مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
المسلم في عالم الاقتصاد
دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المسلم في عالم الإقتصاد
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
المسلم في عالم الإقتصاد
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر
دمشق - سورية
стр. 4
إعادة
١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠م
ط٣: ١٩٨٧م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ هـ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أوغير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان ١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
لم يكن المسلم عندما فتح عينيه في عالم الاقتصاد، بعد أن نالته الصدمة الاستعمارية، سوى قنّ يُسخَّر لكل عمل يريده الاستعمار، فينتج المطاط في حقول الهند الصينية (فيتنام)، والفول السوداني في إفريقيا الاستوائية، والأرز في بورما، والتوابل والكاكاو في جاوه (إندونيسيا)، والخمور في الشمال الإفريقي.
لم تكن له في هذه الأعمال صلة موضوعية بعالم الاقتصاد، ولا تربطه بعمله صلة ذات طابع مشروع، لم يكن (المنتج) الذي يُرعى حقه، ولا (المستهلك) الذي ترعى حاجته؛ لقد كان أداة عمل مستمر فقط، فلم يتكون لديه (وعي اقتصادي)، ولا تجربة ولا خبرة في عالم اقتصاد غريب عليه بكل مفاهيمه، وبنائه ومصالحه الأجنبية. ثم من ناحية أشمل، ومهما كان حظه في محيطه الاستعماري، كان يجري عليه قانون التقليد كما يجري على كل كائن، فقد صلته بعالمه الأصيل ففقد أصالته. فكان عندئذ أميَل لتقليد (الحاجات) منه إلى تقليد (الوسائل) لأنه فقد وعيه الحضاري أيضاً، فيصير في مرحلة أولى مقلداً بقدر استطاعته للحاجة التي أفرزتها حياة غيره، دون أن يفكر في صنع وسيلة إشباعها، ثم في مرحلة ثانية، إذا تحقق استقلال بلاده، يصير إلى تقليد الحاجات الواردة وتقليد الوسائل المستوردة كيفما اتفق له، ولو على حسابا سيادة البلاد.
стр. 7
وإذا ما تابعنا هذا الوضع في خطوات أخرى، نراه في المجال السياسي يتحول إلى مشكلات سياسية لابد أن تواجهها الحكومات الإسلامية؛ وفي المجال الاقتصادي يتحول إلى قضية نظرية تحاول نخبة مثقفة معالجتها على أسس علم اقتصاد، وضعت على تجارب وخبرات العالم الذي أنجب (آدم سميث) و (كارل ماركس)، وهكذا تبتدئ قصتنا في صورتها الجديدة.
فالإنسان الذي استسلم للتقليد في العادات والأذواق، وبصورة عامة في تقليد ما يكتظ به عالم أشياء شيّده غيره، يصبح في المجال النظري مقلداً للأفكار التي صاغتها تجارب وخبرات غيره. فإذا ما عدنا لموقف نخبتنا المثقفة في المجال الاقتصادي، نرى هذه النخبة تقف مجرد موقف اختيار بين ليبرالية (آدم سميث) ومادية (ماركس)، كأنما ليس للمشكلات الاقتصادية سوى الحلول التي يقدمها هذا أو ذاك، دون وقوف وعبرة عند أسباب الفشل، أو نصف النجاح لخطط التنمية التي طبقت على أساس الليبرالية أو المادية، في العالم الثالث ما عدا الصين، بعد الحرب العالمية الثانية.
بينما نرى تجربة مثل التي أجريت في إندونيسيا قد تضمنت كل شروط النجاح، سواء من ناحية الإمكانيات المادية في أغنى بلاد الله من حيث الثروة الطبيعية والبشرية، أو من الناحية الفنية لأن واضع خطتها الدكتور (شاخت)، الرجل الذي نهض باقتصاد ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية من نقطة الصفر تقريباً، ومع ذلك نراها فشلت فشلاً ذريعاً.
ولو وقفنا على الأقل متأملين أسباب هذا الفشل لاستفدنا منه درساً اقتصادياً، لا تقدمه لنا الدرسة الليبرالية ولا المدرسة المادية، ولأدركنا أولاً أن المخططات الاقتصادية تتضمن شروطاً ضمنية أو شرطاً ضمنياً على الأقل ليس من اختصاص واضعيها الالتفات إليه، فالدكتور (شاخت) كان بلا جدال، أجدر
стр. 8
من يضع مخططاً اقتصادياً مثل الذي وضعه لبلاده قبيل الحرب، ولكنه خطط لإندونيسيا فوضع ضمناً خطته، على قاعدة (معادلة اجتماعية) خاصة بالشعب الألماني، وأجنبية عن الشعب الإندونيسي (١). فما كان إذن لخططه أن ينجح لأنه فقد منذ لحظته الأولى شرطاً أساسياً.
والآن إذا عدنا للحديث عن مثقفينا في المجال الاقتصادي، نرى أنهم وقفوا موقف اختيار وتفضيل بين (آدم سميث) و (ماركس)، بينما كانت القضية ولا زالت قضية تطعيم ثقافي لمجتمع الإسلامي، يمكّنه من استعمال إمكانياته الذهنية والجسمية؛ وبصورة عامة تجعل كل فرد فيه ينشط على أساس (معادلة اجتماعية) تؤهّله لإنجاح أي مخطط اقتصادي.
أو بعبارة أخرى فالديناميكية الاقتصادية ليست هي هذه النظرية أو تلك الخاصة بعلم الاقتصاد، بل هي مرتبطة بجوهر اجتماعي عام قد نجده، على حد سواء، في تجربة اليابان الرأسمالية أو تجربة الصين الشيوعية بعد ١٩٤٩، خصوصاً بعد أن عدلت ثورتها الثقافية بين ١٩٦٦ - ١٩٦٨، (المعادلة الاجتماعية) في الفرد الصيني ذاته.
ثم إذا عدنا مرة أخرى إلى موقف مثقفينا من القضية الاقتصادية نراهم يصنَّفون صنفين، لا على أساس فني بل على أساس أخلاقي، صنف لا يبالي بعقيدته في انحيازه لنظرية اقتصادية معينة، ويلقَّب أو يلقب نفسه بالتقدمي لأنه يدعي الماركسية، وصنف ينحاز مبدئياً إلى الليبرالية لأنه يتجنب المادية والإلحاد بحافز إسلامه.
فهذا الصنف الأخير هو الذي يهمنا بالذات، لا لأنه مسلم فحسب، بل لأنه كان أخصب من الصنف الأول في الدراسات الاقتصادية، كما يدل على ذلك عدد
стр. 9
الأطروحات ودسامتها، مثل الأطروحة التي قدمها أمام جامعة أميركية طالب مسلم، ذكر لكي اسمه وعنوان أطروحته أثناء رحلتي إلى الولايات المتحدة آخر السنة المنصرمة.
فهذا الطالب ذُكر لكي بإعجاب زملائه وبتقدير أساتذته لأنه تفوق في معالجة موضوع (الاستثمار بلا ربا).
وهذا الموضوع الشائك يستحق فعلاً كل الإعجاب والتقدير، وإنما يبقى لنا أن نلاحظ أن هذا الاجتهاد الفذ قد انصرف ضمناً إلى محاولة توفيق بين الإسلام والرأسمالية، ويا حبذا لو بذله صاحبه في اكتشاف طريق آخر ما عدا الاستثمار المالي، لدفع عجلة الاقتصاد.
وبالتالي نرى الاقتصاديين الإسلاميين وكأنهم بعد أن اختاروا ضمناً المبدأ الليبرالي، يريدون وضع المسحة الإسلامية عليه، لنرى الجهود الحميدة تنصرف بصورة عامة، إلى دراسة النظم المالية في الاقتصاد، كأنما هي الأمر الأساسي في الاقتصاد.
بينما نرى أن هذه النظم Banques سواء أكانت متعاملة على أساس الربا أم لا، ليست إلا جانباً من عالم الاقتصاد الحديث، لأنه لو فقد هذا الجانب أو تضاءل مثلما يحدث الآن في التوجيه الاقتصادي الصيني، فلأن النشاط الاقتصادي يستطيع مواصلة حركته الديناميكية، وسيبقى قائماً أو يعيد قيامه بفضل مقدراته الأخرى، مثلما حدث في ألمانيا بعد الحرب الثانية عندما انطلقت تجربة المستشار (إيرهارت) في خطواتها الأولى بلا رصيد من ذهب أو فضة، أعني بلا تدخل مالي قائم أو غير قائم على الربا.
وهذه الظروف الصعبة التي يواجهها مجتمع ناشئ مثل الصين أو مجتمع يعيد بناءه مثل ألمانيا، هي الظروف المواتية التي تقدم أصدق صورة عن الجوانب
стр. 10
الأساسية في عالم الاقتصاد، قبل أن تتم بناءاته المكتملة سواء في صورة اقتصاد ليبرالي أو في صورة اقتصاد ماركسي.
يجب إذن على شبابنا المهتم بالاقتصاد أن يخلي أولاً ذهنه من الجوانب الذهبية الإضافية في المنطلق، أو التنظيمية التي تكتسبها القضية الاقتصادية في الطريق، بصفتها وسائل إدارة أو إشراف ورقابة.
وهذه الدراسة بالذات هي مجرد محاولة تصفية لموضوع الاقتصاد في الأذهان من الجوانب الإضافية التي تطرأ عليه سواء في صورة ضرورة فنية تنشأ في الطريق، أو في صورة ضرورة سياسية تتسلط عليه لرقابة عمليتي الإنتاج والتوزيع طبقاً لمبادئ ومسلمات مذهبية معينة.
فإن وفقنا في هذه التصفية فهو ذلك وما أجرنا إلا على الله، وإن كان غير ذلك فلنا أجر من لفت النظر إلى ضرورة هذه التصفية، سواء بالنسبة لمفاهيم أو لبعض النظم الاقتصادية، ويبقى أجران لن يوفق فيها كل التوفيق.
ولا نختم هذه المقدمة دون أن نقول كلمة، (وربما هي تصفية في مجال آخر يتصل بالاقتصاد) بصدد الحوار الذي نشأ في العالم الإسلامي حيث نرى المختصين بالاقتصاد، يوجهون العتاب أو اللوم إلى الفقهاء ويرمونهم أحياناً بالجمود.
يجب أن ننزه فقهاءنا عن هذا العتاب، ونقول إنه ليس من اختصاصهم أن يدلوا على الحلول الاقتصادية سواء مستنبطة من القرآن والسنة أو غير ذلك، وإنما اختصاصهم أن يقولوا في شأن الحلول التي يقدمها أهل الاختصاص، هل هي تطابق أو لا تطابق الشريعة الإسلامية وعلى الله نتوكل وهو حسبنا.
بيروت في ٧/ ٣/ ١٩٧٢
م. ب. ن
***
стр. 11
الجزءُ الأوّلُ
عوميات البحث
صورة العلاقات الاقتصادية الراهنة في العالم
الاقتصاد والاقتصادانية
حدود الاختيار الإسلامي بين المناهج الموجودة
стр. 12
صورة العلاقات الاقتصادية الراهنة في العالم
إن النظرية الماركسية التي تَرُدّ المشكلة الإنسانية كلها إلى العوامل الاقتصادية، تغفل بعض الأشياء الجوهرية في الظاهرة الاجتماعية أو تغض من شأنها؛ ولكن هذه النظرية صادقة في الحدود التي يمكن أن تفسر فيها الظاهرة الاجتماعية تفسيراً اقتصادياً.
وفي هذه الحدود الواسعة يعد (الإطار الإنساني) الممتد من طنجة إلى جاكرتا شاشة من المباني والتكوينات الاقتصادية، ويعد (النموذج الاجتماعي) - الجائع العاري- الذي نراه في شرق المحور في كلكتا وفي غرب المحور في تونس ثمرة لهذه المباني وتلك التكوينات.
وعليه فمن الممكن أن نتحدث في هذه الحدود عن حتمية اقتصادية تضغط بثقل قضائها على مصير الشعوب الإسلامية، ولكن هذا القضاء لا دخل فيه للميتافيزيقا، وهو ليس قضاء مطلقاً نهائياً، بل هو عارض طارئ من أعراض التاريخ أو هو بمثابة الزمن الميت في النمو المادي لتلك الشعوب، يتفق مع تلك الأوضاع الشخصية الموروثة التي تتنافى مع الأوضاع الاقتصادية التي حددتها وفرضتها الحضارة الغربية.
ولقد ظهرت الآثار الاجتماعية لهذا التنافي منذ اللحظة التي وقع فيها الرجل المسلم في الأحبولة الاستعمارية، فأصبح العميل المستعبد المستغل للاقتصاد الحديث، دون أن يجد في نفسه، وفي تقاليده وفي عاداته الوسيلة الكافية كما ينتزع نفسه من تورطه، وهكذا بدأ عصر الحتمية الاقتصادية بالنسبة له مع بدء
стр. 13
العصر الاستعماري. ولم يخلصه تحرره السياسي بصفة عامة من التورط الاقتصادي، فإن المشكلة أولاً ذات طابع نفسي؛ لأن المعنى الاقتصادي لم يظفر في ضمير العالم الإسلامي بالنمو نفسه الذي ظفر به في الغرب، في ضمير الرجل المتحضر وفي حياته.
والحق أن الاقتصاد في الغرب قد صار منذ قرون خلت ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية، وقانوناً جوهرياً لتنظيمها.
أما في الشرق فقد ظل على العكس من ذلك في مرحلة الاقتصاد الطبيعي غير المنظم، حتى إن النظرية الوحيدة التي تناولت تأثير العوامل الاقتصادية في التاريخ وهي نظرية ابن خلدون قد ظلت حروفاً ميتة في الثقافة الإسلامية، حتى نهاية القرن الأخير.
فلم يُقبل المجتمع الشرقي تحت تأثير احتياجاته الداخلية، على أن يضع نظرية اقتصادية كما حدث في المجتمع الغربي، حين وضع الرأسمالية أو الشيوعية.
إنه لم يقبل على هذا بسبب ما انطوى عليه من نفسية خاصة منعقدة على (الزهد) كمثل أعلى منذ قرون، وإن فقهاً اقتصادياً يستلهم خطته ومفاهيمه من مثل كهذا ويصدر عنه، لا يمكنه بداهة أن يعبر بالدقة العلمية نفسها عن فكرة (المنفعة) الخاصة بالرأسمالية، أو عن فكرة (الحاجة) الخاصة بالنظرية الماركسية؛ فالزهد والمنفعة والحاجة ثلاث حقائق لا يمكن أن تدخل في اطراد اجتماعي واحد، وفي واقع اقتصادي واحد. فقد كان هناك إذن عنصر تنافر أساسي بين الأوضاع الشخصية الموروثة في البلاد الإسلامية وبين التكوينات الاقتصادية التي وضع أسسها العصر الاستعماري.
وهناك عنصرآخر يتمتع بالطابع النفسي نفسه، ويجب أن نحسب له حسابه في هذا التنافي، ذلك العنصر هو فكرة الزمن التي تعد أساسية جداً في تنظيم
стр. 14
العمل في العالم الحديث تبعاً لنظرية تايلور Taylor، فقد سيطرت هذه النظرية على مفاهيم المقدرة الإنتاجية، فساعة (الكرونومتر) التي تستخدم في حساب الثواني تستخدم في الوقت نفسه في تسعير الإنتاج. وليس قولهم (الوقت عملة Times is Money) من قبيل اللعب بالكلمات، بل هو تعبير دقيق عن الواقع المادي في نظر الإنجليز. فجميع ألوان النشاط في المجتمع الصناعي الحديث تنمو في حدود الزمن المادي، وتتقوَّم بساعات عمل؛ أما في البلدان المتخلفة فإنهم لم يجربوا هذه العملة الخاصة إذ تنمو ألوان النشاط والعمل بصورة تقليدية، في حدود الزمن الميتافيزيقي أي في نطاق الأبدية، لأنه لا يهدف إلى تشييد صرح (القوة)، ولا يطبق مبادئها المتنافية مع الأوضاع النفسية، كما نرى ذلك في تاريخ الصين، فقد ظلت الثقافة الصينية الكلاسيكية مثلاً تعلن احتقارها البالغ زمناً طويلاً لقواد الحرب، أولئك (الأدوات) التقليدية (للقوة).
وإذن فلقد كان التنافي بين هذه المباني الموروثة، وبين ألوان العمل المنظم الموقت في المجتمع الحديث، كان هذا التنافي أمراً محتوماً.
وبذا نفهم من أول وهلة كيف تتبدد الأوهام أثناء محاولة بعض البلدان الإسلامية تحقيق استقلالها الاقتصادي بعد أن حققت استقلالها السياسي، فأخذت تستشير لهذه الغاية بعض الخبراء الاقتصاديين، ولم تلبث التجربة أن برهنت لهم على أن (الحالة) في علم الأمراض الاقتصادية ليست كما يحدث في الطب من (اختصاص الدكتور). ولقد رأينا في الواقع الدكتور (شاخت) وهو يعطي مثل هذه الاستشارات، ولقد كان بكل تأكيد خير من يقوم بهذه المهمة لما رشحه به نجاحه في (حالة) سابقة، وهو نجاحه الهائل في تخطيط الاقتصاد الذي تحمل جهداً ضخماً لبلد دخل الحرب العالمية الثانية، دون أن يكون لديه رصيد كبير من الذهب.
لقد تمنوا عموماً أن يكرر الدكتور (شاخت) هذه المعجزة خارج بلاده،
стр. 15
ولكنهم رأوا أنه لم يستطع تكرارها، وإنما رأينا في مقابل ذلك ما يعد أكثر إفادة في نظرنا، وهو أن المعجزة قد تكررت من تلقاء نفسها، أي بدون مساعدة الدكتور (شاخت) في ألمانيا الغربية كما في ألمانيا الشرقية، دون رصيد كاف من الذهب في كلا البلدين، وأيضاً دون الاعتماد على المصانع التي استمد منها الرايخ الثالث قوته، ثم هدمها المنتصرون في الحرب أو فككوها. واليوم وبعد عشر سنوات من الانهيار التام ينهض الاقتصاد الألماني، ويستعيد مكانه في العالم على جانبي ما سمي (بالستار الحديدي)؛ وعليه فلو كان هناك درس نستفيده من هذا البعث الرائع فلن يكون سوى أن نقول: إن مبدأ اقتصادياً لا يمكن أن يكون له أثره، ومقدرته التامة على التأثير إلا في الظروف التي يتفق فيها مع تجربة اجتماعية معينة.
والواقع أن هذه القدرة لا تصدر عن ظروف اقتصادية محضة، كما ترينا التجربة الألمانية، تلك التي بدأت سيرها من الصفر في الناحية الاقتصادية، منذ عشر سنوات. فإن هناك معادلة شخصية هي التي تهمنا إلى أقصى حد في مضمون هذه المقدرة، ولا شك في أن الدكتور (شاخت) قد أعطى في (استشاراته) الأفرسيوية خير آرائه التي يمكن أن تصدر عن معادلته الشخصية، تلك المعادلة التي شكلتها الظروف النفسية والزمنية للوسط الألماني، هذه الظروف التي تكون مقياساً ضمنياً لا تؤتي معها نصائح الخبير واستشاراته تأثيرها الكامل إذا خرجت عن حدوده؛ وأي فن اجتماعي أو مبدأ اقتصادي لا يمكن أن يكون صادقاً إلا إذا وجد في وضع، لا يتعارض فيه مع عناصر المعادلة الشخصية السائدة في الوسط الذي يراد تطبيقه فيه، ولكي تؤتي النظريات الاقتصادية تأثيرها الاجتماعي يجب ألا يقتصر في دراستها على منصة الجامعة بوصفها علماً وقفاً على بعض المتخصصين، بل يجب أن يطبق هذا العلم على التجارب الجماعية التي يقف فيها وعي كل فرد وإدراكه أمام المشاكل المادية، مقدماً بذلك لعلم المتخصصين ظروف صلاحيته للتأثير.
стр. 16
وعملياً يجب أن تسير النظرية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع النظرية السياسية، كيما تحيل المبدأ النظري إلى قانون للعمل والنشاط، فتضمه بذلك إلى دوافعه وإلى نسقه وأسلوبه. والطريقة الوحيدة التي يصبح بها المبدأ أو الفكرة جزءاً من التاريخ هي أن يتحول إلى (عمل)، إلى دافع عمل، إلى طاقة عملية، إلى إمكانية عمل. ولقد تكوَّن (علم) الاقتصاد الاشتراكي على يد (ماركس) و (أنجلز). ولكن تأثيره بدأ مع تكوين (الضمير) الاشتراكي منذ ثورة تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٩١٧، فلقد صب نشاط لينين ومدرسته مبدأ الاقتصاد الاشتراكي في نفسية الشعب الروسي وفي عقليته، وفي حركته أو ديناميكيته. فالاقتصاد الاشتراكي إذن هو ثمرة التوفيق بين (علم) هو العلم الماركسي وبين (ضمير) هو وعي الطبقات. وبدون أن نصدر هنا حكماً مطلقاً، أي حكماً على هذا التوفيق بوصفه قيمة إنسانية وإنما بوصفه حقيقة، فإننا نقرر أنه هو الذي ولّد ما يسمونه (الطفرة الإنتاجية Economie de choc) .
فطريقة (الاستخانوفية Stakhnovisme) التي كانت عنصراً جوهرياً في خلق الواقع الاقتصادي الراهن في الاتحاد السوفييتي، هي قبل كل شيء نتيجة للظروف النفسية الجديدة، ونتيجة للبناء العقلي الجديد.
فأي (مشورة) تهدف إلى وضع نظام اقتصادي أو إصلاح نقائصه، ينبغي إذن من حيث المبدأ- ويصعب عند التطبيق- أن تضع في حسابها العناصر غير الاقتصادية، وبهذا نلتقي مرة أخرى مع أسبقية (عالم الحياة الاجتماعي) على (المهندس الاجتماعي)، عندما نبدأ من الأساس؛ وفي هذا المستوى، أي في بداية أي تجربة اجتماعية لا يكون الأمر فقط أن نحل معادلة اقتصادية، بل أن نكيفها طبقاً لمعادلة شخصية معينة. وأي تجربة تغفل في بدايتها هذه العلاقة الأساسية لا تكون سوى تجربة نظرية مقضي عليها بالفشل. ولو أردنا أن نستخلص من هذا الكلام نتيجة صادقة لبناء اقتصاد إسلامي، فمن الضروري أن
стр. 17
نفكر في الشروط الفنية التي يتطلبها التوفيق بين معادلة إنسانية معينة خاصة بالبلدان المتخلفة، وبين المعادلة الاقتصادية للقرن العشرين. إن الاستعمار لم يحاول تحقيق هذا التوفيق في استثماره للبلدان المستعمَرة، فقد كان العمل استرقاقاً وعبودية يستهدف إثراء المستعمِر أكثر من أن يهدف إلى إعاشة المستعمَر، وبذلك انحطت فكرة (العمل) على يديه أخلاقياً واجتماعياً، فليس العمل وسيلة لكسب العيش، بل هو طريقة لإرضاء مطالب السلطة التي توزع الخبز، علماً بأن (الخبز) الذي يحصلون عليه بهذه الكيفية ليس حقاً، وإنما هو منحة؛ وبذلك هدمت تصرفات الاستعمار الوضع التعارَف عليه؛ ولكنها حين أدخلت الرجل المستعمَر في خضم العصر الاقتصادي لم تترك له أي وسيلة لحل مشاكله، وهكذا انحط الاستعمار برجل التأمل والنظر. وبدلاً من أن يدخله في جهاز نظامه الخاص فيجعل منه الرجل ذا الوعي الاقتصادي Homo économicus إذا به يتخذ منه آلة في هذا الجهاز، أي في الاقتصاد الاستعماري، وبهذا ينتقل الرجل المستعمَر فقط من المرحلة التأملية إلى المرحلة النباتية التي لم تكن له فيها (حاجة)، فأصبحت له حاجات لا يملك أي وسيلة منظمة وعادية لإشباعها.
فلقد نمّى الاستعمار في نفسيته خوف الجوع الذي يظهر في جميع طبقات المجتمع المستعمَر، خلق منه الرجل الجائع دائماً، وخلق منه الرجل الذي يخاف دائماً من الجوع، وهاتان الصورتان من صور الخوف، قد حطمتا عند الكائن المستعمَر كل إمكانية للتكيف مع التكوينات والأوضاع الاقتصادية في القرن العشرين.
ففي إفريقيا الشمالية مثلاً تخشى الطبقة البورجوازية الجوع، ويتجلى خوفها في صورة (بطنة Hypergastrisme) تدل عليها حالة تلك الأسرة الجزائرية التي تستهلك لاستعمالها الخاص مئة كيلو من الزبدة في الشهر (عام ١٩٣١). ويتجلى خوف الجوع في الطبقة الكادحة في صورة (مسغبة
стр. 18
hypogastrisme) ولا سيما عند هؤلاء الآلاف من العمال في إفريقيا الشمالية، الذين يذهبون للعمل في فرنسا، ويموتون نتيجة نقص التغذية، الذي لا يتلاءم مع وسائلهم الجديدة أو مع المناخ والعمل في المصانع.
وهكذا لم يقدّم الاستعمار نظاماً للتلمذة الاقتصادية إلى البلاد المستعمَرة، فلم يعدّل في الواقع التكوينات الشخصية طبقاً للتكوينات الاقتصادية الجديدة، بل إنه فرض في هذه البلاد حكم العبودية الاقتصادية فحسب، ذلك الحكم الذي ترك طابعه البارز على نفسية الطبقات البورجوازية، كما تركه على نفسية الطبقات الكادحة.
فاللجوء إلى (استشارات) المتخصصين في هذه الظروف لإنهاض حالة اقتصادية متعثرة أو منهارة، يجعلها استشارات لا أثر لها لأنها لا تكون سوى طريقة (سحرية) تستمد مبدأها من الثقة التي نخلعها على صاحبها (الدكتور). إن من الواجب أن ننظر إلى المشاكل الاقتصادية في طبيعتها البشرية، وإلا انتهى بنا الأمر إلى نتائج نظرية.
فهناك ظاهرة أثارت دهشة المراقبين وهي أن الدخل قد هبط في بعض البلاد التي تحررت من نير الاستعمار بحوالي ١٦% إثر تحررها، ومن الممكن بلا شك أن نفسر هذا الهبوط بإرجاعه جزئياً إلى الأوضاع والتكوينات الاقتصادية العالمية؛ وبناء على العوامل السياسية التي تؤثر في مرحلة انتقال مضطربة، فإن للعوامل ذات الطابع الاستراتيجي تأثيراً على السوق العالمية. وبالتالي على الأسواق المحلية وهو تأثير لا يمكن إغفاله هنا، ولكن في هذا الهبوط جزءاً متصلاً بالعوامل النفسية، أي بعناصر المعادلة الإنسانية الخاصة بتلك البلاد، التي تتجلى فيها النزعات المحلية وتأثيرها المعطل، الذي لا يظهر طالما وجدت قواها الإنتاجية تحت سيطرة النظام الاستعماري عوامل منشطة أخرى.
стр. 19
ولا سيما العمل الإجباري الذي ذاقته إندونيسيا، والذي لا زال يطبق في بعض مناطق إفريقيا الغربية الفرنسية على الرغم من صدور (دستور العمل) الجديد.
وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذا التعطيل بصورة جلية إذا ما وضعناها بجانب رقم (٢%) وهو الذي يمثل النسبة التقريبية المستثمرة من الدخل في تلك البلاد. فمن الواجب إذن أن نتناول المشكلة الاقتصادية في هذه البلاد من أساسها: أي ابتداء من عناصرها النفسية.
وفي هذا المستوى يكون حلها منحصراً في تكوين (وعي اقتصادي) بكل ما يستتبعه في التكوين الشخصي للفرد وفي عاداته، وفي نسق نشاطه وفي مواقفه أمام المشاكل الاجتماعية.
وفي هذا الميدان أكثر من أي ميدان آخر يدخل الرجل المسلم مرغماً، في عالم حديث تسيطر عليه مقاييس معينة لها القدرة على التأثير، وربما احتجنا أن نخفف من حدة هذه المقاييس التي خلقت في المجتمع الصناعي الإنسان الآلي. ولكن القدرة على التأثير كما لاحظ أحد الصحفيين السويسريين إن لم تكن الهدف الأسمى للإنسانية فإن قدراً معيناً منها ضروري على أية حال، إذ بدونه لا يكون المجتمع منتجاً. حتى من الناحية العقلية ... (١)
فالأمر بالنسبة للفرد، كما هو بالنسبة للمجتمع، يتعلق بأن نحقق أقصى حد ممكن من القدرة التأثيرية؛ ولكن العكس يحدث غالباً في البلدان المتخلفة، التي تقل فيها الوسائل بسبب درجة النمو الاجتماعي، وهي فضلاً عن ذلك معطلة عن الاستعمال بفعل بعض النقائص النفسية، ولقد قدمنا هذا المعنى في مكان آخر (٢)، حيث بيّنا في ضوء بحث قمنا به إذ ذاك في مدينة جزائرية صغيرة أن نسبة ميزانية
стр. 20
الضروريات إلى الكماليات والتوافه هي نسبة ٥% إلى ٩٥%، وربما أدى البحث مع اختلاف الأرقام إلى النتائج النسبية نفسها سواء في المستوى القومي أو في المستوى الفردي. ففي الحالتين كلتيهما نكون قد جمعنا الآثار السلبية التي ينتجها المعامل نفسه Cofficent، لأنه على علاقة بالمعادلة الشخصية التي تبرز فيها مع عناصر النمو في البلاد التي لم يتكوّن فيها بعد (الوعي الاقتصادي). فليست إذن الوسيلة المادية فحسب هي التي تفتقدها هذه البلاد لصناعة (جورب نقودها) بل إنها تفتقد أيضاً الاستعداد العقلي الذي يبلغها هذه الغاية.
فلكي يحدد الرجل المسلم وجهته الاقتصادية يجب أن يتخلص من المعامل (المقلل) الذي يهبط بمقدرة وسائله التأثيرية. ولن يستطيع الدخول في أي اطراد للنمو الاقتصادي إلا إذا حققنا انتقاله غير المشروط من المرحلة النباتية إلى الوضع الإيجابي الفعال، باعتباره مبدأ، فنوفر له دون شرط كمية الوحدات الحرارية اللازمة لهذا الانتقال، والضمان الأولي لكرامته النفسية، أي أن من الواجب أن نضع المشكلة أولاً في مصطلحات (البقاء). ووضع مشكلة الغذاء في هذا الإطار ينتج لنا مشكلة أخرى، هي مشكلة التوظيف الكامل لموارد تلك البلاد المادية والبشرية، فالمسألتان تندمجان منذ البداية في مشكلة واحدة تعبر عن المشكلة الاقتصادية في المجال الإنساني والأخلاقي (١)، فإن أي نظام اقتصادي إنما توجهه القوى الأخلاقية التي تخلع عليه تفسيراً إنسانياً وغاية تاريخية. فهو في بدايته يحمل طابع اختيار بين (المنفعة) و (الحاجة) وفكرة التوزيع فيه، أعني أن وظيفته الاجتماعية الجوهرية تكتسب تحديدها من هذا الاختيار الأولي.
فالمذهب التجاري أو الاحتكاري القائم على أساس المنفعة، أي الذي يقوم
стр. 21
توازنه على قانون العرض والطلب يتنافس مع الذهب القائم على فكرة (الحاجة)، أي الذي يتوازن على أساس مبدأ الإنتاج والاستهلاك.
فنظرية اقتصاد قائم على أساس (الحاجة) هي التي تقرر في صورة فرض (الحق) غير المشروط لكل فرد، في أن يحصل على خبزه اليومي، وبالتالي تعد العمل في النهاية (واجباً) يومياً عليه.
وهذا الاتجاه للاقتصاد الذي يسود شيئاً فشيئاً جميع البلاد الإسلامية، يؤيده التطور العالمي الذي يتخذ الاتجاه نفسه شيئاً فشيئاً. بل إن هذا الاتجاه قد بدأ يظهر خاصة في بعض البلدان الغربية، فإذا بالإنتاج والتوزيع اللذين كانا يخضعان حتى عهد قريب لمجرد الاعتبارات التجارية الدائرة حول محور المنفعة، إذا بهما ينجرّان نحو مذهب يدور حول فكرة (الحاجة). ويظهر هذا في فرنسا في صورة محاولات تحمل طابع المشاريع الخيرية، ولكن هذه الصورة أيضاً تترجم لنا عن تطور المفهوم الاقتصادي. ولقد كانت الصناعة الفرنسية في عام ١٩٣٦ تطبق مناهج (مالتوس Malthus) لكي تتخلص من فائض الإنتاج، واليوم نجدها تحاول أن توزعه عن طريق الدولة، تلك التي توزعه دون مقابل، كما حدث أن بدأت توزع في مطلع كل شتاء كيلو جرامين من السكر على الفقراء (١)، وهم يوزعون خمس ليتر من اللبن يومياً على تلاميذ المدارس الابتدائية.
وتلتزم مناجم الفحم أيضاً بضمان توزيع بالمجان للفحم طبقاً لشروط متفق عليها مع السلطات العامة.
ولا شك في أن للبلدان الإسلامية مصلحة خاصة في أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التطور، كما يمكنها أن تطابق بين الطفرة الاقتصادية والطفرة الإنتاجية الضرورية لبعثها في الميدان الاقتصادي.
стр. 22
فبصرف النظر عن التخلف الناشئ عن عوامل نفسية في هذا الميدان مما يجب على الشعوب أن تتداركه، فإن عليها أن تتدارك تخلفها الناشئ عن عوامل اقتصادية بحتة، وهو التخلف الناشئ عن اقتصاد ما زال في مرحلته الابتدائية، فلكي يصل تجهيزها إلى المرحلة الثانوية أي مرحلة التصنيع، فليس له ما يعتهد عليه سوى الزراعة من ناحية، والمواد الأولية (الخام) من ناحية أخرى، وهذان هما ثديا الاقتصاد الإسلامي على العموم ووسيلتا بعثه.
وإذا قابلنا من الوجهة الفكرية بين الحالين: على محور واشنطن - موسكو من ناحية، وعلى محور طنجة - جاكرتا من ناحية أخرى، حين نعرف المحور الأول بما نسميه (نفسية القوة)، وحين نعبر عن الآخر بلفظ (البقاء)، يمكن أن نقابل بينهما أيضاً مما له صلة بطبيعة وضعهما الاقتصادي. فمن الناحية الاقتصادية نجد أنفسنا أمام محور الصناعة من جهة، ومحور المواد الأولية من جهة أخرى.
فكل برنامج للتصنيع في البلاد الإسلامية يواجه مشكلة الإنتاج الزراعي من جهة، ومشكلة تسويق المواد الأولية من جهة أخرى. ولقد ورد في أحد الأبحاث الحديثة التي وضعت تحت إشراف الأمم المتحدة، أن مشكلة الجوع في العالم تنتج خاصة من نقص الإنتاج الزراعي في البلاد الاستوائية وما وراء الاستوائية، أي على وجه التحديد في البلاد الإسلامية. وبهذا ندرك أن هذا النقص يؤثر أولاً بصفة لا مباشرة على (مشكلات الأساس أو القاعدة) في هذه البلاد نفسها، وعلى نهوض اقتصادها، وخاصة فيما يتصل بإقحام الرجل المسلم في النشاط الاقتصادي مستهلكاً ومنتجاً.
ومن البديهي أن عملية إقحامه تتطلب أن نعطيه أولاً لقمة الخبز قبل أن نسلمه الفأس والمعول.
стр. 23
ومن هنا تظهر المصلحة التي تحققها المحاولات التي قامت بها حديثاً بعض الحكومات، مستهدفة علاج أوجه النقص في الإنتاج الزراعي، الناتج عن استعمال وسائل الزراعة العتيقة من ناحية، وعن طبيعة الملكية العقارية من ناحية أخرى، فالمشكلتان مرتبطتان ببعضهما إلى حد بعيد، واستعمال الوسائل العتيقة مثلاً في إفريقيا الشمالية قد كان يفسره لنا إنشاء الاستعمار للإقطاعيات الضخمة، التي لم تدع للفلاح الوطني أي إمكانية مادية لتعديل طريقته العتيقة. ولكننا نجد الفلاح في مصر ذلك الذي ارتبط بالأرض منذ القدم، نجده حتى ثورة تموز (يوليو) ١٩٥٢ وليس لديه من الإمكانيات المادية ما يكفيه لتعديل وسائله، وربما إلى الآن.
ومن هنا يأتي تفسير مشروع الإصلاح الزراعي الذي قام به القادة الجدد في مصر، وقد كان من نتائجه المباشرة أنه غيّر حالة الفلاح، ذلك الذي كان يعيش في صورة منبوذ مرتبط بالأرض برباط الاسترقاق، فأصبح عاملاً يربطه بالأرض (وعي اقتصادي) لوضعه بوصفه منتجاً ومستهلكاً؛ وإن هذا الإقحام الاقتصادي ليمس ٨٢% من مجموع الشعب المصري، وهو يعد بهذا، الإجراء الأول في تحويل اقتصاد البلاد، والخطوة الأولى الضرورية في طريق التصنيع؛ وفضلاً عن ذلك فإن نتائجه الاقتصادية الخالصة ستؤكد أهميته من الناحية النفسية والأخلاقية.
وإن انتزاع ملكية ٥٠٠،٠٠٠ فدان مشتراة من الملاك الكبار، ومصادرة ١٧٥،٠٠٠ فدان من أملاك العائلة المالكة السابقة، ليعد- إلى جانب كونه إجراء للإصلاح الزراعي، يحول الرقيق إلى فلاح- علية تكوين رأسمال تُحَوّل رأس المال العقاري- بما يحتوي من قوة فعالة- إلى ميدان الاستثمار الصناعي، مغيرة بذلك الأوضاع الاقتصادية في البلاد ومحتمة وجهتها الصناعية. وفي حدود التفاصيل الخاصة بكل بلد تعد البلدان الإسلامية في هذه المرحلة من مراحل
стр. 24
التطور الاقتصادي التي اجتازتها نهائياً البلدان الغربية، حين دخلت العصر الصناعي منذ قرن من الزمان. ولكن ظروف هذا التطور قد تغيرت منذ قرن تحت تأثير بعض العوامل النفسية والصناعية. فلقد تحقق اقتصاد القرن التاسع عشر في الغرب في المستوى القومي، ولقد فات أوان هذا المستوى الآن، أو على الأقل هو في طريقه إلى الزوال. فالاقتصاد يتطور شيئاً فشيئاً نحو صورة (الاتحاد الاقتصادي)، وما (البول Pool) وهو الاتحاد الذي يتشكل من أكثر من قومية، و (الاتحاد الصناعي Combinat) إلا معالم جوهرية لهذا التطور نحو اقتصاد جماعي، يوحد الحاجات والوسائل في عدة بلاد.
ولقد أعطتنا الصين والاتحاد السوفييتي مثالاً فذاً في هذا الميدان، حين بدأتا في دراسة مشروع مشترك وهو يتصل بإنشاء (امبراطورية زراعية Empire agricole) مشتركة في مقاطعة (كازاخستان) السوفييتية ومقاطعة (سنكيانج) الصينية، يقوم الإنتاج فيها على القمح الروسي والقطن الصيني، ويستغلان أساساً لتدعيم اتحاد صناعي تشكل على أساسه وحدة اقتصادية مهمة في العالم الشيوعي (١). وبديهي أن مصلحة البلدان الإسلامية هي في أن تضع نصب أعينها عند أي تخطيط لاقتصادها هذا التطور، سواء لخلق أوضاع اقتصادية متكاملة، كالاتحاد الصيني الروسي الذي تحدثنا عنه، أم لتمويل مشروع ذي مصلحة عامة كخزان أسوان، إذا لم ننظر إليه من وجهة الاقتصاد المصري فحسب، فإن من الممكن أن يفيد هذا المشروع المملكة العربية السعودية من الناحية الزراعية؛ لأن هذا البلد لا يمكنه أن يقيم في أرضه الصحراوية وسائل الإنتاج الزراعي التي يحتاج إليها.
ومن الممكن أن يتكفل اتفاق ثلاثي بين السعودية ومصر والسودان، بِرِيّ
стр. 25
وإخصاب منخفض (القطارة) الممتد من غرب الاسكندرية إلى حدود ليبيا لمصلحة الدول الثلاث، وذلك خارج نطاق الري المصري.
وعلى كل، فإن فكرة الاقتصاد الموحد تنمو وتزدهر شيئاً فشيئاً في العالم، وهي التي ألهمت في المجال الأفرسيوي واضعي مشروع (كولومبو) (١)، فعلى الرغم من أنه وضع بوصفه ملحقاً اقتصادياً لنظرية الحد من التسرب الشيوعي Containment، ويهدف فضلاً عن ذلك إلى القيام بتحسينات زراعية، فإن هذا المشروع يعد من وجهة خاصة مثلاً مفيداً على التعاون الاقتصادي الإقليمي، والمعروف أن ميزانيته كانت تشكل على خمسة مليارات من الدولارات تدفع ٦٠% منها الدول الخمس عشرة الأعضاء، والباقي وقدره ٤٠% يدفعه البنك الدولي للإنشاء والتعمير. فنظرية الاقتصاد الموحد تقدم إذن أمثلة عملية في صورتين مختلفتين، صورة خاصة بالعالم الشيوعي مثل الاتحاد الصيني السوفييتي الذي ذكرناه آنفاً، وصورة أخرى خاصة بالعالم غير الشيوعي كمشروع كولومبو. وأكثر من ذلك فإن هذه النظرية التي تجد فيما ذكرنا تبريراً عملياً، يمكن أن نجد منها الآن أسسها النظرية في بعض الأبحاث الأخيرة عن اقتصاد البلدان المتخلفة، وبخاصة تلك الأبحاث التي قام بها في فرنسا (معهد علم الاقتصاد التطبيقي I.S.E.A) وهي تعد في هذا الباب نوعاً من التحديد للموضوع، يحلل أصحابها- عن قصد وبصفة منهجية- عوامل نمو البلدان المتخلفة، ولقد استطاعوا أن يبينوا أن من بين الظواهر المعوقة لهذا النمو (إبقاء الاقتصاد في نطاق قومي محدود) فالقومية الاقتصادية كالقومية السياسية، فات أوانها بتأثير الحقائق الراهنة. لأن الاقتصاد يتطور نحو الاشتراكية (٢) القومية في الداخل والاشتراكية الدولية في
стр. 26
الخارج، وفضلاً عن ذلك، فإن هاتين المشكلتين تحتفظان باستقلال كلي إزاء السياسة، وأياً ما كانت الحلول التي نرى صلاحيتها لهما، فإن هذه الحلول لا تستتبع بالضرورة أي اتجاه مذهي.
ولسنا نستطيع أن نقوم بفصل قاطع خير من هذا بين الاقتصاد والسياسة، لنحتفظ في الوقت نفسه بحرية الاختيار بين الاتجاهات العالمية، فإن الحجج المذهبية لا تدعم فناً اجماعياً أو صناعياً، ولا تحط من قيمته، إذ الفن يعتمد على قيمته الذاتية، وعلى مقدرته على التأثير في ظروف معينة.
فاشتراكية وسائل الإنتاج لا ترجع إلى أي مبدأ مذهبي، بل إلى ضرورة تحددها ظروف خاصة بالوسط، وبإمكانياته الحالية. وفي هذه الظروف يستطيع الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الأفرسيوي عامة في ميدان التطبيق أن يستلهم سياسة مخططة من نظام المزارع الحماعية Système Kholkhozien توفر له القدرة على التأثير. كذلك لا يمكننا في الميدان النظري أن نغض النظر عن أفكار المهندس الزراعي (تيرانس مالتسيف Térence Maltsev)، الذي تخصص في استغلال الأراضي القاحلة أو نصف القاحلة، تلك الصفة التي تنطبق على مساحات شاسعة من الرقعة الإسلامية وتنطبق على كل حال على أراضي الشمال الإفريقي. لأن عجز الإنتاج الزراعي في هذه المنطقة لا ينتج في الواقع عن استعمال الوسائل العتيقة أو عن التنظيم الزراعي فحسب؛ بل إنه ينتج أحياناً عن الظروف الطبيعية القاسية. وقد لا يكون العلم قد توصل حتى الآن إلى التحكم في هذه الظروف لكي يفرض بطريقة علمية توجيه الأراضي في الزراعة، ولكن البلاد القاحلة- وأغلب البلاد الإسلامية في هذه الحالة- تستفيد كثيراً من متابعة نمو الأفكار التي أبدعها (تيرانس مالتسيف).
وعلى كل، فإن ما تتصف به هذه المشاكل من التسلط على الاقتصاد الإسلامي لا يفتأ يزداد مع ضغط زيادة السكان من ناحية، ومع ضرورات
стр. 27
الاستثمار من ناحية أخرى، مادام الانتقال إلى المرحلة الصناعية لا يمكن أن يتم دون فائض في الإنتاج الزراعي؛ والمفروض أن هذا الانتقال سيحدث مع تطبيق الاشتراكية على وسائل الإنتاج، ولكننا نصادف هنا المشكلة الثانية في الاقتصاد الإسلامي، وهي مشكلة المواد الأولية؛ وكما حدث في الأولى، يحدث في هذه المشكلة، فتتراكب العناصر الاقتصادية المحضة فوق العناصر النفسية، التي لا نحتاج أن نعود هنا إلى الحديث عنها. ويبقى علينا أن ننظر إلى زيادة الإنتاج الزراعي الذي يشمل بقدر كبير جميع برامج التجهيز الصناعي، من الزاوية الاقتصادية المحضة.
ومن هذه الزاوية تواجهنا مشكلة تسويق المواد الأولية، فالبلاد الإسلامية مضطرة في الظروف التي توجد فيها الآن إلى أن تصدر المواد الخام، تلك التي لا تملك وسائل تغييرها وتصنيعها في بلادها؛ ومن هنا تكون مرحلة جديدة في مواجهة هذه البلاد لمحور واشنطن - موسكو، هنالك حيث تقوم صناعات التحويل والتغيير، وتلك هي المواجهة الاقتصادية التي تظهر نتائجها بصورة طبيعية في الميزان التجاري لتلك البلاد، وخاصة في الخسارة التي بلغت ١٦% في دخلها الكلي خلال السنوات التي أعقبت تحررها.
ونحن نصادف مرة أخرى هنا مشكلة (الوعي الاقتصادي) والتخصص الفني، أعني مشكلة توجيه الثقافة وتكوين الإطار الاجتماعي. ولكن بصرف النظر عن هذه العناصر الداخلية التي يجب أن نضيف إليها نتائج الأحداث الثورية التي أدت إلى التحرر، مع تفاوت في درجتها الثورية، فإن الخسارة تنتج أيضاً بقدر ما عن ظروف السوق الدولية. وبالنسبة لهذا الجزء من المشكلة تواجهنا مشكلة تسويق المواد الأولية، وهي تواجهنا أولاً بمنطق الأسواق المالية، بكل ما يحمل هذا المنطق من اصطناع ومكيافيلية وتزييف. وبدهي أن تسعير السوق المالية يبدأ من علاقة (المادة الأولية بالعملة) تلك العلاقة التي يحددها
стр. 28
سر هذه السوق ولكن السعر لا تحدده العناصر الاقتصادية الخاضعة لقانون العرض والطلب فحسب، بل إنه يتحدد أيضاً بعناصر غير اقتصادية تفصح عن اعتبارات مالية وسياسية واستراتيجية، أعني: الإرادة الخاصة لأحد الأطراف وهو مَن في حوزته العملة، وهذا ينطبق انطباقاً تاماً على البترول مثلاً، فإن هذه العناصر الأخيرة المذكورة هي التي تحدد وحدها أسعاره، دون أن يكون للبلاد المنتجة للمادة حق إبداء رأيها، فإذا انتقلنا عملياً إلى السوق الدولية، وجدنا الأمر قريباً من هذا. إذ تتحدد العلاقة بين المادة الأولية والعملة عملياً من طرف واحد: هو الاحتكار Trusts الذي يحدد الأسعار بنسب تناسبه. وهكذا تخضع سوق المادة الأولية- دون مقابل- لسوق المال ولإرادة رأس المال. وإنه من طبيعة هذا الوضع أن نرى في تلك الإرادة، المقدرة بالدولارات والاسترليني، الفلسفة التي كانت تقود منذ عهد قريب الاستغلال الاستعماري، فهي تحاول اليوم لأسباب مالية واستراتيجية إبقاء (منطقة رهو) في البلاد المنتجة للمادة الأولية، تتفق مع التيارات التجارية ومع التيارات السياسية العالمية أي مع مصالح البلاد ذات الطاقة الاقتصادية العالمية: وتسعير القطن المصري، والكاوتشوك والتوابل في إندونيسيا، والأرز في بورما، إنما يتحدد طبقاً لمقتضيات هذه التيارات، وفي خضم هذه الظروف التي تموج بها السوق العالمية تواجهنا مشكلة تسويق المادة الأولية. والضرر الذي يصاب به الاقتصاد الراهن القائم على أساس النقد إنما يأتي من أن العلاقة بين المادة الأولية والعملة إنما تحددها العملة نفسها.
فمثلاً ليس هناك أي سبب ظاهر لأن يكون سعر (الحلفا) الجزائرية - وهي مادة أولية- أقل ثلاثين أو أربعين مرة من سعر منتجاتها- عجينة السليلوز والورق- المصنوعة في إنجلترا، ليس هناك سوى سبب واحد يتصل بالعلاقة بين الحلفا والجنيه الاسترليني، وذلك هو فائدة الصناعة الإنجليزية والعامل الإنجليزي. وهكذا تكبد ساعة العمل التي يؤديها العامل الإنجليزي
стр. 29
العامل الجزائري كثيراً، إذ أن الأول إنما يفضل الثاني بالعملة. على حين لا يمثل الثاني سوى المادة الأولية.
وقد لفت هذا الشذود أنظار بعض المراقبين لاقتصاد الشمال الإفريقي حين لاحظوا البون الشاسع بين سعر الطن المصدر من المادة الأولية وسعر الطن المستورد من المنتجات المصنوعة إلى بلد من العالم الثالث. وملاحظة هذه الأرقام باعتبارها متوسطاً كلياً لها دلالتها، ولكنها لا تترجم تماماً عن الواقع الاقتصادي في مستوى العامل المسلم، بل في مستوى رجل الأعمال الأوربي الذي يصدّر المادة الأولية بيد، لتغيرها يده الأخرى إلى مادة مصنوعة يشتريها العامل المسلم بالثمن الغالي، ليبخس حقه منتجاً ومستهلكاً.
وأياً ما كان الأمر، فلكي نعالج تسلط العملة على المادة الأولية، فإن من الواجب أن نحرر المادة من العلاقة التي تخضعها لظروف السوق الراهنة.
ويبدو أن بعض البلاد الإسلامية قد عقدت فعلاً عملياتها التجارية الأخيرة، على أساس علاقة لا تنفرد فيها العملة بتحديد قيمة المادة الأولية، فلقد تمت هذه العمليات على أساس مقايضة (مادة أولية بمادة أولية) أو (مادة أولية بتجهيز صناعي)، فبادلت سيلان على هذا الأساس محصول الكاوتشوك مقابل الأرز الصيني، وبادلت مصر قطنها مقابل التجهيز الصناعي، وبصفة عامة تقوم عمليات تبادل البلاد الإسلامية مع الشرق على أساس ذي طبيعة أخرى، وهو ما يمكن أن يتضح بقدر كبير في هذه العلاقة:
مادة أولية - عمل
ومن الممكن أن تتم المبادلات مع الغرب على الأساس نفسه، وإنما هنا نصطدم (بكتلة نقدية)، تلك الكتلة التي كشفت في قضية البترول الإيراني والجزائري أخيراً (١) عن إرادتها في أن تظل سيادة العملة على المادة الأولية، ولكن
стр. 30
البلاد الأفرسيوية عامة، ومن ضمنها البلدان الإسلامية خاصة، تستطيع أن تستلهم من هذه السياسة الاقتصادية سياسة أخرى معارضة لها. بأن تنشئ في مواجهة (الكتلة النقدية) (كتلة المادة الأولية). وبعبارة أخرى، إذا كان مبدأ الاقتصاد الموحد صادقاً في الميادين الزراعية والصناعية في الاقتصاد الإسلامي، فإنه أيضا صادق في ميدان تسويق المواد الأولية لمواجهة الاستراتيجية المالية للأحتكارات Trusts بصورة فعالة، وبصفة عامة لمواجهة إرادة القوة، وخاصة إذا ما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لعلاج بعض ألوان الشذوذ المرضي في سوق المواد الأولية.
فعندما يتعرض الكاوتشوك- وهو عامل طفرة للنمو الاقتصادي في بلاد جنوب شرقي آسيا- لنكسة، في الوقت الذي تدل فيه الإحصاءات على زيادة مستمرة في منحى استهلاكه، فتلك ولا شك حالة تدل على وجود أعراض مرَضِيّة.
وفي ظاهرة كهذه يمكن أن ندرك- بداهة- تأثير العوامل غير الاقتصادية التي تحرف القانون الطبيعي للعرض والطلب، وهذه العوامل ترتبط- كما هو ظاهر- بتحكيم السياسة في مشكلة التبادل بين بلاد (الكتلة النقدية) والبلاد المنتجة للمادة الأولية، فإن بلاد (الكتلة النقدية) تريد أن تطبع على هذه المبادلات الاتجاهات المناسبة لخطها السياسي الخاص، ولا يمكن تعديل هذه الاتجاهات إلا بتنظيم حكيم لسوق المادة الأولية ولتسويقها بواسطة البلاد الإسلامية، تبعاً لمبدأ الاقتصاد الوحد. ولكنا نلاحظ أن هذا المبدأ- في جميع مناطق الاقتصاد الإسلامي وقد بيّنا ملأءمته لها- يتفق فعلاً مع المبدأ الأخلاقي الأساسي للفكرة الإسلامية أعني مع فكرة (المسلم العالمي). إذ لا يتصور في الواقع أن نواجه مشكلة اقتصاد موحد في منطقة لم يزل عنها خطر الحرب نهائياً. فإن المرء لا ينشئ شركة مالية مع رفيق لن يسير معه إلا جزءاً من الطريق.
стр. 31
وهذا الاعتبار يبرز شذوذ بعض الحكومات في الرقعة الإسلامية حين تنساق في سياسة الكبرياء، فتضع المشاكل في لغة القوة، في مجال ينبغي عليها فيه أن تصوغها بلغة (البقاء)، بحكم الضرورات الداخلية في تلك البلاد، وبحكم اتجاهها في الظروف الحاضرة المتسمة بإلحاح اعتبارات السلام.
وبالنظر إلى هذه الاعتبارات الملحة يصبح الاقتصاد عنصراً جوهرياً يحدد وجهة الفكرة الإسلامية. فهو يصبح في هذا المستوى- إلى جانب كونه وسيلة الشعوب الإسلامية للحياة- وسيلة لها كما تتحمل رسالة الإسلام الداعية إلى السلام، التي تقع على عاتقها في مواجهة الكتلتين.
ويستطيع الاقتصاد الإسلامي- حين يجر هذه البلاد إلى منافسة تحمل طابع التعايش- أن يتحاشى تحول المنافسة الاقتصادية إلى وضع انفجاري، ولقد أوضح مشروع بناء خزان أسوان أن هذه المنافسة يمكن أن تكون مثمرة خصبة، لو فهمتها الدول الكبرى، وذلك عندما ينفون عنها ما يمكن أن يخلع عليها صبغة حادة منفعلة، وذلك هو ما فعلته الحكومة المصرية؛ ومن بين الاقتصاديين المشهورين الذين يفكرون في تأثير هذه المنافسة الاقتصادية في علاقات الكتلتين إحداهما بالأخرى، نرى مثلاً مسيو (ألفريد سوفي Alfred Sauvy) في فرنسا يقول: " إن من الممكن وجود نقطة التقاء بينهما في الجنوب البائس" (١).
فمن الممكن أن تلتحم وحدة الحضارة الإنسانية في الرقعة الإسلامية، وبهذا تتلاحم حلقة الوحدة الإنسانية على محور طنجة - جاكرتا في الميدان الاقتصادي. وحبذا لو أدركت الشعوب الإسلامية في الوقت الذي تكوّن فيه (وعيها الاقتصادي) القيمة التاريخية لهذا الوعي، في العالم الخالي، بصفته عنصراً من عناصر التقدم والسلام.
стр. 32
الاقتصاد والاقتصادانية
* ( Economie et Economisme)
في دراسة خلت بدا لي ضرورة أن أشير إلى التعارض الشديد في المشهد الإنساني بين محور واشنطن - موسكو ومحور طنجة - جاكرتا.
وقد بيّنا أن هذا التعارض راجع في جانب منه إلى بنى اقتصادية مختلفة، مفسرين هذه البنى تفسيراً قائماً على جذورها النفسية الثقافية لا على أصولها الاقتصادية.
فالمشكلة نفسية بادئ ذي بدء، ذلك بأن الوعي الاقتصادي لم ينمُ في شعور العالم الإسلامي النموَّ الذي نماه في الغرب في شعور الإنسان المتحضر وحياته.
الواقع أن الاقتصاد في الغرب قد أمسى منذ قرن دعامةً أساسية للحياة الاجتماعية، وقاعدةً جوهرية لتنظيمها، ومبدأ تصرف للفرد، ومثلاً أعلى للأسرة رمزه (جورب الصوف) (١) المشهور في كل بيت (٢).
أما الحضارة الإسلامية في الشرق فقد نزلت في فترة من تطوّر البشرِ العام بين الحضارات العتيقة وحضارة الغرب. فاقتصادها يمثل معبراً من الاقتصاد
стр. 33
المألوف إلى الاقتصاد المنظم تنظيماً تايلورياً (١).
زد على ذلك أنه منذ عصر ما بعد الموحدين نجد أن الفكر الإسلامي، المسرّح من مهماته التاريخية من وجه ما، فقد وظيفته على وجه العموم فأمسى آلة تدور في الفراغ نسمع جعجعتها ولا نرى طحناً. حتى إن اتجاهاً أو مذهباً اقتصادياً إسلامياً خاصاً لم يكن ليقوى على البزوغ، ذلك بأنه لا يملك أن يتعلق بفكرة (الربح الحر) التي هي دعامة الرأسمالية ولا بفكرة (الحاجة) التي هي نواة الماركسية.
فدعائم المفاهيم للنشاط الاقتصادي القديم- من وضوح ودقة ونظام وتنظيم وثقة ... - للمجتمع المسلم، انحلت في التفسخ العام الذي أصابه ساعة كانت أوربا على عتبة عصر اقتصادي جديد، بما أوتيت من اكتشافات جغرافية كبرى في القرن السادس عشر الميلادي.
ولم يكن المجتمع المسلم، وقد أثقله عبء حضارة آفلة، بقادرعلى أن يقتفي آثار حضارة ناشئة أخرى على عتبة انقلابات، لم تقتصر على أن تؤدي بالعالم الحديث إلى إحياء دعائم المفاهيم القديمة للاقتصاد، بل أدّت به أيضاً إلى إيجاد دعائم مفاهيم جديدة كساعة العمل والقدرة على الإنتاج، وإلى إيجاد دعائم مادية تندّ عن التصور- كالبخار والكهرباء والآلة- دخل البشر بها الثورة الصناعية الفنية.
حتى إن العالم الثالث كله غداة الانسلاخ من الاستعمار لم يكن عليه أن يتخلص من سلبيته الموروثة وحدها، بل من عواقب ركوده أيضاً ساعة وثبة أوربا في الميدان الاقتصادي.
стр. 34
وقد جاوزت هذه العواقب في سوئها حداً، جعلها تمثل صعوبات مادية كبرى في طريق البلدان المستعمرة، وعقداً نفسية تحكم على هذه البلدان بضربٍ من الصبيانية الاقتصادية.
إن إنسان العالم الثالث عامة والمسلم خاصة، يظنان أنهما بارئان من أسقامهما بدواءٍ جديد يشفيهما من كل داء. وقد تكلما عن الاقتصاد كلامهما عن حجر جديد للفلاسفة يملك أن يجعل الفقر غنى برمشة عين، فوقعا في ضرب من الصبيانية الاقتصادية Economisme.
وما يزيد الطين بلة أن حجر الفلاسفة الذي يزعمان المداواة به، لا يصنع المعجزات في البلد الذي يتخذه علاجاً، بل يدسّ له من مخابر البلدان المتقدمة التي همّها الأكبر ضمان مصالحها لا تخفيف عبء البلدان المتخلفة.
وهذا الدواء الشافي من كل داء في العالم الإسلامي لم يكن له من أثر، إلا أن جعله فريسة شر أدوائه بإيقاعه في (الاقتصادانية L'Economisme).
والاقتصادانية إنما هي فقاعة غاز لا تحوي أي واقع اقتصادي، بل هي أسوأ. إنها ظرف يبدي ألوان قوس قزح لألاءة براقة، إنه يحوي أوهاماً خلابة ضائعة وتناقضات تدعو للسخرية.
إن الاقتصادانية أو المعاشية لم ينزلْ بها قرآن من السماء، بل أفرزتها كائنات أميبية جسّدت القابلية للاستعمار وتجسد التخلف اليوم. وهي عموماً تعني بادئ ذي بدء استبداداً، أي تقييداً جديداً لحرية التصرف، فيه يلتهم المشرّع الاقتصادي القيمَ الأخلاقية والمدنية كلّها لأبناء الشعوب المستعمرة حتى يعززوا كما يزعمون، الاستقلال السياسي الذي اكتسبه الشعب.
حتى إن الاقتصادي لا يحيي القرية بإعادة كرامة المواطن التي داستها الأقدام ووطئتها قروناً طوالاً، بل يلبسه ثوب الذل كرة أخرى ويخنق أنفاسه ويضيق
стр. 35
عليه الحريات المدنية، أي يثقل مشكلة الإنسان من جديد بعناصر سالبة جديدة.
وإن ابتغت الاقتصادانية أن تفعل خيراً فإنها تتصور شؤون المجتع الإنساني تصور تسيير لمطعم حقير حسابه يتم بعمليتين اثنتين: جمع لا يدخل من مال، وطرح للنفقات.
عندما يمسي مذهب اقتصاداني نفيا لسنن التاريخ البشري، فيجرد تجريداً مذهبياً من القيم الثقافية التي تنشد كل جهد للنهوض الاجتماعي القائم على الإنسان، نجد أن (منهج التنمية) المزعوم يؤكد ما هو أسوأ من أدواء التخلف كلها.
ويا ليت التسيير الاقتصادي يخلو من العقد! فمولى المطعم الحقير يصب فيه مع الأسف أوهامه الطفولية وتناقضاته التي يزهو بها معاً.
إن المجتمع الإسلامي في اللحظة الراهنة يقوم في البلاد كلها بجهود مشكورة ويضحي تضحيات نبيلة لإيجاد أطر أو ملاكات صناعية فنية ضرورية هنا وهناك، ولزيادة جهد النهوض الاقتصادي. بيد أن عالماً اجتماعياً إيرانياً يبين لنا مع ذلك في بحث رعته هيئة الأمم المتحدة، عظم هجرة أدمغة العالم الثالث أو العالم الإسلامي خاصة إلى البلدان المتقدمة.
فهل نظروا في بلادنا إلى هذا التقرير التحليلي فاتخذوا التدابير المناسبة؟ وفي هذا الصدد ينبغي لنا أن نصغي إلى متخصص عربي في النفط هو الشيخ (أحمد الطريقي) الذي يعطينا تعليمات قيمة حول موقف البلدان العربية المنتجة في ميدان الانتفاع بالأدمغة العربية المكوّنة في البلدان الغربية.
إنه موقف التعالي الصلف الذي يذل. حتى إن (الدماغ العربي) يبحث
стр. 36
فيجد خير منتفع بكفاءته في مواطن أخرى (١).
فحيثما كانت (الاقتصادانية) وما يتبعها من حاجة عظمى للأدمغة جاء بلد متقدم فامتصها. وما هذا إلا تناقض قليل الشأن، ذلك بأن الاقتصادانية تفعل أكثر منه أيضاً. فعندما يحط الدماغ المكوّن بنفقات عظيمة في مسقطه يصبح مصيره رهناً للنزوة الطائشة. فقد يرى نفسه، بعد إذ تكوّن في مدرسة كبرى، كاتباً في إدارة على سبيل المثل. وقد يرى نفسه، بعد إذ غدا مهندساً في مؤسسة صناعية فنية ألمانية، عاملاً إدارياً وراء مكتب في هذا القطاع العام أو ذاك.
حتى إن التخلف الذي هو نقص في الوسائل على الصعيد الاقتصادي، ينوء حمله الاقتصادي بجانب سلبيّ جديد من الوجهة النفسية: هو سوء الانتفاع بالوسائل.
ولقد انتصرت الصين الشعبية انتصاراً كاسحاً على هذا الجانب، الذي كان يفرض عليها الخيار بين (الصنع والشراء)، ولكنها لم تنتصر عليه ذلك الانتصار إلا بما قامت به من ثورة ثقافية.
فينبغي للبلدان الأخرى في العالم الثالث أن تقوم هي أيضاً بثورتها الثقافية، حتى تذلل المصاعب ولا سيما العقد التي تعوق سبيل تنميتها الاقتصادية.
وليس بضربة لازب أن تختار لذلك قدوة معينة في التنمية أياً كان شأنها، فالاقتصاد يسلك سبله الخاصة التي ليست بالضرورة سبل الرأسمالية ولا سبل الماركسية.
إن المجتمع في منطلقه يتمتع دائماً بسلطان اجتماعي، يمثله الإنسان والأرض والزمان الذين يملكهم في الحالات جميعاً، لكنه لا يملك سلطاناً مالياً دائماً.
стр. 37
فينبغي لخطط تنميته والحال هذه أن تعتمد اعتماداً أكثر على السلطان الاجتماعي، حتى لا تعبر عن وسواس نقص المال الذي يهلكها من البداية بإخضاعها إلى إرادة المال.
وفي البلاد الإسلامية خاصة ليست المسألة بأن نعطي المال سلطاناً لم ينزل به الله، بتركيزه في أيد قليلة يتبعه انخفاض في مستوى المعيشة، ونقص من القوة الشرائية وإفقار للجماهير الكادحة، وليست المسألة بأن ينتزع منه كل سلطان كذلك بإذابته في ضرب المساواة الطوباوية يذهب بنجعه النافع في دفع الإنتاج.
فينبغي لنا أن نجعل للمال قيمة نسبية، ولكن ينبغي لنا أيضاً أن نكشف النقاب عن مفهوم (الإنتاج)، فلا ينبغي أن يغدو المثل الأعلى للمجتمع كما فعلت (الستاخانوفية) في الاتحاد السوفييتي قبل الحرب العالمية الثانية، بل ضرورة ملحة، تلبيتها شرط كل حياة اجتماعية. ولئن ابتغى قوم صوغ هذا الشرط في حكمة قلنا: نحن لا نعيش لنأكل، بيد أننا نهلك إذا لم نأكل.
وبعبارة أخرى إن خطط التنمية أياً كان إلزامها الاقتصادي الذي نقدره حق قدره، ينبغي لها مع ذلك أن تطوي كشحاً عن هذا الإلزام لضرورات عليا، حتى لا تهوي في الاقتصادانية، وهم أولئك الذين يظنون أنهم يحلون المشكلات البشرية كلها بسبل اقتصادية.
يبدو أن العالم الإسلامي في هذه الآونة مصاب بهذا الداء. وهو داء نكأته الحربان العالميتان في هذا القرن، فانتقل من عدم الوعي الاقتصادي الشامل إلى الحصر (١) ( Obsession) الاقتصادي، كأنما ليس للمسلم إلا سبيل واحدة للتفتح: أن يكون بشراً اقتصادياً ( Homo économicus) وألا يكون غير هذا.
стр. 38
ولا يخفى علينا أن التعليم الإسلامي كله في القرآن والسنة يدعوه إلى الحلول الوسطى دائماً:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... ﴾. [البقرة ٢/ ١٤٣].
فتوعية الإنسان المسلم في الميدان الاقتصادي، يجب ألا تجره إلى وثنية جديدة ليصير من عبّاد صنم جديد اسمه (الاقتصادانية) أو حتى الاقتصاد.
***
стр. 39
حدود الاختيار الإسلامي بين المناهج الموجودة
إذا تأملنا الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة المشكلات الاقتصادية، نرى أنه يضيّق على نفسه مجال اجتهاده، بمقتضى مسلمات ضمنية يمكن حصرها تقريباً فيما يلي:
١) إنه يفكر أولاً على أساس أن الموجود من المناهج الاقتصادية هو ما يمكن إيجاده.
٢) إن النشاط الاقتصادي لا يمكن من دون تدخل المال، سواء في صورة استثمار، تنظمه وتشرف عليه قطاعات خاصة أو استثمار تهيمن عليه سلطة سياسية، فيما يسمى القطاع العام.
ومن هنا يبتدئ تعثر الفكر الإسلامي بصعوبات تنشأ من طبيعة موقفه من الأشياء، لا من طبيعة الأشياء ذاتها.
فالمسلمة الأولى، مثلاً، تضطره إلى الاختيار بين الرأسمالية وبين الشيوعية.
وإذا به يجد نفسه- مهما كانت ميوله- أمام مشكلات فنية أو مذهبية أو على الأقل أخلاقية، تضيف إلى متاعبه ما شاء الله، لأنه لا يجد لها حلاً في نطاق اختياره في كلا الاتجاهين، إلا على حساب مبادئه الأولية، وبالتالي على حساب شخصيته وهويته من التاريخ.
فإن جنح إلى الرأسمالية فسرعان ما يصطدم بإباحيتها، القائمة على المبدأ الذي عبر عنه (آدم سميث)، في بداية العهد الاقتصادي الحديث، في عبارته الشهيرة "دعه يعمل، دعه يسير".
стр. 40
والآن بعد قرن ونصف، يرى المسلم بكل وضوح أين يؤدي هذا، إلى أي اضطراب اجتماعي يؤدي بالمجتمع الذي يسير هكذا، إلى أي انحرافات ثقافية تنشأ فيه متخذة ردود أفعال ضرورية أمام إفراط في الإنتاج وتفريط في التوزيع، فتنشأ الماركسية مثلاً وتقوم على أساسها الثورات الشيوعية لتعيد المياه لمجاريها في عالم الاقتصاد حسب زعمها.
ولا يصطدم المسلم في هذا الاتجاه، بإباحية الرأسمالية فحسب، أي بروحها فقط، بل سيصطدم أيضاً بشروطها أو بعض شروطها الفنية؛ لأن الرأسمالية تقتضي استثمار المال بوصفه الوسيلة الوحيدة لدفع عجلة الاقتصاد، وإذا بها تلجأ لعملية تجميع الأموال وتركيزها في مؤسسات معينة كالبنوك، لتقوم هي بتوزيعها وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية المختلفة، على أساس الربا في عمليتي التجميع والتوزيع.
وإذا بالمسلم الذي يختار هذا الاتجاه يغوص في محاولة تخليص الرأسمالية من الربا، لأنه محرم في شريعته.
وكأنه من الناحية الفنية يحاول تخليص جسد من روحه، ويرجو أن الجسد سيبقى حياً وسيقوم بمهماته.
وإن نجح في إيجاد حل نظري في قضية الربا يطابق الفقه الإسلامي، فيكون كأنه وجد روحاً لا يضمه جسد، أو تناقض مع جسده؛ لأن نظام البنوك يرفض هذا الروح وهو يرفضه، فيبقى الحل النظري معلقاً عملياً، لأن صاحبه انطلق على أساس مسلمة استثمار المال بصفته منطلق للديناميكا الاقتصادية، دون أن يراجع هذا المبدأ نفسه.
وربما يلتفت المسلم، بعد خيبة أمله في الرأسمالية، في الاتجاه الأخير، في اتجاه الاقتصاد الشيوعي، وبكلمة ألطف: في اتجاه الاقتصاد الاشتراكي، لا لأنه