Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
خلاف العلماء في حكم القضاء على من أفطر ناسياً
من أمثلة الاختلاف في ثبوت الحديث وعدمه: الصائم إذا شرب أو أكل في صومه نسياناً هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ اختلف العلماء في الصائم الذي أكل وشرب ناسياً هل عليه قضاء أم ليس عليه قضاء؟ واجتمعوا على أنه لا إثم عليه، لكن اختلفوا هل يجزئه هذا الصوم أو لا يجزئه؟ على قولين: قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أنه لا قضاء عليه لو أكل أو شرب ناسياً؛ لأنه إنما أطعمه الله وسقاه.
وأصل الخلاف هنا عدم ثبوت الحديث عند قوم وثبوته عند آخرين، فعند الجمهور ثبتت رواية لم تثبت عند المالكية، واحتجوا بحديثين: الحديث الأول: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه)، هذا الحديث اتفق عليه الأئمة الأربعة، والذين ينازعون في القضاء يقولون: إن النبي ﷺ لم يتعرض في هذا الحديث للكلام عن القضاء، وإنما أمره أن يتم هذا اليوم الذي أكل أو شرب فيه ناسياً، لكن الجمهور من الشافعية والحنابلة والأحناف أجابوا وقالوا: عندنا رواية أخرى -وهي في سنن الدارقطني - وفيها: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه، ولا قضاء عليه)، وهذا فصل في محل النزاع قال: (لا قضاء عليه).
وجاء المالكية فقالوا: عندنا أن الذي أكل أو شرب ناسياً لا إثم عليه وعليه القضاء، ودليلنا القواعد العامة في الشريعة، والقواعد العامة في الشريعة أدلتها كثيرة جداً، منها: أن كل عبادة قد وصفها الله لنا وصفاً بشروط وأركان، فحتى تصح لا بد فيها من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع.
فالقاعدة: أن كل عبادة وصفت بوصف لها شروط وأركان لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان وتنتفي الموانع حتى تقبل، ودليلها قوله ﷺ : (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فتبين لنا أن من شروط الصلاة التطهر، فلا بد من توافر الشروط والأركان وانتفاء الموانع حتى تقبل الصلاة.
قالت المالكية: ونظرنا في الصوم فوجدنا أن أهم أركان الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، فقالوا: هذا لم يمسك، إذاً: فقد اختل ركن من أركان العبادة، فهذه العبادة لا تقبل أو لا تجزئ؛ لأن الأركان قد اختلت، بل أهم ركن في الصيام قد اختل وهو الإمساك، وهو قد أكل أو شرب، وقواعد الشريعة تأبى أن يكون هذا العمل مقبولاً أو يجزئ عن صاحبه.
ونقول لهم: لم رفعتم عنه الإثم؟ قالوا: رفعنا عنه الإثم بالدليل الذي جاءنا عن النبي ﷺ أنه قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، يعني: رفع الإثم وليس رفع الحكم.
وقالوا: إن حديث الدارقطني حديث ضعيف، ونقول: حديث الدارقطني الذي قال فيه النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه) حديث صحيح، وقد قال ذلك ابن العربي المالكي والقرطبي المالكي.
إذاً: كيف أجاب المالكية عن هذا الحديث بعدما صح؟ قالوا: هذا الحديث آحاد، وقد خالف القواعد العامة التي بيناها، وهي أن كل عبادة لا بد لها من شروط وأركان.
وعليه نقول: الراجح الصحيح هو قول الجمهور، أن من أكل أو شرب ناسياً فإن صيامه صحيح؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه).
لكن كيف نرد على المعترض الذي يعترض علينا ويقول: هذا خلاف القواعد فلا نعمل به؟ نقول: الحديث أصل بذاته فكيف تقولون بأنه خالف القواعد؟ فهو قاعدة مستقلة فلا تتضارب القواعد ولا تتعارض؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة، فالحديث أصل بذاته لا بد أن يعمل به، فإذا قال النبي ﷺ : (ولا قضاء عليه)، فلا قضاء عليه، لكن يمكن أن نجمع بين القواعد العامة وبين هذه القاعدة بالآتي: أن هذه القاعدة من باب الخصوص والقواعد العامة من باب العموم، ولا يتعارض عام مع خاص، وإذا تعارض العام مع الخاص فإننا نقدم الخاص على العام.
إذاً: فقواعد الشريعة تقول: كل عبادة لا بد أن تتوافر فيها الشروط والأركان، فإن اختل شرط أو ركن لا تجزئ ولا تسقط عن صاحبها، وهذا في كل عبادة، إلا في الصوم، فإن اختل ركن الإمساك وكان ناسياً فإن العبادة تصح وتقبل عند الله جل في علاه وتسقط عن صاحبها.
فهذا أثر من آثار اختلاف الفقهاء وكان تحرير محل النزاع ثبوت الحديث، فإنه لم يثبت عند المالكية فلم يأخذوا به، لكن إن صح الحديث لنا أن نقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
стр. 37
الاختلاف في فهم النص وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته
من أسباب الخلاف: الاختلاف في فهم النص، يأتينا نص من عند النبي ﷺ ، فالمالكية والشافعية والأحناف والحنابلة علموا أن النبي ﷺ قد قال ذلك، وقد ظهر لهم أن هذا السند سند صحيح، لكن اختلفوا في فهم كلام النبي ﷺ ، وقد بينا أن الشافعي كان دائماً يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ .
وكيف يحدث الخلاف في فهم النص عندما يظهر للفقهاء الحديث؟ نقول: يتناول كل فقيه الحديث ويفهمه فهماً مخالفاً لفهم الفقيه والعالم الآخر.
стр. 38
الخلاف في حكم عطية الوالد لبعض ولده
ومن أمثلة ذلك: الهبة والعطية، فمعلوم أنه يجب على كل رجل أن يقسم بين أولاده العطاء بالسوية، كما جاء في الحديث: (سووا بين أولادكم في العطية)، وفي البخاري ومسلم من حديث النعمان: (أن والده أعطاه عطية فقالت امرأته: لا، حتى تشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أَشْهِدْ على هذا غيري فإني لا أشهد على جور).
انظروا إلى اختلاف مشارب العلماء وإلى الخلاف بين العلماء، فالشافعية يرون أنه لو أعطى الرجل ولداً دون أن يعطي الآخر وأشهد على ذلك أي أحد جاز ذلك العقد، ويمتلك الولد هذه الهبة أو هذه العطية، لكن الجمهور يرون أن هذه العطية تكون باطلة، ولا يصح أن يأخذها الولد؛ لأن النبي ﷺ قال: (أشهد على هذا غيري)، فالجمهور قالوا في قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري): هذا زجر وليست إحالة، يعني لا أوافق على هذا العقد، فأشهد على ذلك غيري، فهو من باب الزجر، أما الإمام الشافعي فإنه فهم من هذا الحديث: (أشهد على هذا غيري)، أن المعظم والمقدم أو العالم الذي له وجاهة لا يفعل ذلك، لكن آحاد الناس لهم أن يفعلوا هذا؛ لأنه خلاف الأولى أو خلاف المروءات، ففهم من قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري) أنه لو شهد أبا بكر أو شهد عمر أو شهد عثمان صح العقد وصحت العطية.
وهذا عندنا فهم خاطئ، لكن نقول: ظهر الخلاف بين الشافعية وبين جمهور أهل العلم بسبب اختلاف الفهم في قول النبي ﷺ : (أشهد على هذا غيري)، أما الذي يدلك على أن فهم الجمهور هو الصحيح دون فهم الشافعية أنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (فإني لا أشهد على جور)، فسماه جوراً والجور معناه الباطل.
إذاً: هذه العطية باطلة بنص كلام النبي ﷺ .
стр. 39
حكم الرجوع في العطية
المثال الثاني الذي حدث فيه خلاف بين الشافعية وبين الجمهور: مسألة الرجوع في العطية، فعند الجمهور لا يجوز الرجوع فيها، وعند الشافعية يجوز لأي امرئ أعطى عطية هبة أن يرجع فيها.
وما هي شروط العطية حتى تصح؟ الأول: أن يكون الواهب مالكاً لها.
الثاني: أن يكون مكلفاً؛ لأن الهبة من الصغير غير المكلف لا تصح.
الثالث: ألا يكون عليه دين.
وهذا فقه عال فهمه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يجوز للمديون أن يهب هبة لأحد.
الرابع: الإيجاب والقبول.
أي: لا بد من قبض الهبة أو العطية؛ لأنه لو لم يقبض الهبة فيمكن أن يرجع فيها، والدليل على هذا أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان قد ترك زرعاً أو ثمراً لـ عائشة فلم تقبضه وهو على فراش الموت، فقال لها: قبضتيه؟ قالت: لا، قال أبو بكر: هو الآن بين الورثة.
إذاً: يصح الرجوع قبل القبض، أما إذا قبض الموهوب له الهبة فإنه لا يصح الرجوع، والدليل على قول الجمهور قول النبي ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه).
وقال الشافعية: كل واهب إذا أراد أن يرجع في هبته فله أن يرجع في هبته، مع أن النبي ﷺ قال: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع)، يقول الشافعية: هذا حديث إسناده كالشمس، ويقول أحمد: حديث صحيح، ويقول مالك: إسناده لا غبار عليه، ويقول أبو حنيفة: حديث صحيح، إذاً: بلغهم الدليل وعلموا صحته، لكن الخلاف في فهم مراد رسول الله، فـ الشافعي فهم من قول النبي ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود) أن الكلب إذا استقاء ثم أكل قيئه فإنه يحل له، فكذلك الواهب يجوز له ويباح له أن يعود في هبته كما أن الكلب يعود في قيئه، وهذا فهم دقيق، لكنه ليس براجح بل هو مرجوح جداً، والرد عليه سهل وهين، وهو أن الإمام أحمد بن حنبل عند مناظرته للشافعي أجاب على الشافعي بهذا
الجواب
قال: إن النبي ﷺ في بعض الروايات قال: (ليس لنا مثل السوء) يعني: لا يجوز لنا أن نتمثل بما تتمثل به الكلاب ولا نفعل مثل ما تفعل الكلاب، فهذه دلالة واضحة جداً على أن الواهب لا يجوز له أن يرجع في هبته بحال من الأحوال.
стр. 40
الاختلاف في حكم الجمع بين المفترق والتفريق بين المجتمع في الزكاة
من أمثلة الاختلاف في فهم النص: زكاة الغنم، يقول النبي ﷺ : (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة، ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) لما تكلم النبي ﷺ عن زكاة الخليطين فهم الشافعي وأحمد الخلطة خلاف ما فهمه أبو حنيفة ومالك.
فـ الشافعي وأحمد فهما من قول النبي ﷺ : (لا يجمع بين مفترق من أجل الصدقة ولا يفرق بين مجتمع من أجل الصدقة) أنه إذا كان للمرء أربعون شاة واختلط مع غيره ومعه أربعون شاة بحيث يكون المكان الذي يبيت فيه الغنم واحداً، ويكون المراح والمطرح والشراب والفحل واحداً، فهنا يخرجان شاة واحدة فقط يقتسمانها بينهما، كما قال النبي ﷺ : (فالقسمة بينهما بالسوية) مع أنهما لو لم يختلطا للزم كل واحد منهما شاة واحدة، وكذلك إذا كانوا ثلاثة كل واحد معه أربعون شاة فصارت مائة وعشرين، والمائة والعشرون عليها شاة واحدة؛ لأن النصاب مائة وواحد وعشرون فيها شاتان، لكن معهم مائة وعشرون فلا يجب عليهم إلا واحدة.
إذاً: لا يؤخذ منهم إلا واحدة ما داموا مجتمعين، لكن بشرط أن يكون المكان والمراح والمطعم والمشرب واحداً، لكن لو تفرقوا وصار مع كل واحد منهم أربعون شاة، فإنه يكون على كل واحد منهم شاة.
هذا فهم الشافعية والحنابلة، أما أبو حنيفة فقد فهم من قوله ﷺ : (لا يجمع بين مفترق) أنه لو كان هناك رجل عنده ثمانون شاة، لكنه جعلها نصفين ووضع كل أربعين في مكان منفصل عن الأربعين الأخرى، فإن عليه شاتين، ولو جمع الثمانين في مكان واحد فإن عليه شاة واحدة.
إذاً: هو يفرق في المكان فقط، لكن يشترط النصاب عند الأحناف؛ لأن الله جل وعلا لما أمر بالصدقة اشترط شرطين من أجل الصدقة: أولاً: النصاب، ثانياً: حولان الحول، فقالوا: لا بد أن يكون مالكاً للنصاب، وهذا كلام من أجود الأقوال، لكن الراجح الصحيح هو قول الشافعية والحنابلة، وهو أنه إذا جمعت الغنم وبلغت النصاب ففيها الزكاة وتقسم بينهم بالسوية.
مثاله: رجل عنده ثلاثون شاة والثاني عنده خمسون والثالث عنده أربعون، فعند الشافعية والحنابلة تقسم عليهم بالسوية، يعني: فعلى صاحب الثلاثين أقل من الثلث، والأكثر على صاحب الخمسين وأقل منه على صاحب الأربعين، كل بسهمه، وعند المالكية عليهم شاة واحدة، لكن قالوا: صاحب الثلاثين لا يقسم عليه؛ لأنه لم يبلغ النصاب، لكن عند الشافعية والحنابلة لا بد أن يكون عليه جزء بالسوية، وهذا هو الراجح الصحيح.
стр. 41
الاشتراك في اللفظ وأثره في اختلاف العلماء وأمثلته
من أسباب الاختلاف بين العلماء: الاشتراك في اللفظ، فالله جل وعلا عندما ينزل حكم مسألة معينة بلفظ معين، هذا اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فهل يحمل هذا اللفظ على المعنى الأول أو يحمل على المعنى الثاني أو يحمل على المعنى الثالث؟ لا بد أن يحمل على معنى معين بالقرائن المحتفة، فكل عالم عنده النص ثابت؛ لأنه من القرآن، لكن يجتهد في فهم النص بالقرائن المحتفة.
стр. 42
اختلاف العلماء في معنى العين والقرء
مثال الألفاظ المشتركة: العين، فالعين تطلق على البصر، وتطلق على العين الجارية، وتطلق أيضاً على الجاسوس ونحو ذلك، أيضاً: الجون، يطلق على البياض ويطلق على السواد، فهذه ابنة الجون قالت لها عائشة: (إن أردت أن يحبك النبي ﷺ فقولي له: أعوذ بالله منك -وكانت من أجمل نساء العرب- فدخل عليها النبي ﷺ فقالت: أعوذ بالله منك فقال: لقد عذت بمعاذ الحقي بأهلك).
أيضاً الشراء يدخل في معنى البيع، قال : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف:٢٠]، أي: باعوه.
أيضاً معنى القرء كما في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فالقرء يحمل على الحيض، ويحمل على الطهر، فهو طهر وحيض، فعلى أيهما نحمله؟ وهل هو الحيض أو الطهر؟ فمثلاً: المطلقة هل عدتها الأطهار أم عدتها الحيض، لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]؟ وأصل الخلاف في المعنى الذي يحمل عليه القرء، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: الجمهور وهم الشافعية والمالكية ورواية عن الحنابلة، قالوا: القرء هو الطهر، واستدلوا على ذلك بالأثر وبالنظر، أما من الأثر فقالوا: قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١]، (لعدتهن) قال العلماء: لقبل عدتهن أو في عدتهن، فالقرء معناه هنا الطهر؛ لأن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، والذي يؤكد ذلك حديث النبي ﷺ أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ لـ عمر: (مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها في طهر لم يجامعها فيه)، وهذا دليل قوي جداً.
وأيضاً قول النبي ﷺ : (مره فليراجعها ثم يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) فقوله: (فتلك العدة) هذا هو محل الشاهد، يعني: في الطهر وليس في الحيض.
وأيضاً من الأثر ما ورد بسند صحيح عن عائشة قالت: (تعلمون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار).
الدليل الثاني: من النظر، قالوا: إن القرء لغة معناه الجمع، تقول: قرأت كذا أي: جمعت كذا، فيقولون: الطهر بالنسبة للمرأة هو تجميع الدم في الرحم، أما الحيض فهو خروج الدم وتفريقه، وهذا صحيح راجح.
القول الثاني: قول الأحناف وهو رواية عن الحنابلة، قالوا: القرء هو الحيض، فقول الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيض، وقالوا: عندنا الدليل أيضاً من الأثر ومن النظر.
أما من الأثر فقد قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فإذا قلنا بقول الجمهور أن القرء معناه الطهر، فجاء شخص وطلق امرأته في نصف الطهر فهل نصف الطهر يحسب أم لا يحسب؟ يعني: لو طلقها في نصف الطهر، ثم حاضت ثم طهرت فهنا طهران، ثم حاضت ثم طهرت، فهل نقول: هذه ثلاثة أطهار أم اثنان ونصف؟ اثنان ونصف وليست ثلاثة أطهار؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهي لم تكتمل ثلاثة، والأصل بقاء اللفظ على ظاهره، وتقدير النصف مع الاثنين على الغالب يكون ثلاثة ليس هو الأصل، فإذا قال النبي ﷺ ثلاثة فلا بد أن تكون ثلاثة، وإذا قال الله ثلاثة فلا بد أن تكون ثلاثة، قالوا: ولا يمكن أن يكون ذلك في الأطهار، لكن لا بد أن يكون في الحيض، فإذا طلقها في الطهر الذي هو السنة فنقول: لا تستقبلي عدتك الآن حتى تحيضي، فلو حاضت تكون أول حيضة، ثم طهرت ثم حاضت تكون الثانية، ثم طهرت ثم حاضت تكون ثلاث حيضات كاملة.
إذاً: ظاهر الآية مصدق على الحيض.
واستدلوا أيضاً من الأثر بحديث أن النبي ﷺ قال: (للأمة طلقتان وحيضتان وعدتها حيضتان) فليست ثلاث حيض كالحرة الأمة، لكن هذا حديث ضعيف لا حجة لهم فيه، وقد روي مرفوعاً وروي موقوفاً وصح موقوفاً عن ابن عمر ﵄ ولم يصح مرفوعاً عن النبي ﷺ .
الدليل الثالث: وهذا هو فاصل في محل النزاع، وهو حديث في سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (فإذا جاء قرؤك فدعي الصلاة) وقال في رواية أخرى: (دعي الصلاة أيام أقرائك)، يعني: أيام حيضك، فهي لا تدع الصلاة في الطهر وإنما في الحيض، ولولا صحة هذا الحديث لكان القول الأول من أقوى الأقوال أثراً ونظراً.
إذاً: فهذه دلالة على أن القرء هو الحيض.
وأيضاً من النظر قالوا: ما هي العلة في العدة؟ أقوى العلل هي استبراء الرحم، واستبراء الرحم لا يعرف بالطهر وإنما يعرف بالحيض؛ لأن المرأة إذا حاضت دل ذلك على أنها لم تحمل، هذا على قول الحنابلة وقول الأحناف؛ لأنهم هم الذين يقولون بذلك.
إذاً: براءة الرحم تعرف بالحيض على حد قولهم هم، وإن كان هذا الأمر مردوداً عليه، لكن نقول: فصل النزاع لنا: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه فإذا جاءنا الحديث فهو مذهبنا، وإذا جاء الحديث خصمت كل الفقهاء، وإذا جاءنا النص نأخذ به ونضرب بكل قول لأي أحد عرض الحائط، فقد قال النبي ﷺ : (دعي الصلاة أيام أقرائك) يعني: أيام حيضك، فجعل القرء بالنص الصريح هو الحيض، وينبني على ذلك العدد، وينبني عليه مسائل كثيرة، وهذا مجاله في الفقه.
стр. 43
اختلاف العلماء في معنى النكاح
من أمثلة الخلاف في اللفظ: لفظ النكاح.
فالنكاح في اللغة له معان ثلاثة: فيأتي بمعنى الاقتران، ويأتي بمعنى الوطء، ويأتي بمعنى العقد.
والأدلة على ذلك كثيرة منها: أولاً: قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦]، أي: بلغوا سن الرشد بحيث لو وطئ ينزل.
إذاً: النكاح هنا المقصود به الوطء.
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: إذا عقدتم العقد.
الآية الثالثة: يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة:٢٣٠].
الدليل على هذه الآية من السنة هو حديث عائشة قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي ﷺ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا والله حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) ومعنى كلامها: أنه لا يطأ فراشها، تتهمه بعدم القدرة على وطء النساء.
فهنا معنى قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، أي: تعقد وتنكح ويطؤها.
стр. 44
حكم زواج الولد بمن زنى بها الأب
رجل زنى بامرأة وله ابن صالح، فتابت هذه المرأة توبة نصوحاً وظهر عليها الصلاح، فهل للولد أن يتزوجها أم لا؟ هذه مسألة خلافية، والخلاف فيها يرجع إلى تفسير النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢] أي: ولا تطئوا ما وطئ آباؤكم بعقد صحيح.
إذاً: الخلاف في تفسير النكاح هل هو الوطء ولو عن طريق الزنا أو هو الوطء بعقد صحيح وبنكاح صحيح؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول الأحناف والحنابلة: أن المقصود بالنكاح هنا الوطء سواء كان بنكاح صحيح أو لا؛ لأن النظر في ذلك إلى ماء الرجل الذي قد دخل في فرج هذه المرأة، فلا يدخل عليه ماء ابنه.
القول الثاني: قول الشافعية، فقد نظروا في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء:٢٢] فقالوا: نكح أي: وطئ بعقد صحيح، وهذا هو الظاهر، وقالوا: إن الحرام لا يحرم حلالاً.
فالشافعية والمالكية يرون أنه لو زنى رجل بامرأة فإنه يجوز لابنه أن يتزوج هذه المرأة إن تابت توبة نصوحاً، واستدلوا على ذلك بحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الحرام لا يحرم حلالاً)، وهذا الحديث موضوع لا يصح حجة في الأمر.
فالمعترك هنا من النظر، قالوا: أما من النظر -وهذا الكلام الذي يقصم ظهور من يخالف- قالوا: إن الله أناط حكم التحريم بالنكاح الذي هو من الحلال، والحرام لا يمكن أن يحرم حلالاً، للفارق بين الحرام وبين الحلال؛ لأن الأحناف والحنابلة يرون أنه يقاس الحرام على الحلال، قال الشافعية: هذا القياس باطل غير صحيح؛ لأن القياس هنا قياس مع الفارق.
ما هو الفارق بين الحرام والحلال؟ قالوا: الفارق الأول: أن النكاح الصحيح يكون فيه التوقير والتعظيم، فلو أن رجلاً عقد على امرأة فإنها تصبح للابن أماً، يدخل عليها ويقبل يدها ويدعو لها وله أن يسافر بها؛ لأنه محرم لها، وأما الثانية التي زنى بها الوالد فلها الإهانة والاحتقار، والمحرمية لا تنتشر بينها وبين ولد من زنى بها، فهذه الفوارق تمنع من القياس، ولذلك العلماء يقولون: إن هذا القياس قياس مع الفارق، أي: أن الأصل لا يساوي الفرع، والعلة غير متساوية.
إذاً: فالصحيح الراجح أن الحرام لا يحرم حلالاً؛ إذ الحلال معه التوقير والتعظيم، ومعه المحرمية، أما الحرام فلا تنتشر به المحرمية ولا يكون فيه توقير ولا تعظيم.
стр. 45
اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنت من زنى بها
مسألة: زنى رجل بامرأة ثم نظر إلى ابنتها فأعجبته فتاب إلى ربه وأناب، فهل له أن يتزوجها أم لا؟ الشافعية يقولون: يجوز؛ للقاعدة التي قعدناها الآن وهي: أن الحرام لا يحرم حلالاً، أما الحنابلة والأحناف فقالوا: لا يجوز؛ لأن ماء الرجل قد دخل في فرج أمها، لكن الصحيح الراجح في ذلك أنها كسابقتها فيجوز أن يتزوجها، لكن بشرط التوبة، وأنا أشترط عليه أمراً آخر للوقاية وهو أنه يأخذ البنت ويسافر بها؛ حتى لا يأتيه الشيطان ويذكره أنه جامع أمها فيراها فيقع عليها ثانية، فلا بد أن يفارق هذا المكان، لكن الأحوط والأورع ألا يفعل ذلك خروجاً من الخلاف.
стр. 46
اختلاف العلماء في حكم زواج الرجل ببنته من الزنا
المسألة الثالثة: زنى رجل بامرأة فأنجبت من هذا الزنا بنتاً، فهل له أن يتزوج بهذه البنت؟ هذه مسألة فقهية شديدة الخلاف.
فهل تسمى ابنته وتنسب له أم لا تنسب؟ لا تنسب له؛ لأن النبي ﷺ قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، والفراش معناه فراش الزوجية، فالشافعية قالوا: يجوز أن يتزوج بها؛ لأن الحرام لا يحرم حلالاً، وهي ليست ببنته أصلاً؛ لأن الولد للفراش.
وقال الجمهور: لا يجوز له أن يتزوجها؛ لأنها من مائه.
وأقول: في الحقيقة أن مذهب الشافعية قوي، لكن إذا قلنا بالأثر والاستنباط والفطرة وجمعنا أدلتنا فإن هناك دليلاً واحداً يرد على مذهب الشافعية، وهو لبن الفحل، فلو أن رجلاً تزوج امرأة فأنجبت منه، ثم طلق تلك المرأة، فثاب اللبن في ثديها من أثر جماعه، وهذه المرأة بعدما أنجبت ذهبت وأرضعت بنتاً، فهل تكون بنتاً له من الرضاع أم لا، مع أنه قد طلق المرأة التي أرضعت؟ الصحيح الراجح أن لبن الفحل متسبب في كونها بنته من الرضاع.
إذاً: لبن الفحل يحرم البنت عليه، فمن باب أولى أن تكون التي ولدت من مائه حراماً عليه، وهذه المسألة تكون مستثناة من القاعدة الصحيحة التي قعدها الشافعية وهي: أن الحرام لا يحرم حلالاً، فيكون الصحيح الراجح أن البنت من ماء الزاني لا يجوز له أن يتزوجها؛ للبن الفحل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 47
الاختلاف في القواعد الأصولية - الاشتراك في اللفظ وتعارض الأدلة وعدم وجود نص في المسألة
من أسباب الاختلاف بين العلماء والفقهاء: الاشتراك في اللفظ، ومنها: الأدلة التي ظاهرها التعارض، ومنها: عدم وجود النص في المسألة، وهذا يجعلنا نعذر العلماء والفقهاء في اختلافهم، مع النظر في أدلة كل منهم والترجيح إن أمكن.
стр. 48
الاشتراك في اللفظ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل الذي من أتقنه كان فقيهاً بحق، كتاب ((أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء))، هذا الكتاب يمرس طالب العلم على دقة النظر في الاستدلال، بالأدلة على الأحكام، أو استنباط الأحكام من الأدلة، وكما قلت: الفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه، بل هو مقلد، وأرفع ما يصل إليه أنه تابع وناقل عن غيره.
في الدرس الماضي عند ذكر أثر خلاف الفقهاء قلنا: إنه يرجع إلى الاختلاف في فهم اللفظ الواحد الذي يكون له أكثر من معنى.
стр. 49
أقوال العلماء في معنى الحيض واختلافهم في ذلك
إن الألفاظ المشتركة كانت سبباً من أسباب الاختلاف والنزاع بين الفقهاء، مثال ذلك: قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
اختلف العلماء في معنى المحيض، وقالوا: المحيض يأتي مصدراً ويأتي اسماً للمكان، يعني: هو مشترك يقصد به محل الدم، أو زمن حضور الدم.
القول الأول: المحيض هنا اسم للمحل، يعني: اعتزلوا محل الحيض، وهو الفرج، وأصحاب هذا القول يقولون: يجوز للرجل أن يباشر امرأته في الفرج دون إيلاج وفي غير الفرج؛ لأن الأمر بالاعتزال في الآية يتعلق بمحل الحيض، يعني: في الفرج، فقالوا: يجوز للرجل أن يقبل ويضم ويفاخذ، ويباشر تحت السرة وعند الفرج دون أن يلج، وإنما المحرم عليه فقط هو الإيلاج، قالوا: الدليل قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
يعني: اعتزلوا مكان الحيض، وهو الفرج فقط، أو اعتزلوا إدخال الفرج في الفرج، أما غير ذلك فلك أن تتمتع بزوجتك كما شئت، قالوا: وعندنا من السنة ما يعضد هذا المعنى، وهو حديث أنس ﵁ وأرضاه الصحيح الذي فيه أن النبي ﷺ قال (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) قوله: (سوى النكاح) ليس معناه: سوى العقد، وإنما يعني: سوى الوطء، بقرينة أنها زوجته، ومعنى الحديث: اصنع كل شيء قبل باشر ضم فاخذ، قالوا: وهذا دليل من أظهر ما يكون، وهو يعضد معنى قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
يعني: اعتزلوا مكان الحيض وهو الفرج، هذا هو القول الأول، وهو الذي رجحه الشافعي، وهو قول المالكية والأحناف والشافعية.
القول الثاني: للحنابلة والظاهرية، وهؤلاء قالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] يعني: زمن الحيض، أي: ألا يباشر امرأته وهي حائض؛ لكن نحن نخصص عموم عدم المباشرة بما فوق السرة، أي: له أن يباشر فوق السرة وتحت الركبة، وقالوا: وهذا المعنى يعضده ما ورد في الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: (كان النبي ﷺ يأمر إحدانا وهي حائض- يعني: زمن المحيض- أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار) وورد في بعض الآثار التي فيها كلام أن الأمر بالمباشرة كان فوق الإزار، فقالوا: هذا دليل أيضاً على أن المعنى: لا تقربها زمن المحيض.
نأتي إلى الراجح في ذلك، علمنا محل النزاع، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
وهل هو محل الحيض أو زمن المحيض؟ من قال: إنه محل الحيض، أباح للرجل أن يباشر امرأته تقبيلاً وضماً ومفاخذة، ومن قال: زمن الحيض منع كل ذلك إلا المباشرة من فوق السرة أو تحت الركبة، فهل الراجح أن يباشر حتى يقارب الفرج دون أن يلج، أو لا يباشر إلا بما فوق السرة فقط؟ أقول: الصحيح الراجح في ذلك الذي لا محيد عنه: أنه يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج فقط؛ لقول النبي ﷺ بالتصريح: (اصنعوا كل شيء سوى النكاح) و (كل) نص في العموم، (اصنعوا كل شيء) من تقبيل وضم ومفاخذة، لكن لا تدخل الفرج في الفرج، هذا من الأثر، أما من النظر الذي يرجح لنا ذلك، فلو قلنا بقول الآخرين على أن معنى قول الله تعالى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]: هو زمن الحيض، فنقول: عموم قول الله تعالى ((فَاعْتَزِلُوا)).
معناه: لا تقربها لا بضم ولا مباشرة ولا تقبيل، هذا ظاهر اللفظ، لكن قالوا: لا، نحن نخصص هذا العموم بالسنة، قلنا: إذاً اللفظ حملتموه ما لا يحتمل؛ لأن الأصل أن يبقى العام على عمومه، ويبقى المطلق على إطلاقه، وهنا الأصل عدم التخصيص، فأنتم بتخصيصكم أضعفتم دلالتكم، ونحن لم نخصص، فبقيت الدلالة عندنا سالمة من التخصيص، وسالمة من التقييد، وسالمة من المعارضة، فيكون هذا هو الأرجح، إذ العام الذي خصص قد ضعفت دلالته، والعام الذي لم يخصص لم تضعف دلالته، فهذا من النظر.
إذاً: الصحيح الراجح أن للرجل أن يباشر امرأته في كل مكان دون أن يلج في الفرج، حتى ولو كانت حائضاً.
أقول: محل النزاع في هذه المسألة هو الاشتراك في اللفظ، واللفظ هو (المحيض)، فالمحيض يتردد بين مكان الحيض وهو الفرج، ويتردد بين زمن الحيض، وقد رجحنا أنه مكان الحيض.
стр. 50
أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: ((فأتوا حرثكم أنى شئتم))
المسألة الثانية: التي تتعلق بالاشتراك في اللفظ: هي مسألة إتيان المرأة في الدبر، وهذه مسألة مشكلة جداً، والناس تحسب أنها مسألة هينة، قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].
قلنا: إن الخلاف بين العلماء يكون في كلمة تكلم الله بها في كتابه، لكنها تحتمل عند أهل اللغة أكثر من معنى، وهذه الكلمة هي قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم﴾ [البقرة:٢٢٣].
اختلف علماء اللغة في معناها، وقالوا: إن لها أكثر من معنى، قالوا: (أنى) تأتي بمعنى كيف، والدليل قول الله تعالى حاكياً عن الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية: ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩].
يعني: كيف يحيي الله هذه الأرض بعد موتها؟ أيضاً قال أهل اللغة: هناك معنى آخر لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى متى، وأتوا ببيت شعر يدل على ذلك، لكن هذا ليس في محل النزاع فنطرحه جانباً.
قالوا: وعندنا معنى ثالث لكلمة (أنى) وهي أن تأتي بمعنى أين، والدليل على ذلك من كتاب الله، قال الله تعالى حاكياً عن زكريا، عندما دخل على مريم ﵂ وأرضاها، فوجد عنده فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فقال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧].
أي: من أين لك هذا؟ فهنا (أنى) بمعنى أين.
لما اختلف المعنى في (أنى) وأنها تأتي بمعنى كيف وأين أختلف الفقهاء في ذلك، فتعلق بعض العلماء بالمعنى الأول وهو كيف، وقالوا: قال الله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) أي: كيف شئتم وقد فسرها كثير من الصحابة: مقبلين ومدبرين، بمعنى يجامع الرجل امرأته من الأمام ومن الخلف، لكن في محل الحرث، في محل الولد الذي هو الفرج، ولذلك كان أنس يقول: كان إخواننا من المهاجرين يشرحون النساء تشريحاً يعني: ما يتركون موضعاً إلا ويستعملونه في التمتع بالأزواج، وهذا مما أباحه الشرع، جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة) فقال: كانوا يشرحون النساء تشريحاً، فكان الواحد منهم يأتي امرأته مقبلة ومدبرة وعلى جنب ومضطجعة، فلما جاء المهاجرون إلى المدينة، تزوج بعض المهاجرين من الأنصار، وكان الأنصار لا يأتون النساء إلا في موضع واحد، على الظهر مستلقية فقط، فقام الذي هاجر إلى المدينة ليجامع امرأته كما كان يفعل، مقبلة ومدبرة ومضطجعة وعلى جنب، فقالت: لا إلا في موضع واحد، وهو الاستلقاء؛ لأنها لم تعلم بهذا الأمر، فلما قيل للنبي ﷺ هذا، نزل قول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].
يعني: كيف شئتم مقبلين مدبرين، المقصود أن يكون في محل الولد، قالوا: ولنا أدلة على أن معنى (أنى) كيف؛ لأننا لو قلنا بأين للزمت علينا لوازم باطلة ودخلنا في المحظور، وهو حرمة إتيان المرأة في الدبر، والدليل على الحرمة أن النبي ﷺ في أكثر من حديث قال: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) وهذا تصريح بالتحريم، ووجه الدلالة من التحريم في هذا الحديث: أن اللعن هو الطرد من رحمة الله، ولا يطرد من رحمة الله إلا من أتى بكبيرة.
والدليل الثاني: قال النبي ﷺ (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) وهذا أوضح في الدلالة؛ لأن الكفر دلالة على فعل الكبيرة، إن لم يكن كفراً أكبر فهو كفر أصغر، وهذا هو الراجح الصحيح.
القول الثاني: قول بعض أهل العلم وهم ندر، فهؤلاء قالوا بحلية إتيان المرأة في دبرها، يعني: المسألة خلافية.
فهؤلاء قالوا: قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣].
أي: فأتوا حرثكم أين شئتم، وقالوا: إن أين هنا تدل على العموم، يعني: أين شئتم، سواء في الفخذ أو في الورك أو في الثدي أو في الفم أو في الدبر أو في الفرج، الأصل عدم المنع حتى يأتي دليل بالمنع، فقالوا: يجوز للرجل أن يجامع امرأته في دبرها، وقالوا أيضاً: وإن كان الأصل معنا فنحن نقول بالقياس، وهذا نقل عن الشافعي ولكنه ضعيف، فروي أنه قال: أقيس الدبر على القبل، بجامع الدخول والإيلاج، أو بجامع الاستمتاع بالاستحلال بالعقد، لأنه ما دفع هذا المهر لها إلا ليستمتع بها كلية، وأنتم توافقوننا على أنه يجوز للرجل أن يباشر الإلية، بل حتى الدبر وإن قلتم: مع عدم الإيلاح، فنحن نقول بالإيلاج؛ لعدم المنع، وقد ورد عن بعض المحدثين، وهو عيسى بن يونس، وهو ثقة وكانوا قد سألوه عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: هو أشهى من الماء البارد، يعني كأنه يقول: ليس بالحلال فقط بل هو أشهى من الماء البارد، وفي رواية في كتاب السر لـ مالك، وهذا الكتاب كأنه مكذوب عليه، أنهم سألوا مالكاً: أتؤتى المرأة في دبرها؟ قال: اغتسلت منه الآن.
فالقول بحلية إتيان المرأة في دبرها منسوب لـ مالك وللشافعي.
ونقول في تحرير محل النزاع: الراجح الصحيح: هو حرمة إتيان المرأة في دبرها، وهو كبيرة من الكبائر، وأقول: نعم هناك خلاف معتبر؛ لأن بعضهم يقول: إن ابن عمر الذي كان يقول: إن (أنى) بمعنى أين، لكن قالوا: إنه رجع عن ذلك، وقالوا: لم يثبت عن مالك هذا القول، أما الشافعي فقوله مرجوح جداً وضعيف، فالصحيح أن الشافعي قال بحرمة إتيان المرأة في دبرها.
إذاً: الصحيح الراجح أنه لا يجوز للرجل أن يأتي المرأة في دبرها، وإن كنت أقول بضعف الأحاديث التي تقول بأن من أتى المرأة في الدبر ملعون؛ لأن هذه الأحاديث أسانيدها كلها ضعيفة، وقد ضعف البخاري من المتقدمين المتقنين هذه الأحاديث كلها، وإن صححها الشيخ الألباني.
إن قلنا بصحة هذه الأحاديث لغيرها، تبقى مشتملة على التحسين، لكن هناك ما يعضد قول من يقول بحرمة إتيان المرأة في دبرها وهو القياس الجلي، والقياس أنواع: النوع الأول: قياس العلة، وأصل القياس هو قياس العلة؛ لأن العلة في الأصل تكون نفس العلة في الفرع، مثال ذلك: حرم الله شرب الخمر؛ وعلة التحريم الإسكار مع النشوة، فلو وجد الإسكار مع النشوة في النبيذ نقول بالحرمة، قياساً على الخمر؛ لأن العلة الموجودة في الخمر هي موجودة أيضاً في النبيذ، فيبقى الحكم واحد، للاشتراك بجامع العلة، ومعنى قياس العلة: هو إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع العلة.
النوع الثاني: قياس الشبه، وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم للشبه بين الفرع والأصل، مثال ذلك: أن العلماء اختلفوا في العبد، هل العبد فيه شبه من الإنسان أم فيه شبه من البهيمة؟ فيه شبه من الإنسان من حيث أصل الخلقة، لكن فيه شبه من البهيمة من حيث إنه يباع ويشترى وله ثمن، فهذا قياس الشبه.
القياس الثالث: قياس العكس، وقياس العكس تكون العلة في الفرع عكس العلة في الأصل، فيكون الحكم في الفرع مساوياً للحكم في الأصل، مثال ذلك: رجل زنى ورجل جامع امرأته في آن واحد، فالذي جامع امرأته في حلال وله بذلك أجر، أما الثاني الذي زنى فهو جامع مثل جماع الأول، فالجماع واحد لكن هنا الوصف مختلف، هذا حلال وهذا حرام، فيكون الحكم مختلفاً، فالأول مثاب، والثاني معاقب.
إن القياس الذي نتكلم عنه الآن هو القياس الجلي أو قياس الأولى، بمعنى: أن العلة في الفرع أقوى منها في الأصل، مثال ذلك: رجل يضرب أمه وينتهرها ويسبها، يقول ابن حزم: لو فعل ذلك ليس بآثم، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣].
فالمنهي هو التأفف فقط، لكن نقول: إن العلة في الفرع الذي هو الضرب أقوى منها في الأصل الذي هو التأفف، فيحرم الضرب من باب أولى، خلافاً لـ ابن حزم الذي لا يقول بالقياس لا الجلي ولا غير الجلي، وهذا خطأ فاحش، والصحيح أن العلة هنا في الفرع أقوى منها في الأصل.
فنقول: الذي يرجح لنا مسألة: أن إتيان المرأة في دبرها حرام هو القياس الجلي، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].
ونستنبط من هذه الآية لما حرم الله على الزوج أن يأتي المرأة وهي حائض، قال بوصف دقيق: ((هُوَ أَذًى)).
يعني: يتأذى به الرجل معنوياً وحسياً، وقد قال الأطباء في وقتنا المعاصر: إن الجماع في زمن الحيض يأتي بأضرار جسيمة على الرجل، فيؤذى معنوياً ويؤذى حسياً، معنوياً من منظر الدم فقد يتقزز من امرأته، بل قد لا يجامعها وهي طاهر، والأذى في الدبر أغلظ وأقوى من الأذى في الفرج؛ لأنه محل العذرة، فهو أشد من أذى الدم، فإن كان الأذى هنا في الدبر أقوى من الأذى في الفرج، فمن باب أولى إذا منع من الجماع في زمن الحيض في الفرج للأذى أن يمنع من أن يأتي المرأة في دبرها للأذى، فيكون القول الصحيح الراجح في قول الله تعالى: ((أَنَّى شِئْتُمْ)) يعني: كيف شئتم، مقبلة ومدبرة، لكن في محل الحرث، ولذلك الإمام مالك لما قيل له: كيف تقول ذلك؟ قال: من قال علي هذا فقد كذب، كيف وقد قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، والحرث محل الولد، وإن كان الشافعي قد رده على محمد بن الحسن فقال: أرأيت لو نكحها في ثديها أو نكحها في وركها؟ أيصح أم لا يصح؟ فإن قال: لا يصح، فهذا مخالف، لكن الرد على هذا القول هين، نقول: إن الحرث هو الأصل، وغير ذلك جاء الدليل بحله؛ لأن النبي ﷺ كان يباشر امرأته وهي حائض دون الفرج، سواء فوق السرة أو تحت السرة أو في أي جزئية من جسدها يحل للمرء أن يتمتع به، لكن دون أن يولج، والصحيح الراجح في التمتع بالحائض دون الفرج ما ق
стр. 51
تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض
هناك أسباب أخرى أدت إلى الخلاف بين الفقهاء، منها: تعارض الأدلة التي ظاهرها التعارض، ولا يصح أن نقول: إن الأدلة تتعارض؛ لأنها خرجت من مشكاة واحدة، فأدلة الكتاب والسنة خرجت من مشكاة واحدة، والدليل على ذلك قوله ﷺ : (إلا إني قد أوتيت القرآن ومثله معه) وقبل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
قال الشافعي: آيات الله هي الكتاب، والحكمة هي السنة، فلا تعارض بين الكتاب والسنة، لكن نقول: الأدلة يمكن أن يكون ظاهرها التعارض في نظر المجتهد العالم الذي لا يستطيع أن يجمع بين الأدلة، فيأتي عالم آخر فيجمع بين الأدلة.
стр. 52
اختلاف العلماء في مسألة نكاح المحرم
من هذه المسائل التي نجمت عن الأدلة التي ظاهرها التعارض: نكاح المحرم، فهل المحرم يستطيع أن يعقد لغيره أو يعقد له؟ وهل نكاح المحرم يقصد به الوطء أم العقد؟ هناك من يقول: إن المراد بنكاح المحرم الوطء؛ لأن النكاح هنا يتردد بين الوطء وبين العقد، وهناك حديث في هذا، لكن ليس فاصلاً في محل النزاع، لكن نحن نقول: المقصود به العقد، ومن باب أولى أن يكون الوطء أيضاً؛ لأن الوطء حال الإحرام يفسد الحج على قول بعض العلماء، وبعضهم يقول: لا، لا بد أن يكمل، وهذا الراجح الصحيح يكمل حجه ويكون حجاً فاسداً.
اختلف العلماء في مسألة نكاح المحرم؛ لأن الأدلة ظاهرها التعارض، قالت الأحناف: يجوز للمحرم أن ينكح، يعني: يعقد لأخيه ولابنه؛ وقالوا: دليلنا من السنة الحديث الذي في البخاري عن ابن عباس قال: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم)، وميمونة هذه كانت خالة ابن عباس.
قال الجمهور وهم: المالكية والشافعية والحنابلة: لا يحل للمحرم أن ينكح أو ينكح، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح) وهذا دليل صريح جداً في حرمة نكاح المحرم، أما قول الأحناف فنحن نرد على الحديث الذي استدلوا به بعدة ردود: أولاً: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال ليس بمحرم، فعن يزيد بن الأصم عن ميمونة قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف)، وهذه قرائن تثبت ضبط الراوي أكثر من ابن عباس، وقول الجمهور: المحرم لا يجوز له أن ينكح ولا يجوز له أن يعقد، ولا يجوز له من باب أولى أن يطأ امرأته في الحج، وهو الراجح الصحيح، وقد نقل البخاري نفسه عن ابن المسيب أنه قال: وهم ابن عباس في هذا الحديث، والذي يوضح وهم ابن عباس ﵄ في هذا الحديث هو قول أبي رافع؛ لأن أبا رافع روى حديث تزويج النبي ﷺ بـ ميمونة قال ﵁: (تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت السفير بينهما يعني: أن أبا رافع هو الذي خطبها للنبي ﷺ ، فصاحب القصة أتقن وأضبط ممن بعد عن القصة، فهذا فيه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهي حلال، فقول ابن عباس: (تزوج وهو محرم) وقول أبي رافع (تزوج وهو حلال) هذه الأدلة ظاهرها التعارض، لكن نقول: وهم ابن عباس، والحكم لا يتعلق بالوهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكأن ابن عباس لم يقل هذا القول؛ لأن الذي حضر القصة كان أتقن وأضبط من ابن عباس فرواها لنا صحيحة سليمة.
стр. 53
اختلاف العلماء في مسألة طهارة المني أو نجاسته
المسألة الثانية: هل المني نجس أم هو طاهر؟ يعني: لو أن رجلاً جامع امرأته وأصاب المني ثوبه أو المكان الذي جامعها فيه فهل هذا المحل يكون نجساً أم يكون طاهراً؟ أقول: في هذا خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف هو الأدلة الظاهرة التعارض، قال الأحناف والمالكية بنجاسة المني، والدليل على ذلك الحديث الذي في صحيح البخاري أن عائشة قالت: (كنت أغسل ثوب النبي ﷺ من المني، فيذهب يصلي وبقع الماء على ثوبه) فهذا حديث ظاهر جداً، قالوا: والغسل لا يكون إلا من نجاسة، ولو كان غير نجس لما غسلته.
وقالوا: عندنا رواية أخرى نستدل بها، وهي أن النبي ﷺ قال: (يغسل الثوب من البول والغائط والمني) وهذه دلالة اقتران المني بالبول والغائط وهما نجسان فيكون المني نجساً.
وقال الحنابلة والشافعية: المني طاهر وليس بنجس، والدليل على ذلك ما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت (كنت أفرك المني من ثوب النبي ﷺ ويذهب ويصلي فيه) يعني: تدلك المني ولا تغسله، وهذا مرفوع بالتقرير، كأن النبي ﷺ اطلع عليها وهي تفرك المني من ثوبه فيصلي فيه.
الدليل الثاني: ورد في صحيح ابن خزيمة: (أن النبي ﷺ كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً ثم يصلي فيه).
الدليل الثالث: عن ابن عباس وإن تكلم فيه بعض العلماء لكنه صحيح، أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما المني كالبصاق والمخاط) والبصاق طاهر باتفاق العلماء لكنه مستقذر.
فهذه أدلة صحيحة في البخاري وغيره وفيها الغسل وفيها الدلك والفرك، فكيف نجمع بينها؟ نقول: تحرير محل النزاع: أن الأدلة ظاهرها التعارض، فنجم عن ذلك الخلاف بين الفقهاء، لكن كيف نعتذر للأئمة، ونعلم أن الأئمة لم يقولوا بالهوى في الأحكام، بل كانوا يتلمسون السنة، لكن منهم من غابت عنه السنة، ومنهم من قاس قياساً بعدما رأى أن هذا الدليل ضعيفاً لا يوافق الحق، ومنهم من ظهرت له السنن فحكم بها، وهذا الذي بسببه جعل شيخ الإسلام يؤلف رسالة صغيرة اسمها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
فنقول: الخلاف بين الفقهاء له أدلة، ما كان الأمر عن هوى وتعصب مذهبي، بل كان الخلاف للأدلة التي ظاهرها التعارض، فعلينا أن ننظر هل الأدلة متعارضة وإلا يمكن الجمع بينها أو الترجيح إن لم يمكن الجمع؟ نقول: إن قول الشافعة والحنابلة: إن المني طاهر وهو الراجح الصحيح، ونقول: إن أدلة غسل المني ليس فيها ما يبين نجاسة المني ولا طهارته، وكون عائشة غسلت المني من الثوب، فيكون هذا الغسل للاستقذار، استحباباً لا وجوباً، أما حديث النبي ﷺ أنه قال: (يغسل الثوب من البول ومن الغائط ومن المني)، فهذا الحديث ضعيف ولا حجة لكم فيه؛ لأن الأحكام لا تبنى إلا على الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: لو صح الحديث، فاستدلالكم بدلالة اقتران المني مع البول لا يعطيه حكمه، لأن دلالة الاقتران ضعيفة، والدليل على ذلك الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام:١٤١].
فالأكل مستحب، لكن إتيان الزكاة واجبة، فهذا يبين أن دلالة الاقتران ضعيفة، فالصحيح الراجح في ذلك أن غسل عائشة للثوب كان عن استحباب، وأما الفرك فهو دلالة على عدم النجاسة، فيكون المني طاهراً، والذي يرجح لك ذلك جلياً هو أن النبي ﷺ أكرم الخلق على الله وأفضل الخلق أجمعين وإمام المرسلين، لا يمكن أن يقول قائل: إنه قد ولد من نجاسة أبداً، وهذه التي احتج بها الشافعي على محمد بن الحسن وقال: إن رسول الله ﷺ ولد من شيء طاهر، ولا يمكن أن يولد النبي ﷺ من شيء نجس، فلو كان المني نجساً لكان متولداً عنه.
إذاً: فالنبي ﷺ هو أطهر الخلق أجمعين، وأفضل الخلق أجمعين لا يمكن أن يولد إلا من طاهر، وهذا يرجح بأن المني طاهر وليس بنجس.
стр. 54
عدم وجود نص في المسألة
من الأسباب التي اختلف من أجلها العلماء أيضاً: عدم وجود النص في المسألة، وتتعلق بها مسألتان.
стр. 55
مسألة الجد مع الإخوة
المسألة الأول: الجد مع الإخوة، هل يرث الإخوة مع الجد أم لا؟ أقول: الجد من الأصول، لكن اختلف العلماء اختلافاً شديداً في مسألة الجد مع الإخوة، فـ أبو بكر وابن عباس وكثير من الصحابة يقولون: بأن الجد إذا وجد معه الإخوة لأب أو الإخوة الأشقاء، لا يرثون معه؛ لأن الجد ينزل منزلة الأب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨].
فإبراهيم أبو النبي ﷺ ، وأيضاً قول يوسف ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف:٣٨].
فإبراهيم جده وليس بأبيه، ومع ذلك قال: إني اتبعت ملة آبائي إبراهيم.
فالقرآن أنزل الجد منزلة الأب، فيأخذ الجد حكم الأب، فيحجب الإخوة الأشقاء والإخوة لأب.
الدليل الثاني: الإجماع على أن الجد إذا وجد مع الإخوة لأم فإنه يحجبهم حجب حرمان فلا يرثون، وهذا هو قول الأحناف ورواية عن أحمد من الفقهاء.
أما الذين قالوا بأن الجد يرث مع الإخوة بالاشتراك، بتقسيم معين بين الجد وبين الإخوة في المواريث، وهذا ما عليه جمهور الصحابة وجمهور الفقهاء، فـ زيد بن ثابت الذي قال فيه النبي ﷺ : (وأفرضكم زيد) يقول بالتشريك، وكذلك الشافعي وأحمد ومالك يقولون بالتشريك، وأيضاً ابن عباس وعمر رجعا عن القول الأول إلى هذا القول.
ونكتفي بما قاله زيد بن ثابت والشافعية، قالوا: الإخوة يمكن أن يكونوا عصبة للنساء فيرثون بالتعصيب، مثال ذلك: هلك هالك عن بنت وإخوة وأخوات، فالبنت لها النصف، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].
والباقي يكون للذكر مثل حظ الأنثيين تعصيباً، فالأخ الذكر عصب النساء الأخوات وورث معهن، والجد لا يمكن أن يعصب الأخت.
وقال أصحاب القول الأول: يمكن أن الجد يرث تعصيباً ويأخذ الكل إذا لم يكن أحد.
فالصحيح الراجح هو قول الذين قالوا بأن الجد ينزل منزلة الأب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨].
فيأخذ الجد حكم الأب فيحجب الإخوة، وهذا ترجيح شيخ الإسلام وهو قول الأحناف.
стр. 56
مسألة قتل الجماعة للواحد
المسألة الأخيرة في مسألة عدم وجود النص: رجل اجتمع عليه خمسة فقتلوه، فهل يقتلون به أم لا يقتلون به؟ هذه المسألة اختلف فيها الصحابة، وسبب الخلاف هو عدم ورود النص، وهذه المسألة ظهرت في عصر عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وهي أن امرأة كانت متزوجة من رجل في صنعاء، فسافر عنها وبقي مدة، وكان له ولد من غيرها، فالولد كان معها، فهذه المرأة اشتاقت لرجل والعياذ بالله، فخادنت رجلاً فكان يفجر بها فقالت لهذا الذي يفجر بها: إن هذا الولد سيفضحنا أمام زوجي، فلا بد من قتله، فالرجل قال: لا، ما أفعل ذلك، فبقيت خلفه حتى قتله هو ومن معه وهي، وقطعوه أرباً، ووضعوا كل جزء في كيس وألقوه في بركة ماء، فجاء الرجل يسأل عن ابنه، قالوا: مات، فلما علموا الحقيقة أمسكوا بهم وبعثوا بهم إلى عمر، وأخبروا عمر بالقصة، فجمع عمر كبار الصحابة، فاختلف علماء الصحابة في ذلك على قولين: فـ عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وغيرهم من علماء الصحابة قالوا: نقتلهم أجمعين، فقال عمر بن الخطاب: والله لو أن أهل صنعاء بأسرهم قتلوه لقتلتهم به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩].
وهذا قول جمهور العلماء المالكية والشافعية والأحناف، وقالت الحنابلة، وهو قول الزبير وابن المنذر، وقول الزهري: إن عليهم الدية ولا قتل عليهم؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].
فهذا النزاع كان لعدم ورود الدليل.
والصحيح الراجح في ذلك هو قول عمر بن الخطاب ومن وافقه، وأنهم لو تمالأ أهل صنعاء على قتله لقتلوا به، والدليل هو نفس ما استدلوا به: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].
فنحن نقول: نقتل من قتل، وقد قتل الخمسة الولد فيقتلون به، وأيضاً من باب سد الذريعة، لأن أي إنسان يريد أن يقتل إنساناً آخر يقول: لو قتلت هذا وحدي سأقتل به، فحفاظاً على حياته يأتي بخمسة مجرمين فيقتلون هذا القتيل ولا يقتلون به، وتصبح المسألة حيص بيص، وتهدر الدماء دون أدنى رقابة، وهذا يخالف حكمة الله في القصاص، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩].
إذاً: الصحيح الراجح في ذلك: هو قتل المجموعة بالواحد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 57
الاختلاف في القواعد الأصولية - الاستدلال بمفهوم المخالفة والعام والخاص
دراسة علم الأصول لا يستفاد منها إذا عزلت عن التطبيق على الفروع الفقهية، فما جيء بالأصول إلا لتنظم متناثر الفروع.
ومن ذلك مسألة حجية مفهوم المخالفة، وحجية العام والخاص، فالخلاف في حجية مفهوم المخالفة انبنى عليه الخلاف في مسائل كثيرة في الفروع، وكذلك الخلاف في دلالة العام على أفراده هل هي قطعية أو ظنية، وكيفية العمل عند تعارض العام والخاص.
стр. 58
مفهوم المخالفة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فإن دراسة الأصول بمعزل عن الفقه آفة جسيمة استفحل خطرها، وزاد ضررها، وظهر عوارها خاصة بين طلبة العلم الشرعي مما أدى إلى عقم المادة الأصولية عند طلابها، وعند دراسة المنهج الأصولي بمعزل عن التطبيق على الفروع أصبحت دراسة الأصول بلا ثمرة، فانفصمت بذلك عرى الأصول عن أن تبنى عليها الفروع وهي في أصل وضعها إنما وضعت بمثابة المقدمة لبناء الفروع عليها واستنباطها منها.
قال الإمام الشاطبي في المقدمة الرابعة من موافقاته: كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عوناً في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية.
وأهمية دراسة الأصول تكمن في استنباط الفروع منها وبنائها عليها، وليس في مجرد دراسة منهج أصولي بمعزل عن التطبيق الفقهي.
نواصل كلامنا في شرح كتاب (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء)، وقد انتهينا من الكلام على عموم المقتضي ودلالات الألفاظ، ونتكلم الآن عن مفهوم المخالفة، تعريفه، وحكمه، ومتى لا يعتبر مفهوم مخالفة؟ أما تعريفه: فهو حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.
لمفهوم المخالفة عدة أوجه فإما أن يخرج الكلام مخرج الغالب، فلا نعمل بالمفهوم، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣].
فلا يقال بإباحة الزواج بالربائب إذا لم يكن في حجر الزوج، لأن الآية هنا لم ترد التقييد وإنما خرجت مخرج الغالب، وكون الربيبة لا تكون في حجر الزوج أمراً نادراً، فلا عبرة به، هذا هو الوجه الأول.
أما الوجه الثاني: فأن تأتي الآية في سياق الامتنان أو سياق التنفير كقوله تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فليس مفهومه جواز أكل الربا شيئاً فشيئاً كقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل:١٤] وهذا في سياق الامتنان.
وقد يكون في المفهوم مخالفة المنطوق كحديث: (إنما الماء من الماء)، فمفهومه أنه لا يجب الغسل إلا إذا نزل المني، ولا عبرة بالتقاء الختانين، فهذا يخالف حديث: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).
стр. 59
الخلاف في نجاسة الكافر في ضوء مفهوم المخالفة
إن مسألة نجاسة الكافر خلافية، لكن حتى الذين يقولون بالمفهوم لا يقولون بها، فالكافر لا يجوز السلام عليه، لكن إذا سلمت عليه هل تغسل يدك من السلام عليه أم لا؟ اختلف العلماء على قولين: القول الأول: الكافر نجس، فإذا سلم عليك فلا بد أن تغسل يدك منه، وإذا أكل معك فلا تأكل معه ولا تستعير منه شيئاً، وهذا قول ابن حزم، وهذا القول لا بد للجمهور أن يقولوا به، فـ ابن حزم أخذ بدليل مفهوم المخالفة، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: (قابلت النبي ﷺ وكنت جنباً فانسللت، فاغتسلت فرجعت، فقال لي النبي ﷺ : يا أبا هر! أين كنت؟ فقال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك فاغتسلت، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، وفي رواية أخرى عن حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه قال: (قابلت النبي ﷺ وكنت جنباً فانسللت فاغتسلت، فقال: إن المؤمن لا ينجس)، يعني لا تفعل ذلك فإن المؤمن لا ينجس، فالمنطوق: حكم المؤمن أنه طاهر ولا ينجس، ومفهوم المخالفة: الكافر ينجس، فتمسك بها وعض عليه بالنواجذ ابن حزم.
قال: ويعضد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، فهذه دلالة واضحة على نجاسة الكافر، فلو سلمت على رجل من أهل الكتاب فعليك أن تغسل يدك على قول ابن حزم، ولا ينتقض الوضوء كما لو مس الرجل المتوضئ النجاسة بيده فإنها لا تنقض وضوءه، فإذا مسكت النجاسة فعليك أن تغسل مكان النجاسة فقط.
وهذا أيضًا على خلاف بين العلماء، لكن هذا هو الراجح عند أهل التحقيق.
القول الثاني: قول جماهير أهل العلم أن الكافر ليس بنجس، فقام ابن حزم -بأسلحته الفتاكة- فقال: خالفتم ما قعدتم! أي: تؤصلون وتقعدون ولا تأخذون بالقواعد! فقال الجمهور: كيف ذلك؟ قال: قلتم: مفهوم المخالفة معتبر، ولما قال الأحناف: لا نعتبر بمفهوم المخالفة رددتم عليهم وشننتم، فنحن نرد عليكم ونقول لكم: قال النبي: (المؤمن لا ينجس) فمفهوم المخالفة: غير المؤمن ينجس، فلم لا تقولون بذلك؟ قالوا: يا ابن حزم! نحن نتفق معك في القاعدة ونقول: مفهوم المخالفة حجة، لكننا قلنا: إن مفهوم المخالفة لا عبرة به إذا خالف منطوقاً، وكذلك مفهوم المخالفة لا عموم له كما عليه كثير من الأصوليين، فإذا قلنا: المؤمن لا ينجس إذاً: الكافر عليه نجاسة معنوية أي: نجاسة اعتقاد؛ لأنه يعبد الأوثان والعياذ بالله، فهذه نجاسة اعتقادية معنوية لا نجاسة حسية، فنحن نخصص هذا المفهوم ولا نقول بالعموم فيه، وإن كنا نتفق معك على المفهوم لكن الذي جعلنا لا نأخذ بالمفهوم هنا هو أدلة المنطوق التي هي أقوى من المفهوم، قال: ما هي؟ قالوا: لقد أباح الله الزواج من الكتابيات، والكتابية إن كانت نجسة فالمؤمن الذي تزوج بها سيمسها بيده، فلو قلنا إنه كلما قبل أو سلم أو عانق، يجب أن يغسل فذلك يلحق به المشقة الشديدة التي لا يمكن احتمالها، فحلية النكاح من الكتابيات فيه إشارة من الشرع على أن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية.
كذلك لقد دعي النبي ﷺ من قبل يهودية، وأكل الشاة التي قدمتها وصنعتها له بيدها، فلو كانت نجسة ما أكل منها النبي ﷺ ومن معه.
وكذلك: لقد توضأ النبي ﷺ بماء يملكه الكتابي الكافر، فكل هذه الأفعال من النبي ﷺ تدل على عدم نجاسة الكافر، فقلنا بهذه الأدلة القوية في المنطوق الذي عارضها في الظاهر المفهوم، فالمفهوم يبين أن الكافر نجس، والمنطوق يبين أن الكافر ليس بنجس، فقلنا: لا عبرة هنا؛ لأنه خالف منطوقاً والمنطوق أقوى في الدلالة من المفهوم، إذ المنطوق قوته في التصريح والمفهوم قوته في التلميح، وإذا عارض المصرح به المستنبط فإننا نقدم المصرح به، ومع هذا فإننا لا نطرح المفهوم عموماً بل نخصص عموم المفهوم، ونقول: نجاسة الكافر نجاسة اعتقادية لأنه يعبد الوثن أو الشمس أو القمر وهذه نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية.
стр. 60
الاستدلال العام والخاص
من المسائل التي اختلف فيها الأصوليون (مسألة العام والخاص)، فسنتكلم عن المسائل الخلافية التي تدخل في الخلاف بسبب العموم والخصوص.
فلو قلت مثلاً: أكرموا العلماء، فهذه دلالة على إكرام كل عالم من العلماء، ويكون هذا اللفظ عاماً يصلح للعالم الصغير، والعالم الكبير، والعالم المصري، والعالم الألباني، والعالم الهندي، والعالم الباكستاني، سواء كان عالم كيمياء، أو عالم فقه أو غيرها، لكن لو قلت: أكرموا علماء الشرع فقد خصصت علماء الشرع بالإكرام، وإن كان هذا أيضاً عموماً، ولكنه عموم في بابه.
أما الخاص: فهو اللفظ الموضوع لمعنى واحد معلوم على الانفراد.
فلو قيل: أكرم زيداً، فإن جاءك محمد فلا تكرمه؛ لأنك خصصت الإكرام لزيد، فلا يجري الحكم على محمد.
وألفاظ العموم كثيرة نذكرها كما يلي: أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة: كالذي والتي واللائي وهذا كمثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فهذا عام مخصوص والمراد به أبو بكر الصديق.
قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤] فهذا عام في كل امرأة؛ لأن كلمة (اللائي) من الأسماء الموصولة الدالة على العموم.
ومن ألفاظ العموم أيضاً المفرد المعرف بألف واللام وذلك كقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] فهذا عام في كل سارق وسارقة، وأيضًا قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور:٢] فلفظ: (الزانية والزاني) معرف بألف ولام فهي استغراقية.
ومن ألفاظ العموم اسم الجنس المعرف بالألف واللام كأن تقول: الإنسان أي: جنسه فيدخل تحته كل أفراده، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
ومنها المفرد المضاف كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] فكلمة: (النعمة) مضافة إلى لفظ الجلالة: (الله) والمفرد المضاف يفيد العموم.
ومن ألفاظ العموم أيضًا النكرة في سياق النفي كقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، أو قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فالآية الأولى في سياق النفي والثانية في سياق النهي.
ومن النكرة في سياق النفي قول النبي ﷺ : (لا وصية لوارث)، وهناك ألفاظ كثيرة من ألفاظ العموم تراجع في مظانها.
стр. 61
حكم العموم
حكم العموم أنه يعمل به على الراجح، والقاعدة عند العلماء: العام يبقى على عمومه ما لم يأت مخصص يخصصه، وهناك أقوال في هذه المسألة: فقيل: نبحث عن المخصص، وقيل: نتوقف، والثالث: نعمل به ولا نبحث عن المخصص، وعند الجمهور أنه يعمل به.
والصحيح أن العام يعمل به حتى يأتي مخصص يخصصه.
стр. 62
دلالة العام
هذه المسألة مهمة جداً، وهي: هل دلالة العام على أفراده دلالة ظنية أم دلالة قطعية؟ اختلف العلماء في هذا فقال الأحناف: دلالة العام على أفراد العموم دلالة قطعية وليست دلالة ظنية؛ لأنه لا عبرة بالدليل الناشئ عن الاحتمال، فتكون دلالته على أفراده قطعية وكلمة أفراده المراد بها: من يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام.
وقيل: إن دلالة العام على أفراده ظنية؛ لإمكانية طروء احتمال ناشئ، وإذا كان الاحتمال ناشئاً فتكون الدلالة ظنية وليست قطعية، أما الأحناف فقالوا: إذا قال: أكرم الطلبة، فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل، وهذا الكلام من القوة بمكان، والذي يشهد لجمهور العلم أنه ما من عام إلا وجاءه المخصص، ولذلك قعد العلماء قاعدة (ما من عام إلا قد خصص)، فدليلهم شيوع الخصوص في العموم، وكذلك قول الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:٣٠] فكلمة (أجمعون) للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وعندما احتاج ذلك للتأكيد دل على أن الاحتمال قائم بدون التأكيد، وهذه دلالة على أن العام دلالته ظنية.
والراجح هو قول الجمهور.
стр. 63
ثمرة الخلاف في دلالة العام
إن ثمرة الخلاف تظهر في المسائل الفقهية، والفائدة أن يعرف طالب العلم أن يحرر محل النزاع وكيف يرجح.
فإذا قلنا: إن قول الجمهور هو القول الصحيح فلننظر في المسائل العلمية.
المسألة الأولى: حكم الذبيحة التي ترك فيها ذابحها التسمية.
فلو أراد رجل أن يعق عن ولده، فأخذ الذبيحة وذبحها ولم يسم، فهل تؤكل الذبيحة أو لا؟ لقد اختلف العلماء في هذه المسألة فالأحناف الذين يقولون: إن دلالة العام على أفراده قطعية قالوا: لا تؤكل ذبيحة من لم يسم، والدليل: قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذه الدلالة دلالة عموم لا خصوص، ووجه العموم ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١].
وقوله: (مما) هي من الأسماء المبهمة تدل على العموم ولا سيما لو قصدنا بـ (مما) هنا ذبيحة فتكون نكرة في سياق النهي فتدل على العموم يعني: لا تأكلوا كل ذبيحة لم يذكر فيها اسم الله، ويدخل في كل ذبيحة: ذبيحة المسلم، وذبيحة الكافر، وذبيحة الوثني، وذبيحة أهل الكتاب، والدلالة عند الأحناف على هذا دلالة قطعية، ولكن الأحناف استثنوا فقالوا: لو ذبح المسلم ولم يسم ناسياً فيجوز أن تؤكل ذبيحته، لأن الناسي حكمه حكم الذاكر، وقد جاء في الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وكأنهم خالفوا القاعدة التي قعدوها قبل ذلك، والمالكية يقولون: إن المراد من الحديث رفع الحكم ورفع الإثم.
وقول الأحناف هذا هو أيضاً قول الحنابلة والمالكية على ما أذكر.
والقول الثاني: قول الشافعية ورواية عن أحمد: أن التسمية ليست واجبة، وأنه إذا ذبح المسلم دون أن يسمي فللمسلم أن يأكل من تلك الذبيحة؛ لأن القاعدة عندهم أن العموم دلالته على أفراده دلالة ظنية كقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] وهذا العموم أفراده هي: ذبيحة مسلم وذبيحة الكتابي وذبيحة الوثني وذبيحة الكافر، ودلالته على هذا كله دلالة ظنية يعني: أنه بالإمكان أن يخصص هذا العموم، لأنه يحتمل طروء شيء مخصص بخلاف مذهب الأحناف، قالوا: ونحن نقرر هذه القاعدة وإن خالفنا من خالفنا؛ لأنه جاء في البخاري عن عائشة (قالت عائشة: إن أقواماً قالوا: يا رسول الله إنا يأتينا اللحم من أقوام لا نعلم أذكروا اسم الله أم لم يذكروا اسم الله، فقال لهم النبي ﷺ : سموا أنتم وكلوا) ووجه الدلالة أنه لو كانت التسمية واجبة لما جاز الأكل منها مع الشك، ومع ذلك قال لهم النبي ﷺ : (سموا أنتم وكلوا).
والدليل الثاني: جاء عند أبي داود في المراسيل أن النبي ﷺ قال: (المسلم يذبح على اسم الله ذكر أم نسي)، قالوا: وهذه الأدلة عندنا مخصصة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، والذي يوضح ذلك أن الله أباح الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وأهل الكتاب غالباً لا يسمون، ففيه دلالة على أن التسمية سنة.
أقول: من جهة التقعيد والتقسيم فكلام الشافعية أقوى؛ لأننا نقول: بأن قول الجمهور أقوى في أن كل عام قد يخصص وأن التخصيص وارد، فتكون الدلالة على الأفراد ظنية، وأما من جهة الأثر فقول الأحناف أقوى، وأنا أميل لذلك وأقول: لا يجوز الأكل من الذبيحة إذا لم يسم عليها؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وما ذكره غيرهم من أنه قد خصص هذا العموم فليس ذلك بمخصص، فحديث أبي داود ضعيف، والضعيف لا يخصص به، وأما حديث البخاري فهو صحيح لكنه لا يسلم من المعارضة حتى يخصص، قالوا: كيف؟ قلنا: قول عائشة: يأتون باللحم فلم نعلم الحديث فقال رسول الله: (سموا أنتم) فهذا إرجاع من النبي ﷺ لهم إلى الأصل، إذ الأصل أن المسلم إذا ذبح أنه لا يذبح إلا أن يسمي، وهذا الأصل لا ننتقل عنه إلا بدليل، فالشك لا يزيل اليقين، واليقين أن الأصل في المسلم أنه لا يذبح إلا إذا سمى، فأحالهم النبي على الأصل، لأنهم ليس عندهم يقين يزيل هذا الأصل عن أصله، فكأنه يقول: إن المسلم الأصل فيه أنه سيذبح ويسمي، وإذا شك في التسمية فهذا الشك لا يزيل اليقين، فلا يصح هذا مخصصاً، لأن النبي ﷺ ما أباح لهم الأكل مع عدم وجود التسمية والنزاع ليس هنا، إذ النزاع إنما هو في رجل استيقنا أنه لم يسم، وهذا لم نستيقن فيه ذلك بل هو الشك، والراجح أن يبقى العام على عمومه إلا أن يأتي مخصص، وهذا ليس بمخصص؛ لأنه لم يسلم من المعارضة.
وأوجه من هذا القول والذي أدين لله به هو قول ابن حزم بأن المسلم إذا ذبح ولم يسم على الذبيحة عمداً فإنه لا يأكل منها وهذا أيضاً قول الأحناف، وإذا لم يسم ناسياً فأهل الظاهر أيضاً قالوا: لا يأكل منها، هذا وهو الراجح الصحيح، لأن الله جل في علاه قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، والذي يؤكد ذلك (أن النبي ﷺ قال لـ عدي بن حاتم: إذا أرسلت كلبك المعلم (شرط وقيد) وذكرت اسم الله فكل)، ومفهوم المخالفة أنه إن أرسلت كلباً غير معلم فلا تأكل، فالصحيح الراجح أن الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة ذاكراً أو ناسياً فإنه لا يأكل منها؛ لأنها ميتة.
فإن قيل: قد قال النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والرجل قد نسي، قلنا: قد فرقنا قبل ذلك بين قاعدتي المأمورات والمحظورات، وهذا من المحظورات فيرفع الإثم فقط ويبقى الحكم، والدليل قال الله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا)) وهذا نهي وما وجدنا المخصص فأخذنا بعموم قول الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
وهذه المسألة تتعلق بهذا الأصل، وهي أن الرجل الذي قتل رجلاً عمداً ثم لاذ بالفرار ودخل الحرم وتعلق بأستار الكعبة فهل يقام عليه الحد أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومدار الخلاف فيها هو قاعدة هل دلالة العام على أفراده ظنية أو قطعية؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] إلى قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] وهذه تفيد العموم، فأي شخص يدخل الحرم يكون آمناً، وكان الأصل أن تعم الآية كل إنسان سواء كان كافراً أو مؤمناً أو وثنياً ولكن الكافر والوثني أخرجوا من العموم بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨] فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقاً أو قاتلاً، أو زانياً، فكل هؤلاء داخلون في عموم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فاختلف العلماء إذا لم يستطيعوا أن يقتلوه إلا وهو متعلق بأستار الكعبة فهل يصح قتله أولا؟ أما الأحناف فعلى أصلهم لا بد أن يقولوا: لا يقام عليه الحد؛ لعموم قول الله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] حتى ولو كان قاتلاً أو سارقاً أو زانياً؛ لأن كل هؤلاء داخلون تحت عموم ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] فالأحناف يقولون: لا يجوز أن يقام عليه الحد في الحرم، ودلالة العام على الأفراد دلالة قطعية فلا احتمال للتخصيص، وهذا الذي رجحه ابن جرير الطبري وذكر أنهم قالوا: يضيق عليه ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يخرج من الحرم فيقام الحد عليه.
أما الجمهور فقالوا: إنه يقتل في الحرم ويقتص منه في الحرم، ويقام عليه الحد في الحرم، وقالوا: إن دلالة العام على أفراده ظنية فيحتمل التخصيص وقد جاء المخصص، قلنا: ما هو المخصص؟ قالوا: القياس والأثر، قلنا: كيف ذلك؟ قالوا: قد أباح الله قتال المشركين في الحرم بدليل قول الله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] فأباح للنبي أن يقتلهم في الحرم.
وأيضًا ابن خطل الذي كان يسب النبي ﷺ قال عنه النبي ﷺ : (إن وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة فاقتلوه) فوجدوه متعلقاً بأستار الكعبة فقالوا: يا رسول الله وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة قال: (فاقتلوا)، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة.
فهذا يدل على أن الذي استحق القتل فإننا نقتله ونقتص منه في الحرم قياساً على الكافر، قلنا: كيف تقيسون المؤمن على الكافر؟ قالوا: هذا القياس محله إباحة الدم؛ لأن الكافر مباح الدم والمقتص منه مباح الدم، فبجامع إباحة الدم قلنا نقيم عليه الحد، وهذا الراجح الصحيح؛ لأن العموم قد يخصص بالقياس.
стр. 64
تعارض العام والخاص
مسألة تعارض العام مع الخاص اختلف العلماء فيها: فالأحناف يرون أن العام والخاص لابد أن ينظر إليه من جهات: منها النظر إلى المتقدم والمتأخر فالمتقدم ينسخ المتأخر عندهم.
وأما الجمهور فيرون أن الخاص والعام لا يتعارضان؛ لأن الخاص يقدم على العام فيعمل بالخاص في خصوصه، ويعمل بالعام في عمومه.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة:٢٢١] فهذا النص عام، في كل المشركات، ولكن جاء التخصيص بإباحة نساء أهل الكتاب فنقول: إنه لا يوجد تعارض بينهما، بل يبقى الخاص على خصوصه بحلية الزواج من أهل الكتاب، ويبقى العام على عمومه دون نساء أهل الكتاب، فكل المشركات اللاتي يعبدن الشمس أو القمر أو الماء أو الفيلة أو الفئران لا يجوز الزواج منهن.
أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم.
стр. 65
الاختلاف في القواعد الأصولية - الاحتجاج بمفهوم الموافقة وعموم المقتضى
علم الأصول من أجل العلوم وأنفعها على الإطلاق؛ إذ لا يمكن أن يستغني عنه عالم ولا طالب علم، فهو وسيلته لاستنباط الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، بل عده بعض العلماء من علوم الشريعة المحفوظة من قبل رب العالمين، وما وقع المتعالمون فيما وقعوا فيه من خبط وخلط في أحكام الشريعة إلا بسبب جهلهم بهذا العلم، ولذا ينبغي أن يُدرك إدراكاً تاماً؛ إذ به يتضح شمول الشريعة وعظمتها.
стр. 66
مفهوم المخالفة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار, ثم أما بعد: فقد تحدثنا فيما سبق عن المفهوم وأقسامه أو أنواعه، وبينا حجية المفهوم واختلاف العلماء في ذلك.
стр. 67
تعريف مفهوم المخالفة
مفهوم المخالفة: هو ما خالف حكم المنطوق، أو: هو حكم المسكوت عنه مخالفاً حكم المنطوق.
مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].
стр. 68
أنواع مفهوم المخالفة
للمفهوم أنواعاً كالتالي: ١) مفهوم الصفة، مثال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥].
٢) مفهوم الغاية، وهو أن يكون حكم ما بعد الغاية مخالفاً لما قبلها، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦].
٣) مفهوم الشرط، ومثاله: حديث: (إذا بلغ الماء قلتين) ٤) مفهوم الحصر، ومثاله: قول النبي ﷺ (إنما الأعمال بالنيات)، فمفهوم الحديث: أن أي عمل لم يسبقه نية فليس بعمل مجزئ، أو أنه غير مقبول.
وبينا أيضًا: أن مفهوم المخالفة يطرح في عدة حالات, ولا يكون حجة فيها، وقد عددناها وسنتحدث الآن عن مفهوم الموافقة.
стр. 69
مفهوم الموافقة
علمنا أن المفهوم مفهومان: مفهوم موافقة, ومفهوم مخالفة, وسبق أن تحدثنا عن مفهوم المخالفة.
стр. 70
تعريف مفهوم الموافقة
أما مفهوم الموافقة: فهو أن حكم المسكوت عنه يوافق حكم المنطوق نفيًا وإثباتًا؛ لاشتراكهما في معنى واحد, مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالمنطوق: أن لا تتأفف عليهما، ويدخل في المعنى ما شابهها من اللفظ أو الإشارة باليد؛ لأنهما وافقا التأفف في المعنى، وكما أن الوالدان يتأذيان بالتأفف، فإنهما يتأذيان بالإشارة أو بالكلام الرافض لأوامرها.
стр. 71
أنواع مفهوم الموافقة
مفهوم الموافقة نوعان: لحن الخطاب.
وفحوى الخطاب.
стр. 72
لحن الخطاب
لحن الخطاب: هو مساواة المسكوت عنه للمنطوق في المعنى، والحكم، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فالأكل هنا يساويه الإتلاف بالإلقاء في البحر مثلاً، أو الإتلاف بالإحراق، فلهما نفس الحكم.
стр. 73
فحوى الخطاب
أما فحوى الخطاب: فهو أن يكون المعنى في المسكوت عنه أقوى من المنطوق, ويسميه بعض الأصوليين: القياس الجلي, إلا أن الشافعي رجح أنه من دلالات الألفاظ، مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالمنطوق هنا: النهي عن التأفف، والأقوى منه في المسكوت عنه، وهو الضرب، فإن حرم الله عليك أن تقول لهما: أف، وأيضاً حرم عليك أن تضربهما من باب أولى, إذ المعنى في المسكوت عنه أقوى، فهو أولى بالحكم من التأفف.
ومثال ذلك أيضاً: قول النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه) فالمنطوق قوله: لا يبولن، وهو نهي عن البول في الماء الراكد، والمسكوت عنه الأقوى في المعنى: وهو التغوط، فإذا نهى النبي عن البول وهو الأخف نجاسة فالتغوط أشد، فيكون أولى بالحكم.
стр. 74
اختلاف العلماء في حجية مفهوم المخالفة وأثر اختلافهم في ذلك
وقد اختلف العلماء في حجية مفهوم المخالفة على قولين: القول الأول وهو قول الأحناف: وهو أن مفهوم المخالفة ليس بحجة، ووافقهم في ذلك ابن حزم.
والقول الثاني قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن مفهوم المخالفة حجة، وقد بينا ضعف هذا القول.
стр. 75
الزواج بالأمة الكتابية
من المسائل التي تتعلق بمفهوم المخالفة: مسألة الزواج بالأمة الكتابية.
والأمة: هي التي كانت سبيا من الجهاد بين المسلمين والكفار، فأخذها فوقعت في سهم مقاتل من المقاتلين فأصبحت أمة، فله أن يطأها بدون عقد، أو بدون شهود وولي، كما أن له أن يستعملها ويستربح بمالها الذي تأتي به.
فهذه المسألة فيها معنى الأمة, أي الأمة الكافرة، وسواء أسلمت أم لم تسلم, وهناك خلاف عريض بين العلماء في جواز وطء الأمة المجوسية أو الوثنية، أو الأمة التي من غير أهل الكتاب، وليس هنا مجال بحثه.
فمن لا يستطيع الصبر هل له أن ينكح الأمة غير المسلمة أم لا؟ ومدار هذه المسألة على حجية مفهوم المخالفة, فمن قال بحجية مفهوم المخالفة لم يجز للمرء أن يتزوج بالأمة غير المسلمة، وهم الجمهور، ومن قال بعدم حجية مفهوم المخالفة أجاز له أن يتزوجها وهم الأحناف.
أما الجمهور فاستدلوا على عدم الجواز بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فهم يرون بأن الله قيد جواز الزواج من الأمة بشرطين اثنين في الآية: الشرط الأول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: لا يستطيع غنى أن يتزوج، فلو كان يستطيع أن يتزوج فلا يجوز له أن يطأ الأمة وهذا بالإجماع.
والشرط الثاني: في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء:٢٥]، فقوله: (فتياتكم) أضافها إلى المخاطبين، وهم مسلمون مؤمنون فكأنه يقول: لابد أن تكون على نفس ملتكم ودينكم، ثم أكدها حتى لا يحصل اللبس، فقال: (الْمُؤْمِنَاتِ) والمعنى: من فتياتكم المؤمنات اللاتي هن من ملتكم، ووصف الإماء بهذا الوصف جعل قيداً وشرطاً، ولأنهم يقولون بمفهوم المخالفة فقد بنوا عليه أحكاماً: الحكم الأول: الذي يستطيع طولا لا يجوز له الزواج من الأمة.
الحكم الثاني وهو محل الخلاف بين العلماء: الذي لا يستطيع طولا ولم يجد الأمة المؤمنة فلا يجوز له أن يتزوجها، إذ أن مفهوم المخالفة في الآية: إن كن من غير فتياتكم وعلى غير ملتكم فلا يجوز لكم الزواج بهن؛ لأن المعنى المنطوق في الآية: الأمة المؤمنة يجوز الزواج منها, فكان مفهوم المخالفة المسكوت عنه: لا يجوز الزواج بالأمة غير المؤمنة.
وذكرنا أن الأحناف يقولون: يجوز للمرء أن يتزوج من الأمة الكتابية، ودليلهم عمومات الكتاب, فمنها: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فقوله: ما طاب لكم من النساء، يدل على العموم لما تحمله ما الوصولية من معنى العموم, وكما أن الألف واللام في قوله: (النساء) تفيد الاستغراق لكافة أفراد جنس النساء، والمعنى: كل النساء سواء كن كتابيات أو غير ذلك.
ثانياً: قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فقوله: (ما وراء) يدل على العموم، إذ أن (ما) من الأسماء المبهمة التي تدل على العموم، والمعنى: كل ما وراء أولاءٍ فالزواج منهن حلال لكم، أما دليل الجمهور فهو ضعيف, ووجه الضعف أنهم يحتجون بمفهوم المخالفة وهذا المفهوم ليس بحجة.
следующие страницы →