Полный текст (149 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الاختلاف في القواعد الأصولية - الحرص على تعلم أصول الفقه
مما يجب على مريد العلم أن يتعلم فن أصول الفقه؛ لأنه مفتاح الفقه وبابه، فيتعرف على بدايات نشأة الخلاف وكيف حصلت، حتى يتمكن من تأصيل المسائل مستنداً في ذلك إلى ركن ركين من المعرفة بأصل المسألة المعينة وجذورها، وعلم الأصول يعنى بالأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد منها، وكيفية تنزيلها على الواقع، فحري بالفقيه خصوصاً وبطالب العلم عموماً ألا يغفل عن دراسته.
стр. 2
فضل العلم والعلماء
стр. 3
فضل طلب العلم ومنزلة العالم عند الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: إخوتي الكرام! مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، فإن أنساً روى لنا -وإن كانت الأسانيد متكلماً فيها- أنه يستحب أن يقال إذا جاء طالب العلم: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ! وكفى بطالب العلم فخراً، وكفى بمجالس العلم بركة؛ ففي الصحيحين أن النبي ﷺ ذكر أن الملائكة تصعد بأسماء طلبة العلم إلى الله جل في علاه فيسألهم: ماذا يقولون؟ ماذا يذكرون؟ فيقولون: يسبحونك ويحمدونك ويمجدونك ويكبرونك ويهللونك، وفي آخر الحديث يقول الملك: فيهم فلان ما جاء للعلم وإنما جاء لحاجة، فيقول الله تعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع)، وكفى بحديث النبي ﷺ فخراً لطلبة العلم.
وقال ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
فأهل العلم لهم المكانة العظمى في هذه الدنيا؛ لأن العلماء هم منارات الهدى، وهم الشموس التي يستضيء بها الناس، بينما نرى الأمة الآن تتخبط يميناً ويساراً، ونرى ما يحدث في البلاد الإسلامية من تعديات على المسلمين، وهذا والله ما حدث إلا بموت العلماء؛ لأن الذي يستنير بنور العلم يعلم أنه إذا هلك فسيهلك عن بينة، وإذا أحياه الله فستكون حياته على بينة، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢]، وهذه البينة لا تكون إلا بطلب العلم.
стр. 4
فضل علم أصول الفقه
وقد بينا فضل أصول الفقه على الفقيه، وقلنا بأن القاعدة عند العلماء تنص على أن الفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه بل هو مقلد.
وترى كثيراً من المقلدين الذين يحفظون الأقوال ويرددونها ممن لا يحق لهم الفتوى، ولا يحق لهم أن يلزموا الناس بشيء؛ لأنهم مقلدون، فإذا سألت: ما الدليل؟ وما هو وجه استدلال العالم الذي قال بهذا القول من هذا الدليل؟ وجدته يضرب أخماسه في أسداسه، فهذا مقلد، ولا يجوز له أن يلزم الناس بشيء، لأنه يقلد غيره.
وقد فرق العلماء تفريقاً عظيماً بديعاً بين المقلد والعالم أو طالب العلم المجد الذي يعرف القول بالدليل، ويعرف كيفية استنباط العالم لهذا الدليل.
وقد سئل كثير من الناس عن الفقهاء أو المجتهدين، فبينوا أن درجات الفقه والعلم متفاوتة، فليس العلم بالدليل فقط، وإنما العلم بالأصل والقاعدة التي يمكن أن يستنبط منها الحكم، وإلا فكثير من الناس حفظة كما هو حال كثير من المحدثين، فقد كان ينقصهم الفقه، وكان الإمام أحمد يقول: كنا نزعم بأن المحدث صيدلاني، وأن الفقيه طبيب، فخرج علينا الشافعي رجلاً طبيباً صيدلانياً.
وقد عاب كثير من المحدثين على يحيى بن معين أنه لم يشتغل بفقه المتن، وقد قررت في المسجد أكثر من مرة قول شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه.
والمقصود بفهم المتن: هو الفقه.
كان يحيى بن معين إماماً ترتعش منه فرائص المحدثين، فإذا دخل مجلساً من مجالس التحديث قام له كل المحدثين تعظيماً لعلمه وإجلالاً له، وأخذ كل واحد منهم كتابه فنظر فيه وإن كان ضابطاً ضبط صدر، فلا يتكلم بالحديث الواحد إلا بعد أن يكرره في نفسه مرات عديدة؛ خوفاً من أن يتكلم فيهم بجرح؛ لأنه كان إماماً في الجرح والتعديل.
وكان يحيى بن معين مشهوراً بدخوله على العلماء واختبارهم، فقد دخل مرة على أبي نعيم يختبره ومعه أحمد بن حنبل وكان قريناً له يجلس بجواره، فما تكلم أحمد، وأخذ يحيى بن معين يختبر أبا نعيم بأن لقنه بعضاً من الأحاديث بأسانيد مختلطة ليست من لفظه وليست صحيحة، فسمعها أبو نعيم فانتبه -وكان صاعقة في الحفظ- فنظر إلى أحمد ونظر إلى يحيى بن معين، فقال لـ أحمد: أنت أورع من أن تفعل ذلك، ونظر إلى يحيى بن معين فسكت عنه، ثم ضربه برجله فأوقعه إلى الخلف وقال: أنت أجرأ على ذلك.
فكان يحيى بن معين جهبذاً ونقاداً، وكان وقاد الذهن، يعني: الرواية للحديث وعلم الرجال والإسناد.
ولما لم يكن يحيى بن معين مهتماً بالفقه فقد وقع في أمر جلل عابه عليه كثير من أهل العلم في زمانه، فقد سألته امرأة فقالت: يا إمام! إن زوجي قد مات، وقد أوصى أن أغسله، أفأغسله وأنا حائض؟ فوقف يحيى بن معين واجماً لا يعرف كيف يرد عليها، فمر أبو ثور الكلبي -وهو من أصحاب الشافعي - وكان فقيهاً بارعاً، فقال لها: اسألي هذا الرجل فهو فقيه! فذهبت فسألته فقال لها: غسليه، فهذا رسول الله ﷺ كان معتكفاً فإذا أراد أن يرجل شعره يخرج رأسه من المسجد فترجله عائشة.
يعني: تغسل رأسه وتنظفه وهي حائض.
فلما قال أبو ثور ذلك قال يحيى: نعم، وهذا الحديث جاءني من طريق فلان وفلان وفلان وفلان عن فلان، فسرد الطرق التي يحفظ منها هذا الحديث.
فقالت له المرأة: ما نفعتك هذه الطرق وأنا أسألك فلا تجيب.
وهذه مزية من تعلم الفقه وعرف كيف يستنبط الحكم من الدليل.
стр. 5
أهمية فهم النص الشرعي
وأقول: كيف استنبط أبو ثور الحكم من هذا الدليل وهو أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله ﷺ وهو في المسجد يخرج رأسه وهي حائض؟ وما علاقته بامرأة حائض تغسل زوجها؟
و
الجواب
استنبطه بطريق قياس الأولى، فإذا كان الحي الذي يستطيع بنفسه أن يرجل شعره وأن يغسله قد جعل المرأة وهي حائض تباشر ذلك فالميت من باب أولى؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه فهو أحوج إلى ذلك.
وهذه فائدة الفقيه الذي يتعلم أصول الفقه.
وقد سئل الشيخ الإمام محمد بن صالح بن عثيمين وهو على فراش موته فقيل له: هل تستخلف أحداً نسأله بعدك؟ فقال: أما العلماء فكثر ثم لا تكاد تجد عالماً فقيهاً يدرك الحكم في المسألة، أو كيفية استنباط الحكم من الدليل وتنزيله على الواقع المعايش، وهذا فهم عزيز يؤتيه الله من يشاء.
ولذلك أنكر البعض على علي بن أبي طالب عظم بطنه، لأن علي بن أبي طالب كان من أفقه الصحابة إن لم يكن هو أفقههم، وهو أعلم الناس أيضاً بالتفسير، فلو خالف علي بن أبي طالب ابن عباس في تفسير آية قدم قول علي بلا جدال، فـ علي بن أبي طالب وتد في العلم والفقه، فقالوا له: مالك عظيم البطن؟ فقال: أعلاها علم وأسفلها طعام.
﵁ وأرضاه.
فنقول: إن العالم يعلم الكتاب والسنة، لكن الفقيه يدقق في الكتاب والسنة، ولذلك سئل علي بن أبي طالب: هل ترك لك رسول الله ﷺ شيئاً خصك به من هذا العلم الذي ينهال عليك؟ فقال: لا والله ما خصنا رسول الله ﷺ ، بشيء إلا فهماً يؤتيه الله للمرء في الكتاب أو في سنة النبي ﷺ ، أو كما قال ﵁ وأرضاه، والأثر في الصحيحين.
وهذه كلها مدارها على الإخلاص، فقد كان يقول ابن عباس: يحفظ المرء على قدر نيته.
وهذا الذي فضل به الشافعي عن كثير من الفقهاء لفهمه وتأمله في الأدلة، والعالم الفقيه لا يصل إلى قوة العلم وإلى باطن العلم إلا بقواعد العلم والقاعدة العريضة بأصول العلم، وهذه الأصول هي أصول الفقه.
стр. 6
الحث على التمسك بالكتاب والسنة
стр. 7
الأدلة على التمسك بالكتاب والسنة
قال رسول الله ﷺ :: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في عصر الرسول ﷺ يستقون من بحر علم رسول الله ﷺ ويأخذون بالوحيين: الكتاب والسنة، وقد حث الله الصحابة وألزمهم بنص الكتاب والسنة، فقال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٥].
وقال جل علاه حاثاً الصحابة على التدبر في معرفة مراد الله جل علاه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
وفي القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ الحث على اتباع الوحيين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
وقال جل علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فمن حاد عن سنة النبي ﷺ فقد أبى.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فهو باطل لا يصح ولا يمكن التعويل عليه، ولا يمكن أن نعارض قول رسول الله ﷺ بقول أحد كائناً من كان.
стр. 8
الرد على من يجوز الأخذ بأي قول في المسائل الخلافية
وفي السنن ومسند أحمد أيضاً عن العرباض بن سارية أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً).
وهذا يرد على من يقول بأن اختلاف الأمة رحمة، وأنه يجوز أن نأخذ بأي قول.
وهذا هو عين الهلاك، ولو قلنا بهذا لصح الزواج مثلاً بتسع نسوة كما قال بهذا ابن حزم، فقد جمع قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فصارت تسعة واستدل بها على جواز الزواج بتسع من النساء كما فعل النبي ﷺ ، ولو قلنا بهذا لصح أيضاً وطء المرأة المستأجرة كالأمة تماماً، وأنه يفعل بها ما شاء كيف شاء من غير نكاح، ولجاز الربا مع أهل الكتاب أو في أي بلد حربي، وهذه عين المهلكة.
ولو قلنا بهذا المبدأ لما جاز الإنكار على المخالف، فلو رأيت رجلاً في الشارع يتراقص ويسمع أم كلثوم أو مغنياً من المغنين، فهل لك أن تنكر عليه أم لا؟ فإذا أنكرت عليه قال لك: أنا آخذ بقول الشيخ القرضاوي، وقال بأن اختلاف الأمة رحمة.
وهكذا في أي مسألة أخرى فإنه سيقول لك بأن هذا القول هو قول الإمام الشافعي أو الإمام مالك أو ابن حزم، وقد قال بها شيخ من العلماء المعتمدين وهكذا، فهذه مهلكة لهذه الأمة، فاختلاف الأمة لا يمكن أن يكون رحمة إلا في أمر يسوغ فيه الاجتهاد ولم يتبين فيه الدليل بحال من الأحوال.
стр. 9
رجوع الصحابة إلى الكتاب والسنة
والغرض المقصود: أن الصحابة يرجعون إلى رسول الله ﷺ ، وقد بين في حديث العرباض ذلك فقال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، قالوا: فماذا نفعل يا رسول الله؟! قال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي).
فإذا قلنا: قال رسول الله، فلا تقل: قال فلان أو قال الشيخ الفلاني أو قال شيخ مشايخه، هو فوق رأسي وهو معلمي ومؤدبي، وإذا رأيته قبلت رأسه ويده، لكن إذا خالف قول النبي فلا، وكذلك شيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه.
فلابد أن نقترب من قول النبي ﷺ : (فإنه يعش منكم من فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ).
وفي السنن أيضاً بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم شبعان متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: نعرضه على كتاب الله فما وجدناه في كتاب الله حلالاً أحللناه، وما وجدناه حراماً حرمناه، فقال النبي ﷺ منتهراً هذا القول: ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه).
وقال النبي ﷺ في رواية أخرى: (ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله).
فعلى الأمة أن تلتف حول الكتاب وحول سنة النبي ﷺ ، فإن لم يكن فلتلتف حول صحابة رسول الله؛ لأنهم علماء الأمة؛ ولأنهم السلف الصالح.
стр. 10
الاجتهاد في العصر النبوي
стр. 11
اجتهاد النبي ﷺ
قد تقدم أن الله جل وعلا حث عباده على الالتفاف حول السنة، وكذلك رسوله ﷺ حث على الالتفاف حول سنته، ولذلك فإنه وإن ظهر الاجتهاد في عصر الصحابة لكنه كان في فهم مراد الله وفهم مراد رسول الله ﷺ ، كما قال الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله.
ومراد الله لا يعرفه إلا المجتهد الذي يسهر ليله ويظمأ نهاره حتى يصل إلى مراد الله جل في علاه.
فقد اجتهد الصحابة كما اجتهد رسول الله ﷺ ، ولكن الاجتهاد ما كان للإتيان بحكم جديد ولكن لفهم مراد الله ومراد رسول الله ﷺ ، وقد اختلف الأصوليون في الاجتهاد لرسول الله ﷺ وإمكانيته، هل له أن يجتهد أم لا؟ والصحيح الراجح أصولياً أنه يجوز له أن يجتهد، لكن إن أخطأ لا يمكن أن يقر على خطئه.
والدليل على اجتهاد النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ﴾ [النساء:٨٣].
والدليل الأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] والمشاورة تدل على أنه سيجتهد في الرأي الصائب السليم ثم يعمل به.
стр. 12
اجتهاد النبي ﷺ في الإعراض عن الأعمى
والصور التطبيقية لاجتهاد النبي ﷺ وإقرار الله أو عدم إقراره له في الاجتهاد كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١].
وسبب نزولها أن النبي ﷺ كان جالساً مع صناديد قريش، وكانوا هم الأكابر، ومعروف أن الرعية تتبع الراعي، فلو أن الراعي الكبير مثلاً أبا جهل أو غيره أسلم فإن الرعية كلها ستسلم، فقال النبي ﷺ : أنا آتي إلى الراعي وأبين له الإسلام حتى يدخل في الإسلام، فجاءه الأعمى ابن أم مكتوم وكان رجلاً ضعيفاً، فرجح الرسول ﷺ اجتهاداً أن ينشغل بالصناديد الأكابر حتى تأتي الرعية خلفهم، فلم يقره الله جل علاه على اجتهاده هذا فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] إلى آخر الآيات.
стр. 13
اجتهاد النبي ﷺ في العفو عن الكفار والمنافقين
وأيضاً عندما جاء المنافقون، أو ما يسمى في عصرنا: (الطابور الخامس) إلى رسول الله ﷺ في المدينة يعتذرون له عن عدم الخروج معه في السرية، فكان النبي ﷺ يقبل عذرهم ويردهم.
وهذا اجتهاد من رسول الله، فعتب عليه الله في هذا الاجتهاد، فقال له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
وأيضاً عندما اجتهد النبي ﷺ في أسارى بدر، فقد اختلف النبي ﷺ وأبو بكر مع عمر: هل يأخذ الفداء ويتركهم أحراراً أم يقتلهم؟ فاجتهد وأخذ برأي أبي بكر فلم يقره الله جل في علاه على هذا الاجتهاد، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخر الآيات.
стр. 14
اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله ﷺ
والغرض المقصود: أن النبي ﷺ قد اجتهد وكذلك الصحابة الكرام في عصر رسول الله ﷺ ، وفي هذا دلالة على أن الاجتهاد لم يمت أبداً، لكن الاجتهاد يكون لمن أعطاه الله الآلة التي يمكن أن يجتهد بها.
أما اجتهاد الصحابة في وجود رسول الله ﷺ فقد كان كثيراً جداً، لكن أشهره وأقواه كان في رقاب الناس وإهدار الدماء، كما حصل ذلك في اجتهاد سعد في بني قريظة، وذلك لما جاء سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (قوموا إلى سيدكم فأجلسوه، فقال: إنهم يرضون بحكمك؛ فقال لليهود: أترضون بحكمي؟ فقالوا: نرضى بحكمك، ثم نظر إلى مكان رسول الله، وحتى لا يتقدم عليه بين يديه، فقال: أيرضى هؤلاء بحكمي؟ يعني: أترضى يا رسول الله! فكأنه يلمح إليه تأدباً، فقال: اللهم نعم، فقال: أحكم فيهم بضرب أعناق رجالهم وسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات).
فهذا اجتهاد منه ﵁.
ومن الأمثلة صلاة عمرو بن العاص بالناس وهو جنب بالتيمم مع وجود الماء خشيةً على نفسه من الهلكة، فقال له النبي ﷺ : (أصليت بالناس جنباً يا عمرو؟! فقال: قد رأيت الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] فأقره النبي ﷺ على اجتهاده).
وكذلك: عمار بن ياسر عندما تمرغ في التراب جهلاً منه بكيفية التيمم، فلم يقره النبي ﷺ على الكيفية.
وكذلك حديث الرجلين اللذين سافرا- وهو في السنن وفي الصحيح- ففقدا الماء فتيمما ثم صليا الفرض، فلما سارا وجدا الماء، فقال أحدهما: إذا حضر الماء بطل التيمم، فتوضأ مرة ثانية وأعاد الصلاة، وأما الآخر فقال: إني قد صليت وأديت ما علي فلا أصلي مرة ثانية، فذهبا إلى رسول الله ﷺ فأقر رسول الله الاثنين، فقال للذي اكتفى بالتيمم: قد أصبت السنة؛ لأنه عمل بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وقال للآخر: لك الأجر مرتين؛ وذلك لأن الصلاة الثانية حسبت له نافلة؛ لأنه قد أدى الفريضة بالتيمم.
стр. 15
الاجتهاد في عصر الخلفاء الراشدين
والحاصل أن كثيراً من الصحابة قد اجتهد في عصر رسول الله ﷺ ، فمنهم من أقر ومنهم من أنكر عليه.
لكن هل حدث خلاف بعد موت رسول الله؟ فما من زمن يأتي بعد رسول الله إلا والذي بعده شر منه، فلابد أن يحدث الخلاف، لكن لرحمة الله بالأمة فقد جعل الخيرية في القرون المفضلة بعده ﷺ ؛ وذلك أن الخلاف ضاق جداً في عصر أبي بكر، وضاق جداً في عصر عمر، ثم توسعت الخلافات بين العلماء في عصر الصحابة بعد عمر بن الخطاب.
والسبب في ذلك: أن أبا بكر ﵁ وأرضاه كان في المدينة وكان الصحابة جميعهم مع أبي بكر في المدينة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ عمر بن الخطاب، فإذا عمت المسألة نظر أبو بكر في كتاب الله وسنة النبي ﷺ .
فائدة: هل يقال: كتاب الله وسنة نبيه، أم يقال: كتاب الله ثم سنة نبيه؟ والصحيح الراجح: أن الوحيين معاً، فتقول: انظر في كتاب الله وسنة النبي، وهو الذي جرى عليه المحدثون عندما ضعفوا حديث معاذ، والذي يستدل به الفقهاء والأصوليون دائماً: في أن كتاب الله هو الأول في الترتيب ثم سنة النبي ﷺ ، (عندما بعثه إلى اليمن فقال: بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فإن لم أجد في كتاب الله أحكم بسنة النبي ﷺ فكأنه جعلها مرتبة بعدية، فقال العلماء: هذا شاذ؛ لأن السنة والكتاب قرينان، فيحكم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ .
فالمقصود: أن أبا بكر كان ينظر في الكتاب والسنة، فإن وجد شيئاً اعتبر الأمر منتهياً، وإن لم يجد جمع الصحابة فجلسوا إليه فتشاور معهم في حل إشكال هذه المسألة، فإذا كان لديهم علم من رسول الله وإلا اجتمعوا على رأي واجتهاد واحد، وسمي ذلك إجماعاً كما هو عند أهل الأصول.
ومثال ذلك: عندما جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر! أين إرثي؟ فقال: إني لا أرى لك في كتاب الله أو سنة النبي ﷺ شيئاً، ولكن اذهبي حتى أستشير صحابة رسول الله ﷺ ، فجمع الصحابة لذلك، فقال المغيرة بن شعبة: (قد سمعت رسول الله ﷺ يورث الجدة السدس)، ووافق محمد بن مسلمة المغيرة على ذلك، فقضى أبو بكر لها بالسدس عملاً بسنة النبي ﷺ .
وكان عمر بن الخطاب يجمع الصحابة حوله، ويحرم عليهم الخروج من المدينة، فإذا أشكلت المسألة قال لهم: هل يحفظ أحدكم في هذه المسألة حديثاً عن النبي ﷺ ؟ وقد اختلفوا مرة في مسألة الجنين، يعني: إذا ضرب رجل امرأة وفي بطنها جنين فمات، فما الحكم؟ أقول: قد خفي الحكم في هذا على عمر، فجمع الصحابة جميعاً فقال: ما الحكم في الجنين؟ فقام المغيرة بن شعبة وقال: (يا أمير المؤمنين! قد رأيت رسول الله ﷺ يجعل في الجنين الغرة) فنزل عمر على كلام المغيرة، وبهذا ضاق الخلاف بينهم.
ثم بعد ذلك جاء عثمان فانتقل الصحابة إلى الأمصار، فذهب ابن مسعود إلى الكوفة، وذهب ابن عباس إلى مكة، فلما تفرق الصحابة في الأمصار عمت المسائل الجديدة، وأصبح من الواجب إيجاد حلول وأحكام لهذه المسائل الجديدة؛ لضرورة معرفة حكم الله في هذا الشيء.
стр. 16
سبب الخلاف في أقوال النبي ﷺ وأحوال الصحابة معها
стр. 17
من لم يبلغه الحديث فاجتهد وأصاب
فمنشأ الخلاف ابتدأ منذ تفرق الصحابة في البلدان كما سنبين إجمالاً ثم نفصل بعد ذلك، وقد كان جامع أصول الخلاف عند الفقهاء: هو قول النبي ﷺ أو فعله.
ولقول النبي حالات: منها أن يكون معللاً، أو أن يكون تعبدياً.
وقول النبي ﷺ بالنسبة للصحابة له أحوال: فصحابة بلغهم قول النبي ﷺ ، وصحابة لم يبلغهم قول النبي ﷺ ، وصحابة بلغهم قول النبي ﷺ لكنهم لم يفهموه على وجهه.
فمثال من لم يبلغه حديث النبي ﷺ : ما حصل لـ ابن مسعود ﵁ في الكوفة، فقد جاءه الناس فقالوا: يا ابن مسعود! امرأة مات عنها زوجها بعد أن عقد عليها ولم يسم لها المهر فما حكمها؟ فنظر ابن مسعود في ذلك فاشتد عليه الأمر، وقال: إليكم عني! فإني لم أجد فيها سنة عن النبي ﷺ ، فتركهم.
ثم جاءوا في اليوم الثاني فقالوا: يا ابن مسعود! إن لم نسألك أنت فمن نسأل؟ فقد علموا لمن يرجعون، فلا يرجعون إلا لأهل العلم المدققين المتقنين المحققين، ولا يأخذون بقول أي أحد، بل يأخذون العلم من أهله، وفي زماننا هذا اختلط الحابل بالنابل، واختلط العالم بالواعظ والداعية، واختلط طالب العلم المدقق بغيره من أشباه طلاب العلم.
والمستفتون مسئولون أمام الله عن الذي يختارونه للسؤال؛ لأن المقلد لا يسأل أمام ربه عن الفتوى، ولكنه يسأل عن اختياره للمفتي، ولكم أن تنظروا إلى الناس في قرون الخيرية، فلم يذهبوا إلا لصحابة رسول الله، مع أن التابعين في هذه العصور كانوا من أدق الناس نظراً في أدلة النبي ﷺ ، لكن إذا كان الصاحب موجوداً فإنه لا يرجع إلا إليه؛ لأنه أفقه وأعلم وأدق نظراً في كلام الله وكلام الرسول.
فقالوا: يا ابن مسعود! إن لم نسألك أنت فمن نسأل؟ فقال: إليكم عني! فإن الأمر خطير، فجاءوه في اليوم الثالث فقال: لم أجد فيها سنة فسأجتهد فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، ثم قال: لها المهر كاملاً ولها الإرث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشراً.
فنزلها منزلة الزوجة المدخول بها، إذ إن المطلقة قبل الدخول بها يثبت لها نصف المهر فقط.
فقام رجل فقال: يا ابن مسعود! والله لقد حكم رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق مثل ما حكمت.
فخر ابن مسعود ساجداً وقال: ما فرحت بشيء فرحي بموافقتي لرسول الله ﷺ .
إذاً: فالصنف الأول: هو من لم يبلغه حديث النبي ﷺ ، فاجتهد برأيه في المسألة، فوافق فيها رسول الله ﷺ .
стр. 18
من لم يبلغه الحديث فاجتهد فأخطأ
والصنف الثاني: هو من لم يبلغه حديث النبي ﷺ فاجتهد برأيه في المسألة فخالف فيها رسول الله ﷺ : ومن أمثلة ذلك أبو هريرة ﵁ وأرضاه؛ فإنه استفتي في الصائم يصبح جنباً، أي: رجل جامع أهله في ليل رمضان كما أباح الله له، فما اغتسل من الجنابة إلا بعد صلاة الفجر، فلما سئل أبو هريرة عن هذا أفتى بسقوط الصيام ولزوم القضاء عليه.
فجعل أبو هريرة الطهارة شرطاً في الصيام، فخالف بذلك حديث النبي ﷺ عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنباً وهو صائم فيغتسل ويتم صومه)؛ فدل هذا الحديث على أن الطهارة ليست شرطاً في الصيام، واستثنيت من ذلك مسألة الحيض؛ لثبوت الدليل فيها.
فهنا اجتهد أبو هريرة برأيه لعدم علمه بهذا الحديث فخالف بذلك حديث رسول الله، ثم بعد ذلك رجع، وقال: أرجع إلى حديث النبي ﷺ .
ومن هؤلاء الذين لم يبلغهم حديث النبي ﷺ فاجتهدوا وخالفوا النص الصحيح ثم رجعوا، عبد الله بن عمرو بن العاص أو ابن عمر، والشك مني، فقد كان يأمر كل امرأة لها ظفائر إذا أرادت أن تغتسل أن تحل هذه الظفائر، فكان يأمر النساء أن ينقضن شعورهن أو ظفائرهن عند الاغتسال.
فبلغ ذلك عائشة، وكانت عائشة شديدة على الذي يخالف السنن، وهذا لا يعاب على الشديد، لكن ينبغي له أن يكون شديداً متأدباً.
فقالت عائشة: (أما أمر ابن عمر النساء أن يحلقن رءوسهن؟ والله لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ، فكان يكفيني أن أحثو ثلاث حثيات على رأسي، أو قالت: وكنت أفرغ ثلاث إفراغات على رأسي ولا أنقض شعري).
فاستدلت بهذا الحديث على عدم وجوب نقض المرأة ظفائر شعرها إذا هي اغتسلت، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هو إقرار الرسول ﷺ ، فإن الرسول ﷺ رأى عائشة وهي تفرغ الماء على شعرها فلم يقل لها انقضي هذه الظفائر، فإقرار النبي لها يدل على الجواز.
فلما بلغ هذا الدليل ابن عمر فرجع إلى قول عائشة ﵂ وأرضاها.
стр. 19
من بلغه الحديث فلم يعمل به لعدم ثبوته عنده
الصنف الثالث: هو من بلغه الحديث في المسألة لكنه لم يفهمه على مراده أو لم يثبت هذا الحديث عنده: مثال ذلك: عمر بن الخطاب: فقد كان يذهب إلى أن المطلقة ثلاثاً تثبت لها النفقة والسكنى، فإذا أراد زوجها أن يرجع إليها لزمه أن يتزوج بها غيره وأن يدخل بها ثم يطلقها بعد ذلك؛ لقوله ﷺ : (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، إذاً: فلابد أن يطأها الآخر، وهذا هو الراجح الصحيح.
وقد جاءت فاطمة بنت قيس إلى عمر فقالت: (يا أمير المؤمنين! إني قد طلقني زوجي فبت طلاقي -تعني: طلقني ثلاثاً- فلم يجعل النبي ﷺ لي سكنى ولا نفقة)، فقال عمر بن الخطاب: والله لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لامرأة لا ندري أنسيت أم تذكرت.
وهذا يدل على الفهم الصحيح لقول النبي ﷺ : (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
وزيادة: (ولا سنة نبينا)، لا تصح؛ لأن في إسنادها رجلاً هالكاً، والذي ثبت عن عمر بالسند الصحيح هو قوله: (والله لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري تذكرت أم نسيت)، وهو يشير إلى قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
فهو استنبط من هذه الآيات وجوب النفقة والسكنى للمبتوتة على الزوج، ورد حديث فاطمة بنت قيس، وكأنه شكك في صحة ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ .
والمحدثون لا يأخذون بهذا، ولا تضعف أحاديث المرأة بهذه الأقوال أبداً، بل إن فاطمة بنت قيس كانت من أحفظ الصحابيات ﵂ وأرضاها، فقد حفظت حديث الدجال من فم رسول الله ﷺ مرة واحدة قاله على المنبر، وذلك عندما صعد على المنبر فابتسم وقال: (إن تميماً الداري حدثني).
والعلماء يلغزون بذلك ويقولون: كل الصحابة حدثوا عن رسول الله إلا فلاناً فإنه حدث عنه رسول الله، وهو: تميم الداري، فقد قال النبي ﷺ : (حدثني تميم الداري بحديث أعجبني كنت قد حدثتكم به)، ثم ذكر حديث الدجال الطويل، ومع ذلك فقد حفظته فاطمة ثم سردته للأمة بأسرها، فنحن نأخذ بقولها ونرد قول عمر الفاروق وزير رسول الله ﷺ ؛ لأنه خالف قول النبي ﷺ .
ومن أمثلة الصحابة الذين بلغهم النص ولم يفهموه: عدي بن حاتم ﵁ وأرضاه: فقد بلغه قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فأخذ خيطاً أبيض ووضعه تحت الوسادة، وأخذ حبلاً أسود ووضعه تحت الوسادة ثم نام، وكان كلما نظر إليهما لم يفرق بينهما فيأكل حتى طلعت الشمس ففرق بين الحبل الأسود والأبيض، فجاء إلى رسول الله فقال: (يا رسول الله! أكلت حتى طلعت الشمس، والله تعالى يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فقال: أين وضعت الحبل؟ قال: تحت الوسادة، فقال: إن وسادك لعريض).
وبعضهم يقول: إن هذه سبة من الرسول ﷺ له، وهذا خطأ على رسول الله، فرسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً.
والمقصود أن الخيط الأبيض: هو المستعرض في السماء كما بين النبي ﷺ ، والخيط الأسود: هو طلوع الفجر المستطيل في السماء، فإذا ما قست السماء بالوسادة وشبهتها بها صارت الوسادة عريضة بذلك، وهذا معنى قول النبي ﷺ .
فقد فهم هذا الصحابي النص على خلاف الصحيح، ثم بين له النبي ﷺ الفهم الصحيح، وبذلك محا الله هذا الخلاف في مسألة الصيام.
فهذا منشأ الخلاف في قوله ﷺ .
стр. 20
اختلاف الصحابة في حكم فعل النبي ﷺ
منشأ الخلاف عند الصحابة في فعل النبي ﷺ : فبعض الصحابة فهم أن فعل النبي سنة وقربة لابد أن نعمل بها، وبعضهم يرى أن فعل النبي ليس بقربة، بل هو عادة من نوى بها الاقتداء به ﷺ أجر على ذلك، لكنها ليست بعبادة.
مثال ذلك: عندما نزل النبي ﷺ بمكان بمكة اسمه الأبطح، فقد قال أبو هريرة: هذا النزول سنة، أي: أن كل من حج ورمى وأراد أن يرجع إلى بلده فعليه أن ينزل بالأبطح؛ لأنها سنة عن النبي ﷺ ، وكذلك فهمه ابن عمر هذا الفهم، وكان أشد الناس تحرياً لسنة النبي ﷺ فكان ينزل بالأبطح.
لكن عائشة لما سئلت قالت: لا والله ما نزل رسول الله ﷺ بالأبطح إلا وفاقاً لا قصداً، يعني: وافق مكان نزول النبي ﷺ ، فقد يكون تعب ثم نزل الأبطح لموافقته مكان راحته، فتبين من كلام عائشة أن هذا الفعل ليس بسنة، بل جاء ذلك وفاقاً لا قصداً، وهذا هو الراجح.
فالغرض المقصود أن الصحابة اختلفوا: هل فعل النبي يؤخذ على سبيل القربة أم الإباحة؟ فمن قال بالقربة اختلف مع من قال بالإباحة، وتفرع الخلاف هنا عند الفقهاء، فيقول مالك والشافعي مثلاً: إن هذا النزول في الأبطح سنة، ثم يأتيك الحنفي أو ابن حزم فيقول: ليس بسنة، فهذا الاختلاف منشؤه الاختلاف في فعل النبي ﷺ هل هو قربة أم لا؟ ومن ذلك أيضاً: أن ينظروا إلى فعل النبي هل هو خاص بالنبي أم لا؟ والذي جرى به قلم العلامة الشوكاني الجهبذ المجتهد المطلق، أنه إذا خالف الفعل القول فإن الفعل خاص.
مثال ذلك: الشرب قائماً، أو استقبال القبلة ببول أو غائط، فقد ثبت عنه ﷺ أنه استقبل القبلة ببول وغائط كما قال ابن عمر: (رقيت على بيت حفصة فوجدت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر الكعبة مستقبل بيت المقدس)، وكان قد نهى عن ذلك رسول الله كما سنبين في التعارض، فقال الشوكاني: فعل النبي خاص به، وعندنا النهي العام سواء في المراحيض أو غير المراحيض، فمن استقبل أو استدبر فقد أثم.
هذا كلام الشوكاني.
والشاهد من هذا: أنه يجعل فعل النبي خاصاً به، والجمهور يخالفونه فيرون أن الأصل في فعل النبي هو العموم؛ لأن الأحكام لا تتنزل خاصة بأحد إلا إذا دل الدليل على الخصوصية.
إذاً: فالقاعدة تقول: إن كل قول وكل أمر وكل فعل فهو لعموم الأمة لا يمكن أن يختص به رجل من الأمة ولا حتى رسول الله إلا أن يدل الدليل على التخصيص.
стр. 21
الاختلاف الفقهي الناتج عن الخلاف في حكم فعله ﷺ
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، إذ لو كان الفعل للنبي خاصاً به لما احتيج إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
ثم تتفرع مسائل عن هذه المسألة: وهي فعله ﷺ هل هو على الوجوب أم على الاستحباب؟ وهل هو على التخصيص أم على العموم؟ فهذا خلاف في الأصل يتفرع عليه الحكم الفقهي.
إذاً: فخلاف القول خلاف للفعل.
الثالث: خلاف القول من ناحية العلة: فيقولون: هذا القول معلل أو هذا القول غير معلل، فيتفرع عن ذلك الخلاف الفقهي، مثال ذلك: غسل الإناء من ولوغ الكلب، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، فهل ينطبق حكم الإناء على الثوب فيغسل سبع مرات ويعفر الثامنة بالتراب؟ ف
الجواب
أن العلماء اختلفوا في علة هذا الحكم -وهو الغسل سبعاً من ولوغ الكلب- فقالت المالكية والأحناف: نغسله سبعاً لعلة النجاسة، والزيادة في الغسل على المرة والمرتين مستحبة.
وقال الشافعي وأحمد: بل نغسله سبع مرات وجوباً؛ لعلة التعبد فقط؛ لأن النجاسة أصل واحد، فكونه أمر بهذه الزيادة في الغسل دل ذلك على أن المسألة تعبدية محضة، ومن هنا نشأ الخلاف الفقهي في هذا الحديث: هل هو معلل أم متعبد به؟ والصحيح الراجح: أنها مسألة تعبدية، فلابد من غسل الإناء سبعاً وتعفيره الثامنة بالتراب.
أما الصنف الثاني من مسألة التعليل فيقولون: هو معلل، لكن يختلفون في ضابط العلة، وهل هي علة أم لا؟ مثال ذلك: الاختلاف في علة الربا، فقد قال بعض الفقهاء بالقياس على الأصناف الستة في الربا، وهي: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والملح بالملح، والشعير بالشعير، فلابد في هذه الأصناف من التقابض يداً بيد ومن التماثل.
فهذه أصناف ربوية لا يصح فيها التبادل إلا يداً بيد، فلابد من الحلول في المجلس والتساوي إذا اتفقا في الجنس كذهب بذهب، وإذا اتفقا في الجنس واختلفا صفة كأن كان هذا ذهباً مكسراً محروقاً والآخر نظيفاً مصنوعاً بأرقى المواصفات فلابد من التساوي.
أما إذا اختلفا في الجنس كالذهب والفضة فلا بد أن يكون يداً بيد، ويجوز التفاضل، فلو أتيت بمائة كيلو من الفضة مع كيلو من الذهب فإنه يجوز بشرط أن يكون يداً بيد، وأيضاً في البر والشعير.
فالغرض المقصود: أن بعض العلماء قاسوا على الأصناف الستة غيرها فأدخلوها فيها، وهؤلاء الذين قالوا: بأن هذا الحديث معلل، أي: له علة.
أما ابن حزم وابن عقيل من الحنابلة فقد قالا: بأن هذه الأصناف تعبديه فلا يقاس عليها شيء.
ثم اختلف القائلون بالعلة في ضبط العلة، فالأحناف مثلاً والحنابلة يرون أن العلة في الذهب هي الوزن، ومفاد العلة بالوزن أن الحديد بالحديد لا يصح بيعه إلا كيلو بكيلو.
وهذا غلط، والصحيح الثمنية.
والشافعية والمالكية يرون أنها علة أخرى، وليس هذا باب النظر فيها، لكن الغرض المقصود: أنهم اختلفوا في قول النبي هل هو معلل أم متعبد به؟ فنشأ من هنا الخلاف الفقهي بين العلماء على هذا الأصل الفقهي، فهذا هو الصنف الثاني.
ومن هذا أيضاً: الاختلاف في علة القيام للجنازة، فبعض العلماء يرون أن القيام للجنازة منسوخ، وهذا ليس بصحيح، بل الراجح: أنه ليس بمنسوخ، لكن المدققين نظروا في القيام للجنازة فقالوا: نريد أن نعرف ما هي العلة حتى نقوم أو نقعد؟ فقال بعضهم: العلة في القيام: هي احترام الملائكة، وقد جاء بسند صحيح في سنن النسائي: (أن النبي ﷺ مرت عليه جنازة يهودي فقام، فقالوا: يا رسول الله! إنه يهودي، فقال: تحفه الملائكة أو قال: تصحبه الملائكة)، فهي إشارة من النبي أن القيام كان تعظيماً للملائكة، وبعضهم يجري ذلك إلى جواز القيام للمعظم وللعالم الجليل وللأب وللأم، خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل الظاهر والألباني ﵀ في عدم جواز القيام، وهذه المسألة ستأتي إن شاء الله.
وجاء في رواية أخرى في سنن أبي داود وسنن النسائي أيضاً بسند صحيح: (لما مرت الجنازة على النبي ﷺ وقام فقالوا: يا رسول الله! إنه يهودي فقال: إن للموت فزعاً)، أو كما قال ﷺ ، والمعنى: أنه قام تعظيماً وتذكيراً بأمر الموت، فهو يستحضر في قلبه الموت وسؤال الملك، فإن سيسأله ويقول: من ربك؟ ما دينك؟ والصحيح الراجح في هذا: هو الجمع بين العلتين.
وقد ورد أيضاً أن الحسن لما مرت عليه جنازة لم يقم، فاعترضوا عليه وقالوا: مرت جنازة على رسول الله فقام وكانت جنازة يهودي، فقال الحسن: قام رسول الله خشية أن تعلو جنازة اليهودي رأسه ﷺ .
وفي هذا دلالة: على أن أهل الإسلام لا يقربون إلا أهل الإسلام، ولذلك كان عمر يقول: كيف تقربوهم وقد أبعدهم الله؟ فـ الحسن يقول: مرت الجنازة من فوق رأس رسول الله ﷺ فخشي ذلك فقام؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والصحيح الراجح: هو الجمع بين العلل، فإنه يجوز أن تقوم، ويجوز ألا تقوم، وهذا شاهد لنا بأن الفقهاء اختلفوا عند النظر في تعليل الدليل.
فالغرض المقصود بهذا الصنف الثالث هو الاختلاف في العلة.
стр. 22
مسألة تعارض الأدلة والجمع بينها
الصنف الرابع: تعارض الأدلة: فقد نتج عنه أيضاً اختلاف بين الفقهاء، وقد يقع التعارض بين القول والقول، أو بين القول والفعل، وقد نظر العلماء إلى هذا التعارض فوجدوا التعارض في القول والفعل، فاختلفوا في الأحكام الفقهية نظراً لهذا التعارض.
ويجب أن نعلم أولاً: أنه لا يجوز لأحد أن يقول: إن كلام النبي ﷺ متعارض، أو إن كلام الله متعارض والعياذ بالله، فقد خرج كله من مشكاة واحدة، لكن التعارض كما قال ابن حجر وقرره قال: التعارض حاصل في نظر المجتهد وليس التعارض في قول النبي ﷺ .
فالعلماء ينظرون في الأدلة التي ظاهرها التعارض فيقولون: نجمع بين القولين، أو نرجح، أو ننظر في الناسخ والمنسوخ، وهذا منشأ الخلاف عند الفقهاء، فمنهم من يعرف طريقة الجمع، ومنهم من لا يستطيع فيرجح، ومنهم من ينظر إلى الناسخ والمنسوخ، فينشأ بالتالي الخلاف الفقهي بين العلماء.
مثال ذلك: أن النبي ﷺ كما في حديث أنس: (مر على رجل يشرب قائماً فقال له: تريد أن يشرب معك الهر؟)، قال: (تريد أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: يشرب معك من هو أشر من الهر الشيطان)، ففي هذا دلالة على النهي الأكيد؛ لأن الشيطان يشرب معك.
وفي رواية أخرى في السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من شرب قائماً فليستقئ)، وهذه دلالة أخرى: على شدة الحرمة، فهذا قول.
ثم جاء عن النبي ﷺ بعد ذلك أنه شرب قائماً: (فقد شرب النبي من شن معلقة -من قربة معلقة- قائماً، وشرب من ماء زمزم وهو قائم).
فهذه أدلة ظاهرها التعارض، فقد ثبت من فعله أنه شرب قائماً، وثبت من قوله أنه نهى عن ذلك، ومن هنا نشأ الخلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: الحاظر يقدم على المبيح، فنرجح ونقول: بأن النهي هو الذي يعمل به، وبالتالي فلا يجوز أن يشرب قائماً.
وقال الشوكاني: بل يكون فعله خاصاً به ويبقى النهي على عمومه.
ومنهم من يقول: إن القاعدة عند العلماء: أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وأن إعمال الكلام خير من إهماله، فيكون النهي عن الشرب قائماً مصروفاً من التحريم إلى الكراهة، وقد يفعل النبي المكروه تبييناً للأمة وتشريعاً لها وكأنه يقول: من شرب قائماً فليس بآثم، لكنه مكروه فلا يكثر منه.
ومثال ذلك أيضاً: البول قائماً، فقد ورد النهي عنه وورد الجواز فيه بالفعل، ففي سنن الترمذي عن عبد الكريم بن أبي المخارق: (أن عمر بن الخطاب بال قائماً فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، قال: فما بلت قائماً منذ أمرني رسول الله ﷺ أو منذ نهاني رسول الله ﷺ ، وهذا الحديث ضعيف؛ وعلته: ابن أبي المخارق، فهو ضعيف ضعفه المحدثون فالسند ضعيف، لكنه جاء بسند صحيح عن عائشة أنها قالت: ما بال رسول الله قائماً قط، ومن حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائماً فقد كذب أو أخطأ.
فهذه الآثار تدل على النهي عن التبول قائماً.
لكنه جاء في الصحيح عن المغيرة بن شعبة قال: (أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائماً) والسباطة: هي المزبلة.
فهذه الأدلة ظاهرها التعارض، ومن هنا نشأ الخلاف بين العلماء: فبعضهم يقول بحرمة البول قائماً، وبعضهم يقول بالجواز؛ لأن أصل الخلاف ورد في فهم فعل النبي ﷺ عند تعارض الأدلة.
ونحن نقول: الراجح الصحيح هو التفصيل؛ فإن كان على أرض صلبة فلا يجوز له أن يبول قائماً؛ لأن الرذاذ سيرجع على ثوبه، فلا يصح أن يبول قائماً في المراحيض الموجودة الآن لصلابتها، إلا إذا أمن الرذاذ أن يرجع عليه، أما إذا كانت الأرض رخوة كالسباطة فيجوز له أن يبول قائماً، والأصل: هو البول قاعداً، وهذا هو الصحيح.
فالغرض المقصود: أن منشأ الخلاف جاء في فعل النبي ﷺ عند التعارض بين القول والفعل أو بين الفعل والفعل.
стр. 23
معرفة الناسخ والمنسوخ وأثر ذلك على الخلاف الفقهي
ثم يأتي بعد ذلك النسخ: ومثال ذلك: نكاح المتعة، والشيعة يقولون بجوازه أخذاً بقول ابن عباس.
أما جمهور العلماء فيقولون بحرمته؛ لأن نكاح المتعة كان مباحاً في أول الإسلام ثم نسخه النبي ﷺ وحرمه بعد ذلك، إلى الأبد، يعني إلى يوم القيامة.
والحقيقة أن ابن عباس لم يقل بجواز المتعة مطلقاً، لكنه أجازها عند الضرورة، فإنه لما استفتي في هذه المسألة قال: هي كالميتة، يعني تجوز عند الضرورة.
ويجوز للرجل الذي يعيش في الخارج وخشي على نفسه الوقوع في الزنا أن يتزوج زواجاً بنية الطلاق، فإن عقد النكاح بهذه الصورة يكون صحيحاً بشرط أن تكون من أهل الكتاب، لكن هذا الزواج ليس من المروءة في شيء.
فالغرض المقصود: أن ابن عباس لم يعلم بالناسخ، ولكنه ضيق في زواج المتعة فلم يبحها إلا عند الضرورة، وقد سأله علي بن أبي طالب فقال: تفتي بالمتعة؟ قال: نعم، فقال: إنك رجل تائه.
فغلظ عليه القول لأنه دين الله تعالى؛ ولذلك فإن بعضهم يعيب علينا عندما نقول: إن قول الشيخ الفلاني والعلاني لا يعتبر لأنه خالف قول النبي ﷺ ، فهذا ابن عباس الذي احتضنه رسول الله ﷺ وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، والذي كان يقدمه عمر بن الخطاب على كثير من الصحابة، يقول له علي بن أبي طالب معنفاً: إنك رجل تائه، إن رسول الله حرم نكاح المتعة يوم خيبر.
ليس هذا فحسب، بل عن عبد الله بن الزبير -والذي كان خليفة للمسلمين بالمبايعة لولا ما فعله الحجاج به- فقد قام مرةً خطيباً في الناس فقال: مالي أرى أناساً قد أعمى الله بصائرهم كما أعمى أبصارهم -يعرض بـ ابن عباس، وقد كان عمي في آخر عمره- قال: يفتون بالمتعة، والله لأنكلن بمن يقول ذلك.
فقام ابن عباس وسط الخطبة وقال: مالي أراك جلفاً جافياً كالأعراب -أي: غليظاً- فقال: افعلها! فوالله الذي لا إله إلا هو لأرجمنك بأحجارك.
والحق: أن ابن عباس كان مجتهداً في ذلك، والمشاجرة الكلامية بين عبد الله بن الزبير وابن عباس لا تفسد للود قضية أبداً، وإنما نقلناها حفاظاً على آثار السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
فالغرض المقصود أنه عندما لا تبلغ العلماء والفقهاء مسألة الناسخ والمنسوخ اختلفوا في الحكم الفقهي.
وهذا يبين لك أهمية التأصيل العلمي لمثل هذه المسائل، فإن التفصيل هو الذي يجعل الإنسان يعلم كيف يصدر العلماء هذه الأحكام من الأدلة، ونحن سنتكلم في مسائل كمفهوم المخالفة، والقياس، والمصالح المرسلة، والإجماع، فمثلاً: هل من المتصور وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة؟ مثال ذلك: مسألة الذهب المحلق التي عارض فيها فقهاء عصرنا الشيخ الألباني فقيل له: خالفت الإجماع، فرد عليهم: بأن الإجماع غير متصور بعد عصر الصحابة، واستدل بقول الإمام أحمد: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا.
وسنبين هذه المسائل التي هي محل خلاف بين فقهائنا وأصل منشأها، فإن أصلها يعود إلى الكلام عن الإجماع والقياس ومفهوم المخالفة وما أشبه ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 24
الاختلاف في القواعد الأصولية - التشريع ومصادره في عهد الرسول
للخلاف بين العلماء أسباب كثيرة، منها: الاختلاف في القراءات، فكل يستدل بقراءة معينة على الحكم الذي يراه، ومن أسبابه: الاختلاف في السنة، وله أسباب منها: عدم الاطلاع على الحديث، والاختلاف في ثبوته ونحو ذلك.
стр. 25
الاختلاف في القراءات وأثره في الاختلاف في المسائل الفقهية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد.
إن أفضل الأصول الذي يحتج به كل إنسان يشتم رائحة العلم هو كتاب الله جل في علاه، ثم سنة النبي ﷺ .
فأصل الأصول هو الكتاب، وقد اتفق العلماء على أن القرآن هو كلام الله المبين الحاكم على عباده، فما اختلف العلماء في الكتاب، ولكن اختلفوا في أمر آخر مهم جداً ألا وهو: فهم دلالات الكتاب، وفهم المراد من كتاب الله جل في علاه، وفهم ما هو مراد الله من الآية أو من الحكم الشرعي.
واختلفوا أيضاً في القراءات، أما بالنسبة للاختلاف في الدلالات فسيأتي؛ لأن بابها واسع جداً.
الاختلاف في القراءات قد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك -أو أمتك- أن يقرءوا القرآن على حرف، فقال النبي ﷺ : أسأل الله المعافاة! إن أمتي لا تطيق ذلك، فجاءه جبريل في المرة الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أمتك أن يقرءوا القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله المعافاة! إن أمتي لا تستطيع ذلك، فقال: إن الله يأمرك -في المرة الثالثة- أن تأمر أصحابك -أو أمتك- أن يقرءوا القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله المعافاة! فجاءه في الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أمتك أن يقرءوا القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا، أو فمن قرأ بها فقد أجزأته).
فالقرآن نزل على سبعة أحرف، وكل حرف يختلف عن الآخر؛ ولذلك نجد في بعض الروايات أن الله يقول: ((فتثبتوا)) وفي قراءة أخرى تقرأ: (فَتَبَيَّنُوا).
стр. 26
الاختلاف في مسألة غسل الرجل في الوضوء
والاختلاف في فهم القراءات أثمر خلافاً في المسائل الفقهية، مثال ذلك: مسألة غسل الرجل في الوضوء، فنتيجة لأن العلماء اختلفوا في القراءات أثمر ذلك الاختلاف في حكم غسل الرجل أو مسحها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] هذه قراءة نافع والكسائي وأبي عمرو، وأما ابن كثير وحمزة فقرأا: ((وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم)) بالكسر فالقراءة المعهودة المعروفة عند المصريين: ((وَأَرْجُلَكُمْ)) بالفتح فتكون معطوفة على ((فَاغْسِلُوا وجُوهَكُم)) أي: معطوفة على الغسل.
أما القراءة الثانية، وهي قراءة سبعية، وصلت إلينا بالتواتر، أي: أنها متفق عليها، فقرأت: وأرجلِكم، فتكون معطوفة على المسح، وبذلك نبع من الاختلاف هذا في القراءة اختلاف الفقهاء في الحكم الفقهي.
стр. 27
حكم غسل الرجل في الوضوء
فالجمهور من أهل العلم يرون أن غسل الرجل هو الوارد، وهو الذي يجب، ومعنى ذلك أن المسح عندهم لا يجزئ؛ لأن الواجب معناه هو الذي يجزئ وهو الذي يقبل، واحتجوا بالقراءة المشهورة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) [المائدة:٦] وعضد ذلك الاستدلال أحاديث كثيرة، منها حديث النبي ﷺ عندما كانوا في سفرة؛ فنظر إلى أقوام يتوضئون فكانوا يمسحون على أرجلهم، فصرخ فيهم النبي ﷺ قائلاً: (ويل للأعقاب من النار) فهذه دلالة على أن المسح لا يجزئ.
القول الثاني: قول من أخذ بالقراءة الثانية وهي قراءة: (وأرجلِكم)، وهو قول ذهب إليه أنس بن مالك وابن عباس، وهو قول الشيعة، فقالوا: الواجب هو المسح، ولا بد أن يقولوا: إن الغسل يجزئ؛ لأن الغسل يشمل المسح.
القول الثالث: لـ ابن جرير الطبري، فقد نظر إلى القراءتين فقال: المصلي مخير بين أن يغسل وبين أن يمسح، وهذا كلام جيد جداً، وهو من الحسن بمكان؛ ذلك لأنه يعضد القاعدة التي قعدها العلماء: إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما، لكن يشكل عليه حديث النبي ﷺ : (ويل للأعقاب من النار)؛ لأنه لم يرض بالمسح.
القول الرابع: قول ابن حزم، وهو قول عجيب، فقد قال: إنه يجب على المصلي الغسل والمسح، ولا بد أن يجمع بين الغسل وبين المسح، وحجته في قوله أن الله جل وعلا أمر بالغسل وأمر بالمسح، ففي القراءة الأولى أمر بالغسل في قوله: ((وَأَرْجُلَكُمْ))، وفي القراءة الثانية أمر بالمسح، وكلا الأمرين من الله، وهذا القول قريب من كلام ابن جرير.
ولكن الأصل إذا تعارضت القراءات في حكم من الأحكام، أو كان ظاهرها التعارض، فإنه لا بد لنا من الرجوع للسنة والمرجحات.
ومن الأدلة التي تعضد وجوب الغسل: أن جميع الذين رووا ونقلوا صفة وضوء النبي ﷺ قالوا: (فغسل رجله ثلاثاً)، وفي حديث عثمان المتفق عليه قال: (فغسل رجله إلى الكعبين) ولم يذكر ثلاثاً ولا واحدة.
فالغرض المقصود أن كلاً من زيد أو أسامة أو علي بن أبي طالب أو عثمان أو أنس، وكل من روى لنا وصف وضوء النبي ﷺ ما قال أنه قد مسح على رجله مرة واحدة، إذاً فعل النبي ﷺ المداوم عليه دل على أن الواجب هو الغسل.
لكن الأصل في الفعل أنه لا يفيد الوجوب، ولكن الفعل هنا يفيد الوجوب للقاعدة التي تقول: بيان الواجب واجب؛ لأن النبي ﷺ لما بين لنا الوضوء قد بين لنا ما أوجب الله علينا، والقاعدة عند العلماء: بيان الواجب واجب.
والواجب هو قول الله تعالى: ((فَاغْسِلُوا)) وهذا لفظ أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فأوجب علينا الغسل، والقراءة الثانية أوجب المسح، فلو كان المسح هو المراد لمسح مرة واحدة ليبين لنا الجواز؛ لأنه لما حرم الشرب قائماً شرب هو قائماً؛ ليبين لنا أن هذه ليست على التحريم ولكنها على الكراهة.
أما الإجابة عن القراءة الثانية فهي من وجوه: الوجه الأول: أن القراءة بالجر جاءت للجوار، فالجر هنا للجوار، وهذه معروفة في اللغة وفي أشعار العرب؛ بل ورد في القرآن جر ما حقه الرفع من أجل الجوار، قال الله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن:٣٥]، وقد ورد في القراءة السبعية الأخرى: (يرسل عليكما شواظ من نارٍ ونحاسٍ)، مع أن النحاس مختلف، فقالوا: الجر هنا للمجاورة، والأصل فيها الرفع، وهي القراءة المشهورة: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن:٣٥] فلما جرت في القراءة الثانية جرت للمجاورة.
الوجه الثاني: أن قراءة: (وأرجلِكم) خاصة بالخف؛ لأن النبي ﷺ كما في حديث صحيح عن المغيرة بن شعبة: (قام فبال على سباطة قوم قائماً، ثم توضأ، فلما توضأ أهوى المغيرة لينزع خف النبي ﷺ فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ثم مسح على خفيه) فتكون (وأرجلكم) عطفاً لبيان جواز المسح على الخفين.
والرد على كلام ابن جرير الطبري الذي يقول: يجوز الأخذ بالقراءتين: بأنه لو كان صحيحاً لفعله النبي ﷺ ، لبيان الجواز، ولو كان يجزئ المسح لبينه، ولما أنكر على من مسح وقال: (ويل للأعقاب من النار).
стр. 28
الخلاف وأسبابه وبعض أمثلته
السنة حدث فيها خلاف، فقد نجم خلاف بين الفقهاء والعلماء في السنة: إما في فهم مراد الرسول ﷺ ، وإما لعدم الثبوت، وإما لعدم الاطلاع.
стр. 29
عدم الاطلاع على الحديث
أولاً: عدم الاطلاع على الحديث، فبعض الصحابة كانوا يجلسون حول رسول الله، ويكتبون عنه الحديث، وبعضهم كان يعمل وينشغل بالتجارة والزراعة وغيرها.
ونتيجة لهذا فإن بعض الصحابة لم يدركوا أحاديث النبي ﷺ ، ولم يحدثوا بأحاديث النبي ﷺ ، فكانت تعرض عليهم المسائل فيخالفون أو يوافقون، أو أنهم ما كانوا يعرفون عن هذه المسألة شيئاً فيتفقون.
стр. 30
خلاف العلماء في حكم تيمم الجنب
ومن هذا تيمم الجنب، فإذا أجنب امرؤ فلم يجد ماءً فقد قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] لكن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينكر على الجنب الذي يتيمم إن لم يجد الماء، وكان يقول: إن لم يجد الماء فعليه أن يمتنع عن الصلاة عشر سنين، ووافقه في هذا القول ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فقال: إذا أجنب المرء ولم يجد الماء فلا يتيمم ويبقى جنباً، فلا يصلي حتى يجد الماء ثم يقضي.
أي مشقة هذه؟! وهذا مخالف لمقاصد الشريعة، والذي جعل عمر بن الخطاب يفتي بذلك أنه لم يطلع على سنة النبي ﷺ ، وقد وافقه ابن مسعود ﵁ وأرضاه.
فاستنبط العلماء: أن من كانت عنده آلة الاجتهاد؛ فاجتهد وأقام العبادة على اجتهاده وإن كانت على خطأ فلا يعيدها، فقد أصاب أجراً بذلك ولا يعيد الصلاة، ومن ذلك قصة عمار بن ياسر الذي تمرغ في التراب كما تمرغ الدابة؛ لأنه أجنب ولم يجد ماءً، فذهب إلى النبي ﷺ فقص عليه القصة، فأقره النبي ﷺ ، وبعدما أقره قال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ثم ضرب بيديه الأرض ومسح ظاهر كفيه ووجهه، وفي رواية: (نفخ التراب، ثم تمسح وجهك وتمسح كفيك، فيكفيك ذلك لكل بدنك) فقام عمار فقال لـ عمر -وكان عمر يفتي أنه لا تيمم من جنابة-: أما تذكر حين كنت جنباً وقد حدث كذا وكذا وكذا فلم يتذكر عمر الواقعة، فقال عمار: إن أردت أن أكف عن هذا الحديث أكف، فقال له: لا والله! نوليك ما توليت.
فالذي جعل هذا الخلاف يحدث بين الصحابة أنه لم يصل إلى عمر حديث النبي ﷺ .
стр. 31
خلاف العلماء في ميراث المفوَّضة
أيضاً علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه كان دائماً ما يسأل عن المفوَّضة، والفرق بين المفوَّضة والمفوِّضة: أن المفوِّضة في العقيدة، والمفوَّضة في الفقه، فالمفوضة في العقيدة من الفرق الضالة، والإمام حسن البنا رحمة الله عليه كان يقول بالتفويض، وكثير من الإخوان يعتقدون بعقيدة التفويض، وهو أن يفوض الكيف ويفوض المعنى، بمعنى إذا قيل لك: ربك سميع، فماذا تعلم عن سميع؟ وما معنى سميع؟ أي: يسمع الأصوات والحركات والسكنات، وهم يقولون: نعم سميع، لكن لا نعلم ما معنى سميع، والذي نعرفه عن سميع أنه سين بجانب ميم بجانب ياء بجانب عين! وهكذا بقية الأسماء.
أما المفوَّضة فهي المرأة التي عقد عليها زوجها ولم يسم مهرها، ومات عنها، فكان علي يقول: المفوضة التي مات عنها زوجها ليس لها شيء، أفتى بهذا؛ لأنه لم يصل إليه حديث النبي ﷺ في هذه المسألة، وهو حديث بروع بنت واشق، فقد مات عنها زوجها ولم يسم لها المهر؛ فجعل النبي ﷺ لها المهر، وجعلها ترث من زوجها.
فالخلاف الذي بين الصحابة كان منشؤه أنه لم يطلع على حديث النبي ﷺ ، فـ علي بن أبي طالب لا يريد أن يخالف حديث النبي الله ﷺ ، لكنه اجتهد رأيه وخالف.
стр. 32
الخلاف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
ومن الأمثلة أيضاً: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فكتاب الله قد فسر لنا العدد، قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيضات، والحامل حتى تضع حملها قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فإذا كان عندنا عدتان: عدة الحامل، وعدة المتوفى عنها زوجها، فنجمع بين الاثنين أن المرأة حامل ومات زوجها، فاختلف العلماء في حكمها، وهذا الخلاف نابع من عدم الاطلاع على الأحاديث.
فننظر إلى الدليلين فنعملهما؛ لأن كل الأدلة خرجت من مشكاة واحدة، فإعمال الدليلين أولى من إهمال واحد منهما.
فلذلك نظر علي بن أبي طالب وابن عباس في هذه المسألة فقالا: قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فللجمع بينهما قالوا: تعتد بأبعد الأجلين، فإن كانت حاملاً ومات زوجها مات فننظر: إن كانت حاملاً في الشهر الثاني فعدتها أن تضع؛ لأن هذا أبعد، وإذا كانت في الشهر الخامس فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ لأنه أبعد الأجلين.
وهذا الذي أفتى به علي وابن عباس، حتى إن أبا هريرة وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنكرا على ابن عباس، فتناظرا في هذه المسألة، فقال ابن عباس: تعتد أبعد الأجلين، ونعمل بالدليلين، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لا والله! بل عندما تضع، أي: عدتها عندما تضع، فقال أبو هريرة: نبعث إلى أم سلمة حتى ننظر هل فيها سنة أم لا؟ فبعثوا إلى أم سلمة، فقالت أم سلمة ﵂ وأرضاها: إن سبيعة الأسلمية كانت حاملاً، ومات عنها زوجها، وما لبثت أن وضعت، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك وقال: تريدين النكاح يا لكع؟ لا والله حتى يبلغ الكتاب أربعة أشهر وعشراً، قالت: فجمعت عليَّ ثيابي فذهبت إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ بعدما وضعت (قد حللت للنكاح)، وهنا فصل الخطاب بين الآيتين، فقد فصل النبي ﷺ وبين لنا مرجحاً من المرجحين، وهو أن المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها عدتها أن تضع حملها، إذاً إذا كان عندنا امرأة حامل، مر عليها أربعة أشهر وعشر، واشتاقت للنكاح، فماذا نقول لها؟ نقول: الراجح في الخلاف أنها تنتظر إلى أن ترضع، فإذا وضعت حملنا عموم قول الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] على خصوص الحامل ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤].
стр. 33
الخلاف بين الصحابة في الربا
ومن الأمثلة أيضاً: أنها حدثت خلافات بين فقهاء الصحابة -بسبب عدم الاطلاع- في الربا، فـ ابن عباس وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد والزبير بن العوام يجعلون الربا في النسيئة فقط، ويقولون: إنه لا ربا إلا في النسيئة، ويحدثون بحديث النبي ﷺ : (لا ربا إلا في النسيئة)، واختلف معهم جماهير الصحابة على أن الربا عام: ربا نسيئة وربا فضل، وكان سبب الخلاف أنهم ما عرفوا بحديث عمر بن الخطاب ولا حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء) وقال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، يداً بيد، ولا تشفوا بعضه على بعض) يعني: لا تزيدوا بعضه على بعض، ولا بد من التقابض في المجلس، فكان ابن عباس يفتي إلى آخر عمره أنه (لا ربا إلا في النسيئة)، أي أنه يجوز أن يعطي الدينار بدينارين، ويعطي الدينار بعشرة، ولكن لابد من التقابض في المجلس؛ لأن عنده النسيئة -وهو التأخير- هو المحرم، فطالما أنه كان التقابض في المجلس فيجوز أن تفعل ذلك بزيادة كيفما شئت، فقال له أبو سعيد الخدري: اتق الله، أما علمت رسول الله ﷺ يقول: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، سواء بسواء!) وروى ابن عبد البر: أن ابن عباس قد رجع عن قوله، ورجع أسامة.
لكن الصحيح أن الذي رجع أسامة وزيد والزبير وابن مسعود، لكن ابن عباس اختلفت الروايات اختلافاً شديداً هل رجع أم لم يرجع، ولذلك يقول ابن عبد البر في التمهيد سواء رجع ابن عباس أو لم يرجع فالحجة ليست في ابن عباس ولكن الحجة في السنة، وإذا لم يرد شيء عن رسول الله فنرجع إلى الصحابة، لكن الصحابة إذا قالوا خلاف قول النبي وجب الأخذ بقول رسول الله ﷺ .
стр. 34
الاختلاف في القواعد الأصولية - الشك في ثبوت الحديث والاختلاف في فهم النص وتفسيره
للاختلاف بين العلماء أسباب كثيرة، فقد يكون بسبب عدم ثبوت الحديث عند بعضهم وثبوته عند الآخرين، وقد يكون سبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم النصوص مع اتفاقهم على ثبوتها، أو بسبب أن اللفظ الواحد يحتمل أكثر من معنى، وغير ذلك، ولكل سبب أمثلة ذكرها الفقهاء والأصوليون.
стр. 35
عدم ثبوت الحديث وأثره في اختلاف العلماء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، وقد انتهينا من الكلام على الاختلاف في القراءات، ثم الشك في ثبوت الحديث، وذكرنا أن هذه كلها من أسباب الخلاف وتكلمنا عن أثر عدم ثبوت الحديث عندهم في الاختلاف، وذكرنا من أمثلة ذلك حديث عمار بن ياسر مع عمر بن الخطاب في تيمم الجنب، وأن أبا موسى الأشعري قال لـ ابن مسعود: أوما وصلك حديث عمار بن ياسر؟ قال: أو ما علمت كيف رد عليه عمر؟ وعمر رد على عمار بقوله: (نوليك ما توليت) ولم يتذكر القصة.
стр. 36
خلاف العلماء في حكم القضاء على من أفطر ناسياً
من أمثلة الاختلاف في ثبوت الحديث وعدمه: الصائم إذا شرب أو أكل في صومه نسياناً هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ اختلف العلماء في الصائم الذي أكل وشرب ناسياً هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ واجتمعوا على أنه لا إثم عليه، لكن اختلفوا هل يجزئه هذا الصوم أو لا يجزئه؟ على قولين: قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أنه لا قضاء عليه لو أكل أو شرب ناسياً؛ لأنه إنما أطعمه الله وسقاه.
وأصل الخلاف هنا عدم ثبوت الحديث عند قوم وثبوته عند آخرين، فعند الجمهور ثبتت رواية لم تثبت عند المالكية، واحتجوا بحديثين: الحديث الأول: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه)، هذا الحديث اتفق عليه الأئمة الأربعة، والذين ينازعون في القضاء يقولون: إن النبي ﷺ لم يتعرض في هذا الحديث للكلام عن القضاء، وإنما أمره أن يتم هذا اليوم الذي أكل أو شرب فيه ناسياً، لكن الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أجابوا وقالوا: عندنا رواية أخرى -وهي في سنن الدارقطني - وفيها: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، ولا قضاء عليه)، وهذا فصل في محل النزاع قال: (لا قضاء عليه).
وجاء المالكية فقالوا: عندنا أن الذي أكل أو شرب ناسياً لا إثم عليه وعليه القضاء، ودليلنا القواعد العامة في الشريعة، والقواعد العامة في الشريعة أدلتها كثيرة جداً، منها: أن كل عبادة قد وصفها الله لنا وصفاً بشروط وأركان، فحتى تصح لا بد فيها من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع.
فالقاعدة: أن كل عبادة وصفت بوصف لها شروط وأركان لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان وتنتفي الموانع حتى تقبل، ودليلها قوله ﷺ : (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فتبين لنا أن من شروط الصلاة التطهر، فلا بد من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع حتى تقبل الصلاة.
قالت المالكية: ونظرنا في الصوم فوجدنا أن أهم أركان الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، فقالوا: هذا لم يمسك، إذاً: فقد اختل ركن من أركان العبادة، فهذه العبادة لا تقبل أو لا تجزئ؛ لأن الأركان قد اختلت، بل أهم ركن في الصيام قد اختل وهو الإمساك، وهو قد أكل أو شرب، وقواعد الشريعة تأبى أن يكون هذا العمل مقبولاً أو يجزئ عن صاحبه.
ونقول لهم: لم رفعتم عنه الإثم؟ قالوا: رفعنا عنه الإثم بالدليل الذي جاءنا عن النبي ﷺ أنه قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، يعني: رفع الإثم وليس رفع الحكم.
وقالوا: إن حديث الدارقطني حديث ضعيف، ونقول: حديث الدارقطني الذي قال فيه النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه) حديث صحيح، وقد قال ذلك ابن العربي المالكي والقرطبي المالكي.
إذاً: كيف أجاب المالكية عن هذا الحديث بعدما صح؟ قالوا: هذا الحديث آحاد، وقد خالف القواعد العامة التي بيناها، وهي أن كل عبادة لا بد لها من شروط وأركان.
وعليه نقول: الراجح الصحيح هو قول الجمهور، أن من أكل أو شرب ناسياً فإن صيامه صحيح؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه).
لكن كيف نرد على المعترض الذي يعترض علينا ويقول: هذا خلاف القواعد فلا نعمل به؟ نقول: الحديث أصل بذاته فكيف تقولون بأنه خالف القواعد؟ فهو قاعدة مستقلة فلا تتضارب القواعد ولا تتعارض؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة، فالحديث أصل بذاته لا بد أن يعمل به، فإذا قال النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه)، فلا قضاء عليه، لكن يمكن أن نجمع بين القواعد العامة وبين هذه القاعدة بالآتي: أن هذه القاعدة من باب الخصوص والقواعد العامة من باب العموم، ولا يتعارض عام مع خاص، وإذا تعارض العام مع الخاص فإننا نقدم الخاص على العام.
إذاً: فقواعد الشريعة تقول: كل عبادة لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان، فإن اختل شرط أو ركن لا تجزئ ولا تسقط عن صاحبها، وهذا في كل عبادة، إلا في الصوم، فإن اختل ركن الإمساك وكان ناسياً فإن العبادة تصح وتقبل عند الله جل في علاه وتسقط عن صاحبها.
فهذا أثر من آثار اختلاف الفقهاء وكان تحرير محل النزاع ثبوت الحديث، فإنه لم يثبت عند المالكية فلم يأخذوا به، لكن إن صح الحديث لنا أن نقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
стр. 37
الاختلاف في فهم النص وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته
من أسباب الخلاف: الاختلاف في فهم النص، يأتينا نص من عند النبي ﷺ ، فالمالكية والشافعية والأحناف والحنابلة علموا أن النبي ﷺ قد قال ذلك، وقد ظهر لهم أن هذا السند سند صحيح، لكن اختلفوا في فهم كلام النبي ﷺ ، وقد بينا أن الشافعي كان دائماً يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ .
وكيف يحدث الخلاف في فهم النص عندما يظهر للفقهاء الحديث؟ نقول: يتناول كل فقيه الحديث ويفهمه فهماً مخالفاً لفهم الفقيه والعالم الآخر.
стр. 38
الخلاف في حكم عطية الوالد لبعض ولده
ومن أمثلة ذلك: الهبة والعطية، فمعلوم أنه يجب على كل رجل أن يقسم بين أولاده العطاء بالسوية، كما جاء في الحديث: (سووا بين أولادكم في العطية)، وفي البخاري ومسلم من حديث النعمان: (أن والده أعطاه عطية فقالت امرأته: لا، حتى تشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أَشْهِدْ على هذا غيري فإني لا أشهد على جور).
انظروا إلى اختلاف مشارب العلماء وإلى الخلاف بين العلماء، فالشافعية يرون أنه لو أعطى الرجل ولداً دون أن يعطي الآخر وأشهد على ذلك أي أحد جاز ذلك العقد، ويمتلك الولد هذه الهبة أو هذه العطية، لكن الجمهور يرون أن هذه العطية تكون باطلة، ولا يصح أن يأخذها الولد؛ لأن النبي ﷺ قال: (أشهد على هذا غيري)، فالجمهور قالوا في قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري): هذا زجر وليست إحالة، يعني لا أوافق على هذا العقد، فأشهد على ذلك غيري، فهو من باب الزجر، أما الإمام الشافعي فإنه فهم من هذا الحديث: (أشهد على هذا غيري)، أن المعظم والمقدم أو العالم الذي له وجاهة لا يفعل ذلك، لكن آحاد الناس لهم أن يفعلوا هذا؛ لأنه خلاف الأولى أو خلاف المروءات، ففهم من قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري) أنه لو شهد أبا بكر أو شهد عمر أو شهد عثمان صح العقد وصحت العطية.
وهذا عندنا فهم خاطئ، لكن نقول: ظهر الخلاف بين الشافعية وبين جمهور أهل العلم بسبب اختلاف الفهم في قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري)، أما الذي يدلك على أن فهم الجمهور هو الصحيح دون فهم الشافعية أنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (فإني لا أشهد على جور)، فسماه جوراً والجور معناه الباطل.
إذاً: هذه العطية باطلة بنص كلام النبي ﷺ .
стр. 39
حكم الرجوع في العطية
المثال الثاني الذي حدث فيه خلاف بين الشافعية وبين الجمهور: مسألة الرجوع في العطية، فعند الجمهور لا يجوز الرجوع فيها، وعند الشافعية يجوز لأي امرئ أعطى عطية هبة أن يرجع فيها.
وما هي شروط العطية حتى تصح؟ الأول: أن يكون الواهب مالكاً لها.
الثاني: أن يكون مكلفاً؛ لأن الهبة من الصغير غير المكلف لا تصح.
الثالث: ألا يكون عليه دين.
وهذا فقه عال فهمه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز للمديون أن يهب هبة لأحد.
الرابع: الإيجاب والقبول.
أي: لا بد من قبض الهبة أو العطية؛ لأنه لو لم يقبض الهبة فيمكن أن يرجع فيها، والدليل على هذا أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان قد ترك زرعاً أو ثمراً لـ عائشة فلم تقبضه وهو على فراش الموت، فقال لها: قبضتيه؟ قالت: لا، قال أبو بكر: هو الآن بين الورثة.
إذاً: يصح الرجوع قبل القبض، أما إذا قبض الموهوب له الهبة فإنه لا يصح الرجوع، والدليل على قول الجمهور قول النبي ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه).
وقال الشافعية: كل واهب إذا أراد أن يرجع في هبته فله أن يرجع في هبته، مع أن النبي ﷺ قال: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع)، يقول الشافعية: هذا حديث إسناده كالشمس، ويقول أحمد: حديث صحيح، ويقول مالك: إسناده لا غبار عليه، ويقول أبو حنيفة: حديث صحيح، إذاً: بلغهم الدليل وعلموا صحته، لكن الخلاف في فهم مراد رسول الله، فـ الشافعي فهم من قول النبي ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود) أن الكلب إذا استقاء ثم أكل قيئه فإنه يحل له، فكذلك الواهب يجوز له ويباح له أن يعود في هبته كما أن الكلب يعود في قيئه، وهذا فهم دقيق، لكنه ليس براجح بل هو مرجوح جداً، والرد عليه سهل وهين، وهو أن الإمام أحمد بن حنبل عند مناظرته للشافعي أجاب على الشافعي بهذا
الجواب
قال: إن النبي ﷺ في بعض الروايات قال: (ليس لنا مثل السوء) يعني: لا يجوز لنا أن نتمثل بما تتمثل به الكلاب ولا نفعل مثل ما تفعل الكلاب، فهذه دلالة واضحة جداً على أن الواهب لا يجوز له أن يرجع في هبته بحال من الأحوال.
стр. 40
الاختلاف في حكم الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع في الزكاة
من أمثلة الاختلاف في فهم النص: زكاة الغنم، يقول النبي ﷺ : (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة، ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) لما تكلم النبي ﷺ عن زكاة الخليطين فهم الشافعي وأحمد الخلطة خلاف ما فهمه أبو حنيفة ومالك.
فـ الشافعي وأحمد فهما من قول النبي ﷺ : (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) أنه إذا كان للمرء أربعون شاة واختلط مع غيره ومعه أربعون شاة بحيث يكون المكان الذي يبيت فيه الغنم واحداً، ويكون المراح والمطرح والشراب والفحل واحداً، فهنا يخرجان شاة واحدة فقط يقتسمانها بينهما، كما قال النبي ﷺ : (فالقسمة بينهما بالسوية) مع أنهما لو لم يختلطا للزم كل واحد منهما شاة واحدة، وكذلك إذا كانوا ثلاثة كل واحد معه أربعون شاة فصارت مائة وعشرين، والمائة والعشرون عليها شاة واحدة؛ لأن النصاب مائة وواحد وعشرون فيها شاتان، لكن معهم مائة وعشرون فلا يجب عليهم إلا واحدة.
إذاً: لا يؤخذ منهم إلا واحدة ما داموا مجتمعين، لكن بشرط أن يكون المكان والمراح والمطعم والمشرب واحداً، لكن لو تفرقوا وصار مع كل واحد منهم أربعون شاة، فإنه يكون على كل واحد منهم شاة.
هذا فهم الشافعية والحنابلة، أما أبو حنيفة فقد فهم من قوله ﷺ : (لا يجمع بين مفترق) أنه لو كان هناك رجل عنده ثمانون شاة، لكنه جعلها نصفين ووضع كل أربعين في مكان منفصل عن الأربعين الأخرى، فإن عليه شاتين، ولو جمع الثمانين في مكان واحد فإن عليه شاة واحدة.
إذاً: هو يفرق في المكان فقط، لكن يشترط النصاب عند الأحناف؛ لأن الله جل وعلا لما أمر بالصدقة اشترط شرطين من أجل الصدقة: أولاً: النصاب، ثانياً: حولان الحول، فقالوا: لا بد أن يكون مالكاً للنصاب، وهذا كلام من أجود الأقوال، لكن الراجح الصحيح هو قول الشافعية والحنابلة، وهو أنه إذا جمعت الغنم وبلغت النصاب ففيها الزكاة وتقسم بينهم بالسوية.
مثاله: رجل عنده ثلاثون شاة والثاني عنده خمسون والثالث عنده أربعون، فعند الشافعية والحنابلة تقسم عليهم بالسوية، يعني: فعلى صاحب الثلاثين أقل من الثلث، والأكثر على صاحب الخمسين وأقل منه على صاحب الأربعين، كل بسهمه، وعند المالكية عليهم شاة واحدة، لكن قالوا: صاحب الثلاثين لا يقسم عليه؛ لأنه لم يبلغ النصاب، لكن عند الشافعية والحنابلة لا بد أن يكون عليه جزء بالسوية، وهذا هو الراجح الصحيح.
следующие страницы →