أما إن الخلافات الفقهية والكلامية كان لها أثر في الوضع فهذا ما لا ننكره. وقد سبق الإشارة إليه عند الكلام على حركة الوضع وأسبابها، وأما الادعاء بان أبا حنيفة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حَدِيثًا ونسبة ذلك إلى العلماء فهذا ما أخطا فيه المؤلف جانب الحق وسلك غير سبيل العلماء.
ذلك أن مذهب أبي حنيفة أوسع المذاهب الفقهية تفريعاً واستنباطاً، حتى لقد بلغت المسائل التي أثرت عنه مئات الألوف، وليس من المعقول أن يستنبط أبو حنيفة ذلك من آيات الأحكام القليلة وبضعة عشر حَدِيثًا فقط، فإن قيل: إنه استنبط هذا الفقه من القياس، قلنا: ما جمع من أحاديث أبي حنيفة في "مسانيده " التي رواها عنه أصحابه وتلاميذه: بلغت بضعة عشر مسنداً، مِمَّا يدل على أن قدراً كبيراً من فقهه مأخوذ مِنَ السُنَّةِ، ولا يصح، أن يقال: إن ما صح عنده منها بضعة عشر حَدِيثًا فقط، إذ كيف لم تصح عنده وهو يحتج بها ويفرع عليها؟
أما قول ابن خلدون، فقد ذكره بصيغة التمريض إشارة إلى أنه غير جازم بذاك: وأيضاًً فلا نعلم لابن خلدون سَلَفاً في هذه المقالة، بل نصوص العلماء متضافرة على أنه صح عند أبي حنيفة قدر من الأحاديث كبير، وسنرى ذلك عند البحث عن أبي حنيفة ﵀ في آخر الرسالة بحثاً علمياً دقيقاً في هذا الموضوع.
تَغَالِي النَّاسِ فِي الاعْتِمَاد عَلَى السُنَّةِ:
يقول المؤلف في ص ٢٦٣ متكلماً عن أسباب الوضع: «يخيل إِلَيَّ أن من أهم أسباب الوضع تغالي الناس إذ ذاك في أنهم لا يقبلون من العلم إلا على ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً وما عدا ذلك فليس له قيمة كبيرة، فأحكام الحلال والحرام إذا كانت مؤسسة على مجرد الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث ولا يقرب منه، بل كثير من العلماء في ذلك العصر كان يرفضها ولا يمنحها أية قيمة، بل بعضهم كان يُشَنِّعُ على من ينحو هذا النحو، والحكمة والموعظة الحسنة إذا كانت من أصل هندي أو يوناني أو فارسي، أو من شروح " التوراة " و" الإنجيل " لم يؤبه له،
стр. 282
فحمل ذلك كثيراً من الناس أن يصبغوا هذه الأشياء كلها صبغة دينيه حتى يقبلواعليها، فوجدوا الحديث هو الباب الوحيد المفتوح على مصراعيه، فدخلوا منه على الناس ولم يتقوا الله فيما صنعوا، فكان من أثر ذلك أن نرى الحُكْمَ الفِقْهِيَّ المَصْنُوعَ، والحكمة الهندية والفلسفة الزردشية، والموعظة الإسرائيلية والنصرانية» اهـ.
أتفق المُسْلِمُونَ سلفاً وخلفاً - إلا من لا يعتد بهم من أصحاب البدع والأهواء - على أن الكتاب وَالسُنَّةُ أصلان من أصول التشريع الإسلامي، لا يجوز لأحد أن يحكم في القضاء الإسلامي بخلاف ما جاء فيهما، ولا لمجتهد أن يجتهد في مسالة بغير الرجوع إليهما، ثم انقسموا قسمين: قسم يرى الأخذ بظواهر النصوص من غير تعليل ولا توسع في القياس وَهُمْ الظاهرية وأكثر أهل الحديث.
وقسم يرى إعمال الفكر في استنباط الأحكام من النصوص فعملوا بالقياس مع الكتاب وَالسُنَّةُ، وبحثوا عن العلة وَخَصَّصُوا العَامَّ، وَقَيَّدُوا المُطْلَقَ، وَبَيَّنُوا الناسخ من المنسوخ حين تقوم القرينة على ذلك كله، وهؤلاء هم جمهور المُجْتَهِدِينَ وَحَمَلَةِ العلم منذ عصر الصحابة حتى يومنا هذا.
نعم كان هناك تفاوت بينهم في الأخذ بالقياس والتعليل، وفي الأحاطة بِالسُنَّةِ وشروط صحتها والعمل بها، ومن هنا كان الخلاف بين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، ولكنهم متفقون جميعاً على أنه لا يصح الاجتهاد في الفقه مُجَرَّدًا غير منظور به إلى الحديث، بل أوجبوا على المجتهد أن يحيط بأحاديث الأحكام كلها لا يألو في ذلك جهداً.
عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا»
أخرج الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم " عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ حَلاَلٌ وَلاَ حَرَامٌ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وِجْهَةُ الْعِلْمِ مَا نُصَّ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ، أَوْ فِي الإِجْمَاعِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا» (١).
стр. 283
والمجمع عليه لدى الأئمة المُجْتَهِدِينَ، أن المجتهد ينظر أَوَلاً في كتاب الله، ثم في سُّنَّةِ رسوله، وفي أقوال الصحابة، ثم ينقلب إلى الاستنباط والقياس إن لم يكن هناك إجماع، وسترى عند الكلام على الأئمة الأربعة من أصول مذاهبهم في الاجتهاد ما يؤكد لك ذلك.
فما ادعاه المؤلف من أن أحكام الحلال والحرام، إذا كانت مؤسسة على الاجتهاد لم يكن لها قيمة ما أسس على الحديث، يفيد أن هناك اجْتِهَادًا غير مؤسس على الحديث مع وجوده في يد المجتهد، وهذا لم يقع لإمام من الأئمة المُجْتَهِدِينَ قط، ومن قواعدهم المُسِلَّمَةِ لهم جميعاً أن الاجتهاد في مقابلة النص لا يجوز.
أما الحكمة والموعظة الحسنة، فلا نعلم إماماً من الأئمة رفض الأخذ بها لمجرد أنها لم ترد في القرآن والسُنّة، ما دامت لا تصادم نصوص الشريعة، ولا روحها، ولا غايتها السامية ولا آدابها المطلوبة. ومن المأثور عندهم أن الحكمة ضالة المؤمن (١) يلتقطها أنى وجدها. وقد ذكرِ الله في وصف عباده المؤمنين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وقص علينا كثيراً من قصص الماضين، وحكمهم ومواعظهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ تنبيهاً على أنه لا مانع من الأخذ عن الماضين بما لا يختلف عن مقاصد الشريعة، ومن هنا جاءت القاعدة الأصولية: «شرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله أو رسوله علينا من غير نكير».
وقد أخرِج البخاري في " صحيحه " عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ». قال الحافظ ابن حجر: «أَيْ لاَ ضِيقَ عَلَيْكُمْ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ لأَنَّهُ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ ﷺ الزَّجْرُ عَنِ الْأَخْذِ عَنْهُمْ وَالنَّظَرِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الأَحْكَامِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُورُ وَقَعَ الإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاعِ
стр. 284
الأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الاعْتِبَارِ»، ثم قال ابن حجر: «وَقَالَ مَالِكٌ: المُرَادُ جَوَازُ التَحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ، فَلاَ». اهـ. باختصار (١)، وقد أكثر بعض الصحابة من الأخذ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه حتى فاضت كتب التفسير بالإسرائيليات، كما فاضت كتب الصوفية والأخلاق بالحكم المنقولة عن الأمم الأخرى، فكيف يصح الزعم بعد ما ذكرناه كله بأن المُسْلِمِينَ رفضوا الحكمة والموعظة الحسنة، إذا كانت من أصل غير إسلامي؟
وصفوة القول أن هذا السبب الذي استظهره المؤلف وتخيله لا أساس له من الواقع، ولا دليل يسنده، وكُتُبُنَا الإسلامية حافلة بما ينقضه، ولا أدري ما الذي دعاه إلى هذا التخيل إلا أن يكون مراده الزعم بأن التَشَدُّدَ في التمسك بالكتاب وَالسُنَّةُ كان له من الضرر على الدين ما حمل الناس على الوضع والكذب.
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
وقال في [ص ٢٦٥]: «وأكثر هؤلاء النُقَّاد - أي نُقَّادِ الحديث - عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِباً، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم». إلى أن قال: في الصحيفة التالية «وعلى كل فالذي جرى عليه العمل من أكثر نُقَّادِ الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عَدَّلُوا كل صحابي، ولم يرموا أحداً منهم بكذب، ولا وضع، وإنما جَرَّحُوا من بعدهم».
مِمَّا اتفق عليه التابعون، ومن بعدهم من جماهير المُسْلِمِينَ من أهل السُنّةِ وَالجَمَاعَةِ، ونُقَّادِ الحديث قاطبة تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع، وَشَذَّ عن ذلك من ذكرنا من الخوارج والمعتزلة وَالشِيعَةِ، هذا هو الواقع والمعروف في المسألة.
стр. 285
ولكن المؤلف - لغرض في نفسه سبق التنبيه إليه - يريد أن يُشكِّكَنا في هذه الحقيقة، فزعم أَوَلاًً أن أكثر النُقَّاد عدَّلُوا الصحابة، مع أن النُقَّاد (جميعاً) عَدَّلُوهُم، وزعم ثَانِياًً، أن قليلاً منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، واستشهد بعبارة الغزالي، مع أن الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّاد الحديث، ولكنهم من ذوي الميول المعروفة في تاريخ الإسلام بالتعصب لبعض الصحابة على البعض الآخر.
قال الحافظ الذهبي: «فَأَمَّا الصَحَابَةُ ﵃ فَبِسَاطُهُمْ مَطْوِيٌّ وَإِنْ جَرَى مَا جَرَى ... إِذْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ مَا نَقَلُوهُ العَمَلَ، وَبِهِ نَدِينُ اللهَ تَعَالَى» (١).
قال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، ثم قال: «وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ».
ثم قال: «وَأَمَّا طَوَائِفُ الرَوَافِضِ وَجَهْلِهِمْ، وَقِلَّةَ عَقْلِهِمْ، وَدَعَاوِيهِمْ أَنَّ الصَحَابَةَ كَفَرُوا إِلاَّ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا - وَسَمَّوْهُمْ - فَهُوَ مِنَ الهَذَيَانِ بِلاَ دَلِيلٍ» (٢).
فأنت ترى أن الذين تكلموا في الصحابة إنما هم أصحاب الفرق المعروفة بميولها السياسية لبعض الصحابة دُونَ بعض، لا من النُقَّادِ الذين وصفهم المؤلف بقوله: «جماعة من العلماء الصادقين، نهضوا لتنقية الحديث مِمَّا أَلَمَّ به، وتمييز جَيِّدِهِ مِنْ رَدِيئِهِ» وزعم المؤلف ثَالِثاًً: أن هذا التعديل كان من أكثر نُقَّادِ الحديث وخاصة المتأخرين منهم، مع أنه لم يُؤْثَرْ عن أحد من المُتَقَدِّمِينَ من أهل العلم من التَّابِعِينَ، فمن بعدهم أنه طعن في صحابي أو ترك الحديث عنه، والغريب أن المؤلف استشهد بعبارة الغزالي في هذا المقام، وعبارته صريحة في أن السلف مُجْمِعُونَ على تعديل
стр. 286
الصحابة، وذلك هو قوله: «وَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ» (*) أفلا ترى هذا رداً واضحاً على ما زعمه المؤلف من أن المتأخرين هم أكثر من المُتَقَدِّمِينَ تعديلاً للصحابة؟
هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يكذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؟:
ولم يكتف المؤلف بهذا، بل زاد على ذلك زعماً آخر، تأكيداً لما رمى إليه من التهوين بشأن الصحابة، وذلك أنه قال بعد ما تقدم (١): «ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضاً موضع النقد، وينزلون بعضاً منزلة أسمى من بعض». إلخ، يريد بذلك أن يعترض على موقف (أكثر) النُقَّادِ من عدالة الصحابة، وَيُبَيِّنُ ألاََّّ مجال لهذا التعديل على الإطلاق، فقد كان الصحابة يشك بعضهم في صدق بعض، وَضَعَ بعضهم بعضاً موضع النقد، ودلل على ذلك بثلاثة أمور:
١ - ما نقله من نقد ابن عباس، وعائشة لأبي هريرة.
٢ - ما سبق أن ذكره من أن بعض الصحابة كان إذا رُويَ له حديث طلب من المُحَدِّثِ دليلاً على صدقه.
٣ - ما حصل بين عمر وفاطمة بنت قيس.
وإليك ما يرد استدلاله بهذه الأدلة الثلاثة، ويجعل دعواه عرجاء لا سند لها من التاريخ.
أما أن الصحابة كان يشك في صدق بعض فهذه دعوى لا برهان لها إلا في كتب الروافض من غُلاَةِ الشِيعَة الذين نقلوا عن عَلِيٍّ ﵁ تكذيبه لمن خالفه من الصحابة وسبه لهم، وإطلاق لسانه فيهم، ولكن النقل الصحيح والتاريخ النزيه عن أهواء ذوي الغايات، يثبت ببيان لا غموض فيه أن الصحابة كانوا أبعد الناس عن أَنْ يَسُبَّ بعضهم بعضاً، أو يشك بعضهم في صدق بعض والأدلة على هذا متوافرة جِدًّا،
стр. 287
فقد كان الصحابي إذا سمع من صحابي آخر حَدِيثًا صَدَّقَ به ولم يخالجه الشك في صدقه، وأسنده إلى الرسول كما لو كان سمعه بنفسه. وقدمنا لك القول عن مرسل الصحابي، وذكرنا لك قول أنس: «لَمْ يَكُنْ يُكَذِّبُ بَعْضُنَا بَعْضًا» وقول البراء: «مَا كُلُّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُهُ عَنْهُ» مِمَّا يدلك على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين.
١ - وأما ما نقله من رَدِّ عائشة وابن عباس على أبي هريرة فنرجىء الحديث فيه إلى الكلام عن أبي هريرة ﵁.
٢ - وأما طلب بعض الصحابة دليلاً على صدق الحديث، فهو يشير بذلك إلى ما سبق أن ذكرناه في بحث موقف الصحابة مِنَ السُنَّةِ من طلب أبي بكر من المُغيرة من يشهد معه، وطلب عمر من أبي موسى من يشهد معه، وَبَيَنَّا هنا الحكمة التي رمى إليها كل من أبي بكر وعمر في هذين الموقفين، وأثبتا أنهما قَبِلاَ أخبار بعض الصحابة دُونَ أن يطلبا شاهداً آخر، وأن ذلك كان عادتهما التي درجا عليها في قبول الأخبار، ولم يَشُذَّا عنها إلا في مواقف خاصة رميا منها إلى تعليم المُسْلِمِينَ التثبت في الحديث، وكيف يكون عمر شَاكًّا في صدق أبي موسى وهو الذي يقول له: «[أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ]، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْْ لاَ يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْحَدِيثِ عَلَى الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ » ثم انظر إلى ما رواه " مسلم " من أن أُبَيّاً عاتب عمر على موقفه من أبي موسى وقال له: «لاَ تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » أَلاَ ترى في هذا العتاب الشديد دليلاً على أَنَّ عمر وقف من أحد الصحابة موقفاً لم يكن مألوفاً لديهم.
- وأما موقف عمر من فاطمة بنت قيس فقد قال المؤلف عن ذلك (١): «وكالذي روي أن فاطمة بنت قيس رَوَتْ أن زوجها طَلَّقَ فَبَتَّ
стр. 288
الطلاق فلم يجعل رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى، وقال لها: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى»، فردها أمير الؤمنين عمر قائلاً. لا نترك كتاب ربنا وسُنَّةَ نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت لها عائشة: أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ ... الخ».
هذا الحديث مروي في أكثر كتب السُنّة، ومعروف عند الفقهاء، والبحث فيه من وجوه:
أَوَلاًً - أن الصحابة كا نوا يتفاوتون في الفهم والدقة في الاستنباط، كما كانت لبعضهم ظروف خاصة يعامله بها الرسول فيحكيها للناس على أنها حكم عام، فيقع بينهم نقاش علمي محض، لا مدخل فيه للنقد المبني على الريبة في الصدق، ولا أثر فيه للتصديق أو التكذيب، فهذا يروي حَدِيثًا فيراه الآخر منسوخاً أو مخصوصاً أو مُقَيَّداً، وهذا يُحَدِّث بحديث فيراه الآخر خَاصًّاً بمن حكم له الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - لظروف خاصة به، وهذا يذكر خبراً فيذكره الآخر على وجه آخر ويحكم عليه بأنه وَهِمَ فيه أو نَسِيَ، أو نقص منه أو ما أشبه ذلك، فكل ما ورد في الآثارعن الصحابة في رَدِّ بعضهم على بعض، واستدراك صحابي على آخر، مَرَدُّهُ إلى ما ذكرناه، وليس معناه تكذيباً من فريق لفريق.
ثَانِياًً - إن قول عمر «لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ " ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " مَعْزُواً إلى " صحيح مسلم "، وليس في " مسلم " إلا " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ " وقد نَبَّهَ شارح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " إلى هذا فقال: «وَالمَحْفُوظُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " " حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ "». اهـ.
وإن تعجب فعجبك من صاحب " فجر الإسلام " بعد أن نقل هذا الحديث بهذا اللفظ قال في الهامش: «انظر " شرح النووي على مسلم " وشرح " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ ". وبالرجوع إلى " شرح النووي " لم نجد فيه ذكراً
стр. 289
لقوله «صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» وبالرجوع إلى " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " نجده قد نص على أن هذه الزيادة التي ذكرها صاحب " المُسَلَّمِ " ليست واردة في " صحيح مسلم ". على أن المؤلف يعلم أن " مُسَلَّمَ الثُبُوتِ " ليس من كتب السُنَّةِ ولا يرجع إليه في معرفة حديث رسول الله، وقد تابع فيه غيره من الفقهاء والأصوليين بدون تثبت ورجوع إلى كتب الحديث، وقد كان من واجب المؤلف وهو يؤرخ تدوين الحديث أن يرجع في نصوصه إلى مصادره الأصلية، فلا ينقل نصاً إلا من هذه المصادر، كما أن من واجبه، وهو عالم أن يَتَحَلَّى بصفة العلماء وهي الأمانة في النقل والتثبت فيه، فلا ينقل نصاً إلا بعد تثبته منه واطمئنانه إلى أنه وارد وصحيح، ولكنه لم يفعل ذلك، فلا هو رجع إلى كتب الحديث ولا هو كان أميناً في الإحالة إلى كتب الحديث وكتب الأصول، بل أحال النص" المكذوب " إلى "شرح النووي" وشرح "مسلم الثبوت ". ولا ندري هل كان يظن أن قراءه يكتفون منه بادعاء وجوده في هذين المصدرين فيطمئنون؟ أم يرتابون في ذلك ويبحثون؟
ثَالِثاًً - على فرض صحة هذه العبارة - وهو ما لم يثبت حتى الآن - فكان ينبغي له حمل كلمة «كَذَبَتْ» على الخطأ، وحمل كلمة «صَدَقَتْ» على الصواب، وقد قال ابن حجر: «إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يُطْلِقُونَ «الكَذِبَ» عَلَى الخَطَأِ». اهـ.
رَابِعاًً - إنما رَدَّ عُمَرُ خبر فاطمة، لأنه وجده متعارضاً مع ما صَحَّ عنده من الكِتَابِ وَالسُنَّةُ، ومن المعلوم أن الخبرين إذا تعارضا يصار إلى الأقوى منهما، ومدلول الكتاب أقوى من مدلول السُنَّةِ بيقين، فلا جَرَمَ أن كان متعينا على عمر ترك خبرها والأخذ بما قام عنده من الأدلة، واعتذر عنها بأنها لعلها نسيت فأخبرت بما أخبرت، وليس في هذا تشكيك ولا طعن.
خَامِساًً - إن قول عائشة: «أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ» إنما كان بناء على ما علمته من أن الرسول لم يحكم لها بالنفقة والسكنى لعارض لها خاصة، لا أنه حكم عام في كل مُطَلَّقَةٍ مَبْتُوتَةٍ، فلما رأتها تُحَدِّثُ الناسَ بما حكم لها
стр. 290
الرسول على أنه حكم عام نَبَّهَتْهَا إلى هذه الحقيقة، وَأَفهَمَتْهَا أن الحُكْمَ خاص بها. وقد ثبت في " مسلم ": أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلاَثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: «فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ»، وأكد هذا ما جاء في بعض روايات " البخاري " أن عائشة قالت: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الحَدِيثِ»، «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ [وَحْشٍ] (*)، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ » (١).
والذي اتضح لنا بعد أن رددنا شُبَهَ المؤلف واحدة بعد أخرى، أنه لم ينفع من الصحابة شك ولا نقد قائم على التكذيب من فريق نحو فريق، وكل ما أثر عنهم - مِمَّا ذكره المؤلف وما لم يذكره - لا يخرج عن كونه نقاشاً علمياً في فهم الحديث، أو يكون تعليماً للجيل الناشئ لينشأ على ما كان عليه الصحابة من التَحَرِّي وَالتَثَبُّتِ، وكل ذلك يدل على حرصهم على الحق، وإخلاصهم للعلم، واهتمامهم بحديث رسول الله ﷺ ، وتأديته إلى الأُمَّةِ من بعدهم خالياً من اللُبْسِ والوهم، فرضي الله عن هذا الجيل الممتاز في تاريخ الإنسانية وجزاهم عنا أكمل الجزاء.
اخْتِلاَفُ العُلَمَاءِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ:
قال المؤلف في [ص ٢٦٦]: «وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح، فَأَهْلُ السُنَّةِ يُجَرِّحُون كثيراً من الشِيعَة حتى إنهم نَصُّوا على أنه لايصح أنْ يروى عن عَلِيٍّ ما رواه عنه أصحابه وشيعته، إنما يصح أنْ يُرْوَى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود، وكذلك كان موقف الشِيعَة من أَهْلِ السُنَّةِ، فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشِيعَةُ عن أهل البيت، وهكذا. ونشأ عن هذا أنَّ من يُعدِّلُهُ قوم قد يُجَرِّحُهُ آخرون، قال الذهبي: «لَمْ يَجْتَمِعْ اثْنَانِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ عَلَى تَوْثِيقِ ضَعِيفٍ وَلاَ عَلَى تَضْعَيفِ ثِقَةٍ» ومع ما في قوله هذا من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريح والتعديل، ولنضرب لك مثلاً محمد بن إسحاق - أكبر مُؤَرِّخٍ
стр. 291
في حوادث الإسلام الأولى - قال فيه قتادة: «لاَ يَزَالُ فِي النَّاسِ عِلْمٌ مَا عَاشَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ»، وقال النسائي: «لَيْسَ بِالقَوِيِّ»، وقال سفيان: «مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَتَّهِمُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ، وقال الدارقطني: «لاَ يُحْتَجُّ بِهِ وَبِأَبِيهِ»، وقال مالك: «أَشْهَدُ أَنَّهُ كَذَّابٌ ... ».
والكلام هنا في موضعين:
الأول: - في قواعد الجرح والتعديل.
والثاني: - في عبارة الذهبي، والآراء في محمد بن إسحاق.
أما الموضع الأول، فقد أجمل المؤلف الكلام هنا عن قواعد الجرح والتعديل كما أجمل الكلام عن أثر االاختلاف المذهبي وأوهم ظاهر قوله: «وَنَشَأَ عَنْ هَذَا أَنَّ مَنْ يُعَدِّلُهُ ... إلخ»، أن منشأ الاختلاف في التجريح والتعديل هو الاختلاف المذهبي. وتفصيل الكلام أن الاختلاف في التجريح والتعديل، إما أن يكون فيما بين أَهْلَ السُنَّةِ بعضهم مع بعض، أو بين أهل السُنَّة وبين من خالفهم من الفرق الأخرى.
أما الاختلاف فيما بين أَهْلَ السُنَّةِ، فمنشؤه تباين الأنظار في صدق الراوي وكذبه، وعدالته وفسقه، وحفظه ونسيانه.
وأما الاختلاف بين أَهْلَ السُنَّةِ وغيرهم فليس ناشئاً عن تباين المذاهب بل إن أهل السُنَّة كما قدمناه - في بحث الجرح والتعديل - لا يُجَرِّحُونَ مخالفهم إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر، أو وقوع في صحابة رسول الله، أو كان داعية إلى بدعته، أو لم يكن داعية ولكن حديثه موافق لما يدعو إليه، ويرون في ذلك كله ما يشكك في صدقه وأمانته، فالخلاف في التجريح بين أهل السُنَّة وغيرهم راجع في الحقيقة إلى الشك بصدق الراوي أو الثقة به لا إلى مجرد الخلاف المذهبي، ولهذا أخرجت كُتُبُ السُنَّة وفي مقدمتها " الصحيحان " لجماعة من المبتدعة الذين دَلَّ تاريخهم على أنهم لا يكذبون، كعِمران بن حطان الخارجي، وأبان بن تغلب الشيعي،
стр. 292
قال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة أبان بن تغلب: «شِيعِيٌّ جَلِدٌ، فَلَنَا صِدْقُهُ، وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ».
أما إن أهل السُنَّة لا يقبلون رواية أصحاب عَلِيٍّ عنه فذلك لأنهم أفسدوا علمه وَدَسُّوا عليه آراء لم يذهب إليها وَقََوَّلُوهُ ما لم يقله، وقد روي عَنْ [أَبِي] إِسْحَاقَ (*)، قَالَ: «لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟» فلما فشا عليه الكذب بين أصحابه تركوا روايتهم احتياطاً وتثبُّتاً. وبهذا تعلم ما في عبارة المصنف من إجمال وغموض فضلاً عما فيها من إيهام أن الاختلاف في التجريح والتعديل منشؤه الاختلاف المذهبي فحسب.
أما الموضع الثاني فهو قوله: «ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّلُهُ قوم يُجَرِّحُهُ آخرون» واستشهد بعبارة الذهبي وساق دليلاً على ذلك خلافهم في محمد بن إسحاق وها هنا أخطاء متلاحقة.
أَوَلاًً - إن تمثيله لأثر الاختلاف المذهبي بالاختلاف في أمر ابن إسحاق غير صحيح، فإن الاختلاف في أمره ليس ناشئاً عن اختلاف مذهبي، فإن محمد بن إسحاق من أهل السُنَّة، والذين اختلفوا فيه جميعاً من أهل السُنَّة، فلا يصح التمثيل في هذا المقام.
ثَانِياًً - إنه فهم عبارة الذهبي على غير ما تؤدي إليه، وعلى غير ما أرادها الذهبي نفسه، فقد فهمها المؤلف على أنها دليل على شِدَّةِ اختلاف الأنظار، وأن معناها لم يتفق اثنان على توثيق رجل ولا على تضعيفه، بل من يوثقه هذا يُجَرِّحُهُ ذاك، والعكس بالعكس، ولكن المتأمل في عبارة الذهبي أدنى تأمل، يفهم منها خلاف ما فهمه المؤلف تماما، فالذهبي يريد أن يقول: إن علماء هذا الشأن متثبتون في نقد الرجال، فلم يقع منهم أن اختلفوا في توثيق رجل اشتهر بالضعف، ولا في تضعيف رجل عرف بالتثبت والصدق، وإنما يختلفون فيمن لم يكن مشهوراً بالضعف أو التثبت وحاصله أنهم لا يذكرون الرجل إلا بما فيه حقيقة. أَلاَ ترى إلى قوله:
стр. 293
توثيق (ضَعِيفٍ) وتضعيف (ثِقَةٍ) ولو كان مراده كما فهم المؤلف لقال: لم يجتمع اثنان على توثيق رَاوٍ ولا على تضعيفه (١).
ثَالِثاًً - إن الخلاف في محمد بن إسحاق ليس فيه تأييد لعبارة الذهبي بل هو وارد عليها مورد الاعتراض وأصل المسالة، أن صاحب "مسلم الثبوت " بعد آن ذكر عبارة الذهبي اعترض عليه الشارح بأن هذا التعميم غير صحيح، والاستقراء ليس تاماً فقد اختلفوا مثلاً في محمد بن إسحاق وذكر أقوال العلماء فيه بين تعديل وتجريح ثم قال: «فانظر فإن كان هو ثقة فقد اجتمع أكثر من اثنين على تضعيفه. وإن كان ضعيفاً فقد اجتمع أكثر من اثنين على توثيقه» ولكن المؤلف لم يعجبه فهم الشارح ولا فهم صاحب "المُسَلَّمِ " ولا مراد الذهبي نفسه، بل ساق ما قيل في ابن إسحاق تَأْكِيدًا، لما حاول فهمه من عبارة الذهبي، فانظر هل هو في الحقيقة لم يفهم عبارة الذهبي، ولم يفهم عبارة الشارح، ولم يفهم أن ما قيل في ابن إسحاق اعتراض على ما يُسْتَفَادُ من عموم عبارة الذهبي، أو هو فهم ذلك كله، لكنه تجاهله وَحَمَّلَ عبارة الذهبي عكس ما تحتمله ليصل من ذلك كله إلى تهوين أمر علماء الجرح والتعديل، وإفهام القارىء أنهم مضطربون متناقضون، وأنهم في أحكامهم على الرُوَاةِ يصدرون عن تباينهم في النزعات والمذاهب، وأن أي رَاوٍ وَثَّقَهُ أحد أئمة الحديث، هنالك من يُضَعِّفُهُ غالباً، فلسنا ملزمين بان نقبل حَدِيثًا اعتبر البخاري - مثلاً - حال رواته ووثَّقَهُم؟ أنظر في هذا وتأمله.
стр. 294
قَوَاعِدُ النَّقْدِ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ:
وقال في ص ٢٦٦ أيضاًً: «وقد وضع العلماء للجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها. ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مِمَّا عنوا بنقد المتن، فَقَلَّ أن نظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النَّبِيّ- ﷺ لا يتفق والظروف الي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبِيّ، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بِعُشْرِ مِعْشَارِ ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه - على جليل قدره ودقيق بحثه - يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة، لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ [مِنْ عَجْوَةً] لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ». وهذا الكلام تضمن أمرين:
الأول: - نقد القواعد التي وضعها العلماء لنقد الحديث.
والئاني: - نقد حديثين وردا في " صحيح البخاري "، تمشياً مع القواعد الجديدة التي وضعها للنقد.
أَوَلاًً: قَوَاعِدُ العُلَمَاءِ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ:
نبحث هذا الأمر لنرى هل قََصَّرَ العُلَمَاءُ في نقد المتن؟ وهل كان هناك مجال للتوسع في النقد أكثر مِمَّا فعلوه؟
إذا أخبرك رجل عن آخَرَ خَبَرًا، كان أول ما يسبق إلى خاطرك، أن تستوثق من صِدْقِ المُخْبِرِ، بالنظر في حاله وأمانته ومعاملته وغير ذلك، فإذا استوثقت منه نظرت بعد ذلك في الخبر نفسه، وعرضته على ما تعرف عن صاحبه من أقرال وأحوال، فإذا اتفق مع ما تعلمه من ذلك، لم تشك بصدق المُخْبِرِ والاطمئنان إليه، وإلا كان لك أن تتوقف في قبول الخبر
стр. 295
لا لريبة في المُخْبِرِ - فأنت واثق من صدقه - بل لشبهة رأيتها في الخبر نفسه، ويصح أن يكون مرجعها وَهُمًا أو نسياناً من المُخْبِرِ، كما يصح أن ترجع إلى سِرٍّ في الأمر لم تتبينه، فلعل في مستقبل الزمن ما يكشف السِرَّ ويوضح لك ما غاب عنك، فإذا أنت لم تقتصر على التوقف في الخبر في هذه الحالة، بل حكمت بكذبه، كان ذلك افتئاتاً منك على من أخبرك، ونقضاً لما أبرمته، إذ كذبت المُخْبِرَ وأنت له مُصَدِّقٌ وبه واثق.
ذلك مثل لموقف العلماء مِمَّا وجدوه بين أيديهم من حديث رسول الله ﷺ ، فقد كان نقدهم لِلْسُنَّةِ على خطوتين: الأولى نقد السند، والثانية نقد المتن.
أما السند فقد قدمنا لك ما اشترطوا في الراوي من العدالة والضبط والحفظ والسماع في كل رَاوٍ في السلسلة إلى أن يصل إلى الصحابي، ونعتقد أن المؤلف ومن سبقه من المُسْتَشْرِقِينَ لا يستطيعون أن يتهموا علماءنا بالتفريط في نقد حال الرُوَاة، ووضع الشروط الدقيقة لقبول أخبارهم، فهم مجمعون معنا على أن علماءنا ﵏ بلغوا في ذلك الشوط الذي ليس بعده غاية، ولا وراءه مطمع لناقد أو متثبت.
أما المتن فقد تقدم لك ما يرشدك إلى القواعد التي وضعوها لنقده وأهمها:
١ - ألاََّّ يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله بليغ أو فصيح.
٢ - ألاََّّ يكون مخالفاً لبدهيات العقول، بحيث لا يمكن تأويله.
٣ - ألاََّّ يخالف القواعد العامة في الحِكَمِ والأخلاق.
٤ - ألاََّّ يكون مخالفًا للحس والمشاهدة.
٥ - ألاََّّ يخالف البدهي في الطب والحكمة.
٦ - ألاََّّ يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع.
٧ - ألاََّّ يخالف العقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله.
стр. 296
٨ - ألاََّّ يكون مخالفاً لسنة الله في الكون والإنسان.
٩ - ألاََّّ يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء.
١٠ - ألاََّّ يخالف القرآن أو مُحْكَمَ السُنَّةِ أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة، بحيث لا يحتمل التأويل.
١١ - ألاََّّ يكون مخالفاً للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر إلنبي ﷺ .
١٢ - أن لا يوافق مذهب الراوي الداعية إلى مذهبه.
١٣ - ألاَّ يخبر عن أمر وقع بمشهد عظيم ثم ينفرد رَاوٍ وَاحِدٌ بروايته.
١٤ - ألاَّ يكون ناشئا عن باعث نفسي، حمل الراوي على روايته.
١٥ - ألاَّ يشتمل على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
على هذه الأسس الرصينة المحكمة جَرَّدُوا أنفسهم لنقد الأحاديث، وتمييز صحيحها من سقيمها، ولا شك أنها أسس سليمة لا يستطيع المنصف أن يكابر في قوتها وعمقها وكفايتها، ولم يكتف علماؤنا بهذا، بل نقدوا المتن بعد سلامته من العلل السابقة كلها، نقدوه من ناحية اضطرابه أو شذوذه أو إعلاله، كما بحثوا فيما يمكن أن يقع فيه من قلب أو غلط أو إدراج (١)، ولكل ذلك أمثلة وشواهد مَحَلُّهَا كُتُبَ القوم ﵏.
ومع ذلك التدقيق الشديد والاعتناء البالغ، فقد قالوا باحتمال ألاَّ تكون
стр. 297
هذه الأحاديث صحيحة في نفس الأمر إذا كانت أحاديث آحاد - وإن كان هذا الاحتمال في منتهى الضُعف والبُعد - وقالوا باحتمال وَهْمِ الراوي وَنِسْيَانِه - وإن كنا لم نطلع عليه - ولهذه الاحتمالات قال الجمهور: إن أحاديث الآحاد تفيد الظن مع وجوب العمل بها، وهذا لعمري غاية الاحتياط في دين الله وغاية الاحتياط في إثبات الحقائق العلمية.
كل هذا الاحتياط وهذه الشدة في النقد لم تعجب مؤلف " فجر الإسلام " لأنها لم تعجب أساتيذه المُسْتَشْرِقِينَ فانتقدها بما ذكرناه في صدد هذا البحث، وزعم أنه كان عليهم أن يُحَقِّقُوا حين النقد في المسائل الآتية:
١ - هل يتفق ما نسب إلى النَّبِيّمع الظروف التي قيلت فيه؟
٢ - وهل الحوادث التاريخيه تؤيده؟
٣ - وهل هذا الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النَّبِيّ؟
٤ - هل الحديت أشبه في شروطه وقيوده بمتن الفقه؟ وزاد في " ضُحى الإسلام ": (٢/ ١٣٠ - ١٣١) النواحي الآتية:
٥ - هل ينطبق الحديث على الواقع أم لا؟
٦ - هل هنالك باعث سياسي للوضع؟
٧ - هل يتمشى الحديث مع البيئة التي حكي فيها أم لا؟
٨ - هل هنالك باعث نفسي يحمل الراوي على الوضع أم لا؟
هذه هي القواعد الجديدة التي وضعها مؤلف " فجر الإسلام " و" ضُحَاهُ " لنقد المتن وزعم أنها فاتت علماءنا، ولو تنبهوا لها لانْكَشَفَ لهم حال أحاديث كثيرة حكموا بصحتها، وهي في الواقع - على زعمه - موضوعة.
ومَثَّلَ لِذَلِكَ في " فجر الإسلام " بحديثين في " البخاري " ومَثَّلَ في " ضُحَى الإِسْلاَمِ " بحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ
стр. 298
وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» وقال: إنهم لم يتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة رغم زعم أبي هريرة، أنه جَرَّبَهَا فأدت إلى الشفاء.
ولكن المؤلف اعترف أخيراً بأنه قد رويت لهم أشياء من النقد النفسي، مثل نقد ابن عمر لأبي هريرة في زيادة «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» في الحديث «بِِأَنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا».
تعال بنا، ننظر زعمه من مقاييس جديدة، ولننظر في أمثلتها التي اختارها لنرى إلى أي مدى كان المؤلف مُوَفَّقاً؟
١ - أما أنهم لم يحققوا فيما نسب إلى النَّبِيّ، هل يتفق والظروف التي قيلت فيه أم لا؟. فقد رأيت عدم صحة هذا الزعم، بل إنهم جعلوا ذلك من أسس نقد المتن، وَمَثَّلْنَا ذلك فيما مضى بحديث الحَمَّامِ، حيث رَدَّهُ العلماء بأن النَّبِيّلم يدخل حَمَّاماً قط، وأن الحجاز في عصر النَّبِيّلم تكن تعرف الحَمَّامَات.
٢ - وأما أن الحوادث التاريخية تُؤَيِّدُهُ أَوْ تُكَذِّبُهُ، فقد رأيت أنهم عَدُّوا ذلك من علائم الوضع أيضاًً، وَمَثَّلُوا لَهُ في رَدِّهِمْ لحديث وضع الجزية على أهل خيبر، فقد رده العلماء بأن الحوادث التاريخية ترده، ورأيت كيف استعملوا التاريخ لكشف كذب الرُوَاةِ في لُقْيَاهُمْ الشيوخ.
٣ - وأما كون الحديث نوعًا من التعبير الفلسفي يخالف المألوف من كلام النَّبِيّ، فإن ذلك داخل تحت بحث «ركاكة اللفظ» وضابطه أن تقطع بأن النَّبِيّلا يقول مثل هذا الكلام، ونقلنا لك قَوْلُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ [وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ] يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ» وحيث كانوا كذلك فمن السهل عليهم أن يَرُدُّوا حَدِيثًا فلسفياً لم يكن مألوفاً من النَّبِيّأن يقول مثله، ونحن نتحدى المؤلف أن ينقل لنا حَدِيثًا واحداً صَحَّحَهُ أَئِمَّتُنَا، وكان من هذا النوع.
стр. 299
٤ - وأما أن الحديث أشبه بشروطه وقيوده بمتن الفقه، فقد رأيت كيف اشترطوا ألا يكون المروي موافقاً لمذهب الراوي المتعصب، وقد رَدُّوا أحاديث كثيرة في العقائد، لأنها تؤيد مذاهب الرُوَاةِ، وكذلك رَدُّوا أحاديث في الفقه كثيرة للسبب نفسه، مثل: «الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقَ لِلْجُنُبِ ثَلاَثًا فَرِيضَةً»، ومثل: «إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ غُسِلَ الثَّوْبُ وَأُعِيدَتِ الصَّلاَةُ» وأمثال هذه الأحاديث التي حكم عليها العلماء بالوضع كثيرة. انظر " نصب الراية "، و"موضوعات ابن الجوزي " و"اللآلئ المصنوعة " للسيوطي.
٥ - وأما أن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟ فقد ذكروا ذلك، كما رأيت، ومن أجله رَدُّوا أحاديث كثيرة منها «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ»، لأنه يخالف الواقع المشاهد، فإن أكثر الأئمة وأشهرهم ذكراً مِمَّنْ ولدوا بعد القرن الأول الهجري. ومنها «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ومنها «عَلَيْكُمْ بِالْعَدْسِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ يُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَيُكْثِرُ الدَّمْعَةَ» قالوا: هذان حَدِيثًان باطلان لمخالفتهما للواقع المعروف في عالم الطب وتجربة الناس.
٦ - أما أنه هل هناك باعث سياسي للوضع؟ فقد رأيت أنهم نصوا على رواية ذوي المذاهب والأهواء المُتَعَصِّبِينَ، وبذلك رفضوا أحاديث غُلاَةِ الشِيعَةِ فِي عَلِيٍّ. وَغُلاَةِ البكرية في أبي بكر. وَغُلاَةِ العثمانية في عثمان، والمتعصبين للأمويين في بني أمية. والمتعصبين للعباسيين في بني العباس، وقد رأيت أنهم تنبهوا إلى أن الخلافات السياسية من أهم عوامل الوضع، فتتبعوا الأحاديث في ذلك ونقدوها نقداً شديداً. وكان ما قبلوه منها - بعد النقد والتمحيص - أقل بكثير مِمَّا رفضوه.
٧ - وأما أنه هل يتمشى الحديث مع البيئة التي قيل فيها أم لا؟
فقد نصوا على ذلك وَرَدُّوا من أجله أحاديث متعددة:
منها «رَمَدْتُ فَشَكَوْتُ إِلَى جِبْرِيلَ، فَقَالَ لِي: أَدِمْ النَّظَرَ إِلَى المُصْحَفِ».
стр. 300
قالوا: لأنه لم يكن على عهد النَّبِيِّ مصحف حتى ينظر فيه.
٨٨ - وأما أنه هل هنالك باعث نْفسي يحمل على الوضع أم لا؟ فقد رأيت أنهم لم يُغفِلُوا ذلك، بل قالوا: قد يستفاد على الوضع من حال الراوي. ومثَّلُوا لذلك بحديث: «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» فإن راويه كان مِمَّنْ يصنع الهريسة. وحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ ... إلخ» فإن راويه سعد بن طريف، قاله حين جاء إليه ابنه يبكي وأخبره أن معلمه ضربه.
فها أنت ترى أن كل ما زعم المؤلف استدراكه على علماء الحديث من قواعد في نقد المتن لم يغفلها علماؤنا بل نَصُّوا عليها وذهبوا إلى أبعد منها في وضع القواعد وبها رَدُّوا كثيراً من الأحاديث، ولو رجع المؤلف إلى كتب الموضوعات ودرس ما كتبه علماء المصطلح، وراجع معاجم الجرح والتعديل، لاعترف بأن هؤلاء العلماء كانوا أكثر منه حرصاً على مثل ما ذكره حتى لقد بلغت القواعد التي وضعوها للتعرف على وضع المتن أكثر من خمس عشرة قاعدة كما رأيت.
نَعَمْ إن العلماء ﵏ لم يستعملوا تلك المقاييس إِلاَّ في النطاق الذي لا بد منه، فلم يَرُدُّوا حَدِيثًا إلا بعد تعذر التأويل، بحيث يتحقق فيه على وجه التأكيد فَقْدَ شَرْطٍ من شروط الصحة، ووجود علامة من علامات الوضع. وقد جعلوا عمدتهم الأولى نقد السند، وبه أزاحوا من طريق السُنَّةِ، آلافاً بل عشرات الألوف من الأحاديث المكذوبة، ثم نقدوا المتن في الحدود التي ذكرناها على نطاق ضيق، إذ كانوا متثبتين لا يلقون الكلام على عواهنه، ولا يجازفون في دين الله بالهوى والعاطفة، وبذلك سلموا مِمَّا وقع فيه المؤلف من أخطاء شنيعة حين أراد أن يستعمل تلك المقاييس بدون تثبت وحيطة، وحسن توجيه، فحكم بوضع أحاديث صحيحة لا غبار عليها كما سترى.
وعذر العلماء ﵏ واضح فيما فعلوه، ذلك أنهم إنما يبحثون في أحاديث تنسب إلى النَّبِيّ- ﷺ ، وللنبي ظروف خاصة به، تجعل مقياس
стр. 301
النقد في حديثه أدق وأصعب من مقياس النقد في أحاديث الناس، لأنه رسول يتلقى الوحي من الله، أوتي جوامع الكلم، وأعطي سلطة التشريع، وأحاط من أسرار الغيب بما لم يحط به إنسان عادي، فلا مانع يمنع عقلاً من أن يقول حَدِيثًا يعلو عن أفهام الناس في عصره، فيكون أشبه بالتعريف الفلسفي لعصور تبلغ فيه الفلسفة مداها، ولا مانع عقلاً من أن يضع للناس أحكام المعاملات بألفاظ موجزة هي أشبه ما تكون بألفاظ القوانين، فإذا قال لنا: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقََا» وإذا قال: «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا» وإذا قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». كان ذلك في حدود السلطة التي أعطيت له في جو البلاغة التي عرف بها فلا يصح أن يستبعد منه مثل تلك الأقوال القانونية بِحُجَّةِ أنها أشبه ما تكون بمتون الفقه، إذ ماذا كان ينبغي أن يقول لو لم يستعمل هذه الألفاظ العربية الفصيحة لمدلولاتها الصريحة، وإذا جاء الفقهاء بعد ذلك فأخذوها بألفاظها ووضعوها في متونهم، أيقال: إن هذه الأحاديث أشبه ما تكون بمتون الفقه، ومثل ذلك ما أخبر به من خواص بعض النباتات أوالثمار، فقد يكون ذلك من إعجاز النبوة لتعطي الناس في كل عصر دليلاً على صدقها، فإذا لم يكتشف الناس في عصرٍ سِرَّ ما أخبر به الرسول، لا يكون ذلك دليلاً على كذب الحديث ووضعه، ومن هنا ضَيَّقَ علماؤنا دائرة نقد المتن بمقدار ما وَسَّعُوا في دائرة نقد السند، لأن الذين ينقد حالهم في السند رجال يَجْرِي عليهم من القوانين ما يَجْرِي على الناس جميعاً، أما المتن فإنه كلام ينسب إلى من هو فوق البشرية في علومه ومعارفه واستعداده.
فقد يخرج كلامه مخرج المجاز لا الحقيقة - كما فعل القرآن كثيراً - فَيَتَوَهَّمُ من ينظر فيه لأول مَرَّةٍ أَنَّهُ غير صحيح، بينما المراد منه غير حقيقته اللغوية التي تتبادر إلى الذهن.
وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن المغيبات الي تقع في مسقبل الزمان، ولم يكن - وقت النقد - قد حان زمان تحققها، فلا يصح التسرع في الإنكار.
стр. 302
وقد يخرج كلامه مخرج الإخبار عن حقائق علمية لم تكتشف في عصر الرسالة ولا في عصور الناقدين، وإنما تكتشف فيما بعد كحديث «وُلُوغِ الكَلْبِ فِي الإِنَاءِ»، فقد أثبت العلم الحديث صحة ما جاء فيه، في حين عَدَّهَا علماؤنا من قبل، من الأمور التَّعَبُّدِيَّةِ التي يحيط الناس بمعناها وحكمتها، وَتَسَرَّعَ بعض الباحثين حَدِيثًا فأنكر حُجَّةَ هدْا الحديث، كُلُّ هذا يجعل علماءنا ﵏ على حق في تَثَبُّتِهِمْ وَتَأَنِّيهِمْ في رَدِّ الأحاديث إذا بدت عليها بادرة شبهة، أو تردد العقل في فهمها، ولم يجزم باستحالتها بعد تأكدهم من صحة السند، وسلامة رجاله من أن يكون فيهم كذاب أو ضعيف أو مُتَّهَمٍ. أما المُسْتَشْرِقُونَ فلم يقفوا من رسول الله هذا الموقف بل نقدوا أحاديثه على وفق ما يعرفون من أصول النقد العام لأخبار الناس العاديين، ذلك لأنهم ينظرون إلى الرسول كرجل عادي لم يتصل بوحي، ولم يطلعه الله على مغيبات، ولم يُمَيِّزْهُ عن بني الإنسان بأنواع من المعارف والكرامات، فإذا روي عَنْهُ حديث يُنْبِىءُ عن معجزة علمية لم تكن معروفة في عصره، قالوا: إن هذا موضوع لأنه لا يتفق مع علوم الناس ومعارفهم في عصره، وإذا رُوِيَ لهم حديث عليه صبغة القانون قالوا: إن هذا موضوع لأنه يمثل الفقه بعد نضوجه، ولا يمثله في سذاجته وبساطته في عصر النَّبِيّوالصحابة، وإدا رويت لهم بشارة من الرسول أو إخبار عن أمر يقع للمسلمين في المستقبل، قالوا: إن ظروف النَّبِيّلم تكن تسمح له أن يقول هذا القول.
وهكذا وقفوا من رسولنا ﵊ موقف المنكر لرسالته، المتشكك في صدق ما بلغ به عن الله، المُمَارِي في سمو روحه التي اتصلت بالملأ الأعلى، ففاض منها النور والحكمة والعلم والمعرفة، ولم يكتفوا بذلك بل حملوا على علمائنا لأنهم لم يقفوا منه هذا الموقف.
وعلماؤنا معذورون إن لم يتجهوا مع المُسْتَشْرِقِينَ في هذا الاتجاه الخاطىء، لأنهم يؤمنون بمحمد بن عبد الله رسولاً كريماً، أرسله الله إلى
стр. 303
الناس أجمعين بشرع محكم، وسعادة شاملة للناس في دنياهم وآخرتهم.
أما أتباع المُسْتَشْرِقِينَ من المُسْلِمِينَ كمؤلف " فجر الإسلام " فمن المؤسف أنهم انساقوا في ذلك الاتجاه، ولم يفطنوا إلى خطأ تلك الطريقة وخطورتها والدس في الدعوة إليها. فأخذوا ينعون على علمائنا تقصيرهم في نقد المتن، غير مستمسكين من الحجج إلا بما أتى به المُسْتَشْرِقُونَ.
وها أنا لم أعثر في كل ما كتبه «أحمد أمين» في هذا الموضوع على رأي طريف لم يأخذه عن المُسْتَشْرِقِينَ، ثم أخذ يضرب هو وأمثاله على وتيرة تحكيم العقل، في نقد الأحاديث، ولا أدري أي عقل يريدون أن يحكموه ويعطوه من السلطة أكثر مِمَّا أعطاه علماؤنا في قواعدهم الدقيقة؟ ليس عندنا عقل واحد نقيس به الأمور، بل العقول متفاوتة، والمقاييس مختلفة، والمواهب متباينة، فما لا يعقله فلان ولايفهمه، قد يراه آخر معقولاً مفهوماً.
وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلاً بِلَيْلَى * ... * ... * وَلَيْلَى لاَ تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا
كما أن ما يخفى على الناس في بعض العصور حِكْمَتُهُ وَسِرُّ تشريعه، قد يتجلى لهم في عصر آخر معقول الحكمة واضح المعنى حين تتقدم العلوم وتنكشف أسرار الحياة، ففتح الباب في نقد المتن بناء على حكم العقل الذي لا نعرف له ضابطاً، والسير في ذلك بخطى واسعة على حسب رأي الناقد وهواه، أو اشتباهه الناشئ في الغالب عن قلة اطلاع، أو قصر نظر، أو غفلة عن حقائق أخرى، إن فتح الباب على مصراعيه لمثل هؤلاء الناقدين، يؤدي إلى فوضى لا يعلم إلا الله منتهاها، وإلى أن تكون السُنّةُ الصحيحة غير مستقرة البنيان ولا ثابتة الدعائم، ففلان ينفي هذا الحديث، وفلان يثبته، وفلان يتوقف فيه، كل ذلك لأن عقولهم كانت مختلفة في الحُكْمِ والرأي والثقافة والعمق، فكيف يجوز هذا؟. ثم أليس لنا أكبر عبرة فيما وقع فيه مؤلف " فجر الإسلام " من أخطاء بشعة حين أراد أن يسير في هذا الاتجاه، فَكذَّبَ ما لا مجال لتكذيبه، وحكم بوضع ما قامت الأدلة والشواهد على صحته! وإليك البيان.
стр. 304
ثَانِيًا: نَقْدُ أَحَادِيثَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ:
الحَدِيثُ الأَوَّلُ: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ»:
هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث، وفهم منه المؤلف أن مراد الرسول ﷺ ، الإخبار بانتهاء الدنيا بعد مائة سَنَةٍ ومن هنا حكم عليه بالوضع، لمخالفته للحوادث التاريخية والحس والمشاهدة.
ولكن هذا الحديث الذي ذكره، هو جزء من حديث كامل أخرجه البخاري في باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء من كتاب الصلاة، وهو أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ (الْيَوْمَ) عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ [مِنْ] هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ «الْيَوْمَ» عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ، فهذا نص الحديث واضح في «أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ» وجاء في رواية جابر - قبل وفاته بشهر - أن من كان منهم على ظهر الأرض حَيًّا حين قال الرسول تلك المقالة لا يعمر أكثر من مِائَةِ سَنَةٍ، ولم يفطن بعض الصحابة إلى تقييد الرسول بمن هو على ظهرها - اليوم - فظنوه على إطلاقه وأن الدنيا تنتهي بعد مِائَةِ سَنَةٍ، فنبههم ابن عمر إلى القيد في لفظ الرسول وَبَيَّنَ لهم المراد منه، وكذلك فعل علي بن أبي طالب في رواية الطبراني.
وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة موتاً فوجدوه أبا الطفيل عامر بن واثلة، وقد مات سَنَةَ عشر ومائة وهي رأس مائة سَنَةٍ من حديث الرسول ﷺ فيكون الحديث معجزة من معجزات الرسول ﵊، حيث أخبر بأمر مغيب فوقع كما أخبره. ذلك هو ما يفيده نص الحديث من الوقائع المؤيدة له وإليك أقوال الشُرَّاحِ أيضاًً.
стр. 305
قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١): «وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث مُرَاد النَّبِيّ ﷺ وَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مِائَة سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَة، وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ. فَكَانَ آخِرَ مَنْ ضُبِطَ أَمْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَةَ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الصَّحَابَة مَوْتًا، وَغَايَة مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَهِيَ رَأْس مِائَة سَنَةٍ مِنْ مَقَالَة النَّبِيّ ﷺ ».
وذكر الإمام مسلم هذا الحديث بطرق متعددة وفي إحدى طرقه عَنْ جَابِرٍ [عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ]: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ (الْيَوْمَ)، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ»
قال النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ قَدْ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ. وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ» (٢).
وَنَقَلَ الكَرْمَانِي عَنْ ابْنِ بَطَّالٍ قَوْلَهُ: «إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ تَخْتَرِمُ الْجِيلَ الَّذِي هُمْ فِيهِ، فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَهُمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ، لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ».
أما وفاة أبي الطفيل فقد قال ابن الصلاح في " مقدمته ": «آخِرُهُمْ عَلَى الإِطْلاَقِ مَوْتًا أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ» (٣). وفي " أُسد الغابة ": «تُوُفِّيَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ، مِمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ».
قال ابن حجر في " الإصابة ": «وَأَمَّا الْشَّرْطُ الْثَّانِي وَهُوَ الْمُعَاصِرَةُ،
стр. 306
فَيُعْتَبَرُ بِمُضِيِِّ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرُ سِنِينَ مِنْ هِجْرَةِ الْنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﷺ فِيْ آَخِرِ عُمُرِهِ لأََصْحَابِهِ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَيْهَا أَحَدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ أَنََّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ ... وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ تُصَدِّقْ الأَئِمَّةُ أَحَدًا ادََّعَى الصُّحَبَةَ بَعْدَ الغَايَةِ الْمَذْكُوْرَةِ، وَقَدْ ادََّعَاهَا جَمَاعَةُ فَكَذَّبُوا مِنْهُمْ رَتْنَ الْهِنْدِيََّ» (١) اهـ.
فأنت ترى أن هذا الحديث الذي كان في الواقع معجزة من معجزات الرسول ﷺ ينقلب في منطق النقد الجديد الذي دعا إليه صاحب " فجر الإسلام " إلى أن يكون مكذوباً مُفْتَرًى!.
أما كيف وقف الأستاذ هذا الموقف، وكيف حكم بكذب هذا الحديث فَهَهُنَا محل العبرة، ذكر ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " فيما ذكره من مطاعن النَظَّامِ وجماعته على أهل الحديث أنهم يَرْوُونَ أحاديث يُكَذِّبُهَا الواقع، وذكر فيها هذا الحديث، ثم تَعَقَّبَهُمْ ابن قتيبة وأجاب عن هذا الحديث بخلاصة ما ذكرنا من قبل، ولكن مؤلف " فجر الإسلام " الذي يحرص على أن يأتينا بنقد جديد ويثبت تقصير علمائنا في نقد السُنَّةِ، والذي يطمئن إلى حد كبير إلى طعون النَظَّامِ وغيره في السُنَّةِ قَدِيمًا، وطعون المُسْتَشْرِقِينَ فيها حَدِيثًا، لم يعجبه دفاع ابن قتيبة على ما يظهر، ولا ما كتبه الشُرَّاحُ حول هذا الحديث بل أغضى عن ذلك كله، وأغضى عن تفسير ابن عمر للحديث في " البخاري " نفسه، وعن رواية جابر في " صحيح مسلم " واقتصر على جزئه الذي ذكره " البخاري " في كتاب العلم أما البخاري فعذره ما جرى عليه من تقطيع الحديث في أبواب متعددة.
ومؤلف " فجر الإسلام " لا عذر له في اقتصاره على نقل هذا الجزء فقط مع تنبيه الشُرَّاح هنالك على ذلك. قال ابن حجر عند ذكر البخاري لهذا الجزء من كتاب العلم «قَوْلُهُ: " لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَيِ
стр. 307
[الآنَ] مَوْجُودًا [أَحَدٌ] إِذْ ذَاكَ وَقَدْ ثَبَتَ [هَذَا التَّقْدِيرُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ] مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلاَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الكَلاَمِ عَلَيْهِ» (١) ثم نقل عبارة «ابْنَ بَطَّالٍ» و «النَّوَوِي». وقد نقلناها من قبل.
وإن تعجب فعجبك من أن مؤلف " فجر الإسلام " ذكر في آخر فصله أهم مراجع بحثه، وفي مقدمتها " فتح الباري "، و" القسطلاني على البخاري " و" شرح النووي على مسلم "، وهؤلاء الشُرَّاح نَبَّهُوا على معنى الحديث، وَبَيَّنُوا تقسيم البخاري له في موضعين، وأشاروا عند الجزء المختصر إلى موضع الحديث الكامل، فإن كان الأستاذ اطلع على روايات الحديث وأقوال الشُرَّاحِ، فكيف حكم بعد ذلك بكذبه؟ وإن لم يطلع عليها فكيف عَدَّ تلك الشروح من مراجع بحثه، بل كيف استباح الخوض في هذا الموضرع على غير هدى؟.
الحَدِيثُ الثَّانِي: «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» .
هذا حديث أخرجه " البخاري " في " كتاب الطب " وأخرجه " مسلم " أيضاًً، وأخرجه " أحمد " عن سعد بن أبي وقاص، وللعلماء فيه مسالك: فمنهم من جعل هذا الحديث خَاصًّاً بتمر المدينة عَمَلاً برواية مسلم: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا» وَيُؤَكِّدُهُ حديث عائشة في " مسلم " عن رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً» قالوا: لا مانع أن يخص الله بَلَداً بميزة لا تكون في غيرها كما وجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دُونَ ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في تلك الأرض أو ذلك الهواء ببركة النَّبِيّ- ﷺ وببركة يده الكريمة، فقد كانت العجوة مِمَّا غرسه النَّبِيُّ ﷺ في المدينة (٢).
стр. 308
ومنهم من قال: إن هذا عام في كل عجوة، لأن السموم إنما تقبل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم.
والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه بعجوة المدينة: قال ابن القيم في " زاد المعاد ": «[وَهُوَ غِذَاءٌ] فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصِّحَّةِ، لاَ سِيَّمَا لِمَنِ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الأَغْذِيَةِ فِي الْبِلاَدِ الْبَارِدَةِ وَالْحَارَّةِ الَّتِي حَرَارَتُهَا فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ ... » إلى أن قال: «وَتَمْرُ الْعَالِيَةِ مِنْ أَجْوَدِ أَصْنَافِ تَمْرِهِمْ، فَإِنَّهُ [مَتِينُ] الْجِسْمِ، لَذِيذُ الطَّعْمِ، صَادِقُ الْحَلاَوَةِ، وَالتَّمْرُ يَدْخُلُ فِي الأَغْذِيَةِ وَالأَدْوِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، وَهُوَ يُوَافِقُ أَكْثَرَ الأَبْدَانِ، مُقَوٍّ [لِلْحَارِّ] الْغَرِيزِيِّ، وَلاَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنَ الْفَضَلاَتِ الرَّدِيئَةِ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ، بَلْ يَمْنَعُ لِمَنِ اعْتَادَهُ مِنْ تَعَفُّنِ الأَخْلاَطِ وَفَسَادِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلأَمْكِنَةِ اخْتِصَاصًا بِنَفْعِ كَثِيرٍ مِنَ الأَدْوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الدَّوَاءُ الَّذِي قَدْ يَنْبُتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَافِعًا مِنَ الدَّاءِ، وَلاَ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ النَّفْعُ إِذَا نَبَتَ فِي مَكَانٍ غَيْرِهِ لِتَأْثِيرِ نَفْسِ التُّرْبَةِ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ لِلأَرْضِ خَوَاصًّا وَطَبَائِعَ يُقَارِبُ اخْتِلاَفُهَا اخْتِلاَفَ طَبَائِعِ الإِنْسَانِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّبَاتِ يَكُونُ فِي بَعْضِ البِلاَدِ غِذَاءً مَأْكُولاً، وَفِي بَعْضِهَا سُمًّا قَاتِلاً». وذكر في موضع آخر: «يَقْتُلُ الدُّودَ، فَإِنَّهُ مَعَ حَرَارَتِهِ فِيهِ قُوَّةٌ تِرْيَاقِيَّةٌ، فَإِذَا أُدِيمَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّيقِ، خَفَّفَ مَادَّةَ الدُّودِ، وَأَضْعَفَهُ وَقَلَّلَهُ، [أَوْ] قَتَلَهُ، وَهُوَ فَاكِهَةٌ وَغِذَاءٌ، [وَدَوَاءٌ] وَشَرَابٌ وَحَلْوَى». ويقول في مكان آخر: «وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ هَذَا التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاط وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالْقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ
стр. 309
وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ» (١).اهـ.
هذا خلاصة ما ذكروه في هذا المقام، والذي أراه أن المبادرة إلى تكذيب حديث ورفضه لا يصح، إلا إذا وهن طريقه، أو حكم العقل والطب حُكْمًا قاطعاً بتكذيبه وبطلانه، وهذا الحديث قد صح عنده من غير طريق عن أئمة الحديت، ورواه ثقات عدول لا مجال لتكذيبهم، ومتنه صحيح على وجه الإجمال، وقد جَرَّبَهُ كثير من الناس، وَكُنْتُ مِمَّنْ جرّبه فظهر صدقه إذ أثبت للعجوة فائدة، وحض على أكلها، ومن المقرر حتى في الطب الحديث أن العجوة مُغَذِّيَةٌ، مُلَيِّنَةٌ للمعدة، منشطة للجسم، مبيدة للديدان المنتشرة فيه، ولا شك أن الأمراض الداخلية من تعفن الأمعاء وانتشار الديدان سموم تُودِي بحياة الإنسان إذا استفحل أمرها. وإذاً فالحديث من حيث معالجة العجوة للسموم؟ بالجملة، صادق لا غبار عليه.
أما السحر فإذا ذهبنا إلى أنه مرض نفسي، وأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وأن الإيحاء النفسي له أثر كبير في شفاء المرضى بمثل تلك الأمراض، وإذا أخذنا العجوة إلى أنها مغذية مفيدة للجسم، مقوية للبنية، قاتلة للديدان، قاضية على تعفن الفضلات، وأنها من عجوة المدينة، مدينة النَّبِيّ- ﷺ ، وأن هذا علاج وصفه ﵊، وهو الذي لا ينطق عن الهوى. لا أشك في أن ذلك يُحَدِّث أثراً طيباً في نفس المسحور، وقد أثبت الطب أثر التخيل والوهم والإيحاء النفسي في كثير من الأمراض شفاء أو إصابة، أفليس ذلك من شأنه ألا نتسرع في تكذيب الحديث ما دام من الممكن تخريجه على وجه معقول؟
وإذا كان الطب الحديث لم يوفق في اكتشاف سائر خواص العجوة حتى الآن. أفليس من الخطأ، التسرع إلى الحُكْمِ بوضعه، وهل اِدَّعَى أحد أن الطب انتهى إلى غايته، أو أنه اكتشف كل خاصة لكل من المأكولات والمشروبات والنباتات والثمار التي في الدنيا؟ إنك لا تشك معي في أن
стр. 310
إقدام مؤلف " فجر الإسلام " على القطع بتكذيب هذا الحديث جُرْأَةٌ بالغة منه لا يمكن أن تقبل في المحيط العلمي بأي حال: ما دام سنده صحيحاً بلا نزاع، وما دام متنه صحيحاً على وجه الإجمال، ولا يضره بعد ذلك أن الطب لم يكتشف حتى الآن بقية ما دل عليه من خواص العجوة، ويقيني أنه لو كان في الحجاز معاهد طبية راقية أو لو كان تمر العالية موجوداً عند الغَرْبِيِّينَ، لاستطاع التحليل الطبي الحديث أن يكتشف فيه خواص كثيرة: ولعله يستطيع أن يكتشف هذه الخاصة العجيبة، إن لم يكن اليوم ففي المستقبل إن شاء الله.
الحَدِيثُ الثَّالِثِ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ والْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» .
هذا الحديث رواه " الترمذي " عن أبي هريرة ﵁ ورواه أحمد في "مسنده " عن سعيد بن زيد (١)، وقد قال فيه مؤلف " فجر الإسلام ": «فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ [فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ] فَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً (عَشْمَاءَ) لِي فَبَرَأَتْ»
ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث فتجربة جزئية لا تكفي منطقياً لإثبات الشيء في ثبت الأدوية، وإنما الطريق أن تُجَرِّبَ مِرَاراً، وخير من هذا أن تحلل لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر مُمْكِناً فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقاً لمعرفة صحة الحديث أو وضعه» (٢). اهـ.
وهنا أمران: الأول - أن الحديث صحيح ثابت في " الصَحِيحَيْنِ " وغيرهما، وسنده من ناحية النقد متين ليس في روايته مُتَّهَمٌ وَلاَ مَجْرُوحٌ: الثاني - أن أبا هريرة جَرَّبَ هذا الحديث فوجده صحيحاً، وجربه كثيرون من بعده
стр. 311
فوجدوه صحيحاً، وها هو النووي يروي أن بعض علماء زمانه كان قد عمي وذهب بصره فاكتحل بماء الكمأة مجرداً فشفي وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، ومنهم من ادعى أنه إذا أضيف إليه الإثمد كان نافعاً مفيداً، وقد بحثه أطباء المُسْلِمِينَ أيضاً فاعترفوا بصحته، فابن القيم في " الهدي النبوي " (١) يذكر لنا اعتراف مشاهير الأطباء قَدِيمًا بأن ماء الكماة يجلو البصر. منهم، المسيحي، وابن سيناء وغيرهما، وذكروا بأن فيها جوهراً يدل على خفتها، والاكتحال به نافع لظلمة البصر والرمد الحار، وقال ابن البيطار المالقي في "مفرداته ": «مَاءُ الكَمْأَةِ أَصْلَحُ الأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِمَاءِ الإِثْمِدِ وَاكْتُحِلَ بِهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الجَفْنَ، وَيَزِيدُ الرُّوحَ البَاصِرَةَ حِدَّةً وَقُوَّةً». وقال داود في " تذكرته ": «إِنَّ مَاءَهَا يَجْلُو البَيَاضَ كُحْلاً».
فها أنت ترى أن العلماء لم يُقَصِّرُوا في التجربة وأن الأطباء لم يُقَصِّرُوا في البحث، ومع ذلك فلم يرض مؤلف " فجر الإسلام " إلا أن ياتي كل مسلم إلى كمية من الكماة، ثم يعصرها ويقطر عينيه بمائها، فإن أصابهم العمى جميعاً كان الحديث مكذوبا وإلا كان صحيحاً .. ونحن نسأله؟ إن أبا هريرة والنووي والأطباء قَدِيمًا جَرَّبُوا الكماة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ هو جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ ولو سلمنا أنه قام بمثل هذه التجربة فلم تنجح. أليس لنا أن نسأله: هل تحققت أن الكمأة التي حللتها وقمت بتجربتها هي عين الكمأة التي تنبت في أرض الحجاز في عهد الرسول والتي أخبر الحديث عن خاصيتها؟ وهل بلغ الطب اليوم نهايته حتى إذا خالف الحديث جاز لكم أن تحكموا بكذب الحديث ووضعه؟
الحق أن الأستاذ لم يُوَفَّقْ في هذا المثال كما لم يوفق في الحديثين السابقين، ولا أدري كيف يسوغ له أن يشك في حديث لا غبار على سنده، وقد جرب متنه واتفق الأطباء على صحته، ولو أنه أثبت لنا من بحوث الطب
стр. 312
اليوم ما لا يتفق مع ما دلَّ الحديث لجاز له أن يقف ويتساءل ويشك ويرمي القدامى بالتقصير، ولكنه لم يفعل وهيهات أن يفعل.
الحَدِيثُ الرَّابِعُ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» .
روى ابن عمر عن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يزيد في الرواية «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فقال ابن عمر: «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا». قال صاحب " ضُحَى الإسلام " بعد ذلك: وهذا نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي (١). اهـ، يريد أن ابن عمر يَتَّهِمُ أبا هريرة بزيادة «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» في لفظ الحديث لأنه كان صاحب زرع فزادها تبريراً لاتخاذه الكلب لزرعه.
حديث أبي هريرة الذي ذكر فيه اتخاذ الكلب للزرع أخرجه " البخاري " في (باب اقتناء الكلب للحرث من كتاب المزارعة) من غير تعرض لابن عمر وحديثه، وأخرج عن سفيان بن زهير ما يؤيد روايته عن أبي هريرة وكذلك أخرجه "الترمذي " في (كتاب الصيد) "، وتعرض لحديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن مغفل وغيرهما، وأخرجه "مسلم " في (كتاب المساقاة والمزارعة) وذكر حديث ابن عمر. ثم ساق أحاديث أخرى تثبت أن بعض الرُوَاة رَوَوْا عن ابن عمر هذه الزيادة التي أثبتها أبو هريرة. وأن بعض الصحابة وافق أبا هريرة على روايته تلك الزيادة، وأنه لم ينفرد بها بل رواها غيره مِمَّنْ سمعها من النَّبِيّ- ﷺ .
وقد تعرض الشُرَّاحُ لزيادة أبي هريرة ومن وافقه فيها، وَبَيَنُوا مُرَادَ ابن عمر من مقالته تلك في أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٢) بعد أن بَيَّنَ أن مُرَادَ ابن عمر تثبيت رواية أبي هريرة: «وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الزَّرْعِ سُفْيَانُ بْنُ [أَبِي] زُهَيْرٍ كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَهُوَ عِنْدَ " مُسْلِمٍ "».
وقال النووي عند قول ابن عمر، «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: " لَيْسَ هَذَا
стр. 313
تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمُبْتَلَى بِشَئٍ يُتْقِنَهُ مَا لاَ يُتْقِنَهُ غَيْرُهُ وَيَتَعَرَّفُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا لاَ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ " مُسْلِمٌ " هَذِهِ الْزِّيَادَةَ وَهِىَ اتِّخَاذُهُ لِلْزَّرْعِ مِنْ رِوَايَةِ بْنِ الْمُغَفَّلِ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِيْ زُهَيْرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَهَا أَيْضا " مُسْلِمٌ " مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ ابِنْ عُمَرَ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَحَقَّقَهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادَهَا فِي حَدِيثِهِ الَّذِي كَانَ يَرْوِيهِ بِدُونِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَذَكَّرَ فِي وَقْتٍ أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَوَاهَا وَنَسِيَهَا فِي وَقْتٍ فَتَرَكَهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَيْسَ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَتِهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَا لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً مُكَرَّمَةً» (١). اهـ.
هذا هو الوضع الصحيح للمسالة، ومنه تعلم أنه ليس فيها تكذيب ابن عمر لأبي هريرة في تلك الزيادة، وبيان الباعث النفسي على اختلافها ونسبتها إلى النبي ﷺ ، وكيف يتصور هذا من ابن عمر وهو الذي اعترف بأن أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول الله ﷺ ؟ وسيأتي معنا مزيد بيان لمكان أبي هريرة في نفس ابن عمر ونفوس الصحابة جميعاً. أم كيف يذكر الأئمة قول ابن عمر ويخرجونه في صحاحهم لو كان تكذيباً منه لأبي هريرة؟ أمْ كيف يعمل الفقهاء برواية أبي هريرة ويبنون عليها أحكامهم لو كان مُرَادُ ابن عمر تكذيبها وإنكارها؟
الواقع أنه ليس في الأمر شيء من هذا ولكن أمانة صاحب " فجر الإسلام " أبت عليه إلا أن يرى فيما صنع ابن عمر نَقْداً لطيفاً ... لأبي هريرة ... وبياناً للباعث له على هذه الزيادة، وتأبى عليه أمانته العلمية أيضاًً إلا أن يرشدنا إلى موضوع هذا النقد من كتب الحديث فيقول في ذيل الصفحة: انظر " النووي على مسلم " وأنت سمعت كلام النووي فهل شممت فيه رائحة التكذيب من ابن عمر لأبي هريرة؟ بل ألم تره يرد على
стр. 314
ما قد يخطر بالبال رَدًّا قوياً واضحاً؟ ولك أن تتساءل بعد هذا: أهو لم يفهم عبارة النووي؟ أم فهمها ولكنه آثر رأي المستشرق اليهودي جولدتسيهر (وسيأتي كلامه في هذا المعنى تماماً) على رأي علماء المسلمين وأئمة الدين؟.
وبعد فهذه هي الأحاديث الي ذكرها أمثلة لما يريد من نقد عميق دقيق ولا ريب أنه قد اتضح لك فيما ذكرناه أن صاحب " فجر الإسلام " لَمْ يَأْتِ بشيء جديد في قواعد النقد لم ينتبه له علماؤنا، ولكن الجديد هو أنه كان جريئاً في تطبيق هذه المقاييس بغير اتِّزانٍ ولا تثبت، فطبقها على أحاديث كانت، قوتها وصحتها كافية لهزيمته في هذا الميدان، وكشف هزال ما اقتبسه عن المُسْتَشْرِقِينَ من علم مُحَرَّفٍ ورأي خاطىء، وأن علماءنا ﵏ لم تخرجهم الأهواء عن جادة الهُدَى، ولم تندفع بهم عواطفهم إلى أن يركبوا الصعب من الأمور فلا يجدوا لهم مخرجاً، وأن ما وضعوه من قواعد لنقد الرجال ونقد المتن، وما وفقوا إليه من حسن استخدام هذه القواعد وتطبيقها، هو الطريق الواضح الأمين الدْي يتحتم المصير إليه، فما دام الحديث قد وصلنا عن طريق علمي صحيح، بنقل الثقة الثبت عن الثقة الثبت: هكذا إلى رسول الله ﷺ ، وليس في متنه ما يوجب رَدَّهُ حتماً، فلا يجوز إنكاره ولا تكذيبه، لأنه إما أن يعتبر إنكاراً لقول رسول الله، وهذا لا يصير إليه مسلم، أو تكذيباً لرُوَاةِ الحديث من الصحابة والتَّابِعِينَ ومن بعدهم، وقد فرضنا أنهم ثقات أثبات بحكم التاريخ، وأن من تتبع سيرتهم، ودرس أخلاقهم لا يرى في بني الإنسان أصدق منهم ولا أتقى لله ، والشك - مع هذا - فيما نقلوا يستلزم (من باب أولى) الشك في كل ما حوته بطون التاريخ من أخبار الأمم، فإن قال الأستاذ: إنا لا نقول بتكذيب هؤلاء الرُواة الثقات العدول، ولكن بِتَجَوُّزِ الوَهْمِ والخطأ عليهم، قلنا: هذا احتمال ضعيف فلا يغلب الظن القوي، على أن علماءنا احتاطوا لهذا الأمر فقالوا - إلا قليلاً منهم - بإفادة حديث الآحاد غلبة الظن، فأي حاجة لشيء بعد هذا؟
ثم نتابع نقدنا لـ " فجر الإسلام " فنقول:
стр. 315
العَمَلُ بَخَبَرِ الوَاحِدِ:
ذكر المؤلف (١) أن علماء الحديث قسَّمُوه إلى قسمين «متواتر» وهو يفيد العلم ولكنه لم يوجد، وبعضهم قال بوجود حديث واحد، وبعضهم أوصل التواتر إلى سبعة، وآحاد: وهو يفيد الظن، ويجوز العمل به عند ترجيح الصدق ... إلخ».
وهذا كلام ينبغي الوقوف عنده، فإن الذين اختلفوا في عدد التواتر كانت وجهات نظرهم مختلفة، كما نص على ذلك السيوطي، وإلا فَمِمَّا لا شك فيه أن أحاديث المتواتر كثيرة لا تنحصر في واحد، أو اثنين، أو سبعة.
وأما حديث الآحاد فهو يحكي عن علماء الحديث «القول بجواز العمل به» ولا ندري من الذي قال هذا القول؟! وقد رأيت فيما سبق أن من أنكر حُجِيَّةَ السُنّةِ كَغُلاَةِ الرَّوَافِضِ لا يرى العمل بها أصلاً إذا كانت مروية عن غير طريق أئمتهم ومن قال بحُجِيَّتِهَا وهم جمهور المُسْلِمِينَ، يوجبون العمل بحديث الآحاد قولاً واحداً إذا صح طريقه ومنهم من قال بوجوب اعتقاده أيضاًً، أي أنه يوجب العلم والعمل معاً، فما حكاه الأستاذ من جواز العمل به، إما أن يكون عن عدم اطلاع، فيلزمه الجهل، وهذا عجيب مِمَّنْ يتصدى لتاريخ الدعوة الإسلامية وحضارتها، ونقد العلماء والرجال، ويجعل من نفسه حُكْمًا بين الطوائف والمذاهب، وإما أن يكون عن معرفة، فيلزمه التحريف، ولا ثالث بينهما.
وهذا التحريف لا غاية له إلا التشكيك في السُنَّةِ كلها كما ذكرت لك من قبل، فإنه إذا كان المتواتر غير موجود، والآحاد «يجوز» العمل بها فماذا بقي مِنَ السُنَّةِ، وأين مكانها إذاً من مصادر التشريع؟ وما حاجة المُسْلِمِينَ إليها؟ فَكِّرْ في هذه النتيجة، ثم احكم بعد ذلك على هذا العالم الأمين؟؟؟ ....
стр. 316
حَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -:
ننتقل بعد ذلك إلى القسم الأخير من نقدنا لفصل الحديث في " فجر الإسلام ". وهو متعلق بأبي هريرة، ﵁، وأشهد أن المؤلف كان لَبِقاً جِدًّا في توجبه المطاعن نحو أبي هريرة، ومجاراة المُسْتَشْرِقِينَ وَالنَظَّامِ، في التحامل على هذا الصحابي الجليل. فقد وزع طعونه في مواضع متفرقة من بحثه، وكان حديثه عنه حديث محترس متلطف، محاذر أن يجهر بما بعتقده في حقه من سوء، ولكن أسلوب المؤلف، وتحريفه لبعض الحقائق في تاريخ أبي هريرة، وحرصه على الشكيك في صدقه، ونقل شك الصحابة في هذا الصحابي الجليل، كل ذلك قد نَمَّ عن سريرة مؤلف " فجر الإسلام "، وأزاح عن خبيئة نفسه.
وقد رأيت من المناسب أن أذكر ترجمة مختصرة لأبي هريرة - قبل التعرض لمناقشة المؤلف فيما كتبه عنه - لتعرف رأي التاريخ الصادق، ورأي صحابة الرسول، وعلماء التَّابِعِينَ، وأئمة المُسْلِمِينَ في هذا الشيخ الصحابي الجليل، ثم لتقارن بعد ذلك بين هذه الصورة الرائعة المشرقة، وبين الصورة التي أظهره بها مؤلف " فجر الإسلام " تبعاً لشيوخه من المُسْتَشْرِقِينَ.
اسْمُهُ وَكُنْيَِتُهُ (١):
--------------------
اختلف في اسمه، واسم أبيه على أقوال كثيرة أبلغها القطب الحلبي إلى أربعة وأربعين قولاً أرجعها الحافظ ابن حجر إلى ثلاثة أقوال. ومن
стр. 317
أشهرها أنه كان في الجاهلية يُسَمَّى عبد شمس بن صخر، فلما أسلم سَمَّاهُ الرسول ﷺ ، عبد الرحمن، وهو من قبيلة دَوْسٍ إحدى قبائل اليمن، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث دوسية أيضاًً.
وسبب تكنيته بأبي هريرة ما حكاه " الترمذي " عنه قَالَ: «كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي وَكَانَتْ لِي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا مَعِي فَلَعِبْتُ بِهَا فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ».
إِسْلاَمُهُ وَصُحْبَتُهُ:
-----------------
المشهور أنه أسلم سَنَةَ سبع من الهجرة بين الحديبية وخيبر، وكان عمره حينذاك نحواً من ثلاثين سَنَةٍ (١)، ثم قدم المدينة مع النَّبِيِّ ﷺ حين رجوعه من خيبر، وسكن «الصُفَّةَ» (٢) ولازم الرسول ملازمة تَامَّةً، يدور معه حيثما دار، ويأكل عنده في غالب الأحيان، إلى أن تُوُفِّيَ ﵊.
أَوْصَافُهُ وَشَمَائِلُهُ:
------------------
كان ﵁، آدم بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يُصَفِّرُ لحيته ويعفيها، ويحفي شاربه، وكان صادق اللهجة خفيف الروح، مُحَبَّباً إلى الصحابة، مُحِباً للمزاح.
أخرج ابن أبي الدنيا في " كتاب المزاح " عن الزبير بن بكار أن رجلا قال لأبي هريرة: إني أصبحت صائماً، فجئت أبي فوجدت عنده خبزاً ولحماً فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هريرة: الله أطعمك، فخرجت حتى أتيت فلاناً، فوجدت عنده نعجة تحلب، فشربت
стр. 318
من لبنها حتى رويت، قال: الله أسقاك، قال: فرجعت إلى أهلي فَقِلْتُ (من القيلولة)، فلما استيقظت دعوت بماء فشربته، فقال: يا ابن أخي، أنت لم تَعَوَّدْ على الصيام!.
وروى ابن قتيبة في " المعارف " أن مروان بن الحكم استخلف أبا هريرة على المدينة، فركب حماراً قد شد عليه بردعة، وفي رأس الحمار خلية من ليف، فيسير فيلقى الرجل فيقول: «الطَّرِيقَ ... قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ»، وقد استغل الطاعنون في أبي هريرة (أمثال جولدتسيهر) (١) هذه الدعابة التي كانت فيه فبنوا عليها أنه كان ضعيف العقل. ويظهر أن مؤلف " فجر الإسلام " يستحسن هذا الرأي، ولذلك أشار فيما كتبه عن أبي هريرة إلى ما ذكره ابن قتيبة من نوادره، ولم ير في جميع خلاله وأخلاقه ما يستحق منه مثل هذا التنبيه، ولا ريب أن هذا تحامل على أبي هريرة وتشويه لحقيقته على غير أساس، فظهور الرجل بمظهر المتلطف المداعب المحب للمزاح لا يحط من قدره، ولا يكون مظهراً من مظاهر اضطراب عقله وخفته، وإلا لزم أن يكون كل لطيف مزوح، خفيف العقل، وكل ثقيل الظل جافي الطبع، كبير العقل وافر التفكير.
زُهْدُهُ وَعِبَادَتُهُ وَوَرَعُهُ:
----------------------
تقدم أنه كان من أهل الصُفَّةِ، وأنه كان يصحب النَّبِيّ- ﷺ في أكثر الأوقات، ويأكل عنده، وكثيراً ما تحمل آلام الجوع حرصا منه على أن لايفوته شيء من حديث رسول الله ﷺ .
أخرج البخاري عن أبي هريرة: «وَاللهِ اَلَّذِي لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْت لأَعْتَمِد عَلَى الأَرْض بِكَبِدِي مِنَ الجُوعِ، وَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي»، ويقول: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُصْرَعُ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَحُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَيُقَال: مَجْنُونٌ، وَمَا بِي جُنُونٌ، وَمَا بِي إِلاَّ الجُوعُ».
стр. 319
ولقد افترى على الحق من زعم أن أبا هريرة كان مُصَاباً بالصرع استناداً إلى كلمته «أُصْرَعُ» الواردة في هذا الأثر، فقد فسر أبو هريرة هذا الصرع بأنه صرع جوع وَفَاقَةٍ، لا صرع جنون ومرض. وأيضاًً فالذين تكلموا في حياة أبي هريرة من المُؤَرِّخِينَ المُسْلِمِينَ لم يذكروا لنا أي شيء عن إصابته بهذا المرض، فمن أين جاء بعض المُسْتَشْرِقِينَ بهذه الفرية، وليس لهم ما يرجعون إليه في تاريخ حياته إلا ما كتبه المُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ؟!.
أما عبادته وورعه فقد نقل ابن حجر عَنْ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الطُّفَاوَةِ، قَالَ: «نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ أُدْرِكْ مِنْ الصَحَابَةِ رَجُلاً أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ».
وأخرج أحمد (*) عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، قَالَ: «تَضَيَّفْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فَكَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ [يَعْتَقِبُونَ] اللَّيْلَ أَثْلاَثًا: يُصَلِّي هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا».
وأخرج ابن سعد عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةً يَقُولُ: «أُسَبِّحُ بِقَدْرِ ذَنْبِي». وروى [معمر بن راشد] (* *) عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بَعَشَرَةِ آلاَفٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: " اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الأَمْوَالِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَعَدُوَّ كِتَابِهِ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " لَسْتُ عَدُوَّ اللَّهِ، وَلاَ عَدُوَّ كِتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا "، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قَالَ: " خَيْلٌ لِي تَنَاتَجَتْ، وَغُلَّةُ رَقِيقٍ لِي، وَأُعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ " فَنَظَرُوهُ، فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، دَعَاهُ عُمَرُ لِيَسْتَعْمِلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، فَقَالَ: " أتَكْرَهُ الْعَمَلَ وَقَدْ طَلَبَ الْعَمَلَ مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكَ يُوسُفُ؟ قَالَ: " إِنَّ يُوسُفَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ابْنُ أُمَيْمَةَ أَخْشَى ثَلاَثًا وَاثْنَيْنِ "، قَالَ لَهُ عُمَرُ: " أَفَلاَ قُلْتَ: خَمْسًا؟ " قَالَ: " لاَ، أَخْشَى أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، وَيُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْتَزَعَ مَالِي، [وَيُشْتَمَ عِرْضِي] "».
حِفْظُهُ وَقُوَّةُ ذَاكِرَتِهِ:
-------------------
كان من أثر ملازمة أبي هريرة للرسول ﷺ ملازمة تامة، أن اطلع على ما لم يطلع عليه غيره من أقوال الرسول وأعماله، ولقد كان سيء الحفظ حين أسلم، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: «افْتَحْ كِسَاءَكَ»، فَبَسَطَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «ضُمَّهُ إِلَى صَدْرِكَ» فَضَمَّهُ، فَمَا نَسِيَ حَدِيثًا بَعْدَهُ قَطُّ.
وهذه القصة - قِصَّةُ بَسْطِ الثَّوْبِ - أخرجها أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأحمد والنسائي، وأبي يعلى، وأبي نعيم.
стр. 320
فما زعمه (جولدتسيهر) من أن هذه القصة موضوعة وضعها العامة تبريراً لكثرة حديثه، إنما هو افتراء محض، وتخيل لا يبرره العلم، وتعصب أوحى به التحامل اليهودي على أكبر صحابي روى حديث رسول الله ﷺ ، ولا أدري ما هي أدلته العلمية في أن هذه القصة مختلقة؟ هل عثر فيما بين يديه من نصوص التاريخ على مَا يُؤَيِّدُ هذه الدعوة، حتى يكذب أئمة الحديث الذين نقلوا هذه القصة وَوَثَّقُوا رُوَاتِهَا؟!.
والمُسْتَشْرِقُونَ، ومن لَفَّ لَفَّهُمْ يتظاهرون باستغراب قوة الحفظ عند أبي هريرة إلى هذا الحد، ولو نظروا إلى الأمر بعين الإنصاف، وعلى ضوء علم النفس وعلم الاجتماع، لما وجدوا فيه غرابة ولا بُعْدًا، فلكل أُمَّةٍ ميزة تمتاز بها على غيرها.
والحفظ من الميزات التي امتاز بها العرب، وفي الصحابة وكبار التَّابِعِينَ ومن بعدهم، من كان آية في سرعة الحفظ وقوة الذاكرة، ومن علم أن البخاري كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث بأسانيدها، وأن أحمد بن حنبل كان يحفظ ستمائة ألف حديث، وأن أبا زرعة كان يحفظ سبعمائة ألف حديث، لا يستغرب على أبي هريرة أن يحفظ ما حفظ، وكل أحاديثه التي أثرت عنه كما جاء في "مسند بقي بن مخلد "، خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حَدِيثًا، وما زال علماء العربية وكبار الشعراء قَدِيمًا وَحَدِيثًا يحفظون من الشعر والنثر ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بجانبه حفظ أبي هريرة لأحاديثه التي حَدَّثَ بها، فها هو الأصمعي كان يحفظ خمسة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب كما يذكر الرُوَاةُ.
ولقد ذكر الكاتب المُحَقِّقُ الأستاذ محب الدين الخطيب ما شاهده من حفظ الشيخ الشنقيطي ﵀ ما يدعو إلى الدهشة، وإليك ما قاله في ذلك: «نحن نعرف معرفة شخصية الأستاذ العَلاَّمَة الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي ﵀ وكان يحفظ الشعر الجاهلي كله، ويحفظ شعر أبي العلاء المعري كله، ولو رحنا نَعُدُّ ما يحفظه لكان شيئاً عظيماً وكتابه " الوسيط في تراجم علماء وأدباء شنقيط " كتبه من أوله إلى آخره من حفظه