← Общие книги

Общие книги · id 37650

فكرة الإفريقية الآسيوية

مالك بن نبي

Полный текст (261 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واشنطن - موسكو، وكان هذا على حد تعبير أحد محرري صحيفة باريسية يومية كبرى إذ قال: ((الاحتكار في صناعة التاريخ وظيفة أوربا)) فلم تكن الشعوب المستعمرة سوى أدوات لهذه (الوظيفة) الأوروبية: أدواتها ومتفرجيها اللاهين أو اللاعبين. ولكن الحل اليوم قد أصبح بين أيدي الشعوب جميعاً، إذ يتم صنعه على كلا المحورين في وقت معاً. ولكي يتم صنع التاريخ، هناك توزيع طبيعي للأدوار، فجنيف حين جمعت القوى التي تعطي الحل الزمني للمشكلة تركت للشعوب الأفرسيوية أن تعد حلها الروحي. ومؤتمر باندونج حين جسد جهود هذه الشعوب قد أظهر في العالم إمكانيات جديدة للخلاص تسمو بفكرة التعايش، وتضعها في مكانة المثل الأعلى. وهكذا تقوم فكرة (الأفرسيوية) بدور مزدوج حين تدمج توقعها في التاريخ، فهي على محورها الخاص يجب أن تخلق أولاً جوهرها الخاص أي أنها طبقاً للشروط التاريخية والجغرافية التي توضع فيها المشكلة يجب أن تخلق حضارة. وبالتالي تخلق جميع عناصرها النفسية الزمنية، فتخلق ثقافة، واقتصاداً، وسياسة، ولا شك في أن مهمتها- منذ باندونج- قد بدأت تسلك هذا الطريق. ويجب أن تكون وظيفتها التاريخية الجوهرية مساعدة البلدان (المتخلفة) على التغلب على تخلفها، أي قهر العقبات الناشئة عن (الضعف). ولكن لها أيضاً دوراً هاماً بالنسبة إلى التطور على المحور الآخر، وذلك حين تساعد البلدان (المترقية) على التغلب على المرحلة الخطيرة في نموها، أي أن تقهر بصورة ما أخطار (القوة)، بحيث تمضي في تطورها دون صدمة قدر مفاجئة. ويرى برتراند رسل ( Bertrand Russel) أن هذا الدور يتمثل في مجلس للدول الكبرى ( Conseil des Puissances) يتمتع فيه الشيوعيون وأعداؤهم بعدد متساو من الأصوات، ويصدر القرار في نهاية الأمر بترجيح الأصوات المحايدة، وعلى رأسها صوت الهند، وبدهي أننا لا نعرف ما سيظفر به في السياسة ذلك الحل

стр. 212

المنطقي الذي يوحي به الفيلسوف، ولكن فكرته تحدد على أية حال الرسالة العالمية لفكرة (الأفرسيوية)، تلك التي بدأ قادتها يقدرون مدى أهميتها وخطورتها، وإن جهودهم لتشهد بذلك في الخارج، في توجيه سياسة خارجية تتفق مع مغزى هذه الرسالة، وفي الداخل، في بناء نظام اجتماعي صالح لأن يهب لبلادهم القاعدة المادية التي تكافئ دورها الأخلاقي، والضروري لتحدث تأثيرها. وفي الوقت الذي يكون الرجل الأفرسيوي قد حل بنشاطه المزدوج مشكلاته العضوية، وحدد اتجاهه العالمي، فإن نصيبه في حل الأزمة العالمية سيصبح حاسماً. على أنه قد بين فعلاً- حين بدأ في علاج وضعه هو منذ مؤتمر باندونج- أن هناك حلاً متكاملاً لتلك الأزمة. والواقع أن (حضوره) في العالم- منذ اللحظة التي وعى فيها موقفه- قد صار عنصرا مركباً (لفكر عالمي)، فخارج تفكيره في ذاته نجده قد أثار ألواناً من التفكير تدفع إلى الأمام ركب التطور الأخلاقي والمادي على المحورين في وقت واحد. وهو حين يدعو الفكر الغربي إلى هذا التفكير فإنه (يقدم) هذا الفكر في اتجاه عالمي، وبهذا المعنى تأخذ الفكرة الأفرسيوية على عاتقها دوراً محرراً في مواجهة الفكر الغربي، إذ إنها تستطيع تحريره من (ذهان) السيطرة، حين تفتح أمامه في العالم اتجاهاً أخلاقياً. وعلى طرفي محور واشنطن - موسكو بدؤوا في الواقع يدركون مشكلة البلدان المتخلفة لا من الزاوية الاستراتيجية أو المذهبية- ولكن من زاوية حاجات الشعوب، ففي واشنطن وفي موسكو يتحدثون عن تحويل جزء من ميزانيات الحرب كرصيد لمساعدة البلدان المتخلفة، ولا شك في أن للرجل الأفرسيوي سهمه في هذا الانتصار لفكرة التعايش. ومما لا يقبل الجدال أن بعض التغييرات النفسية التي طرأت على محور القوة إنما تعود جزئياً إليه بفضل نشاطه، أو لمجرد حضوره. وإذا كانت مبادئ إعادة النظر في العلاقات التقليدية بين المحورين، أي بين الأوروبي والمستعمر لم تنضج بعد في الضمير الغربي، فإن أماراتها قد ظهرت فعلاً في ميدان الثقافة، وأيضاً في ميدان التفكير الاقتصادي في البلدان المتقدمة.

стр. 213

ومما له دلالته في هذا الباب، أن يستخدم أحد أساتذة الجامعة الفرنسية مثلاً كلمة جديدة هي ( Décoloniser) وتعني: ((الخروج من نظام الاستعمار)) وذلك أمارة على تطور عميق في الفكر الغربي. ذلك الفكر الذي كان يدور منذ نصف قرن من الزمان حول كلمة ( Coloniser) التي تعني ((الدخول في نظام الاستعمار)). وفي الميدان الاقتصادي يظهر الاتجاه واضحاً للخروج على المقاييس التقليدية، فهناك من يدعو إلى (تجاوز النظام الرأسمالي) وفي النظريات التي رأت النور تحت إشراف معهد علوم الاقتصاد التطبيقي ( I.S.E.A) في فرنسا، يتحدثون عن أشكال من النشاط الاقتصادي من دون غلة، أي أشكال منوعة من الاقتصاد المجاني، أو اقتصاد الهبة، خلال مراحل متعددة. فالتفكير في مشكلات الرجل الأفرسيوي يستدعي إذن أن يراجع العالم الأفكار التقليدية، وهذه المراجعة تهدف عملياً إلى إلغاء المسائل الاجتماعية والثقافية التي تفصل الجماعات الإنسانية على المحور الأفرسيوي عن البلدان (المتقدمة). ولكن تأثيرها يقع على محور واشنطن موسكو في الوقت نفسه، في اتجاه التقارب بين مقاييس العالم الرأسمالي ومقاييس العالم الشيوعي، بحيث ينتج عن المراجعة تأثير مزدوج على تطور العالم، وهو يحتم في الواقع تطوراً مزدوجاً يتجه إلى التلاقي في عصر عالمي. وما زال الرجل المكب في معمله على أسرار الذرة بعيداً- ولا شك- عن ذلك الذي يرعى قطيعاً من الماشية في أرض قاحلة وهما مختلفان، كلاهما عن صاحبه، ولكن طريقيهما يتجهان إلى التلاقي، وبما أن هذا يدرك تماماً سقوطه المادي، وذلك يدرك سقطته الروحية فهما صائران إلى نقطة تلاقيهما، بدافع من طموحهما المتبادل. وسيتوج هذا اللقاء حدث الإنسانية العالمية، الذي يبدو أنه يسجل الأجل الذي ((يعتبر تاريخ الإنسانية كله بالنسبة إليه بداية غير واضحة، ولكنها وطيدة)). ومعالم هذا الاحتمال تتحدد أمام الضمير الذي بدأ فعلاً يدركها في وقائع مادية، ويبدو أن

стр. 214

عصرنا- بما شهد من مبشرين وشهود كبار- هو عصر التحول الإنساني الكبير، فهو العصر الذي يتحتم على الإنسانية فيه، وقد سبق لها أن اجتازت مع العهد الحجري الجديد المرحلة الأولى في تاريخها، بارتقائها إلى مستوى (الحضارات) يتحتم عليها الآن أن تجتاز المرحلة الثانية التي تسمو بها إلى مستوى حضارة الرجل العالمي. وطبيعي أننا حين نضع أنفسنا في هذا التوقع لا نرى الطريق الذي نجتازه لبلوغ الهدف، ولا نرى أيضاً جميع العقبات الكامنة في الطريق، وسيكون لزاماً على من يقودون الشعوب نحو هذه الأهداف أن يحلوا هذه المشكلات حلاً علمياً، ولكن التاريخ سيساعدهم في حلها ... ما دامت سياستهم اتفقت مع منطق التاريخ. ***

стр. 215

العَالم الإسلامي وَفكرة الأفرسيَوِيّة إن مشكلة (الأفرسيوية) تواجهنا في اللحظة التي يبدو أن التاريخ ينقل فيها قيم الحضارة من منازلها التقليدية إلى منازل جديدة، فلقد كان من أثر تلك الحركة التي عجلت بها الحربان العالميتان أن حدث توزيع جديد للقيم في عالم لم يعد مركزه البحر الأبيض المتوسط، بل إنه قد استقطب في الشرق والغرب، وفي هذا التوزيع الجديد أصبح الإسلام نفسه واقعاً آسيوياً. ولا يكف مركز ثقله السكاني عن التحول إلى الشرق، ولكنه يحتفظ بإطاره الخاص، وبخاصته النوعية في العالم. فهو عالم بذاته، له مشكلاته العضوية الداخلية، وله مشكلات صلاته بالآخرين. فأستاذ الجمال الياباني الذي حكم عليه من تلك الوجهة الاتصالية إبان الحرب الروسية اليابانية نظر إليه في الواقع بعيني سامورى (١)، فرأى فيه سمات ((فارس على جواده، وسيفه في يده ... )) وفي ضوء السمات حاول أوكاكورا ( Okakura) - في كتابه الذي اشتهر في الغرب آنذاك- أن يشرح (رسالة اليابان أمام مثاليات الشرق) فرأى أثناء شرحه أن هذا (الفارس) حين تدفق من ممر خيبر في شمال الهند على شواطئ نهر الهندوس ( Indus) قد أقام بين الهند والصين (سداً أعلى من جبال الهملايا) فالإسلام في نظره قد قطع تيار التبادل الثقافي بين شمالي القارة الآسيوية وجنوبيها. ولو أننا أعطينا لوجهة النظر هذه قيمتها النسبية، فإن لنا أن نتساءل- ولو أدى بنا التساؤل إلى أن ننزلق في ميتافيزيقيا التاريخ- أين كان يمكن أن ينتهي التيار الذي انقطع هكذا؟ إن من المؤكد أنه بعد تلاثين عاماً من شهادة هذا الياباني جاء محمد إقبال، ذلك الذي ربما كان ينظر إلى الأشياء من وجهة نظر أقل سطحية فأعطانا شهادة أخرى حين أكد أن ((آسيا لا تقوم بغير المسلمين)).

стр. 216

وبعد عشرين عاماً يثبت التاريخ بطريقة رائعة وجهة النظر هذه، إذ كان من بين الدول التسع والعشرين التي حضرت مؤتمر باندونج أربع عشرة دولة إسلامية. وعلاوة على ما في هذا الرقم من دلالة، فإن نظرتنا إلى الخريطة ترينا أهمية الواقع الإسلامي في فكرة الأفرسيوية. وربما لا يكون لمصطلح ( Afro-Asiatisme) نفسه أي معنى لو لم تترجم علامة الوحدة ((-)) التي تربط لفظيه عن رابطة فعلية، وعن واقع يشرحها، هذا الواقع هو الإسلام. وهذا هو السبب الذي من أجله رأينا أحد المسؤولين الفرنسيين وهو يفسر الأحداث في توقعه الخاص، يعلن صبيحة باندونج أن ((الإسلام يفيض آسيا في أفريقية)). لا شك في أن هذا هو الشغل الشاغل لمفهوم استعماري جديد يصادف صورته في نظرية (أوربا- إفريقية) التي رأت النور في اللحظة التي كانت تمر فيها ريح هتلر على أوروبا، ولكن هذا الاهتمام يتضح، في مفهومه الاستراتيجي والاقتصادي في العالم، بالوضع الجغرافي الخاص بالعالم الإسلامي الذي أثبت حدوده على ثلاث قارات: آسيا، وإفريقية، وأوروبا. فحدوده ترسم على الخريطة في الواقع قارة حقيقية هي (القارة الوسيطة) كما سماها من قبل نابليون: رجل الفكر الاستراتيجي. وينبغي أن نضيف أن هذه (القارة الوسيطة) هي بطبيعتها مفترق طرق لجميع الأجناس، وبوتقة تنصهر فيها الصفات الجنسية، وتمتزج الحقائق الاجتماعية، وتذوب الاختلافات، التي قد تكون مع ذلك صريحة في وحدة إنسانية ليست من النوع البيولوجي أو الاجتماعي أو السياسي، ولكنها ذات طابع روحي، ولو أننا تحدثنا عن أهمية عامل توحيد كهذا من وجهة النظر الإنسانية فسندرك جيداً الدور الذي يقوم به في تركيب فكرة (الأفرسيوية) خاصة حين نذكر- مع ذلك- أن محور العالم الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا يتفق بالتحديد مع

стр. 217

محور العالم الأفرسيوي. وبسبب هذا الوضع الخاص يتمتع الإسلام بوضع القاسم المشترك مع جميع الثقافات التي تؤلف الخريطة الروحية في العالم. فهو في مركزه في البحر الأبيض يقع في قلب عالم الكتاب المقدس، الذي يتقاسم معه رسالة إبراهيم، وهو في مراكزه الآسيوية يقع في قلب عالم البهاجافادجيتا وفكرة بوذا وحكمة كونفوشيوس، وهو في إفريقية الوسطى على صلات مع النفس الإنسانية العذراء المنزهة عن أي طابع تعليمي في كامل براءتها البدائية. ومن ناحية أخرى، فإن الإسلام في مركز العالم الحديث حيث محت الحضارة التكوينات والأوضاع الأخلاقية التقليدية، حين فرضت تكويناتها وأوضاعها الصناعية، فخلقت بذلك فراغاً روحياً هائلاً، بدأ الناس يستشعرونه في العالم المتحضر. فالإسلام إذن بسبب روابطه العديدة بالنسيج الإنساني الراهن، حيث يعد جزءا جوهرياً في السلسلة وبفضل طبيعته واتصالاته التي لا يمكن أن تكون (السد) الذي رآه فيه أوكاكورا ( Okakura)، هذا الإسلام هو- على العكس- الجسر الذي يصل ما بين الأجناس والثاقافات، فهو عامل بلورة، وعنصر جوهري إذا ما أردنا اليوم تكوين (مركب) حضارة أفرسيوية، وغداً تكوين حضارة عالمية. ولكن في أي الظروف يستطيع هذا العالم الإسلامي أن يحقق تقديراته، وأن يترجمها إلى حلول مادية لمشكلاته الداخلية والاتصالية؛ وبعلامة الاستفهام هذه تواجهنا مشكلة المقدرة التأثيرية، فليس الأمر من بدايته أمر مبادئ أو فروض، وإنما هو أمر ترجمتها إلى وقائع وأحداث، ومن هنا يصبح من الضروري إحداث فصل جوهري بين الإسلام والعالم الإسلامي. وهذا التمييز يستدعي تمييزاً آخراً، إذ يجب أن نميز في المسلم الإنسان عن المؤمن. أي أن نفصل بين شاهد الرواية الإنسانية وبين ممثليها. ففي التاريخ يجب أن يتحول العنصر الروحي إلى عنصر اجتماعي، وفي الإطار التاريخي- أعني خارج نطاق الخلود- يعد الإسلام

стр. 218

(واقع المسلمين). فأي حكم على هذا الإسلام التاريخي هو بصفة جوهرية حكم على نشاط إنساني متطور خلال القرون. والمسلم هو بكل تأكيد الإنسان الذي حمل بأقصى ما يستطيع من جهد وإلى أقصى ما يبلغ في الدنيا، من مقتضيات الايمان الديني، فهو يمثل الرجل المتدين ( Homo-religious) بمعنى الكلمة، كأنما تلك وجهته ورسالته الخاصة، ووظيفته الجوهرية في هذه الدنيا. لقد تخلى مطلقاً عن كل ما يتصل بالحياة الدنيا، ومن هنا تبدأ المأساة الزمنية الإسلامية في كل عظمتها ومظاهر بؤسها، ونحن نفهم من هذا أنهم يحكمون عليها طبقاً لمقاييس عملية- كما يحكمون في الغرب عموماً- فإنهم يوشكون أن يلصقوا عليها طابعين هما: القدرية، والتعصب. وهكذا، فإذا كان للعالم الإسلامي عظمته الأخلاقية، فإننا ندرك من هنا مظاهر ضعفه الاجتماعية كلها. والحق أن القاعدة العامة تقول بأنه عندما ننتقل من الاعتبارات الميتافيزيقية إلى الاعتبارات الاجتماعية، فإننا نعبر حدود عالمين مختلفين. ومع ذلك فقد يحدث أن يغيب عن نظرنا هذا الانتقال الذي يفسر أشياء كثيرة، فنجد أنفسنا هكذا أمام لغز غير مفهوم، ولقد يحدث هذا حتى لفكر يقظ كفكر إقبال حين وجد نفسه أحياناً محيراً تائهاً عندما كان ينتقل من (تاريخ المسلمين) إلى جوهر (الفكر الإسلامي) فقد عبر عن دهشته في رسالة وجهها عام (١٩٢٧م) إلى المستشرق نيكلسون ( Nicholson) حين قال: ((إني مقتنع تماماً بأن فتح البلاد لم يكن من البرنامج الأساسي للإسلام، والحق أنني أعتبر من الخسارة الكبرى أن يوقف تقدم الإسلام كإيمان فاتحٍ نموَّ (أجنة) التنظيم الاجتماعي والديمقراطي والاقتصادي التي أجدها متوزعة في صفحات القرآن، وفي سنة النبي ... )). فإقبال يرى إذن مسافة بين النظرية والتاريخ، وبين الفكرة والسلوك ولكن مما يبعث على الغرابة أنه لم يكن يظن أن هذه المسافة قد تجلت في فكرته الخاصة إذ نراه يعبر- عن غير شعور- حدود مفهوم (الأمة المسلمة) إلى مفهوم

стр. 219

(القومية الإسلامية) تلك الفكرة التي استخدمت كأساس نظري في تأسيس باكستان. فإن إنشاء هذه الدولة لم يكن ليكون فهو- في كلمة- نوع من فتح البلدان، لا تتحقق معه فائدة (للأجنة) التي يتحدث عنها، وأنا أعتقد أن نهرو كان أقرب إلى (الفكرة الإسلامية) حين كتب قي مذكراته في السجن عام (١٩٤٢م) فيما يتصل بالمسألة القومية في الهند قال: ((أعتقد أن هذا الشعور كان مصطنعاً، وأنه لم تكن له جذور في العقلية المسلمة)). ومن السهولة بمكان أن نحكم في هذا المحيط بأن الفكرة القومية، أياً كان مستقبلها في باكستان، كانت في الواقع مصطنعة، وأن أحد منشئيها كان آغا خان الذي رأس في عهد الإصلاح عام (١٩٠٨ - ١٩٠٩م) وفداً لدى نائب الملك لورد مينتو ( Minto)، خليفة اللورد كيرزن ( Curzon) ليطالب بفصل المجموع الانتخابي المسلم عن الجموع الانتخابية في الهند. فإقبال على هذا قد اقتبس موضوعاً غريباً، ولكنه خلع عليه ثوباً دينياً. فلقد كان يريد ((قومية مسلمة)). وربما نجد هنا عنده النزعة المسيطرة التي تتجلى في (الفكر المسلم)، وهي التي أطلق عليها جاسبيرز ( Jaspers): الدين المحوري ( Religion Axiale) فإن المسلم يتخذ من الدين (محور الحركة) لحياته كلها: فهو مفتاح نفسيته والمقياس الذي تقاس به جميع أشكال سلوكه، والذي يفسر أن الأوامر السماوية لها عنده تأثير وسيطرة أكثر من أوامر الحياة العادية. فلم يكن من الشذوذ أن كان باعث النهضة في العالم الإسلامي وهو الشيخ محمد عبده مصلح عقيدة لا مصلحاً اجتماعياً، والنمو التاريخي الذي حدث في العالم الإسلامي هو ثمرة مدارس العقيدة، وثمرة تطبيق تعالميها في الحياة العملية، مع أن الجانب الاجتماعي في النظرية القرآنية، وجميع (الأجنة) الاجتماعية التي تحتويها قد أغفلت في هذه التعاليم التي تساعد على نموها وتطويرها، كما لاحظ ذلك بمرارة إقبال في رسالته إلى نيكلسون.

стр. 220

والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها مثلاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٣٧]، هذا القول الذي يملي علينا وضعاً اجتماعياً. ومع ذلك فالتفسير القديم لا يفسر هذه الآية ولا يوجهها إلا في شكل خلق أخروي مع أن في هذه الآية أمراً- في صيغته القاعدية نفسها- ولكن التفسير لا ينظر إليها هكذا إلا بالنسبة إلى اهتمامات الآخرة. فنحن نرى إذن (أجنة) أخلاق اجتماعية وقواعد للسلوك المؤثر الإيجابي تسقط في غمار الاهمال والنسيان؛ لأن العالم الإسلامي- لا الإسلام- هو الذي أهملها وأغفلها. وكل هذا الجانب الذي يمكن أن نسميه (المنطق العملي) في الإسلام، وهو الذي يكون فصلاً كاملاً من فصول الثقافة الإسلامية، لم يتطور في حياة المسلمين. وإذن فلو أننا تحدثنا اليوم عن قدر لا بأس به في السلبية في المجتمع الإسلامي فلا محل إطلاقاً لأن نرجع سببها إلى الإسلام- كما اعتاد ذلك بعض المستشرقين- ولكن إلى تطبيقه التاريخي. وفضلاً عن هذا، فليس من موضوع هذا الفصل أن نحلل الأسباب التي تتغير مع الزمن، والتي تفسر ذلك التطبيق المختل الذي ولد- من بين ما ولد- المرحلة التي اتفق مؤلفو القرن التاسع عشر على أن يطلقوا عليها اسم (انحطاط العالم الإسلامي). وعليه، فإذا أردنا أن نأخذ في اعتبارنا مكانة الإسلام في تركيب فكرة الأفرسيوية، زيادة على أهميته الجغرافية السياسية. فيجب أن نفرق فيما يأتي به بين العنصر الروحي والعنصر الاجتماعي. وهذه التفرقة ليست ضرورية فقط لإيضاح جوانب هذا العرض، ولفاعلية المنهج، أعني لكي يتبين لنا أين يكون (الإصلاح) ضرورياً لنقائص الجانب الاجتماعي، ولكنها ضرورية أيضاً وخاصة للحديث عن هذه النقائص مع التحرر من تلك الرعدة الرهيبة التي تعتري المسلم وتستحوذ عليه، عندما يواجه مشكلات العالم الإسلامي من زاويتها المرضيّة. فإن عقله يتهاوى غالباً أمام تلك الرعدة، فإذا به يجد نفسه مدفوعاً إلى أن

стр. 221

يصوغ قصائد المديح بعيداً عن هذه المشكالات، وعن مضمونها الواقعي. وهو يعتقد أنه مضطر- شأنه في ذلك شأن جميع المؤمنين بالأديان كلها- إلى أن يسمو بهذا المضمون إلى مرتبة المثل الأعلى، وإلى أن يخلع عليه عناصر جمالية ذاتية، وإلى أن يرسم- عموماً- في عقله صورة ملق لدينه، كأنما الإسلام في حاجة إلى أن يهبوا له جمالاً، وكأنما القبائح الإنسانية التي فينا يمكنها أن تشوه جمال وجهه، فتجعل من الضروري عمل (ماكياج). هذا الاتجاه إلى المديح يدل في جوهره النفسي على جبن في الإيمان، الإيمان الذي لا يستطيع- تبعا لكلمة عمانويل مونيه الموحية- أن يقاوم (الصراع الباطني) الذي تعرضه له أحداث الحياة والتاريخ. وبصفة عامة هذه هي أعراض المرض الاجتماعي لوسط لم يعد لديه الوسيلة، والهم الذي يدفعه للتغلب على نواحي ضعفه، وسط انحطت فيه قوى الحركة والتقدم، فالمديح إنما هو تعويض بالكلام عن الواقع المحس، تعويض عن الحقيقة الموضوعية في هذا الوسط بالحقيقة الشخصية الذاتية: وتلك هي محاولة تبرير انحطاط القوى الأخلاقية والاجتماعية. وهذا التبرير يحدث بطريقتين، فهو إما تعويض بالذاتي عن الموضوعي، وإما تعويض بماض مشرف مهيب عن حاضر مفلس، وهو في كلتا الحالين يجعل من باب المستحيل إحداث علاج اجتماعي. فمن البدهي أننا حين نواجه مشكلة الرمد مثلاً، وهي من المشكلات التي تحدث كثيراً من الخسائر في العالم الإسلامي بكل أسف، فليس مما يحل المشكلة أن نقول بأن طب الرمد كان من اختراع عالم مسلم من علماء القرن الثالث عشر هو ابن المحصن فإن تعويضنا- اللاشعوري- بلوحة من لوحات الماضي عن واقع الحال قد يجعل الحل مستحيلاً من الوجهة النفسية. على أنه ليس من مهمة الإسلام الخالد أن يستر أو يبرر بطريقة أو بأخرى ضعف نظام زمني يدعي أنه إسلامي، خاصة إذا ما علمنا أن الإسلام من معدن روحي لا يحتاج مطلقاً إلى أن يغمس في المديح، أو في (ماء الورد) حيث أراد بعض المحترفين سيئي التوجيه أن يغمسوه ليمنحوه- فيما

стр. 222

يبدو- قدراً أكثر من المضاء الاجتماعي، وليجعلوا منه آلة قادرة على أن تفصل ثوباً للعالم الإسلامي من مادة التاريخ العصية، والواقع أننا لسنا في حاجة إلى صنع الآلة، بل لصنع العامل الذي يستخدمها، ولا شك في أننا حين ننقد مظاهر ضعف هذا العامل، فإن ذلك خير وأفعل من أن نستطرد في تقريظ الآلة. ومما لا جدال فيه أن الإسلام قد احتفظ بمضائه الذي صيغت به الحضارة الإسلامية كدرة فريدة في التاريخ، ولكن المسلم هو الذي فقد استخدامه الاجتماعي. ومع ذلك فقد احتفظ بالجوهر، أي بهذا المضاء الروحي الضروري لحل عقدة العقد في العالم الراهن، حيث لا يمكن أن تحل الأزمة بوسائل القوة. فإن العالم يجب أن ينقذ في الواقع من أخطار القوة، ولكي يتم إنقاذه منها فمن الواجب أن يخط سبيله بحيث لا يغوص في أوحال السيطرة مرة أخرى. وهنا نجد أن المنقذ هو الإسلام حيث وضع علامتين مهمتين على هذا الطريق، فلقد حدد- بصورة ما- خطورته بمبدأين أساسيين، ليؤمِّن الإنسانية ضد جميع أشكال الاضطهاد الديني والزمني، فأرسى القرآن أولاً في الضمير المسلم تحديداً جوهرياً لإرادة القوة، ولم تدع تعاليمه في هذا المجال أي لبس أو غموض كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٢٨/ ٨٣]. ولن يتسنى لمصدر أن يحدد أخطار (القوة) في الضمير الإنساني بصورة أوضح من هذا. ونحن نرى أن إقبال ربما استطاع حين تأمل هذا النص أن يجد فيه (جنيناً) روحياً لم يتح له أن يكتمل وينضج، إذ لا يمكننا أن ننكر أن التاريخ قد احتوى بعض مظاهر (السيطرة الإسلامية)، ومع ذلك فإن لنا أن نفرق تفرقة جوهرية بين (فكرة السيطرة) التي نصادفها- بلا جدال- في أساس (الإمبراطورية الإسلامية) و (الامبراطورية الاستعمارية الحديثة) هذه التي ذهبت إلى حد إبادة الشعوب المستعمَرة، بل ذهبت دائماً إلى أقصى الحدود المحالة للشيطنة الإنسانية ... فالدولة الإسلامية لم تلتزم مبدأها بدقة، ولكن المبدأ قد

стр. 223

حد فعلاً من سلطانها، ولئن كان لم يتح له أن ينمو نمواً كاملاً في التاريخ، فإنه لم يفقد حيويته فقداناً كاملاً. وشأنه في ذلك شأن بذرة مستودعة باطن التربة، تظل الحياة مختزنة فيها إلى أن تجد الشروط البيولوجية لنموها وتطورها، وبالمثل يستطيع (الجنين) الإسلامي أن ينشط في شروط تاريخية جديدة. وهذه الشروط إنما تصدر عن الضمير المسلم، وعن موقفه في الظروف التي يمر بها الآن العالم المسمم بجرثومة (القوة). ومع ما تحدثه البذرة الأخلاقية الإسلامية في حل المأساة العالمية ندرك ما يمكن أن تمنحه بذرة كهذه- حين ينشطها مبدأ (عدم العنف) - من معنى لرسالة السلام، وهو السلام الذي يحمله مليار من أبناء البلدان المتخلفة كيما يضعوا حداً للحرب، كما فعل من قبل جمهور إنساني مسلح بإيمانه فحسب، يقوده البابا ليون الأول ( Léon) حين أوقف أتيلا ( Attila) قائد الهونجر على أبواب مدينة مانتو. ولكن إذا كان الإسلام حين استودع بذرة كهذه في الضمير المسلم قد أمنها من السيطرة الزمنية، فلقد حصنها من ناحية أخرى ضد الاستبداد الروحي، فإن هناك مبدأ آخر يعلن في قوة حصانة الضمير الإنساني، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٦]. هكذا حددت الثقافة الإسلامية خطر السيطرة زمنياً وروحياً، كما يحدد الخطر في البحر علاماته على سطح الماء، ولو أننا عدنا إلى الماضي لأدركنا أن الحكم الإسلامي قد اتبّع تقريباً في هذا المجال طريقاً وسطاً بين هذين المبدأين اللذين كانا بمثابة حاجز يحول بين تطوره وبين أن يغرق في (إرادة القوة). ومما يلقي ضوءاً على هذا المعنى أن التاريخ الإسلامي، حتى في فصل الفتوحات التي ربما أدمت حقيقته قلب إقبال- لم ينم هذه الفكرة الاستعمارية التي تحول كل فتح إلى مشروع هدم متعمد، أخلاقي ومادي. فإذا كان المبدأ الأول قد حدد نتائجه في الإطار الزمني فإن المبدأ الثاني قد حددها في الإطار الروحي.

стр. 224

وهكذا وجدنا في القرن السادس عشر في اللحظة التي بلغت فيها الامبراطورية العثمانية منتهى قوتها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفي أوروبا الجنوبية الشرقية أن ديوان العلماء عندما أخذ رأيه أيام السلطان (سليم السفاح) في مشروع لتحويل إكراهي للأطفال المسيحيين في المناطق المحتلة إلى الإسلام، قد اعترض هذا الديوان على المشروع، وأدانه طبقاً لمبدأ صريح مطلق، منع قبل ذلك تكوين (هيئة تبشيرية) داخل المجتمع الإسلامي كما تكونت داخل المجتمع المسيحي. وفي الظروف الحالية، نستطيع على الأخص أن نقيس أهمية هذين المبدأين وفاعليتهما في دور الإسلام كمنقذ في العالم، حيث تنحصر المشكلة على وجه التحديد في أن يتخلص من تورطه في فكرة السيطرة الأخلاقية والزمنية، وهذا بقدر ما يتجه التطور العالمي نحو عهد من الإنسانية العالمية، تلك التي يجب أن يتجه إليها كغاية مقررة للخروج من الأزق، والتي يمكن فعلاً أن نرى (جنينها) اليوم في تخطيط المنظمات في ميثاق الأمم المتحدة، وفي إعلان (حقوق الإنسان) التي تهدف إلى أن تكفل له كرامته، ولكن هذا الضمان نفسه يسمح لنا بأن نقيس التأثير النسبي جداً للنظام (المدني Laic) في هذا الميدان، فإنه بكل صراحة لم يضمن شيئاً وهذا معروف في الجزائر بكل أسف حيث ينقض الاضطهاد والقمع على رؤوس الشعب بوحشية لم نعرف لها نظيراً، وما كان له أن يضمن شيئاً في عالم لا يتوفر فيه للضمير الإنساني قاعدة أخلاقية. وهل في الواقع من مغزى لهذا الضمان في ضمير وحوش تعذب وتقتل رجلاً ملوناً إذا ما أبدى إعجابه في الطريق بامرأة بيضاء؛ وماذا يمكن أن يكون مغزاه بالنسبة إلى أولئك الذين يتخذون من التفرقة العنصرية نظرية للدولة في جنوبي إفريقية؛ .. الواقع أن هذا النوع من الابتداع الذي عكفت عليه الآداب الرسمية لا يغني سوى أدب (الإنسانيات) الأكاديمية الصادرة عن الأذواق الإغريقية اللاتينية، وهو أدب لا يغني مطلقاً الضمير الإنساني، فإذا لم يكن لدى هذا

стр. 225

الضمير سبب معين لكي يحترم كرامة الإنسان، وإذا لم يكن لديه في هذا النطاق بعض الضوء السماوي فإن أي ((إعلان دولي لحقوق الانسان)) يكون من قبيل الأدب المجرد. إن الإسلام يأتينا بهذا الضوء الذي يحوط الإنسان ويجعله محترماً في عيني أخيه الإنسان، إنه يأتى بهذا السبب السامي الذي يفرض احترامه مهما كان لونه، وجنسه، وقوميته، واعتقاده. وهو يضع لفلسفة الإنسان هذا الأساس الميتافيزيفي: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الاسراء: ١٧/ ٧٠]. فهذه الآية القرآنية تعطي للإنسان كل عظمته، وكل بروزه، وكل حجمه في الضمير الإسلامي، وإنما ينتج حجمه من هذا التكريم الأساسي حيث لم يعد الإنسان نقطة صغيرة من المادة الحية، نقطة صغيرة تافهة، إذا قيست بمقاييس المادة تلك التي تعدّ الكرة الأرضية ذاتها (نقطة في الفضاء) نقطة صغيرة تافهة تستطيع قنبلة ذرية واحدة أن تمحو منها مئتي ألف، كما حدث في هيروشيما. فحجم الإنسان في نظر الإسلام ينتج عن اللانهائية التي خصه الله بها، عندما نشهد في حديث القرآن عن الخلق سجود الكون لآدم، ثم يطرد الله إبليس؛ لأنه رفض السجود له، ونحن ندرك كم يكون هذا الأساس مهماً لتشييد بناء إنسانية عالمية، مهماً في اللحظة التي لم تعد تستطيع فيها الإنسانية خلاصاً من مأزقها حيث أقحمتها إرادة القوة، إلا عن هذا الطريق: طريق الحضارة الذي يهب للإنسان حرياته وأصالته وألوان اختياره جميعاً. ولو أننا أدركنا كم يكون من المفيد في هذا الطريق أن نأخذ بهذه المبادئ الإسلامية، فسنرى من هنا ضرورة تنشيط هذه المبادئ بإنشاء ثقافة مناسبة لحال المجتمع الإسلامي، لتطبيقها بمفهومها الاجتماعي، وعلاقاتها التاريخية الجديدة. وجدير بالقادة المسلمين أن ينظروا إلى هذه المشكلة في هذا الاتجاه فيترجموا قيم الإسلام (الروحية) إلى قيم (اجتماعية) وهم بهذا يسهمون في إغناء الثقافة الإنسانية (بحقيقة) إسلامية تحييها، وتؤتيها بالتأكيد عنصراً جوهرياً مكملاً، يغذي (أجنة) عديدة يجب أن يتم نموها وتطورها في اتجاه الفكرة العالمية.

стр. 226

إن الفكرة الغربية التي تحكم العالم الآن قد ورثت عن أصولها الهلينية ذوقاً مطبوعاً بطابع الجمال. والفكرة الإسلامية قد قامت على محور المبدأ الأخلاقي، فالحقيقة هنا تُعرف (بالحق) وتعرف هناك (بالجمال) وكلتا الفكرتين تكمل الأخرى: ولكن حينما يلزم التضحية بعنصر منهما فإن المبدأ الإسلامي لا يتردد في أن يضحي بالجمال من أجل الحق، وهذا الاختيار لا يقوم على أساس عقلي، بل بتأثير الآلية النفسية، والدوافع الداخلية الكامنة في (الطبيعة) المسلمة، وبتأثير إرادة أخلاقية سجلت طابعها على إنتاج العبقرية الإسلامية كله، تلك العبقرية التي لا تهتم كثيراً بأن تخلق في العالم أشكالاً وصوراً، وأن تجمّل (الحقيقة) باستعمال بعض المساحيق. فهذا الغرام (بالحقيقة) في العالم الإسلامي قد يفسر طابع الفن الإسلامي. فهو بحكم (طبيعته) في خط هذه (الحقيقة) المجردة، التي لا يساعد جوها على خلق ما يسمى بالقصة الخيالية مثلاً. ولئن كانت قصة (حي بن يقظان) قد صدرت عن عبقرية ابن الطفيل، فلأن (الحقيقة) التي تعبر عنها ذات طابع أخلاقي، ولأن العنصر الجمالي لم يقصد فيها إلا تابعاً لعملية الخلق والإبداع في موضوع أخلاقي، وليس هو مطلقاً موضوعها وجوهرها. والحق أن العالم الإسلامي قد انتظر نموذج الأدب الغربي العاصر كيما يكتشف (القصة) ويتذوقها وذلك منذ ألمحاولات الأولى لدرسة (المنفلوطي) فالفكر الإسلامي مطبوع بطابع التحفظ والدقة التي لا تشبه طبعاً ما يسمى (الدقة العلمية)، ولكنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار في مضمون حضارة حديثة ضحت بالدقة الخلقية، فضحت بالمبادئ من أجل الشكليات والمصالح. لقد قال روبسبيير ( Robespierre) مثلاً: ((فلتسقط المستعمرات ولتحي المبادئ)) ... ولكن بقيت المستعمرات وضاعت المبادئ. إن العصر الذري الذي نعيش فيه لا حاجة به إلى حساب مدقق- فالحساب لم يتقدم في الدقة إلا مع العقل الالكتروني- الذي يستخدمونه اليوم، وإنما هو في حاجة إلى بعض المبادئ المدققة النزيهة التي

стр. 227

تحكم سلوك الأفراد والدول. ولقد يصدمنا أحياناً أن نرى عالماً يدفع الدقة العلمية إلى أقصى مداها، وهو مع ذلك يسمح بتساهل غريب في أمر الحقيقة المجردة، فيدهشنا ما نراه يتخذ من الاحتياطات الشاذة إزاء هذه الحقيقة، كأنه يواجه خطراً قاتلاً، ولقد تدور عيناه أمام طريق الحقيقة البسيط المستقيم، كأنما يغشى عليه من الهاوية. لقد يكون لازماً للفكر الحديت أن تقوم ثورة ثقافية لتحدث في الإدراك البشري التركيب الواقعي للجمال وللحق، ومهما كان الأمر، فإن للإسلام في هذا التوقع العالمي لتحديد ثقافة شاملة دوراً كبيراً، إذ هو يأتي بعناصر ثقافية جوهرية، كما يأتي بعناصر جغرافية وسياسية ذات أهمية خاصة لبناء فكرة الأفرسيوية. ولكنا ندرك أيضاً أنه لكي يؤدي الإسلام بصورة فاعلة هذا الدور المزدوج، فإن عليه أن يترجم قيمه الروحية إلى نظام اجتماعي، كما يترجم إليه جميع إمكانياته الطبيعية، بحيث يحوِّل هذه وتلك إلى حلول مادية للمشكلات التي تواجهه في الإطار الأفرسيوي، أو في الإطار الإنساني. ولكن دور الإسلام ابتداء من هذه النقطة لن يكون دور دين، أو دور مجال مساحي مجرد- هو القارة الوسيطة ( Le continent intermédiaire) - وإنما هو دور مجتمع، فهو يتصل حينئذ اتصالاً نوعياً بالدور التاريخي للرجل المسلم. ولا مجال هنا لكي نؤكد الأهمية الجغرافية السياسية (القارة الوسيطة) تلك الأهمية التي أكدتها فعلاً التطورات الأخيرة في الحالة الدولية، حين أثبت أن ميزان السلام والحرب إنما يقوم حقاً في الشرق الأوسط حيث يقع مركز الثقل في الاستراتيجية العالمية (١). فالدور التاريخي للعالم الإسلامي يتحدد إذن بوضعه الاجتماعي، ولقد حدد هذا الوضع- وإن كان بصورة غير مباشرة- حديث

стр. 228

خاص أدلى به جلالة الملك سعود للصحفي اليهودي الأمريكي الفريد ليلينتال ( Alfred Lilienthall) ، حيث أعلن أن ((الجزيرة العربية قد عاشت خلال قرون مضت على هامش الحضارة والتقدم، وأن أمامها بالتالي طريقاً طويلاً وشاقاً، عليها أن تجتازه .. )). هذا الإعلان يعطي صورة مصغرة عن الوضع الاجتماعي في العالم الإسلامي الذي تخلص فقط من (انحطاطه) الذي استمر قروناً، والواقع أن هذا العالم، في فترة الحضارة الحالية يمر بحالة يطلق عليها بادرة الحضارة ( pré-civilisation) أي الحالة التي تسبق الحضارة، فأمامه إذن ((طريق طويل وشاق)) ... ومن الواجب عليه أن يجتازه مع جميع الشعوب الأفرسيوية، وذلك بأن يتخلص من القابلية للاستعمار، ومن الاستعمار، وهو واجب عليه حتى يحول بين (تعايش) الدول الكبرى وبين أن يأخذ هذا التعايش اتجاه (استعمار مشترك) بالنسبة إلى البلدان المتخلفة، ولن يتاح لنا أن نحقق هذه التغييرات جميعاً إلا إذا التزمنا بتوجيه الثقافة. فالمشكلة إذن هي مشكلة تثقيف العالم الإسلامي، وهي التي تواجهنا من الزاويتين الاجتماعية والعملية، ولقد سبق أن درسنا الوجوه النظرية لهذه المشكلة، وخصصناها بأحد مؤلفاتنا في الدراسة المنهجية (١)، فلن نعود إلى الحديث عنها هنا. أما من الوجهة العملية فإن هذه المشكلة تواجهنا في صورة (الإيجابية في الوسط الإسلامي): إيجابية الفرد، وإيجابية المجتمع الذي ينتسب إليه، فما إيجابية الرجل المسلم، والمجتمع المسلم؟ هذا هو السؤال ... والحق أن بعض التجارب العملية في الوسط الإسلامي قد تدفعنا إلى أن نعكس السؤال ليصبح: لماذا كان هذا الوسط سلبياً؟

стр. 229

إننا نلاحظ فعلاً سلبية فردية وجماعية تحبط المحاولات النافعة، وتحط من قيمة المقاصد والوسائل. ولقد سبق أن وصفنا هذا الشكل السلبي في (النهضة) الإسلامية حين تحدثنا عن الميل إلى تنمية الحاجات ( Entropie) في هذا المجتمع الذي يسيء استخدام الوسائل المتاحة له. ويمكننا أن نلاحظ هذه المظاهر السلبية سائرة على قدميها في الأحداث اليومية في حياة المسلمين. ومن هذه المظاهر ذلك البون الشاسع بين (الجانب الروحي) و (الجانب الاجتماعي) خلال الحج، فالحج بكل تأكيد مناسبة يصل فيها (الجانب الروحي) إلى قمته، بينما يقدم الجانب الاجتماعي فيه صوراً نموذجية من الخلل والسلبية، وحبوط المقاصد والوسائل. فالحج إلى مكة مناسبة ينحصر اهتمام الحاج فيها- بعد أداء الشعائر- في أن يرعى صحته، فهناك إذن اختبار للمعونة الطبية والإسعاف الذي يحتاج إليه الحاج بسبب إعيائه البدني، في مناخ قد يجهده حين يختلف مع المناخ الذي عاش فيه، ولأن الأحوال الصحية خاصة تصبح ضعيفة مهما كانت الاحتياطات التي تتخذها سلطات الحج بالنسبة إلى تلك الأفواج الهائلة. والمعونة الطبية توجد خلال هذه الحقبة في مكة والمدينة، فإذا صرفنا النظر عن تنظيم السلطات المحلية التي يجب أن نشكرها إذ تواجه كل عام حالة استثنائية، فإن هناك معونة أخرى في صورة بعثات طبية ترسلها البلاد الإسلامية، وليست تنقصنا في هذه النقطة النوايا الطيبة من جانب الحكومات، ولا الوسائل التي تضعها هذه الحكومات تحت تصرف البعثات الطبية. ولقد أتيح لنا أن نرى شخصياً خلال الحج الأخير (١) كيف أن هذه البعثات تواجه مقتضيات الحال. ولقد رأينا طبيبين في البعثة المصرية لا يعالجان سوى مواطنيهما ... الأغنياء منهم فقط ... أما الفقراء غير القادرين فقد تركوا لقضائهم المحتوم، واضطروا للذهاب إلى البعثة الجزائرية مثلاً، فهذان الطبيبان لم

стр. 230

يكن يهمهما في الحج سوى الجانب النفعي. أما الطبيب السوري فيمكننا أن نأخذ عليه أنه كان في منى وهي المكان الصحراوي الذي لا توجد فيه صيدلية، كان يكتب لمن يقصده من الحجاح (تذكرة طبية) كأنما لدى الحاج القدرة على أن يشتريها من صيدلية في ركن قريب، أو كأنما ((التذكرة)) في حد ذاتها تعتبر الدواء اللازم. وأما البعثة العراقية فقد أقامت لنفسها ((مخيماً)) خارج مكة تماماً، وبعيداً جداً عنها، بحيث لا يستطيع من لا يملك القدرة على الذهاب في سيارة خاصة- وتلك حالة عامة- أن يذهب إليها إلا بشرط أن يكون في حال من الصحة الكاملة. فكأنما جاءت هذه البعتة عموماً لتقيم لأعضائها مخيماً بظاهر مكة. وكان رئيس بعثة طبية أخرى لا يظهر إلا مساء، عندما يلطف الجو، على سطح القهوة. وهكذا ترينا الظروف إلى أي حد تنحط النوايا والمحاولات والوسائل في حقل النشاط (١). وهي ترينا من ناحية أخرى المستوى الذي يحدث فيه هذا الإحباط الذي يقع في صفوف الصفوة بأوسع معاني الكلمة، بحيث تشمل مجالاً اجتماعياً يبدأ من الطبقة المثقفة التي تقود الشؤون السياسية إلى الطبقة البورجوازية التي تتولى الشؤون الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، فكلتا الطبقتين سلبية على مذهبها وفي مجالها الخاص. فإذا انحطت قيمة الشهادة الجامعية بصورة ما من الناحية الاجتماعية لدى الطبيب فإن قيمة المال تنحط أيضاً في الإطار الاجتماعي في يد رجل الأعمال. ومئة فرنك في يد رجل الأعمال الغربي ((في حدود المعادلة الشخصية لحائزها)) لها فاعليتها الاقتصادية الكاملة، فهي تندمج-

стр. 231

عموماً- في رأسمال منتج، أما بين يدي البورجوازية المسلمة فإنها تخضع لمعامل التقليل والتصغير (١) فلم يعد لها من الناحية الاقتصادية قيمة مئة الفرنك، حيث تدخل عموماً في رأس مال نفعي، لا يحمل طابعاً أجتماعياً، ولا يهدف إلى فائدة عامة. وربما كان لهذا الفساد في الجانب (الاجتماعي) ما يفسره، فلقد وجد العالم الإسلامي نفسه وقد بدأ يخرج من انحطاطه، مأخوذاً بمشكلاته العاجلة، مشكلات تحرره السياسي حتى أن مشكلة حضارته الأساسية قد أصبحت في المقام الثاني في ضميره، وفي ألوان نشاطه، إذ إن صفوته قد اتجهت (طبقاً للحلول العاجلة) مكونة (قيادة سياسية) في البلاد الهادفة إلى التحرر، (وجهازاً إدارياً) في البلاد التي كسبت استقلالها، بحيث كانت الحزبية ( Partisme) ، والوظيفة ( Carriérisme) تمتص هذه الصفوة كلما تكونت في بلد من البلاد. ومن هنا يأتي الارتجال وعدم التهيئة في أعمال تتفاوت في عائدها الشخصي وفي غموضها. من أجل حضارة تتطلب في الفرد أسمى مواهبه الأخلاقية والعقلية وتقتضي منه أقصى تضحية وإيجابية. إن للتاريخ رواده ومعبدي طرقه فإذا اكتشف الأولون مجاهله وطرائق مستقبله فإن مهمة الآخرين أن يحافظوا عليها. والعالم الإسلامي ينتج (صفوة) صالحة لأن تصبح (رواده) القادرين على أن يستهلوا سيره في التاريخ ويعينوا له المرحلة التي يقطعها يومياً نحو توقعاته البعيدة. وهذا هو دور الثقافة: أن تمنح هؤلاء الرجال وعي القائد ومغزى رسالته الحضارية في الإطار الأخلاقي والعقلي والاجتماعي والصناعي.

стр. 232

ولكن العالم الإسلامي لم يواجه بعد مشكلة الثقافة بطريقة منهجية وهذا النقص هو الذي يسبب له تلك السلبية المؤثرة على أوجه نشاطه والتي يحملها المسلم في نعاله. حتى في اتجاهه إلى (الوظيفة)، وإذا كانت الوظيفة تتطلب عموماً وجود موظف فإن العكس يحدث كثيراً في البلاد الإسلامية حيث يتطلب الموظف خلق الوظيفة. وفي اللحظة التي انعقد فيها مؤتمر باندونج صادفت في إحدى العواصم العربية أحد الموظفين الكبار المكلفين بأمر وزير الخارجية بإعداد (دوسيه) خاص بشؤون آسيا طلبت منه باعتباره مصدر ثقة، بعض المعلومات المكملة المتعلقة بمؤتمر باندونج فإذا بي أجد نفسي أمام موظف لا أمام وظيفة فلقد كان موضوع الوظيفة بعيداً عنه بعداً تاماً. على أن ما يؤلم في مثل هذه الظروف ليس هو الجهل الحالي الذي يتصف به الموظف فربما لا يكون قد تمكن مؤقتاً من دراسة الموضوع ولكن المؤلم حقاً ألا يكون لديه الاستعداد لكي يبدأ العمل، كما دفعنا إلى افتراض ذلك عدم وجود أي فكرة موجهة لديه فسلبيته الآن يبدو أنها تشاركه وظيفته حتى كأنها جزء من ذاته مطبوعة في مباني شخصيته. وهكذا يبدو أن المسلم ليس سلبياً فقط، بل إنه بما اعتراه من خلل في الغريزة الاجتماعية- الناتج عن ملابسات تاريخه وعن التمسك الأعمى بالشكليات التي خلفتها له قرون الانحطاط- يبدو أحياناً وكأنه يبحث قصداً عن طريق السلبية. والواقع يدل على أن هذا الوضع لم يخرج في إفريقية الشمالية من إدراك الذوق الشعبي الذي ابتكر رسماً تهكمياً (كاريكاتور) ليصور هذه السلبية في الغريزة الاجتماعية التي تحبط المقاصد والوسائل. ويمثل هذا (الكاريكاتور) رجلاً يريد أن يشير إلى إحدى أذنيه فيستخدم اليد اليسرى ليشير إلى أذنه اليمنى أو يستخدم اليمنى ليشير إلى اليسرى. وبدهي أن هذا ليس أقصر طريق ليشير بصورة طبيعية خاصة إذا ما وجدناه يدير ساعده حول رقبته ... كما صور ذلك الكاريكاتور.

стр. 233

إن انحطاط القيمة يبدو في صورة طبيعية في جميع الميادين التي يتجلى فيها عطل القادة والصفوة في المجتمع الإسلامي، ومما يدل على ذلك أن العالم الإسلامي لم يقم بعد بدراسات في الاجتماع تكشف عن نواحي ضعفه الداخلية، وذلك إذا ما صرفنا النظر عن بعض دراسات التخصص المقتصرة على نواحي الفن الشجي (الفولكلور) أكثر من أن تتجه وجهة اجتماعية وذلك كبعض رسالات الدكتوراة التي تقدم في باريس (١). وجدير بالملاحظة أيضاً أن كتاب (فلسفة الثورة) الذي وضعه الرئيس جمال عبد الناصر، يسجل في العالم الإسلامي المحاولة الأولى التي نرى خلالها رجل السياسة يعبر عن أفكار سياسية بصورة نظرية منهجية. فالسياسي المسلم عامة لا يفلسف نشاطه وبذلك يتبع نشاطه طريق السلبية سواء حين يعلن أن (الأمر مستحيل) على الحل، وهذا يصيب مقدماً نشاطه بالعطل، أو حين يعد (الأمر سهلاً) فأي جهد كاف وهو بالتالي قاحل عقيم. والاستعمار الذي درس جيداً ما تؤديه الدراسات النفسية من خدمات جليلة لسياسته عرف هذا الاستعمار في ظروف كثيرة كيف يوفق بين خطه السياسي وبين الاتجاه المنحدر للفكر في الشعوب المستعمرة، ذلك الذي لا يتمتع بمقاييس للإيجابية التي تخول له الكشف عما ينصب له من أحابيل (فالقيادة السياسية) ترتدي أحياناً ثوب السلبية كأنها بزتها الرسمية. ولقد رأينا منذ قريب في إحدى المجلات المصورة صورة جماعة ناشئة وصلت إلى الحكم في شمال إفريقية، وقد ارتدى الجميع الثياب البيضاء كأنها جوقة موسيقية ووضع رئيسها في إصبعه خاتماً ثميناً به ماسة كبيرة علامة على سلبيته اللاشعورية ولقد كانت الصورة تدعو إلى القول: أيها السيد الوزير لماذا لم تبق هذه الحلية الثمينة الغالية في حقيبة السيدة زوجتكم؛ لقد فقدت اليد

стр. 234

التي هي رمز على الإيجابية والتأثير قيمتها الرمزية نوعاً ما في الصورة التي تقدمها لنا الحياة السياسية الإسلامية الراهنة وليست هذه الحال نادرة. وهذا النقص الاجتماعي منتشر في العالم الإسلامي في صور متعددة فهو يغفل مثلاً المقاييس الجمالية حتى عندما يصبح المبدأ الجمالي- فعال دائماً- مبدأ أكثر فعالية وإيجابية. فعلى محور واشنطن - موسكو يتمثل ذوق الجمال حتى في مقاييس الانتاج الصناعي فشكل المنتج ولونه وكيفية عرضه تتدخل هذه العوامل الجمالية في الانتاج بقدر ما تتدخل العوامل الصناعية لتضمن نجاحه التجاري. أما في المجتمع الإسلامي الحديث فإن السلبية تطبع جميع المظاهر والأشكال. وفي عصر شاع فيه (الأسلوب) العالمي بتأثير امتداد الحضارة الغربية التي وضعت طابعها على العالم كله يصبح من الضحك في عصر كهذا أن نلفت النظر إلينا بطابع من طوابع القرون الوسطى فمن الممكن أن نكون سلبيين من الناحية السياسية بمجرد تفصيل بسيط لثيابنا، أو حركة نبديها، أو هيئة نرتديها، وحين نرى وزيراً مسلماً يرتدي البزة الأوروبية ويحتفظ بطربوشه الأحمر من قبيل النعرة الوطنية خلال حفلة ذات صبغة دولية فإننا نشعر بأنه قد اختار السلبية مهما كلفه ذلك من ثمن، وهي سلبية معجونة من خليط العجرفة الصبيانية والجهل بالعالم الراهن في اتجاهه العام. وتشعر أيضاً بأن الأمر يتصل بمجتمع بدأت حضارته عملها من القدم ولم تصل بعد إلى الرأس ... أي إلى طربوش السيد الوزير. وحالة كهذه هي التي أوحت دون شك إلى رابندرانات طاغور ( Rabindranath Tagore) تلك العبارة الحزينة عندما رأى أن بلاده ((الهند قد انسحبت خلف حاجز ضيق من الظلام، في كبرياء منحطة مقفلة، وفي فقر فكري منطو على نفسه في سكون، مكررة بصورة تبعث على السخرية ماضياً فقد نوره وبهاءه!)).

стр. 235

ومع ذلك فيبدو أن هذه المشكلات قد بدأت تصبح موضوع دراسة في العالم الإسلامي، وعلى الأقل في الإطار القومي، فمصطفى كمال كان في هذا الإطار رائداً بلا نزاع، والحكومة المصرية بدورها- بإلهام قائد الجناح البغدادي فيما يبدو- تدرس إجراءات توحيد الزي. وإنه لحدث ذو أهمية نفسية رئيسية أن نرى فكرة الإيجابية وقد بدأت تلهم المحاولات الحكومية. ومع ذلك فربما كان من المهم ألا يقتصر حدث كهذا على النطاق القومي فحسب، بل أن يتسجل في تطور العالم الإسلامي. ولكم نتمنى دون شك أن يدرس مؤتمر إسلامي هذا المشكل دراسة مدققة، دون أن يرجع طبعاً إلى آراء المتخصصين في المديح، وإلا غرق في سيل من المديح أو في مماحكات الفكر الدرسي الملتوي. وكي لا ينسينا الأمر أنّ هناك قدراً كبيراً من الوسائل المادية المهمة فادحة الثمن بالنسبة إلى شعب يفقد الحيلة والوسيلة، وهي تصاب دائماً بالعقم عندما تستخدم عملياً، لأنه لا يقدم المبدأ الأول في باب الإيجابية الاجتماعية، الذي يعبر عنه المثل الانجليزي المشهور ((الرجل اللائق في المكان اللائق)). بينما تجد أن بعض الحالات في العالم الإسلامي تعكس القضية تماماً، مثلاً حين يوضع التعليم الحر كله لبلد ما بين يدي تاجر مخادع (١) فإن مثل هذه الحالات تذكرنا على الرغم منا بفكرة الكاتب الفرنسي اللاذع بومارشيه ( Beaumarchais) الذي كان يندد في سخرية ناهشة بسلبية عصره حين قال: ((لقد كانوا بحاجة إلى محاسب فإذا بهم قد اختاروا راقصاً)). فراقص هنا، وتاجر بلح هناك، وإنما المرض هو هو عندما يريد مجتمع أن يكون سلبياً عديم التأثير ... سيكون إذن على مؤتمر إسلامي أن يشرع في تخطيط حق للمشكلة الإسلامية من أساسها. بحيث يكون همه أن يجتاز بخمس مئة مليون من البشر حالة (بادرة الحضارة، Pré-civilisation) ليصل بهم إلى حالة الحضارة. وبحيث

стр. 236

ينجز مهمته هذه في زمن معين، مستخدماً بصورة فاعلة الموارد الروحية والمادية لتلك التجمعات البشرية، وأن تجربة الصين منذ خمس سنوات لتقدم لنا مثالاً نادراً على تأثيرها الاجتماعي حين نظرت إلى الأشياء من هذه الوجهة الفنية والكمية، فإذا كان الذباب قد اختفى، وإذا لم يعد هناك في المنظر الصيني كومة القاذورات اللازمة التي كانت تشوه جماله، وإذا كان بائع (الفطائر) البسيط قد أصبح في ملبسه وكأنه طبيب جراح في غرفة عملياته، يتناول بضاعته بملقط، ويتنفس خلف قناع من القماش، فمن المؤكد أن هذا لم يحل المشكلة الانسانية كلها في الصين، ولكنه يعد بلا جدال خطوة مهمة جداً في طريق الحل. وأمام العالم الإسلامي خطوات مهمة عليه أن يخطوها حتى يبلغ المرحلة الحالية في التطور الإنسانى بما يستتبعه من اتجاه خاص. فسيكون إذن على المؤتمر الإسلامي المسؤول أن ينظر إلى المشكلة من وجهات ثلاث، مع اهتمامه منطقياً بعلاقاتها الداخلية أولاً، وبعلاقاتها مع فكرة الأفرسيوية ثانياً، ومع فكرة العالمية ثالثاً. ولقد لفتنا انتباه القارئ في الفصول السابقة إلى عدد من نقط الاتصال في المجالين الثقافي والاقتصادي والواقع أن مؤتمر باندونج قد قام جزئياً بعمل المؤتمر الإسلامي حين كشف عن لزوم هذه الاتصالات وعن طبيعتها ومن ناحية أخرى فإن الاتصال الروحي في تركيب فكرة الأفرسيوية لا يمكن أن يتحقق إلا باتصال الفكر الإسلامي بالفكرة الهندوسية بواسطة الحوار والمواجهة. ومن هذا الاتصال نستطيع أن نقدح شرارة تركيب الفكر الأفرسيوي الذي يستطيع كل بلد من طنجة إلى جاكرتا أن يتعرف فيه جزءاً من عبقريته الخاصة، وأما من الناحية الثالثة فالاتصال يهدف أساساً إلى تحقيق العالمية كما بيَّنا. أما من الوجهة التربوية فإن مشكلة الاتصال تواجهنا بمشكلة توجيه التعليم، وهنا يجب على القادة المسلمين أن يفتحوا عقولهم أكثر للقيم الثقافية في الهند وفي العالم، وما كان لهم أن يعرفوا نصيبهم من العبقرية في (الفكر الأفرسيوي)

стр. 237

إذا هم لم يعرفوا ويقدروا نصيب الآخرين. وأكثر من ذلك فإن هناك أنواعاً من الجهل لا يمكن الإغضاء عنها في القرن العشرين، وهناك إضافات لهذا القرن، وقيم خاصة به لا تستطيع طبقة مثقفة مسلمة أن تجهلها دون أن تشنع بنفسها (١). فليس من الممكن أن نعيش بنفسية المنعزل الذي يجهل قيم الآخرين، وهناك بلا جدال الكثير مما يجب إنجازه في العالم الإسلامي. فالمسلم الذي أوتي قليلاً من اليقظة والانتباه للأحداث، ولصداها اليومي يستطيع- بمجرد إدارته لمفتاح جهاز الاستقبال- أن يدرك أن الضمير المسلم غائب عن العالم، وأنه ضمير منعزل لا يشارك في الشؤون العالمية، فنحن لا نجده في المؤتمرات الدولية الكبرى، ولا في مصطرع الأفكار الناتجة عن اصطدام النظريات الاجتماعية والفلسفية التي تتقاسم الإنسانية الآن هذه النفسية الانعزالية تبلور سلبية العالم الإسلامي في الإطار العالمي، في الوقت الذي يتقرر فيه مصير الشعوب خارج حدودها القومية، وفي الوقت الذي يدخل العالم فيه إلى عهد التعايش أي العيش مع الآخرين مشتركاً معهم في بعض الالتزامات وفي بعض الحقوق. هذه الالتزامات والحقوق تطبق على التعايش فكرة (الملكية الشائعة) القانونية وبالتالي قواعد حسن الجوار وسوئه، التي تفرض نفسها على كل شريك في الملك. هذه الفكرة يجب أن تتسجل في التطور النفسي للمسلم حتى يخرج من (العزلة) التي أغرقه فيها الانحطاط وحتى يدرك (حضور) الآخرين المحتوم في العالم الراهن. وحتى يتفتح لفكرة (القرين) الذي يقاسمه نعماءه وبأساءه، في عالم يتصل حل الأزمة الإنسانية فيه بجميع الشعوب والأديان، وإذا كان ضرورياً للمرء أن يحسب حساب حسن الجوار في رفيق القطار فإن اعتبار ذلك أكثر ضرورة في رحلة عبر التاريخ.

стр. 238

ولقد أقرت تعاليم الإسلام القانون الخلقي الأسمى للجوار، حين خلعت عليه أعظم تفسير اجتماعي، فالجار محترم في كل حال (١)، ولكن الأمر يتعلق مرة أخرى بأن نوفق في العالم الإسلامى بين الجانب الاجتماعي والجانب الروحي، وذلك بأن نعطي الجوار معناه الأوسع الذي ينطبق على ظروف الاتصال الإنساني الخاصة بالعصر الذري، فإذا كان جارنا هو الذي نراه ونسمعه، فإننا نسمع اليوم ونرى على بعد آلاف من الكيلومترات، فجوارنا لم يعد في شارعنا، أو مدينتنا، أو بلدنا، بل أضحى في كل مكان، أينما وجد آخرون. وإذن فمن الجوهري بالنسبة للمجتمع المسلم أن يتخلص من النفسية الانعزالية الموروثة عن قرون الانحطاط حتى يثبت حضوره في العالم، ولا سيما عندما يؤلف الطبقة المثقفة في البلاد. فليس له أن يصطحب في صعوده وبعثه سلبية الوسط العائلي أولاً، والوسط الاجتماعي أخيراً. ويستطيع التعليم الجامعي أن يعدل بعض أشكال الفكر لا أن يحورها كلية، فإن بين المثقف ورجل الشارع أساساً مشتركاً تنعكس عليه درجة التطور العام لوسطهما، والنفسية الانعزالية تتصل بهما معاً، فيجب إذن أن نواجه المشكلة من الأساس، فننمي معنى الارتباط لدى الطفل، لاخراجه من العزلة التي وضعته فيها التفرقة بين الذكر والأنثى في الوسط العائلي، حيث تنحاز الأم والأخوات إلى جانب، والأب والإخوة إلى جانب آخر. وهذا الوضع يمارس- فضلاً عن ذلك- سلطة تغرس الطفل في عزلته. حيث ينغلق فهمه للارتباط الإنساني. فالوسط العائلي المسلم لا يسلم للمجتمع كائناً اجتماعياً صالحاً لأن يؤدي فيه دوراً فاعلاً، لأن اتصاله بالآخرين متعسر، وسواء في ذلك أقرانه، وشركاؤه الذين يقاسمونه أعماله ومصيره. وتشهد بذلك الاتصالات اليومية في بيئة شمال

стр. 239

إفريقية خاصة، وربما كان السلوك الانعزالي أقل ظهوراً في تونس، مما شجع على تكوين النشاط النقابي، أسبق من نظيره في الجزائر مثلاً (١). وينعدم معنى الصلة (الاجتماعية) بصفة عامة عند الصفوة (التقليدية) ذات الصبغة الزيتونية أو الأزهرية كما ينعدم لدى الصفوة (العصرية) المتخرجة في الجامعات الغربية، ومشكلة هذه الوراثة تخص العالم الإسلامي كله وتواجهه في اللحظة التي تستهل فيها فكرة التعايش عهداً عالمياً بالنسبة إلى الإنسانية. إلا أنه يبدو أن المشكلة تبرز من ميدان اللاشعور لكي تأتي إلى ميدان الشعور في التطور الراهن للمجتمع الإسلامي. فإنه باهتمامه أكثر فأكثر بتكوين (إرادته الجماعية) يضع المشكلة في عداد المشكالات التي شعر بها ورغب رغبة ملحة في حلها، وإلى هذه الرغبة يجب أن نعزو سعيه إلى بحث موضوع توجيه الثقافة العربية، ومن الممكن أن نذكر تطوراً معيناً حدث في مصر في المجال المذكور، فلقد استطعت أن ألاحظ بنفسي هذا التطور خلال أعياد الجلاء، بمناسبة العرض العسكري الذي جرى في ٢٥/ ٦/ ١٩٥٦م، وكنت قد شاهدت عرض يوليو ١٩٥٤م أي منذ سنتين فلاحظت آنذاك مظاهر النفسية الانعزالية في صورة انفعالات الجماهير، حيث يعمل كل شخص منفرداً لكي يرى العرض من أجل متعته الخاصة، على حساب الآخرين. وفي العرض الأخير سجل الجمهور المصري قدراً أكثر من (الإرادة الجماعية)، وذلك حين ننظر إلى سلوك أي جماعة من الجماعات الشعبية. لقد كان هذا الجمهور يرعى عموماً قواعد الجيرة وفي كثير من الكرامة، وهذا يدل على أن (الفكر الجماعي) يسيطر شيئاً فشيئاً على (النفسية الانعزالية). ولكن يلزمنا القول بأن المشكلة تظل تواجهنا في العالمين العربي والإسلامي، ولعل انعقاد مؤتمر يتخصص لدراسة الاجتماع في هذا العالم يضيء لنا هذا

стр. 240

الجانب المهم، ويخرج لنا بنتائج عملية، وقد اقترحنا فعلاً فكرته منذ عام على سكرتارية المؤتمر الإسلامى بالقاهرة. وعلى كل فإن على المؤتمر الإسلامي أن يجعل في جدول أعماله هذا الواقع الجوهري، وهو أن العالم الإسلامي يعيش في غير تاريخه، دون خطة في عالم حديث نحطط، وفي عالم التخطيط والخطط. ومن الحق أن نقول: إن مهمة مؤتمر إسلامي لكي يحيط بمشكلة العالم الإسلامي، هي في أن يدركها في صورتها الدرامية، أي في ضمير الرجل المسلم وفي ذكائه، ذلك الرجل الذي يحيا هذه المشكلة كل يوم- إن صح التعبير- فمن أولاً هذا الرجل؛ وما حاله في المجتمع الإسلامي الراهن؟ إن من البين أنه- لا الراعي المتواضع الودود الذي لا يمكن زعزعة (الحقيقة الإسلامية) في ضميره، ولا صاحب المركز في المجتمع الإسلامي، الذي صنع تلفيقاً بين (حقيقته) ووضعه الاجتماعي- وإنما هو المثقف البسيط العاجز عن التفكير في عمل تلفيق كهذا، لأن كل رغباته ومطامحه ومصالحه تتركز في (حقيقة) ليست ثابتة كحقيقة الراعي. بل إنها حية حياة المأساة الإنسانية. هذه هي المأساة الداخلية لبعض الفئات المسلمة التي تكون المشكلة المستكنة الرئيسية في العالم الإسلامي في سنواته العشرين المقبلة. وهناك طريقان ندرك بهما المشكلة في ضمير هذه الطبقة المثقفة المسلمة، تلك التي تحاول- يائسة- السيطرة على حقيقتها. فهناك أولاً ناتج اختلاط الجانب الروحي بالجانب الاجتماعي في العالم الإسلامي يترتب عليه أن يكون لكل حقيقة تجسدها، فالعالم المسلم مثلاً صورة للحقيقة الإسلامية ونحن نشعر بمدى ما يكمن من الخطورة والاعتساف في هذا (التشخيص) للجانب الروحي الذي تنحط قيمه كلما ازداد هذا (العالم) بعداً عن المثل الأعلى، أو الكمال الذي يريد المجتمع الإسلامي أن يراه فيه.

стр. 241

ولكم كانت خيبة الظن سخيفة بحيث انتهت أحياناً بانقلاب إلى جانب العداوة للإسلام، لأن المثل الأعلى قد انهار في أعماق ضمير ما مع الانهيار المفاجئ لقيمة خص بها عالماً سقط من نظره، فالتشخيص شكل رهيب من أشكال مأساة الضمير المسلم. والشكل الثاني من المأساة ينتج من علاقة المسلم بالإسلام. فهذه العلاقة مزدوجة، إذ هي روحية واجتماعية، فالعلاقة الروحية قوية سليمة لا يمكن مسها باعتبارها يقيناً مطلقاً، والضمير المسلم لا يشعر بأي نوع من القلق الميتافيزيقي. ولكن العلاقة الاجتماعية على العكس من ذلك أفسدتها المشكلات المادية التي تفرضها الحياة على كل مسلم، فهو يعتقد، وهو غير مخطئ، أنه مرتبط بمجموع هو العالم الإسلامي الذي يبدو له أن قدره مطبوع بالإسلام. فتنتج في رأيه علاقة سببية بين قدره الخاص أو حقه في المجتمع ودينه. وينتج عن هذا أخيراً نوع من النفاق في العلاقة الزمنية بين المسلم والإسلام. وإذا لم ينكشف هذا النفاق انكشافاً مفضوحاً بأن يحطم المسلم ارتباطه وينكر عقيدته، فإنه يتجلى في الميدان الفكري خاصة في صورة عجز عن مواجهة مشكلات العالم الإسلامي والتفكير فيها بصراحة وملاءمة، فهو بدلاً من أن يتحدث عن الرمد ( Ophtalmie) عندما ينبغي الحديث عنه، يتحدث عن ((علم الرمد Ophtalmologie)). وهذه العلاقة المعيبة بين المسلم وأشياء يسمو بها إلى مرتبة المثل الأعلى، لأنه يرى فيها تأثير الفكرة الإسلامية في المجال الاجتماعي، هذه العلاقة المعيبة تخلق لديه نوعاً من الحرمان، ونوعاً من عدم الإخلاص الأدبي الذي يصرف نظره أحياناً عن بعض المشكلات خوفاً من أن يصطدم بمحرم في الدين، ناتجاً في نفسه عن عقدة الحرمان، حين يواجهها صراحة، فهو عندما يعالج مرضاً في المجتمع الإسلامي يشعر كأنه يسيء الظن بالإسلام.

стр. 242

وهذا الموقف التلفيقي اللاإرادي يعرّض جهوده أحياناً للخطر، حين يحول بينها وبين أن تؤتيَ ثمراتها في الميدان الاجتماعي. وعندما يتعلق الأمر بموقف مثقف يريد دراسة مشكلات العالم الإسلامي دراسة موضوعية فإن عقدة نفسية كهذه تعقد مجهوده، وتسيطر فكرته بحيث تموه طبيعة هذه المشكلات، ويدخل في الدراسة بعض التحريف اللاشعوري. ونتصور لهذه الحالة ضررها البالغ عندما تصدر عن متخصص في هذه المسائل وخاصة إذا ما كان لعمله تأثير كبير على اتجاه عصره، لقد أراد أحد هؤلاء المفكرين أن يضع خطة مؤلف اختار له بحق هذا العنوان: نحو مجتمع إسلامي متمدن ولكنه فكر فعدل العنوان بالصورة التالية: (نحو مجتمع إسلامي) في هذه الحالة نرى أن العلاقة المعيبة تتدخل في صورة حرمان أدبي يفرض التعديل المذكور، ولست أعتقد أن المفكر الكبير قد اعتبر أن الكلمة المقتطعة من العنوان الأول قد حرفت المشكلة في عقله فاختلستها وخدرتها بصورة ما في ضميره، فإن العملية التي تتم في الإطار النفسي لها طبعاً نتيجة في الإطار الأدبي أنها تقطع في الواقع المشكلة الأولية عن عنصرها الجوهري، وهو البحث في شروط حضارة المجتمع الإسلامي. فلقد استبعد المفكر المحترم إذن مشكلة العالم الإسلامي الحاسمة من بحثه حين اعتقد وحملنا على الاعتقاد بأن المجتمع الإسلامي هو على وجه التحديد (متمدن)، وهكذا نراه وقد انجرّ مرغماً تحت تأثير (حالة إخلاص) إلى موقف من المدح العقيم. ومع ذلك فكم كان يمكنه أن يخدم المصلحة العليا في العالم الإسلامي لو أنه وقف موقفاً موضوعياً إلى النهاية معتبراً أنه يوجد فعلاً (مجتمع إسلامي)، ولكنه موجود في حال (بادرة الحضارة) وأن من الأوفق أن نواجه مشكلة حضارته.

стр. 243

ومن هنا تنتج السلبية الضارة في الفكر أو النشاط، ولهذا فسيكون على المؤتمر الإسلامي أن يعيد دراسة مشكلة العالم الإسلامي، متناولاً لها من جذورها النفسية والاجتماعية بقدر الإمكان، ولست أدري ما إذا كانوا قد قاموا في العالم الإسلامي بجهد مقصود لدراسة (المرض) في شكله المزدوج: المرضي والعلاجي أم لم يقوموا. فالحق أن الضمير المسلم يبدو وكأنه شعر (بالمرض) في حالة (نصف نوم) ثم انغمس فوراً في النوم دون أن يدرس الأسباب والوسائل الفعالة لمكافحته، فالمريض المسلم يجر معه مرضه، وهو يحقق هكذا أعجوبة حيث يشرع في (نهضة) دون أن يتحرر منهجياً من العوامل التي فرضت انحطاطه خلال القرون الأخيرة. وعليه فالمرض ليس في طريقه إلى أن يزول أو ينصرف في السنوات القادمة، بل على العكس. فإذا بدا أن مداه بدأ يتناقص، في حدود البيئة الإسلامية، فإنه يتعاظم في النطاق العالمي، أي مع ظهور فكرة العالمية. وإذا كان المسلم يرى في بعض الظروف أنه مطمئن إلى تطوره القومي، أي بالنسبة إلى مقاييس محلية، فلن يكون مطمئناً مطلقاً إذا ما نظر إلى نفسه بالنسبة إلى التطور الدولي، فإن حياة العالم تفوته كل يوم أكثر من سابقه، والشعوب التي وضعت خطة بقائها تظل دائماً في المقدمة بفضل تخطيطها، وهنا يوجد المسلم مرة واحدة أمام المشكلة النفسية والصناعية، فتقدم الآخرين يصوغ في ضميره مأساة تأخره، ولكن هذه المأساة تتطلب حلاً، وهي تكون القانون النفسي الذي سيحكم أكثر فأكثر تطور العالم الإسلامي في السنوات القادمة. وهذا الحل الضروري لا يمكن أن يكون إلا نوعاً من (الثورة) التي تتيح للمسلم أن يتدارك تأخره عن بقية الناس. وعليه فمن الممكن أن تقوم فيه (ثورة) عن طريق نفسه، أي من تخطيط يوفر للضمير الإسلامي ضمانات هو بحاجة إليها، أو أن تأتي هذه الثورة من الخارج حين يعجز عن القيام بها، والقيام بثورة في الاتجاه الإسلامي معناه تطبيق (فنية

стр. 244

ثورية) مستوحاة من القرآن فكل تغيير غريزي يفترض تبعاً للقرآن تغييراً في حال النفس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٣/ ١١]، وإذا كانت هذه الفنية صادقة في المشكلة الاجتماعية كلها، كما حاولنا التدليل على ذلك في كتاب سابق (١). فهي تستتبع التخطيط التالي: (أ) ماذا يجب تغييره في النفس المسلمة لكي نبرئ (مرض العالم الإسلامي)؟. (ب) ما الوسائل والمناهج إلى هذا التغيير؟. (جـ) وما الهدف- أو السبب النهائي- الذي يهدف إليه تغيير كهذا؟. فعندما يواجه مؤتمر إسلامي هذه المسائل بوضوح وصراحة ويجيب عنها بطريقة ملائمة. فإنه يكون قد حل المشكلة الإسلامية فلا يبقى نفاق في العلاقة الاجتماعية بين المسلم والإسلام، ولا يبقى قلق في الضمير المسلم. والعالم الإسلامي في مرحلة مخيفة من مراحل السديم المتخلق، حيث لم تدخل العناصر كلها في البناء طبقاً لنظام خاضع لقوانين محددة، ومن الجائز أن تؤدي مرحلة التخلق إلى نظام إسلامي؛ أو إلى فوضى شاملة تغرق فيها جميع القيم التي جاء بها القرآن إلى العالم. ولكن القرآن دائماً على أهبة الاستعداد لتكرار معجزته ... إن شاء الله. ...

стр. 245

أَوروبَّه وَفِكرة الأفرسيَوِيَة إن أوروبا لم تحكم العالم فحسب، بل إنها قد غيرته أيضاً، فالعالم الراهن قد وجد تحت وطأة عصاها السحرية، أو تحت وطأة سوطها اللعين. والحق أن هذا هو الشكل المزدوج الذي يكون جملة الدور التاريخي الذي قامت به أوروبا منذ قرنين من الزمان، فلو أننا لم نتحدث إلا عن عصاها السحرية كما يفعل الاستعمار فلسنا نستخدم سوى شهادة زور في التاريخ. ولكنا أيضاً نقدم شهادة أخرى مزورة لو أننا اقتصرنا منهجياً على التحدث عن سوطها. فأوروبا لم ترد تمدين العالم، هذا حق، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع هذا الطريق، وحين أمدته بإرادة للسير فيه. فبعض الباحثين لا يريدون أن ينظروا في هذا إلى غير نيتها ومقصدها. ولا يجدون في عملها سوى المبررات لسوء الظن. والبعض الآخر لا ينظرون إلى غير (الواقع الأوروبي)، فهم يدّعون أن أوروبا في نهاية الأمر قد قامت بدور (تلميذ الساحر) حين أعارت حضارتها للشعوب الأخرى فإذا بهذه الشعوب تصنع منها عصياً لضربها. وهذا التصوير الذي يتناول المشكلة بهذه الطريقة يزورها تماماً، ولكنه يضعها هكذا في الصورة التي تفيد منها دراستنا. فأوروبا بدأت تسيء الظن بنفسها، ومن خلال هذه الحقيقة الأولية تتحدد مشكلة العالم الأخلاقية في السنوات المقبلة. فالضمير الأوروبي يرزح تحت ثقل مسؤوليته، ولقد بدأ يشعر بهذا الثقل بصورة محزنة، ولاشك في أن لمأساة هذا الضمير دويها في مستقبل العلاقات الإنسانية، وقد وجدنا هذا الدور فعلاً في فكرة كليمنت أتلي عندما لاحظ أنه في الأعوام القادمة ستكون مشكلة العلاقات بين البيض والشعوب الملونة إحدى المشكلات المستعصية على الحل. وبدهي أن تفكير هذا الإنجليزي المسؤول

стр. 246

لا يحتوي إلا على اهتمام ذي طابع سياسي، ولكنا نرى فيه مظهراً أخلاقياً ناتجاً عن شعور معين بالإثم (التأثم) وعن تهويل باطني بسبب المشكلة، فلقد بدأ الضمير الأوروبي يشعر بعظم الخطيئة الاستعمارية. ولكن هذا المظهر الأخلاقي قد يحدث في صورة متعارضة صالحة لأن تعطل حل الأزمة الراهنة أو تعرضه للمخاطر. فقد يضيف إلى عنصر (القوة) - الذي حللنا آثاره في الأزمة- عاملاً أخلاقياً من الحرمان، في صورة شعور بالإثم المكبوت، وهذا الكبت قد يصبح مبعث خطر بالنسبة إلى الضمير الأوروبي، إذ ربما يؤثر فيه كدافع إلى حلول القوة. وتحت هذا العنوان يرى الكاتب المشهور جورج دوهاميل ( Georges Duhamel) في مقال نشر بباريس في صحيفة (الفيجارو Figaro عدد ٢٣ - ١٢ - ١٩٥٥م) أن الأوروبيين لا يبدو أنهم يدركون أن الجنس الذي ينتسبون إليه قد ارتكب منذ قرون كثيراً من الخطايا والأخطاء، بل حتى كثيراً من الجرائم، وأنه في طريقه لا إلى أن يفقد سلطانه فحسب ... بل أن يفقد التوازن والأمن الضروري كيما يمارس عبقريته .. فنحن نرى في هذه الكلمات الشعور بالإثم يختلط لدى الكاتب الكبير بالشعور (بالخطر) الذي عرفنا له سوابق خطيرة منذ عهد ليس ببعيد حين تحدثوا عن (الخطر الأصفر) أو عن (الخطر الإسلامي). ولقد ينتج عن هذا الاختلاط انعكاس يتخذ صورة الدفاع عن النفس ( Auto-Défence) بحيث يزيد في تعقيد وضع معقد، بل إن من المحتمل كثيراً أن يكون رد الفعل الاستعماري- الذي يعيث في العالم تخريباً منذ عشر سنوات- ناتجاً عن مثل هذا الانعكاس على الأقل في بعض نواحيه خاصة في شمال إفريقية حيث يعرف الاستعمار جيداً كيف يثيره ويستغله دفاعاً عن قضية خاسرة. ونحن ندرك على الأخص ما نتج عن هذا الانعكاس في الجزائر، منذ أن أسلم شعب أعزل للذبح والتقتيل، ذلك لأن الحكومة الفرنسية تحاول أن تثير دائماً

стр. 247

غريزة الدفاع عن النفس في الضمير الفرنسي، حين تقذف في أتون المعركة بشعار (الأمة في خطر). وأياً ما كان الأمر، فإن الضمير الأوروبي يواجه مشكلة تخلع على الأزمة العالمية مظهراً جديداً، وما كان لنا أن نتخيل لحلها طريقة قد تخلف في المجال الأخلاقي عناصر من شأنها أن تبعث الاضطراب في الحلول التي ندعي الإتيان بها للمشكلات في صبغتها السياسية. فالأزمة تتخذ بهذا مظهر مأساة مورينيه (١)، مأساة اجتماعية ترفع مشكلة العلاقات الإنسانية إلى مستوى عالمي. فلكي نحل هذه المشكلة يجب أن نقضي على ذهان التأثم، وذهان القوة، اللذين تقترن آثارهما في الضمير الأوروبي، وانعكاس الدفاع عن النفس هو ثمرة هذا التأثير. أما المشكلة في صورتها العملية فإنها تعني مساعدة الأوروبي على التغلب على أزمة ضميره. ولقد صاغها غاندي في هذه الكلمات، في مؤتمر العلاقات الآسيوي عام (١٩٤٦م). حين وجه إلى المندوبين قوله: ((إذا كنتم تريدون تبليغ رسالة إلى الغرب، فيجب أن تكون رسالة الحب والحقيقة ... وسيحظى هذا الغزو برضا الغرب نفسه الذي يتعطش اليوم إلى الحكمة)). إن هذه الرسالة لتتمثل في عدد من الضرورات الكبرى لعصر يواجه بصورة محزنة مشكلة الخلاص الإنساني ... لقد فوتت أمريكا عام (١٩٤٥ م) اللحظة التاريخية التي كانت تستطيع فيها أن تساعد العالم على اجتياز عقباته الأخلاقية والمادية، كيما يدخل في مرحلة جديدة. وها هي ذي الساعة تؤذن من جديد، ولكنها هذه المرة على محور (عدم العنف)، وإن فكرة الأفرسيوية لقادرة على أن تساعد العالم ليتغلب على (ذهانه) المزدوج، ولاشك في أن هذا مظهر جوهري لرسالتها العالمية، وفصل رئيسي في مهمتها التاريخية، وسيكون على الرجل الأفرسيوي في هذا الفصل من التاريخ أن يقدم للإنسانية ضميره لا علمه، فهو

стр. 248

لا يملك علماً بعد، يقدم إليها ضميره، وبراءة طبيعته البسيطة العذراء، ولاشك في أن هذه هي الرسالة التي كان يفكر فيها غاندي حين تحدث عن (غزو الغرب) الذي سيحظى برضا الغرب نفسه. إن مركب (القوة) موجود في أصول المرض الأوروبي، فمن اللازم إذن مساعدة أوروبا على التغلب على هذا المركب، ولقد أعطانا الأستاذ دوهاميل حين عالج مشكلة (مستقبل البيض) صورة حية حين بين كيف يتلاحم عنصرا هذا الذهان في الضمير الأوروبي، إذ يبدو أنه لم يعد لدى الأوروبي أمن مادام أنه لم يعد له سلطانٌ، وبذلك يبدو أنه مدفوع إلى عدم مواجهة المشكلات إلا بلغة القوة. كأنما هو لا يتوقع إلا أن يكون ظالاً أو مظلوماً، مضطهَداً أو مضطهِداً، فآلية هذا الذهان كامنة في أعماق (الذات) الأوروبية، ولقد أصر مستر هنري سباك حين كان يودع زملاءه الأجانب في إحدى جلسات المجلس الأوروبي الذي انعقد في بروكسل قبل مساء الميلاد بساعات، أصر على أن ينطق بعبارة أملتها ظروف الاحتفال بالميلاد ذاكراً أن ((أعياد ميلاد السعادة والسلام إنما تصدر عن تنظيم أوروبا لأن أوروبا تعتبر مفتاح السيطرة على العالم ... ))، فالسيطرة والسعادة يسيران إذن جنباً إلى جنب في هذا المنطق الذي يعكس موقفاً أساسياً للضمير الأوروبي، وبهذا تصبح المشكلة دقيقة ورهيبة، شأنها شأن كل ما يمس الضمير الإنساني. ولعل من الخسارة الكبرى، ليس فقط بالنسبة إلى أوروبا، بل بالنسبة إلى الإنسانية جميعاً، أن يفقد الرجل الغربي مع ضياع سيطرته على العالم ثقته في نفسه، وفي إمكانه إبراز موهبته وعبقريته، في عالم حطم أغلاله، فهذا هو الخطر الهائل، وسيكون هذا الذهان- مادام أنه لم يقض عليه- عنصراً ثابتاً في الأزمة. فأوروبا بلا شك يجب أن يتاح لها الاستمرار في إبراز عبقريتها القديرة، ولكنها في الظروف العالمية الجديدة يجب أن تجد (أمنها) في مودة الشعوب لا في السيطرة عليها، ولكم نتمنى أن تتغلب على انعكاس (الدفاع عن النفس) الذي يعدّ شرطاً في سياستها وهو يوجهها

стр. 249

نحو النزعة الأوروبية في الوقت الذي تتحدد فيه معالم مستقبل إنساني على مستوى عالمي. ولاشك في أن في (الحركة الأوروبية) التي اتخذت مركزها في استراسبورج ( Strasbourg) بعض المعالم الإيجابية التي ترشد أوروبا في طريقها نحو العالمية، ولكنها في الوقت نفسه تسجل انحسار الموجة الأوروبية عن العالم الذي أغرقته منذ قرنين من الزمان. ولعل الخسارة في هذه المرحلة تكون في أن يسجل هذا الانسحاب في المجال النفسي انطواء للضمير الإنساني. ومن المتفق عليه أن الموجة الأوروبية تخلف في التاريخ رصيداً محزناً من الخرائب الأخلاقية، وحقلاً من الأنقاض في النفس الإنسانية. ولكن إذا قلنا هذا فهل قلنا كل شيء؟ وهل يكفي أن نسطر سجلاً لشهداء الشعوب المستعمرة تحت حذاء الاستعمار؟ الواقع أننا حين ننظر جيداً إلى حقل الأنقاض الذي خلفته الوجة الاستعمارية وراءها، فإننا نراه مغطى (بغرين) مخصب ستجد فيه الحياة الجديدة فعلاً عناصر جوهرية لازدهارها في البلاد التي كانت من قبل مستعمرة. هذا الغرين غير مقتصر على الميادين التي تظهر فيها موهبة أوروبا للعيان- في كل ما يتصل بالتقدم المادي والصناعي- بل يتعداها إلى الميدان الروحي، حيث تبدو موهبتها غير مؤكدة في النظرة الأولى. لقد سببت حرية أوروبا جروحاً شنيعة للإنسانية، وأحدثت قروحاً رهيبة في بدنها، ولكنها في الوفت نفسه قد فتحت ثغرات في المجتمعات التي انسحبت من التاريخ، أو التي لم تدخله بعد، ومن هذه الثغرات جاءت نسمة جديدة، نسمة باعثة تحيي أشكالاً بليت، وتحرك حياة تجمدت، وكلما أردنا تحليل الأسباب التاريخية لهذه النهضات التي جددت العالم المستعمر خلال نصف القرن الماضي، فإننا نجد تأثير أوروبا، فجميع النهضات التي رأت النور في ضمير الشعوب المستعمرة قد تغذت في هذا الضمير نفسه بالغرين الذي أودعته فيه الموجة الأوروبية، فحركة الإصلاح التي تعتبر الشكل الروحي للنهضة في شمال إفريقية هي بلا جدال ثمرة الوعي الإسلامي، ونتيجة كفاحه ضد شكل

стр. 250

من أشكال الشر هو: الاستعمار، هذا شيء لا ينازع فيه من الوجهة التاريخية، ولكن التحليل يقضي بأن نذهب إلى الإطار النفسي والأخلاقي، وسنرى في الحال أن المشكلة تثرى بعناصر جديدة وتفسير جديد. فالواقع أن الوعي الإسلامي قد وجد نفسه ملزماً بأن يجاهد فردياً وجماعياً ضد الشر أو المنكر، وهو يجد تبريره الجوهري ودافعه في قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٠]، ولكن الصراع التاريخي الأخير ضد المنكر في إفريقية الشمالية تحت راية حركة إصلاحية- الإصلاح- يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر، أي إلى حركة الموحدين، فلعل انطلاق الوعي الإسلامي قد توقف من ذلك الحين لكي يستأنف نشاطه تحت راية الاصلاح الحالي، في شكل النشاط المضاد للاستعمار. فيجب أن نكتب تاريخين ١١٢٥م-١٩٢٥م، التاريخ الذي بدأ فيه ابن تومرت تبليغ دعوته في مراكش، والتاريخ الذي شرع فيه ابن باديس في قسنطينة. ولنتساءل عن سبب صمت الوعي الإسلامي وعدم اكتراثه فيما بين هذين التاريخين. أعني خلال ثمانية قرون؟ ولكن هذا السؤال يودي بنا بعيداً قطعاً، إذ لا ينبغي أن نتساءل: لماذا استمر صمت الضمير الإسلامي دهراً طويلاً؟ بل يكفينا أن نتساءل: كيف ولماذا انقطع هذا الصمت منذ خمسة وعشرين عاماً؟ إن المشكلة لم تعد ذات طابع تاريخي بل نفسي وأخلافي. فالوعي الذي بدأ مرة أخرى يتكلم بتأثير ابن باديس في إفريقية الشمالية كان غنياً بتجربة حاسمة قطعاً، ولكنه كان أيضاً غنياً بذاتية جديدة، فالحقيقة النفسية تكمل هنا الحقيقة التاريخية، التي ربما تبقى دون ذلك جزئياً في الظلام، أو تظل غير مفهومة، وعلى ذلك فالنفسية المسلمة الجديدة لا يمكن أن تتضح في ذاتها إلا إذا اعتبرنا الثروات الذاتية التي استمدت وعيها من غرين الحضارة الغربية، والواقع أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالعالم الإسلامي، فهي تتجلى أيضاً في ((نهضة)) الهند حيث ثارت
следующие страницы →