← Общие книги

Общие книги · id 37650

فكرة الإفريقية الآسيوية

مالك بن نبي

Полный текст (261 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الستار الحديدي وخلفه، اتفاقاً يتضمن في نظرهم علاقات الكبار وجهاً لوجه بالشعوب الأفرسيوية طبقاً لمصالح الأولين، في عالم مسير يقره هذا الاتفاق في وضع الثالوث الجغرافي السياسي، أي في صميم أزمته. وتحت هذا الشكل السطحي يفقد مفهوم التعايش تأثيره وقيمته التاريخية بفقدانه لمعناه الأخلاقي، وربما يخفي هكذا داخل غلافه المفهوم القديم لـ (مناطق النفوذ) تلك الفكرة القديمة للميثاق الاستعماري، ولكنها فريدة ومنقحة في صورة (الاستعمار المشترك) ولقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في قضية تسليم الأسلحة التشيكوسلوفاكية لمصر، حيث فسر هذا الحدث في بعض الأوساط على أنه خيانة لفكرة (جنيف) - كما سبق أن بينا- وربما خامرت أفكارهم نية إثارة مشكلة الشرق الأوسط من جديد، كما أوحت بذلك الصحافة بين الأسطر لولا أنهم لا يرغبون في إدخال شريك مخالف غير مرغوب فيه في قطاع هو (منطقة النفوذ الأنجلوسكسوني) في لغة الدبلوماسية في القرن التاسع عشر. إن مافهوم (التعايش) الجامد لا يمكن أن يكون ذا تأتير فعال في العالم الذي يجتاز أزمة لا تحل- مهما كان الأمر- دون تغييرات فعلية تنافي كل جمود، ودون تحولات واقعية وعميقة في التكوينات العالمية الموروثة عن القرن التاسع عشر. ولو لم يكن هناك سوى الخوف الذري. فمن المؤكد أن مفهوم فكرة جنيف لا تكون بهذا المضمون سوى صورة من صور الجبن الدولي، وهو أبعد شيء عن فكرة (عدم العنف) وعن وصية غاندي الروحية. والواقع أن التعايش يتجاوز التأويل الرحسي، والتفسيرات السياسية، فإن تأثيره على الحالة العالمية لا ينبثق من هذه التفسيرات، بل من طبيعة الأشياء نفسها، وفيما يتوقع لهذه الأزمة التي يجتازها العالم يعدّ التعايش في الواقع الإمكان الوحيد لحلها. وفي هذه الصورة من التعايش الديناميكي (الإيجابي) التعايش الذي يتبع

стр. 177

حركة التاريخ، تقترب فكرة جنيف من فكرة عدم العنف، حتى كأنها ظلها على محور القوة. ولقد سبق أن دخل هذا الظل في الحياة العقلية على هذا المحور، بحيت أنتج أدباً كاملاً يبدأ من القصة التي تحتوي تكهنات عن الحياة الأرضية وحيث نجد موضوع التعايش يحوطه القليل أو الكثير من التشاؤم، كما أنتج أيضاً دراسات قانونية مضنية يريد القائمون بها تعريف أسس (المعايشة) التشريعية. ففكرة جنيف تنمو إذن مع هذه الحركة العقلية التي تمتد تدريجاً من الميدان السياسي، إلى الميدان الفكري الخالص في الفلسفة، والقانون، والاجتماع، والأخلاق. وكلما امتدت هذه الحركة، يضيف موضوع التعايش إلى مضمونه ثروة، ويزداد مفهومه تحديداً وعمقاً بحيث يتجاوز المعنى السطحي الذي خلعه عليه التفسير الرسمي. وربما لا يكون من الغريب أن يمتد إلهامه إلى الميدان الفني، وأن يجد الفنان العبقري مثل (بيكاسو Picasso) ليترجمه في أسلوب الوجودية السياسية. إن سبل التاريخ تمر بفكر البشر، وسيمر (التعايش) ضرورة بهذه السبل، كيما يصير واقعاً تاريخياً. ومن اللازم ضرورة أن يمر بجميع المناطق، حيث الذكاء الإنساني على قدم الاستعداد ليصوغ الاجابة على تحدي القوة، وسيساعده على ذلك، ريح التاريخ المواتية، فلقد نزع موت ستالين من طريقه أخطر عقبة كانت تلقاه في مهمته السياسية، فلقد حال حكم الفرد زمنا طويلاً دون اتصال الشعوب على محور واشنطن - موسكو. وذلك بسبب حقيقته نفسها أو بسبب الأوهام المرعبة التي خلقها. فمع اختفاء ستالين تختفي النواة التي انعقد حولها (ذهان) الحرب الباردة، بحيث يبدأ من تصفية هذا الذهان عهد من التحرر النفسي، يسجل نقطة تحول في الظروف الدولية. لقد بدأ عهد التعايش- بصورة ما- رسمياً في عام ١٩٥٤م مع العيد السابع والثلاثين لتورة أكتوبر في موسكو. وسجلت هذه الملابسات في خطبة نائب رئيس وزراء السوفييت (سابوروف Sabourov) الذي

стр. 178

عرض الامكانيات التاريخية (للتعايش) والنتيجة العاجلة المتعلقة بإعادة إنشاء العلاقات العادية مع يوغوسلافيا قبل كل شيء. وكانت هذه هي قنبلة (التعايش) الحقة، ونفخته التي قلبت دبلوماسية الحرب الباردة كلها، فلقد حطمت الثلج بالنسبة إلى يوغوسلافيا أولاً، وأجاب تيتو ( Tito) على استهلال سابوروف، بأن أرسل برقية تهنئة إلى فورشيلوف. وبينما كانت مشاهد الأفراح تتتابع في ذكرى الثورة، كان الممثلون الدبلوماسيون للشرق والغرب يتعاطون الأنخاب في موسكو. وفي خلال مهرجان من تلك المهرجانات رجا المسؤولون السوفييت أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي في أن ينقل تمنياتهم إلى أمريكا، وبدأ حوار، كانت ألفاظه مخدرة بجو الحرب الباردة، مكبلة ولا شك بقيودها ولكن بدأ بالرغم من كل شيء ذلك الحوار على محور واشنطن - موسكو، وبدأت تهب رياح (عدم العنف) على هذا المحور، ونحن ندين لها بتلك البراعم النابتة في صورة التعايش التي رأوها فجأة تزدهر وتتفتح في مناخ ثلجي حتى في ضمير الرجل الذي كان داعية الحرب الباردة على الجانب الغربي، تشرشل نفسه صاحب خطبة فولتون ... لقد تراجع فجأة إلى الظرف الجديد، فأمده باقتناع الرجل الصلب العنيد، الذي يعلن فجأة: ((أنه لا يستطيع أن يؤمن بأن الجنس البشري لن يجد طريق النجاة)) فلو كان (التعايش) هو هذا الطريق لدى ذلك الفكر الموضوعي، فمن المقطوع به أن الوضع الدولي هو الذي فرض عليه هذا الاقتناع. فإن من الصعب فعلاً أن نرد دوافع هذا الرجل الكبير المسؤول إلى مجرد مبدأ أخلاقي. إذ لا شك في أن الأسباب السياسية العليا هي التي أوحت إليه بما قال، إن في تحوله إلى فكرة عدم العنف عوامل أخرى أكثر تعقيداً من مجرد المثل الأعلى الإنساني أو حب الإنسان لأخيه الإنسان، فلقد لعبت العوامل الزمنية في اقتناعه بلا جدال دوراً حاسماً. إذ إن النقصان في الخطر الستاليني، والزيادة في الخطر الذري بنمو الصناعة النووية قد مثلا فكرة التعايش في عقل تشرشل كنتيجة

стр. 179

لتوازن القوى الاستراتيجية بين الكتلتين، أي إنها كانت أولاً نتيجة سياسية ناشئة عن عنصر (القوة)، فبما أن فرص البقاء قد أصبحت ضئيلة حتى بعد إحراز نصر ذري، فلقد صار من المستحيل دون إعمال فكر الاستمرار في تطبيق نظريات كلوزوفيتز ( Clausewitz) لحل المشكالات المستعصية على الحل بالطرف السياسية، وتلك هي الاستحالة التي حولت الزعيم الإنجليزي وأقنعته بأن الجانب العسكري سقط حقه حين منحت الظروف السلطة المطلقة للسياسة، لكن هذا الاقتناع لم يتكون دون اعتبار جميع عناصر التطور السياسي الذي أدى إلى هذا السقوط ((فقد كان على تشرشل أن يأخذ في اعتباره عنصر (القوة) من ناحية، ومن ناحية أخرى: التيار الحيادي الذي سيطر بصورة سلبية- إن صح التعبير- على المشكلة الاستراتيجية، ولكنه تجلى أخيراً في صورة إيجابية في جميع نظريات السلام، التي صيغت تحت عنوان أو آخر منذ عام ١٩٤٥م)). ففكرة التعايش قد دخلت إذن ضمير رجل كتشرشل من طريق مزدوج أي على الأقل من طريق يمكن تعريفه (بعدم العنف) الذي ينطبق على التيار الحيادي وعلى مصدره الروحي. وإن فكرة التيار، الذي كان في بدايته قومياً كنهر الجانج ( Gange) قد امتد من طنجة إلى جاكرتا مندمجاً بالمحور الروحي للفكرة الأفرسيوية باعتبارها تعبيراً أساسياً عن روحها الأخلاقي، تم إنه قد تعاظم بفروع هامة فاضت به على محور القوة، وحياد يوغوسلافيا أحد هذه الأفرع، ويظهر أنه قد كسب أرضاً جديدة في اليونان أيضاً، ولقد نمت اتجاهات حيادية في بلاد أخرى كانت ولا تزال مرتبطة بسياسة الكتلتين (١).

стр. 180

وهكذا كلما تعاظم التيار الحيادي، تحولت عناصر القوة إلى عناصر عدم عنف، وتحولت وسائل الحرب التي تنفق وتخصص لها إلى اقتصاد للمسلام. وإذا اعتبرنا أن الحياد قد غير تغييراً سلبياً المشكلة الاستراتيجية على محور القوة نرى في الوقت نفسه أنه قد أتاح فرصاً إيجابية كثيرة للسلام. حين نقل عناصر القوة من الكتل البشرية والمواقع الجغرافية، والمواد من الميزانيات الاستراتيجية إلى ميزانيات التشييد الاجتماعي. وهو بإحداثه للفراغ النسبي من وسائل القوة في (منطقة الحرب) كوّن منها (منطقة رهو) وانخفاض في الضغط الجوي، قد تدع المجال إلى نسمة فكر جديد. وهكذا نرى التيار الحيادي- وهو أساساً (فكرة باندونج) - قد هيّأ بقدر ما الظروف السياسية والأخلاقية لجو دولي جديد، وهكذا تسجل طابع الروح الأخلاقي الأفرسيوي شيئاً فشيئاً، وبخاصة منذ مؤتمر باندونج في الظروف الدولية الجديدة، وإن التعايش ليدين له في الواقع بأكثر من كونه مجرد دافع روحي، وتوجيه أخلاقي غامض يشتمل على تنازل صوري عن اللجوء إلى القوة، بل إنه يدين له بعناصر أكثر تحديداً، ومن بين هذه العناصر نجد مضموناً نظرياً يجب أن يكون بصورة عملية المقياس الأساسي الذي تقوم عليه أعمال الدول في السياسة الخارجية. ولقد صيغت هذه النظرية في خطوطها العريضة على الأقل، في المبادئ الخمسة ( Panch Shila) وهي التي كانت موضوع البيان النهائي الصادر عن محادثات نهرو وشواين لاي (يونيه ١٩٥٤ م) في نيودلهي. والبيان الذي أكد عباراته في بكين في شهر أكتوبر التالي المتفاوضان ذاتهما هو في جملته نص أساسي لميثاق التعايش الدولي الموضح في خمس نقاط هي: الاحترام المتبادل لسيادة الدولة على أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، والمساواة في الحقوق، وفي المنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. ولقد صار هذا (المتن) نموذجاً وإطاراً للمناقشات الدولية خاصة في باندونج ... ثم إن الفكرة قد اكتسبت حيوية جديدة على محور واشنطن - موسكو، حين تكيفت لا تبعاً للجو السياسي في الوسط الجديد فحسب- ولكن تبعاً لحياته

стр. 181

العقلية المتنورة بسبب فيضانها واختمارها. فمما لا جدال فيه أنها قد وجدت هنا الأرض الصالحة لنموها العقلي حين استفادت من النضج الذي يوجد في هذا الميدان. ونحن لا زلنا نجهل ما سيأتي به هذا التطور وهذا الدافع العقلي من عناصر إيجابية؛ لتدعيم الحلول السياسية لمشكلات الساعة، ونجهل أيضاً ما سيأتيان به من عناصر نهائية في حل الأزمة، لأنه لا يمكن حتى الآن تحديد طبيعة هذه الحلول السياسية، أو طبيعة ذلك الحل النهائي. ولو أن متكهناً حاول أن يكشف لنا عنها مقدماً، فمن المؤكد أنه سيكون معرضاً لسخريتنا في محاولته هذه، إذ يكون من الصعب علينا في الحالة الراهنة بسبب ما لدينا من أفكار مكتسبة، وعادات عقلية مستعدة أن ندرك أن حلاً نهائياً أو حلولاً سياسية كهذه تكون ممكنة أو محتملة. ويمكن هكذا أن ندرك ونحن في طريقنا نوع هذه الكراهية الذي يلقاه التيار الحيادي على محور القوة، حيث نقدر الأشياء طبق الأفكار السائدة والمصالح العاجلة. وهذا يبين أيضاً لماذا لا يمكن للتعايش أن يتبع في الميدان السياسي الطريق الأقصر، أي الطريق المستقيم، فإن طريقه ليس مستقيماً، بل هو كأسنان المنشار ينمو تارة إلى فوق وتارة إلى أسفل وفي بعض الظروف نرى أن (فكرة جنيف) تضل الطريق في سيرها مع التيار. ولقد كان هذا الشعور سائداً أوان سفر بولجانين وخروتشيف إلى آسيا. حيث كان هذا السفر يفسر في بعض الأوساط السياسية على أنه (تحدّ جديد للعالم الحر)، حتى إنهم تحدتوا آنذاك خلال الدورة العادية لمنظمة حلف الأطلنطي عن (مرحلة جديدة من مراحل الحرب الباردة). ومن التوفيق في هذه الظروف أن تعديل الاتجاه كأن يأتي عن طريق محور طنجة - جاكرتا حيث تتكون المبادره التي تعود بفكرة التعايش إلى طريقها الصحيح، ولقد حدث هذا فعلاً في نيودلهي حيث كان يُتوقع رد الفعل الرسمي بعد سفر الزائرين السوفييتيين، ولقد اغتنم نهرو الفرصة ليذكّر الرأي العام

стр. 182

الهندي بمعنى الصداقة الدولية، وبالتزامات فكرة التعايش، ولكن على الرغم من هذه المصادمات المفاجئة فإن (التعايش) قد تابع طريقه، وكأنما تتدخل في توجيهه العناية الإلهية، فإن العقبة التي توقفه لحظة تدفعه إلى الأمام بحيوية وسرعة متزايدة، والحق أن العناية تتدخل هنا في صورة قانون: ((العقبة الخلاقة المخصبة)) فقد لاقت فكرة التعايش في تحولها العقلي على محور واشنطن - موسكو أكثر من عقبة من هذا النوع فيما يمكن أن يطلق عليه اسم (دورتها الأدبية) فظهرت في أمريكا قصة من قصص التكهن بالمستقبل، حوالي نهاية عام (١٩٥٤م) وهي تقدم لنا مثالاً على هذا النوع من العقبات، إذا أراد مؤلفها مستر جرهارد نيماير ( Gerhard Niemeyer) أن يبرهن على أن التعايش لا يمكن أن ينتهي إلا إلى مأساة قومية، ولكي يؤثر على خيال مواطنيه فقد تخيل اطراداً عسكرياً ودبلوماسياً تجد أمريكا نفسها إثره معزولة حوالي (عام ١٩٦٤ م)، وهي أمام حدين، عبر عنهما المؤلف بجملتين قال: ((إن لدينا ما يجب أن نطلق عليه حزب الحرب ... )) ثم قال بعد ذلك: ((إن لدينا أيضاً حزباً للسلام)) ولما كان توقع السلام في هذا الاطراد محزناً تماماً كتوقع الحرب، فإن المؤلف لم يترك مطلقاً للقارئ الأمريكي مخرجاً نفسياً آخر سوى الرغبة في أن يلعن الطريق المشؤوم الذي قاد بلاده إلى هذا المصير، أي أن يلعن التعايش. فالمؤلف يكشف لنا عن ضميره عموماً، في مواجهة الفكرة كأنما يلقيه بصورة ما في غمار طريقها. ولكن العقبة التي خلقت هكذا، دفعت الفكرة في إطار الفيلسوف ورجل الاقتصاد، اللذين يسلمانا إياها مثرية متعمقة. والحق أن فكرة المؤلف الأمريكي قد أحدثت صدى في الأوساط الأدبية الفرنسية، حتى أخضعتها إحدى الصحف الباريسية للمناقشة والنقد حيث اقتبسنا هذه الفقرات (١). من آراء الفيلسوف ميرلوبونتي ( Merleau ponty) ،

стр. 183

والاقتصادي ألفريد سوفي ( A. Sauvy) اللذين ندين لهما بإغناء ذي قيمة للموضوع. فلقد أعطانا كل منهما بطريقته فكرة عن التعايش المتحرر من القيود، ومن العبودية، ومن الغموض السياسي فجلاها كثيراً أمام العقل، ومنحها اتصالاً أكثر بالحياة، وانطباقاً أكثر على ظروف التاريخ الواقعية، وبالتالي منحها مزيداً من التأثير في الميدان السياسي. إن الفيلسوف حين تناول الفكرة من وجهتها السلبية قد أغنى الموضوع بفصل من الدراسة المرضية، فقد نظر إلى (فكرة التعايش) بالنسبة إلى (المواقف السلبية .. وصور الاقتناع المرضي الذي يجعلها مستحيلة) كما في القصة الأمريكية. ومن المفيد أن نذكر أن فكرة الفيلسوف تقطع عرضاً خط نشاط فكرة (عدم العنف) في معناها السياسي، في صورة تيار حيادي. فإن ميرلوبونتي يقدر- في الواقع- أن التعايش- في مرحلته الأولى- (ولغته هنا تهم محور القوة) يقوم، أو يجب أن يقوم في منتصف الطريق بين المغازلة والسلام المسلح، وأنه لن يوجد إلا إذا كان بين المتخاصمين مناطق يلتزمون بعدم السيطرة عليها. وهكذا نرى أن موضوع التعايش يثري بوضوح لدى الفيلسوف، من جهة نظر حيادية؛ لأن الخصوم لن يلتزموا بعدم إخضاع بعض المناطق، إلا إذا تحصنت هذه المناطق بنظامها الخاص، أعني بحيادها. ونجد عند الاقتصادي أن الموضوع ينمو في الاتجاه نفسه، وإن كان بطريق مختلف، فالتعايش عنده مرحلة من التأقلم الضروري المحتم، المتبادل بين الشيوعية والرأسمالية، أي المرحلة التي تطابق (تطورهما الطبيعي نحو مصيرهما الغامض المشترك). فهذا التطور فيما يتوقعه الاقتصادي يجب أن يتحمل طبيعياً جميع آثار الحالة الاقتصادية في البلدان المتخلفة، أي على محور طنجة - جاكرتا، وربما يلعب الاقتصاد- دور المعدل في التاريخ المقبل على محور واشنطن - موسكو. فمسيو سوفي يرى في الواقع أن (المصلحة المشتركة للقوتين الكبيرتين هي في أن تواجهما الفاقة والبؤس)، ونحن نعرف طبعاً في أي نصف من الكرة الأرضية أو

стр. 184

على أي محور يوجد هذا البؤس في الظروف الراهنة، ونرى بالتالي أين توجد هذه (المصلحة المشتركة للقوتين الكبيرتين) تبعاً لتعبير رجل الاقتصاد، الذي التقت نظريته هكذا عرضاً بنظرية الفيلسوف على المحور الأفرسيوي. وهكذا كانت نظرية نيماير حجر عثرة فجَّر مجموعة من الأفكار الجديدة التي أغنت الموضوع أولاً من الناحية الأدبية، وكانت في الوقت نفسه معالم مضيئة لفكرة التعايش، في مرحلتها الجديدة، وهي في طريقها إلى التحقيق العملي (١). ولا شك في أن الاقتصادي الفرنسي الكبير لم يعدّ تأثير الاقتصاد الأفرسيوي عامل استقرار وتوفيق، بين المصالح المتضاربة، إلا بالنسبة إلى إرادة المتخاصمين على محور واشنطن - موسكو، أي إنه لم يأخذ في اعتباره، إرادة الدول صاحبة الشأن نفسها، كما يجب لكي لا نقع ثانية في السياسة البالية التي تتمثل في (مناطق النفوذ). على أنه يبدو أن القادة الأفرسيويين قد تحملوا في هذا الميدان مسؤولياتهم، بوعي كامل، مع اهتمامهم الواضح بأن ينتهزوا الفرص التي يستطيعون فيها تزكية فكرة (التعايش) في الوقت الذي يرعون فيه ضرورات التنظيم الداخلي لبلادهم. وفي حدود هذا الاهتمام، يبدو أن جمال عبد الناصر ونهرو قد رتبا سياستهما في التجهيز الصناعي بحيث يتحاشيان أن تتحول المزاحمة الاقتصادية للكتلتين إلى تحد سافر لا تحمد عواقبه. وبهذا الاتجاه يجب أن نفسر- دون تردد- موقف مصر حين قبلت عرض البنك الدولي للإنشاء والتعمير لتمويل خزان أسوان، وموقف الهند حين شادت هيكل تصنيعها الثقيل، وتجهيزات الصلب بها على يد فنيين أمريكيين وروس

стр. 185

وإنجليز وألمان. وهكذا كلما فرضت المزاحمة الاقتصادية للكتلتين نفسها على محور طنجة - جاكرتا، فإن فكرة التعايش هي التي تفرض نفسها- بالتالي- على محور واشنطن - موسكو. ولقد بدؤوا في بعض الأوساط التي كانت مغلاقة عن تقبل هذه الفكرة، يذكرون- في شيء من الحذق- أنه ((يجوز للغربيين أن يدهشوا، ولكن عليهم ألا يغضبوا من دخول الروس كأنداد للمزاحمة في هذا (الميدان الاقتصادي) مع الأمريكان. على أية حال، فإن الاقتصاد الأفرسيوي قد يصبح قاعدة جوهرية (للتعايش) في العالم، وإنما يتم ذلك في الظرف الذي يضيف فيه إلى مبادئ تأثيره الصناعي والاجتماعي اعتناء بالتأثير الأخلاقي)). ولا شك في أنهم سيقفون هنا محتجين .. أولئك (الأطهار) الذين لا يُحكِّمون في هذا الباب سوى المقاييس الاقتصادية، سيقولون: إن الاقتصاد ليس فصلا من فصول الأخلاق. ولكن هذه التقاليد الكلاسيكية في الاقتصاد الحر- كما يقولون- قد فات أوانها. فلقد دلت التطورات الحديثة على أن للواقع الاقتصادي نتائجه التاريخية، وفي الوقت الذي يحدد الواقع الاقتصادي اتجاه التاريخ- هكذا- فإن من الواجب أن يحدد الاتجاه الاقتصادي في ضوء وظيفته التاريخية. بل إن السياسة التي تعدّ مسؤولة عن تحقيق هذا الوضع، ترى نفسها مضطرة إلى أن تأخذ في حسابها بعض الظروف النفسية إلى جانب اعتبارها للمصالح المادية. والظروف النفسية تؤثر في الواقع الاقتصادي وتوجهه في النطاق الأخلاقي لا في الميدان الصناعي. وهذا التدخل للمبدأ الأخلاقي في الميدان الاقتصادي قد بدأ فعلاً في الظهور، حتى في بعض نظريات الاقتصاد السياسي. فإذا وضعت مدارس الاقتصاد مشكلة التوازن الاقتصادي في المستوى العالمي- وهو المستوى الطبيعي للمشكلة في مجتمع القرن العشرين- فإنها تهتم شيئاً فشيئاً بدراسة حاجات المعسرين في العالم، وبهذا تدخل المبدأ الأخلاقي تحت ستار الأرقام والاحصاءات، ويظهر هذا الاتجاه تماماً في المدرسة الفرنسية، في

стр. 186

معهد علما الاقتصاد التطبيقى. وأيّاً ما كان الأمر، فإن الحقيقة الأفرسيوية تتدخل في مشكلة التعايش- كما نرى- روحياً، واقتصادياً، واستراتيجياً. إن عدم العنف، والحياد، والفاقة هي- في الواقع- ثلاثة عناصر جوهرية لهذه المشكلة. وربما لا يفوت المؤرخ الهازل أن يروي- زيادة على ذلك- أن تاريخ التعايش قد احتوى- ولو قدراً- من (اللعاب) الأفرسيوي ذلك القدر الذي كتبت به عبارات (تسقط سياسة التعايش) التي كانت تغطي الحوائط في سايجون ( Saigon) عند مرور نهرو أثناء عودته من بكين ... نعم .. لم يكن هذا سوى قدر من اللعاب على الحوائط. والمؤرخ الذي سيرويه سيضيف دون شك أن كتب هذه العبارات ليس في واقع الأمر سوى (قلم) مأجور، كما أنه يستطيع أن يكون في ظروف أخرى (بوقاً) مسخراً، وذلك ليخفي هناك خط الاستعمار، وهنا صوته ... ولو أن لدى هذا المؤرخ بعض الخبرة عن الأدب الشعبي العربي، فربما أضاف قولهم: ((الكلب ينبح، والقافلة تسير ... ))، ولكن الضمير الإنساني يجد لحسن الحظ مفسرين آخرين يعبرون كما ينبغي عن مشكلة التعايش. فمع أن قداسة البابا بيوس الثانى عشر قد أدان التعايش في صبغته السياسية، وذلك في رسالته في عيد الميلاد عام (١٩٥٥م)، وكان هذا دون ريب بسبب الصراع الداخلي الناشب في الضمير المسيحي، الحائر بين العقيدة والواقعية السياسية، فإن قداسته قد أيد المطالبة بتحريم الأسلحة الذرية والتجارب النووية، بل دافع عنها، أي عن الفكرة التي هي مدار مبدأ التعايش: فالتعايش يعني أولاً إنقاذ حياة البشرية من قيامتها، القيامة التي تنذر الجنس البشري منذ هيروشيما بسوء المصير، وهناك ظروف يجد فيها الضمير الإنساني نفسه مقهوراً متذبذباً بين (نعم) و (لا) وهي الذبذبة المحيرة أمام حالة محزنة. ولكن تحديد موقف قداسة البابا في موضع الأسلحة الذرية إنما يمثل أسعد التقاء للفكرة المسيحية، الممثلة في أعلى سلطة

стр. 187

أخلاقية مع فكرة عدم العنف، كما عبر عنها في اليوم نفسه في نيويورك، مندوب الهند في الأمم المتحدة، مستر كرشنا مينون. والواقع أن من اللازم أن تتابع فكرة التعايش وظيفتها وسط جميع العقبات من كل نوع، سياسية كانت أم عقلية أم أخلاقية. ففي عالم لم يتخلص بعد من تكوينات العصور الوسطى يجب أن تتخلص الفكرة من (ثقافة الإمبراطورية) التي صارت شيئاً فشيئاً ثقافة أوروبا منذ عصر (النهضة) وأوائل العصر الاستعماري، أي إنها يجب أن تتخلص من كلاسيكية ( Classicisme) الفكر الأوروبي، الذي قسم العالم إلى الأبد إلى مجموعتين: مجموعة (المتحضرين) المتجمعة في دول كبرى، ومجموعة (المستعمَرين) المشحونين في (عبوات) تسمى بالمستعمرات. ومن البيِّن أن فكرة التعايش تصادم مضمون هذه الكلاسيكية وتنفره، أما الآن، فيكفينا أنها تعبر في غموض عن فكرة الهدنة في الحرب الباردة، وأنها تحدث انفصالاً مناسباً في العملية المقدورة التي كانت تقود الشعوب إلى النزاع العالمي الثالث. نعم يكفينا كمسكِّن يُعطى لمحموم فيهبط بارتفاع الحمى الخطير. فهي الآن تعدّ تأجيلاً للقضاء، وحل الانتظار الذي يمنح الزمن الكافي للحلول النهائية كيما تنضج، وللتطور الإنساني كيما يتغلغل في الأفكار والأشياء، وللعالم كيما يجد اتجاهه الجديد، حيث يتخلص أولاً من العقد النفسية الناشئة عن القوة والسيطرة. فهذا هو الزمن الضروري- من الناحية العملية- للتقريب بين مقاييس الرأسمالية والشيوعية من جهة، ولتصفية الاستعمار والقابلية للاستعمار من جهة أخرى، أي الزمن الضروري كيما يزيل العالم ثالوثه الجغرافي السياسي، ونحن نفهم من هذا أن تلك المرحلة التي ينحو فيها العالم نحو التوحيد، حيث يمضي من خلال المرحلة المؤقتة والمرحلة الانتقالية إلى المرحلة النهائية، يجب ألا يكون هذا الانتقال إلى قيامة نهائية. وفي هذا الجو الغامض تتكامل فكرتا جنيف وباندونج، فالحياد الذي ينمو على محور طنجة - جاكرتا

стр. 188

إنما يزكّي ويكثر فرص التعايش على محور واشنطن - موسكو، ويدعم اتجاهه نحو الاستقرار النهائي للعالم. أو ... لا فإذا تدخلت عوامل أخرى في اتجاه مضاد، وقادت في نهاية الأمر مجرى التاريخ نحو الحرب فإن فكرة باندونج ستكون الفرصة الأخيرة التي ستحول في إحدى اللحظات بين الميزان وبين أن يميل جهة المصير المحتوم، ولعل في هذه الدقيقة إنقاذ العالم كله، وحتى على فرض أن الحدث المشؤوم قد وقع، فإن فكرة باندونج قد تجعل أمامه فراغاً، طبقاً لمبدأ الأرض الحريق التي تقف أمام النيران، لكي تحول دون انتشارها. لقد حدد نهرو ضمناً في أحد أحاديثه عن السياسة الخارجية لبعض الصحف في ٢٣/ ١/ ١٩٥٤م مدى هذا (التكتيك)، حين تحدث عن الوضع الحيادي لبلاده، قال: ((القد قررنا أنه لو سقطت داهية على العالم فإن علينا أن ننقذ جزءاً منه، ولذلك فقد أعلنا أن الهند لن تشترك في أي حرب، وأملنا أن تعمل الدول الأخرى بآسيا على أن تبقي على نفسها، وبهذا يمكننا أن ننشئ منطقة سلام، وكلما اتسعت هذه المنطقة، تراجع خطر الحرب)). وبدهي أن النيران تخبو ما دامت لا تجد قوتاً، فإذا كان حتماً على الإنسانية أن تكابد- على الرغم من المحاولات- طوفاناً ذرياً ... فإن ما نتمناه جميعاً أن تجد الإنسانية في مكان ما .. سفينة نوح الجديدة. ***

стр. 189

فِكرة الأفرسيَوية وَالعَالميّة ((إني لآمل أن يبذل جميع المندوبين الذين اجتمعوا هنا من أقطار آسيا كلها قصارى جهدهم في سبيل توحيد العالم)) غاندي (في مؤتمر العلاقات الآسيوية ١٩٤٦م) ربما يطلق المؤرخون لفظ (التعايش) على المرحلة التي تعقب توتر الحرب الباردة في العلاقات السياسية بين الدول الكبرى. ومع ذلك فإن المؤثرات التي عملت على بلورة فكرته ستستمر طبيعياً في مهمتها، وستغير فيه مضمونه الأخلاقي وأهميته السياسية. وسيظهر شيئاً فشيئاً أن (التعايش) لا يقصد به إنقاذ حالة جامدة متفاوتة في قدمها، وليس معناه أن ينظر كلا الطرفين إلى الطرف الآخر دون أن يتقدم أو يتأخر، بل سيظهر أنه لا يمكن للشعوب أن تتعايش في ظل الرأسمالية والشيوعية على محور واشنطن - موسكو، وفي ظل الاستعمار والقابلية للاستعمار على محور طنجة - جاكرتا. وإذن فعلى الرغم من أن لفظة التعايش قد تبقى خلال التاريخ، فإن فكرتها ستتغير ضرورة، فالعوامل الصناعية والعوامل الروحية التي أوجدتها، ستستمر في تكييفها طبقاً لحالات جديدة، ومن المحتمل خلال ربع قرن أن تتجاوز الفكرة التي تحتويها الكلمة مدلولاتها الحالية، فتظهر في شكل جديد تماماً. إذ يبدل من حالها التطور، محدث كل تغيير. وستحمل الكلمة خلال تطورها قدراً أكثر من المدلولات الأخلاقية والأدبية، إذ إنها من الناحية السياسية قد أثرت بألوان جديدة تدل على حيويتها، كما تدل على حيوية الغصن براعمُه التي تنجم في الربيع.

стр. 190

ففي نيودلهي وبكين تغنى أصحاب المبادئ الخمسة بفكرة (التعايش الإيجابي) ومنذ عودة بولجانين وخروتشيف من رحلتهما فى آسيا، تحدث العالم عن فكرة (التعايش في ظل المنافسة Co existence compétitive) ، وهكذا ينمو الموضوع في جميع الاتجاهات، وفي سائر الميادين، وإذا بالتعايش قد أصبح بنداً جوهرياً في اثني عشر اتفاقاً دولياً، تعين على الخريطة بقاعاً تتجه إلى الاندماج في (منطقة سلام). فجميع بوادر النمو تدل على أن هدنة جنيف، أو فكرة التعايش المقصودة في هذا الباب هي شيء ينبغي أن تتجاوز مرحلته، وليست هذه البوادر هي الدلائل الوحيدة التي يجب أن نحسب حسابها في ميزان الحالة الدولية، وإلا وقعنا في العيب الشائع الذي يتصل بجذور أزمة القرن العشرين، أعني: النظر إلى جميع المشكلات الإنسانية من زاوية أوروبية. فتجاه الحالة على محور واشنطن - موسكو يجب أن نأخذ في اعتبارنا الحالة على محور طنجة - جاكرتا، فباندونج وجنيف متكاملان في الاطراد العالمي، فإذا انفصلا، فربما لا تحل كلتاهما بمفردها المشكلة العالمية، فالتعايش السياسي على محور (القوة) يسيطر بلا شك على الحالة العالمية بسبب ما لديه من عناصر النظام الصناعي، وعوامل القوة، والإمكانيات المادية التي تدخل في الحساب. ولكن إعطاء الأسبقية لحل جزئي لا يخوله أن يعالج كل شيء. فبالأحرى لا يمكن لحلّ يضعه مؤتمر باندونج منفرداً أن يقطع برأي في الحالة العالمية. فكل محاولة لإرجاع هذه الحالة إلى حل جزئي لن تكون سوى محاولة خائبة، ورجعية. ونوشك في حالة كهذه أن نبعث الازدواج الجغرافي السياسي من قبره، وهو الذي يتمثل في الاستعمار والقابلية للاستعمار مثلما كان سائداً في العهد الذي كتب فيه جوليس فيرن ( Jules Verne) قصته المشهورة (ميشيل استروجوف (١) Michel Strogoff) ، ونوشك في حالة أخرى أن نشهد على محور

стр. 191

طنجة - جاكرتا حدوث محاولة لمواجهة حل من حلول القوة بحل آخر مستوحى من القوة، وربما من الضعف والاستسلام. فهناك دائماً وحدة في المشكلة الإنسانية تنبثق عن المصير المشترك، وهي من حيث كونها مجرد مفهوم ميتافيزيقي متفاوت في درجة وضوحه- كانت تجعل المؤرخ الذي يتجاهل هذا التصور للأشياء أو يعارضه في موقف يمكنه ويحق له فيه أن يجهلها. ولكنها قد أصبحت واقعاً مادياً، فوحدة التاريخ تتأكد في القرن العشرين بطريقة لا تدع مجالاً للفكرة الكلاسيكية المألوفة، فكرة (الوحدات التاريخية) المستقلة، حيث تفهم كل وحدة في حدودها، فلقد دخلت الإنسانية مرحلة لم يعد ممكناً فيها تحديد (مجال الدراسة) الخاص على طريقة جون توينبي ( J. Toynbee) ولعله للمرة الأولى ينبغي على التاريخ أن يضع مشكلته منهجياً في المصطلحات الميتافيزيقية. فالفكر الديني الذي أبعده التطور الديكارتي، وجهود الباحثين والعلماء عن نظريات التاريخ قد عاد إليها بطرق عقلية حتى لو عبرنا في مصطلحاته عن المشكلة الأساسية التي تتصور طبقاً لها جميع المشكلات الأخرى لعبرنا عنها بمشكلة خلاص الجنس البشري، وتلك هي المرة الأولى التي تواجه فيها المشكلة مواجهة كلية، ولقد كان اعتناق تشرشل لفكرة التعايش حدثاً يسجل هذه القضية في صحوة هذا الضمير. ولكن المشكلة تتضح على حقيقتها أكثر من ذلك في تفكير الرجل المتدين الذي يرى أن توقع التاريخ يصب دائماً في الأبدية، لأن ضميره يضيء المشكلة من داخلها. وفي طليعة التفكير المسيحي يعتبر (عمانوئيل مونييه Emmanuel Mounier) هو الذي أوضح المشكلة بهذه الطريقة، إذ هو يرى (وحدة تاريخية) يأخذ كل حدث فيها مكانه بالنظر إلى الخلاص المشترك، وإلى تنفيذ إرادة الله في الملك، ففي تفكير التدين الذي يرى أن (الإنسان صورة من خالقه) يوجد تناسب بين العنصر الإنساني والعنصر الإلهي، في مستوى معين، والحقيقة الميتافيزيقية بالنسبة إلى تفكير كهذا تسمو، ولكنها لا تنفي الحقيقة الزمنية. فعند مونييه ( Mounier)

стр. 192

يجب أن تحل مشكلة (الخلاص المشترك) فيما يتصل بالإنسان باستكمال سيطرة الإنسانية. وهذا الحل الزمني يكمن في حتمية التاريخ إذ لا يقابل الخلاص إلا الفناء والعدم، وإذن فسيحقق التاريخ هذا الحل، ولكنا لو تساءلنا عن الطريقة التي سيمكنه بها أن يحققه، فسنجد أمامنا ثلاثة حلول مترابطة في الذهن: الحل الذي يصدر عن منطق الإنسان، والحل الذي يصدر عن سياسة الحكومات، والحل الذي يصدر عن حتمية التاريخ التي هي في نهاية الأمر العامل الذي يحدده ويفرضه. والواقع أنه إذا كان للمنطق وللسياسة أن يزيفا الحل أو ينحرفا عنه، فإن التاريخ معصوم لا يخطئ ... والمشكلة هي أن نعرف ما إذا كان لهذه الحلول الثلاثة أن تلتقي في هذه اللحظة، وأن نلاحظ بقدر الإمكان نقط الاختلاف التي قد تسجل ضمناً تخلف الضمير عن التاريخ. فهل لدى الإنسانية منطق خلاصها؟ وسياسة خلاصها أيضاً؟ .. وهل في تيار تاريخها الحالي عناصر خلاصها؟ إن المنطق إنساني ليس فقط ديكارتياً، عقلياً، متصل الحلقات، مصنوعاً، هو ليس فقط منطقاً اجتهادياً، يقوم على قضايا منطقية، منتقلاً من مقدمة إلى نتيجة، كما ينتقل عمل النساج من خيط إلى خيط. فإن له أيضاً صورته المفاجئة التي تكمن في إلهام الشاعر، وفي خط النور الصادر عن العبقري، وفي الوحي المفاجئ لإنسان يخترق بنظرة واحدة حجب الأسرار، وفي مشاهدة النبي الذي يقرأ التاريخ قبل وقوعه. وقبل أن تصبح قراءته أمراً يقدر عليه القانون. ولقد كان للقرن العشرين رجال وجهوا ضميره وأرشدوه، وشهود كبار على مأساته، وإن إلهام هؤلاء الرجال لهو الذي يطابق المنطق الإنساني في أتم أشكاله، وفي أسمى صوره.

стр. 193

ولقد كانت لحظة مغمة من لحظات المأساة، تلك التي اندفعت فيها قوى هتلر لغزو أوروبا، واندفعت فيها الجيوش اليابانية لغزو (آسيا الكبرى). أي تلك اللحظة التي تدفقت فيها أضخم موجة (لإرادة القوة) على العالم، ففي هذا المنعطف المظلم من التاريخ أرسل غاندي من مقر قيادته في عام (١٩٤١م) نداءه المشهور إلى اليابانيين جميعاً مندداً فيه بقسوة- نعرف معناها عنده- بالجنون الامبراطوري للمعتدين، فقد كان يرى في هذا الجنون أخطر تحد للمصير الإنساني. ولقد كان غاندي يرى في الأحداث المؤلمة التي قذفت بهذا التحدي وفي الظروف المحزنة التي تحوطه نذيراً للضمير الإنساني لكي يواجه مشكلة خلاصه. ولقد واجهها بنفسه حين توجه إلى اليابانيين قائلاً: ((لقد استسلمتم لطموحكم إلى السيطرة، ولكنكم لن تتوصلوا إلى تحقيق هذا الطموح، وربما صرتم مسؤولين عن تجزئة آسيا، فتجعلون من المستحيل- من حيث لا تدرون - أن يحدث الاتحاد العالمي، وأن تتم بين الدول أخوة من غيرها لا يمكن أن يكون للإنسانية أمل)). وبعد انتصاراتها الصاعقة تخلت اليابان فعلاً عن جميع فتوحاتها، وبذلك لم يخطئ غاندي فيما قدره لقوة اليابان. ولكن مأساة إمبراطورية الميكادو لم تكن هي التي تهم في نظره، فإن الذي كان يهمه- ويهمنا الآن- إنما هو المأساة الإنسانية، فلقد شعر بها في تلك اللحظات المحزنة، ولم يكن يرى أملاً للإنسانية وراء (الاتحاد العالمي). فالمشكلة كانت إذن بالنسبة إلى ذلك الضمير السامي هي مشكلة (الخلاص المشترك)، وهكذا واجهها غاندي، وصاغ لها حلاً في النفثة من الإلهام نفسها. فهل كان هذا هو الحل المنشود ولم يكن مجرد مسكِّن أو ملطف أو وسيلة عاجلة لاجتياز بعض الصعوبات المؤقتة، ولحل بعض المشكلات الصغيرة، ولمواجهة واقع خاص ناتج عن الأزمة في حياة شعب أو أمة؟ وهل كان حقيقة

стр. 194

لحل المشكلة الإنسانية كاملة، في عمومها؟ أي هل كان حل الأزمة الأصيلة التي ما فتئت تتجدد منذ خمسين عاماً في جميع الأزمات العابرة؟ لقد كان المهاتما يدرك تماماً أن حله قد يذهل، بما أنه يقوم على غير أساس القوانين السياسية التقليدية، ولأنه كان يتخطى الحدود المعتادة للقوميات والعنصريات، والعصبيات الدينية. ولا شك أنه قد أبدى لهذا السبب- وبلمسة خفيفة- مخاوفه من أن يرى منطق الواقع العاجل يطغى مؤقتاً على منطق التاريخ. فهو يخشى، في ساعة ندائه، أن تعمي المطامح الإمبراطورية والانتصارات المؤقتة الشعب الياباني فتعرض (الاتحاد العالمي) - حسب تعبيره- للخطر من حيث لا يدري. والاتحاد العالمي كان يبدو في نظره أنه الحل الذي ينطبق على طبيعة المشكلة، وعلى اتجاه التطور التاريخي، وأتى فعلاً هذا التطور يمده أكثر فأكثر بما يدعم وجهة نظره، فآراء غاندي بدأت تدخل ضمن توقعات التاريخ، والحل الذي أدركه منطقه الملهم بدأ يتفق مع الحل الذي ينبعث من الوقائع ذاتها. إن طرق التاريخ تمر بعقل الإنسان، وفكرة (الاتحاد العالمي) تحوم في العقول. ولقد وقف عباقرة هذا القرن- من تلقاء أنفسهم- معبرين عن هذه الفكرة، كما فعل غاندي في ندائه: ((إلى جميع اليابانيين))، ولقد أيدت الأحداث نظريتهم، ولا شك في أنه لم يكن مجرد صدفة أن تتكون (حركة عالمية من أجل اتحاد عالمي)، وليس من باب الترف العقلي أن يقدم أشهر ممثلي الفكر المعاصر ضمانهم الأخلاقي والعقلي للفكرة المذكورة فقد انعقد من أجل تحقيقها مؤتمر دولي في باريس في أغسطس (١٩٥٥م). وأتت الشهادات القيمة لتنزهها عن أن تكون محض خيال، أو ما يشبه ما يصدر عن شباب الجامعات من النوادر، بحيث أبرزت اتجاهها التاريخي ومن بين هذه الشهادات تلك التي أداها (برتراند راسل Bertrand Russel) وهي شهادة محددة ثمينة.

стр. 195

فلقد تكلم الفيلسوف الانجليزي في الواقع عن ضرورة قيام حكومة عالمية ( Gouvernement Mondial) باعتبارها وسيلة نهائية لحل المأساة الإنسانية، وفي حديث خاص تفضل به إثر المؤتمر قرر أن حدوثها مسجل في التطور الحالي، وأنها تعدّ الحل الطبيعي للأزمة التي يتخبط فيها العالم. فالفكرة- كما نرى- دخلت التاريخ تحت الإشراف السامي للفيلسوف والرجل المتدين، وكسبت حق الإمامة في الضمير وفي الذكاء الإنسانيين. إنها تتمثل في مقياس العصر، وفي ضروراته المعترف بها، وفي اتجاهه ونحن-نجدها أيضاً حتى في حلم عالم الطبيعة (روبرت أوبنهايمر Robert Oppenheimer) وفي فكرته المسيطرة عليه، حين ينظر، إلى الأشياء نظرة العالم وأستاذ الجمال معاً، فهو يرى أن مستقبل الإنسانية آيل إلى (الفوضى العالمية)، تلك التي يخشى عواقبها المبددة العبقرية الإنسانية، ولكن هذه المخاوف الصادرة عن أستاذ الجمال لا تهمنا، فهي مستوحاة من توقع خطر جديد يصدر عن برج بابل الوهمي الذي في نفس أستاذ الجمال؛ إنما يهمنا نظرة العالم، الذي يرى أن عهد العالمية قد حان مع العهد الذري، أي مع نتائج النمو الصناعي، ومع الفتوحات العلمية، التي أتاحت لطاقة الإنسان أن تسيطر سيطرة تامة على الكرة الأرضية. أما فيما يتصل بخطر التبديد الذي يهابه، فربما كان هذا الخطر صورياً أكثر منه واقعياً. أو ليس لآثار التشتت الذي تفرضه الوقائع المادية على حياة الإنسان نظير هو الأثر المضاد الذي يتمثل في عملية استبطان يقوم بها الإنسان للدفاع عن كليته ضد ما يهددها بالتبديد من الخارج، هذا الميدان خاص بعلماء النفس. وعلى أية حال، فإن رجل الساتياجراها، والفيلسوف وعالم الطبيعة قد وقفوا منذ ذلك الحين أمام واقع هو: (العالمية Le mondialisme)، وليست هذه فكرة، أو مجرد رغبة، أو خيالاً، أو مبدأ أخلاقياً، بل إنها تصريح لعصرنا، وغاية محتومة لتطورنا الراهن، وضرورة تفرضها الظروف الصناعية، والنفسية التي بلغها العالم.

стр. 196

وليس من شك في أن هذه الضرورة هي التي توحي إلى جون توينبي ( J. Toynbee) بنظرية عن النظام التعاوني في الحكومة العالمية، وفي هذا النظام يرى المؤرخ الإنجليزي الكبير أنه الطريق الوحيد للخروج من الأزمة الراهنة، والوسيلة الوحيدة أمام الإنسانية للخلاص من دكتاتورية عالمية يسميها (دولة عالمية Etat Universel تفرضها القوة)، وهي التي ستكون في نظره النتيجة المحتومة للنزاع العالمي الثالث. إن الدورة الجهنمية التي تكاد تنتهي دائماً بحرب جديدة، والتي أصبحت مع نمو القوة غير المألوف لا تتفق مع بقاء الجنس البشري نفسه؛ هذه الدورة لا يمكن أن تمحى إلا بنظام عالمي صالح لإزالة أوجه التعارض الانفجاري في العلاقات الدولية، فمشكلة الحرب كما فسرها كلوزوفيتز ( Clausewitz) هي كل مشكلة هذا التعارض الانفجاري، أي التعارض الذي لا يمكن أن يزول بالوسائل السياسية، ولا يمكن أن ينحل بدورة تطورية، فصورة الظاهرة تتحدد تقريباً بما يطلقون عليه في مصطلحات الكهرباء (تيار الانفصال Courant de rupture)، إذ تنطلق الشرارة عندما يحدث قطع وانفصال مفاجئ في الجهاز الموصل، أي في الواقع عندما يحدث تغير في مادة هذا الجهاز، ويمكن نقل هذه الظاهرة نفسها إلى الوسط الإنساني فإن التعارض يصبح فيه انفجارياً إذا ما حدث انفصال فكري وعنصري، فإذا بشرارة القطع تنطلق في منطقة الجرح على حدود فكرة أو جنس، فهي إذن الحرب والعنصرية والاستعمار، أي جميع صور التعارض العنيفة. ومن الوجهة الظاهرية نرى هكذا أن مشكلة السلام والحرب في العالم هي مشكلة التكوينات العالمية، والشرارات التي تنطلق إنما تدل على أن العالم ليس متجانساً، وهي تبرهن أيضاً على أن من الواجب تحقيق تجانسه- وبعد الحربين العالميتين على الأخص- لتحاشي انطلاق شرارة الحرب الثالثة التي تهدد بقاءه نفسه، وهذه الاعتبارات ترد مشكلة الحضارة إلى المستوى العالمي، إذ تضعها في هذا المستوى. وهنا تواجهنا مرة أخرى قضية (الكومة) المتنوعة الأجزاء، و (الكل) المتوازن المتجانس.

стр. 197

وإذا دلت هذه الاعتبارات على وجوب تنظيم العالم من الناحية السياسية طبقاً لخطة (حكومة عالمية) فمن الناحية الاجتماعية تدل على وجوب تحقيق هذا الوضع في صورة (حضارة) عالمية وبهذا الشرط المزدوج يتحقق الحل الحاسم لمشكلة (الخلاص المشترك). فأفكار شهود العصر الكبار تتلاقى إذن مع الضرورات الداخلية لتطوره، ولقد دخلت الإنسانية في عهد العالمية تحت وخز ضرورات هذا التطور، وبفضل الدفع الروحي الذي حظي به العالم على يد رواده الكبار. وبذلك تأيد المنطق العميق الذي قال به عباقرة العالم، بمنطق الواقع الغلاب، إذ ربما يصبح العقل الإنساني عديم القيمة إذا لم يتوافق مع اطراد الأحداث التي تطبع إرادة الله على صفحات التاريخ، كما يكون آثماً من يحاول تحريف مجرى التاريخ كأنما هو يعارض إرادة الله. ولا شك في أننا نهز أكتافنا في كبرياء حين تتمثل هذه الإرادة في هيئة نموذج طريف مثل (المواطن العالمي) (١). أما الذين يزدرون الفكرة أولئك المتأصلون في نزعات الأنانية المستعصية، وفي أسطورة الأجناس المختارة، أو الشعوب المختارة فإنهم يجدون في هذه النماذج الطريفة أدلة ضد ما يطلقون عليه (الأسطورة العالمية)، إن الازدراء يقيهم من التفكير، ومع ذلك فهو لا يمنع التاريخ من التقدم دون تراجع. والعالمية في مجراها ليست أطروفة من مفاجآت التاريخ، وليست اتجاهاً عقلياً أو سياسياً، وإنما هي ظاهرة القرن العشرين، وهي في واقعها المادي نتاج رائع لمقدرة الإنسان، وللمستوى الجديد الذي رفعت إليه هذه المقدرة ألوان نشاطه حتى أصبحت العالمية غريزة القرن العشرين، ومعناه. هذا هو الواقع الذي أوحى إلى (مونييه) أستاذ الوجودية المسيحية بالاعتقاد في وحدة التاريخ حين أدركه في الإطار الميتافيزيقي الذي وضع فيه مشكلات الإنسان، والوجودية السارترية

стр. 198

نفسها، تلك التي تنعدم لديها الأرضية الميتافيزيقية، تدرك هذا الواقع تماماً وتدرك فيه مدى الضرورة، لأن يتجاوز حدود نفسه كي يبلغ (ضميره الجماعي) في أعماقه. وعموماً يعتبر هذا هو القياس الذي تتيح لنا أن نصدر على السياسة أحكاماً مطلقة، كما نصدرها على مدى تأثير الاتجاهات العقلية تبعاً لاتفاقها أو تضادها مع مجرى التاريخ، وهذا أيضاً هو القياس الذي يسمح لنا خاصة بأن نختصر بعض طرق التاريخ كي نحررها من بعض (أوزار الماضي) التي تمثل منذ ذلك الحين جزءاً متقادماً من التجربة الإنسانية، وهي التجربة التي لا يمكن أن تتكرر بالصورة نفسها دائماً مع تغير الظروف تغيراً كلياً. وتلك هي الضرورة التي تحتم اجتياز بعض المراحل التي لا معنى لها سوى أنها تذكار تاريخي. والواقع أنه إذا كانت العالمية قد انطلقت فجأة في منتصف القرن العشرين، فليس معنى هذا أنها لا تستمد بعض عناصرها الفكرية والاجتماعية من أصول بعيدة فإنها اتبعت فعلاً تطور النشاط الإنساني. اتبعته كتيار في باطن التاريخ، يتفجر في المكان الذي يصل فيه هذا النشاط إلى المستوى العالمي. ولقد تفجرت هنا وهناك تلقائياً، في ميادين كثيرة تجاوز فيها النشاط نطاقه المحلي- الخاص أو القومي- فوصل إلى مستوى يعم فيه سطح الكرة الأرضية، فإذا بالعالمية تظهر بفعل امتدادها الذاتي، وهناك أنواع من النشاط كثيرة وصلت إلى هذا المستوى بسبب توسعها منذ قرن من الزمان، فهي مرتبطة بجهاز توزيع عالمي ( Standard) ينسقها، والنشاط النموذجي الذي اتبع هذا التطور هو الاتصال بين الناس لشؤونهم الخاصة. فلقد كان نقل البريد أمراً معروفاً في القديم، حيث كان منظماً لخدمة الدول والأمراء، ولكن تنظيمه الحديث إنما يرجع في أرروبا إلى عصر هنري الثالث،

стр. 199

الذي أوجد في عام (١٥٧٦م) نظام (السعاة الملكيين) الذين كانوا يحملون بريد الملك. ولكنهم كانوا يأخذون أحياناً (طرود الأفراد)، فلدينا إذن بُعد نقيس منه امتداد نشاط معين بدأ من إطاره الخاص، وهو ما يهمنا ملاحظته، يتجاوز النطاق المحلي منذ قرون، وطبيعي أنه كلما مد الفرد نشاطه، أبعد بريده في الشوط، وتزايد أيضاً حجمه أو كمه. ولقد يسرت هذا عوامل هذا النمو للإنسان- بصورة ما- (حضوراً) أو سياحة هائلة في العالم، بحيث أصبح شعاع هذا (الحضور) المتزايد مقياساً للتقدم الصناعي، أي لمقدرة الإنسان في مجالي تاريخه: مجال المكان ومجال الزمان. ولقد تجاوز هذا الحضور أولاً الحقل المحلي في القرية، ثم المدينة ثم وصل بعد ذلك إلى المستوى القومي، ثم امتد شعاعه مع النمو الصناعي، فأصبح دولياً، وأخيراً عبر جميع الحدود فأصبح عالمياً. ولا شك في أن تطور الوظيفة قد فرض تطوراً على الأداة، فتطور التنظيم في الاتجاه نفسه، فإن مراكز البريد في أوروبا قد صارت شيئاً فشيئاً هيئات وطنية ذات شأن، تخضع لرقابة الدول، ثم إنها بفضل عوامل التوسع نفسها قد ارتبطت أخير اً بجهاز توزيع عالمي ( Standard) تكوّن عام (١٨٧٥م) باسم (اتحاد البريد العالمي) وهو يؤمن سياحة الإنسان (العالمية). والاتجاه إلى الارتباط بجهاز عالمي ليس قاصراً على ميدان المواصلات، إلا أن جهاز البريد يعدّ بقدر ما تلخيصاً أو مقياساً للنشاط الإنساني، فهيئة الأمم المتحدة نفسها تعد في ميدانها جهازاً عالمياً ( Standard) ترتبط به السياسات القومية المدفوعة دائماً وبالعوامل نفسها إلى اجتياز الحدود القومية. والإنسان الآن- أكثر من ذي قبل- يرى نفسه في مستوى عالمي، وهو يفكر ويعمل في هذا المستوى في جميع الميادين، تلقائياً وطبيعياً. ولقد حتمت رسالته الثقافية بدورها- تماماً كرسالته المصلحية البسيطة- وجود (جهاز

стр. 200

عالمي)، وهو جهاز اليونسكو ( U.N.E.S.C.O) حيث تتلاحم شبكة الثقافة الإنسانية، فهو بمثابة قلب ذي نبضات عالمية تنقل في جميع الاتجاهات عناصر الحياة الضرورية لنمو الحضارة، كما ينقل القلب العضوي العناصر الضرورية للحياة البيولوجية ولنموها. واليونسكو تؤدي- في الواقع- هذا الدور، وهي تضيف إلى القيم الثقافية الخالصة مغزى عملياً في المقدرة التأثيرية، في صورة تنظيم عالمي للثقافة. وربما لا يستطيع هذا (القلب) الآن أن يوصل (دم الثقافة) المحيي إلى بعض الأجزاء المحرومه في العالم، ولكن تنظيم الحياة الثقافية كسائر أنواع النشاط الإنساني يتبع تطوراً مستمراً يتجه أيضاً وجهة عالمية. ولقد مر الجهاز الثقافي بمرحلة (الصالون الأدبي) ثم بمرحلة الأكاديمية الإقليمية التي كانت في فرنسا قبل النهضة وإبانها، تم بمرحلة الأكاديمية القومية، وأخيراً بجهاز عالمي هو جهاز اليونسكو، وإن هذا التطور ليطبع بطابعه جميع ميادين الثقافة، وجميع أشكالها المادية، فتنظيم المؤتمرات العلمية، حيث يبسط العلماء من أقطار الأرض آراءهم، يخضع لهذا التنظيم الذي يشمل- بلا جدال - جميع نواحي التطور في القرن العشرين. وتوحيد المعرفة هكذا وتنظيم المنتجات الصناعية أمارة على الزمن الجديد الذي ترتبط به الإنسانية الآن. والسنة الجغرافية الطبيعية (١٩٥٧ - ١٩٥٨م) تلك التي تجري ترتيباتها الآن في العالم كله تسجل بكل تأكيد لحظة باهرة في التاريخ الإنساني، وهي لحظة يتكون فيها العمل العلمي ويبدأ في مستوى عالمي. ولقد تخلقت هذه الفكرة في ذهن العالم الطبيعى جوس ( Gauss) الذي فكر في تعاون علمي لتحديد المجال المغناطيسي للأرض من (١٨٣٦ إلى ١٨٤١م) ولقد خطت هذه الفكرة طريقها في العالم كما نرى، إذ بعد ذلك بقليل وجدت السنة القطبية الدولية (١٨٨٣ - ١٨٨٣م) وهي التي سجلت مرحلة في مضي هذه الفكرة نحو غاياتها (العالمية)،

стр. 201

التي قد تتوافق مع السنة الجغرافية الطبيعية الحالية. والحق أنه للمرة الأولى سيعمل العلماء من سبع وثلاثين أمة في مجموعات، طبقاً لبرنامج علمي مشترك، وخاضعين لتوقيت موحد وأن التاريخ يلقي هكذا من آن لآخر على مسرح (العالمية) ضوءاً طبيعياً ... وفي ضوء هذا النهار الوليد يقوم الإنسان بدوره (العالمي) في جميع أشكاله ... فمكتب العمل الدولي الذي يعمل في جنيف يعد طبعاً نظيراً لاتحاد البريد العالمي الذي تعمل إدارته في برن. وحتى (الجمعية الوطنية للمحاربين القدماء) قد اتجهت منذ حين إلى أن ترتبط بجهاز، أي باتحاد عالمي للمحاربين القدماء، بينما يقوم في زيورخ ( Zurich) تنظيم عالمي للتسلح الخلقي. وهكذا كلما تجاوزت مقدرة الإنسان المستويات المحلية، فإن نشاطه يعبر الحدود القومية، ليتلاقى ويتعاقد ويترابط في (أجهزة) تنسج شبكة (العالمية) التي تنبسط تدريجياً على العالم (١). وفكرة التعايش نفسها ترجمة عن الظاهرة في المجال السياسي والأخلاقي إذ إن الإنسان حين انتصر على الزمان وعلى المكان فإنه قد هدم الخطط الاستراتيجية بتصغيره لحجم العالم، فالطائرة التي كانت تذهب من كوبنهاجن إلى لوس أنجليس ( Los Angeles) عن طريق الأطلنطي، يمكنها الآن أن تأخذ طريق القطب الشمالي. والطائرات القطبية التي تلتقي فوق جرينلند قد قصرت هكذا المسافات، ووفرت الساعات، فهذا التصغير للعالم يقلب جميع الخطط الاستراتيجية .. والتعايش السياسي نتيجة هذا الانقلاب. وهذا التصغير للمكان يعدُّ كأنه (تكبير) للإنسان، وامتداد ورحابة في نطاقه الشخصي (٢) إذ في هذا المستوى يصبح العالم وطنه، وميدانه المحدود، و (مجاله الحيوي) العادي.

стр. 202

وهكذا تدخل العالمية في نفسيته، فنجدها في أعمال ذلك المتحمس الطيب القلب (المواطن العالمي)، وأيضاً في أعمال الرجل ذي الهالة الصوفية جورجيو لابيرا ( Giorgio Pira) - العمدة المسيحي المتأمل، تائر فلورنسا- الذي يأخذ عصا السائح لينشر في أنحاء العالم رسالته العالمية في صورة ميثاق (للصداقة والاتحاد) بحيث يشرك في إمضائه عمد جميع العواصم. وهكذا تصبح العالمية في منطق الناس، وفي منطق الواقع السائد، وهي تخص شيئاً فشيئاً غريزة الاجتماع في القرن العشرين، ونفسية هذا القرن أيضاً، وإنما يتسنى هذا الحل العالمي تلقائياً للفكر الذي يواجه مشكلات الساعة، في مختلف الميادين فأمام مأساة البؤس؛ وأمام المشكلة السكانية في إيطاليا قدر مفكر إيطالي اشترك في تحقيق عن هذا الموضوع، حيث قامت به مجلة الفكر ( Esprit) عدد (سبتمبر- أكثربر ١٩٥٥م) ((أن الحل يصدر عن تعاون يتجاوز القومية Solidarité supranationale)) مقرراً أن الأمر يتعلق في عقله بأشياء مادية أكثر من مجرد التعاون (الشكلي وغير الحي)، أي بتعاون منظم لا طبقاً لرغبات الخيال والوهم، بل طبقاً لمقتضيات الحال. فبذور هذا الحل الذي سينهي الأزمة العالمية توجد إذن في الواقع وفي الأفكار، والتاريخ في طريقه إلى أن يؤتيها هكذا حلها عن جميع طرق التفكير. والآن نسأل أنفسنا: أي (سلوك) منهجي طبقه هؤلاء الرجال الذين أمسكوا بأيديهم مسؤولية قيادة الشعوب والأمم، على هذا التطور كيما يعجلوا بحركته. هل هم قد طبقوا في العالم سياسة الخلاص؟ إن صعوبات هذا الطريق ذات طابع ثقافي وسياسي في آن واحد، ونادر أولئك الأساتذة من رجال الفكر المعاصرين الذين يشجعون على فهم التاريخ (في عمومه ووحدته) فإن الجهد الكبير من أجل التركيب الذي قام به جون توينبي في عصرنا لا يتفق مع الاتجاه التربوي، فإن العلماء لا يريدون أن يعرضوا أنفسهم لمخاطر (توجيه) التاريخ، فهم يكتبونه بقراءة ماضيه، ويمنعون أنفسهم من القراءة في مستقبله، ومن أن يبحثوا فيه عن اتجاه، وليس من السهل طبعاً أن نقرأه مسبقاً، بسبب ما غيبه الله عنا من إرادته وأوامره؛ ولكن توجد أحياناً بين

стр. 203

السطور السرية أضواء كاشفة عن اتجاه التاريخ، تلك الأضواء التي كان عمانويل مونييه يحب أن يرى فيها مظاهر (تحديه)، وليس من الممكن أن تدرك النظرة بين السطور قصة مفصلة، وإنما تدرك مثلاً دلائل توجيه عام، يمكن لأي سياسة أن تحدد اتجاهها بالنسبة إليه. هذه الدلائل موجودة فعلاً كما رأينا، وهي تخط خطاً للتطور (العالمي) يمكنه أن يحدد للسياسة اتجاهها، والأمم المتحدة خطوة هامة في هذا السبيل، ومع ذلك فإن للسياسة الحالية خموداً، وثقلاً من (أثقال الماضي)، يمنعها من أن تتكيف للتعجيل بسير التاريخ. والواقع أن المشكلة بلغة السياسة تنبع عن تطورين، إذ لا يمكن تحقيق (مجتمع عالمي متعايش) - كما أراد جمال عبد الناصر في كلمته الافتتاحية في باندونج- دون إزالة الاستعمار والقابلية للاستعمار على محور طنجة - جاكرتا، ودون إزالة الرأسمالية والشيوعية على محور واشنطن- موسكو. وإن إزالة هذا التناقض المزدوج لهي التي تؤتينا الحل السياسي للمشكلة العالمية، وفي ظل هذا التوقع يتكامل باندونج وجنيف، ويأخذان كل مغزاهما التاريخي. أما من الناحية العملية فإن المشكلة- كما نراها- توضع بطريق الأولوية على محور واشنطن - موسكو الذي يعد، مما لديه من طاقة الحرب المتكدسة أخطر منطقة في العالم الحالي، فهل لدى هذا المحور استعداد لتطور سلمي؟ وهل من الممكن أن نرى المقاييس تتقارب على جانبي ما يسمى (بالستار الحديدي)؟. فإن وجد هذا الاستعداد فمن الواجب أن يظهر- دون شك- في صورة اتجاه تدل عليه بصور متفاوتة دلائل تقارب فعلي، إرادي، أو لا إرادي، أو حتى ضد إرادة المتخاصمين. وهناك واقع مؤكد، نأخذه كنقطة بدء في التاريخ هو: أن روسيا قد فقدت اتصالها بالمجتمع البورجوازي الغربي منذ ثورة أكتوبر (١٩١٧ م) فمنذ ذلك الحين لم يعد ذلك الاتصال إلا تبعاً للصدفة المحضة، خلال الحرب العالمية الثانية،

стр. 204

في صورة (صلات دبلوماسية) تفرضها حالة القوة القاهرة، فضرورات الحرب ونتائجها هي التي فرضت هذا الاتصال، ولا سيما في (يالتا) و (بوتسدام) وقد دلت الأحداث التالية على أن هذا الاتصال كان مؤقتاً، فإن التضاد الشيوعي- الرأسمالي الذي خدره الشعور بالخطر المشترك قد عاد إلى الظهور عقب هزيمة الجيوش الهتلرية مباشرة، وقد حركته الصرامة المذهبية من ناحية، والعوائد البورجوازية من ناحية أخرى. ولكن الخصمين بتسابقهما في مضمار القوة قد خلقا فعلاً (خطراً مشتركاً) جديداً، قد يهدئ مرة أخرى من خلافهما ويعيد الاتصال الضروري فيما بينهما، كما فعل الخطر الهتلري فيما سبق. ولو أننا قومنا الأشياء بلغة القوة فسنجد أن جنيف هي نتيجة هذا التسابق الذي تدفق منه الخطر المشترك الجديد: الخطر الذري. وفي خلال ذلك هنالك عوامل أخرى تؤثر من الجانبين في هذا الاتجاه، اتجاه التقارب. فلقد ألقت مصيبة الحرب العالمية الثانية بذوره في مختلف الميادين، على طول محور واشنطن - موسكو فهيجت هنالك شكوكاً. وأنعشت هنا يقيناً وأملاً، وهي بتبيانها لكلا المتخاصمين أنه لا يملك القوة الكاملة وحده، وأن (الحقيقة) ليست ملكاً خاصاً به، قد أوضحت له معنى (حقيقة الآخرين). والواقع أن التبادل اللاإردي للقيم لم ينقطع مطلقاً منذ انفصال عام (١٩١٧م)، ومع ذلك فإن الحرب قد عجلت به حين أكدت بصورة محزنة أحياناً وجود بعض الحقائق الإنسانية. ويمكن في الإطار الديني أن نذكر أدلة أكثر إفصاحاً، إذ إن الثورة الروسية كانت قد أوجدت فصلاً عميقاً جداً هو: الفصل الروحي، ونحن لا نستطيع دون شك أن نتحدث عن شيء يعد إعادة الاتصال الكامل في هذا الميدان، ولكن لا يمكن أن نجهل الواقع، وهو أن الحياة الدينية قد عرفت نوعاً من البعث إبان الحرب الأخيرة. ولا يمكن أن نجهل أيضاً أن القادة السوفييت أنفسهم قد زكوا هذا البعث، لا بروح دينية حقة، وإنما

стр. 205

بحكم الواقع حين أباحوا للمرة الأولى منذ الثورة جزءاً من الواقع الديني في حياة الشعب، فستالين نفسه قد مد يده للدين، كأنما يمدها إلى عصا النقذ، ولم يكن هذا بكل تأكيد لإنقاذ روحه اللادينية، بل لكي يهب الشعب نفسه الروسي التنفس الذي كان في مسيس الحاجة إليه كيما يقاوم العدوان الهتلري، وما كان لنا أن ننسى أن الحرب قد حركت في روسيا الواقع الديني، واليقين الذي ينبع منه. وأياً ما كان السهم الذي تستأثر به السياسة خلال الحرب، فمن اللازم أن نلاحظ أن هذه الحرب قد أعادت التيار الروحي على محور واشنطن - موسكو، وكانت زيارة أسقف كانتربري لموسكو خلال سنوات الحرب تعدّ بلا جدال من دلائل هذا التقارب على المحور. ولا شك في أن مما له دلالة كبرى على التطور الروحي في الاتحاد السوفييتي أن ينشر (للمرة الأولى منذ الثورة) طبعة جديدة للكتاب المقدس، حيث كانت الطبعة الأخيرة عام (١٩١٦م). ونستطيع- إذا أردنا- أن نفسر بعث الحياة الدينية في الاتحاد السوفييتي باعتباره نتيجة للنشاط الروحي الذي لم يكف الغرب عن مباشرته، للتأتير على التطور السوفييتي في هذا الميدان. ولكن في الوقت نفسه يجب أن نأخذ في اعتبارنا رد الفعل السوفييتي وتأثيره على تطور الغرب في الميدان الاجتماعي، وحتى في الميدان الأخلاقي، فمما لا جدال فيه أن الفكر الشيوعي قد لعب دورًا هاماً خلال السنوات الأخيرة، حين بعث إلى الضمير المسيحي بمجموعة من الاشارات والاستفزازات كان من نتائجها إحداث تلك التجربة الرائعة للعمال - الرهبان ( Prêtres-Ouvriers) وربما كان لهذا الاستفزاز أثره، وأثره المضاد على المسيحي، إذ رأت الكنيسة أن من الضروري أن تحدد لهذه التجربة مدتها، وأساسها النظري، وبالتالي أهميتها الاجتماعية. ومما له دلالته دون شك أن يخصص قداسة البابا بيوس الثاني عشر جزءاً من رسالته في عيد الميلاد عام (١٩٥٥م)، لتعريف هذه الحدود حين دعا- من

стр. 206

ناحية- إلى التحفظ ضد ((خرافة التقدم الاجتماعي غير المحدود)). وحين دعا إلى التحفظ من ناحية أخرى ضد ((الظاهرة)) الشيوعية الوهمية، ولكن الأهم من ذلك أن نرى وكالة تاس والصحافة السوفييتية تنشران هذه الرسالة حيث يخص جزء مهم منها مشكلات السلام بطبيعة الحال. فهذه هي المرة الأولى منذ عام (١٩١٧ م) التي ينشب فيها الحوار (الروحي) بين الشرق والغرب، بين أعلى سلطة روحية في الغرب، وموجهي الضمير في الاتحاد السوفييتي، وربما لا يكون من المستبعد أن ترسل موسكو سفيراً لها لدى الكرسي البابوي. فدلائل هذا التطور تظهر من ناحية أو أخرى من الستار الحديدي، حيث نجد العوائد البورجوازية، والصرامة المذهبية قد بدأتا تسمحان بتداخل فيما بينهما، وبتفاهم يستدعي تكيفاً متبادلاً متفاوتاً في درجة وضوحه، ولكنه لا يفتأ يقرب بين مقاييس العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي (١). ومن هذه المناظرات نفسها تنتج مقاييس مشتركة، إذ تبدأ المفاهيم تتوافق في مختلف الميادين، مع اختلاف الأسماء أحياناً، ففي المجتمع الرأسمالي يطلقون لفظ (تأميم) مقصوداً به بعض الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي التي فرضت تحت اسم (الملكية الجماعية) في المجتمع الشيوعي، فمن الواضح أن العملية نفسها تنتج عن الشروط الاجتماعية والصناعية نفسها، وأنها تؤدي إلى النتائج الإنسانية نفسها. وهذا ما دعا أحد العلماء الاجتماعيين إلى القول بأن ((الطريق الواحد يخلق النموذج الاجتماعي الموحد)) وليس من الممكن دون شك أن نرسم منذ الآن صورة هذا النموذج، التي ستسجل كمال هذا التطور الذي بدأ فعلاً على محوري العالم. ومع ذلك فمن المؤكد أن النموذج الذي سيظهر في نهاية هذا

стр. 207

التطور المزدوج لن يكون عينة من عينات التنوع الإنساني، بل عينه للنوع: وهو الإنسان في أبسط صوره. ويبدو أن هذا هو الحدث الرئيسي المتوقع من المرحلة التاريخية الراهنة، إذ- كما عبر أحد الاجتماعيين- أن الحياة تحتوي منذ زمن طويل على قبائل وأجناس وأمم، ولكن الإنسان لم يولد بعد ... وأياً ما كان الأمر فإن التقارب ينمو على طرفي محور واشنطن - موسكو يوميا، ولا إرادياً في صورة قيمتين متزاوجتين، فإذا لاحظنا أن الطرف الغربي يعترف أن الشرق محق في ميدان معين، فسنرى الطرف الآخر يعترف أن الغرب في صميم الحق، في ميدان ثانٍ .. وعندما يتساءل مفكر ذو صبغة رأسمالية عما إذا كان (١) يمكن لنظام غير عقلي لاقتصاد قائم على عرق المجموع، من أجل سعادة بعض الأفراد أن يستمر بأي ثمن؟ فإننا نجد الناقد الماركسي- في الوقت نفسه- وقد تخلص من الأوضاع التقليدية للمدرسة الاقتصادية السوفييتية- خاصة من نظريات معهد الدراسات الاقتصادية بموسكو- نجده يلوم هذا المعهد على ((إنكاره لمظاهر التقدم التي حققها الرأسماليون في تطور الإنتاج والعلوم (٢))). فهذه الخطوة المتزاوجة تدل- بصورة ما- على نسق التطور على محور واشنطن - موسكو، بتأثير عوامل مختلفة روحية، أو عقلية، أو سياسية، فها هما؛ التقاليد البورجوازية الثابتة والصرامة المذهبية يخليان الجو للمناقشة النزيهة، وحب الاستطلاع العلمي، بل حتى لمشاعر الإعجاب التي تمهد سبيل الود

стр. 208

الإنساني، فالمجتمع الشيوعي قد يعجب على لسان ممثليه بما حققه المجتمع الرأسالي من مناهج معينة، خاصة في ميدان الإنتاج الزراعي وبالمثل يستطيع المجتمع الغربي أن يعجب بما حققه الاتحاد السوفييتي في الميدان الصناعي. فلقد أعجب ممثلو الصناعة الضخمة الأمريكية مثل: البندكس ( Bendix corporation) وفورد ( Ford Motor) ووستنجهاوس ( Westinghouse) خلال زيارتهم القريبة للاتحاد السوفييتي بكمال الإدارة الإلكترونية ( Automation) لمصنع كاجانوفيتش. ومما يشرف الفكر الإنساني أن نرى علماء غربيين يصدرون شهادات على نجاح العلم السوفييتي في مختلف الميادين، وأن يفعلوا ذلك دون تكليف أو رياء، هادفين فقط إلى المصلحة العلمية أو المصلحة الإنسانية، حين يحثون بلادهم على استغلال التجربة التي شهدوا نجاحها (١). هذه الشهادات دلائل وضمانات أخلاقية على التطور الذي يقرب المقاييس على محور واشنطن - موسكو وإنا لنشهد هذا التطور في كلا الاتجاهين، فقد لاحظ المراقبون الغربيون الموضوعات الجديدة في الأدب الروسي، واتجاهاته الجديدة، حين أثارت مجلة ذات شأن في توجيه الثقافة السوفيتية وهي الليتيراتورينا غازيتا ( Litteratouraina Gazeta) أثارت بتأثير مديرها الجديد مناقشة حول موضوع (الطابع الجمالي في الفن) وبينت أن هذا الموضوع يتعارض مع ما تطلق عليه هذه المجلة قصور علم الاجتماع العامي: ( Sehématisme de la sociologie vulgaire) مبينة أنه يغذي في الفن وفي الشعر اتجاهات التعاليم الصبياني كإدخال (أطوار الموجة العاطفية) في موضوعات الحب السوفييتي، وهو

стр. 209

ما سخر منه النقد الغربي في رسوماته أحياناً. وقد أعاد تيار التغيير نفسه للمقاييس السوفييتية اسم ديستويفسكي ( Dostoievski) ومؤلفاته إلى الأدب السوفييتي، من حيث صادرتها الثورة. لقد ترجم الماجور كليمنت أتلي هذا التطور إلى توقعه السياسي فرأى أن النظرية الشيوعية ستفقد شيئاً فشيئاً حدتها، لتأخذ في النهاية بطريقة تعايش مرضية ( Modus vivendi)، وهذا التأكيد من زعيم حزب العمال الإنجليزي يجيب عن المشكلة التي نبحثها في هذا الفصل، على الأقل في حقيقتها الغربية، وفي وقعها الخاص على محور القوة. ونظرية هذا الرجل السياسي تجد ضمناً تأييداً من وجهة نظر الفيلسوف، فلقد رأى هذا- فيما يبدو- أمارات تغيير داخلي في الجهاز النظري الماركسي، لقد رأى ميرلو بونتي ( Marleau Ponty) في مؤلفه (مغامرات المادية الجدلية Les Aventures de la Dialectique) أن الفكرة الشيوعية تنزلق- تحت وطأة تجربتها التاريخية- من قيمة الفكرة إلى قيمة العمل، ولعل هذا (الانزلاق) الذي كان نتيجة الانتقال من اللينينية إلى الستالينية، وهي المرحلة التي سجلت ذروة الانفصال بين الشرق والغرب، لعل هذا الانزلاق يكون السبب البعيد الذي يهيء الطريق للتقارب بين الشيوعية والتفكير الأنجلوسكسوني، في مجال القيم العملية لأنه يوفق بين المذهب والتقاليد البورجوازية. وهذه الحركة ربما بدأت منذ زمن إذ إننا نجد مراحلها خلال سنين مضت، ولقد سجل مؤتمر فيلوربان ( Villeurbanne) المنعقد في فرنسا عام (١٩٣٥م) - وهو المؤتمر الذي ألف فيه الحزب الشيوعي الجزائري- سجل هذا المؤتمر مرحلة من مراحل نمو الشيوعية في اتجاهها القومي، وهو الاتجاه الذي تأكد وشاع بحل الكومنترن ( Komintern) بعد ست سنوات، وكلما تحددت معالم هذا التطور برزت توقعات لم نكن نتصورها، فمنذ عشر سنوات ونحن نرى أحداثاً تقع لم نكن نفكر فيها.

стр. 210

ولو أننا وجدنا كاثوليكياً متحمساً معروفاً بميوله الكاثوليكية، وبوضعه الاجتماعي، قد انضم إلى جمعية فرنسية- روسية، كما فعل أحد الأكاديميين الفرنسيين المشهورين أخيراً، فلا شك في أن هذا حدث غير عادي، وله مدلوله البليغ. وكذلك حين نجد صحيفة برافدا ( Pravda) في عددها الصادر في ٦/ ٢/ ١٩٥٦م تدعو وتلح في أن تقوم فرنسا بدور الوسيط بين الشرق والغرب، فليس هذا مطلقاً توقعاً عادياً. وأيا ما كان الأمر، فإذا كانت جنيف نهاية تطور سياسي ناتج عن النمو الخطير في عنصر (القوة) على محور واشنطن - موسكو، فمن الواجب دون شك أن نرى فيها نهاية اطراد ذي طبيعة أخرى، نجد دلائله في مختلف الميادين، في صورة أسباب نفسية وروحية وعقلية، فكأن هذه الأسباب (قوى) جاذبة تخفف وتنحي تدريجاً القوى الطاردة التي كانت تضع العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي وجهاً لوجه في عنف وصرامة. وأكثر من ذلك فإن مؤتمر الكبار يسجل في عملية التقارب اللاإرادي لحظة هامة ليقظة الشعور، حيث يجب أن يتدخل منذ ذلك الحين عامل توجيه منهجي مع وجود الأسباب اللاشعورية. فابتداء من هذه اللحظة تكتشف الإنسانية الطريق الثالث لخلاصها، حين تلتزم بنفسها، وطبقاً لإرادتها باتباع سبل الرواد الكبار الذين شقوا أمامها الطريق مثل غاندي، وبالسير في مجرى التاريخ، سيكون لديها حينئذ سياسة خلاصها، أو على الأقل ستدرك إدراكاً كاملاً أن من الواجب عليها أن تحدد سياسة كهذه. وإن التعايش الذي حددته (فكرة جنيف) لهو جزء من الحل الذي جاء به محور القوة للمشكلة الإنسانية. وهو في مرحلة (الحرب الباردة) التي يجتازها العالم. جزء جوهري يمنح التاريخ الزمن اللازم ليصنع نفسه، ويمنح محور طنجة - جاكرتا فرصة ليبدأ مساهمته الخاصة لإكمال الحل الشامل للمشكلة، لقد كانت هذه المساهمة تعد- دون شك- منذ عشرين عاماً شيئاً زائداً، لالزوم له، إذ كان التاريخ يتكون فقط على محور

стр. 211

واشنطن - موسكو، وكان هذا على حد تعبير أحد محرري صحيفة باريسية يومية كبرى إذ قال: ((الاحتكار في صناعة التاريخ وظيفة أوربا)) فلم تكن الشعوب المستعمرة سوى أدوات لهذه (الوظيفة) الأوروبية: أدواتها ومتفرجيها اللاهين أو اللاعبين. ولكن الحل اليوم قد أصبح بين أيدي الشعوب جميعاً، إذ يتم صنعه على كلا المحورين في وقت معاً. ولكي يتم صنع التاريخ، هناك توزيع طبيعي للأدوار، فجنيف حين جمعت القوى التي تعطي الحل الزمني للمشكلة تركت للشعوب الأفرسيوية أن تعد حلها الروحي. ومؤتمر باندونج حين جسد جهود هذه الشعوب قد أظهر في العالم إمكانيات جديدة للخلاص تسمو بفكرة التعايش، وتضعها في مكانة المثل الأعلى. وهكذا تقوم فكرة (الأفرسيوية) بدور مزدوج حين تدمج توقعها في التاريخ، فهي على محورها الخاص يجب أن تخلق أولاً جوهرها الخاص أي أنها طبقاً للشروط التاريخية والجغرافية التي توضع فيها المشكلة يجب أن تخلق حضارة. وبالتالي تخلق جميع عناصرها النفسية الزمنية، فتخلق ثقافة، واقتصاداً، وسياسة، ولا شك في أن مهمتها- منذ باندونج- قد بدأت تسلك هذا الطريق. ويجب أن تكون وظيفتها التاريخية الجوهرية مساعدة البلدان (المتخلفة) على التغلب على تخلفها، أي قهر العقبات الناشئة عن (الضعف). ولكن لها أيضاً دوراً هاماً بالنسبة إلى التطور على المحور الآخر، وذلك حين تساعد البلدان (المترقية) على التغلب على المرحلة الخطيرة في نموها، أي أن تقهر بصورة ما أخطار (القوة)، بحيث تمضي في تطورها دون صدمة قدر مفاجئة. ويرى برتراند رسل ( Bertrand Russel) أن هذا الدور يتمثل في مجلس للدول الكبرى ( Conseil des Puissances) يتمتع فيه الشيوعيون وأعداؤهم بعدد متساو من الأصوات، ويصدر القرار في نهاية الأمر بترجيح الأصوات المحايدة، وعلى رأسها صوت الهند، وبدهي أننا لا نعرف ما سيظفر به في السياسة ذلك الحل

стр. 212

المنطقي الذي يوحي به الفيلسوف، ولكن فكرته تحدد على أية حال الرسالة العالمية لفكرة (الأفرسيوية)، تلك التي بدأ قادتها يقدرون مدى أهميتها وخطورتها، وإن جهودهم لتشهد بذلك في الخارج، في توجيه سياسة خارجية تتفق مع مغزى هذه الرسالة، وفي الداخل، في بناء نظام اجتماعي صالح لأن يهب لبلادهم القاعدة المادية التي تكافئ دورها الأخلاقي، والضروري لتحدث تأثيرها. وفي الوقت الذي يكون الرجل الأفرسيوي قد حل بنشاطه المزدوج مشكلاته العضوية، وحدد اتجاهه العالمي، فإن نصيبه في حل الأزمة العالمية سيصبح حاسماً. على أنه قد بين فعلاً- حين بدأ في علاج وضعه هو منذ مؤتمر باندونج- أن هناك حلاً متكاملاً لتلك الأزمة. والواقع أن (حضوره) في العالم- منذ اللحظة التي وعى فيها موقفه- قد صار عنصرا مركباً (لفكر عالمي)، فخارج تفكيره في ذاته نجده قد أثار ألواناً من التفكير تدفع إلى الأمام ركب التطور الأخلاقي والمادي على المحورين في وقت واحد. وهو حين يدعو الفكر الغربي إلى هذا التفكير فإنه (يقدم) هذا الفكر في اتجاه عالمي، وبهذا المعنى تأخذ الفكرة الأفرسيوية على عاتقها دوراً محرراً في مواجهة الفكر الغربي، إذ إنها تستطيع تحريره من (ذهان) السيطرة، حين تفتح أمامه في العالم اتجاهاً أخلاقياً. وعلى طرفي محور واشنطن - موسكو بدؤوا في الواقع يدركون مشكلة البلدان المتخلفة لا من الزاوية الاستراتيجية أو المذهبية- ولكن من زاوية حاجات الشعوب، ففي واشنطن وفي موسكو يتحدثون عن تحويل جزء من ميزانيات الحرب كرصيد لمساعدة البلدان المتخلفة، ولا شك في أن للرجل الأفرسيوي سهمه في هذا الانتصار لفكرة التعايش. ومما لا يقبل الجدال أن بعض التغييرات النفسية التي طرأت على محور القوة إنما تعود جزئياً إليه بفضل نشاطه، أو لمجرد حضوره. وإذا كانت مبادئ إعادة النظر في العلاقات التقليدية بين المحورين، أي بين الأوروبي والمستعمر لم تنضج بعد في الضمير الغربي، فإن أماراتها قد ظهرت فعلاً في ميدان الثقافة، وأيضاً في ميدان التفكير الاقتصادي في البلدان المتقدمة.

стр. 213

ومما له دلالته في هذا الباب، أن يستخدم أحد أساتذة الجامعة الفرنسية مثلاً كلمة جديدة هي ( Décoloniser) وتعني: ((الخروج من نظام الاستعمار)) وذلك أمارة على تطور عميق في الفكر الغربي. ذلك الفكر الذي كان يدور منذ نصف قرن من الزمان حول كلمة ( Coloniser) التي تعني ((الدخول في نظام الاستعمار)). وفي الميدان الاقتصادي يظهر الاتجاه واضحاً للخروج على المقاييس التقليدية، فهناك من يدعو إلى (تجاوز النظام الرأسمالي) وفي النظريات التي رأت النور تحت إشراف معهد علوم الاقتصاد التطبيقي ( I.S.E.A) في فرنسا، يتحدثون عن أشكال من النشاط الاقتصادي من دون غلة، أي أشكال منوعة من الاقتصاد المجاني، أو اقتصاد الهبة، خلال مراحل متعددة. فالتفكير في مشكلات الرجل الأفرسيوي يستدعي إذن أن يراجع العالم الأفكار التقليدية، وهذه المراجعة تهدف عملياً إلى إلغاء المسائل الاجتماعية والثقافية التي تفصل الجماعات الإنسانية على المحور الأفرسيوي عن البلدان (المتقدمة). ولكن تأثيرها يقع على محور واشنطن موسكو في الوقت نفسه، في اتجاه التقارب بين مقاييس العالم الرأسمالي ومقاييس العالم الشيوعي، بحيث ينتج عن المراجعة تأثير مزدوج على تطور العالم، وهو يحتم في الواقع تطوراً مزدوجاً يتجه إلى التلاقي في عصر عالمي. وما زال الرجل المكب في معمله على أسرار الذرة بعيداً- ولا شك- عن ذلك الذي يرعى قطيعاً من الماشية في أرض قاحلة وهما مختلفان، كلاهما عن صاحبه، ولكن طريقيهما يتجهان إلى التلاقي، وبما أن هذا يدرك تماماً سقوطه المادي، وذلك يدرك سقطته الروحية فهما صائران إلى نقطة تلاقيهما، بدافع من طموحهما المتبادل. وسيتوج هذا اللقاء حدث الإنسانية العالمية، الذي يبدو أنه يسجل الأجل الذي ((يعتبر تاريخ الإنسانية كله بالنسبة إليه بداية غير واضحة، ولكنها وطيدة)). ومعالم هذا الاحتمال تتحدد أمام الضمير الذي بدأ فعلاً يدركها في وقائع مادية، ويبدو أن

стр. 214

عصرنا- بما شهد من مبشرين وشهود كبار- هو عصر التحول الإنساني الكبير، فهو العصر الذي يتحتم على الإنسانية فيه، وقد سبق لها أن اجتازت مع العهد الحجري الجديد المرحلة الأولى في تاريخها، بارتقائها إلى مستوى (الحضارات) يتحتم عليها الآن أن تجتاز المرحلة الثانية التي تسمو بها إلى مستوى حضارة الرجل العالمي. وطبيعي أننا حين نضع أنفسنا في هذا التوقع لا نرى الطريق الذي نجتازه لبلوغ الهدف، ولا نرى أيضاً جميع العقبات الكامنة في الطريق، وسيكون لزاماً على من يقودون الشعوب نحو هذه الأهداف أن يحلوا هذه المشكلات حلاً علمياً، ولكن التاريخ سيساعدهم في حلها ... ما دامت سياستهم اتفقت مع منطق التاريخ. ***

стр. 215

العَالم الإسلامي وَفكرة الأفرسيَوِيّة إن مشكلة (الأفرسيوية) تواجهنا في اللحظة التي يبدو أن التاريخ ينقل فيها قيم الحضارة من منازلها التقليدية إلى منازل جديدة، فلقد كان من أثر تلك الحركة التي عجلت بها الحربان العالميتان أن حدث توزيع جديد للقيم في عالم لم يعد مركزه البحر الأبيض المتوسط، بل إنه قد استقطب في الشرق والغرب، وفي هذا التوزيع الجديد أصبح الإسلام نفسه واقعاً آسيوياً. ولا يكف مركز ثقله السكاني عن التحول إلى الشرق، ولكنه يحتفظ بإطاره الخاص، وبخاصته النوعية في العالم. فهو عالم بذاته، له مشكلاته العضوية الداخلية، وله مشكلات صلاته بالآخرين. فأستاذ الجمال الياباني الذي حكم عليه من تلك الوجهة الاتصالية إبان الحرب الروسية اليابانية نظر إليه في الواقع بعيني سامورى (١)، فرأى فيه سمات ((فارس على جواده، وسيفه في يده ... )) وفي ضوء السمات حاول أوكاكورا ( Okakura) - في كتابه الذي اشتهر في الغرب آنذاك- أن يشرح (رسالة اليابان أمام مثاليات الشرق) فرأى أثناء شرحه أن هذا (الفارس) حين تدفق من ممر خيبر في شمال الهند على شواطئ نهر الهندوس ( Indus) قد أقام بين الهند والصين (سداً أعلى من جبال الهملايا) فالإسلام في نظره قد قطع تيار التبادل الثقافي بين شمالي القارة الآسيوية وجنوبيها. ولو أننا أعطينا لوجهة النظر هذه قيمتها النسبية، فإن لنا أن نتساءل- ولو أدى بنا التساؤل إلى أن ننزلق في ميتافيزيقيا التاريخ- أين كان يمكن أن ينتهي التيار الذي انقطع هكذا؟ إن من المؤكد أنه بعد تلاثين عاماً من شهادة هذا الياباني جاء محمد إقبال، ذلك الذي ربما كان ينظر إلى الأشياء من وجهة نظر أقل سطحية فأعطانا شهادة أخرى حين أكد أن ((آسيا لا تقوم بغير المسلمين)).
следующие страницы →