← Каваид фикха

Каваид фикха · id 37648

أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أنواع مفهوم الموافقة مفهوم الموافقة نوعان: لحن الخطاب. وفحوى الخطاب.

стр. 72

لحن الخطاب لحن الخطاب: هو مساواة المسكوت عنه للمنطوق في المعنى، والحكم، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فالأكل هنا يساويه الإتلاف بالإلقاء في البحر مثلاً، أو الإتلاف بالإحراق، فلهما نفس الحكم.

стр. 73

فحوى الخطاب أما فحوى الخطاب: فهو أن يكون المعنى في المسكوت عنه أقوى من المنطوق, ويسميه بعض الأصوليين: القياس الجلي, إلا أن الشافعي رجح أنه من دلالات الألفاظ، مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فالمنطوق هنا: النهي عن التأفف، والأقوى منه في المسكوت عنه، وهو الضرب، فإن حرم الله عليك أن تقول لهما: أف، وأيضاً حرم عليك أن تضربهما من باب أولى, إذ المعنى في المسكوت عنه أقوى، فهو أولى بالحكم من التأفف. ومثال ذلك أيضاً: قول النبي ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه) فالمنطوق قوله: لا يبولن، وهو نهي عن البول في الماء الراكد، والمسكوت عنه الأقوى في المعنى: وهو التغوط، فإذا نهى النبي عن البول وهو الأخف نجاسة فالتغوط أشد، فيكون أولى بالحكم.

стр. 74

اختلاف العلماء في حجية مفهوم المخالفة وأثر اختلافهم في ذلك وقد اختلف العلماء في حجية مفهوم المخالفة على قولين: القول الأول وهو قول الأحناف: وهو أن مفهوم المخالفة ليس بحجة، ووافقهم في ذلك ابن حزم. والقول الثاني قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن مفهوم المخالفة حجة، وقد بينا ضعف هذا القول.

стр. 75

الزواج بالأمة الكتابية من المسائل التي تتعلق بمفهوم المخالفة: مسألة الزواج بالأمة الكتابية. والأمة: هي التي كانت سبيا من الجهاد بين المسلمين والكفار، فأخذها فوقعت في سهم مقاتل من المقاتلين فأصبحت أمة، فله أن يطأها بدون عقد، أو بدون شهود وولي، كما أن له أن يستعملها ويستربح بمالها الذي تأتي به. فهذه المسألة فيها معنى الأمة, أي الأمة الكافرة، وسواء أسلمت أم لم تسلم, وهناك خلاف عريض بين العلماء في جواز وطء الأمة المجوسية أو الوثنية، أو الأمة التي من غير أهل الكتاب، وليس هنا مجال بحثه. فمن لا يستطيع الصبر هل له أن ينكح الأمة غير المسلمة أم لا؟ ومدار هذه المسألة على حجية مفهوم المخالفة, فمن قال بحجية مفهوم المخالفة لم يجز للمرء أن يتزوج بالأمة غير المسلمة، وهم الجمهور، ومن قال بعدم حجية مفهوم المخالفة أجاز له أن يتزوجها وهم الأحناف. أما الجمهور فاستدلوا على عدم الجواز بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فهم يرون بأن الله قيد جواز الزواج من الأمة بشرطين اثنين في الآية: الشرط الأول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: لا يستطيع غنى أن يتزوج، فلو كان يستطيع أن يتزوج فلا يجوز له أن يطأ الأمة وهذا بالإجماع. والشرط الثاني: في قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء:٢٥]، فقوله: (فتياتكم) أضافها إلى المخاطبين، وهم مسلمون مؤمنون فكأنه يقول: لابد أن تكون على نفس ملتكم ودينكم، ثم أكدها حتى لا يحصل اللبس، فقال: (الْمُؤْمِنَاتِ) والمعنى: من فتياتكم المؤمنات اللاتي هن من ملتكم، ووصف الإماء بهذا الوصف جعل قيداً وشرطاً، ولأنهم يقولون بمفهوم المخالفة فقد بنوا عليه أحكاماً: الحكم الأول: الذي يستطيع طولا لا يجوز له الزواج من الأمة. الحكم الثاني وهو محل الخلاف بين العلماء: الذي لا يستطيع طولا ولم يجد الأمة المؤمنة فلا يجوز له أن يتزوجها، إذ أن مفهوم المخالفة في الآية: إن كن من غير فتياتكم وعلى غير ملتكم فلا يجوز لكم الزواج بهن؛ لأن المعنى المنطوق في الآية: الأمة المؤمنة يجوز الزواج منها, فكان مفهوم المخالفة المسكوت عنه: لا يجوز الزواج بالأمة غير المؤمنة. وذكرنا أن الأحناف يقولون: يجوز للمرء أن يتزوج من الأمة الكتابية، ودليلهم عمومات الكتاب, فمنها: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فقوله: ما طاب لكم من النساء، يدل على العموم لما تحمله ما الوصولية من معنى العموم, وكما أن الألف واللام في قوله: (النساء) تفيد الاستغراق لكافة أفراد جنس النساء، والمعنى: كل النساء سواء كن كتابيات أو غير ذلك. ثانياً: قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فقوله: (ما وراء) يدل على العموم، إذ أن (ما) من الأسماء المبهمة التي تدل على العموم، والمعنى: كل ما وراء أولاءٍ فالزواج منهن حلال لكم، أما دليل الجمهور فهو ضعيف, ووجه الضعف أنهم يحتجون بمفهوم المخالفة وهذا المفهوم ليس بحجة.

стр. 76

القول الراجح وأدلته المفهوم حجة، وتقدم أن الأدلة الكثيرة فهم النبي ﷺ ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]، إذ قال النبي ﷺ بعد نزولها: (سأزيد عن السبعين)، فوجه الدلالة التي استدل بها النبي ﷺ لنبين أنه فهم قول الله بمفهوم المخالفة: إذ أن في الآية مفهوم العدد والمعنى: لا تستغفر السبعين, فمفهوم العدد: أنه لو استغفر أكثر من سبعين فقد يغفر الله لهم. ومن الأدلة أيضاً: فهم الصحابة ﵃، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁، وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]. ومن الأدلة على حجية مفهوم المخالفة: أخذ أئمة اللغة كـ ابن سلام به، والشافعي كذلك وهو من أئمة اللغة، وقد قال بمفهوم المخالفة. والدليل حديث: (إنما الماء من الماء) أي: لا يمكن الاغتسال إلا بالإنزال, فإذا لم يكن الإنزال فلا اغتسال فقلنا لهم: المفهوم حجة وبينا ذلك. إذا علم أن الراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يجوز أن يتزوج بالأمة الكتابية بدليل مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] فليعلم كذلك أنه يخصص عموم قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] وكأن مراد الله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء الحرائر سواء كن كتابيات أو مؤمنات مسلمات، والإماء خاصة المسلمات دون الكتابيات , إذ أن مفهوم المخالفة من قوله: فتياتكم المؤمنات، هو أن الفتيات غير المؤمنات لا يجوز لكم النكاح منهن. إذاً: فمفهوم المخالفة هذا يخصص عموم قول الله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فهو عام مخصوص، والمراد به الحرائر المسلمات والحرائر الكتابيات والإماء المسلمات خاصة دون الإماء الكتابيات.

стр. 77

ملكية ثمر النخل قبل التأبير وبعده من المسائل التي يرجع الخلاف فيها ضمن مفهوم المخالفة مسألة في كتاب البيوع وهي: النخلة إذا أبرت ثم بيعت، فلمن يكون ثمرها؟ معلوم: أن النخيل جنسين ذكر وأنثى، فالذكور لا تثمر، ومهمتها إخراج الطلع الذي يؤخذ ثم يشق متاع الأنثى ويوضع فيه الطلع فيحدث اللقاح، وهو ما يسمى بـ: التأبير، ومن ثم تثمر الأنثى ولا تثمر إلا بذاك، فلو أن شخصاً يمتلك نخلاً ثم أبره وبعد ذلك بدا له أن يبيعه، فجاء مشتر ليشتري هذا الحائط، الذي فيه النخيل، فهل الثمر الذي تعب فيه البائع يكون له بعد الشراء أم يكون للمشتري؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومدار الخلاف أيضا على مفهوم المخالفة، فمن قال بحجية مفهوم المخالفة وهم الجمهور يقولون: الثمرة للبائع إذا أبرت فإن لم تأبر فهي للمشتري، ومن لم يقل بحجية مفهوم المخالفة وهم الأحناف فيقولون: نتفق مع الجمهور في أنها بعدما أبرت تكون للبائع، ونخالفهم في أنها قبل أن تأبر فهي للبائع أيضاً. علم أن الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: الثمرة تكون للبائع وليست للمشتري، فينبغي أن يتفق البائع مع المشتري عند الجزاء، فيقول البائع للمشتري: عندما تثمر هذه النخلة فهي لي وليست لك، واستدلوا بقول النبي ﷺ : قد أبرت، فهذا وصف للنخل، أم نقول: لا مفهوم؟ فالنبي ﷺ قال: (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع) ووجه الدلالة من الحديث: أن مفهوم المخالفة لقول النبي ﷺ (من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع): أنها إذا بيعت ولم تؤبر فهي للمشتري، وليس للمشتري أن يستصحب الحكم فيحلق الحكم قبل التأبير بالحكم بعد التأبير؛ لأن النبي ﷺ فصل في النزاع وقال: قد أبرت، فمفهوم المخالفة: إن لم تكن قد أبرت فإنها للمشتري. معلوم أن الأحناف يقولون: الثمرة ليست للمشتري قبل التأبير، بل هي أيضا للبائع، ودليلهم: عموم قوله ﷺ : (من باع أرضا أو حائطا فثمرتها للبائع) ووجه الدلالة للأحناف: أنه لم يقيد بالتأبير هنا، فهو على الإطلاق، ينبغي للمطلق أن على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده. القول الراجح: هو قول الجمهور؛ لأن المقيد هو مفهوم المخالفة، فإن النبي ﷺ قال: قد أبرت، بمعنى أنها إن لم تؤبر فثمرتها للمشتري؛ تخصيصا لعموم قول النبي ﷺ : فثمرتها للبائع، إن صح الحديث.

стр. 78

المنطوق المنطوق: هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق.

стр. 79

أقسام المنطوق المنطوق له قسمان: منطوق صريح ومنطوق غير صريح. أما المنطوق الصريح: فهو الذي يدل بدلالة المطابقة أو التضمن؛ لأن دلالات الألفاظ ثلاث: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام، مثال دلالة المطابقة بالمنطوق الصريح: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. فقوله: أحل الله البيع، منطوق صريح مطابق لحلية البيع، وكذا قوله: وحرم الربا، فإنه تصريح في تحريم الربا. أما المنطوق غير الصريح: فإن دلالته على الحكم دلالة استلزام، ودلالة اللزوم منها ما هو من مقتضى اللفظ، ومنها ما هو بالإيماء، ومنها ما هو بالإشارة، وهي أقسام المنطوق غير الصريح. ينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام: الأول: دلالة الاقتضاء. الثاني دلالة الإيماء، الثالث: دلالة الإشارة. أما ما يقتضيه اللفظ: فهو الذي يتوقف اللفظ على صحته عقلاً وشرعاً، مثاله: قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فقوله: ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر المعنى فيه غير مستقيم فلا بد من تقدير، والتقدير: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فأفطر فعدة من أيام أخر، أي: فهناك أيام أخرى عليه أن يصومها، فتقدير كلمة: فأفطر، هو معنى المقتضي أي: أن اللفظ يقتضي هذا التقدير، وإذا لم يكن ثمة تقدير هنا فسيظل الكلام غير صحيح شرعاً وعقلاً. أما دلالة الإيماء -كما يسميها الأصوليون- فلا يتوقف صدق الكلام أو صحته شرعاً وعقلاً عليه، فكأن النبي ﷺ يومئ بأن هذا الحكم سببه هذا الفعل. مثال ذلك: ما جاء عن النبي ﷺ -كما في سنن أبي داوود بسند صحيح-: أنه (جاء رجل يمسك لحيته ويضرب وجهه ويقول: يا رسول الله! هلكت, فقال له: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان, قال: اعتق رقبة) فأمر النبي ﷺ له أن يعتق رقبة يومئ أن حكمه عليه أن يعتق رقبة بسبب أنه وقع على أهله في نهار رمضان. إذاً: فدلالة الإيماء: أن يومئ الشرع بحكم معلق على سبب، مثال ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فكأن القطع سببه السرقة, وكأن الشرع يومئ أن القطع لا يكون إلا بالسرقة. فالمختلس لا يقطع، مع أنه اشترك مع السارق في أخذ المال؛ لأن الشرع أومأ بأن الحكم معلق على السارق، فغير السرقة حتى لو اتفقت معها على أخذ المال فلا تدخل تحت الحكم.

стр. 80

أهمية تطبيق علم الأصول على الفروع الفقهية أعلم الدكاترة الذين تخصصهم في الأصول لا يعرفون كيف يطبقون الأصول على الفقه, والفقيه العاري عن الأصول ليس بفقيه، فلا ينبغي أن تأخذ منه فقهاً؛ لأنه لن يستطيع أن ينظم الفقه، فهو مقلد يحفظ فروعاً يلقيها على مستمعيه فحسب، ولذا لا بد أن يُعلم أن الإتقان في هذه المسائل سيما دلالة الإيماء ودلالة الإشارة هو الذي يفرق بين عالم وآخر، فمفهوم الإشارة هو مقصود الكلام، إذ المتكلم لا يقصد ما فهمته أنت، كقول النبي ﷺ مثلا (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب بلب الرجل منكن قالوا: وما نقصان عقلها يا رسول الله؟ قال: أليست لا تصلي ولا تصوم في الحيض؟)، فقد اكتشف بعض العلماء منها مع بعض الروايات الأخرى بالإشارة -أن أقل مدة طهر تكون ثمانية عشر يوما، أو أكثر مدة حيض تكون خمسة عشر يوما، مع أن سياق الحديث لم يذكر: لا أقل ولا أكثر، وإنما فهم منه بعد الاستنباط والنظر، إذ هو الذي يبين الفرق بين العلماء، ويذكر أن الشافعي ذهب ضيفاً عند الإمام أحمد بن حنبل فأثقل عليه العشاء وأكل كثيرا، ثم نام أحمد وقام يأخذ قسطه من الليل، بينما ظل الشافعي في مكانه متيقظاً فلم ينم ولم يصل من الليل شيئا، فلما بزغ الفجر قام الشافعي يصلي الفجر من غير أن يتوضأ، فاندهشت بنت الإمام أحمد وقالت: يا أبت! أهذا الشافعي شيخك؟! قال: نعم! هو الشافعي شيخي. قالت: أخذت عليه ثلاثاً. قال: هاتها. قالت: يأكل كثيراً -وهذه ليست سمة العلماء الأتقياء- وينام كثيراً، ويصلي بغير وضوء، وكأنها تقول: أي علم عند الشافعي وهو يأكل كثيرا فهمه البطن لا العقل، وهذه طبعا لا تكون دأب العلماء فهم لا يفعلون ذلك؛ لأن الطعام الكثير يضغط على المعدة، فمن أكل كثيراً اشتهى كثيراً فجامع كثيراً ولم يقرأ من العلم شيئاً، كما أنه ينام كثيراً، ولم يكن له من الليل شيء يأخذه ليستقبل ربه سحراً، ثم صلى الشافعي بغير وضوء، وحكم ومن يصلي بغير وضوء وهو يعلم أنه بغير وضوء وفعل ذلك مستهزئاً الكفر. وجرياً على القاعدة التي ذكرناها -أي: أنه لا يتجرأ على التكفير إلا جريء- فإنه لا يكفر عيناً، وإنما يقال: عمله عمل كفر. فلما عرف ذلك اندهش الإمام أحمد وقال: يا إمام! ابنتي قالت فيك كذا وكذا، فقال الشافعي -حتى يزيل الدهشة عن الإمام وهذا هو الشاهد-: أما وقد أكلت كثيراً: فإني وجدت طعاما طيباً مباركا من الحلال فقلت: أكثر من الحلال يغنيني الله جل في علاه فأكثرت منه, وأما النوم كثيرا: فإني ما نمت لحظة من الليل، بل جلست على أريكتك هذه أفكر في حديث النبي ﷺ (يا أبا عمير ما فعل النغير) فاستنبطت منه نيف ومائة مسألة. أو قال أكثر من مائة وعشرين مسألة, فاندهش الإمام أحمد وقال: هذه التي لا نستطيعها؛ لأن هذه محل فضل العلماء، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: نعوذ بالله من قضية وليس فيها أبو الحسن يريد علياً بن أبي طالب ﵁ وأرضاه؛ لشدة علمه، فقالوا لـ علي: خصك النبي بعلمه؟ فقال: والله ما خصنا النبي ﷺ نحن أهل البيت بشيء، إلا فهما يؤتيه الله من يشاء في كتابه، فالفهم هو الذي يفصل بين عالم وآخر، فلا بد من الأصولي الذي يتعلم الأصول، ثم يتبعه بالتطبيق ويتدرب على المسائل العملية، فيحرر محل النزاع، ويدرك وجوه الاختلاف والترجيح.

стр. 81

دلالة الإشارة دلالة الإشارة: هي النظر بدقة في معنى الحديث والغوص فيها حتى يستنبط منه الحكم، مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]. فالحمل والفصال ثلاثون شهراً أي: سنتان وستة أشهر، وقال الله جل في علاه أيضا في آية أخرى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] فأخبر أن الرضاعة أربعة وعشرون شهراً، فعلم بالإشارة من هذه الآية: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهذا الذي فهمه عثمان بن عفان، فأوضحه لـ عمر بن الخطاب؛ لأن عمر بن الخطاب كاد أن يقيم الحد على امرأة قد ولدت بعد ستة أشهر، فبين له أن ستة أشهر هي أقل مدة للحمل.

стр. 82

أثر الخلاف في المسائل الفقهية أثر الخلاف في المسائل الفقهية. يظهر أثر الخلاف جلياً في مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة للمأموم، ومسألة الأكل والشرب ناسيا للصائم، ومسألة المتكلم في الصلاة, فكل هذه المسائل جلها نزاع، ومحله: الاختلاف في عموم المقتضى, قال رسول ﷺ كما في السنن (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فالمقتضى: رفع الإثم ورفع الحكم عند الجمهور, أما الأحناف فلا يوافقون على العموم. ويظهر الخلاف جليا في مسألة الذي تكلم ناسيا أو مخطئا أو مكرها في الصلاة، كأن يصلي رجل فرأى حية أمامه، فقال كلمة تذهب بصلاته، كأن يقول: أدركوني. أو حدث أن أباه فضل أخاه عليه، فوهبه شيئاً أثمن مما أعطاه، ثم ذهب ليصلي وفكره جائل فيما حدث من تفضيل أبيه لأخيه، ثم تحدث في الصلاة فقال: أبي فضل أخي عليّ، فبطلان صلاته وصحتها مما اختلف فيها العلماء، ومدار الخلاف مبني على الخلاف في عموم المقتضي، أي: هل يعم أم لا؟ وهل الرفع في الحديث رفع الإثم والحكم أم رفع الإثم فقط ويبقى الحكم؟ ولمزيد من الإيضاح نبين معنى رفع الإثم ورفع الحكم, فمعنى قولنا: رفع الإثم أي: أنه ليس بآثم؛ لأنه تكلم في الصلاة ناسياً، إذاً أنه من تكلم عامداً في الصلاة فقد أثم؛ لأنه فعل مبطلاً لها. ومعنى قولنا: رفع الحكم أي: لا تلزمه إعادة الصلاة، والخلاف: هل يرفع الحكم أم لا يرفع؟ فهذا هو محل النزاع، وقد اتفق الجمهور مع الأحناف في رفع الإثم، واختلفوا في رفع الحكم، فقال الجمهور: يرفع الحكم، وكلامهم هو الصحيح؛ لعموم المقتضي، بمعنى: أن قول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) الأصل فيه: رفع الإثم ورفع الحكم، وعضدوا هذا المذهب بقرائن أخرى، وهذا من تنوع الأدلة؛ لقوة القول، فعضدوا هذا القول بحديث معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة عندما وجد آخر قد عطس فقال: الحمد لله. فقال له: يرحمك الله. قال معاوية: فوجدتهم يحدقون في البصر، فقلت: مالكم، ويح أمي ما فعلت, كل هذا في الصلاة، فضربوا على أفخاذهم كأنهم يسكتونه فسكت، فتكلم فكادوا يقتلونه، فجاء النبي ﷺ فقال (إن في الصلاة لشغلا، إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس شيء) ثم علمهم، وقال معاوية: والله ما نهرني ولا كهرني، اللهم أرحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً بعدنا. ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقل له: أعد الصلاة، فتبين أنه رفع عنه الإثم رفعت عنه الصلاة, أما الأحناف فقالوا: نقول برفع الإثم ولا نقول بعموم المقتضي، فلا يقولون برفع الحكم، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: حديث ابن مسعود عندما دخل على النبي فسلم عليه فلم يرد ﵇ ونهاه عن الكلام في الصلاة، والأصل: أن مطلق النهي يقتضي الفساد، والدليل: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، و (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) يعني باطل، وهذا يدل على أن مطلق النهي يقتضي الفساد وهذا قول الأحناف. والراجح والصحيح -هو قول الجمهور-: أن من تكلم ناسيا فقد رفع عنه الإثم ورفع عنه الحكم، والذي يعضد ذلك فعل النبي ﷺ مع معاوية فلم يقل له: أعد الصلاة, وهنا يقال: هل للأحناف أن يحتجوا بحديث المسيء صلاته؟ فقد قال له النبي ﷺ : (ارجع فصل فإنك لم تصل)؟ و الجواب ليس بحجة لهم؛ لأن محل النزاع: هو الكلام في الصلاة ناسياً، أما من ناحية الفرق فقد فرق الفقهاء بين فعل المأمورات وترك المحظورات، كما سنبينها إن شاء الله, والغرض المقصود هنا: أن المتكلم إن كان ناسياً أو مكرها أو مخطئا فصلاته صحيحة، ورفع عنه الإثم؛ بدلالة عموم المقتضي في حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).

стр. 83

عموم المقتضي اختلف العلماء في بعض المسائل التي تتعلق بالمنطوق، وإن كانوا قد اتفقوا في ذلك إجمالاً، ومن تلك المسائل التي اختلفوا فيها: عموم المقتضى، ففي دلالة الاقتضاء -التي هي من دلالات المنطوق غير الصريح- قد يقتضي اللفظ واحداً أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة، كأن يقال مثلاً: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فالمنطوق الصريح: حرمة الأمهات، ولا يفيد معنىً صحيحاً عقلاً وشرعاً، فعلم أن اللفظ يقتضي شيئا قد قدر: وهو الزواج، فالتقدير: حرم عليكم وطء الأمهات، فمعنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: وطؤهن، ونلحظ في هذه الآية: أن المقتضي اقتضى شيئاً واحداً وهو الزواج، غير أن هناك أدلة تقتضي أكثر من مقتضٍ واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣] فاللفظ يقتضي أكثر من حالة، فهو يقتضي: الأكل أو الاستعمال أو الانتفاع بها أو البيع أو الشراء, وهنا يسأل هل يؤخذ بعموم هذا أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول -هو قول الجمهور-: أنه يجب العمل بعموم المقتضي، فإذا قال الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فقد حرم الأكل والانتفاع بالبيع والشراء أو غيره، إلا ما دل الدليل على تخصيصه كالانتفاع بالإهاب بعد دبعه. القول الثاني -وهو قول الأحناف-: وهو أن المسألة خاصة في الأكل فقط، وعموم المقتضي لا يقولون به. وإذا قالوا بغيره فيقولونه بدليل.

стр. 84

طلاق المكره ومن ذلك طلاق المكره: كأن يؤخذ رجل ويجبر على طلاق زوجته، ويهدد بأنه إذا لم يفعل فإنه سيقتل، فقال: هي طالق ثلاثاً، فاختلف هل يقع الطلاق منه أم لا؟ ومدار المسألة على نفس الحديث أيضا والمقتضي، وهل رفع الإثم والحكم أم رفع الإثم فقط؟ ووجه الدلالة في الحديث: قوله: (وما استكرهوا عليه)، فإن الإكراه مصرح به؛ فرفع الإثم ورفع الحكم عند الجمهور جرياً على العمل بعموم المقتضي، وخالف الأحناف جرياً على عدم العمل بعموم المقتضي، فكان مفاد قول الجمهور: أن الطلاق يقع؛ لعموم المقتضي، وكان مفاد قول الأحناف: أن الطلاق لا يقع؛ لأنهم لا يقولون بعموم المقتضي, وعضد الجمهور قولهم بمفهوم عموم المقتضي في حديث: (لا طلاق في إغلاق) ووجه الدلالة في الحديث: أن معنى (إغلاق): إما غمي على عقله فيهرف بما لا يعرف، وإما أنه قد أكره فتكلم بما لا يريد، وإما أنه مخطئ في نفس الأمر، فيتكلم بما لا يريد أن يتكلم به, وعلل الأحناف قولهم بأن طلاقه يقع: بقصد الطلاق، وذلك بقوله: هي طالق، وقد قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] وعضدوا قولهم بقول النبي ﷺ : (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، الطلاق والإعتاق والنكاح) فقالوا: الهازل إذا طلق يقع طلاقه وهو لا يريد لفظ الطلاق، كما أن المكره كذلك لا يريد لفظ الطلاق، ويسمى عند الأصوليين: العلة.

стр. 85

مسألة لو أن رجلاً أخذ ثم أجبر على أن يطلق زوجته فطلقها، ثم تزوجت رجل آخر، وبعده ولدت للثاني ولدين أو أكثر، فهل ينسب هؤلاء الأولاد للزوج الثاني أم لا؟ أما الجمهور فقالوا: لا يقع طلاقه ابتداءً، ومن ثم فالعقد الثاني يفسخ، ولا يعد زناً للشبهة، وإنما يعطيها المهر لما استحل من فرجها، ولا بد أن ترجع للأول، ولكن الأول لا يجامعها إلا بعد أن يستبرئ رحمها, واستبراء الرحم حيضه واحدة؛ لأن النبي ﷺ قال (لا تطأ حاملاً حتى تضع، ولا حائلاً حتى تحيض حيضه) والحيضة معناها: استبراء الرحم، واستبراؤء بحيضه واحدة، أما الأحناف فالطلاق عندهم يقع، والزواج الثاني صحيح, ودليل الأحناف القياس على الهازل، وعدم العمل بعموم المقتضي. والراجح الصحيح: هو قول الجمهور، حاصله: أن الطلاق لا يقع؛ لقول النبي ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) إذ أن (رفع) في الأصل تدل على كمال الرفع، فتدل على رفع الإثم والحكم، ما لم يأت الدليل على خلاف ذلك، ونحن ندور مع الحديث حيث دار، وأيضاً: عموم قول النبي ﷺ : (لا طلاق في إغلاق) و (لا طلاق) يعني: لا طلاق واقع. أما قياس الأحناف: فإنه قياس فاسد الاعتبار؟ لأنه قد خالف نصاً، وهو قول النبي ﷺ : (لا طلاق في إغلاق).

стр. 86

الاختلاف في القواعد الأصولية - الأمر واقتضاؤه الوجوب الأمر يقتضي الوجوب على قول جماهير العلماء، ولا يصرف إلى الاستحباب إلا بصارف من نص أو قرينة أخرى معتبرة، ولهذه القاعدة أثر كبير في بيان أحكام كثير من المسائل الفقهية؛ ولذا ينبغي لطالب العلم إتقانها وتحقيقها.

стр. 87

الأمر

стр. 88

تعريف الأمر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد. فما زلنا مع اختلاف الأصوليين في القواعد الأصولية، وأثر هذا الاختلاف في المسائل الفقهية، فنقول: الأمر هو: طلب الفعل على وجه اللزوم على جهة الاستعلاء. أي: طلب الله جل في علاه من المخلوق المربوب أن يفعل هذا الفعل، كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل:٢٠] فطلب فعل الصلاة هو طلب الفعل على وجه اللزوم، يعني: لابد أن تقول: سمعت وأطعت، ولست مخيراً بين الفعل وغيره، فإذا قال: صل، فلست مخيراً بين أن تصلي وألا تصلي. أما قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] فهذه صيغة تهديد، يهدد الله جل في علاه وكأنه يقول: فمن شاء فليؤمن وسيرى ما عندي، ومن شاء فليكفر وسيرى عقابي، فهذه صيغة تهديد.

стр. 89

مراتب الأمر فعل الأمر ينقسم إلى ثلاث مراتب من حيث الآمر: المرتبة الأولى: من الأعلى للأدنى، وهذا هو الذي يكون على وجه الاستعلاء، وفائدة معرفة أنه من الأعلى للأدنى أنك إذا علمت أن الأمر من الأعلى قلت: سمعت وأطعت، وليس لك تخيير فيه. المرتبة الثانية: من الأدنى للأعلى، ويكون معناه الطلب والدعاء والترجي، كقول الله تعالى مبيناً لنا ما نقول: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]. المرتبة الثالثة: من المساوي للمساوي، ومن النظير للنظير، وهذا يسمى التماساً، فأنت تلتمس ممن يساويك في أمر معين وتقول له: اكتب لي هذا الدرس، أو ائتني بهذه الوسادة، فهذا التماس.

стр. 90

صيغه الأمر له صيغ منها: أولاً: فعل الأمر: كقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، فالوفاء بالعقود من الواجبات؛ لأن الله أمر به. ثانياً: من صيغ الأمر أن يقترن الفعل المضارع بلام الأمر: كقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧]، (لينفق) اللام هنا لام الأمر كأن الله يقول: أنفقوا مما آتيناكم. وأيضاً قول الله تعالى عن صوم رمضان: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فكل هذه أفعال مضارعة اقترنت بلام الأمر فتفيد الأمر، والأمر للوجوب. ثالثاً: من صيغ الأمر اسم فعل الأمر: قول النبي ﷺ عن طلحة يوم أحد: (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، أي: أوجب الجنة بما فعل من الخير والمدافعة عن رسول الله. ومنه قول المؤذن في الأذان: حي على الصلاة، فهذا اسم فعل أمر. ومنه قول الله تعالى حاكياً عن امرأة العزيز أنها قالت ليوسف: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣]، يعني: هلم وتعال. ومنه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، يعني: الزموا أنفسكم. ومنه حديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، عليكم: اسم فعل أمر. وعندما يقول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] نقول: آمين، وهذا اسم فعل أمر بمعنى: استجب، لكن هذا الأمر من الأدنى إلى الأعلى.

стр. 91

ما يقتضيه الأمر من وجوب أو ندب اختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟ وفي هذه المسألة أقوال أربعة: القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم. القول الثاني: الأمر يدل على الندب إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب. القول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن. القول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف. والراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، قال أحمد: الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي ﷺ ، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب. أيضاً قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي: لو أمر لوجب شق أو لم يشق. أيضاً قول النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى. وأوضح من ذلك حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها عندما (دخل النبي ﷺ عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، وهي دليل على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه. والقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.

стр. 92

خلاف العلماء فيما يقتضي الأمر اختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال أربعة: القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم. القول الثاني: الأمر يدل على الندبية إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب. القول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن. القول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف، والراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه في كتابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣]، قال أحمد: الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي ﷺ ، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب. أيضاً قول النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي: لو أمر لوجب شق أو لم يشق. أيضاً قول النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى. وأوضح من ذلك حديث أم سلمة ﵂ وأرضاها عندما (دخل النبي ﷺ عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، فهذه دلالة على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه. والقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.

стр. 93

أثر الاختلاف في حكم الأمر في المسائل الفقهية

стр. 94

صلاة ركعتين قبل المغرب اختلاف العلماء في الأمر هل هو للوجوب أم لا ظهر أثره في الاختلاف في الأحكام الفقهية. وقد اتفق أهل الظاهر مع الجمهور أن ظاهر الأمر الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، لكنهم اختلفوا فيما بينهم هل كل صارف يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فقالت الظاهرية: لا يمكن أن نرضى بصارف يصرف كلام النبي ﷺ من الوجوب إلى الاستحباب إلا بقرينة أظهر من شمس النهار وذلك إما بالنص أو بالإجماع. مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب) فظاهر الأمر الوجوب، ولا يمكن أن يصرف على قول الظاهرية إلا بنص أو إجماع، وقد جاء النص على أن الركعتين قبل المغرب على الاستحباب لا على الوجوب، والنص هو قول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب؛ لمن شاء)، فهذا التخيير هو الصارف من الوجوب إلى الاستحباب. والجمهور يرون أن الصارف يمكن أن يكون نصاً أو إجماعاً أو قياساً أو مفهوم مخالفة أو بالنظر والمعنى، وهذا كلام جيد وهو أوسع، لكن في بعض الأحايين ترى قوة قول أهل الظاهر على قول الجمهور.

стр. 95

حكم التسمية عند الطعام، والأكل والشرب باليمين التسمية عند الأكل: فالتسمية عند الأكل هي عند الجمهور على الاستحباب، أما أهل الظاهر فقالوا: هي على الوجوب، واستدلوا بقول النبي ﷺ لـ عمرو بن سلمة: (يا غلام! سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك). فهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فقال أهل الظاهر: التسمية واجبة عند الطعام، والأكل باليمين واجب عند الطعام؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، والنبي لا يأمر إلا بالواجب، ولو أكل وشرب ولم يسم عامداً يأثم عند الظاهرية، أما إن كان ناسياً فلا يأثم بالاتفاق. والتسمية عند الجمهور سنة وليست واجبة، قالوا: لأن هذا من باب الآداب، وهذه قاعدة عند الجمهور، وهي: الأوامر والنواهي إن كانت من باب الآداب فهي تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة. وأنا لا أميل لهذا القول، بل القول الأقوى والأصح دليلاً هو قول أهل الظاهر فإذا لم يرد نص ولا إجماع ولا مفهوم ولا نظر ولا قياس حتى نقول بالصرف فيبقى أمر النبي ﷺ على ما هو عليه؛ حفظاً لأوامر النبي ﷺ ؛ فلذا نقول: لزاماً على الآكل أن يسمي وأن يأكل بيمينه. ويستدل لأهل الظاهر بأن النبي ﷺ قال لرجل: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال له النبي ﷺ : لا استطعت، فما رفع يده إلى فيه). لكن للجمهور أن يجيبوا عن هذا الاستدلال بما في آخر الحديث: (ما منعه إلا الكبر)، فيكون الدعاء عليه من أجل الكبر. ونحن نقول: بل للأمرين؛ لأنه لم يأكل باليمين ولأنه متكبر، فالصحيح الراجح وجوب التسمية عند الطعام ووجوب الأكل والشرب باليمين، لا سيما وقد قال النبي ﷺ : (لا تأكلوا بشمالكم فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)، وهذا ظاهره التحريم، والله تعالى أعلى وأعلم.

стр. 96

حكم وطء الزوجة بعد الطهر قبل الغسل وطء الزوجة بعد أن تطهر من الحيض واجب عند أهل الظاهر، فهم يرون وجوب إتيان الزوجة فور الطهر. وعندهم يكفيها أن تغسل الفرج دون أن تغتسل، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. ومحل الشاهد: (فأتوهن من حيث أمركم الله)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فيجب على الزوج إذا طهرت زوجته من الحيض أن يأتيها ائتماراً بأمر الله جل في علاه. وقال جمهور أهل العلم: المرأة إذا طهرت من الحيض يستحب لزوجها أن يأتيها؛ لأمر الله جل في علاه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وبعض العلماء قالوا: هو على الإباحة لا على الاستحباب، والأوامر قد تأتي على الإباحة، كقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فهذا الأكل على الإباحة لا على الوجوب. والصحيح الراجح هو قول الجمهور، والصارف الذي صرف الأمر في قول الله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] من الوجوب إلى الاستحباب أن الأصل في الجماع أنه على الإباحة، لاسيما وأن هذا الأمر جاء بعد الحظر؛ لأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فحرم الإتيان وقت الحيض، وبعد هذه الحرمة جاء الأمر بالإباحة فقال: ((فَأْتُوهُنَّ)) يعني: النهي معلق بصفه الحيض، فإذا انتهى الحيض انتهى التحريم، ويرجع الأمر على ما هو عليه من الإباحة.

стр. 97

حكم المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها المطلقات على أنواع: الأولى: المعقود بها ولم يدخل بها. الثانية: المدخول بها. ومن عقد عليها من غير دخول لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد فرض لها مهراً معلوماً. الحالة الثانية: لم يفرض لها مهراً معلوماً. فالتي لم يفرض لها المهر المعلوم قال الله تعالى فيها: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، فهذه الآية اختلف فيها العلماء، فالشافعية والأحناف والحنابلة يرون وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها ولم يفرض لها فريضة يعني: لم يسم لها المهر، قال الله: ((مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)) يعني: ما لم تدخلوا بهن، ثم قال: ((وَمَتِّعُوهُنَّ))، فهذا فعل أمر، والأمر ظاهره الوجوب، وأيضاً أكد هذا الأمر بقوله: ((حَقًّا))، والحق فيه دلالة على الوجوب. أما المالكية فقالوا: سلمنا أن الأمر ظاهره الوجوب، لكنا نقول: هذا الأمر قد صرف من الوجوب إلى الاستحباب، والصارف في الآية نفسها، فالله قال في الآية: ((حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ))، قالوا: والإحسان ليس بواجب بالاتفاق، فإن كان الإحسان ليس بواجب فالمتعة ليست بواجبة، بل هي من مكارم الأخلاق لقول الله تعالى: ((حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ)). والصحيح الراجح هو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأمر ظاهره الوجوب، ولا صارف له، وهذا الصارف الذي ذكرته المالكية غير معتبر؛ لأن الإحسان من الواجبات، فالراجح الصحيح هو أن المرأة التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها فريضة أنه لا بد لها من المتعة، لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]. وهذه المتعة اختلف العلماء في تقديرها، والصحيح الراجح أن مردها إلى العرف، فالموسع يمتع على قدر غناه، والمقتر يمتع على قدر فقره.

стр. 98

حكم الإشهاد على الرجعة الرجعة تطلق على شيئين: الرجعة التي يؤمن بها الشيعة، وقد افتراها اليهودي الذي ضيع الشيعة عبد الله بن سبأ، وهذه الرجعة تمس العقيدة، فالشيعة يعتقدون رجعة محمد بن الحسن العسكري، ويقفون عند السرداب ويقولون: ارجع يا محمد بن العسكري! وتطلق الرجعة على الرجعة من الطلاق، فالجمهور يرون أن الرجعة لا تحتاج إلى إشهاد. مثلاً: دخل رجل على امرأته فوجدها في حال لا يرضيه فقال: أنت طالق، وبعدما طلقها توضأ وصلى لله نافلة فاستغفر ربه وأناب وقال: لم فعلت بامرأتي هكذا؟! فذهب إليها وقال: سامحيني قد رددتك، فراجعها، فهذه الرجعة هل تقع أو لا تقع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: جمهور أهل العلم يرون أن هذه الرجعة تقع. والظاهرية يرون أن هذه الرجعة لا تقع، لأنه لم يأت بركن الرجعة وهو الإشهاد، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] يعني: أشهدوا على هذه الرجعة، (وأشهدوا) فعل أمر، والأصل في فعل الأمر أنه على الوجوب، فقالوا: يجب على المطلق إذا أراد أن يراجع امرأته أن يشهد، فمن أراد إرجاع امرأته دون إشهاد فهذه الرجعة غير معتبرة. وهذا رجحه من المتأخرين الشيخ الألباني رحمة الله عليه، قال: الرجعة لا تصح بحال من الأحوال إلا بالشهود. وظاهر الدليل معهم. وعند الجمهور أن الأمر بالإشهاد للاستحباب، والصارف هو الأصول والمقاصد الشرعية، قالوا: أولاً: هذه الرجعة على النكاح الأول، فإذا كانت على النكاح الأول فاستدامتها صحيحة، ولو كانت نكاحاً جديداً لكان الأمر للوجوب. ثانياً: قالوا للظاهرية: إذا قلتم بوجوب الإشهاد فيجب الولي، فلما لم يجب فيها ولي وهو أهم أركان النكاح، فإنه لا يجب فيها الشهود. والغرض أنه عقد لم يفتقر إلى الولي فلم يفتقر أيضاً إلى الشهود. وهذا النظر قوي جداً، يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. ثالثاً: هذا الإرجاع لا يفتقر إلى رضا المرأة، فلو دخل على امرأته وقال: رددتك، فقالت: أنا لن أرجع إليك، فالرجوع يصح، ورضا الزوجة من أهم أركان النكاح، وهو لا يشترط في الرجعة، فإذاً لا يشترط الإشهاد فيها من باب أولى. فهذه ثلاثة أمور من النظر القوي تصرف حكم الإشهاد من الوجوب إلى الاستحباب. وفائدة الإشهاد عدم الجحود، فقد يكون الرجل فاسقاًً يطلقها مرة ومرتين وثلاثاً ولا يشهد، فإذا قالت له: قد طلقتني الثالثة وبنت منك، قال: هذه طلقة واحدة فقط، وينكر أنه طلقها أكثر من مرة. وفي هذه الأزمنة لا يبعد أن نفتي بقول ابن حزم حزماً على هؤلاء الناس الذين خربت ذممهم، فأعرف مشاكل كثيرة جداً بين الناس، فالرجل يعيش مع امرأته في زنا ولا يقر بذلك، ويأتي منها بأولاد، فهؤلاء أولى بأن يفتى لهم على مذهب ابن حزم، لكن الحكم العام يغاير الفتوى، فإذا رأيت المتسيبين تشدد عليهم بفتوى ابن حزم، وإن وجدت الرجل تقياً ورعاً فقل له: خذ امرأتك وارجع بها فقد رددتها، وتفتي له بالصحيح من الحكم العام.

стр. 99

حكم استئذان البكر في الزواج اختلف العلماء في حكم استئذان البكر البالغة في النكاح، هل يجب أو لا يجب؟ وثمرة الخلاف أنه لو كان يجب على الولي أن يستأذن البكر في الزواج فزوجها من غير أن يستأذنها فالنكاح مفسوخ بفسخها إياه. وقد اتفق أهل العلم على أن الصغيرة غير البالغة إذا زوجها وليها دون إذنها فالنكاح صحيح، لكن الأحناف قالوا: إذا بلغت فلها الخيار، وهذا كلام ليس بصحيح، والصحيح أن الولي إذا زوج ابنته الصغيرة فله ذلك، والعقد صحيح. ويصح للمرء أن يزوج الصغيرة غير البالغة ولو كانت بنت ثلاث سنوات، والدليل على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] والشاهد قوله: ((وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)) وهن الصغيرات اللاتي لم يحضن، فإذا طلقت الصغيرة التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر، والطلاق مرتب على نكاح صحيح. إذاً: هذه دلالة واضحة على أن هذا النكاح صحيح، وله أن يداعبها ويلاطفها ويتمتع بها دون أن يطأها، فإن احتملت الوطء وطئها. إذاً: اتفق أهل العلم على جواز زواج الصغيرة بلا إذن منها، واختلفوا في البكر التي بلغت المحيض، فإذا زوجها وليها بلا إذن منها فهل يصح النكاح أو لا يصح؟ الجمهور على أن النكاح يصح، واستدلوا على ذلك بأدلة منها قول النبي ﷺ : (الأيم أحق بنفسها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها)، ووجه الدلالة من هذا تفريق النبي بين حكم الأيم وحكم البكر، ولأنه قال: (الأيم أحق بنفسها)، فمفهوم المخالفة أن ولي البكر أحق بها، وهي تستأذن على الاستحباب، وإن لم تستأذن فوليها أحق بها. واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، والخطاب هنا للأولياء، هذا قول الجمهور. وخالفهم الأحناف فقالوا: إن تزويج الولي للبكر دون أن يستأذنها باطل إلا إذا رضيت بهذا الزواج، واستدلوا بقول النبي ﷺ : (والبكر تستأذن، وإذنها صماتها) فشرط النبي إذن المرأة البكر حتى يصح النكاح. والدليل الثاني: أن النبي ﷺ فسخ عقداً عقد على بكر لم تستأذن، وهذا الحديث قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، وصححه كثير من المحدثين، وهو عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ جاءته امرأة تبكي فقالت: يا رسول الله؟ زوجني أبي برجل ليرفع بي خسيسته ولم أرض، فقال لها النبي ﷺ : الأمر إليك) يعني: إن شئت أديمي العقد وإن شئت فسخته. فهذا دليل واضح على أن عقد النكاح لا يصح إلا برضاها، فقالت: (يا رسول الله! رضيت، لكني أردت أن تعلم النساء ذلك)، فهذه الفقيهة جزاها الله عن الإسلام خيراً علمت النساء أن البكر لابد أن تستأذن وأن إذنها شرط في صحة العقد. وهذا الحديث فاصل في النزاع، فإنه يبين لنا أنه ليس للولي إجبار البكر على النكاح إلا برضاها، وإن زوجها بدون إذنها وبدون رضاها فلها أن ترفع أمرها لولي الأمر، وتفسخ هذا العقد، وهذا هو الراجح الصحيح. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 100

الاختلاف في القواعد الأصولية - اقتضاء الأمر المطلق الفور أو التراخي اختلف الأصوليون في الأمر هل يقتضي الفورية أم لا؟ والراجح هو اقتضاؤه الفورية لدلالة الشرع واللغة والعرف على ذلك، وقد ترتب على هذا اختلاف في المسائل الفقهية المبنية على هذا الأصل، كإخراج الزكاة وقضاء الصيام وحج بيت الله الحرام.

стр. 101

خلاف الأصوليين في اقتضاء الأمر الفورية إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ما زلنا مع اختلاف العلماء في الأصول وأثر ذلك في مسائل الفقه. وقد سبق أن بينا أن الأمر يقتضي الوجوب، وقد اختلف العلماء في هذا، واختلفوا في الصارف الذي يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، ثم اختلفوا في القواعد التي قعدها بعض الأصوليين وكثير من الفقهاء، وأكثر ما يظهر هذا الخلاف في مسألتي الأكل باليمين أو الأكل بالشمال، والتمسح من قضاء الحاجة باليمين، فاختلف العلماء في ذلك على نفس الأصل. وذكرنا أن الصارف إما أن يكون نصاً أو إجماعاً أو قياساً أو مفهوم مخالفة. هناك مسألة أخرى: هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ أولاً: ماذا نعني بـ (يقتضي الفور)؟ الجواب يعني: إذا قال الله جل في علاه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء:٧٨] معناه: أنك الآن تقيم الصلاة، وإذا قلت: الأمر لا يقتضي الفور، أي: أنه لديك سعة في الوقت في تنفيذ الأمر، فلو صليت الآن لا تعاتب، وإن صليت بعد ذلك لا تعاتب. وثمرة ذلك: أنه إذا كان الأمر يقتضي الفورية فمن لم يسارع في امتثال الأمر يأثم، ومن يسارع فقد أصاب ما عليه من الأمر. وقد اختلف العلماء في مسألة اقتضاء الأمر الفورية على أقوال ثلاثة: القول الأول: أن الأمر يقتضي الفور، وهو قول كثير ممن قال بأن الأمر يقتضي التكرار. القول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم: أنه غير معلق بزمن، وهذا قول الشافعية والأحناف، ويقولون: إنه لا يقتضي الفورية، وإن كان هناك قول للشافعي وهو أقوى في المذهب: أن الأمر يقتضي الفورية. القول الثالث وهو قول الواقفة. والصحيح الراجح في ذلك هو أن الأمر يقتضي الفورية، ودليل ذلك من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران:١٣٣]، والمسارعة والمسابقة وردت بلفظ الأمر الدال على الفورية، وهي دلالة على أن المسارعة واجبة. والأجلى من ذلك والأوضح فعل أم سلمة مع النبي ﷺ كما في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ دخل عليها مغضباً، فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال النبي ﷺ : أما رأيت قد أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا به) يعني: لم يفعلوه. والدلالة واضحة جداً فإنه لو كان على التراخي ما غضب النبي ﷺ ، وما الذي يغضب النبي إن كان الأمر على التراخي؟ فهو أمرهم بالأمر، وعليه أن ينتظر لهم هذا اليوم كي يفعلوه، أو اليوم الذي بعده، أو اليوم الذي بعده، فلو كان الأمر على التراخي ما كان للنبي ﷺ أن يغضب. بينما كان غضب النبي هنا ظاهر جداً بما يثبت أن الأمر على الفورية، فإذا قال النبي ﷺ : افعل كذا. فلا بد أن تفعل، وهذا الراجح الصحيح الذي لا نحيد عنه، وهو أن الأمر يقتضي الفورية.

стр. 102

أثر الاختلاف الأصولي في فورية الأمر على المسائل الفقهية

стр. 103

حكم أداء الزكاة فوراً أثّر ذلك في المسائل الفقهية اختلافاً كبيراً في عدة مسائل: الزكاة فرض من الفروض التي أمر بها الله جل في علاه، حيث يقول جل في علاه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فإيتاء الزكاة ركن من الأركان التي أمر الله بها، ويشترط فيها شرطان: الشرط الأول: بلوغ النصاب، وهو خمسة وثمانون جراماً من الذهب، ومن الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً لكن هناك معضلة وهي: عظم الفارق بين مقدار زكاة الذهب والفضة. الشرط الثاني: حولان الحول القمري. بمعنى: أن رجلاً في واحد رمضان كان معه ستة آلاف جنيه، وحال عليها الحول وهي معه، فهل نقول بوجوب إخراج الزكاة في أول رمضان أم أن له الاختيار في أول رمضان أو آخر رمضان؟ وفائدة الخلاف في هذه المسألة: أنه لو أخرج أول رمضان فلا عتب عليه، أما لو أخرج في ثالث يوم من رمضان فهو آثم عند ربه، نعم هو أخرج الفريضة، لكنه أثم بالتأخير. هذا عند من يقول بالفورية. وقد اختلف العلماء في فورية أداء الزكاة على قولين، فإذا لم يخرج المرء الزكاة في الوقت الذي بلغ فيه النصاب وحال عليه الحول القمري، هل يأثم أم لا يأثم؟ فالحنابلة يقولون: من لم يخرج الزكاة في وقتها وتأخر ولو ساعة أثم بذلك، وهذا تشديد على الناس، ومنتشر بين العوام أن الرجل قد تكون زكاته في رجب، لكنه يقول: إنني أؤخرها لكي أدخل السعادة على الفقراء في رمضان، فيحبس الزكاة عنده، ثم يخرجها في رمضان، وهؤلاء لا يعلمون أن هناك مساءلة عند الله، وأن المرء يأثم إن أخر الزكاة عن وقتها. والشافعية والأحناف -على ما أصلوه من أن الأمر لا يقتضي الفور- قالوا: له أن يخرجها في رمضان، وله أن يخرجها في ذي القعدة، المهم أنها في ذمته، وهي دين يحاسب عليه أمام الله جل في علاه، لا يملك منها فلساً، ويخرجها وقت ما يشاء، وقد أسقط الفريضة بإخراجها. وهذا الكلام وإن كان أصولياً قد اتفق عليه الأحناف والشافعية وخالفوا الحنابلة فيه، لكن لو أخرجت كتب الفقهاء الأحناف أو الشافعية أو الحنابلة تراهم يسطرون فيها ما يخالف هذا التأصيل، حيث يقولون بوجوب إخراج الزكاة حين حولان الحول بعد بلوغ النصاب، فعلى الإنسان أن يحتاط لدينه. وإذا قلت لهم: هذا أصل أنتم أصلتموه وقلتم: الأمر لا يقتضي الفور، فلم تلزمون الناس بإخراج الزكاة في نفس الوقت؟ حينها ترى أن مستند الشافعية ليس هذا التأصيل، وإنما نظروا إلى حالة الغني وحالة الفقير، أي: حالة المزكي وحالة المزكى له، فقالوا: حاجة الفقير ناجزة، وهو يحتاج الآن للصدقة، فقالوا: نقول بالفورية لا لمقتضى الأمر ولكن لحاجة الفقير؛ لأن حاجة الفقير ناجزة فلا يجوز له أن يؤخر؛ لأنه لو تأخر عن إعطاء الفقير لألحق الضرر به، ولا ضرر ولا ضرار. إذاً: المسألة الفقهية أصبح فيها شبه اتفاق، لكن ليس على نفس التأصيل الأصولي، أما الحنابلة فقالوا بوجوب فورية إخراج الزكاة، للتأصيل العلمي المسبق بأن الأمر مقتضاه الفورية، وهذا هو الحق في المسألة. أما الشافعية والأحناف فقد وافقوهم في وجوب الإخراج لا للتأصيل، لكن لنظر آخر وهو: أن حاجة الفقير ناجزة، فقالوا: إذا كانت حاجة الفقير ناجزة فلا بد أن يخرج الزكاة بعد حولان الحول، وإن تأخر أثم عند الشافعية والأحناف للغير -أي: الفقير- وأثم عند الحنابلة لذات الأمر.

стр. 104

قضاء الصوم ومما يتفرع عليها: قضاء صوم رمضان: هل هو على الفور أم على التراخي؟ أما الحنابلة فيرون بأن قضاء صوم رمضان على الفورية، ولا يجوز تأخيره، واستدلوا بنفس التأصيل العلمي, قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. قال: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) وهو خبر يراد به الإنشاء، كأن الله يقول: فعليكم أن تصوموا أياماً أخرى مكان هذه الأيام التي أفطرتم فيها، فكأن الله أمرهم بالصيام، فقالوا: هذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وأيضاً الأمر يقتضي الفورية عند الحنابلة فقالوا: لا بد أن يصوم، والفورية تعني أن له أن يصوم إلى رمضان القادم، وإن لم يصم حتى أتى رمضان آخر فعليه أن يصوم هذه الأيام وعليه كفارة تأخير، وهو آثم بسبب التأخير، والكفارة هي أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ولكن هذه الكفارة لم أر عليها دليلاً؛ ولذلك لا يؤخذ بها، وهو يأثم عندهم لأنه لم يأت بالفورية. أما جمهور الأحناف فيرون أنه على التراخي، وله ألا يعجل ويسارع في قضاء الصوم. أما الشافعية والمالكية فقد وافقوا الحنابلة، وأيضاً قولهم ليس مبنياً على التأصيل العلمي في أن الأمر يقتضي الفور.

стр. 105

التنفل قبل قضاء رمضان رجل سافر سفراً يباح له الفطر فيه، فأفطر، فهل له أن يصوم النافلة قبل أن يقضي أم ليس له ذلك؟ الخلاف هنا محتدم بين أهل العلم: أما الأحناف فقد قالوا: له أن يصوم نافلة كيفما شاء، ثم بعد ذلك يصوم الفرض؛ لأن القضاء ليس على الفورية. أما الشافعية والمالكية فقد وافقوا الحنابلة في الحكم -مع أنهم يخالفونهم في التأصيل- بأنه لا يصح منه أي نافلة حتى يقضي الصوم، ووجهة نظرهم هي قول الله تعالى: دين الله أحق، وإذا تعارض الفرض مع النفل يقدم الفرض. ونحن نقول خلافاً للحنابلة وللشافعية والمالكية، الصحيح الراجح أنه له أن يصوم من النافلة ما شاء قبل أن يقضي، لكن عليه القضاء قبل أن يأتي رمضان الآخر؛ لأن هذا الواجب موسع، وتوسيعه أنه يوجد وقت آخر من بعد رمضان إلى رمضان الآخر له أن يصوم الأيام التي عليه، والواجب الموسع هو الذي يسع غيره من جنسه، كصلاة الظهر، فإنها تبدأ من زوال الشمس عن كبد السماء إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، فنقول: من هذا الوقت إلى ذلك الوقت له أن يصلي نافلة كصلاة الظهر، فكذلك قضاء رمضان، هل يسع في وقت القضاء أن يضم معه غيره أو لا يسع؟ الجواب يسع، ولذا قال الأحناف له: أن يتنفل. ونقول نحن رداً على الجمهور: له أن يتنفل؛ لأن هذا يعتبر واجباً موسعاً لا سيما وقد جاءت الأدلة مصرحة بتأخير القضاء، ومن أصرح الأدلة: أن السيدة عائشة ﵂ وأرضاها كانت تؤخر وتؤجل قضاء رمضان في شعبان لمكان النبي ﷺ منها، فهذا فيه دلالة واضحة على أن واجب القضاء لصيام رمضان واجب موسع، إذاً: ينضم معه غيره من جنسه، ويصح أن تقدم عليه النافلة.

стр. 106

وقت صيام المرأة للست من شوال تبقى مسألة متعلقة بهذا الباب، ألا وهي: المرأة الحائض إذا أفطرت في رمضان بسبب الحيض، واستمر معها حيضها حتى لم يبق من شهر شوال إلا ستة أيام، وهي تريد أن تنال الحظ الأوفر والأكبر في صيام شوال وصيام رمضان؛ لقول النبي ﷺ : (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر). فهي تقول: لو قضيت ما علي فلن أستطيع صوم الأيام الستة، فسأقضي ما افطرت من رمضان في أي وقت، فهل نقول بقول الجمهور: بأنه لا نافلة مع الفرض حتى تأتي بالفرض، أم نقول بقول الأحناف بأنه لها أن تتنفل ما دام الواجب موسعاً؟ أقول: لن نقول بأي القولين، والصحيح الراجح: أن المرأة ليس لها إلا أن تقضي أولاً ثم تصوم الست من شوال، أو تريد أن تتنفل تنفلاً مطلقاً لها، ثم تقضي ما عليها، لمَ؟ لست أقول بأنه محجور عليها النافلة حتى تقضي؛ لأن هذا واجب موسع، لكني أحجر عليها الفضيلة، فصيام المرأة ستة أيام قبل أن تقضي هل تندرج به في قول النبي ﷺ : (من صام رمضان، ثم أتبعه بست من شوال) لأن قوله: (صام رمضان) يعني: كل رمضان، هذا ظاهر اللفظ، وهي الآن لم تتم الشهر، إذاً: لا تندرج تحت الحديث لأن النبي ﷺ يقول: (من صام رمضان) رمضان هنا نكرة في سياق الإثبات، وهذا يفيد الإطلاق، يعني: من صام كل رمضان من أول يوم إلى آخر يوم، ثم أتبع رمضان بست من شوال، فكأنما صام الدهر كله، فنحن نقول: هي لم تصم رمضان، فعليها أولاً: أن تقضي الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب الحيض، فإذا قضت هذه الأيام نقول لها: أنت الآن قد صمت رمضان فلك أن تصومي الست من شوال. قالت: إذاً لو قضيت ما علي فلن يتسع لي الوقت أن أصوم الست من شوال، نقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ولك ما نويت، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكم من مريد للخير لم يبلغه، وهذه قواعد شرعية أصولية عامة لا بد أن نعمل بها. ولو قلنا بأنها تصوم الست ثم تقضي ما عليها لم تكن قد دخلت تحت عموم الحديث: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال). فاعترض علينا المعترضون، وقالوا: كيف تقولون ذلك وهي قد صامت ما فرض عليها، لكن ليس بفرض عليها في أيام الحيض؟ قلنا: ليس بفرض عليها حين الحيض، لكن هل القضاء فرض عليها أو ليس بفرض عليها؟ سيقولون: فرض عليها. قلنا: إذاً لم تتم الشهر، فتتم الشهر بالقضاء. قالوا: ماذا تفعلون في حديث عائشة، ألا تظنون خيراً في عائشة ﵂ وأرضاها؟ هل عائشة ﵂ وأرضاها تترك صيام الست من شوال، وتترك هذا الخير العميم العظيم وهو أن تصوم الست من شوال مع رمضان فتفوز بصيام الدهر كله، فهي لم تقض القضاء إلا في شعبان، ويبعد كل البعد أن تترك أيام الست من شوال، ولدينا أيضاً قاعدة: كلما ضاق الأمر اتسع، فكيف نجيب عن هذه الأسئلة؟ أقول: الراجح والصحيح أنه ليس لها أن تصوم الأيام الستة حتى تقضي، وهذا ليس تضييقاً عليها، وإذا دارت مع الشرع فليس هذا من التضييق بشيء، بل الدوران مع الشرع كله خير. أما عن حديث عائشة، فهي لم تصم الست، وأين الدليل على أنها صامت؟ أنا عندي الدليل أنها لم تصم، مع أني لست ملزماً أن آتي بالدليل، فالمخالف هو الذي يأتي بالدليل؛ لأن الأصل عدم القيام بهذه الطاعة، فإذا قامت بالطاعة فائتوني بالدليل، ولا دليل لديكم إلا حسن الظن، ونحن نحسن الظن، وفوق هذا الإحسان أقول: إنها لم تصم لمكان رسول الله ﷺ منها؛ لأنها بينت العلة -كما في البخاري - أنها ما كانت تقضي رمضان إلا في شعبان لمكان رسول الله منها، إذا كان يريدها النبي ﷺ فكانت تجعل لنفسها وقتاً لرسول الله ﷺ ، فأنا أحسن بها الظن ألا تقدم النفل على الفرض وهي الفقيهة ﵂ وأرضاها؛ لأن استجابتها لرسول الله إذا أراد وطأها واجب والصيام نفل. لذلك أنا أقول: المرأة لو صامت يوم الإثنين ودخل زوجها فاشتهاها فلا بد أن تفطر وجوباً، ولولم تفطر أثمت بذلك؛ لأنها تقدم النفل على الفرض. فقدمت عائشة الفقيهة فرضية الطاعة لرسول الله ﷺ على النفل وهو صوم ستة أيام، وهي تعلم أنها لو نوت خيراً ما ضاع هذا الخير (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذه دلالة واضحة جداً على أن عائشة لم تصم الأيام الستة. وأما القول بأن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، فنقول: أين محل هذه القاعدة مما نقول؟ نحن نقول لها: صومي النافلة كيفما شئت، لكن لن تحوزي فضيلة الأيام الستة بعد صيام رمضان وتكوني قد صمت الدهر كله إلا بعد أن تطبقي الحديث؛ لأنها مقدمة ونتيجة، المقدمة (من صام رمضان)، أي: كل رمضان، (ثم أتبعه بست من شوال) النتيجة: (فكأنما صام الدهر كله) فالحائض إنما جاءت ببعض رمضان وبست من شوال، فلا تأخذ النتيجة؛ فإذا صامت رمضان، وقضت ما أفطرته في شعبان، وكانت قد صامت ستة أيام من شوال، نقول: هل صامت رمضان حقيقة وأتبعته بالست، أم قدمت الست ثم أتبعت الصيام؟ نؤصل تأصيلاً آخر لكي نوضح أكثر. النبي ﷺ إذا قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) الصحيح الراجح المتوافق مع ظاهر كلام النبي هو وجوب التسمية، فلو صلى بوضوء لم يذكر اسم الله عليه، فصلاته باطلة، لمَ؟ اجعلوها معادلة، مقدمة ونتيجة، المقدمة: وضوء بتسمية مع صلاة فالصلاة صحيحة، وضوء بدون تسمية فالصلاة غير صحيحة، كذلك هنا: صيام رمضان كاملاً مع ست من شوال، فالنتيجة: صام الدهر كله، وإذا لم يصم كل رمضان لم يدخل تحت الحديث. إذاً: محور الكلام كله على لفظ النبي ﷺ . امرأة صامت نصف رمضان، وصامت الست من شوال، فلا يقال إنها صامت رمضان وأتبعته ستاً من شوال؟ إلا أن يوجد دليل يوضح أن النبي ﷺ يقصد المسارعة ولا يقصد هذه المقدمة، ولا يوجد دليل إلا حسن الظن بـ عائشة، ونحن نحسن الظن، لكنها إنما تركت الصيام من أجل مكان النبي ﷺ . وهل تترك صيام الدهر؟! نعم؛ لأن الله جل وعلا سيعطيها فوق ذلك أضعافاً مضاعفة؛ لأنها قدمت الفرض على النفل، وقدمت رضا رسول الله ﷺ على أمر في ذاتية نفسها. بل القاعدة عند العلماء: لو تعارضت العبادات المتعدية مع العبادات الذاتية فالمتعدي يقدم على الذاتي، كصلاة ركعتين والتصدق بدرهم، فالتصدق بدرهم أفضل من صلاة الركعتين، لأن الركعتين تنفع صاحبها فقط، أما الصدقة فتنفع المتصدق والمتصدق عليه. وقد قالت عائشة للرواي: أما أنا وأنت فمن الذين ظلموا أنفسهم؟ هي تصرح بنفسها، كأنها لا تفعل إلا الفرائض فقط. ابن مسعود كان يقول: إن الصيام يضعفني فلا أصوم حتى أستطيع القيام، كما أن النبي ﷺ كان في العصر يطوف على نسائه ويقبل كل امرأة، ولو افترضنا أنه قبل امرأة فاشتهاها فهل تمتنع؟ لا. ثم بعد وفاة النبي ﷺ كانت تقضي أولاً ثم تصوم الست، ولا يوجد مخالف لهذا، ولا يوجد دليل أنها لم تصم وأخرت وصامت بعد ذلك. هناك قاعدة علمية تقول: إذا تعلق الحكم على شرطيه لا يتواجد إلا بوجودهما، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهنا الشرط الأول: أن تصوم كل رمضان، والشرط الثاني: أن تصوم الست، فاختل الشرط وهو صيام رمضان كله. إذاً: الصحيح الراجح في هذه المسألة: أنها لا تصوم.

стр. 107

الحج على الفور هل الحج على الفور أم على التراخي؟ فلو أن رجلاً سهل الله له الاستطاعة بالمال والزاد والراحلة، وأراد السفر للحج ثم تقاعس وقال: أذهب إلى الحج العام القادم، فما محله من العقاب والثواب؟ يرى الحنابلة أنه آثم وعاصٍ لله جل في علاه؛ لأنه لم يمتثل لأمر الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، هذه أيضاً دلالة على الأمر، والأمر يقتضي الوجوب والفورية، فإذا استطاع المكلف الحج وجب عليه في حينه أن يسافر إلى الحج، ولو كان قبله بيوم أو بأسبوع إلا أن يمنع من قبل السلطات، فقد اتقى الله ما استطاع. هذا قول الحنابلة. أما الجمهور من الشافعية والأحناف فقد قالوا بأنه ليس على الفور، بل لو تراخى في الحج بعدما وفر الله له الزاد والراحلة لم يأثم بذلك، لكنه في ذمته ولا بد أن يأتي بهذه الفريضة. دليل الحنابلة: أن مقتضى الأمر الفورية. وأما دليل الأحناف والشافعية فليس على هذا التأصيل. والدليل من اللغة على أن الأمر يقتضي الفورية: أن السيد لو قال لعبده: ائتني بكوب من الماء، فتركه إلى الليل فضربه لم يكن ملوماً؛ لأن العبد لم يأتمر بأمره، فهذا دليل من لغة العرب على أن الأمر على الفورية؛ لأنه لو كان على التراخي لم يكن له أن يعاقبه. فالقول بالفورية هو قول الحنابلة، أما الشافعي فله قولان، أحدهما بالفورية؛ والآخر بأن الحج ليس على الفور، لا لمقتضى الأمر -يعني: لا على التأصيل- ولكن للقرائن المحتفة التي صرفت الأمر من الفورية إلى التراخي، وهذا القول هو الراجح الصحيح. قالوا: أولاً: أن الحج فرض في السنة السادسة، على خلاف بين العلماء هل فرض في السنة السادسة أو السنة التاسعة، والذي أميل إليه أن الحج فرض في السنة السادسة، وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة. لكن الحنابلة قالوا بأنه فرض في السنة التاسعة، والوفود التي قدمت على النبي ﷺ هي التي أخرته من أجل مصالح المسلمين إلى السنة العاشرة. فالشافعية قالوا: أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه كانوا على يسر، وكانوا يملكون الزاد والراحلة فلم يحجوا إلا مع حج النبي ﷺ ، فماذا تقولون في هؤلاء الذين أخروا الحج؟ هذه شبهة قوية جداً، وإذا قلنا بأن الحج فرض في السنة السادسة والنبي ﷺ أخره إلى السنة العاشرة كان ذلك ليس على الفور. والشبهة الثانية: أن الصحابة كانوا مياسير وكان معهم المال ولم يحجوا، فكانت هذه دلالة قوية جداً صارفة من الفورية في مسألة الحج إلى التراخي، لكن الأحوط وخروجاً من الخلاف نقول بالفورية، ويأثم من وفر الله له الزاد والراحلة فلم يذهب إلى الحج. ينبثق عن هذه المسألة مسألة مهمة جداً. إذا قلنا بالتراخي، وقلنا: ليس الوجوب على الفورية في مسألة الحج بالذات لوجود الصارف إلى التراخي، فإذا وجد المكلف الزاد والراحلة ثم مات وهو يقول بأن الأمر ليس على الفورية، فهل يجب أن يقضى عنه الحج أم لا؟ نقول: يجب الحج عنه، ومال الحج لا يدخل في الميراث -كالزكاة- ثم يحج عنه بالنيابة، فهذه المسألة هي التي انبثقت من هذه المسألة. وقال المالكية والأحناف: لا يجب إلا إذا أوصى، للتأصيل العلمي الذي يقول: الوصية واجبة التنفيذ، فإذا وصى بذلك حج عنه، وإن لم يوص فلا يحج عنه. قالوا: وأيضاً للتأصيل العام الشرعي أن الأصل في العبادات عدم النيابة. فلو حج رجل عن رجل كان هذا نيابة، والأصل في العبادات أنه لا نيابة فيها، فقالوا: هذا التأصيل العام وأنتم توافقون عليه، فإنه لا يجوز النيابة في الحج إلا إذا أوصى، فتكون المسألة بواجب آخر غير النيابة وهو وجوب تنفيذ الوصية. وأما الشافعية والحنابلة فقالوا بوجوب الحج عنه إذا مات وإلا فآثم، وسيسأل عند ربه عن هذا الحج. وهذا هو الراجح الصحيح. والدليل على ذلك: المرأة الخثعمية التي سألت النبي ﷺ : إن أمي افتلت نفسها، وفي رواية ذكرت الصوم، فقال لها النبي ﷺ : (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فقالت: نعم، فقال: دين الله أحق أن يقضى). وأيضاً المرأة التي قالت للنبي ﷺ : إن أبي شيخ كبير أدركته فريضة الحج ولا يستطيع أن يستوي على الراحلة إلى آخر الحديث. المقصود: أن هذا الحديث فيه فصل الخطاب؛ لأن النبي ﷺ قال: (دين الله أحق أن يقضى). إذاً: دين الله في الحج لا بد أن يخرج من التركة قبل أن يقسم الميراث. إذاً: الراجح الصحيح: أن من مات وعليه حَج حُج عنه وجوباً، هذا إن مات وهو مستطيع، لكن إن مات وهو غير مستطيع فهذا لا يطالب بالحج، ولا يحج عنه وجوباً، لكن هل يحج عنه استحباباً؟ هذا خلاف فقهي عريض بين العلماء ليس هذا مجال التفصيل فيه.

стр. 108

الاختلاف في القواعد الأصولية - النهي ومسائله الأصل في النواهي الشرعية أن تدل على التحريم ولا تحمل على الكراهة إلا بدليل، وقد اختلف العلماء في ذلك، واختلفوا أيضاً في هل النهي يقتضي الفساد أم لا؟

стр. 109

تعريف النهي وذكر صيغه

стр. 110

تعريف النهي الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زلنا مع أثر الاختلاف في القواعد الأصولية، واليوم نتكلم عن النهي وأثر الخلاف في النهي على المسائل الفقهية، فنقول: النهي في اللغة: ضد الأمر. وفي الاصطلاح: طلب الكف على وجه اللزوم والاستعلاء. طلب الكف، أي: أن الله جل وعلا يأمر أن تكف عن فعل شيء معين. على وجه اللزوم، يعني، لست مخيراً في ذلك. على وجه الاستعلاء، يعني: من الأعلى للأدنى، وتقدم الكلام عليه في مسألة الأمر. وحكمه: يثاب تاركه ويعاقب فاعله. مثال ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]. (ولا تأكلوا): نهي، فهذا طلب الكف عن هذا الأكل. على وجه اللزوم، يعني لا تأكل مال أخيك بالباطل. وهو على وجه الاستعلاء: يعني من الأعلى إلى الأدنى. فيعاقب فاعله: يعني من أكل مال أخيه بالباطل يستحق العقاب يوم القيامة، وهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، لكن هو يستحق العقاب بتجرئه على هذه المحرمات. ويثاب تاركه: يعني من لم يأكل مال أخيه بالباطل فله الثواب عند الله جل في علاه.
следующие страницы →