الأئمة رفض الأخذ بها لمجرد أنها لم ترد في القرآن والسُنّة، ما دامت لا تصادم نصوص الشريعة، ولا روحها، ولا غايتها السامية ولا آدابها المطلوبة. ومن المأثور عندهم أن الحكمة ضالة المؤمن (١) يلتقطها أنى وجدها. وقد ذكرِ الله في وصف عباده المؤمنين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وقص علينا كثيراً من قصص الماضين، وحكمهم ومواعظهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ تنبيهاً على أنه لا مانع من الأخذ عن الماضين بما لا يختلف عن مقاصد الشريعة، ومن هنا جاءت القاعدة الأصولية: «شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله علينا من غير نكير».
وقد أخرِج البخاري في " صحيحه " عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ». قال الحافظ ابن حجر: «أَيْ لاَ ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ ﷺ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الأَحْكَامِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ
стр. 284
الأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الاعْتِبَارِ»، ثم قال ابن حجر: «وَقَالَ مَالِكٌ: المُرَادُ جَوَازُ التَحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ، فَلاَ». اهـ. باختصار (١)، وقد أكثر بعض الصحابة من الأخذ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه حتى فاضت كتب التفسير بالإسرائيليات، كما فاضت كتب الصوفية والأخلاق بالحكم المنقولة عن الأمم الأخرى، فكيف يصح الزعم بعد ما ذكرناه كله بأن المُسْلِمِينَ رفضوا الحكمة والموعظة الحسنة، إذا كانت من أصل غير إسلامي؟
وصفوة القول أن هذا السبب الذي استظهره المؤلف وتخيله لا أساس له من الواقع، ولا دليل يسنده، وكُتُبُنَا الإسلامية حافلة بما ينقضه، ولا أدري ما الذي دعاه إلى هذا التخيل إلا أن يكون مراده الزعم بأن التَشَدُّدَ في التمسك بالكتاب وَالسُنَّةُ كان له من الضرر على الدين ما حمل الناس على الوضع والكذب.
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
وقال في [ص ٢٦٥]: «وأكثر هؤلاء النُقَّاد - أي نُقَّادِ الحديث - عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِباً، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم». إلى أن قال: في الصحيفة التالية «وعلى كل فالذي جرى عليه العمل من أكثر نُقَّادِ الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عَدَّلُوا كل صحابي، ولم يرموا أحداً منهم بكذب، ولا وضع، وإنما جَرَّحُوا من بعدهم».
مِمَّا اتفق عليه التابعون، ومن بعدهم من جماهير المُسْلِمِينَ من أهل السُنّةِ وَالجَمَاعَةِ، ونُقَّادِ الحديث قاطبة تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع، وَشَذَّ عن ذلك من ذكرنا من الخوارج والمعتزلة وَالشِيعَةِ، هذا هو الواقع والمعروف في المسألة.
стр. 285
ولكن المؤلف - لغرض في نفسه سبق التنبيه إليه - يريد أن يُشكِّكَنا في هذه الحقيقة، فزعم أَوَلاًً أن أكثر النُقَّاد عدَّلُوا الصحابة، مع أن النُقَّاد (جميعاً) عَدَّلُوهُم، وزعم ثَانِياًً، أن قليلاً منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، واستشهد بعبارة الغزالي، مع أن الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّاد الحديث، ولكنهم من ذوي الميول المعروفة في تاريخ الإسلام بالتعصب لبعض الصحابة على البعض الآخر.
قال الحافظ الذهبي: «فَأَمَّا الصَحَابَةُ ﵃ فَبِسَاطُهُمْ مَطْوِيٌّ وَإِنْ جَرَى مَا جَرَى ... إِذْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ مَا نَقَلُوهُ العَمَلَ، وَبِهِ نَدِينُ اللهَ تَعَالَى» (١).
قال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، ثم قال: «وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ».
ثم قال: «وَأَمَّا طَوَائِفُ الرَوَافِضِ وَجَهْلِهِمْ، وَقِلَّةَ عَقْلِهِمْ، وَدَعَاوِيهِمْ أَنَّ الصَحَابَةَ كَفَرُوا إِلاَّ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا - وَسَمَّوْهُمْ - فَهُوَ مِنَ الهَذَيَانِ بِلاَ دَلِيلٍ» (٢).
فأنت ترى أن الذين تكلموا في الصحابة إنما هم أصحاب الفرق المعروفة بميولها السياسية لبعض الصحابة دُونَ بعض، لا من النُقَّادِ الذين وصفهم المؤلف بقوله: «جماعة من العلماء الصادقين، نهضوا لتنقية الحديث مِمَّا أَلَمَّ به، وتمييز جَيِّدِهِ مِنْ رَدِيئِهِ» وزعم المؤلف ثَالِثاًً: أن هذا التعديل كان من أكثر نُقَّادِ الحديث وخاصة المتأخرين منهم، مع أنه لم يُؤْثَرْ عن أحد من المُتَقَدِّمِينَ من أهل العلم من التَّابِعِينَ، فمن بعدهم أنه طعن في صحابي أو ترك الحديث عنه، والغريب أن المؤلف استشهد بعبارة الغزالي في هذا المقام، وعبارته صريحة في أن السلف مُجْمِعُونَ على تعديل