← Общие книги

Общие книги · id 37647

المسلم في عالم الاقتصاد

مالك بن نبي

Полный текст (106 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيجد خير منتفع بكفاءته في مواطن أخرى (١). فحيثما كانت (الاقتصادانية) وما يتبعها من حاجة عظمى للأدمغة جاء بلد متقدم فامتصها. وما هذا إلا تناقض قليل الشأن، ذلك بأن الاقتصادانية تفعل أكثر منه أيضاً. فعندما يحط الدماغ المكوّن بنفقات عظيمة في مسقطه يصبح مصيره رهناً للنزوة الطائشة. فقد يرى نفسه، بعد إذ تكوّن في مدرسة كبرى، كاتباً في إدارة على سبيل المثل. وقد يرى نفسه، بعد إذ غدا مهندساً في مؤسسة صناعية فنية ألمانية، عاملاً إدارياً وراء مكتب في هذا القطاع العام أو ذاك. حتى إن التخلف الذي هو نقص في الوسائل على الصعيد الاقتصادي، ينوء حمله الاقتصادي بجانب سلبيّ جديد من الوجهة النفسية: هو سوء الانتفاع بالوسائل. ولقد انتصرت الصين الشعبية انتصاراً كاسحاً على هذا الجانب، الذي كان يفرض عليها الخيار بين (الصنع والشراء)، ولكنها لم تنتصر عليه ذلك الانتصار إلا بما قامت به من ثورة ثقافية. فينبغي للبلدان الأخرى في العالم الثالث أن تقوم هي أيضاً بثورتها الثقافية، حتى تذلل المصاعب ولا سيما العقد التي تعوق سبيل تنميتها الاقتصادية. وليس بضربة لازب أن تختار لذلك قدوة معينة في التنمية أياً كان شأنها، فالاقتصاد يسلك سبله الخاصة التي ليست بالضرورة سبل الرأسمالية ولا سبل الماركسية. إن المجتمع في منطلقه يتمتع دائماً بسلطان اجتماعي، يمثله الإنسان والأرض والزمان الذين يملكهم في الحالات جميعاً، لكنه لا يملك سلطاناً مالياً دائماً.

стр. 37

فينبغي لخطط تنميته والحال هذه أن تعتمد اعتماداً أكثر على السلطان الاجتماعي، حتى لا تعبر عن وسواس نقص المال الذي يهلكها من البداية بإخضاعها إلى إرادة المال. وفي البلاد الإسلامية خاصة ليست المسألة بأن نعطي المال سلطاناً لم ينزل به الله، بتركيزه في أيد قليلة يتبعه انخفاض في مستوى المعيشة، ونقص من القوة الشرائية وإفقار للجماهير الكادحة، وليست المسألة بأن ينتزع منه كل سلطان كذلك بإذابته في ضرب المساواة الطوباوية يذهب بنجعه النافع في دفع الإنتاج. فينبغي لنا أن نجعل للمال قيمة نسبية، ولكن ينبغي لنا أيضاً أن نكشف النقاب عن مفهوم (الإنتاج)، فلا ينبغي أن يغدو المثل الأعلى للمجتمع كما فعلت (الستاخانوفية) في الاتحاد السوفييتي قبل الحرب العالمية الثانية، بل ضرورة ملحة، تلبيتها شرط كل حياة اجتماعية. ولئن ابتغى قوم صوغ هذا الشرط في حكمة قلنا: نحن لا نعيش لنأكل، بيد أننا نهلك إذا لم نأكل. وبعبارة أخرى إن خطط التنمية أياً كان إلزامها الاقتصادي الذي نقدره حق قدره، ينبغي لها مع ذلك أن تطوي كشحاً عن هذا الإلزام لضرورات عليا، حتى لا تهوي في الاقتصادانية، وهم أولئك الذين يظنون أنهم يحلون المشكلات البشرية كلها بسبل اقتصادية. يبدو أن العالم الإسلامي في هذه الآونة مصاب بهذا الداء. وهو داء نكأته الحربان العالميتان في هذا القرن، فانتقل من عدم الوعي الاقتصادي الشامل إلى الحصر (١) ( Obsession) الاقتصادي، كأنما ليس للمسلم إلا سبيل واحدة للتفتح: أن يكون بشراً اقتصادياً ( Homo économicus) وألا يكون غير هذا.

стр. 38

ولا يخفى علينا أن التعليم الإسلامي كله في القرآن والسنة يدعوه إلى الحلول الوسطى دائماً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... ﴾. [البقرة ٢/ ١٤٣]. فتوعية الإنسان المسلم في الميدان الاقتصادي، يجب ألا تجره إلى وثنية جديدة ليصير من عبّاد صنم جديد اسمه (الاقتصادانية) أو حتى الاقتصاد. ***

стр. 39

حدود الاختيار الإسلامي بين المناهج الموجودة إذا تأملنا الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة المشكلات الاقتصادية، نرى أنه يضيّق على نفسه مجال اجتهاده، بمقتضى مسلمات ضمنية يمكن حصرها تقريباً فيما يلي: ١) إنه يفكر أولاً على أساس أن الموجود من المناهج الاقتصادية هو ما يمكن إيجاده. ٢) إن النشاط الاقتصادي لا يمكن من دون تدخل المال، سواء في صورة استثمار، تنظمه وتشرف عليه قطاعات خاصة أو استثمار تهيمن عليه سلطة سياسية، فيما يسمى القطاع العام. ومن هنا يبتدئ تعثر الفكر الإسلامي بصعوبات تنشأ من طبيعة موقفه من الأشياء، لا من طبيعة الأشياء ذاتها. فالمسلمة الأولى، مثلاً، تضطره إلى الاختيار بين الرأسمالية وبين الشيوعية. وإذا به يجد نفسه- مهما كانت ميوله- أمام مشكلات فنية أو مذهبية أو على الأقل أخلاقية، تضيف إلى متاعبه ما شاء الله، لأنه لا يجد لها حلاً في نطاق اختياره في كلا الاتجاهين، إلا على حساب مبادئه الأولية، وبالتالي على حساب شخصيته وهويته من التاريخ. فإن جنح إلى الرأسمالية فسرعان ما يصطدم بإباحيتها، القائمة على المبدأ الذي عبر عنه (آدم سميث)، في بداية العهد الاقتصادي الحديث، في عبارته الشهيرة "دعه يعمل، دعه يسير".

стр. 40

والآن بعد قرن ونصف، يرى المسلم بكل وضوح أين يؤدي هذا، إلى أي اضطراب اجتماعي يؤدي بالمجتمع الذي يسير هكذا، إلى أي انحرافات ثقافية تنشأ فيه متخذة ردود أفعال ضرورية أمام إفراط في الإنتاج وتفريط في التوزيع، فتنشأ الماركسية مثلاً وتقوم على أساسها الثورات الشيوعية لتعيد المياه لمجاريها في عالم الاقتصاد حسب زعمها. ولا يصطدم المسلم في هذا الاتجاه، بإباحية الرأسمالية فحسب، أي بروحها فقط، بل سيصطدم أيضاً بشروطها أو بعض شروطها الفنية؛ لأن الرأسمالية تقتضي استثمار المال بوصفه الوسيلة الوحيدة لدفع عجلة الاقتصاد، وإذا بها تلجأ لعملية تجميع الأموال وتركيزها في مؤسسات معينة كالبنوك، لتقوم هي بتوزيعها وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية المختلفة، على أساس الربا في عمليتي التجميع والتوزيع. وإذا بالمسلم الذي يختار هذا الاتجاه يغوص في محاولة تخليص الرأسمالية من الربا، لأنه محرم في شريعته. وكأنه من الناحية الفنية يحاول تخليص جسد من روحه، ويرجو أن الجسد سيبقى حياً وسيقوم بمهماته. وإن نجح في إيجاد حل نظري في قضية الربا يطابق الفقه الإسلامي، فيكون كأنه وجد روحاً لا يضمه جسد، أو تناقض مع جسده؛ لأن نظام البنوك يرفض هذا الروح وهو يرفضه، فيبقى الحل النظري معلقاً عملياً، لأن صاحبه انطلق على أساس مسلمة استثمار المال بصفته منطلق للديناميكا الاقتصادية، دون أن يراجع هذا المبدأ نفسه. وربما يلتفت المسلم، بعد خيبة أمله في الرأسمالية، في الاتجاه الأخير، في اتجاه الاقتصاد الشيوعي، وبكلمة ألطف: في اتجاه الاقتصاد الاشتراكي، لا لأنه

стр. 41

يحبذ منطلقاته المذهبية غالباً، بل لأنه بعد أن شاهد مساوئ الرأسمالية وتناقضها أخلاقياً وتقنياً مع الفقه الإسلامي، يشاهد نجاح الخطط (الاشتراكية) في الاقتصاد. وهنا أيضاً، سرعان ما يصطدم المسلم ببعض جوانب هذه الخطط المتعارضة مع الفقه الإسلامي، مثل تحديد الملكية أو إلغائها، بقطع النظر عن التعارض الأساسي بين المادية والإسلام، تعارضاً أعمق من التعارض مع الليبرالية، أو قضية الربا. وفي هذا الاتجاه، لم يبق على الاختصاصي أو السياسي المسلم إلا أن يطبق المنهج (الاشتراكي)، دون مراجعة أسسه المذهبية البعيدة، وأسباب نجاحه في البلاد التي طبقته على نسبة تمسكها بالفكرة الماركسية بصفتها عقيدة، كما يراها دارسون مثل (سيرج بردائيف S. Berdaef) أو (فالتر شوبرت W. Shubart)، ودون نظرة في نتائج أو توقعات الفتور عندما يعتري (العقيدة) الماركسية، بدورها، ويجعلها غير قادرة في الميدان الاقتصادي، على تعويض أو تغطية بعض الجوانب السلبية في النظرية الاقتصادية الماركسية، التي أثرت من دون جدال علم الاقتصاد بمفاهيم جديدة مثل فائض القيمة ( Plus-value) أو الإنتاج على أساس الواحد أو الوحدة ( Productivité) دون أن تشعر أنها مست الطاقة الإنتاجية في جوهرها. عندما مست مبدأ الملكية الفردية، أعني عندما ألغت أو خفّضت من قيمة وازع الامتلاء الذي يتصرف حسب مدرسة (بافلوف) الروسية (السوفييتية كان نعلم)، في الربع- على الأقل- مما أسميه بالطاقة الحيو ية Energie vitale الموزعة في إمكانيات الحيوان عامة والإنسان خاصة عندما حصل ذلك جاء هذا الأخير منتجاً أومستهلكاً على نسبة ما فيه من هذه الطاقة البيولوجية. بينما الفتور- أو الشيخوخة الاجتماعية- متوقع في المجتمع (الاشتراكي) كما هو

стр. 42

شأن كل المجتمعات، وإذن سينكشف الضباب عن الحقيقة الاقتصادية الماركسية المجردة من جانبها العقيدي الذي يحقق نجاحها اليوم، فينتهي المجتمع الشيوعي الحديث، مثل المجتمعات الشيوعية السابقة كمجتمع القرامطة الذي انهار في ومضة بصر، بعد أن هدّد الدولة العباسية في عز قوتها، وكالمجتمع الذي سبقه بإيران قبل البعث الإسلامي. فإذا كانت ظاهرة (الفتور) تصيب كل المجتمعات في عصر شيخوختها، فإنها تستعجل الشيخوخة في المجتمعات التي تفقد مسبقاً عوامل الاستقرار النفسي، ولا تستطيع الاستمرار إلا في حالة تغير متواصل وحركة ديناميكية مستمرة، مثل المجتمعات الشيوعية السابقة التي لم تستقر أوضاعها إلا في فترة نشوئها وتشييدها. لذلك لا نرى اختيار المسلم- على أساس مسلمته- إلا محدوداً في الاتجاهين كليهما بعوامل بعضها فني وأخلاقي وبعضها فني ونفسي وعقائدي. وفي الاتجاهين كليهما نراه في محاولة تركيب روح إسلامية على جسم أجني يرفضها وترفضه؛ لأنه حتى في تجربته (الاشتراكية) المطبقة في بعض البلدان العربية، فهو يحاول تسخير جسم مفصول عن (روحه الشيوعي). ولا يضير المسؤولين العرب الذين يطبقون هذه التجربة في بلادهم، إذا لم يقدر لها النجاح الذي حققته في بلدان أخرى، مثل ألبانيا ورومانيا التي انطلقت من المنطلق نفسه. فللمجتد أصاب أوأخطأ، أجر بحسن نيته، ولا أحد يشك في حسن نية من حاول تطبيق خطة (اشتراكية) في البلاد العربية. خصوصاً إذا عددنا- في حالة الخطأ- أنه ليس من رجال السياسة، ولا من رجال الفقه، وإنما هو في جوهر الاختيار على أساس مسلمة كان من واجب صاحب الاختصاص الاقتصادي ألا يسلم بها في منطلق تفكيره، ولعلّه يجدر القول هنا، إن من العوامل التي

стр. 43

عطلت نمو الفكر الاقتصادي في العالم الإسلامي ما نراه من طرف بعض علماء الدين من تشدد في الاعتراض على الاجتهاد الاقتصادي، اعتراضاً يُجمّده أحياناً منذ المنطلق. ولا شك في أن هذا الاعتراض يحدث غالباً حرصاً على صيانة الدين، ولكننا وجدنا أحياناً لهذا الحرص صوراً لا تتسم بالحكمة، عندما يطغى الاعتراض طغياناً يصل إلى درجة التعطيل، فيسأل مثلاً من يقوم بدراسة في الاقتصاد. هل يلتزم فيما يكتب النظرة الفقهية، لا بالنسبة للكليات فحسب، بل بالنسبة لكل تفصيل سيواجه النظرية في المستقبل، كأنما صاحب النظرية ليس مطالباً بالبحث عن أصول تنتج التخلص من التخلف، بل مطالب أيضاً بكل التفاصيل التي قد تنشأ في الطريق كأنه يدعي علم كل شيء. بينما واقع العالم الإسلامي يفرض على من يتصدى لمحاولة فقهية أن يحدد موقفه على أساس الاهتمام بشروط الانطلاق Décollage أكثر من شروط الاستمرار، حتى إذا كانت ضرورية لمراجعة الأشياء، بعد أن يتحقق الانطلاق، إذا ما اقتضت المرحلة الأولى تعطيل بعض التصرفات الفردية من أجل نجاة أصحاب السفينة. فاليوم يجب سواء على الفقهاء أو على أصحاب الاختصاص تقدير مسؤولياتهم، على أساس أن القضية المطروحة ليست قضية تحقيق استمرار الحياة الاقتصادية، بل هي قضية دفع العجلة من أجل إنقاذ السفينة وأهلها، ولو تعطلت من أجل ذلك بعض المصالح الفردية. ***

стр. 44

الجزءُ الثّاني صورة المشكلات خريطة توزيع الإمكانات الاقتصادية في العالم حدود التفسير الاقتصادي البحت لتوزيع الإمكانات الأسس الحضارية لعالم الاقتصاد

стр. 45

خريطة توزيع الإمكانات الاقتصادية في العالم إن الأقدار لم تظلم أحداً، وإنما تقوم الأمور على سنن لا تغيير لها، تربط المسبَّبات بأسبابها، سنة الله في خلقه، ولغيرنا أن يسميها القوانين، فلا يضيرنا. إلا أن موقفنا الفكري قد ينحرف تجاهها إما بطريقة أو بأخرى، عندما نقف منها الموقف السحري ( Attitude magique) الذي يهدف إلى تعطيل تلك السنن أو القوانين، أو عندما تكون على فكرنا غشاوة، تجعله يربط الأشياء بغير أسبابها. فمن يعتقد أنه يعطل الأسباب يبوء بالفشل على حد سواء هو ومن يخطئ في ترتيبها الطبيعي في اطراد جدلي لا يسمح بوضع النتيجة قبل سببها، كما لا يسمح بوضع المحراث قبل الثور. إن هذه الاعتبارات تتطرق إلى ذهننا، عندما نتابع بالتبصر والتحليل ما يدور في الفكر الإسلامي تجاه عالم الاقتصاد الذي نراه: إما ينغمس في الغموض السحري كأنه معطِّل للأسباب، أو نراه يربط النتائج- كاليسر المادي في حياة الفرد والضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها في مجتمع متقدم- بأسباب قد تبدو لنا- في النظرة الأولى- صحيحة، ثم نتبين عدم جدواها في عملية تطبيق نقوم بها نحن أو يقوم بها غيرنا، فتفشل لأنها قعّدت الأشياء على أسباب سطحية. فلو سألنا أنفسنا عن كيفية توزيع متوسط الدخل السنوي في العالم، ونحن نعلم قيمة هذا المفهوم الاقتصادي بوصفه دلالة على درجة التقدم في بلدٍ ما، ماذا سيكون جوابنا عادة؟

стр. 46

إننا قد نتناول الإحصائية لمتوسط الدخل التي تصدرها هيئة الأمم كل سنة، ونتلو الأرقام التي تتضمنها، ومن بينها على سبيل المثال الرقمان الخاصان بالولايات المتحدة أي ٣٠٢٠ دولار وبالكويت أي ٣٤٠٠ دولار (١). إنني لا أرى بمجرد ذكرهما هكذا، دلالة واضحة على أوضاع البلدين سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية، على حد سواء. إذن علينا: إذا أردنا أن نستفيد في موضوعنا من إحصائية متوسط الدخل السنوي الفردي، علينا أن نتناولها بطريقة أخرى. إنها تتضمن قرابة مئة وخمسين رقماً، على عدد البلدان المنتظمة في هيئة الأمم المتحدة، فلو رسمنا كل رقم منها على علم صغير ورشقنا كل علم في مكان العاصمة للبلاد التي يخصها الرقم، نكون قد صورنا على الخريطة، على طريقة هيئة أركان الحرب التي تستعمل أعلاماً صغيرة ملونة مرشوقة على طول الجبهة على الخريطة، حتى يتيسر لها متابعة ومراقبة الحركات العسكرية المتقابلة، ونكون بدورنا قد صورنا على الخريطة الصورة التي ستعطينا فكرة عن كيفية توزيع متوسط الدخل الفردي السنوي، في العالم، وربما أوضحت للناس هذا التوزيع. إنني أترك جانباً رقم الكويت الذي ذكرناه (٣٤٠٠) لأسباب أشرحها فيما بعد. فالإحصائية تبتدئ إذن برقم ٣٠٢٠ دولار للولايات المتحدة، وتنتهي برقم ٧٠ دولاراً لإندونيسيا. وعلينا إذن أن نرشق المئة والخمسين علما في عواصم العالم، فإذا تمت هذه

стр. 47

العملية، فإننا سوف نفاجأ بأمر هو أنَّ الأرقام أو الأعلام، لم تتوزع بطريقة عفوية فوضوية على الخريطة أو على الترتيب الأبجدي، لأنه قد يكون الرقم (جـ) بجانب الرقم (جـ) الذي هو بجانبه فعلاً في الإحصائية وقد جاءت مرتبة بطبيعة الحال ترتيباً أبجدياً حسب أسماء البلدان، ولكنه سوف يكون على العكس في الخريطة بجانب حرف آخر ربما يكون حرف (ي) أو غيره، على ترتيب لا صلة له بحروف الأبجدية. فإذا وزعنا المئة والخمسين علماً هكذا، أي المئة والخمسين رقماً، نجد أنها ترتبت ترتيباً آخر، فمجموعها يصوّر لنا توزيعها على الخريطة على شكل قارتين يفصلهما خط عرض ٣٠° تقريباً، وذلك عند رقم ٥٢٠ $، أي متوسط الدخل الفردي السنوي الذي يعد عتبة نصعد منها إلى القارة الشمالية، أي إلى البلدان التي لديها إمكان تقديم كل الضمانات الاجتماعية لسكانها، أو ننزل منها إلى قارة الجنوب حيث البلدان التي لا تستطيع، في المرحلة الراهنة، أن تتكفل الضمانات الاجتماعية لسكانها. فإذا اعتمدنا هذه الخريطة، فقد يتطرق إلى أذهاننا بعض الحالات الشاذة، توهمنا في طبيعة الظاهرة التي نحاول جلاءها في هذا الفصل، خصوصاً لدى من يهوى تعطيل القاعدة بسبب وجود حالة شذوذ. وما أكثر هؤلاء الهواة في البلاد الإسلامية والعربية على وجه الخصوص! إننا طرحنا جانباً متوسط الدخل الفردي السنوي في الكويت، بينما يأتي رقمه، أي ٣٤٠٠ دولار، على رأس الإحصائية التي تناولها تحليلنا في هذا الفصل. لذا يجب الآن أن نقدم بعض التفسير لموقفنا هذا الموقف، فنقول إن متوسط الدخل في الولايات المتحدة ٣٠٢٠ دولار لا يخضع لشروط خارجة عن الأرض التي تتمتع به، ولا عن سياستها ولا عن ثقافتها، ولا عن كل الظروف القاسية مثل حرب عالمية كل صلاتها مع الخارج، فإنها لا تفقد بذلك سوى ٥% من إمكانياتها

стр. 48

الاقتصادية، هذا على تقدير أنها لا تتلافى مثل هذا الخطر بتعديل تستطيعه بكل سهولة، في عمليتي إنتاجها وتوزيعها. بينما كل الموارد التي يتكون منها متوسط الدخل الفردي في الكويت هو تحت رحمة يد أو أيد في الخارج تستطيع، في كل حين، أن تغلق أو تفتح صنابير البترول أكثر أو أقل. وقصة البطل الإيراني مصدق، ليست بعيدة عن أذهاننا، لتصور ما تستطيع أن تفعله في الكويت، الأيدي التي حطمته سنة ١٩٥٣ في طهران. ثم قد يلاحظ علينا هواة الحالات الشاذة: أننا لم نحدد مكان أوستراليا ونيوزيلاندة في خريطة التوزيع. فنلاحظ بدورنا أننا لا نقدم هنا درساً في الجغرافيا، وإنما نقدم عرضاً عن قضية اقتصادية، نرى فيه أن مكان أوستراليا ونيوزيلاندة ليس في القارة الاقتصادية الجنوبية بل في القارة الشمالية، مستندين في ذلك على كل الأسباب التاريخية الثقافية والعنصرية التي تربط هذين البلدين بأوربا وأمريكا. ولو خصصنا نظرتنا في الموضوع إلى أهالي البلدين الأصليين ( Natives) لربطناهما بالقارة الجنوبية بطبيعة الحال. ***

стр. 49

خريطة توزيع متوسط الدخل السنوي الفردي في العالم طبقاً لإحصائية الأمم المتحدة لسنة ١٩٦٧ متوسط الدخل في الولايات المتحدة ٣٠٢٠$ •طوكيو •موسكو •برلين •روما •باريس •لندن •واشنطن القارة الاقتصادية الشمالية ------------------ خط عرض ٣٠° ------------------ ٥٢٠$ في اليونان •كابول •جاكرتا •طهران •بغداد •دمشق •القاهرة •طنجة ٧٠$ في أند ونيسيا

стр. 50

حدود التفسير الاقتصادي البحت لتوزيع الإمكانات إنه لجدير بنا أن نتأمل الخريطة التي قدمناها في الفصل السابق، ونتساءل عن سبب التوزيع الغريب الذي نجد صورته في شكل قارتين. ومن طبيعة الحال أن يأتي جوابنا إذا تسرعنا على أساس تقدير الأشياء من الزاوية الاقتصادية البحتة، قد نقول: إن السبب في ذلك يعود إلى وجود الصناعة في القطاع الشمالي من الكرة الأرضية وفقدانها في الجنوب. فهذا الجواب وجيه إلى حد ما، وتترتب عليه النتيجة النظرية التي تخللت كل الدراسات التي استهدفت النهوض بالجنوب، وكل المخططات السياسية التي طبقت من أجل ذلك في العالم الثالث، بعد الحرب العالمية الثانية إلى الآن. ولكن الإحصائية التي تناولناها في الفصل السابق تدل دلالة واضحة أنه لم يتغير شيء نسبياً في صورة توزيع الإمكانيات المادية في العالم، على الرغم مما بذلته، في تلك الفترة، البلدان المتخلفة من أجل نهضتها الاقتصادية. بل يلاحظ بعض المراقبين للشؤون الاقتصادية في البلدان المتخلفة أنها قد ازدادت تخلفاً، في الفترة نفسها، وأن البلدان المتقدمة ازدادت تقدماً، دون أن يشذ على هذه الظاهرة إلا الصين. إذن يجب علينا أن نعيد النظر في القضية سواء بالنسبة للبلاد المتقدمة أو البلاد المتخلفة، وأن نستفيد من التجارب الأخيرة في العالم، التي تعطي وجوه، لموازنة سليمة بين بلد إسلامي مثل إندونيسيا في الجنوب، وبلد آخر في الشمال مثل ألمانيا، إذ نرى البلدين يشرعان في النهوض الاقتصادي، من نقطة انطلاق

стр. 51

نراها أسوأ بالنسبة لألمانيا إذا ما قدرنا أنها تنطلق من نقطة الصفر، فاقدة كل وسائل الإنتاج الصناعي التي حطمتها الحرب؛ وما تبقّى منها إلى يوم ٨ أيار (مايو) ١٩٤٥، نرى الحلفاء يفككونه وينقلونه خارج البلاد، طبقاً لاتفاقية (بوتسدام)، فبقيت ألمانيا فاقدة كل وسيلة إنتاج صناعي، بل فاقدة سيادتها أيضاً ومضطرة أن تعيش على أرض فقيرة من الناحية الفلاحية، ترزح تحت أكبر احتلال عسكري في التاريخ. بينها نرى إندونيسيا في الفترة نفسها تستعيد سيادتها الكاملة، حرة في كل تصرفاتها الداخلية والخارجية، وتشرع في تطبيق مخطط أجدر خبير هو الدكتور (شاخت)، الذي وضع لها خطة تنمية قائمة أساساً على موارد أخصب بلاد الله على وجه الأرض. إن نتيجة الانطلاقتين والموازنة بينهما، ستكون واضحة في برهة وجيزة من الزمن، إذ سنرى: ١) ألمانيا لا تستعيد مركزها الاقتصادي في العالم فحسب، بل تضيف إليه مكتسبات جديدة، تجعلها من الدول الرائدة اقتصادياً، وتضع عملتها في مصف العملات الصعبة التي ينتظر منها أحياناً نجدة الدولار، عندما يفقد النفس في السوق العالمية. ٢) بينما تخرج إندونيسيا من تجربتها في تطبيق مخطط (شاخت)، ليس فحسب من دون أي حصيلة في الميدان الاقتصادي، بل متورطة نفسياً في الشعور بالهزيمة أمام واقع مرير. فهذه الموازنة الجزئية تجعلنا، إذا ما أردنا أن نقرر شيئاً، أن نقرر عن جدارة أن فقدان الصناعة لا يفسر كل شيء في عالم الاقتصاد. ويبدو إذن منذ الآن أن التفسير الاقتصادي وحده، لا يفسر الظاهرة التي

стр. 52

انطلقنا منها في الفصل السابق، ومن هنا نبدأ ندرك أن حدود هذا التفسير وحده ضيقة جداً، كما سنزيد في توضيح ذلك. فإذا عدنا للسؤال الذي أوردناه في صدر هذا الفصل، نجد أننا قد قدمنا له ما يسمى (جواب البديهة) أي الجواب الذي قلما يصيب وكثيراً ما يخطئ في المجال العلمي، ولكنه أعطانا فرصة التنقيب في تجربتين متعاصرتين ومعاصرتين لنا. ويبقى السؤال مطروحاً بصدد كيفية توزيع الإمكانيات الاقتصادية في العالم، لماذا وعلى أي أساس يقوم ذلك التوزيع؟ إن جوابنا بـ (التصنيع) لم يقنعنا، لأن سؤالاً آخر يبقى بعده: لماذا انطلق العهد الصناعي في القارة الشمالية منذ بدايته، أي منذ اكتشاف الطاقة البخارية؟ إن ظاهرة البخار تحت الضغط صاحبت تاريخ الإنسانية منذ اكتشاف الآدميين للنار، دون أن يلتفت أحد منهم إلى إمكان استخدام هذه الظاهرة مصدراً للطاقة حتى أتى عصر (دنيس بابان Denis Papin) و (واط Watt) اللذين سخرا تلك الطاقة الهائلة التي دفعت الإنسان في العهد الصناعي. إن أحداً لا يتصور حدوث هذا الاكتشاف فقط في حدود عقل إنسان اسمه (دنيس بابان) أو (واط)، وإنما وقع بسبب تغيير جدري حدث في المناخ العقلي الأوربي كافة، منذ ما يسمى بـ (النهضة) وخصوصاً منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، أي مباشرة بعد اكتشاف أمريكا وآلة الطباعة. وإذا كان (ديكارت) في القرن السابع عشر، أو من ترجم هذا التغيير الشامل في المناخ العقلي الأوربي إلى منهج تفكير، فلأنه ولد في هذا المناخ وترعرع فيه، وتأمل فيه فكان من الطبيعي أن تأتي نتيجة تأملاته في كتابه (مقال عن المنهج) كما أتت، في تلك العبارات التي تعلن المنعطف الجديد الذي اتخذه الفكر الأوربي.

стр. 53

يقول (ديكارت) مما يقول في (مقال ... ): " إنه لمن الممكن الوصول إلى معرفة تطبق تطبيقاً نافعاً في الحياة، فتترك مدارس التعليم تلك الفلسفة السكولاستسية، وتعلم فلسفة تقبل التطبيق، وتتيح لنا، بعد معرفة تأثير النار والهواء والأجرام الفلكية، وكل الأجرام التي تحيطنا، أن نستخدمها تحت قانونها بالذات لمصلحتنا الخاصة، لنتمكن من امتلاك الطبيعة والهيمنة عليها". إن هذه الكلمات ليست إلا عصارة المناخ العقلي الجديد يعصرها رجل عبقري، ما كان يصفيها قبل أوانها في التطور العالمي الشامل، أحد غيره، وما كان أيضاً لأحد قبل (دنيس بابان) و (واط)، أن يستخرج منها نتائجها التطبيقية، مثل الطاقة البخارية وما استتبعت في عالم الاقتصاد حتى عهد التوزيع لمتوسط الدخل الفردي السنوي، على الشكل الذي قدمنا صورته في الفصل السابق. وإذن فالتفسير الاقتصادي للأوضاع الموجودة في العالم، من تقدم وتخلف، لا يعطينا فكرة صحيحة عن كيفية معالجة التخلف، لأنه يربط الأشياء بأسباب قاصرة، لا يمكن لتجربة ناجحة أن تقوم على أساسها، لا في إندونيسيا ولا في غيرها من البلاد الإسلامية. ومن هنا يتضح لنا، كم يجدر بمن يتصدى لقضية التخلف في العالم الإسلامي ألا يطرحها ضمن نطاق اقتصادي يضيق غالباً عن تقديم الطريق الأيسر لحلّها، خصوصاً إذا اقترنت النظرة الاقتصادية بانتظار المال من الخارج، حتى إذا أتى يكون غالباً ورطة سياسية، وإن لم يأت يكن بمثابة معطل لقيام النهضة. بل يحسن بمن يهتم بهذه القضية أن ينظر فيها النظرة الشاملة، حتى ترتبط الأشياء الاقتصادية بجذورها الاجتماعية الثقافية البعيدة، على الأقل في أذهان

стр. 54

أصحاب الاختصاص كي تشمل نظرتهم في التصنيع، الذي لابد منه، فكرة واضحة عن القيم الإنسانية الضرورية لنجاح المشروع. فإذا فكرنا، على سبيل المثال، فيما يسمى (تغطية) المشروع ( Amortissement) ندرك مباشرة عن طريق الأرقام أن القيمة الأولى في نجاح أي مشروع اقتصادي هي الإنسان. ويمكن القول بقدر ما استفدنا من تجارب العالم الثالث في العقود الأخيرة، إن إهمال أو تجاهل قضية الإنسان هي من الأمور التي أفقدت هذه التجارب الشرط الأساسي لنجاحها مثل ما حدث لمخطط (شاخت) بإندونيسيا. ***

стр. 55

الأسس الحضارية لعالم الاقتصاد إن التغيرات التي نشاهد نتائجها بعد مدة طويلة في عالم الاقتصاد، أحياناً، هي في جوهرها تغيرات حضارية تعتري القيم والأذواق والأخلاق في منعطفات التاريخ، فتتغير معالم الحياة بتحول الإنسان نفسه في إرادته واتجاهه عندما يدرك معنى جديداً لوجوده في الكون. وهذا التحول لا يؤثر في عالم الأشياء، ولا في المعقولات التي يتضمنها عالم الأفكار بوصفه أنماطاً تطبيقية ( Modalités opératoires)، أي لا يؤثر في عالم الاقتصاد بنوعيه- الشيء المصنوع والفكرة الدالة على طريقة صنعه- ما لم يؤثر في محتوى النفوس ذاتها، طبقاً للآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١٣/ ١١]. ولو تدبر أهل الاختصاص في الاقتصاد من المسلمين هذه الآية، أدركوا أنها تضع هذه القضية وغيرها مما يخص أوضاع المجتمعات أولاً في مستوى تغير مسوّغات الوجود في المجال النفسي، وفي كلمة واحدة وبصورة أوضح في المستوى الحضاري. ولو تدبروا أيضاً بعض الدراسات المتعمقة في البحث عن جذور الاقتصاد، لوصلوا إلى النتيجة النظرية نفسها، أي أن الاقتصاد ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات. إن دراسة من هذا النوع تفيد قطعاً في تطعيم بعض الأفكار الاقتصادية، إن

стр. 56

لم يكن في تعديلها، حتى تكون في الحالتين كلتيهما أقرب من واقع الإنسان الذي نحاول تدعيمه أو تغييره في المجال الاقتصادي، حسب الظروف. إن مصادفة سعيدة، جعلت تحت يدي، وأنا أحرر هذا الفصل دراسة لـ (جون نيف J. nef) ألفها محاضرات ثم نشرها في كتاب تحت عنوان (الأسس الثقافية للحضارة الصناعية). إن هذا الأستاذ تناول موضوع الاقتصاد من جذوره، فتراه يعالج في صلب موضوعه قضايا، ربما لا يتفق كثير من أصحاب الاختصاص في بلادنا، بأن لها اتصالاً وثيقاً بموضوع الاقتصاد، لأنه سبق في أذهاننا أنه موضوع (الكم) والإحصائيات، فتراه مثلاً يعقد فصله الأول لـ (حركات الفكر) بين ١٥٧٠ - ١٦٦٠، ويعقد فصلاً آخر لـ (الإصلاح الديني ... ). ولكنني لست بصدد تعريف المسلم المتورط في عالم الاقتصاد، كيف نشأ هذا الاقتصاد على أسس حضارة غيره. بل أحاول أن أدله على طريق لحل أزمته الراهنة. على الأقل في المجال الفكري، لتكون له بعد ذلك الخيرة بين أفكار واضحة. إن الدارس الغربي مثل (جون نيف)، يدرس الأشياء من الناحية الوصفية كما هي، لأنها واقع شاخص أمام عينيه، وكل أسباب هذا الواقع سابقة في التاريخ عن جيله، فيكفيني أن يصف الأشياء بصدق، أي أن يحللها بدقة، ليفيدنا بقدر توفيقه في الوصف والتحليل. ولكننا نواجه القضية من زاوية أخرى، يضطرنا لذلك واقعنا الخاص، أي يجب علينا أن نواجه هذا الواقع لا بأسلوب من يصف شيئاً موجوداً، بل بأسلوب من ينشئ شيئاً مفقوداً، أو يحاول إنشاءه طبقاً لأسباب ما زالت فاقدة التأثير في مجتمعنا.

стр. 57

إن الاقتصاد- مهما كانت توعيته المذهبية- هو تجسيم لحضارة، على شرط أن نحددها بصفتها مجموعة الشروط المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات الاجتماعية لكل فرد يعيش فيه. فهذا التحديد الوظيفي يجعلنا نرى في الحضارة جانبين: الجانب الذي يتضمن شروطها المعنوية، في صورة إرادة تحرك المجتمع نحو تحديد مهماته الاجتماعية والاضطلاع بها، والجانب الذي يتضمن شروطها المادية، في صورة إمكان، أي أنه يضع تحت تصرف المجتمع الوسائل الضرورية للقيام بمهماته، أي بالوظيفة الحضارية. فالحضارة هي هذه الإرادة وهذا الإمكان. وبهذا نستطيع الآن التعبير عن الاقتصاد على أنه الصورة المحَسّة، لهذه الإرادة ولهذا الإمكان، في ميدان خاص هو ميدان الاقتصاد. كما نستطيع أيضاً تقديم متوسط الدخل الفردي السنوي، الذي أعطانا مدخلاً لهذا البحث، على أنه مجرد تعبير عن الإمكان الحضاري، أو على الضمانات الاجتماعية بطريقة الأرقام. وهنا يجدر بنا الوقوف عند العلاقة النسبية بين الإرادة الحضارية والإمكان الحضاري في الظروف الموضوعية، أي في الظروف الواقعية التي تواجه مجتمعاً منذ نقطة الانطلاق، أو في الحالات الشاذة التي تشبه نقطة انطلاق. فلدينا تجربتان، الواحدة في تاريخ الأمة الإسلامية العربية، والأخرى في تاريخ أمة معاصرة هي ألمانيا. فالأمة العربية في زمان الرسول ﷺ انطلقت من نقطة الصفر من حيث الإمكان، لم يكن لديها شيء للاضطلاع بمهماتها الجسيمة، في المجال الاجتماعي والسياسي والعسكري، على حد سواء.

стр. 58

ولكننا نراها، ولا أحد ينكر هذا، تقوم بهذه المهمات دون إهمال ولا إرجاء حتى يكتمل إمكانها، نراها منذ اللحظة الأولى، وبالإمكان البسيط الذي بيدها في تلك اللحظة، وكأنها قادرة على كل شيء، وإذا بها تنفذ فعلاً كل خططها في كل المجالات، كأنما معامل ضرب Coefficient تدخّل في فعالية وسائلها البسيطة، فجعلها كافية لإنجاز المهمات من ناحية وجعلها تكتمل في آن واحد من ناحية أخرى. يجدر بنا إذن، أن نقف عند هذا المعامل المضاعف، بوصفه شيئاً أساسياً في سر عمليات الإنجاز، فلا تتوقف هذه العمليات على شروط مادية مفرطة، كأنما تخلص إنجازها من شرط الإمكان. نرى هذه الظاهرة أيضاً في عالمنا الحديث، فنرى دولة محطمة مثل ألمانيا تعيد بناءها من نقطة الصفر، أي بلا إمكان يعد بالنسبة إلى ما أنجز فعلاً. وهنا أيضا نرى تدخل معامل مضاعف للإمكان، جعله منذ اللحظة الأولى في مستوى المهمات المنجزة. فهذا المعامل المضاعف هو الإرادة الحضارية بالذات، حتى إنه لو فقد في نشاط مجتمع، نراه وكأنما تجمدت وسائله مهما كان كلّها، وكأنما تعطل إمكانه مهما كان حجمه المادي. فالعلاقة النسبية بين الإمكان الحضاري والإرادة الحضارية علاقة سببية، تضع (الإرادة) في رتبة السبب بالنسبة للإمكان. ولو عدنا إلى عالم الاقتصاد بهذه الاعتبارات، فإننا لا نراه عالم الكميات وعالم الأرقام إلا في الرتبة الثانية، أي بعدما تبعث فيه الإرادة الحضارية الحركة والحياة. وإنما تتدخل الكميات والأرقام عندما تنطلق عمليات الإنجاز، ويتطلب إنجازها إشرافاً وتنظيما ورقابة، أي بقدر ما يكتمل الإمكان.

стр. 59

ولكن هذا الإشراف والتنظيم والرقابة، مع اعتبارها شروطاً ضرورية بقدر ما يتضخم الإمكان، لا تحقق على أية حال النجاح المضمون للاقتصاد إن افتقد إلى عامل نفسي أو روحي ينهض به على أنه التجسيم لإرادة حضارية. ومن هنا تبدو لنا أهمية كتاب (جون نيف) في خاتمته، حيث يقول: " إن اقتصاد الوفرة الذي يقاس بالكميات، والذي بدأ يسود خلال القرن التاسع عشر، في أجزاء من أوربا؛ الامبراطورية البريطانية وأمريكا، لم يكن، كما يعتقد علماء العصر الحديث عامة، السببَ الأساسي للتقدم الروحي والأدبي الذي حصل في الأزمنة الحديثة، إذ يبدو أن التقدم الروحي والأدبي الذي بدأ أثناء احتدام الحروب الدينية كان عاملاً رئيسياً في نشوء اقتصاد الوفرة هذا، إذ كان يتعذر حصول مثل هذا التقدم لولا المساعدة الإلهية التي منحت للروح، لكن كان لا بد لإرادة الإنسان، هذه الإرادة الحرة، من أن تطلب هذه المساعدة، وأن تجندها طوعا لمواجهة المسائل في تلك الميادين من التجربة الدنيوية- أي ميادين الدين والفن والأخلاق- التي أثبتت الأساليب العلمية الجديدة عجزها فيها. وسعى أجدادنا إبان الثورة العلمية التي بدأت عند ملتقى القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى الوصول بالإنسان كله إلى الكمال، لا إلى مجرد تحسين معرفته عن العالمين المادي والحياتي، ولو أن هؤلاء الأجداد ركزوا جهودهم بلا استثناء على تلك الجوانب من الطبيعة البشرية التي تقع في مجال التفكير العلمي والاقتصادي الجديد، لوجدت الأجيال التي ولدت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أمر تأسيس اقتصاد الوفرة ( ... ) أصعب حتى مما كان قد حدث بالفعل ... ". إنني تعمدت اقتطاف هذا المقطع من خاتمة كتاب (جون نيف)، لأنه يدل بأوضح ما يمكن التعبير به على الجذور البعيدة لا يسميه اقتصاد الوفرة، دون أن نبيح لأنفسنا سوى تعديل بسيط في المصطلحات لمراعاة وحدة البحث.

стр. 60

فما يسميه (إرادة الإنسان) ينبغي ضبطه بالتاريخ، أي بالقرن السادس عشر والسابع عشر، أي هي (إرادة الحضارة) الجديدة في منطلقها. وما يسميه (اقتصاد الوفرة) ما هو سوى (الاقتصاد) الذي يستند على (إمكان) يكتمل بفضل الوسائل الجديدة التي تهيأت لاكتشافها السبل، منذ العصور السابقة عن الحضارة الأوربية. ومهما يكن فإننا نرى كيف يرتبط عالم الاقتصاد بالقيم الحضارية ارتباطاً لا يمكن معه أن نتصور نجاح خطة اقتصادية، تقتنع بأرقام وإحصائيات وأدوات مادية، إن لم يكن إنجازها آخذاً في الاعتبار قيمة الإنسان ذاته في رتبة القيمة الاقتصادية الأولى، على شرط أن تكون إرادته شرارة مقتبسة من (إرادة حضارية). ***

стр. 61

الجزءُ الثّالِثُ شروط الانطلاق دور المال في اختزان العمل الاستثمار المالي والاستثمار الاجتماعي تحقيق الديناميكا الاقصادية على أساس مبدئي الأساس الأخلاقي لعمليتي الإنتاج والتوزيع المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية للفرد في التجارب الحديثة ضرورة الاكتفاء الذاتي والتطور من الاقصاد الوطني إلى اقتصاد جهوي لتحقيق الاكتفاء

стр. 62

دور المال في اختزان العمل إننا منذ الخطوة الأولى نقرن، في أذهاننا أو في مشروعاتنا، قضية العمل بقضية المال، فقد أصبح العمل مقيداً بشروط مالية لا ينطلق بدونها حتى في البلاد الشيوعية الكلاسيكية، حيث لم تتغير هذه الشروط إلا في ملكية المال لا في دوره أساساً. تحولت فعلاً ملكية المال في هذه البلاد الشيوعية من الأيدي الخاصة أو المصرف إلى يد واحدة يد الدولة، ومن المصرف إلى الخزينة. ويكفي الزائر لموسكو، على سبيل المثال، أن يرى تلك الدكاكين الخاصة، فيستطيع شراء ما يريد بأثمان محددة ولكن بالعملة الصعبة، ولا يستطيع المواطن ذلك بالعملة المحلية. إننا لا نرى أن العمل تخلص، على هذه الصورة من القيود المالية، ولا تخلصت منها الأذهان أيضاً. فلا يزال المال مهيهناً على تسخير العمل، مع بعض التخفيف في درجة القيود عندما ننتقل من البلاد الرأسمالية الصريحة، إلى بلد شيوعي كلاسيكي، حيث يصبح المال وكأنه يخفي دوره أو لا يخفيه كما هي الحال في يوغوسلافيا ورومانيا. ربما كان ينتظر من هذه البلاد أن تقوم هي بتصفية أخطر مسلمة، في الاقتصاد تصفية كاملة، فقد تخلص العمل من كل الشروط الثانوية. ولكن هذه التصفية لم تقع إلى الآن، لا في المجال الثقافي ولا في المجال الاقتصادي البحت.

стр. 63

فقضية المال بالنسبة للعمل لا زالت قائمة حتى في البلاد الشيوعية، لأن المال له روابط وعلاقات قرابة عالية، كأخطبوط مدّ أذرعه على الكرة الأرضية، فلا يكفي أن تقطع له ذراعاً قبل أن تقطع رأسه. وهذه القضية نشأت منذ نشأ في العالم، أي منذ زمن بعيد جداً، اقتصاد التبادل بمقتضى التطورات التي حدثت في غرّة العهد التاريخي وقضت على الاقتصاد المنزلي، فقد كان الناس يكونون وحدات إنتاجية صغيرة autarcies domestiques مستقلة مكتفية في كل بيت، لأن الاستهلاك لم يكن يشمل إلا الحاجات الضرورية لكل أسرة من قوت وملبس. وعندما تنوعت الحاجات وتكاثرت بمقدار التطور وتكاثف السكان في أماكن معينة من قرى ومدن، أصبح من الضروري توزيع العمل على أيد مختصة تعمل خارج البيوت، في ورشات مجهزة تجهيزاً خاصاً لإنتاجها. هكذا ظهر اقتصاد التبادل الذي أصبح يضمّ عمليتي الإنتاج والتوزيع على نطاق أوسع من البيت، ثم أوسع من القرية، ثم أوسع من المدينة والوطن. وبقدر ما اتسعت رقعة التبادل هكذا، أصبح التفكير في إيجاد عامل تيسير للتبادل أمراً طبيعياً. وهكذا تقرر اختيار الذهب والفضة (العملة الصعبة في ذلك الوقت) ليقوما بدور تيسير المعاملات، وفي الحقيقة نشأ (المال) ليقوم بدورين: فالدور الأول لم يتفرع عن عملية التوزيع، بل عن عملية الإنتاج؛ فالمنتج الذي كان يكتفي بجزء من عمله لسد حاجاته اليومية، وهو يعمل كل يومه، كان من الضروري بالنسبة له أن يفكر في وسيلة اختزان (توفير كما نقول اليوم) للجزء الباقي من عمله، حتى يستطيع رده على حاجات أخرى، أو على أيامه الأخرى إن كان توقف عمله بسبب مرض مثلاً.

стр. 64

فـ (المال) مهما كان نوعه ذهباً أو فضة، كان الوسيلة لاختزان العمل حتى يعود لصاحبه في حاجات أخرى أو في أيام صعبة، تماماً كما تخزن الكهرباء فيما يسمى (المدخرات). وهو بذلك يمثل فائض العمل عن حاجات البيت، أو عن مقتضيات إنتاج الورشات ( Artisans)، الفائض الذي يخزن بطبيعة الحال في خزان يرده لصاحبه أو أصحابه إذا اقتضى الحال؛ فكان الذهب يتعين عليه أن يقوم بهذا الدور. ولكن التطورات في المجال الاقتصادي لم تقف عند هذا الحد، بل تبين في ظروف معينة مثل الحروب، أن هذا الفائض للعمل المختزن في الذهب، قد يتعرض للضياع. فنشأت فكرة تجميع هذه الكميات من الذهب، في خزانات أو خزائن من نوع جديد هي المصرف، تتخذ لها الاحتياطات الضرورية للحفاظ على الودائع التي توضع تحت ضمانها، من بينها توزيع هذه الودائع بين الأيدي المختلفة لتستعملها في جو من الإنتاج، في المكان نفسه أو في أماكن غيره. وبقدر ما تراكمت وتجمعت الأموال، في منشآت المصرف، تحول أولاً طابعها الاجتماعي، وأصبحت تمثل شيئًا جديداً هو (الرأسمال)، ثم تحولت طبيعة الصلة بين المال والعمل، فبعد أن كان مجرد خزان للعمل أصبح سجّاناً له، السجان الذي لا يعترف لسجينه بحق سوى العمل في مصلحته. واليوم بعد أن تنوسي دور المال بوصفه مجرد خزينة يودع فيها فائض العمل، لتعيده لصاحبه عند الحاجة، أصبحت أذهاننا لا تستطيع أن تفكر في مشروع اقتصادي، دون أن تقعّده على شروط مالية، كأن العمل أصبح فعلاً سجيناً لا يتحرك إلا بإذن صاحب السجن أي الرأسمال. وربما لا يضير هذا الوضع البلاد المتقدمة، لأنها صاحبة الرأسمال العالمي، فلا

стр. 65

يضرها أن تضع خططها الاقتصادية طبقاً لشروط مالية، لا تخالف مصلحتها، ولا سياستها ولا مبادئها في شيء. كما لا يضيرها أيضاً أن تكون بلدان العالم الثالث تحذو حذوها في وضع خططها بالأسلوب نفسه، وهي تعلم أن هذه الخطط لا تنفذ إلا على شروط الرأسمال أي على شروط الدول الرأسمالية، ولن تخلو هذه الشروط من بعض الرواسب الاستعمارية، حتى في المشروعات التي تقدم تحت إشراف هيئة الأمم، مثل النقطة الرابعة التي قدمت بزعم النهوض بالبلاد المتخلفة اقتصادياً، ففشلت فشلاً ذريعاً، لأنها كانت تحتوي منذ البداية كل بذور الفشل. أما أن تختار البلاد المتخلفة نفسها أسلوب التنمية الرأسمالي، فهو أمر أغرب، لأنها تكون كما لو قررت مبدئياً أن تضع عملها من أجل النهوض الاقتصادي، تحت رحمة الآخرين، في سجن المؤسسات المالية العالمية. وإن بدأت بعض المجهودات، في المجال الفكري على الأقل، في البلاد المتقدمة من أجل تقديم (مشروع مرشال) جديد للبلاد المتخلفة (١)، فبعد ما نرحب بهاته الفكرة كخطوة تقدم في مجال التعاون الأولي، يجب أن نلاحظ أن نجاح مشروع كهذا ليس مشروطاً فقط بحجم المال الذي سيبذل من طرف الدول التي ستقدمه، بقدر ما سيكون مشروطاً بتحويله إلى وسيلة عمل بين الأيدي التي تحركها إرادة بقاء، كالتي حركت الشعب الألماني أيام أتاه مثل هذا المدد من أمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكن هذا المدد السبب الرئيسي في نهضة ألمانيا، وإنما كان أحد المنشطات لعملها الجبار، في تلك التجربة الرائدة المعبرة عن إرادة حضارة، استطاع

стр. 66

بفضلها الشعب الألماني استعادة مكانه الذي يفرض وجوده في عالم الاقتصاد، بصورة تجعل المراقبين ينعتون هذه التجربة بـ (معجزة). ويجدر بنا القول إن هذه التجربة ليست خاصة بـ (الدم الألماني) أي العرق كما كان يعتنقه (روزنبرج)، صاحب كتاب (الدم والذهب) في العهد الهتلري، بل هي معجزة تتكرر كلما تحرك النشاط البشري على أساس إرادة حضارية، كما تكررت فعلاً في أقصى البلاد الشرقية، تجربة اليابان الرائعة التي لم تعد هذه الدولة إلى مركزها الدولي قبل الحرب، بل أصبحت تحتل اليوم رتبة (الدولة الاقتصادية الثالثة) في العالم. فـ (المعجزة) إذن لا تتوقف على حقنة مالية لأن اليابان لم يتلق أي حقنة من نوع (مشروع مرشال)، ولا تتوقف أيضاً المعجزة على العرق، لأننا ما نعلم أن الشعب الياباني من عرق آري. فالقضية إذن، بالنسبة للعالم الإسلامي، ليست قضية إمكان مالي، ولكنها قضية تعبئة الطاقات الاجتماعية، أي الإنسان والتراب والوقت، في مشروع. تحركها إرادة حضارية لا تحجم أمام الصعوبات، ولا يأخذها الغرور في شبه تعالي على الوسائل البسيطة التي في حوزتنا منذ الآن، ولا ينتظر العمل بها حقنة من العملة الصعبة، ولا أي مشروع من نوع مرشال. إن الصين الحديثة، صاحبة المعجزة الكبرى في هذا القرن، خرجت من العدم فتحوّلت معالمها، كما حولت، من أجل بناء سدودها وطرقها، المليارات من الأمتار المكعبة من التراب، لا بالآلات الحافرة والناقلة، المفقودة في بلد ينشأ، ولكن بفضل سواعد أبنائها وعلى أكتافهم. تحدوهم الأسطورة المعبرة عن طاقة الإنسان عندما تحركه إرادة حضارية، فتذكروا أو ذكروا أن جدهم (يوكنج) حوّل الجبال.

стр. 67

وإذا دلت هذه الأسطورة على شيء، فإنما تدل على استقلال العمل، استقلالاً مبدئياً بالنسبة إلى المال، الذي كثيراً ما يتحول من مجرد (مدخرة) لتخزين العمل، يتمرد عليه ويصبح سجانه فلا تعود فائدته على صاحبه، بل على صاحب السجن. فإن كان هذا ما يعني ماركس بما يسميه (اغتراب العمل) ( Aliénation du Travail) فنحن نشاطره رأيه، بقدر ما يتفق مع التحليل الذي قدمناه عن الأزمة التي اغترب فيها الإنتاج عندما نشأ اقتصاد التبادل. ***

стр. 68

الاستثمار المالي والاستثمار الاجتماعي لو دمرت مدينة كبرى مثل نيويورك، على أثر زلزال شديد، فإننا سوف نرى بكل تأكيد إعادة بنائها. ولو سألنا أحد: هل الولايات المتحدة تستطيع ذلك؟ فلا نتردد في الجواب بنعم، دون أن نقدر في ذلك على أي أساس قررنا جوابنا، بينما لو تأملنا في السؤال المطروح حسب المقتضيات الاقتصادية التي يفرضها مشروع ضخم كإعادة بناء مدينة نيويورك لترددنا قليلاً وما تسرعنا في جواب يحتمل صورتين: ١) هل تستطيع الولايات المتحدة القيام بالمشروع الذي نعنيه بمجرد طاقتها المالية؟ ٢) أم تستطيع ذلك بفضل وسيلة أخرى؟ يجب للتوضيح أن نصوغ الاحتمال الأول صياغة أخرى تفيدنا أكثر من الناحية العملية. فنقول: - هل تستطيع أميركا شراء مدينة مثل نيويورك بكل محتوياتها الإسكانية، والصناعية والفنية لتعوض بها ماحطمه الزلزال؟ فالسؤال في هذه الصورة، يفرض علينا بعض التريث حتى لا نتورط في جواب لا يقره الواقع. إن واقع الولايات المتحدة بالنسبة للقضية المطروحة، هو أن رصيدها

стр. 69

لا يتعدى منذ سنة ١٩٦٩، عشرة مليارات دولار من الذهب، أي إن طاقتها المالية المقدرة بما لديها من ذهب، لا تفي بمبالغ المشروع ولا تغطيها، لأن تثمين مدينة نيويورك، مع محتوياتها الاجتماعية، سوف يكون فوق هذا الإمكان المالي مقدراً بالذهب. ومن هنا يتبدى لأذهاننا أمران: ١) إن أميركا لا تستطيع بإمكانها المالي أن (تشتري) مدينة نيويورك. ٢) بينما تستطيع بإمكانها الاجتماعي بناء أو إعادة بناء مئات مدن مثل نيويورك. إننا نقرر الأمر الأول على أساس الأرقام التي قدمناها بخصوص الرصيد الذهبي الأمريكي، أما الأمر الثاني فإننا نقرره على أساس تجارب متنوعة، وبوجه خاص تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. إن الشعب الألماني وجد نفسه بعد عام ١٩٤٥، في وضع يجعله يعود إلى الحياة من دون أي سلطان مالي، أو لا يعود إن كان المال هو الوسيلة الوحيدة لإعادة بناء وطن كثيف الصناعة، قد دمرته الحرب تدميراً شاملاً. وإذا بنا نراه قد عاد، وأعاد بناء كل مدنه المدمرة وصناعاته الضخمة وكل نشاطه الاقتصادي، وذلك بما تبقى لديه من وسائل بسيطة تمثل الإمكان الاجتماعي في الظروف العصيبة، أو ظروف الشر على حد سواء. وعليه وعلى أساس تجربة واقعية، تجربة ألمانيا، أو على أساس تقديم الرصيد المالي الأمريكي بالنسبة إلى إمكان إعادة بناء مدينة نيويورك، فرضاً، نرى - بالأرقام أو بما رأينا في ألمانيا- أن الإمكان الاجتماعي هو الذي يقرر مصير الشعوب والمجتمعات والدول.

стр. 70

ومن هنا تبتدئ ملاحظاتنا على موقف البلدان، في العالم الثالث على العموم، وفي العالم الإسلامي خاصة، تجاه هذه القضية. إننا رأينا بعض المشروعات تقوم، بعد الحرب العالمية الثانية، في عدد من هذه البلدان، من أجل النهوض بها اقتصادياً؛ ورأينا على الرغم من فقر هذه البلدان من الناحية المالية، أن المشروعات قامت فيها، في الحقيقة، على أساس الاستثمار المالي، حتى في البلاد التي تبنت المبدأ الاشتراكي. والمناقضة التي تلفت نظرنا في هذه القضية ليست من الناحية النظرية، بوصفها تعارضاً بين تقرير مبدأ مذهبي كالاشتراكية مثلاً، وبين اختيار وسيلة تطبيق تخالف هذا المبدأ، وإن كانت هذه المناقضة أيضاً تلفت النظر، وإنما تهمنا قبل كل شيء المناقضة العملية- البراجماتية- عندما نرى بلاداً فقيرة ترسم خطة نهضتها الاقتصادية على أساس المال، وهي تفقده فلا يمكنها إلا السير البطيء في إنجاز مشروعاتها، أو الاستسلام إلى إرادة الرأسمال كي يقدم لها القروض المناسبة على شروطه، لتسلم المبادرة في تحديد طبيعة الخطة إلى إرادة خبراء أجانب، غير مرتبطين بمصير البلاد التي يخططون لها، مثل أولئك الذين أنيطت بهم (النقطة الرابعة) بعد الحرب العالمية الثانية فطبقوها في العالم الثالث بطريقة لم تحقق أي نتيجة في المجال الاقتصادي، لأنها لم تحرك الإمكانيات الطبيعية في البلاد، وليس هذا فحسب، بل جمدت حتى الإمكان المالي المتخصص لمشروعاتها، لأنها صرفته في جوانب إدارية لا تسمن ولا تغني من جوع، عندما ينطلق النشاط الاقتصادي من نقطة الصفر. لذلك لم تكن بالتالي لهذه المشروعات نتيجة تعد، سواء بالنسبة إلى بداية نشاط اقتصادي يرفع بالتدريج كابوس التخلف عن هذه البلاد، أو بالنسبة إلى تكوين خبرة ما، تكون في صورة وعي اقتصادي ينمّي حتى في التجارب

стр. 71

الفاشلة، رصيداً نفسياً تنطلق منه تجارب أخرى يتأكد فيها أكثر فأكثر، النجاح. إن الصين تقدمت اقتصادياً بسرعة مرموقة، لأنها طبقت منذ اللحظة الأولى في خطط تنميتها، مبدأ الاتكال على الذات، أي بالتعبير الاقتصادي مبدأ الاستثمار الاجتماعي من الإنسان الصيني، والتراب الصيني، والزمن المتوفر في كل أرض. كما طبقت من ناحية أخرى مبدأ الاستفادة حتى من التجارب الفاشلة، مثل تجربة التعدين ( Métallurgie) الريفي، في نطاق ما أسموه (الوثبة إلى الأمام)، فقد استفادت الصين من هذه الخطوة الخاطئة على الأقل مزيداً من المعلومات الفنية في تكنولوجية الحديد، كما استفادت من الناحية النفسية، ما كوّن بين أهالي الريف وأهالي المدن المصنعة، شبه قاسم مشترك في مجال التصنيع، فارتبطت المزرعة والمصنع في نشاط ينهض بالريف والمدينة على حد سواء. وإنما كانت المزرعة الصينية، ولا تزال فيما أعتقد في المرحلة الحالية، رائدة النهضة الاقتصادية في البلاد، فقد استطاعت بفضلها الصين أن تستثمر ١٦% من المحصول الوطني السنوي ( PNB) في التصنيع، ولا ندرك تماماً ما يعبر عن هذا الرقم إلا إذا قرنّاه بما استثمرت الهند، مثلاً، في الفترة نفسها أي ٢٠%. ولن نستفيد، كل الاستفادة، من هذه الموازنة إلا إذا أخذنا في الاعتبار نوعية الاستثمار الذي يتصل به الرقمان كلاهما: فالصين خططت طريقة تنميتها على أساس الاستثمار الاجتماعي، بينما الهند خططت على الأساس المالي. فالصين وضعت كل تبعيات التنمية على كاهل الشعب، فعوضت بطاقاته الحيوية الموجودة بقدر الإمكان، الطاقات الميكانيكية المفقودة، حتى في المشروعات الكبيرة الحجم، أي أنها عوضت، بقدر الإمكان، الإمكان المالي

стр. 72

بالإمكان الاجتماعي تعويضاً جعلها رائدة العالم الثالث بلا جدال، وجعلها عامة، تحصل على خبرة فريدة في العالم في مجال توظيف الإنسان والتراب والزمان. والعبرة في هذا ليست فحسب من الجانب الاقتصادي، بل ومن الجانب التربوي، لأن الإنسان الذي يمارس هذا العمل المشترك يدرك من خلال ما يتحقق على يده في المزرعة أو في المصنع أو في ورشات التشييد، أنه يستطيع فعلاً تحويل الجبال مثل جدّه الاسطوري (يوكنج Yukong) ليذوب في مفهومه المستحيل، وتزول من نفسه العقد التي تعطل النشاط منذ المنطلق، ومن فكره المسلمات الوهمية التي تضع على عمله نوعاً من الرصد، يجعله عملاً مشروطاً، أي مقيداً بشروط غير طبيعية. فالعالم الإسلامي ليس بيده أن يغير أوضاعه الاقتصادية إلا بقدر ما يطبق خطة تنمية تفتق أبعاده النفسية، وتخلصه من تركة عصر ما بعد الموحدين، من خرافاتها وعقدها ومسلماتها الوهمية. يجب أن تتضمن النهضة الاقتصادية هذا الجانب التربوي الذي يجعل من الإنسان القيمة الاقتصادية الأولى، بوصفه وسيلة تتحقق بها خطة التنمية، ونقطة تلاقٍ تلتقي عندها كل الخطوط الرئيسية في البرامج المعروضة للإنجاز. وتجدر هنا الملاحظة بأن برامج الاستثمار في البلاد الإسلامية، لا زالت بعيدة على وضع الإنسان في هذه الرتبة، بوصفه وسيلة تتغير هي ذاتها في فعاليتها بقدر ما تحدث، من تغيرات في نطاق النمو الاقتصادي. ويكفينا لتأييد هذه الملاحظة، أن نلفت النظر إلى المشروعات التي تنشأ فكرتها تحت شعار الاشتراكية أحياناً، بينما نراها تدخل حيز الإنجاز على أساس الاستثمار المالي، كأنما أفكارنا لا تستطيع بعدُ التفاعلَ مع الواقع.

стр. 73

وربما يفسَّر هذا، على نحو التفسير الذي قدمناه في كتاب سابق (١) لحالات شبيهة، أي أن عمرنا النفسي لا يزال يضع فاصلاً بين عالم أفكارنا وبين واقعنا الاجتماعي، فتفقد حتى أفكارنا المقررة في السياسة وظيفتها في التطبيق والعمل. وإن كان هذا التفسير صحيحاً نُضف: إن الأمر طبيعي. لأن مجتمعات أخرى- مثل الهند- تعاني العرض المرضي نفسه (٢). ولكننا لا نجد في ذلك عذراً للبقاء على ما نحن عليه، وإنما نريد فقط ألا يوضع المسلم تحت كابوس، عندما نكشف على بعض جوانبنا المرضية. بل يجب علينا، خصوصاً في هذا المجال الاقتصادي، أن تكون أفكارنا متصلة بواقعنا: فلا نقول بأفواهنا إن اثنين واثنين أربعة، ثم في التطبيق نتصرف كأنما تساوي ثلاثة. لا يكفي كذلك أن نشيد في عالم الاقتصاد بأفكار معينة- مثل الاستثمار الاجتماعي- إذا كانت مشروعاتنا تطبق ما يخالفها، مثل استسلامها إلى سلطان المال. ...

стр. 74

تحقيق الدِّيناميكا الاقتصادية على أساس مبدئي منذ عهد تقسيم العمل أي منذ بداية اقتصاد التبادل، تركزت المجهودات المبذولة في تنشيط وتدعيم حركة مسكرة تقوم على توازن معين بين عليتي الإنتاج والاستهلاك، تتوسطهما حلقة وصل مملية ثالثة هي التوزيع. وإذا تأملنا شيئاً ما عبر حلقة اقتصادية كاملة ( Circuit) نراه يتسم بوجه خاص بالطابع الذي تضفيه عليه عملية التوزيع، فهي التي تطبع الحياة الاقتصادية، وتميز أسلوبها الخاص لأنها تحدد هدف الإنتاج من ناحية، ورقعة الاستهلاك من ناحية أخرى، لتنشأ بواسطتها حركة التفاعل بين المنتجين والمستهلكين. فهذا التفاعل هو ما يسمى الديناميكا الاقتصادية. إننا عندما نحدد طبيعة الحاجة التي يلبيها الإنتاج نحدد طبيعة التوزيع وحجم شبكته. والحاجة من الوجهة الاقتصادية نوعان: الحاجة التي يغطيها مال ( Solvable)، والحاجة التي تغطيها إرادة حضارية، مثل الإرادة التي فرضت الزكاة للفقير وللمسكين وابن السبيل الذين ليس لهم مال يغطون به حاجاتهم اليومية. ويتقرر على أساس كيفية تلبية الحاجة كل أسلوب الاقتصاد، إما طبقاً لطبيعة المال الذي يقتضي نظماً خاصة بتوزيع محدود يحده الإمكان المالي، أو طبقاً لإرادة حضارية تفرض شبكة توزيع شاملة تشكل السكان كلهم منذ اللحظة الأولى.

стр. 75

فإذا تقرر هذا النوع الأخير لتلبية الحاجة، دون إخضاعها لشرط الإمكان المالي، نستطيع مبدئياً رسم شروط الديناميكا الاقتصادية في صورة مسلمتين: ١ - لقمة العيش حق لكل فم. ٢ - العمل واجب على كل ساعد. فالمسلمة الأولى يفرضها الاختيار لمبدأ معين يلتزمه المجتمع ويسجله في دستوره بوصفه أساساً لعقده الاجتماعي (١). أما المسلمة الثانية فليست اختياراً بل هي ضرورة تفرضها المسلمة الأولى شرطاً لاستمرار التفاعل بين الإنتاج والاستهلاك، تفاعلاً جدلياً نستطيع صياغته في صورة منطقية إذا قلنا: إنه لا إنتاج من دون استهلاك ولا استهلاك من دون إنتاج. ولكن هذه الصورة النظرية لترابط طرفي الديناميكا الاقتصادية لا تعني أن صورة التطبيق ستكون بسيطة. إنه ليس يسيراً من الناحية الفنية أن نوفق بين الإنتاج والاستهلاك، على أساس المسلمتين إذا لم نستوعب الشروط النفسية والتقنية الضرورية كافة، لتحقيق عملية الانطلاق أو الإقلاع الاقتصادي ( Décollage) ، في البلاد التي تعاني منذ أمد هذا الكساد للطاقات الاجتماعية الذي يطلق عليه اليوم اسم (التخلف). يجب أولاً على من يخطط لإطلاق هذه الطاقات الكاسدة، أن يكون مقتنعاً بضرورة إطلاقها وبإمكانه دون شروط إضافية، خارجة عن المسلمتين.
следующие страницы →