الفاشلة، رصيداً نفسياً تنطلق منه تجارب أخرى يتأكد فيها أكثر فأكثر، النجاح.
إن الصين تقدمت اقتصادياً بسرعة مرموقة، لأنها طبقت منذ اللحظة الأولى في خطط تنميتها، مبدأ الاتكال على الذات، أي بالتعبير الاقتصادي مبدأ الاستثمار الاجتماعي من الإنسان الصيني، والتراب الصيني، والزمن المتوفر في كل أرض.
كما طبقت من ناحية أخرى مبدأ الاستفادة حتى من التجارب الفاشلة، مثل تجربة التعدين ( Métallurgie) الريفي، في نطاق ما أسموه (الوثبة إلى الأمام)، فقد استفادت الصين من هذه الخطوة الخاطئة على الأقل مزيداً من المعلومات الفنية في تكنولوجية الحديد، كما استفادت من الناحية النفسية، ما كوّن بين أهالي الريف وأهالي المدن المصنعة، شبه قاسم مشترك في مجال التصنيع، فارتبطت المزرعة والمصنع في نشاط ينهض بالريف والمدينة على حد سواء.
وإنما كانت المزرعة الصينية، ولا تزال فيما أعتقد في المرحلة الحالية، رائدة النهضة الاقتصادية في البلاد، فقد استطاعت بفضلها الصين أن تستثمر ١٦% من المحصول الوطني السنوي ( PNB) في التصنيع، ولا ندرك تماماً ما يعبر عن هذا الرقم إلا إذا قرنّاه بما استثمرت الهند، مثلاً، في الفترة نفسها أي ٢٠%.
ولن نستفيد، كل الاستفادة، من هذه الموازنة إلا إذا أخذنا في الاعتبار نوعية الاستثمار الذي يتصل به الرقمان كلاهما: فالصين خططت طريقة تنميتها على أساس الاستثمار الاجتماعي، بينما الهند خططت على الأساس المالي.
فالصين وضعت كل تبعيات التنمية على كاهل الشعب، فعوضت بطاقاته الحيوية الموجودة بقدر الإمكان، الطاقات الميكانيكية المفقودة، حتى في المشروعات الكبيرة الحجم، أي أنها عوضت، بقدر الإمكان، الإمكان المالي
стр. 72
بالإمكان الاجتماعي تعويضاً جعلها رائدة العالم الثالث بلا جدال، وجعلها عامة، تحصل على خبرة فريدة في العالم في مجال توظيف الإنسان والتراب والزمان.
والعبرة في هذا ليست فحسب من الجانب الاقتصادي، بل ومن الجانب التربوي، لأن الإنسان الذي يمارس هذا العمل المشترك يدرك من خلال ما يتحقق على يده في المزرعة أو في المصنع أو في ورشات التشييد، أنه يستطيع فعلاً تحويل الجبال مثل جدّه الاسطوري (يوكنج Yukong) ليذوب في مفهومه المستحيل، وتزول من نفسه العقد التي تعطل النشاط منذ المنطلق، ومن فكره المسلمات الوهمية التي تضع على عمله نوعاً من الرصد، يجعله عملاً مشروطاً، أي مقيداً بشروط غير طبيعية.
فالعالم الإسلامي ليس بيده أن يغير أوضاعه الاقتصادية إلا بقدر ما يطبق خطة تنمية تفتق أبعاده النفسية، وتخلصه من تركة عصر ما بعد الموحدين، من خرافاتها وعقدها ومسلماتها الوهمية.
يجب أن تتضمن النهضة الاقتصادية هذا الجانب التربوي الذي يجعل من الإنسان القيمة الاقتصادية الأولى، بوصفه وسيلة تتحقق بها خطة التنمية، ونقطة تلاقٍ تلتقي عندها كل الخطوط الرئيسية في البرامج المعروضة للإنجاز.
وتجدر هنا الملاحظة بأن برامج الاستثمار في البلاد الإسلامية، لا زالت بعيدة على وضع الإنسان في هذه الرتبة، بوصفه وسيلة تتغير هي ذاتها في فعاليتها بقدر ما تحدث، من تغيرات في نطاق النمو الاقتصادي.
ويكفينا لتأييد هذه الملاحظة، أن نلفت النظر إلى المشروعات التي تنشأ فكرتها تحت شعار الاشتراكية أحياناً، بينما نراها تدخل حيز الإنجاز على أساس الاستثمار المالي، كأنما أفكارنا لا تستطيع بعدُ التفاعلَ مع الواقع.
стр. 73
وربما يفسَّر هذا، على نحو التفسير الذي قدمناه في كتاب سابق (١) لحالات شبيهة، أي أن عمرنا النفسي لا يزال يضع فاصلاً بين عالم أفكارنا وبين واقعنا الاجتماعي، فتفقد حتى أفكارنا المقررة في السياسة وظيفتها في التطبيق والعمل.
وإن كان هذا التفسير صحيحاً نُضف: إن الأمر طبيعي. لأن مجتمعات أخرى- مثل الهند- تعاني العرض المرضي نفسه (٢).
ولكننا لا نجد في ذلك عذراً للبقاء على ما نحن عليه، وإنما نريد فقط ألا يوضع المسلم تحت كابوس، عندما نكشف على بعض جوانبنا المرضية.
بل يجب علينا، خصوصاً في هذا المجال الاقتصادي، أن تكون أفكارنا متصلة بواقعنا: فلا نقول بأفواهنا إن اثنين واثنين أربعة، ثم في التطبيق نتصرف كأنما تساوي ثلاثة.
لا يكفي كذلك أن نشيد في عالم الاقتصاد بأفكار معينة- مثل الاستثمار الاجتماعي- إذا كانت مشروعاتنا تطبق ما يخالفها، مثل استسلامها إلى سلطان المال.
...
стр. 74
تحقيق الدِّيناميكا الاقتصادية على أساس مبدئي
منذ عهد تقسيم العمل أي منذ بداية اقتصاد التبادل، تركزت المجهودات المبذولة في تنشيط وتدعيم حركة مسكرة تقوم على توازن معين بين عليتي الإنتاج والاستهلاك، تتوسطهما حلقة وصل مملية ثالثة هي التوزيع.
وإذا تأملنا شيئاً ما عبر حلقة اقتصادية كاملة ( Circuit) نراه يتسم بوجه خاص بالطابع الذي تضفيه عليه عملية التوزيع، فهي التي تطبع الحياة الاقتصادية، وتميز أسلوبها الخاص لأنها تحدد هدف الإنتاج من ناحية، ورقعة الاستهلاك من ناحية أخرى، لتنشأ بواسطتها حركة التفاعل بين المنتجين والمستهلكين.
فهذا التفاعل هو ما يسمى الديناميكا الاقتصادية.
إننا عندما نحدد طبيعة الحاجة التي يلبيها الإنتاج نحدد طبيعة التوزيع وحجم شبكته. والحاجة من الوجهة الاقتصادية نوعان: الحاجة التي يغطيها مال ( Solvable)، والحاجة التي تغطيها إرادة حضارية، مثل الإرادة التي فرضت الزكاة للفقير وللمسكين وابن السبيل الذين ليس لهم مال يغطون به حاجاتهم اليومية.
ويتقرر على أساس كيفية تلبية الحاجة كل أسلوب الاقتصاد، إما طبقاً لطبيعة المال الذي يقتضي نظماً خاصة بتوزيع محدود يحده الإمكان المالي، أو طبقاً لإرادة حضارية تفرض شبكة توزيع شاملة تشكل السكان كلهم منذ اللحظة الأولى.
стр. 75
فإذا تقرر هذا النوع الأخير لتلبية الحاجة، دون إخضاعها لشرط الإمكان المالي، نستطيع مبدئياً رسم شروط الديناميكا الاقتصادية في صورة مسلمتين:
١ - لقمة العيش حق لكل فم.
٢ - العمل واجب على كل ساعد.
فالمسلمة الأولى يفرضها الاختيار لمبدأ معين يلتزمه المجتمع ويسجله في دستوره بوصفه أساساً لعقده الاجتماعي (١).
أما المسلمة الثانية فليست اختياراً بل هي ضرورة تفرضها المسلمة الأولى شرطاً لاستمرار التفاعل بين الإنتاج والاستهلاك، تفاعلاً جدلياً نستطيع صياغته في صورة منطقية إذا قلنا: إنه لا إنتاج من دون استهلاك ولا استهلاك من دون إنتاج.
ولكن هذه الصورة النظرية لترابط طرفي الديناميكا الاقتصادية لا تعني أن صورة التطبيق ستكون بسيطة.
إنه ليس يسيراً من الناحية الفنية أن نوفق بين الإنتاج والاستهلاك، على أساس المسلمتين إذا لم نستوعب الشروط النفسية والتقنية الضرورية كافة، لتحقيق عملية الانطلاق أو الإقلاع الاقتصادي ( Décollage) ، في البلاد التي تعاني منذ أمد هذا الكساد للطاقات الاجتماعية الذي يطلق عليه اليوم اسم (التخلف).
يجب أولاً على من يخطط لإطلاق هذه الطاقات الكاسدة، أن يكون مقتنعاً بضرورة إطلاقها وبإمكانه دون شروط إضافية، خارجة عن المسلمتين.
стр. 76
بينما تجدر الملاحظة بأن الاعتراض الأول ينشأ تجاه المسلّمة الأولى، في صورة استحالة تطبيقها في البلاد التي تعاني في ظاهر الأمر نقصاً في التغذية، فلا يتصور المنطق الاقتصادي المعتاد أن هذه البلاد تتكفل حق لقمة العيش لكل فم.
وقد حدث لي أن سجلت مثل هذا الاعتراض من قبل أصحاب أفكار متنورة كنت أتحدث إليهم في هذا الموضوع، عندما حللت بمصر سنة ١٩٥٦، فكان يعترض على وجهة نظري بأن البلاد فقيرة، لا تستطيع أن تتكفل بلقمة العيش لكل فم، بينما كانت من الواضح أنها كانت تتحمل عبء كل الأفواه من دون مقابل في عملية الإنتاج، أي أنها كانت في الواقع (تتكفل) دون أن تعود عليها فائدة، لأن كل فم يتناول حتماً لقمة العيش ولو بالطرق غير المشروعة.
فالقضية ليست في الحقيقة، قضية قصور في الإمكان، بل قصور في التصرف والسياسة والتخطيط.
فالاعتراض لا يزيد، هو الآخر على أن يكون نوعاً من الكساد في المجال الفكري، يجب رفعه لتحريك الطاقات المعطلة الأخرى.
ونقول مرة أخرى إن مجرد رفعه لا يعني في التطبيق أن أمر مخطط اقتصادي شامل على أساس المسلمتين أمر بسيط.
فالانتقال من اقتصاد سائب يسير كيفما اتفق له، أو يسير طبقاً لمخطط يترك على الهامش بعض الطاقات الاجتماعية، إلى اقتصاد يحقق تعبئة كل الطاقات، يقتضي عمليات تقنية ربما تتطلب أولاً تغيير خريطة الإسكان في البلاد، للتوفيق بين متطلبات التموين والعمل.
ولا يبدو هذا غريباً، فهذا ما يحدث عرضاً أو قصداً، في كل تخطيط شامل في مرحلة الطفرة أو فيما يسمى في الصين (الوثبة إلى الأمام).
فألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية غيرت إلى حد ما خريطة الإسكان داخل
стр. 77
حدودها، لتحقق الشروط الأولية لتطبيق مخطط الدكتور (شاخت)، الذي استهدف لأسباب استراتيجية وفنية، إشادة مراكز صناعية كبرى في مناطق جديدة لتيسير التموين بالمواد الخام مع اقتصاد ما يمكن من الوقت ووسائل النقل.
فاستتبع هذا التغيير لخريطة الصناعة، تغييراً لخريطة الإسكان ولخريطة التموين بالغذاء، ولخريطة المواصلات.
وهذا الأمر هو ما يتكرر اليوم في الصين منذ بداية (الوثبة إلى الأمام)، وإنني مع حرصي ككل مسلم على مراعاة شروط الفقه الإسلامي لا أرى مسوغاً لتدخل مذهي في قضية ذات طابع تقني بحت. وهي تحت هذا الطابع لا تناقض الشرع كما لا تناقض الماركسية إلا من الناحية المذهبية، عندما يحدد (ماركس) مرحلة التطبيق الذي نحلله في هذه السطور، غاية أخلاقية للتطور الاقتصادي الاشتراكي عندما يصير العمل والتوزيع قائمين على مبدأ: "من كلِّ بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته".
بينما لا تقرر هذا التوزيع (لقمة العيش لكل فم) لمجرد غاية أخلاقية بل بوصفها نقطة انطلاق فنية وأخلاقية معاً، يقرها ضمناً الإسلام في مبدأ الزكاة وتفرضها اعتبارات اقتصادية استثنائية، ترمي إلى خلق جو اجتماعي تنمو وتتحرك فيه كل الطاقات، في عمل مشترك من شأنه أن يغير الأوضاع النفسية في الفرد، وملامح الحياة حوله.
وبهذا يكون العمل المشترك أولاً وقبل كل شيء المدرسة التي تكوّن المسلم الجديد، الذي يستطيع مواجهة كل الظروف الاستثنائية، مثل التخلف؛ لأن مدرسة العمل المشترك تعلمه أن الإرادة إذا حركت الإنسان تجعله يكتشف الإمكان. فالوطن أو المجتمع المسلم الذي يتحول إلى ورشة، سرعان ما يكتشف أن الإمكان الذي ينتظره مما في يد الآخرين لتغيير مصيره هو في يده منذ الآن.
стр. 78
إن الإرادة تكتشف الإمكان.
هذا القانون في المجال الاقتصادي هو في المجال النفسي ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١٣/ ١١] وما نعبر عنه في المجال الاجتماعي بقولنا: إن الإرادة الحضارية تصنع الإمكان الحضاري.
فالعالم الإسلامي متى تكونت لديه إرادة واضحة للتخلص من التخلف، سيجد أولاً في المجال النظري أن اختياره ليس محدوداً بالرأسمالية ولا بالماركسية، وأنه بالتالي يستطيع التعويض للاستثمار المالي المفقود لديه بالاستثمار الاجتماعي، الموجود على أساس المسلمتين المعروضتين في هذا الفصل، سواء كان ذلك في نطاق مخطط مرحلي خاص بظروف ما أسميناه الإقلاع ( Décollage)، أم كان المخطط يعني أيضاً الاستمرار، إذا ما رأى المجتمع مصلحته في ذلك.
وإذا كان هذا أو ذاك فالمجتمع العصامي الذي يقلع بمجهوده الخاص، سيدرك أن القصور ( Inertie) الذي يفرضه التخلف في المجال الاقتصادي، إنما هو نتيجة لتصوره الأشياء لا لطبيعة الأشياء ذاتها، وسوف يرى طاقاته الذاتية قادرة على تغيير كل الظروف في جو يسوده الإخاء والطمانينة.
وإذا ما كان لنا درس نستخلصه من تجربة الصين، فإنما هو أن المعارك الاقتصادية عندما تدور رحاها، فهي تدور حول قطب القيم الأخلاقية، وإن وَسَّعْنا المصطلح قلنا: حول القيم الثقافية.
والمجتمع الإسلامي أجدر من يحقق له وللإنسانية التجربة، التي تعيد إلى عالم الاقتصاد أخلاقيته، ويتلافى بذلك الانحرافات الإباحية التي تورطت فيها الرأسمالية، كما ينجو من ورطة الماركسية المادية التي سلبت الإنسان ما يميزه عن الآلات والأشياء.
стр. 79
وأجدر من يقوم بهذه التجربة الرائدة للبلاد هي الجزائر وليبيا ومصر وسوريا، التي دخلت فعلاً المعركة الاقتصادية على نهج معين، تستطيع توسيع أفقه بخبرة جديدة وتطعيمه بروح إسلامي، يعيد المال إلى وظيفته بوصفه خادماً مطيعاً للمجتمع لا سيِّداً له، ويرفع عن الإنسان الأسر الذي قيدته به المادية الماركسية التي أقحمته في عالم الاقتصاد مجرد آلة للإنتاج.
***
стр. 80
الأساس الأخلاقي لعمليتي الإنتاج والتوزيع
إن الأساس المذهي الذي يقرره (آدم سميث) بوصفه قاعدة للديناميكا الاقتصادية، قد أطلق العنان لإرادة المال وفتح الباب لتصرفات الرأسمالية، على حساب المصلحة العامة في المجال السياسي والمصالح الخاصة بالمنتجين والمستهلكين. فكانت النتيجة ماسة أيضاً بالجو الثقافي العام، عندما أصبحت قاعدة (دعه يعمل دعه يسير) الأساس الذي يقوم عليه سلوك الأفراد باسم الحرية.
بل كانت النتيجة أم من ذلك إذا ما اعتبرنا التطورات الخطيرة والأحداث الكبيرة، التي غيرت وجه القرن العشرين على أنها مجرد انعكاسات، في المجال الثقافي والسياسي لما كان يدور في عالم الاقتصاد.
إن إباحية الرأسمالية كانت التمهيد العملي للمادية الجدلية، أي لحركة الإلحاد في العالم.
فرأس المال قام بالتالي بدور الحاجب الذي فتح الباب أمام الثورة الشيوعية مهما يبدو في هذا التقرير من مناقضة ظاهرة.
هل أراد رأس المال الانتحار أم أنه استسلم فقط لمنطق السهولة؟ إن الوجه الأول لا يعنينا في هذا الفصل، فحسبنا أن نقول: إن المجتمعات تموت غالباً منتحرة.
وإنما يعنينا الوجه الثاني وهو أن من طبيعة المادة القصور إلا في الحيوان، وإذا تحركت المادة فإنها تتبع أيسر السبل: فالماء لا يجري من أسفل إلى فوق إلا إذا سلطنا عليه ضغطاً.
стр. 81
والإنسان مجبول أيضاً على اتباع المنحدر إذا لم تكن وراءه قوة دافعة إلى أعلى. وربما وجدنا توضيحاً وتأكيداً لهذه الملاحظة البسيطة في الآية الكريمة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد ٩٠/ ١٠، ١١].
فالإنسان يفضل بطبيعته المنحدر على العقبة، إلا إذا حفزه أمر يجعله يقتحم العقبة، ولم يكن المسلم عندما دخل المعركة السياسية- يطالب بحقوقه في أواخر القرن الماضي- سوى الإنسان الذي يتبع طريق السهولة، الذي سيؤدي إلى تحقيق بعض الرغبات الرخيصة الثمن، حيناً في الركض وراء استقلال لا تؤيده مقومات، السيادة الحقيقية، لأنه لم يجهد نفسه في التفكير فيها، وحيناً في البحث عن وجود يتناقض مع شروط الاستقرار ومع مصالح عليا، مثلما حدث بباكستان، فقد تقرر وجود هذه الدولة على أسس خيالية وعلى نقيض مصلحة الإسلام.
وقد يسمى هذا الانحراف في المجال السياسي خطأ سياسياً، ولكننا إذا تابعنا البحث عن سببه الحقيقي، سنجده مستقراً في العالم الثقافي، وفي الأساس الأخلاقي بالضبط.
إن المقاييس السياسية، حتى إذا لم تتقرر بوضوح وبطريقة إرادية على أساس قيم أخلاقية، لا تخطئ أو تصيب إلا بسبب طبيعة روابط الواقع السياسي مع القيم الأخلاقية.
فالسياسة التي تنهض أساساً بالطالبة بالحقوق وتهمل جانب الواجبات، لا تعدو أن تكون قد اتجهت هذا الاتجاه على أساس اختيار ضمني أو صريح، بين مفهومين أخلاقيين: الواجب والحق.
وبمجرد اختيارها أو تفضيلها لأحد الطرفين تكون قد وضعت في أساس الحياة الاجتماعية كلها- بما فيها الاقتصاد والثقافة- علاقة جبرية بين الحق
стр. 82
والواجب، فلو اصطلحنا على المدلول العام للمفهومين أن (الواجب) هو ما نعطيه (مثلاً للمجتمع) وأن (الحق) هو ما نأخذه، وأنهما يمثلان على محور القيم الجبرية قيمتين مختلفتي العلاقة على طرفي الصفر، لو اصطلحنا على ذلك لجاءت صياغة العلاقة بينهما في صورة متراجحة هكذا:
واجب + حق <> صفر
ولا نتعدى حدود هذه العلاقة الجبرية الأخلاقية إذا نقلناها إلى مجال الاقتصاد، بعد اصطلاحنا أيضا على أن (الإنتاج) هو ما نعطيه للمجتمع وبأن الاستهلاك هو ما نأخذه، لتضم العلاقة الجبرية هاتين القيمتين الاقتصاديتين في صورة متراجحة ذات احتمالات ثلاثة كأي معادلة متراجحة:
إنتاج + استهلاك <> صفر
ويجدر بنا منذ الآن أن نلاحظ الترابط بين القيم الاقتصادية والأخلاقية، هذا الترابط الذي أهملته الرأسمالية في نظرتها الإباحية إلى الاقتصاد، بينما نرى الرسول ﷺ يعطينا في قضية المتسول الذي أتى يسأل يوماً (لقمة عيش) كان من (حقه) أن يأخذها من المجتمع، بنص من القرآن الكريم في الزكاة، وكان النبي ﷺ أدرى الناس بتطبيقه، كما كان ﷺ أجود من الرياح السخية في الربيع لتقديم هذه اللقمة لمسكين جاء يطلبها.
ولكن أعمال الني ﷺ تشريع أو عبرة لأمته، فأشار الرسول على من حوله من الصحابة رضوان الله عليهم بأن يجهزوا هذا الفقير ليحتطب، وأشار على الرجل بأن يحتطب ليأكل من عمل يده.
فإذا حللنا هذه الأبعاد الخلقية لهذه القصة، نرى كيف يحل الرسول ﷺ أزمة اجتماعية تعرض عليه صورة متسول من المساكين، فيفضل صلوات الله عليه
стр. 83
حلها في نطاق (الواجب) على (الحق)، أو إذا قدرنا الأبعاد الاقتصادية فإننا نراه ﷺ يفضل الحل في نطاق (الإنتاج).
وكل مواقف الرسول ﷺ الأخرى تدعم هذا الاتجاه، بل هذا التوجيه لأمته إن شئنا في مجال الأخلاق، أو في مجال الاقتصاد.
كما نراه ﷺ في موقف آخر يعطي لصحابي يطلب ممن كان حاضراً، ثم يتكرر الطلب فيتكرر العطاء، ثم يتكرر الطلب والعطاء للمرة الثالثة، ويأتي التوجيه في صورة بارزة فيقول ﷺ للطالب: " ... إن اليد العليا خير من اليد السفلى".
اليد التي تعطي خير من اليد التي تتقبل، هذا هو التوجيه، إن شئنا فسرناه خلقياً أو اقتصادياً سواء.
والآن إذا عدنا إلى العلاقة الجبرية بين الإنتاج والاستهلاك، وعددناها في ضوء ما قدمنا، علاقة أخلاقية اقتصادية نستطيع النظر في احتمالاتها فنراها تدل على حالات ثلاث، يحقق المجتمع إحداها حسب اتجاهه الثقافي.
فحسب تركيزه على مفهوم (الواجب) أو على مفهوم (الحق)، تكون معادلته الاقتصادية إيجابية بفائض الإنتاج على الاستهلاك، أو متعادلة إذا استوى الطرفان. أو سلبية إذا كان الاستهلاك أرجح في الميزانية.
ففي الحالة الأولى يستطيع المجتمع استثمار فائض إنتاجه في العمليات والميزانيات المقبلة فهو مجتمع نام.
وفي الحالة الثانية فإن كفتي ميزانه متعادلتان فلا ترجح واحدة على الأخرى، فهو لا يصعد ولا يهبط، فهو مجتمع راكد.
أما في الحالة الثالثة فكفة استهلاكه أرجح لا يصعد ولا يستقر، فهو مجتمع ينهار.
стр. 84
وتحويل التركيز من (الحق) إلى (الواجب) ليس بالأمر الذي يأتي عفوياً أو بالمصادفة، لأنه تحويل لعادات وطبائع منسجمة مع ما في الإنسان من ميل طبيعي إلى منطق السهولة، مدعماً من ديماغوجيا القرن العشرين التي نصبت من (الأنا) وثناً جديداً يعبده الفرد في المجال السياسي باسم الحرية، وفي المجال الاقتصادي باسم الحقوق. وحتى في المجال الرياضي حيث يعبد (الأنا) المجسم في ملاعب الرياضة. فتحويل التركيز الموروث ليس إذن بالأمر السهل بل لا يتأتى إلا بصراع مع كل التيارات التي تنهي الأنانية بشكليها: الأنا ونحن.
وربما تقوم، في وجه ثورة ثقافية- من أجل تعديل التركيز في صالح الواجبات- ثورة مضادة لتدعيم البناء المنحرف.
فهذا ما حدث بالضبط في الصين عندما قامت فيها محاولة لتخفيف ضغط الحقوق على الإنتاج، فسرعان ما قامت في وجهها مطالبة بمزيد من الحقوق، في حصة الأرز مثلاً وفي الأجور؛ وغالب الظن أن هذه المشاغبة كانت موجهة من الخارج من طرف جهات تريد تعطيل حركة التنمية، فاستعملت ضد العمال القائمين بتنفيذ خطة (الوثبة إلى الأمام) ما في نفوسهم من ميل طبيعي إلى السهولة.
إنه لمن أشد المكر أن يحطم الإنسان، أو يعطل نفسه بيده دون أن يشعر، لأن الماكر استطاع أن يخدعه بلغة الحقوق والحريات.
***
стр. 85
المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية للفرد في التجارب الحديثة
يعرض لمجتمع أن يُعدّ، من أجل مشكلة، ما يراه صاحب اختصاص ملازماً وكافياً لحلها، ثم يفاجأ بأنها لم تحل على هذا الأساس.
ونستطيع أن نقول إن المجتمع الإندونيسي عاش في أواخر الأربعينات مثل هذا الظرف، وعاشه معه خبير يشار له بالبنان في مجال التخطيط الاقتصادي هو الدكتور (شاخت).
ولا شك أن فشل مخططه في النهوض باقتصاد إندونيسيا كان أمراً لم يتوقعه، لما التزم فيه من دقة فنية من ناحية، ولما توافر في نظره من وسائل مادية وبشرية كفيلة بتحقيقه. في رقعة منّ عليها الله بأخصب تربة تنبت من كل أنواع الخيرات، في مناخ يجعلها تنتج من ثمراتها في ثلاثة مواسم، وأسكن فيها مئة مليون من العباد يعجب الإنسان من ذكائهم ومن ذوقهم الجمالي المرهف.
ومع كل هذه المعطيات فشل المخطط، فشلاً ربما جعل صاحبه يراجعه ولكن لم يترك لنا الدكتور (شاخت)، فيما أعلم، نتيجة هذه المراجعة.
فيبقى لنا الحق إذن في طرح سؤال: ما هو الأمر الذي تعثّر به مشروع شاخت حتى فشل؟
إننا، في الحقيقة، نراجع تكوين شاخت بوصفه عالم اقتصاد تكونت خبرته في نهوضه بالاقتصاد الألماني خلال الفترة مابين ١٩٣٣ - ١٩٣٦، إذ كان المخطط
стр. 86
مستمداً من تراب ألمانيا الفقير ومن استعدادات الشعب الألماني ليفي بشروط النجاح كلها، وقد نجح فعلأ النجاح الذقي خؤلط ألمانيا أن تواجه اقتصادياَ أقسى الظروف العسكر ية والدنية أثناء الحرب العالمية الثانية، وتصد فيها.
ولا شك أن (شاخت) وضع نحططه على الشروط التي يقدمها الشعب الألماني مباشرة وبطريقة آلية أثناء مرحلة التطبيق، ثم لاشك في أنه طبق هذه الشروط آلياً في التجربة الإندونيسية، أي أنه وضع نحططه على معادلته الشخصية بوصفه فرداً من المجتمع الألماني؛ بينما ستجري التجربة الإندونيسية بطبيعة الحال على أساس معادلة الفرد الإندونيسي فتعثرت التجربة الإندونيسية بسبب خطأ مخططها (شاخت) في تقدير المعطيات البشرية في المجال الاقتصادي، لأن ذهنه يحمل لهذه المعطيات صورة واحدة تطبق في أي تجربة تجري داخل ألمانيا أو خارجها.
بينما الواقع الإنساني لا يفسر على أساس معادلة واحدة بل حسب معادلتين:
١) معادلة بيولوجية تسوي بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل مكان، ليستطيع هذا كل ما يستطيع الآخر، إلا فيما فضل فيه بعض الأفراد عن الآخرين.
٢) ومعادلة اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر وفي مجتمع واحد تختلف من عصر إلى آخر حسب الاختلاف في درجة النمو أو التخلف.
فأما المعادلة الأولى فهي موهوبة من الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وميزه على العالمين بالتكريم، فهي منحة منه، ، إلى البشر كافة.
أما المعادلة الثانية فهي هبة المجتمع إلى أفراده كافة، بصفتها القاسم المشترك يطبع سلوكهم ويحدد درجة فعاليتهم أمام المشكلات تحديداً يميزهم عن أفراد مجتمع
стр. 87
آخر، أو عن جيل آخر من مجتمعهم، إذا كان الفاصل الزمني كافياً لطبع المجتمع بأسلوب آخر يتفق مع معادلة اجاعية أخرى.
ويجب القول إن مصادر المعادلة الاجتماعية، من الناحية الاقتصادية، اثنان: ١ - المجتمع الذي أسميناه القارة الاقتصادية الشمالية ٢ - والمجتمع الذي أسميناه القارة الجنوبية، كلاهما يطبع سلوك الأفراد فيه بدرجة معينة من الفعالية، وبذلك نستطيع أن نعدّ هذه الفعالية مقياساً لقدرة الفرد، بحسب بيئته، على الهيمنة على أسباب الحياة الاجتماعية، قدرة تختلف اليوم من محور واشنطن- موسكو (القارة الشمالية) حيث يسود الإمكان الحضاري، إلى محور طنجة - جاكرتا حيث يفقد هذا الإمكان، كأنما تتدخل ضمناً مجموعة شروط أولية في تحديد مواقف الفرد أمام المشكلات، وبالتالي في تحديد نتائج هذه المواقف.
فهذه المجموعة من الشروط تكوّن ما نسميه المعادلة الاجتماعية، التي تشرط بطريقة ضمنية مواقف الفرد ونتائجها، لتخضع هذه النتائج إلى نوع من الحتمية ربما تمجها حساسيتنا.
ولكن لعلنا إذا أدركنا طبيعة هذه الحتمية، ندرك مدى سلطانها على تصرفنا في الوقت الراهن، ومدى حريتنا معها إذا ما صممنا على تغيير معادلتنا الاجتماعية على الطريقة التي أتاحت تغييرها لمجتمعات أخرى، مثل اليابان في أواخر القرن الماضي والصين في منتصف هذا القرن.
فلنفترض فرضين:
١) إن مولوداً أتى على محور واشنطن - موسكو: سيخضع قطعاً، منذ اللحظة الأولى، إلى قانون الأعداد الكبرى، أي إلى القانون الإحصائي. إنه سيكون له- في التعليم ورعاية الصحة طفلاً، وفي العمل رجلاً- حظ من نسبة نشر التعليم، ورعاية الصحة والعمل على محور ولادته، أي فوق ٩٠%.
стр. 88
٢) إن مولوداً أتى على محور طنجة - جاكرتا: سيخضع أيضاً إلى القانون الإحصائي: أي إن مصيره سيتحقق على نسبة ما دون ٤٠% من التعليم ورعاية الصحة والعمل، أي أنه سيتحقق على مستوى مواهبه المطابقة لمعادلته البيولوجية، ولكن على نسبة المعادلة الاجتماعية لمن سبقه في مجتمعه، فإذا ولد في الهند، مثلاً، فإن له ٢٥% من الحظ أن يكون منبوذاً و ٧٥% من الحظ أن يكون عاطلاً عن العمل، مهما كانت مواهبه الشخصية، لذلك يتبين من خلال هذين الفرضين بأن تصرف الفرد مقيد بشروط اجتماعية سبقته إلى الوجود، وبالتالي إن فعاليته مشروطة بمعادلة اجتماعية يجدها في مهده، وهي تفرض على سلوكه نوعاً من الحتمية لا يتخلص منه إلا بعملية تغيير لمعادلته الاجتماعية، كما حدث ذلك في اليابان أثناء ما يسمونه بالعهد الميجي، وفي الصين أثناء الثورة، والثورة الثقافية بوجه خاص.
فالشعوب التي تعيش على محور الشمال قد سوّت مشكلة المعادلة الاجتماعية بطريقة تلقائية، مع التجارب التي تتابعت منذ بداية العصر الصناعي، حتى أدت إلى ظهور (تايلور)، الذي وضع مذهبه (التايلورية) تتميماً لما صنعته الأيام في جوهر المعادلة الاجتماعية التي كان هو نفسه وأفكاره في تنظيم الإنتاج، إحدى نتائجها.
ولم يكن الدكتور (شاخت)، هو الآخر، إلا إحدى هذه النتائج، قد تلقى تلقائياً المعادلة نفسها كأي فرد ألماني، وأصبح يطبقها تلقائياً حتى في غير مكانها، مثلاً في مخططه الإندونيسي، دون أن يفكر أن المجتمع الإندونسي لا زال في حاجة إلى من يصنع له معادلة اجتماعية تخوله القيام بإنجاز أي عمل يقتضي نسقاً وتنسيقاً فردياً أو جماعياً.
فنستطيع القول إن مخطط (شاخت) قد فشل في إندونيسيا، مع توافر
стр. 89
الشروط الفنية والمادية كلها، لأنه فقد شرطاً ضمنياً ليس من اختصاص رجل الاختصاص في الاقتصاد أن يفكر فيه.
وإنما يبدو أن الدراسات التي قامت منذ العقد الأخير في مجال التنمية الاقتصادية في العالم الثالث، بدأت خصوصاً بباريس، كأنها تعنى بهذا الجانب الذي نسميه المعادلة الاجتماعية، مهما يكن الاسم الذي تخصصه لهذا الجانب، ومهما كانت طريقة تفسيره عندهم.
ومما يجدر بالذكر أن بعض الجهود من أبناء العالم الثالث بدأت تسهم في هذا الاجتهاد الجديد وتثريه بنتائج تجارب تفيد بفشلها أو بنصف نجاحها، كالتجربة التي يذكرها بالتفصيل رجل اختصاص في الزراعة في الهند؛ يذكر كيف عمل مع مستشارين فنيين من هيئة الأمم المتحدة، طوال خمس سنوات، تحققت فيها بعض النتائج الإيجابية على أساس الطرق الفنية التي طبقت أثناء إشراف المستشارين بينما تعود التجربة- حسب تقرير الاختصاصي الهندي الذي نشير إليه- إلى الطرق التقليدية فور انسحاب الخبراء الأجانب.
وإذا كانت هذه التجربة تعني شيئاً من الناحية التي تعنينا، فإنما تعني أنها سارت على أساس معادلة اجتماعية خاصة بالخبراء الأجانب المشرفين عليها، وأنها عادت تسير طبقاً لمعادلة أخرى، معادلة المجتمع الهندي، مجرد أن انسحب الخراء.
وقد تتكرر هذه الظاهرة في صور مختلفة، في كل مجالات النشاط، حتى في المجال العلمي، كما ذكر لي ذلك أحد إخواننا المهندسين الجزائريين وهو يحضر رسالة دكتوراه بأوربا، وكانت بيني وبينه صلة فكرية، وقد سبق أن كان بيني وبينه حديث في الموضوع، فأراد أن يذكر لي ما عنده شخصياً في مختبره إذ كان يلاحظ، على الرغم من تفوقه من الناحية النظرية على زملائه، أنه كان في الناحية التطبيقية، أي من ناحية استخدام أدوات التجربة العملية، يعاني شيئاً
стр. 90
من عدم الثقة في تلك الأدوات، فكانت عقدته أو عقده تعطل النتيجة أو النتائج التي يصل إليها عقله قبل الآخرين.
فهذه القصة هي أخت القصة التي يذكرها الاختصاصي الهندي، على الرغم من الاختلاف الظاهر بين المجالين؛ فالقصتان لا تختلفان إلا في الشكل، هذه كتجربة في مختبر مواد بلاستيك، وتلك في مجال الالكترون المطبق في الفلاحة، ولا تختلفان في المصدر الاجتماعي- النفساني، لأن كل واحدة تدل على أن تكوين الخبير الهندي والخبير الجزائري لم يمنحهما الهيمنة الكاملة على أدوات عملهما العلمي، بينما مستواهما العلمي النظري- على الأقل فيما يخص الخبير الجزائري- يبدو رفيعاً جداً.
ويجدر الذكر هنا بأنني كنت معجباً بالخبير الجزائري، وهو يقص لي قصته، إذ كنت أراه يشعر كامل الشعور بالعقدة التي كان يعانيها، كمن يعيش محنة.
وعلى أية حال فالقصتان تعبر كلتاهما على أن العمل العلمي أيضاً يتطلب معادلة اجتماعية لا تتكون تلقائياً في الدرجات الجامعية، بل يهبها المجتمع نفسه للأفراد، بين العادات والتقاليد التي يفطر عليها الطفل منذ مهده، ويحرم منها الطفل الذي يولد في مجتمع آخر لم تتكون فيه بعد معادلة اجتماعية، أو فقدها لأسباب تاريخية- اجتماعية معينة مثل المجتمع الإسلامي اليوم.
إذا طرحنا مشكلة كيفية تكوينها، نراها تتكون بطريقتين: إما أن تصنعها الأيام بتكرار التجارب التي تتحول بالتدريج إلى عادات مستقرة تطبع تلقائياً السلوك الفردي والجماعي بطابع الفعالية، وإما أن تتكون تحت إشراف إرادة هادفة تريد ما تفعل وتفعل ما تريد لمواجهة ظروف وضرورات قاسية.
فلا شك أن المجتمع الغربي يتمتع بمعادلة اجتماعية صاغتها بالتدريج الأيام،
стр. 91
بل القرون، وربما تكملها أفكار جديدة مثل أفكار (تايلور) في القرن الماضي.
أما المجتمع الصيني فإنه يصنعها اليوم بيده، تحت إشراف إرادة متوترة، أعني تحت ظروف قاسية تضع الضمير في كل فرد فيما نسميه (حالة إنقاذ).
وقد سبق في هذا المضمار المجتمع الياباني، الذي صنع هو الآخر بيده معادلته الاجتماعية لمواجهة (حالة إنقاذ) كان واجهها منذ قرن، عندما دق بابه (الكمودوربيري) سنة ١٨٥٣م.
فالمجتمع الإسلامي في حيرة بين أمرين:
١) إما أن يترك الأيام تصوغ معادلته الاجتماعية أو تعيد صياغتها لتمكينه من مواجهة التحدي الذي يوجهه له عالم اقتصادي غريب عنه، وهذا طريق طويل تعبّده تجارب ومحن مثل التي عاشها الخبير الجزائري في مخبره، أو مثل التي عاشها الشعب الإندونيسي أيام تطبيق مخطط (شاخت).
فهذه التجارب، حتى الفاشلة منها، تكوّن بتكرارها وبالتدريج العادات المستقرة التي تصير بالتالي (معادلة اجتماعية)، تطبع النشاط بالفعالية الضرورية في عالم اقتصاد خاضع لمقاييس الضبط والإنتاج.
٢) وإما أن تطرح المشكلة صورة منهجية مثلما فعلت اليابان والصين، أو مثلما فعل (تايلور) ومدرسته في الغرب الذي اكتملت معادلته الاجتماعية في صورة النظرية (التايلورية).
فالعالم الإسلامي يواجه اليوم "حالة إنقاذ" أو- كما يقال في مصطلح العسكريين- يواجه (حالة طوارئ) تفرض عليه أن يتخذ قرارات صارمة في المجال الاقتصادي، كما تتخذ قيادة عسكرية قراراتها لمواجهة ظروف استثنائية.
***
стр. 92
ضرورة الاكتفاء الذاتي
والتطور من الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد جهوي
لتحقيق الاكتفاء
( Autarcie)
اكتشف العالم، مع الاستعمار، كل أنواع السيطرة من جانب القوي على الضعيف، فهو يقيد حرية تصرفاته بقيود عسكرية واقتصادية، ويحاول أحياناً إحكام شبكتها حتى من الجانب الروحي، ببعثات تبشيرية لا همّ لها إلا تدعيم السيطرة بوسائل تخفى على الأبصار.
فاليوم، في عهد تصفية الاستعمار تحت إشراف لجنة من هيئة الأمم تحمل هذا الاسم، لم يبق على العموم، مجال للسيطرة العسكرية على مصير شعوب العالم الثالث، أي على أغلبية شعوب العالم الإسلامي؛ ولكن الاستعمار استنبط طريقة تعويض للسيطرة العسكرية بسيطرة اقتصادية تخوله البقاء في مناطق نفوذه السابقة، بل تخوله بسط نفوذ جديد لا يقابل بالرفض بل بالقبول والرضا والتعاقد.
هكذا نرى أن المظهر قد تغير، لأن الرجل المستعمر استبدل بالسيف الذي كان بيده عرقاً من زيتون رمز السلام، بينما نشعر من خلال ما شاهدناه في حبك العلاقات الجديدة بين قارتي الاقتصاد، أن شيئاً لم يتغير في أعماف ضمير رجل الشمال، فهو ما زال على مذهب (ليبنيتز Leibnitz)، الذي كان - وهو يضع الأسس الجديدة لعلم الرياضيات- يفكر أيضاً في احتلال مصر، ويقدم من أجل
стр. 93
ذلك تقريراً مفصلاً للويس الرابع عشر، وما زال على مذهب (ارنست رينان) الذي كان يرى "أن الأوربي خلق للقيادة، كما خلق الصيني للعمل في ورشة العبيد وكل ميسر لما خلق له".
فتعويض السيف بعرق من زيتون لم يغير سوى المظهر.
إن أوربا التي تكتلت في القرن الحادي عشر من أجل الزحف الصليبي، وتكتلت في القرن التاسع عشر في الميثاق الاستعماري تحت إشراف (بسمارك) ببرلين سنة ١٨٨١ من أجل الزحف الاستعماري، تعود اليوم إلى تكتل جديد في صورة (السوق المشتركة) في الظاهر من أجل الصمود في وجه الاقتصاد الأمريكي والياباني والصيني، وفي الواقع من أجل الزحف الاقتصادي على مناطق الحضور الأوربي سابقاً لترسي فيها دعائم وجود أوربي جديد بوسائل الاقتصاد.
وعليه يترتب على كل من يهمه أمر النهوض الاقتصادي في بلد إسلامي أو في العالم الإسلامي على العموم، أن يأخذ في الاعتبار الضرورات الداخلية، كما بينا بعض ملامحها في الفصول السابقة، كما يترتب عليه أن يأخذ أيضاً في الاعتبار الضرورات الخارجية، كان نشير إليها في هذا الفصل.
يجب أن نصفي أولاً منطق القضية فنتساءل: ما هي حدود الإمكانيات الفردية- نعني بالنسبة إلى وطن بمفرده- لمواجهة الضرورات الداخلية والخارجية؟
إننا نعني حدود حرية التصرف في الداخل، في نطاق دفع الطاقات الاجتماعية على أساس المسلمتين المذكورتين في فصل سابق بوصفهما شرطين ضروريين لدفع عجلة الديناميكا الاقتصادية، ومن ناحية أخرى من أجل الصمود في وجه الزحف الاقتصادي من الخارج.
стр. 94
يجب أن نلاحظ أن شروط الاقتصاد التكاملي ( L'autarcie) لا تتوافر إلا في أوطان معدودة مثل الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي والصين.
فالولايات المتحدة مثلاً تستهلك ٩٥% من إنتاجها داخل حدودها، أي أنها تستطيع إلغاء علاقتها الاقتصادية مع الخارج دون أن يتصدع اقتصادها إلا بنسبة ٥% ودون أن يشعر العامل بقطع العلاقات إلا على النسبة نفسها.
وبعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة تتمتع بالحرية الاقتصادية المطلقة، على وجه التقريب، وذلك بسبب اتساع رقعتها وقاعدتها الإسكانية (الديموغرافية)، أي يُسرها من ناحية الثروة الطبيعية والعدة البشرية.
والصين، بعد الثورة الثقافية، أصبحت هي الأخرى، تستطيع قطع العلاقات الاقتصادية مع الخارج دون تضرر، على أساس من التقشف تفرضه ضروراتها الداخلية الحالية في مرحلة الإقلاع التي لا زالت تمر بها.
وكذلك الاتحاد السوفييتي، على نسبة من اليسر أقل من أمريكا وأكثر من الصين اليوم، أما الأوطان الأخرى كلها، فهي لا تستطيع حل مشكلاتها الاقتصادية كلها، داخل حدودها الخاصة.
فاليابان على الرغم من أنها الدولة الاقتصادية الثالثة، لا تستطيع أن تقطع علاقاتها مع الخارج، أي أن تكوّن داخل حدودها حلقة اقتصادية مغلقة، إلا في حالات شاذة مثل ألمانيا التي استطاعت، على الأقل في السنة الأولى من الحرب العالمية الثانية أن تعيش في اقتصاد مغلق، أي مستقل ( Autarcie) على أساس مخطط الدكتور (شاخت).
والبلد الإسلامي الوحيد الذي يستطيع مواجهة الضرورات الداخلية والخارجية داخل حدوده، هو دون أي شك إندونيسيا، ومع ذلك رأيناها تفشل في تطبيق مخطط (شاخت)، لأنه طبق على أسس غير موضوعية، أي على
стр. 95
أسس موجودة في ألمانيا مفقودة في إندونيسيا، كما بيّنا.
فيجب أن نمضي خطوة أخرى في تصفية منطق القضية: إن كل وطن، مسلم أو غير مسلم، يستطيع حل بعض مشكلاته داخل حدوده، مثلاً كل ما يتعلق بالعدل والإدارة والأمن، كما يستطيع حل مشكلات أخرى في نطاق تنظيم جهوي، مثل إنتاج وتسويق البترول بالنسبة للدول العربية لو يتم اتفاقها بهذا الصدد، ثم هناك مشكلات لا تحل إلا على مستوى عالمي مثل قضية السلم، وتنسيق البريد إلخ.
فاتجاه الأوطان الأوربية نحو فكرة تأسيس السوق المشتركة الأوربية، ما هو إلا تقرير واقع، يمليه تطور العلاقات الاقتصادية في العالم، بعد تصفية الاستعمار، أي بعد أن فقدت الدول الأوربية، مثل فرنسا وإنجلترا وهولاندا، الرقعة التي كانت في إفريقيا أو آسيا، تكمل اقتصادها، فاتخذت هذه الدول اتجاه الاقتصاد التكاملي لمواجهة ضرورات داخلية وخارجية جديدة.
وإذا ماحللنا العوامل التي شجعت رؤساء دول أوربية، مثل الجنرال (دوغول) على احتضان فكرة السوق المشتركة، وعلى النضال في سبيلها على حساب بعض القيم التي كانت مقدسة قبل قرن، مثل الوطنية المفرطة ( Chauvinisme) فسنجد أن أوربا وجدت هذا التشجيع أولاً وقبل كل شيء في تراثها العتيد، أيام كان (شارلمان)، معاصر هارون الرشيد ينشئ على أساس العقيدة المسيحية الموحدة، ما يسمى (الامبراطورية المقدسة).
وبالتالي نرى كيف أن أوربا العلمانية المادية، لا تخشى في سبيل تنظيم اقتصادها تنظيماً جديداً أن تعود إلى عهدها القديم، إلى عالم مقدساتها لتعزيز عالم مصالحها المادية.
كذلك نرى أن الدول المتقدمة لا تخشى أن ترجع أحياناً خطوة إلى الوراء من
стр. 96
أجل تصحيح خطأ أو تدارك إسراف، بينما نرى أوطاناً متخلفة يعتري مسؤوليها ومثقفيها الخجل إذا ما سمعوا كلمة عن ضرورة تلافي تفريط أو إفراط، كأنهم من القوم الذين يشير إليهم القرآن الكريم: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة ٥/ ٧٩].
فاليوم نرى كثيراً من إخواننا في البلاد العربية الإسلامية يسمون المراجعة رجعية، دون أن يشعروا بأن تقدميتهم شاخت وهرمت، قد أكل عليها الدهر وشرب، لأنها فقدت ثقة الناس في مهدها، في البلاد الغربية.
بينما الأوطان العربية والإسلامية على العموم، أحوج من غيرها إلى إعادة النظر في اقتصادها حتى لا تتبع قدوة أوربا القرن التاسع عشر، ثم تكتشف خطأها بعد قرن، لتعود مرة أخرى، بعد قرن، لقدوة أوربا القرن العشرين.
يجب على البلاد العربية بوجه خاص أن تعيد النظر في تنظيم حياتها الاقتصادية، على شروط تحقيق حلقة اقتصادية كاملة داخل حدودها، متخذة أساساً شروط الاستثمار الاجتماعي التي قدمناها في صورة مسلمتين ربما يكون تطبيقهما في حدود الوطن الواحد، على درجة من الصعوبة، ولكنها تنخفض بمقدار ما تتسع رقعة التطبيق.
فأمريكا لا تستطيع تحقيق شروط الحلقة الاقتصادية الكاملة بنسبة ٩٥% لو افترضنا أنها فقدت بعض ولاياتها: فأي تغيير في الخريطة الطبيعية- الإسكانية لوطن يغير قطعاً شروط تطبيق المسلمتين: ١) كل فم يأكل و ٢) كل ساعد يعمل.
وإذن التغيير يحدث إلى أسوأ (حسب فرضنا بخصوص أمريكا) فإنه يحدث إلى أحسن حسب فرض مناقض، مثلاً بالنسبة إلى الرقعة العربية إذا ما توحدت وبقدر ما تتوحد هذه الرقعة أي بقدر ما تجمّع إمكانياتها وحاجاتها.
стр. 97
ولكن قضية مثل هذه لا يمكن الفصل فيها بالارتجال وإنما بالدراسة على الخريطة.
إن ليبيا، على سبيل المثال، لها متسع من التراب، ومصر لديها فائض من العدة البشرية، وللكويت فائض من المال المعطل؛ فلو اجتمعت هذه العوامل الثلاثة في خطة تجريبية لأدرك العالم العربي كله أن شروط الإقلاع والاكتفاء الذاتي هي تحت يده، عندما يريد النهوض الاقتصادي بتعميم التجربة الثلاثية التي أشرنا إليها، حتى تصير هذه التجربة لبنة عربية في أساس الحضارة الإسلامية الجديدة.
إن العالم العربي يتمتع بإمكانيات اقتصادية مهملة، مثل هذه الأراضي التي أنبتت الحضارة الإنسانية الأولى على ضفتي الدجلة والفرات، حيث ترعرعت أيضاً الحضارة الإسلامية الأولى بفضل الخيرات التي كان يمدها بها، منذ خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، التراب المطعم بطمي الآلاف من السنين، ذلك (السواد) الذي عاد مرة أخرى مستنقعات تنبت الحمى، بعد أن كان ينبت الأقوات.
إن في استطاعة العالم العربي أن يعيد للتراب وظيفته الاقتصادية، وذلك منذ اليوم، بوسائله الموجودة بيده منذ الآن، حتى في الميدان الفني إذا قرر من ناحية أخرى استعادة العقول العربية المغتربة لأسباب مختلفة، منها الأسباب الثقافية التي تتصل بفقدان المسوغات الكفيلة بشد العزائم ورفع الهمم، إلى مستوى المسؤوليات المنوطة بالعلماء والمثقفين، في نطاق مشروع شامل تتحد فيه الأيدي والعقول والأموال في الرقعة العربية، أو في أكبر جزء ممكن منها بقدر ما تكتمل فيه شروط الاقتصاد التكاملي، حتى يستأنس الناس، والقادة بوجه خاص، بأن الأوطان التي لا تستطيع مواجهة الظروف الاقتصادية العالمية بمفردها، تستطيع الصمود لها والنمو، إذا تكاتفت عقولها وأيديها وأموالها في ورشة عمل مشترك من أجل اقتصاد متحرر لا يخضع لضغط خارجي.
стр. 98
ومهما تكن من صعوبات في طريق إنشاء حلقة اقتصادية كاملة، عربية في خطوة أولى, إسلامية بالتالى، فيكون تحقيقها أحسن دليل على الاعتدال في التفكير وفي التطبيق، على نحو مما كان يشير إليه (خروثوف) في قوله: "إن أحسن دليل على صحة أفكارنا لهو نجاحنا الاقتصادي"، على شرط أن نغير في هذا الحكم كلمة (صحة) بكلمة (صلاحية).
ففي نطاق هذه الأفكار التي تخضع إلى تطبيق اجتماعي فالنتائج لا تترتب على (صحة) الأفكار المطبقة بقدر ما تترتب على (صلاحيتها).
فحتى الشيوعية قد يكون لها آثار اجتماعية أعمق من أفكار هي أكثر صحة منها إذا أسيء تطبيقها، فإذا استطاعت أن تؤسس في الاتحاد السوفييتي حلقة اقتصادية تستطيع الانغلاق على نفسها، بينما لا نرى العالم الإسلامي يسعى إلى تحقيق اقتصاد تكاملي، فلا يعني هذا إلا أن الشيوعيين يطبقون الفكرة الماركسية بجدية أكثر مما يطبق المسلمون إسلامهم.
فالنتائج خصوصاً في الحقل الاقتصادي، تتحقق على أساس عوامل اجتاعية صرفة تضفي على الأفكار المطبقة أكثر أو أقل صلاحية.
وحسبنا أن نقول إن الأسباب التي تطبع سلوك المسلمين لتكون أفكارهم أقل فعالية في الحقل الاقتصادي من أفكار غيرهم، نقول إنها أسباب مرحلية، أعني ملازمة للمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع الإسلامي اليوم.
وعلى المسلمين أن يتخلصوا منها في أوجز مدة ممكنة، بالطرق التي يفرضها عصر تسريع التاريخ، وهذا يعني، في مجال الاقتصاد، أن يوحدوا إمكانياتهم وحاجاتهم حتى يحققوا في أسرع ما يمكن شروط الاكتفاء الذاتي ( Lantarcie) أي الحلقة الاقتصادية التي تستطيع الانغلاق على نفسها، إذا ما اقتضت الضرورات الداخلية والخارجية ذلك.
стр. 99
خاتمة
إننا حاولنا، فيما قدمنا، أن نخلص الفكر الإسلامي من بعض العقد التي تستولي على اجتهاده في مجال الاقتصاد فتجمده، لأنه يرى في هذا المجال حتمية اختيار، لا فرار منه، بين أفكار ونظم الرأسمالية والأفكار والنظم الناتجة عن المذهب الماركسي.
فحاولنا أن نبين أن هذه الحتمية ليس لها من مسوّغ، سوى تسليمنا مسبقاً بأن ليس هناك مجال للاجتهاد في اكتشاف طريق ثالث، بينما مجرد المراجعة لوظيفة المال في الاقتصاد، بلونيه الرأسمالي والماركسي، تكشف عن آفاق جديدة في كيفية تشغيل الطاقات الاجتماعية، آفاق يتأتى الانطلاق منها لاقتصاد يمكّن المسلم من مواجهة ظروف التخلف، وضرورات العصر في الحدود المشروعة، على سنة الله ورسوله.
لم يكن موضوعنا سوى محاولة فك قيود، وضعتها أفكار أجنبية على اجتهادنا، والسير في اتجاه جديد بعض الخطوات، مثل التي سميناها الاستثمار الاجتماعي أو مشكلة المعادلة الاجتماعية، حتى يألف فكرنا مواصلة السير بخطوات أخرى، ليس لدينا إمكان الآن سوى أن نلمح إليها.
وحتى لو كانت الخطوات التي سرناها، مع القارئ في هذه الصفحات، غير مجدية من الناحية التطبيقية، هذا على أسوأ تقدير، فإننا مقتنعون بأن القضايا التي أثرناها وكيفية خوضنا فيها لا تفقدان الجدوى على الأقل كتمرين للفكر الإسلامي على حرية التصرف أمام معضلات الاقتصاد.
стр. 100
إن حركة الأفكار، مهما كانت وجهتها، تدفع الفكر لتدعيمها أو لتصحيحها، أو حتى لمقاومتها، وأعتقد أن الفكر الإسلامي مدعو إلى خوض معركة كبرى لمواجهة تحدي عالم الاقتصاد.
فهذا الكتاب يدعوه إلى خوضها بصفته رجلاً حراً لا يطأطئ الرأس أمام عجل الذهب، ولا أمام زخرف القول الماركسي.
***