إن علمى الاجتماع والتاريخ لا يعطياننا إجابة عاجلة عن هذا السؤال. ولذا ينبغى أن نلجأ إلى طريقة خاصة للاستقصاء، وأن نتصور زائراً من السماء هبط لاستكشاف الأرض. فمن الطبيعي أن جميع المصطلحات الخاصة بتنظيم الأرض تكون غريبة عنه. إذ إنه في عالم مجهول لا يعرف عنه شيئاً، منذ البداية، ولكي نعطي للفرض زيادة في الدقة، يمكننا أن نتصور فضلاً عن ذلك أن زائرنا أصم وأخرس. فمن البيِّن في هذه الحالة أنه لن يدرك أدنى اختلاف بالمعنى الاصطلاحي، أو أي حقيقة تاريخية، أو شيئاً من الحقائق الدينية والسياسية واللغوية، وبصورة أعم صفات الأجناس والألوان أو الخصائص الطارئة على الحياة الإنسانية. فكل هذه الأشياء لا تلفت نظره، ولا تخاطب فكره. والأوضاع الأخلاقية والسياسية وحدود الأنفس والدول في عالمنا لا مفهوم لها عنده، فهو لا يرى من وراء الأشياء تاريخها، بل يرى وجودها فقط؛ وكل ما يعرض له ليس عمليات مطردة مترابطة، بل مجرد أحداث. فهو لا يكتشف في كل ما يقع تحت بصره تطوراً وأسباباً، وإنما حالة معينة وآثاراً عاجلة، فنظرته لا تتجاوز الشكل السطحي أو الجلدي- إن صح التعبير- ولا تمس- طبعاً- الوجه الداخلي أو الحشوي للمشهد الأرضي.
والنظر البشري لا يوحي له بأي مضمون روحي بطبيعة الحال. ولا يتمثل له إلا غلافاً أو صورة اجتماعية، فجميع ملاحظاته ومذكراته لا يمكن أن تتصل إلا بالغلاف، وهي لا تدرك فيه إلا الاختلاف الرئيسي، والتباين الصريح الذي يثير انتباهه.
وما كان لزائرنا السماوي خاصة في مضمون فرضنا أن يلفت انتباهه لون علم على خط صوري لحدود سياسية، فهو لا يرى أمماً ولا دولاً، لأن الشعوب ليست في هذا المنظر سوى لون خاص. وإنما يشاهد ريفاً، وخطوطاً للمواصلات ومدناً، وتجمعات بشرية. ولا شك أنه يسجل التغيرات التي تطرأ على النظر من مكان إلى مكان كلما تغير ((اللون المحلي)).
стр. 72
ولكن ربما كان الانتقال الذي يثير انتباهه هو التحول الذي ينتج عن انفصال حقيقي في النظر الواقعي، بالنسبة إليه تبعاً لمعادلته الشخصية الخاصة، تلك التي يعبر عنها مضمون فرضنا، وسيكون الانفصال واقعياً حين يؤدي إلى انفصال داخلي في إطاره الشخصى. لأن كل تغير خارجي في مظهر الحياة، وفي نسق هذا المظهر وفي أشكاله يؤدي حتماً إلى تغير داخلي لدى الشخص الملاحظ.
ولنفترض الآن، وفي محيط هذا الفرض الذي وضعناه بتحديداته اللازمة، أن زائرنا السماوي قطع المسافة بين واشنطن وموسكو، فمن الواضح أن المشهد الإنساني على طول هذا الطريق لا يحتوي على أي فصل جوهري. وربما استلفت نظر المكتشف لحظةً رؤيةُ (الناطحات) الغريبة الرائعة في نيويورك.
ولكن هذه التفاصيل ستذوب حتماً في مجموعة تفاصيل من النوع نفسه، ففي موسكو أنشأ (أسلوب ستالين) بعض ناطحات السحاب أيضاً.
فسيصادف مكتشفنا إذن من أول الطريق إلى نهايته اللوحة نفسها التي رسمها كفاح الإنسان وعبقريته. فمن طرف لآخر توجد شبكات الطرق الحديدية والنهرية نفسها، والطابع نفسه الذي يكسو وجه الريف الذي تتدفق منتجاته على المدن الصناعية، المدن الكبيرة ذات الشوارع الواسعة، التي يخيل له أنها تتحرك فيها الحياة في ساعات النهار نفسها، وتتحرك فيها المجموعات نفسها من الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم، ومن الرجال الذاهبين إلى مصانعهم وورشهم ومكاتبهم. ويبدو فيها التنظيم للوقت نفسه كما تدل عليه هذه الحركة المنتظمة التي تحتل الشوارع وتغادرها في ساعات محددة. والتنظيم المدني نفسه بمداخن مصانعه، ومدنه العمالية، وقطارات المترو، ونظم الاضاءة في شوارع التجارة أو الملاهي بالليل.
وموجز القول أن نظرة المكتشف السماوي ستصادف اللوحة نفسها من واشنطن إلى موسكو، سترى العامل في مصانع فورد في ديتروا ( Détroit) وزميله
стр. 73
في مصانع (رينولت) في باريس، وزميلهما في مصانع كروب في إسن ( Essen) أو في مصانع مولوتوف في موسكو.
فقبل أي تمييز سياسي أو ديني، وقبل أي اعتبار يخص التصنيف الإنساني يمثل هؤلاء العمال في نظره النموذج الاجتماعى نفسه، ولو أنه مد استكشافه نحو ضواحي طوكيو فلن يظهر له (الجنس الأصفر) في ملامح عامل مصانع ميتسوي ( Mitsui)، بل النموذج الاجتماعي نفسه الذي يتحرك داخل اللوحة الإنسانية في ديتروا أو في موسكو.
وحتى الآن ليس لدى الزائر السماوي دون شك أي سبب لأن يعقد علاقة سببية بين هذا النموذج الاجتماعي والمنظر الذي يحوطه، ولا أن يبين طبيعة علاقة من أي نوع بين هذين العنصرين في ملاحظته، ولكنه لن يعدم أن يكوّن عنها نوعاً من الارتباط في فكره، يمكنه عندما تسنح الفرصة من أن يصبح تداعياً للمعاني. أعني أساساً للمقارنة.
فلنتتبع الآن خطواته في ناحية أخرى على امتداد محور طنجة - جاكرتا.
إن المنظر الإنساني يتغير كله، فمنذ الخطوات الأولى تلوح (مدن الأكواخ) المتناثرة هنا وهناك في ضواحي الدار البيضاء مثلاً، فتغير تماماً لون تأثراته وانفعالاته، كأنما قد حدث عنده انفصال باطني في ذاته، داخل إطاره الشخصي. إذ حين يخلص المكتشف في رؤية خاطفة من ناطحات السحاب إلى مدن الصفيح والعشش والأكواخ، يكون التحول عميقاً بحيث يحدث هذا الانفصال الذي يتأكد كلما تابع المكتشف طريقه من طنجة إلى جاكرتا، وجمع في نفسه انفعالات مختلفة من الجزئيات والكليات عن أشكال الحياة الجديدة، تلك التي تراها عيناه في النسق الجديد.
إن المنظر الإنساني لم يعد هو الأول، فلا مداخن لمصانع، ولا مدناً صناعية ناشطة في ساعات معينة بالنهار، ساهرة بالليل من أجل الدعاية واللهو.
стр. 74
والإنسان في المنظر الجديد يبدو ساكناً لم يطبع إرادته في تنظيم إطاره اليومي، بحيث ينظم التراب والوقت، فعلى مساحات شاسعة يبدو التراب وكأنه لم يستخدم، فهو بكر لم يمس، أو قل: إنه عاد إلى طبيعته.
والوقت يبدو لا شكل له، بحيث يمضي تائهاً، مبعثراً، خامدا، فهو يمر سدى على رؤوس جماهير عاطلة ..
واللون المحلي قد تغير من أساسه، وشبع الإنسان الذي يتحرك داخل المنظر الجديد يعد من نموذج اجتماعي جد مختلف عن الأول.
والمكتشف يشعر شيئاً فشيئاً بأنه قد تخطى فعلاً حدوداً فاصلة، وأنه قد دخل إلى عالم تعد (مدن الأكواخ) عنصرا جوهرياً في تعريفه، عندما يقارن أكواخ الدار البيضاء بأكواخ كلكتا مثلاً، وعنصراً من عناصر الاختلاف أيضاً عندما يقارن بين مدن الأكواخ ومدن العمال التي صادفها في رحلته الأولى.
وعنصر التعريف هذا يستمد قوته من النموذج الاجتماعي، وربما يتساءل الزائر السماوي عما إذا لم يكن الإنسان الذي يراه مستنداً إلى حائط في إحدى مدن إفريقية الشمالية (في الصورة الأولى) هو الإنسان نفسه الذي رآه في إحدى ضواحي كلكتا (في الصورة الثانية) رآه كأنما أضناه سفره الطويل الشاق من كلكتا، فهو يستند الآن إلى حائط ليسترد أنفاسه في إحدى مدن إفريقية الشمالية التي وصل إليها منذ قليل.
وعلى كل، فلا يمكننا إلا أن نقارن بين مصير هذين الرجلين مهما كانت الفروق اللغوية والعنصرية والسياسية والدينية التي تفصل بينهما، حتى ولو افترضنا أن المكتشف السماوي يمكنه أن يذكر هذه الفروق.
ولكن في الوقت نفسه الذي تقرر في ذهنه القرابة التي توحد هذين الرجلين اللذين لم يصادف نموذجهما في أي بقعة من بقاع المرحلة الأولى، فإن رباطاً آخر يظهر أمام عينيه، ليوحد كلا الكائنين مع الإطار الإنساني الذي يحيط به،
стр. 75
وهكذا يتحد في فكره النموذج الاجتماعي، مع إطاره وبيئته، مكوناً معه مقياساً أو أساساً لمقارنة تسمح له بإدراك وحدة من طنجة إلى جاكرتا، تختلف تماماً عن الوحدة التي سبق أن لاحظها من واشنطن إلى موسكو أو إلى طوكيو.
وإنه ليتجلى في عينيه بصرف النظر عن أي اعتبار تاريخي رباط عضوي بين مصير الإنسان والمنظر الذي يحتويه.
ولنتصور قبل أن نترجم إلى لغة التاريخ والاجتماع انفعالات هذا المكتشف السماوي، وقبل أن نفسر الوحدة التي سجلها في شكل مزدوج خلال أسفاره الأرضية، لنتصور أنه فضلاً عن وجوده في كل مكان، لديه القدرة على أن يكون موجوداً في كل زمان، ولنرجع معه مثلاً ألف سنة إلى الوراء على محور الزمن، ثم لنتتبع من جديد خطواته ذات السرعة الخارقة، على طول الطريقين السابقين. إن المنظر الإنساني قد تغير كلية، وبكل تأكيد، ولكنه يحتفظ بشيء ثابت، فهو يتمثل مرة أخرى في صورة وحدتين محددتين تماماً في المكان مؤديتين إلى التقسيم الجغرافي نفسه. إن المكتشف سيشعر أيضاً بالانفصال الداخلي نفسه، حين يمر من بقعة إلى أخرى. أي إنه حين يمر من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي، وبالعكس، يشعر بأنه قد اجتاز حدوداً. فإن اللون المحلي قد تغير، وتغير معه النموذج الاجتماعي. ولكن الظاهرة تبدو له الآن في ضوء جديد، فلقد تغيرت الحالة لكلا النموذجين، وتغيرت أيضاً النسبة بينهما.
ولكي نترجم هذا الاعتبار إلى لغة أكثر بساطة، يمكن القول بأنه كان من الأنسب أن يولد الإنسان منذ ألف عام على محور طنجة - جاكرتا، فلقد كان للفرد هنالك حظ أوفى وموارد غنية، وإمكانيات كثيرة.
ولن تزداد هذه الملاحظة إلا تأييداً لو أن المكتشف يندفع في استقصائه إلى أبعد من ذلك، على المحور نفسه، حتى أنه في أمريكا قبل كولمبس، كانت البقاع التي تكون الآن الولايات المتحدة مسكونة بالقبائل الهندية البدائية، بينما في
стр. 76
الجنوب كانت تمتد بقاع فسيحة، كان النموذج الاجتماعي يعد فيها المعجزة الأزتيكية (١) ( Azteque) وحضارة الانكا ( Incas) (٢) .
وبهذه الملاحظات المكانية والزمانية فإن المكتشف السماوي يبدأ الآن يدرك أن الفرد مسير مقدماً وإلى حد كبير بميزاته التاريخية والجغرافية، قبل أن يكون مسيراً بمواهبه الشخصية.
حتى إننا نستطيع القول في ضوء هذه الملاحظات بأن الفرد الذي يولد اليوم على محور طنجة - جاكرتا معرض لاحتمال خمسين في المئة لكي يصبح أمياً ومتعطلاً مهما كانت قيمته الشخصية، ولديه أيضاً حظ وفير ليجد نفسه في صورة هذا النموذج الذي يثير الإشفاق، والذي يتمثل في الصورتين المنشورتين هنا.
والواقع أنه أياً ما كانت معادلته الشخصية، فإن حظه مرتبط مقدماً بالقانون العام لحتمية تنتج عن انتسابه (الوحدة)) تسيطر عليها مجموعة من العوامل السلبية هي: عوامل الاستعمار، وعوامل القابلية للاستعمار، وهي العوامل التي يرى المكتشف طابعها في المنظر الإنساني، وفي النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه.
فهو يدرك في كل حال أن حظ الإنسان مرتبط بوضع عام، قابل للتغير تبعاً للمكان والزمان.
ولنحاول الآن أن تترجم هذه الانعكاسات والانفعالات التي أصابت المكتشف، إلا لغة الاجتماع والتاريخ.
стр. 77
فنحن نرى أولاً أن هناك مشكلة للرجل الأفرسيوي، وهي متمثلة في المصير المشترك الذي يخيم من طنجة إلى جاكرتا، وفي الوضع العام نفسه، وهو وضع الفرد على هذا المحور، وفي الوحدة الخاصة التي أنشأها النظر الإنساني، والنموذج الاجتماعي في تلك البقاع.
ثم إنا نلاحظ أن هذا الوضع العام وهذه الوحدة مستقلان عن الظروف السياسية، والحدود القومية والإطارات العنصرية والجغرافية، بما أنها في نقطة معينة تتغير مع الزمن، وفي لحظة معينة تتغير من محور لآخر. فلو أننا- علاوة على الظروف التي تحدد مكانها بالنسبة لمحور أو لآخر- نأخذ في أعتبارنا طبيعة علاقة هذه الوحدة بحياة الإنسان، فنحن مضطرون بسبب خاصتها الجغرافية والتاريخية والاجتماعية إلى أن نلاحظ أن هذه (الوحدة) تتفق في الزمان وفي الكان مع الرقعة التي تنشأ فيها حضارة ما، أي الحضارة التي تطبع جميع حقائقها الثقافية، وخصائصها الأخلاقية والجمالية والصناعية في النظر الإنساني، وفي النموذج الاجتماعي الذي يتحرك فيه.
وعليه، فكل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة، ومشكلة الإنسان الأفرسيوي، هي في جوهرها مشكلة حضارة، يعني أن يحقق هذا الأفرسيوي من طنجة إلى جاكرتا وضعاً عاماً متحرراً من العوامل السلبية التي فرضها الاستعمار والقابلية للاستعمار على حياته في هذه المنطقة ..
والحق أن الحركات المختلفة للنهضة التي ظهرت منذ خمسين عاماً في العالم الأفرسيوي عامة. وفي العالم الإسلامي خاصة، ليست إلا محاولات لوضع المشكلة ضمناً، وحلها في هذه الصورة.
وإحدى هذه المحاولات تستحق الذكر لما كان لها من تأثير فعَّال، وهي تلك المحاولة التي أتاحت لليابان خلال حقبة فذة من العصر الميجي ( L'ère Meiji) أن تجتاز مرحلة دولة من دول القرون الوسطى إلى صف الدول الكبار. ولكن
стр. 78
حركات النهضة لم يتح لها جميعاً التأثير الفعال نفسه، إذ لا يصدر الإنسان فيها عن الفكر المنهجي نفسه.
ولقد كانت المحاولات في العالم الإسلامي خاصة متفاوتة في عمقها، لأنها لا تستند على نظرية محددة للأهداف والوسائل، وعلى تخطيط للمراحل. فالواقع أن (المصلح) الإسلامي لم يهتم بأن يرسم برنامجاً لإصلاحه مقدراً أن ((الزمن سيوفق في حل المشكلات)) (١) ولم يكن طموحه متوجهاً إلى الخلق والإبداع أكثر مما هو متوجه حتى الآن إلى التقليد.
فإذا حللنا جهوده وجدنا فيها حسن النية، ولكننا لا نجد فيها رائحة منهج.
بل إن حسن النية هذا قد تنحط قيمته الاجتماعية أثناء التطبيق، سواء بدعوى أولئك الذين يرون أن مستقبل العالم الإسلامي إنما يكمن في إعادة الماضي برمته أم بالتباهي التقدمي الذي يرى- كما يذهب إلى ذلك بعض الكماليين- أن الإصلاح رهن بقطع جميع صلاتنا بالماضي، وأن نؤمن بأننا ننشئ حضارة، أي وضعاً عاماً للحياة، وذلك بمجرد تظاهرهم بأزياء مستعارة- دون توفيق- من حضارة نضجت فعلاً، ومضى طور تكوينها.
ولقد كان عهد فاروق العهد الذي يمثل تماماً هذا التظاهر الصبياني وهذا التعلق (بالشيء) الحديث المعرّى عن ((فكرته))، والذي يمكننا- فضلاً عن ذلك - أن نرى مثله الكامل في تلك البضاعة التافهة الترفية التي كانت تكوِّن مجموعة تحفه المشهورة.
ويمكننا أن نلاحظ التظاهر الصبياني نفسه حتى في الذوق النسائي في بعض العواصم العربية، حيث تشتري السيدات معاطف الفراء الثمين ليتشبهن بسيدات
стр. 79
المجتمع الغربي الراقي، واثقات من أنهن يخدمن بهذا التقدم الوطن، ولكن لا يخطر ببالهن- بكل أسف- أن معطف الفراء لا ينسجم أحياناً مع الأوضاع والأجواء تحت شمس بعض البلدان الإسلامية.
وهكذا يحدث غالباً أن نرى (الشيء) متقدماً على (الفكرة)، وكأنهم يعتقدون أنهم إنما ينشئون أساساً متيناً لحضارة بـ (كومة) من (الأشياء) المستعارة، التي لا تنفع قليلاً أو كثيراً.
وسيكون من الخير أن نعيد التفكير في المشكلة في تلك البلاد بالنسبة إلى طبيعة ما يسمى (الحضارة) معتبرين أن الحضارة- بناء على تعريفها البسيط- ليست (كومة) من الأشياء المتخالفة في النوع، بل هي (كل)، أي مجموع منسجم من الأشياء والأفكار، بصلاتها ومنافعها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة. ومجموع كهذا لا يمكن أن يتصور على أنه مجرد (تكديس) شبيه (بمجموعة فاروق) بل كبناء، وهندسة أي تحقيق فكرة ومثل أعلى.
إن من المفيد دون شك أن نستورد هذه السلة المعدنية- (الشيء) - التي تثبت في جانب شارع كبير في إحدى المدن، حيث يلقي المارة مهملات الأوراق التي لا يريدون وضعها في جيوبهم، أو إلقاؤها على الرصيف، ولكن يجب أن نتيقظ لاستيراد فكرة استعمالها (الفكرة)، وإلا تورطنا في بناء حضارة (شيئية)، أي في تأثيث دكان للخردوات، أو سوق تتكدس فيه التحف غير النافعة، أو جمع بضاعة تافهة تتفاوت في جدواها أو (كومة) لا تنظيم فيها ولا فكرة، كومة تجردت من معناها الاجتماعي.
ولقد ذهب بعض النقاد المحدثين إلى أن يعيب على الفكر الإسلامي الحديث نوعاً من (الذرية) التي يرى صورتها- فيما يبدو- في العجز عن أن نعقد صلات بين الأفكار، وعن أن نعطي لمناقشة مشكلة ما حركة متصلة مطردة لا يحجل فيها الفكر من نقطة إلى نقطة، بل يطرد دائماً من مقدمة إلى نتيجة.
стр. 80
ونحن نرى أن هذا النقد قد تجاوز حده حين أرجع سبب وجود هذه (الذرية) إلى طبيعة الفكر الإسلامي نفسها، أي إلى تكوينات بيولوجية، ولكن هذا النقد يكون مصيباً لو أننا أرجعناه إلى تكوينات اجتماعية، وتطور تاريحي، بحيث نرى أن الفكر الإسلامي قد أصبح لا يؤدي في المجتمع الإسلامي وظيفته كما ينبغي، وخاصة في حركة النهضة الإسلامية وموقفها أمام مشكلة الحضارة التي تواجهها صراحة أو ضمناً.
ويوشك أن تقوم (الذرية) فعلاً في هذا النطاق بتجزئة حل المشكلة إلى ألف جزء وجزء مبعثر، حين يشارفونها في حدود كل يوم تبعاً لطوارئها العاجلة على الحياة اليومية، دون نظر شامل يحدد منذ البداية الهدف، والمرحلة والتوقيت والوسائل.
إن من الممكن أن تؤدي الحلول الجزئية إلى حد شامل للمشكلة، ((فكل الطرق تؤدي إلى روما)). ولكن الطريق غير المنهجي هو أطول الطرق بلا شك، طريق المفاجآت التي تفجأ العقل التائه، طريق السائح غير المتحقق من وجهته أو هدفه.
إن طريق الحضارة لا يمكن خطه تبعاً للصدفة، بإقامة مدرسة هنا، ومصنع هناك، وسد هنالك، أو بوضع سلة معدنية في جانب هذا الشارع حيث لا أحد يفكر في إلقاء المهملات التي تريد أن يتخلص منها، وعموماً حين نريد أن نضع شيئاً زائداً في النظر الإنساني.
نعم إن سيرنا كيفما اتفق قد يوصلنا إلى حل ... يوماً ... ولكن متى يوافي ذلك اليوم؛. إن الإجابة تستتبع نظرية وخطة وتوقيتاً. ولكن يبدو أن الأمر لا يعلق هكذا بذهن رجال الإصلاح المسلمين، كما أمكننا أن نلاحظه في المؤتمرات الإسلامية الأخيرة، وسنحاول أن نكشف فيما بعد (١) عن الأسباب النفسية والاجتماعية لهذا الافتقار في المجتمع الإسلامي الراهن، وسنزيد اهتمامنا
стр. 81
هنا بتحليل (ميكانيكية النهضة)، كيما نلاحظ نواحي ضعفها في الوقت الذي نلاحظ جهودها الرائعة والمؤثرة أحياناً.
فحين تحدثنا عن (الذرية) وعن (الشيء) أثرنا انتباه القارئ بصورة ما إلى هذا الشكل المرضي، ونحن نريد الآن أن نثير انتباهه إلى طبيعة هذا الضعف، ويظهر أنها ناتجة عن طريقين:
أ- فأما الأول فينتج عن التخطيط المنهجي الذي ينقلب فيه الوضع المنطقي ضمناً، بحيث يمكننا أن نعبر عنه بالاستعارة القوية في القول الفرنسي المشهور، حين يعبر عن هذا الانقلاب بأنه من قبيل ((وضع المحراث أمام الثور)).
ففي كل اطراد طبيعي يحدد السبب الأثر، فلو أننا في إحدى محاولاتنا حاولنا أن نقلب هذا الوضع، فإن التجربة ستنتهي حتماً إلى الفشل.
وفي أي اطراد اجتماعي تظل العلاقة بطبيعة الحال هكذا، ولكنها أقل حدة وصرامة، فإن التجربة الاجتماعية ليست تخطيطاً بسيطاً يترجم عن علاقة مباشرة لسبب يؤدي إلى نتيجة محتومة، لأن التجربة الاجتماعية ليست في وقت ما فريدة في نوعها، ولا تتم داخل إناء محكم، فالواقع أن هناك تشابكاً بين الأسباب والنتائج، في كيان معقد يظهر فيه أحياناً انقلاب في الوضع المنطقي، بحيث تسبق النتيجة السبب، ولكن هذا الانقلاب ليس إلا خداع نظر يعود في جوهره إلى تعقد التجربة الاجتماعية، ولا يعود مطلقاً إلى انقلاب في قانونها. ففي قانونها، أعني في نهاية التبسيط النظري الذي يتيح لنا رؤية التجربة الاجتماعية بوضوح في سياق اطرادها، لا تسمح هذه التجربة بوضع المحراث أمام الثور، كما لا يحدث ذلك في عمل الفلاح البسيط.
فلو أننا طبقنا هذا البرهان على عملية اطراد الحضارة، فيجب أن ندرك مبدأً صادقاً في كل حالة، ودقيقاً في نهاية الأمر، ذلك المبدأ هو: أن الحضارة هي تصنع منتجاتها، وعليه فلو أننا عكسنا القضية، بأن نحاول صنع حضارة من منتجاتها، فسيكون هذا بكل بساطة من قبيل ((وضع المحراث أمام الثور)).
стр. 82
هذا الانقلاب في الوضع هو الذي يتسم به التقدم الفوضوي البطيء للنهضة الإسلامية، ونحن ندين له بهذا التكديس والتكويم الذي يبدو أنه يقود تطور المجتمع الإسلامي نحو حضارة (شيئية) (١).
ب- وأما نواحي الضعف الأخرى في النهضة الإسلامية فهي من النوع التاريخي، وهي تتصل باختبار (النموذج)، فكل حضارة تتكون، لها نموذجها ومثلها الذي تجعله نصب عينيها، ويمكن أن يكون هذا مستمداً من الحاضر أو من الماضي أو من كليهما في وقت واحد. ولقد تقسمت النهضة الإسلامية بين جذب المحافظين على الماضي، ودفع التقدميين من أبناء العصر، فالنموذج موجود على أي حال، واختياره يمكن أن يتم بالخضوع للواقع ضمناً ولا شعورياً. ولكن اختيار النموذج يحدد المنهج إلى حد ما، كما نرى ذلك في الصين، ولذا يجب أن نحسب حساب ارتباط العنصرين: النموذج والمنهج، مهما كانت الظروف. فلاختيار النموذج لا بد من أن نجعل في حسابنا بطبيعة الحال كل الكسب التاريخي والاجتماعي في العالم. فلو راعينا هذا الكسب الذي حققه نصف القرن الماضي، لوجب أن نلاحظ أن المجتمعات المتحضرة الصالحة لأن تقدم إلينا نماذج للتطور في القرن العشرين، هي ثلاثة أنواع:
فهناك أولاً المجتمع الغربي الذي شيدت حضارته القرون، والذي يدين للزمن بلونه العتيق، لون الأشياء القديمة الجليلة، تلك التي تحمل شهادة وبرهاناً على تقاليدها القديمة الذائعة، ولا سيما في فرنسا وإنجلترا، ولنا في اليابان نموذج آخر من نماذج المجتمع، حيث كون الفكر المحافظ والعقل الصناعي تركيباً موفقاً كل التوفيق، فنتجت عن ذلك حضارة، يبدو أنها قد اتجهت نحو مشكلات الإمبراطورية أكثر مما اتجهت نحو مشكلات الإنسان، أي نحو مشكلات (القوة) أكثر من مشكلات (البقاء)، ولكن نجاح التجربة كان مذهلاً، إذ حين قادها
стр. 83
العقل المنهجي، وحين قادها منطق التأثير الفعال الذي لم يغب عن الميدان لحظة طوال العصر الميجي، انتهى بها الأمر إلى هدفها المنشود وهو: قوة إمبراطورية الشمس المشرقة.
وهناك أخيراً روسيا التي تنشئ مجتمعاً من النوع الذي ينشئ نفسه بنفسه ( Self made man) لقد قامت بوسائلها الخاصة متبعة طريقها الخاص، معتمدة فقط على العفل الصناعي؛ فحققت بذلك نظاماً قائما على أسبقية (المجتمع) وانتهى بها الأمر بطبيعة الحال إلى حلول (القوة).
وفي مواجهة هذه النماذج الثلاثة نرى مجتمعاً ناشئاً، يقوم في هذه الأيام باختبار نموذجه، تلك هي الصين تحت حكم ماوتسي تونج، الذي ضرب لنا مثلاً. فلقد توفرت لديه كل الدواعي الفكرية والاقتصادية لكي يتجه نحو النموذج السوفييتي، بما أن تخطيطه نفسه يعتمد على المعونة الفنية والاقتصادية الروسية.
والصين بعملها هذا قد اختارت أيضاً أسبقية المجتمع، وبالتالي اختارت حلول (القوة) التي حتمت اختيارها لما يسمى (بالصناعة الثقيلة).
هذه الاعتبارات تبين لنا بجلاء وكفاية نواحي الضعف في نهضة العالم الإسلامي التي نريد أن نلفت إليها الانتباه هنا، فهذا العالم لم يختر حتى الآن المنهج أو النموذج، ولقد كان من المتوقع بحكم اتصاله بالبحر الأبيض المتوسط أن نراه يتجه نحو الغرب محتفظاً بأصالته في تعديل النموذج الغربي، بل أكثر من ذلك في تطويعه لتطوره الخاص، آخذاً في اعتباره تأخره من جهة، ومناهج التعجيل بحركة التاريخ من جهة أخرى، تلك المناهج التي ظهر تأثيرها في بلاد أخرى خلال نصف القرن الأخير.
وإن حيرته في هذا السبيل لناتجة عن عوامل مختلفة، سنتولى بحثها فيما بعد. خاصة عن ذلك الاستسلام للواقع الذي لم يتكيف طبقاً لتعميم الحركة
стр. 84
الديكارتية في العالم حيث سادت تاريخ القرن العشرين وطبعت تطوره بأسلوب خاص هو (الأسلوب العالمي).
والنهضة الإسلامية في مراكزها الثقافية- هنالك حيث تتجلى بوضوح فكرتها ويتجسم جهدها- لا تعطي الصورة الناطقة الواضحة عن أنها قد اختارت بالفعل نموذجاً.
وإنما يمكن القول بأنها تنمو تحت تأثير نموذج غامض لم تختره، بل فرض عليها تلقائياً، من أذواق القوم، كأنما ليجنبهم مشقة التفكير في هذا الاختيار. ونحن حين نشعر شعوراً خفيفاً في دراستنا السريعة بأن أستاذ النهضة الإسلامية هو الغرب، نرى أنها تريد حين تريد أن تفصل ثوبها على نموذج هذا الأستاذ تقلد بجهالة عثرة مقصه، ولكن عندما تكون الرغبة في صنع الثوب من مادة التاريخ فيجب أن نعرف قدر أنفسنا، وأن نعرف النموذج الذي نختاره. كيما نعرف مقدار حريتنا الضرورية بالنسبة إليه لتحقيق ذواتنا فيما نصنع، حتى لا نكون نسخة مكررة من غيرنا، فالعالم الإسلامي على وجه الخصوص لا يمكنه ولا يجب عليه أن يتتبع جميع الدروب والمنعرجات على طول الطريق الذي سلكه الغرب، فليس لديه من القرون مثل ما كان لنموذجه، وهو لذلك ملزم باقتباس طرق التاريخ المختصرة التي لم تقتبسها الحضارة الغربية، إذ كان أمامها من الوقت ما يكفيها، وإذن فلا لزوم مطلقاً لآن يقيس على نموذج معد تماماً، فالأمر هنا ليس أمر (نقل) تطور بحذافيره، وإنما هو أمر تلخيصه فيما هو جوهري وعام، فإذا كان النموذج يرتدي قبعة أو (كاسكتة) فإن هذه الأغطية ليست بداهة فضائله أو قيمه العامة، وربما كان من المضحك أن نستعيرها منه بمحض التقليد، كما سيكون من السخف والسخرية أن نقف في مواجهته بطريقة صبيانية متشبثين بذلك الطربوش الأحمر لكي نعلن به عن شخصيتنا. إن من الواجب أن نتخلى عن هذه الأزمة الصبيانية المنبثة في أنحاء العالم الإسلامي بتفاصيلها الغريبة ... المضحكة أحياناً.
стр. 85
فعندما نرى مثلاً في إحدى المصالح العامة في بعض العواصم العربية فريقاً من الناس يلبس القبعة وفريقاً آخر ما زال يرتدي الطربوش، نفهم من هذا أننا في مجتمع لم يحدد بعد اختياره بوضوح، وفي مثل هذا الموقف ليس نوع غطاء الرأس هو الذي يهمنا، بل نوع الأزمة الصبيانية التي يعدّ غطاء الرأس عرضاً من أعراضها.
وعندما نلخص هذه الاعتبارات عن الحقبة الراهنة في العالم الإسلامي نلاحظ اعتراضه وعدم اكتراثه بكل جهد للتعميم، حتى كأنه لا يحب أن يخضع لمنطق القواعد، أي للمبدأ الجوهري في كل حضارة، بينما الحضارة في جوهرها نوع من القهر ينفي لدى الفرد والجماعة صفات البدائية المترحلة، وخاصة صورتها العقلية.
فالبدوي الراحل يضرب في الأرض على غير هدى من هدفه، لأن فكره لا يخضع لهدف الطريق الذي يفرضه منهج بحيث يمكننا أن نلخص القول بأن الاختيار الضمني للنموذج الغربي في العالم الإسلامي، قد تم عن تنكر كامل تقريباً للنموذج، ولفضائله الواقعية، ولقيمه العامة.
ويكفينا في إيضاح هذه النقطة أن نذكر أن الموسيقى العربية الحديثة لا تستمد وحيها من الأساتذة الكلاسيكيين في الغرب، بل إنها تبحث عنه في (أغانيه العاطفية) ولا حاجة بنا إلى تحليل برنامج إذاعي إذ يكفينا أن نصغي إلى بعض الإذاعات في بعض العواصم العربية لكي نقتنع بهذا الرأي.
ويجب أن نؤكد بطريق العكس أن الذوق الغربى كان يدرك تماماً (استشراقه) أعني معرفته بالشرق عندما يستوحيه، وهذا الجزء من البرنامج الموسيقي الغربى يحتوي على مقطوعات من أمثال: (في سوق فارس) تترجم تماماً عن الجو الخاص، وعن الوفاء لمصدر الإلهام. وعلى العكس من ذلك نجد (اللون المحلي) للحياة الغربية ينعدم في الموسيقى العربية الحديثة فيما خلا بعض الألحان المتطرفة، وأحياناً بعض المقطوعات التي استوردها الغرب نفسه من خارج إطاره.
стр. 86
فالذوق العربي لا يدرك تماماً (استغرابه)؛ لأنه لم يفكر في مشكلة النموذج، ولم يضع هذه المشكلة، وقد نتج عن هذا في مجموعة سلبية في التأثير يمكن أن نتصورها بالمقارنة بين حدثين متعاصرين، فالنهضة الإسلامية هي في الواقع معاصرة للعصر الميجي، توأمها في اليابان، وشهادة ميلاد الحركتين يمكن أن تحمل التاريخ نفسه، أي عام (١٨٦٨م)، ومع ذلك فإن نتائجها الخاصة تنطبع في منظرين إنسانيين جد مختلفين، حتى إن الزائر السماوي لا يمكنه أن يخلط بينهما. كما تبين ذلك في هذا الفصل.
فقد اجتازت اليابان في نصف قرن المرحلة التي تفصل محور طنجة - جاكرتا عن محور واشنطن - موسكو.
إن مشكلة الحضارة تتجسم دائماً في الشروط نفسها التي تملي علينا أنه يجب إحداث التركيب التاريخي التكويني للإنسان والتراب والوقت، فإذا واجهت اليابان هذه المشكلة بطريقة منهجية عن قصد، بحيث اختارت النموذج الغربي وهي تعلم ما هو جوهري رئيسي في اختيارها. فإن المشكلة قد واجهت العالم الإسلامي، وهي في طريقها إلى أن تنحل من تلقاء نفسها، بقوة الأشياء لا بحكم الفكر.
وعليه، فالعالم الأفرسيوي وهو اليوم في ساعة الاختيار، يجب أن يأخذ في اعتباره هذه التجارب ونتائجها المختلفة.
فهناك كسب تاريخي واجتماعي في العالم المعاصر، يمكن أن يستغله الرجل الأفرسيوي ليرقي تجربته الخاصة، ولقد رأينا فعلاً هذه التجربة تتكون وتنمو، وقدم لنا الاتحاد الهندي مثالاً عليها في محاولة أصيلة تتركب خلالها (الفنية) الديكارتية مع (الروحية) الغاندية، وهو مثال قائم على مواجهة مشكلة الاختيار والمنهج، ففي مناقشة مشروع التصنيع في الهند وتحويل اقتصادها إلى اقتصاد اشتراكي (فبراير ١٩٥٦م) غربلت الحلول المعروضة، وكانت هنالك مقابلة بين الحلول، لا طبقاً للحقائق الاقتصادية فحسب، بل مع اعتبار العوامل الإنسانية
стр. 87
الخالصة، ولقد قدم نهرو مشروعه في ضوء معرفة تامة بالقضية مبيناً في عرضه كيف ((كانت الثورة الصناعية في الغرب بطيئة وديمقراطية بحيث تمت في قرن من الزمان، وكيف أن ثورة روسيا الصناعية قد أنجزت في سرعة لم تتجاوز ثلاثين سنة، ولكن ليس في صورة ديمقراطية)).
وقد وضح نهرو بهذا دون جدال أن هناك اختياراً يتجنب بطء منهج معين، وعنف الآخر.
وإن هذه التجربة لتتجاوز النطاق المحلي بصورة مزدوجة حين نحسب حساب نتائجها الخاصة، فهي من حيث كونها حاملة لمبدأ (عدم العنف) تتيح للسلام العالمي فرصة من أحسن الفرص، وهي من حيث كونها تهدف إلى بناء نظام جديد تتيح لكثير من الجماعات الإنسانية فرصاً واقعية للتخلص من مصير النموذج الاجتماعي الذي تمثله الصورتان المنشورتان في هذا الفصل؛ فهي تهم - كمثالٍ، وكدافعٍ- ملايين البشر الذين يعيشون على محور طنجة - جاكرتا.
***
стр. 88
الجزء الثاني
بِنَاءُ الْفِكْرةِ الْأَفْرسْيَوِيَّةِ
- صفحة من التاريخ
- أوان المسؤولية
- الكتلة العربية الآسيوية
- مشكلة الحضارة
- نظرات عامة في الثقافة الأفرسيوية
- مبادئ اقتصاد أفرسيوي فعال
стр. 89
صَفْحَةٌ مِنَ التَّارِيخِ
إن تقارير الصحافة التي خصصت لباندونج قد رأت في هذا الحدث عنواناً لفصل جديد من التاريخ، وربما كان هذا الفصل محاطاً بهالة أسطورية تسيطر على الأصول البعيدة للفكرة الأفرسيوية. وربما كان لهذه الفكرة أسطورتها المزخرفة ذات الإطار الغامض كسائر الأساطير.
فلقد قالوا: إن زعماء الهند وأندونيسيا قد اجتمعوا في أحد البلاد بجنوب أوروبا خلال صيف عام (١٩٧٢م) ليشتركوا في بحث حالة بلادهم الخاصة، والمشكلات التي تثيرها الامتيازات الاستعمارية من ناحية، والنشاط المضاد للاستعمار من ناحية أخرى.
ولكن المبدأ الأفرسيوي لم يدخل التاريخ إلا في باندونج، وربما كانت الأقدار تعد هذا المكان التاريخي لتلك الولادة. فقبل خمسة أعوام حدث في إطاره الفخم حادث ذو دلالة، في يونيو (١٩٥٠م) حين خاطب نهرو جماعة من الطلبة الأندونيسيين، فصاغ ضمناً نظرية العمل الضروري لتغيير الوضع في بلد في مرحلة أندونيسيا، بحيث تخلق في هذه المرحلة السابقة على الحضارة الشروط التي تتفق مع نمو الإنسان. قال: ((إن العمل الشاق، والتعاون الوفير ضروريان، إذا ما أردنا بناء هذه الأمة الجديدة الحرة، أما الذين يضيِّعون مواهبهم في الثرترة، وفي المناقشة، وفي المنازعات التافهة فإنهم لا يخدمون بحق بلادهم)).
هذه الكلمات التي تهدف إلى تحويل ضمير صفوة من الشباب إلى منطق الإيجابية في التأثير، وإلى مستوى الواقع، هذه الكلمات لا تعتمد في الحقيقة على مضمون قومي معين، بل على مضمون اجتماعي ونفسي مشترك بين البلاد الأفرسيوية، حيث تجتاز هذه البلاد أزمة مشتركة في تاريخها، وحيث تجد نفسها في المرحلة نفسها من مراحل تطورها، وبذلك كانت تلك الكلمات كأنها
стр. 90
المقدمة النظرية لمؤتمر باندونج حيث قد تكررت في مداولاته بصور مختلفة بالاهتمام نفسه الذي لا يخص هذه المرة بلداً بعينه، وإنما يخص نصف الإنسانية، وحيث ترجمت هذه المرة عن الرغبة في أن تترابط هذه الشعوب، بأسرع ما يمكن، في مرحلة للبناء ذات تأثير فعَّال إلى أقصى حد.
إن المرحلة الثورية التي بدأت مع الحركة التحريرية في هذه البلاد يجب أن تنتهي. وأعظم خطر يواجهه بلد مكافح ضد استبداد معين هو أن تطول ثورته، ويستقر على القلق والفوضى، وحكم الغوغاء الذي ينتج عن هذه الثورة. ولقد تعرضت بعض بلاد أمريكا الجنوبية لمثل هذا الوضع، فشلَّ تطورها، بقدر ما شله النظام الاستعماري نفسه، قبل تحررها.
فمن المهمات الأولية الأساسية بالنسبة إلى بلد حقق ثورته أن ينظم قواه الثورية التي حررته، كيما يشرع في مهمته الرئيسية، مهمة بناء نظامه الاجتماعي. ولا شك في أن هذا هو المغزى الذي كان يتضح صراحة في مؤتمر باندونج، الذي سجل ميلاد الفكرة الأفرسيوية. إن الأحداث التاريخية لا تحمل الشحنة نفسها من التاريخ، وقليل جداً منها الذي يحمل شحنة الفكرة الأفرسيوية لأنها ذات وزن كبير في التطورات المستقبلة في العالم، فإن لها نتائجها على كلا المحورين في وقت واحد، وبعض هذه النتائج يتصل بالمشكلات الخاصة بالعالم الأفرسيوي، وبعضها الآخر يتصل بالحالة العالمية العامة. وحين تحدث هذه الشحنة تأثيرها الأخلاقي والسياسي على محور واشنطن - موسكو، فإن إحدى نتائجها الهامة جداً ستكون تغيير العلاقات الفاسدة التي تقررت بين شقي الإنسانية خلال القرن التاسع عشر.
فأي محاولة نقوم بها لتخطيط هذه العلاقات قبل عشر سنوات أو عشرين سنة، أي إبان العصر الاستعماري، تضطرنا إلى أن نرمز إليها ببعض السهام المتعارضة كيما نشير إلى قوى متنافرة تدل خطوطها على ذلك التنافر المتبادل بين الاستعمار العنصري وقوميات الشعوب المستعمرة المطالبة بحقوقها.
стр. 91
وستكون إحدى نتائج الفكرة الأفرسيوية في النطاق العالمي هي التغيير المستمر لهذا التخطيط الخاص بالعصر الاستعماري إلى وضع آخر، قد تتغير فيه طبيعة العلاقات من أساسها. إذ من الممكن أن تحل محل قوات التنافر والطرد الحالية قوات جذب، كلما سكن دوي الأحداث، وانقضى زمن الأحقاد.
ومن التوقع أن تخلق الفكرة الأفرسيوية من نفسها علاقات جديدة حتى لا تكون نتيجتها في المجال العالمي- فيما وراء المظاهر الحالية- انفصالاً بين المحورين، بل على طول الزمن (اتصالاً) وثيقاً بينهما. أي بين الأجناس التي فرَّق بينها الاستعمار خالق التفرقة العنصرية.
ومن حيث كونها جهداً للتحرر والتنظيم، فمن اللازم أن تتيح هذه الفكرة للشعوب الأفرسيوية أن تجتاز بعد مرحلة الفوضى الثورية، كي تتصل اتصالاً أكثر صلاحاً مع المجموعات الإنسانية المتطورة على المحور الآخر.
وبالفعل، فإن بعض المراقبين الغربيين الذين خصصوا ملاحظاتهم عن الروابط بين آسيا وأوروبا يرون أن ثقافة أوروبا، وحضارتها تتغلغلان أكثر في البلاد الآسيوية ((بقدر ما تتحرر آسيا من قيود الاستعمار)).
والحق أن هذه الملاحظة صادقة، ليس فقط بالنسبة إلى القارتين الأوروبية والآسيوية- بل بالنسبة إلى المحورين، فكل تغيير اجتماعي في حياة الشعوب الأفرسيوية له نتيجة نفسية في المحور الآخر، وأثر في التقريب بينهما.
وسنحلل فيما بعد بصورة أكثر تفصيلاً هذا الشكل، مبينين الدور غير المباشر الذي تؤديه أوروبا في هذا التقريب الهادف إلى توحيد العالم.
على أية حال فإننا نرى أن الفكره الآفرسيوية تقدم للعالم رسالة اتحاد وأخوة.
أما في العاجل، فإن مؤتمر باندونج يبدو في مظهر مزدوج؛ حسب نظرنا إليه بالنسبة إلى فكرة (القوة) أو فكرة (البقاء) وهو يمثل بالنسبة إلى الرجل
стр. 92
الأفرسيوي بلا جدال الصفحة الأولى في تاريخ حضارة جديدة، إذ كان قبل كل شيء لحظة تفكير في مشكلة (البقاء) وخطوة أولى في طريق الحل.
ثم إنه كان في مظهره الآخر أحد فصول الحرب الباردة، وحدثاً يؤثر على ميزان (استراتيجية التطويق) وعلى نظريات هيئات أركان الحرب فيمكن القول بأنه سجل في مغزى زمننا لحظة نفسية هامة في الحوار الدائر بين القوة والبقاء. وأياً ما كان المظهر الذي نتصور تحته أهمية مؤتمر باندونج؛ فإن هذه الأهمية
لا تنتج عن كمية وطبيعة المشكلات التي عولجت فعلاً خلال مناقشاته بل إنها تصدر عن كمية من المشكلات الأخرى التي نحيت بقصد أو عن غير قصد من هذه المناقشات، ولكنها ظلت في حيز القوة في التطور الاجتماعي والاستراتيجي الناتج عنه في الحالة العالمية، أي إنها ظلت كاحتمالات وعبارات مؤجلة في الحوار الناشب بين المحورين.
فهناك إذن ناحية مفاجئة في هذا التطور قد يحدث توقعها بعض القلق في العقول التي تعودت التعبير عن الواقع الإنساني بالأرقام. ولعل هذا القلق هو الذي بدأ في كلام مستر دلاس؛ عندما أعلن قبل انعقاد المؤتمر بأيام لبعض مندوبي الصحف تصريحاً عن باندونج قال فيه:
((إن أهداف هذا المؤتمر تبدو- له- مختلطة وغامضة)).
والواقع أن هذا التصريح يترجم عن إدراكه المشوب ببعض الحيرة والارتباك لتحوُّل عدد من عناصر (القوة)، إلى عناصر (عدم عنف) أكثر من أن يترجم عن سفسطة رجل مثل (دلاس). فالقوى التي يمثلها مؤتمر باندونج تكون فعلاً- في نظره- رصيداً له وزنه وتأتيره في مفهوم الاستراتيجية في العالم.
إن هذه القوى التي كانت بسبب هذا المفهوم في رصيد الحرب الباردة أي متجهة إلى أن تعمل بصورة أو بأخرى كعوامل (قوة) قد تحول خط نشاطها واستقر بصورة ما على محور (عدم العنف)، بوساطة مؤتمر باندونغ.
стр. 93
ونظرة إلى خريطة البلاد التي اشتركت في المؤتمر ترينا الأهمية الاستثنائية لهذا الانقلاب والتحول الذي حدث للقوى، ويدرك بها جيداً رجل الاستراتيجية مثل دلاس أهميته الخاصة، حين يأخذ في اعتباره الوضع الجغرافي للعالم الأفرسيوي؛ واطراده ووحدته على الخريطة. فإذا حسبنا حساب المساحات والحشود الأفرسيوية من الناحية الاستراتيجية، لعلمنا أي ثقل خطير ألقى به مؤتمر باندونج في ميزان التاريخ.
فالعوامل الجغرافية السياسية الفعالة في الموقف تعبر في الواقع عن تحول حقيقي إلى السلام الذي فرضته قوة الأشياء، أعني السلام الذي فرضه منطق الوقائع المحسة المسيطرة على منطق الحرب. والحق أن الحرب تفقد منطقها هنالك حيث تفقد وسائلها التي هي المساحات الجغرافية والحشود البشرية. فإذا بباندونج حين سخرت المساحات والجموع الأفرسيوية لبناء حضارة، قد قلبت قلباً مادياً المنطق الذي كان يستدرج العالم إلى الحرب العالمية الثالثة، بل إنها قبل أي إفصاح عن النوايا بمجرد ثقل العناصر المؤتمرة في ميزانيات القوة قد قلبت المفاهيم الاستراتيجية، وخطط أركان الحرب على محور: واشنطن - موسكو.
ولكن هذا الانقلاب السلمي لم يحدث صدفة، بقوة عناصره وحدها وبفعل خمودها وحده، فإن هناك نية، وإرادة أكيدة للسلام، تتضح صراحة في نظرية سياسية هي: الحياد.
فإن هدف باندونغ العاجل، والاهتمام الشامل الناتج عن هذا الهدف قد تأكدا دون نزاع بالنسبة إلى البلاد التي أرسلت مندوبيها إلى المؤتمر، أو على الأقل بالنسبة إلى أغلبيتها، رغبة في الهرب من كابوس الحرب، ولارادتها بمقتضى ذلك أن تنظم نفسها، أي أن تدعم بجميع الوسائل وفي جميع الميادين فرص السلام.
وكل تأثير آخر للمؤتمر الأفرسيوي في نمو البلاد المشتركة فيه ينتج بصورة غير مباشرة عن الظروف العالمية وعن أسرارها الغيبية، وعن التداخل الطارئ للقوى الروحية والمادية لمليار من البشر التقوا واجتمعوا على هدف واحد، وعلى فكرة محددة هي: السلام.
стр. 94
« .......... خريطة جغرافية .......... ھ»
الدول التي حضرت مؤتمر باندونج هي: الهند، باكستان، سيلان، بورما، إندونيسيا، أفغانستان، العربية السعودية، كمبوديا، ساحل الذهب، الصين، مصر، أثيوبيا، العراق، إيران، اليا بان، الأردن، لاوس، لبنان، ليبيا، نيبال، الفلبين، سيام، السودان، سورية، تركيا، فيتنام الشمالية والجنوبية، اليمن.
стр. 95
ولقد بدا لمؤرخي المستقبل أن جوهر الموضوع يتمثل في هذا الهدف وفي تلك الفكرة بصورة أقل مما يتمثل في النمو الاجتماعي؛ الذي حدث بعد ذلك إثر المناقشات التاريخية التي نتجت عنها الفكرة الأفرسيوية.
ولكن عصرنا، فيما عدا الدول الكبرى، قد أدرك تماماً أن إنقاذ السلام يعني إنقاذ كل شىء، وبدت القوى الروحية والمادية التي التقت في مؤتمر باندونج كأنها تكوّن القاعدة العظيمة للسلام، فلم تكن الكلمات الأولى للمندوبين، مجرد تحيات رسمية، بل كانت تعبيراً دقيقاً مقصوداً من أجل مبادئه، وتدعيمها بالرأي المناسب.
فعل ذلك جمال عبد الناصر منذ كلمته الأولى؛ حين قال مردداً ومزكياً تصريحات نهرو أثناء سفره إلى بكين: ((إن إقرار السلام ليس معناه انعدام الحرب، بل معناه التوجيه الرشيد للجهود في سبيل خلق مجتمع عالمي متعايش)).
فهذا التعريف لإقرار السلام ألقى في الواقع نظرة على الهدف العاجل للمؤتمر، ونظرة أخرى على أهدافه المتوقعة البعيدة.
وفي هذا التعريف يرتبط أيضا المغزى السياسي بالمغزى التاريخي، بحيث يقرران معاً الأهمية المزدوجة للمؤتمر الأفرسيوي كجهد دولي يدمج مشكلة السلام في العالم في توقع حضارة جديدة تبنيها سواعد مليار من البشر المنتسبين إلى جميع مراحل التطور الإنساني.
والمشكلتان في الواقع متحدثان، والوسائل التي تستخدم لحل إحداهما، هي نفسها التي تستخدم لحل الأخرى، وهي الوسائل الراهنة الموجودة في حوزة الشعوب الأفرسيوية، والمتمثلة في مواردها الروحية والمادية.
ومما يجب أن يذكر، أن باندونج كان مؤتمراً للبلدان المتخلفة، باستثناء واحدة أو اثنتين تقريباً، أعني البلدان التي ما زالت تعاني بقايا القابلية للاستعمار، والاستعمار، من نقص الأغذية، والأمية وازدياد السكان.
стр. 96
ويجب أن نذكر أيضاً أن جميع العقائد والأديان كانت ممثلة فيه، حتى الديانة المسيحية، في شخص الأسقف مكاريوس. وهكذا تظهر الإمكانيات التي تتحكم فيها هذه المجموعة المتنوعة في أفكارها وأصولها ومجتمعاتها، كما تظهر عوامل الضعف فيها، وتنوع كهذا، يمكنه بطبيعة الحال أن يقدم العناصر اللازمة لبناء قاعدة متينة للسلام، وإلقاء الأسس الروحية والصناعية لتشييد حضارة الرجل الأفرسيوي، وتهيئة الظروف النفسية والزمنية لإقامة (مجتمع عالمي متعايش).
وإنما تعبر هذه الرغبة عن توقعات عصر تهدف فلسفته واتجاهاته العميقة إلى
أن تبلغ- على أي احتمال- ((عهداً عالمياً)) وإنها لبالغته حتماً. وطبيعي أن جميع الإمكانيات والمصاعب في هذا الطريق يمكن تقديرها في ضوء الحقائق السياسية والاقتصادية الخاصة بمصير محور طنجة - جاكرتا، وهذه الحقائق دالة في الوقت نفسه على البعد الروحي والاجتماعي بين هذا المحور، ومحور القوة بحيث تصوغ أقرب مقياس لما يجب إنجازه من مهام.
إن ثماني عشرة دولة من دول باندونج التسعة والعشرين أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وثلاث عشرة دولة من مجموعة دول كولمبو، وهذه المجموعة تخصص من حيث المبدأ ميزانية مكونة من ثلاثة آلاف مليون من الجنيهات الاسترلينية لترقية التجهيز الزراعى، ولتصنيع جنوبي شرقى آسيا. ويمكننا أن نكون فكرة عن التأثير النسبي لخطة استثمار كهذا حين نأخذ في اعتبارنا بعض الحقائق البيانية عن المستوى الاجتماعى والاقتصادي للمنطقة التي نتحدث عنها. فإن دخلها الكلي لا يتجاوز في الواقع ٢٥،٠٠٠ مليوناً من الدولارات، أي ما يقرب من ٨% من الدخل العالمي، ومتوسط دخل الفرد فيها لا يتجاوز ٥٦ دولاراً في السنة في مقابل ١٨٢٣ دولاراً في الولايات المتحدة الأمريكية و٧٦٥ في إنجلترا. وهذا الدخل يتدرج بين حد أقصى: ٢٠٠ دولاراً في اليابان، وهي دولة ترتبط في الواقع بمحور القوة، ولكنها مثلت في باندونج، حد أدنى: ٣٨ دولاراً في ليبيريا، وهذا الرقم الأخير يقترب أكثر من الواقع الأفرسيوي، ويفسر
стр. 97
من الناحية الكمية خط النموذج الاجتماعي الذي استخدمنا عينتين منه في عنونة الفصل السابق.
هذه الأرقام بما بينها من تفاوت على المحور نفسه، تدل على الأهمية الأخلاقية والسياسية لاتصال دولي مثل هذا بين دول مختلفة في درجة النمو، رغم انتسابها إلى نظم سياسية متعارضة، ورغم اختيارها لنماذج ومناهج مختلفة، إذا ما نظرنا مثلاً إلى الصين واليابان، أو إلى اليابان وساحل الذهب.
فهي تبرز إرادة هذه الشعوب كلها أن تشترك في مصير واحد: وأن تتحمل بهذا مسؤولياتها الخاصة في مصير العالم، في اللحظة التي أصبح فيها العالم بين شقي الحرب والسلام.
ولقد اجتازت هذه الشعوب التي استردت استقلالها السياسى على تفاوت فيما بينها، اجتازت وهي في طريقها إلى باندونج مرحلة مهمة في سبيل استقلالها الأدبي. فحتى ذلك الوقت لم تظفر مشكلات كل هذه الشعوب ببحث كامل إلا في المؤتمرات التي تستلهم وحيها من ((الميثاق الاستعماري)) ومن الاستراتيجية العالمية، أي في ظروف أخلاقية وفنية ووجهت فيها المشكلات بمنطق القوة أكثر من أن تواجه بمنطق (البقاء) بينما لا يمكن أن يتم الاستقلال في هذا الميدان إلا إذا استقر في الأذهان أولية مشكلات (البقاء).
ولقد كان أحد الذين حاولوا بعث هذه الشعوب (علي ساسترو ميدجوجو) مدركاً لتلك المسؤوليات الضخام، ولعظم رسالة هذه الشعوب المتخلفة وضرورة بعثها، بينما لم تكن الفكرة الموجهة نفسها قد تجاوزت مرحلة التكوّن، كان ذلك حين قال كمقدمة لهذا الحدث الدولي: ((إن الفكرة التي نشأت إبان مؤتمر كولمبو قد شقت طريقها وأثبتت أنها جديرة بالحياة))، ثم أضاف: ((وإن شعوبنا لمدركة أن مصيرنا إنما يصدر عن أعمالنا، وجهدنا الخاص، لا عن دول توجد خارج آسيا)).
стр. 98
وطبيعى أن يصطدم هذا الاستقلال السياسي والأدبي الذي تجسم في مؤتمر باندونج وفي سير مناقشاته بالعرف والعادات والتقاليد، تلك المعانى التي كونت منذ زمن بعيد مقاييس العصر الاستعماري.
ولقد نفهم من هذا أن تأثير هذه الصدمة على الضمير في الغرب يحتمل أن يوجه رد الفعل توجيهاً سلبياً بقدر كبير. وبالفعل رأينا كلمات تروج في الصحافة كنا قد اعتقدنا أن زمنها قد فات، فلم تعد لها قيمة. فإذا بهم يتحدثون عن ((الخطر الآسيوي)) ويبعثون ((الخطر الأصفر)) من قبره إلى الخطر الذي كان الحجة العليا لدبلوماسية (وليم الثانى) حين أراد أن يلفت الرأي العام العالمي الذي أقلقته كلمة أخرى شائعة أعلن فيها هذا الإمبراطور شعاراً ألمانياً حين قال: ((إن إمبراطوريتنا لقائمة على المياه)).
وتحدثوا أيضاً أو تهامسوا عن (الخطر الإسلامي). وتلك هي نفسية الاستعمار القديمة، فهو عندما يستنفد كل مبرراته، ولا سيما مبرر (القوة) نجده يستخدم جند الأشباح القديمة مفتخراً برسالة (ناشر الحضارة) أمام (المتوحشين الإفريقيين) المؤبدين، وأمام (الهمج الآسيويين).
وبذلك دلت قرائن الأحوال على أن حجة الاستعمار لم تنفد، بل إنها غير قابلة للنفاد، فلقد تجددت مع باندونج، وأصبحت كلمة باندونج نفسها مفتاح التفسير السياسى للأحداث عند البعض، إذ عندما تجري الأحداث على غير ما يرضي المصالح الاستعمارية، نراهم ينسبونها إلى تأثير المؤتمر الأفرسيوي. ففى خلال مناقشات دارت في البرلمان الفرنسي عن مسألة الجزائر كانت باندونج هي شاشة عرض المناقشات المتصلة بموضوع الإدراج المفاجئ للقضية في جدول أعمال الأمم المتحدة، فأعلن المتحدث باسم الحكومة في المجلس ((أن مؤتمر باندونج - كان وسيكون ذا نتائج خطيرة، مع أننا لم نتوقع له أن يحدث انقلاباً كهذا في العالم .. )) فالمسؤول الفرنسي لا يرى طبعاً في هذه النتائج الخطيرة التحول الذي يمكن أن يطرأ في الوضع الإنساني على محور طنجة - جاكرتا،
стр. 99
ولا يرى أيضاً انعكاساته الأخلاقية على محور القوة، خاصة لصالح السلام، فكأنه مجبر إذن بمرض السيطرة الموروث على أن يترجم إلى لغة القوة ما وضعته باندونج من مصطلحات (البقاء)، وهكذا تنقلب العلاقات في العقل الغربي كما تنقلب الألوان في التجربة السالبة (في التصوير) وذلك حين يتصل الأمر بأحداث خارج أوروبا: فهو يرى أسود ما يجب أن يكون أبيض في الواقع الأفرسيوي، وإن إعادة هذا الواقع إلى لونه الحقيقي في العقل الغربي، سواء من الناحية النفسية أم السياسية لهو من المشكلات الهامة التي يتعين على العالم أن يحلها من أجل خلاصه.
والأفرسيوية نفسها يجب أن تمنحه الأهمية التي يتطلبها في إطار العلاقات الدولية، مع الاهتمام بحلها عن طريق الاقناع.
وعلى كل، فإن (فكرة باندونج) قد دخلت التاريخ وهي تؤكد استقلال الشعوب الأفرسيوية السياسي والأدبي، كما ذكر السيد بانيكار في مقالة لفتت الأنظار في الغرب، قال فيها: ((إن مؤتمر باندونج يعتبر التأكيد الأول الصريح لحق الشعوب الآسيوية والافريقية في أن تدير شؤونها الخاصة في نطاق استقلالها)).
ولقد كتب بعض المراقبين الغربيين المتحررين من الأفكار الاستعمارية والاستراتيجية عن هذا التأكيد قائلين بأن النزعة المضادة للاستعمار في الهند وفي أندونيسيا وفي بورما أو في مصر لم تظهر خلال المؤتمر كعداء مقصود موجه ضد المراكز الفرنسية ((متى تخلصت هذه المراكز من مغزى الاستعمار)).
كما لاحظوا أيضاً في هذه النزعة المعادية للاستعمار رغبة أصحابها في ألا يثيروا (المنازعات الاستعمارية) بل على العكس من ذلك كانوا يريدون أن يساعدوا على تسويتها بالحوار وتبادل الآراء. كما لم يفتهم الاعتدال الذي برهن عليه موقف المندوبين في مسائل النزاع، كما برهن على يقظتهم حين نددوا (بلغة المهرجين) التي استخدمها بعضهم على منبر المؤتمر نفسه، فأثرت
стр. 100
هذه الجوانب في نفوس أولئك المراقبين، فبعثوا بتقارير مخلصة إلى بلادهم يطلقون فيها على المؤتمر (مؤتمر الكرامة)، وليست هذه أقل ميزات المؤتمر الفعالة، لو أننا أوليناه مظهره الأخلاقي ما يستحق من الاهتمام، وهذا لازم في الموقف الذي تقف فيه الإنسانية الآن على عتبة عصر ذري، يقتضي علاقات إنسانية خالصة بين المحورين.
فإذا بقي العالم معطلاً بصورة ما في طريق تطوره التاريخى منذ عشر سنوات،
فإنما ذلك لانعدام أي سلطة أخلاقية تتدخل لتنقذه من العطل، وتقيمه على الطريق، وتعدل من سيره.
وعليه، فمن المهم- قبل كل شيء- أن تظهر الفكرة الأفرسيوية كقوة أخلاقية صالحة لأن تبعث على نمو الشعوب الأفرسيوية، وتحافظ على التوافق والانسجام بين مقتضيات هذا النمو، والمصلحة العليا للإنسانية.
وأخيراً: ما التقويم الفعلي الذي خلفه أسبوع باندونج؛ لقد خلف أولاً مجهوداً نظريا كاملاً صدر به بيانه النهائي. فالمبادئ المقررة في هذا البيان فيما يخص التعاون الاقتصادي والثقافي، والتعاون في الدفاع عن الحقوق الإنسانية، وعن حق الشعوب المطلق في تقرير مصيرها، وفي الجهد المشترك لحل مشكلة الشعوب المتخلفة، وفي السعي من أجل السلام والتعاون الدولي، هذه المبادئى تكوِّن في مجموعها منوالاً يستطيع التاريخ أن ينسج عليه ثوبه الوقور.
وفضلاً عن ذلك فإن المؤتمر الأفرسيوي قد أعطانا مثالاً ذا قيمة عالمية، مثالاً
لم يفت محرر (صحيفة بكين) الصادرة في عاصمة الصين حيث قدر محررها استنادا إلى نتائج المؤتمر: ((أن المشكلات الجوهرية العديدة التي تتصل بأوروبا وبالأمن الدولي يجب أن تحل على نسق مؤتمر باندونج حيث تم الاتفاق على المسائل الرئيسية .. )).
ولعل الكبار قد حققوا هم الآخرون هذا الاقتراح حين اجتمعوا بدورهم في جنيف لبحث المسائل المعلقة، ولكي يضعوا نهاية للحرب الباردة على أية حال.
стр. 101
إن مؤتمر باندونج لم يصل بعد إلى جميع نتائجه، فإن الأغلبية ما زالت في حيز القوة سواء في الإطار النفسي أم في الإطار الزمني. ولكن البذور التي ألقاها هذا المؤتمر في مهب التاريخ تحمل (فكرتي قوة) يمكنهما أن تصنعا معجزة هذا العصر حين يتم لهما التفتح والازدهار، فلقد غرس الفكرة الأفرسيوية التي ربما غيرت وجه الإنسان الذي يعيش بين طنجة وجاكرتا، وغرس في شكل مبدأ الحياد نواة لنفسية جديدة للسلام. مغيرة مفهومه تبعاً لتوجيه (عدم العنف) الذي يملي على المرء أن يكون صديقاً لجميع الناس، ولجميع المبادئ، عدواً للحرب. ولعل هذه الفكرة تغير وجه التاريخ حين تزدهر في الضمير الإنساني.
***
стр. 102
أوَان المسؤولِيَّة
عندما يكون التاريخ في مفترق الطرق، يصبح اختيار الإنسان كأنه هو المقدر لكل شيء، وعندما يتم هذا الاختيار يصبح الأمر كأن الإنسان قد ضغط فعلاً بأصبعه على (زر) المصير، فحرك بذلك الأقدار، في الوقت نفسه الذي يدفع فيه تيار الأحداث العارم.
ومنذ تلك اللحظة يكون كل شيء قد قدر، وتكون السفينة قد اتجهت إلى خيرها أو شرها.
ولقد عرف التاريخ الإسلامي لحظة كهذه في معركة صفين، تلك الحادثة المؤسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار، الاختيار الحتم بين علي ومعاوية، بين المدينة ودمشق، بين الحكم الديمقراطي الخليفي والحكم الأسري، ولقد اختار المجتمع الإسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تاريخه الطريق الذي قاده أخيرا .. أخيراً إلى القابلية للاستعمار، وإلى الاستعمار.
ولقد وضع عام (١٩٤٥م) الدول الكبرى أمام فرصة للمساهمة في التجديد الإنساني، فترك الكبار الفرصة تمر هباء، واليوم تقف الشعوب الأفرسيوية في ساعة الاختيار التي دقت، ودقت معها ساعة مسؤولية زعمائها وقادتها، فباندونج قد وضعت هذه الشعوب أمام مشكلات عضوية يفرضها بقاؤها، ومشكلات للاتجاه تفرضها الحالة العالمية.
وفي كل ناحية يوجد اختيار حاسم في المجالات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية جميعاً.
ولا شك أن مناقشات المؤتمر الأفرسيوي قد تخطت من الناحية النظرية النطاق الذي تتم فيه التطورات الضرورية على محور طنجة - جاكرتا، فعبرت عن الحرمان الذي يعانيه العالم من انعدام السلطة الأخلاقية، وأوجدت في الوقت
стр. 103
نفسه الفرصة لغرس هذه السلطة في الضمير الإنساني، حين تدعو هذا الضمير إلى أن يتأمل بطريقة أكثر موضوعية، حين وضعته، أمام درس (عدم العنف) كي يتأمله بطريقة جدية.
ولكن باندونج أيضاً تعتبر قبل كل شيء تقويماً لإمكانيات المستقبل، وقد أصبح على الإنسانية أن تحيل هذه الإمكانيات إلى واقع مُحَس يترجم الأفكار التي ولدت خلال المناقشات إلى سلوك محدد، وإلى تحقيق فعلي، مؤثر يغير حالة الرجل الأفرسيوي.
فمسؤوليات الزعماء والقادة خطيرة جداً أمام ما يصادفهم من عقبات ومغريات، وعليهم أن يلاحظوا أن تاريخ الشعوب الأفرسيوية لم يتحرر بعد من طرق التفكير والعمل التي كانت تسير عليها في عصر الاستعمار وعصر الثورة. وهذه الملاحظة تضع المشكلة في الإطار النفسي حيث يكون الأمر أمر تخليص هذه الشعوب من تورط مزدوج. ففي مرحلة الهدم، أي في الطريق إلى الهدف الجوهري من كل ثورة عنيفة، تصلح أي حجة، أو على الأقل تبدو أنها صالحة، وبما أنها توجه كل وسائلها إلى الهدم فإن جميع الوسائل تصير عندها صالحة عموماً، إذ من المعتقد في مثل هذه المرحلة أن من الواجب مواجهة الميكافيلية الاستعمارية، تلك التي ترى أن جميع الحجج والوسائل صالحة، بمكيافيلية ثورية تصنع من كل حطب سهماً، أي تستخدم جميع الوسائل للوصول إلى أهدافها.
ولئن كانت العقبات التي يتحتم على النشاط الثوري أن ينتصر عليها ضخمة، وتستلزم أشرف التضحيات، وأطهر البطولات، فإن إغراء الفكر الثوري كبير لكي يتخذ طريق السهولة، وهذا هو أخطر إغراء يتعرض له الزعماء وقادة الجماهير. فإذا جاء بعد ذلك عصر الجهد البنائي، والمهام الموضوعية، وجدناهم متحيرين في أهدافهم، محبوسين في ميكيافيليتهم، مختبلين في منطقهم الذي كان من الجائز أن يكون مؤتراً فعالاً في مرحلة الاضطراب،
стр. 104
ولكنه يصبح بالياً متأخراً، غير فعال عندما يشارفون اختبارات مشكلات البقاء والتوجيه.
فلو أننا لعبنا خلال الحقبة الثورية بمفتاح (الحقوق) - وهو ما يحدث غالباً- فسيكون من الصعب علينا أن نستخدم فيما بعد مفتاح ((الواجبات))، إذ إن الإغراء، على أن يستمر القادة في اللعبة نفسها، قاهر غلاب.
ونادر ذلك الرجل الذي يرضى بالمراهنة على اللعب بمفتاح (الواجبات) منذ البداية.
أما الأنبياء فإنهم جميعاً قد ارتضوا هذا الرهان، حين دعوا الناس إلى طريق الجهد والكفاح والكمال والتقدم.
ولكن الزعماء السياسيين يتعرضون لمخدر (الحقوق) حين يدعون الشعوب إلى طريق السهولة الذي يقودها أحياناً إلى الكوارث الاجتماعية وإلى المغامرات السياسية.
ولقد هرب غاندي من هذا المنحدر، حين اختار طريق الكفاح، طريق من يعمل على تغيير ما بنفسه كيما يتغلب على نقائصه ومظاهر ضعفه الأخلاقية والاجتماعية، فقد كان يأبى أن يواجه الميكيافيلية الاستعمارية بميكيافيلية أخرى، بل بالحقيقة المجردة، فهو لم يواجه القوة بشيء سوى عدم العنف. لقد هرب من الإغراء الضخم الذي يجذب الزعماء إلى طريق السهولة، ولم تكن نجاته من هذا الإغراء لطهارة نواياه، أعني صفاته الأخلاقية التي نعرف مغزاها وصرامتها لدى (المهاتما)، ولكن أيضاً لأنه وضع مشكلة تحرير بلاده أمام العقل. لقد هرب غاندي من مخدر السهولة بفضل مواهبه الأخلاقية والعقلية معاً.
فلو أحببنا أن نرى في أعماله طابع القديسين، فينبغي علينا أن نرى فيها أيضاً عمل رجل مكافح، وهو على علم تام بالقضية، وإنما يواجه قضية تحرير بلاده على أساس اختصاص الاجتماعي الذي يحلل نقائض بلاده، أكثر من أن
стр. 105
يواجهها على أساس اختصاص السياسي الذي يطالب بالحقوق، لأنه يعترف بأن (التغير القومي) لا يمكن أن يقوم على بطولة الزعماء، أو مِنحِ السلطات الاستعمارية.
وتدل هذه النظرية التي أعلنها غاندي يوم افتتاح الكلية المركزية للجامعة الهندية- التي كانت أولاً مؤسسة مس آني بيزانت- على أنه منذ بدء حياته السياسية كان يتكلم بلسان مربي الأمة، بلسان المهرج، ولا بلسان السياسي فقط. فالواقع أنه كان يشعر بأن المشكلة مشكلة حضارة، وكان يعبر في الواقع عن هذا الشعور حين يقول لمحدثه المندهش: ((لن تستحق الهند حقها في الحرية طالما كان المار على الرصيف في شوارع مدنها مثل بومباي، معرضاً للبصق من شباك فوقه)) فهذه الفكرة ليست فكرة سياسي فقط، إذ كان غاندي يدين منذ بدء حياته السياسية بفكرة تكوينية عن (الحق)، حيث يرى جذوره في (الواجب)، وبالتالي فقد اختار الواجب على أنه الأصل؛ ونحن ندرك أهمية هذا الاختيار وتأتيره الخطير الحاسم، ليس فقط على مرحلة ثورية، وإنما على عصر البناء الاجتماعي الذي جاء بعدها. فلقد وفر الشعب الهندي على نفسه عبء أزمة أخلاقية حين ارتبط كفاحه من أجل الاستقلال بطريق الواجب تحت قيادة غاندي. فلم يعرف الصدمة التي تأتي عقب التحرر. ولم يعرف الانهيار الذي يعقب هيجان الحمى، ذلك الانهيار الذي عانته شعوب أخرى منذ عام (١٩٤٥م)، عندما هبط المد الثوري، وانجلى السراب الفوضوي، وبرزت الوقائع الأصلية، وخلصت المشكلات من ضباب الخرافات والتهاويل، وسيطر على الأذهان نوع من خيبة الأمل والانكسار.
لقد عانت شعوب كبيرة وشعوب صغيرة، وما زالت تعاني من هذه الأزمة - أزمة النمو والتكيف مع الأوضاع الجديدة- بصور مختلفة، حتى يمكننا أن نحدد رد الفعل الذي عانته هذه الشعوب بصورة عنيفة أو بصورة ساكنة
стр. 106
راكدة، ففي أندونيسيا مثلاً نجد حمى جماعة (دار الإسلام) (١) وفي ليبيا نجد جموداً وخموداً، وهي أعراض تدل على أن هذه البلاد لم تهضم بعد وضعها التحرري تماماً.
هذه الأزمات هي بلا نزاع نتيجة للمنهج الذي حقق تحرر البلاد نتيجة للطريق الخاص الذي اتبعته، أعني ثمرة اختيار أولى، أو ثمرة عدم الاختيار، أما الطريقة التي كان يمكن بها تجنب أزمة التحرر هذه، والتي تصلح اليوم لمواجهة المشكلات العضوية كلها في مرحلة النمو والتشييد، فإن الاختيار فيها يرتكز أساساً على مناهج السهولة أو مناهج التقشف والمشقة أي على الطرق التي تتصل (بالحقوق) والأخرى التي تتصل (بالواجبات) وإن هذا الاختيار ليحدد أسلوب المجتمع كله. وسلوكه السياسي، ونموه الاجتماعي، وبصفة خاصة سياسته في استثمار موارده. وهناك علاقة بين (الحق- والواجب) تسيطر على جميع نواحي التطور الاجتماعي، وهي صالحة لأن تصور لنا ثلاثة أساليب مختلفة للتطور، وأن توضح لنا الفروق الجوهرية بين ثلاثة نماذج للمجتمعات، ويمكننا أن نضع هذه العلاقة في صورة جبرية هي:
واجب + حق= صفر (٢)
وتحت هذه الصورة توضح العلاقة أن اختيار مجتمع يعني بالنسبة إليه نمواً صاعداً أعني (نهضة) حين يكون الاختيار في الصورة الجبرية إيجابياً، وهذا الاختيار يتفق في التخطيط الاقتصادي مثلاً مع زيادة قوى الإنتاج بالنسبة إلى حاجات الاستهلاك، وتدل هذه الزيادة على إمكانيات الاستثمار لدى المجتمع،
стр. 107
ذلك الذي حدد اختياره على تلك الصورة. وإذا كان الاختيار سلبياً، فإنه يدل على أن نموذج المجتمع نموذج هابط له، ولا شك، نهايته، وبين هذين الاختيارين يوجد نموذج ساكن يقف بين النهضة والتقهقر بصورة اختيار تتمثل فيه ((نعم .. ولا))، وتساوي صفراً في الصورة الجبرية.
وفي ضوء هذه الاعتبارات ندرك دور القيم الأخلاقية في نمو المجتمع حتى من ناحية العمليات الاقتصادية، لأنه إذا كانت طبيعة المشكلات هي التي تحدد (الاختيار) لدى القادة والزعماء، فإنه يتم في نطاق التاريخ بإرادة الشعوب، وتبعاً لهواها، وأوضاعها الأخلاقية.
وتحت عيني الآن إحصاء عن الخسائر المفجعة المتسببة عن إدمان الخمر في بلد ذي ثقافة كبرى، وحضارة قديمة، وهو يشير إلى تقويم رهيب من ناحية الصحة العامة. ولكنا ننظر إليه بالنسبة إلى الحياة القومية كلها، إذ تفرض المصيبة عليها حملاً ثقيلاً يذهب بقدر كبير من إمكانيات نموها في الميدان الاجتماعي والمدني والاقتصادي.
وحتى في المجال العلمي نجد أن هذا البلد مشلول بفعل الامتصاص الأليم لأدواته وموارده المالية بقدر كبير، بما أن (الكحولية) تمتص سنوياً من هذه الأمة بصورة أو بأخرى ما يقرب من ألف وست مئة مليار من الفرنكات. وعليه فهذا النزيف الذي يكون بطبيعة الحال مشكلة عضوية جوهرية لهذا البلد، يفرض في الواقع مشكلة أخلاقية جوهرية تخص مسؤولية القادة عن اختيار أساسي لخطتهم السياسية كلها، وتخص سلوك الشعب إزاء هذا الاختيار.
ومن الخطورة بمكان أن يبرر هؤلاء الزعماء عدم حسمهم للمشكلة بتمسكهم بالحريات الديمقراطية، وأن يلجأ شعب هكذا إلى نوع من الانتحار الجماعي لأن قادته قد تخلوا عن مسؤوليتهم.
وطبيعي أن المشكلة ليست بهذه الصورة في بلد إسلامي معين، لأن الظروف النفسية والاجتماعية مختلفة. ولكنا حين نرى مثلاً أسرة بورجوازية (متوسطة)
стр. 108
في الجزائر، وهي ملاحظة مسجلة عام (١٩٣١م)، تستخدم لاستهلاكها وحدها مئة كيلو من الزبد في الشهر، فمن الواضح أن مثل هذه الحالة من الشراهة والتفريط والتهاون، دليل على تطور خاضع لعلاقة سلبية بين (الحق والواجب).
والشعوب الأفرسيوية تواجه اليوم حشداً هائلاً من المشكلات العضوية التي يفرضها بقاؤها، فإذا لم يتحدد سلوكها واتجاه قادتها على طريق النهضة بصورة منهجية وفعالة، تتمثل في علاقة إيجابية بين الحق والواجب، فستجد هذه الشعوب نفسها متورطة بقوة الأشياء في عملية تقهقر أو خمود. فباندونج قد آذنت إذن بساعة فاصلة في حياة الشعوب والقادة الأفرسيويين حين وضعت أمامهما المشكلات العضوية، وكانت لحظة فاصلة وحاسمة أيضاً بالنسبة إلى الاختيار- ربما تزايدت درجة خطورتها بقدر أهميته في نطاق آخر- في نطاق مشكلات الاتجاه.
إن ظروف الحرب الباردة حين أكدت نتيجة الثورة الصناعية، والتطور التاريخي، قد ربطت في الواقع ما بين المشكلات، وفي هذه الظروف وتبعاً لهذا الأثر المزدوج، لا يمكن أن تنعزل المشكلة القومية عن المضمون الإقليمي، وفي مقام آخر عن المضمون العالمي. ولقد برهن التحليل التاريخي والاجتماعي السابق لمشكلة الرجل الأفرسيوي على أنها مرتبطة بظرف عام في إطار معين، رمزنا إليه بمحور طنجة - جاكرتا، وفي هذا الإطار ارتباط بين المشكلات نتج عن الظروف الحالية؛ وهو يقتضي نوعاً من التنظيم والأسبقية فيما بينها، فإذا كانت القضية توضع بالنسبة إلى المشكلات العضوية- التي طرحت على بساط البحث في باندونج أو نتجت عنها- في سؤال عن الصلة التكوينية بين الحق والواجب فإنها توضع فيما يتعلق بمشكلات الاتجاه في سؤال عن السلام، أو الحرب؛
ومعلوم أن مسألة الاتجاه قد صارت من المسائل الأساسية المطلقة، إذ ليس من الممكن في الظروف الحالية أن نتصور بناء أجتماعياً وسياسياً دون أن نقدر
стр. 109
عوامل السلام أو الحرب. وليس من الممكن أن نثبت دعائم الحرية، وأن نشيد حضارة في أي مكان دون أن نقدر الظروف العامة لعالم متقلب.
فكل ما يتصل بوضع قومي أو إقليمي أصبح يخضع لواقع عالمي صارم، يفرض اختياراً أساسياً يكون بمثابة اختبار للتصفية في موضوع اختيارنا بين الحرب أو السلام، فمن غير الممكن أن ندخل في تطور عالمي له سرعة واتجاه معينان، دون أن نجتاز هذا الاختبار الحاسم، ولقد ضربت لنا الهند مثلاً موفقاً في اجتيازه.
فبفضل ما أحرزت من اتجاه تحت تأثير فكرة (عدم العنف) دخلت الهند إلى العالم من طريق السلام الذي فرض على دبلوماسيتها مبدأ (الحياد)، الذي كان أحد الموضوعات الجوهرية في باندونج.
ولقد اجتازت الهند بهذه الطريقة اختبار التصفية، بحيث احتفظت لنفسها بأكبر قدر ممكن من فرص النمو في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم. وهي بعملها هذا أنقذت أيضاً فرصة تكوين (منطقة سلام)، يمكن أن نعتبرها منذ ذلك الحين موطن ((الفكرة الأفرسيوية)). وسندع للمؤرخين الذين سيتمكنون من استخلاص نتائج الظروف التي يجتازها العالم الآن، والتي ما زال يجهل نهايتها، سندع لهم مهمة القول إذا ما كانت النجاة النهائية اللإنسانية قد تحققت فعلاً في هذا الموطن.
وعلى كل، فنحن نرى أن المشكلات العضوية، ومشكلات التوجيه مرتبطة بعضها ببعض، مع أسبقية مشكلات الاتجاه لأنها تفرض أسبقية الحرب والسلام. فمن غير الممكن أن ننظر إلى مشكلة الحرية مستقلة عن مشكلة السلام. ومن المقرر أن مصير الإنسان في الظروف الحاضرة يعتمد أولاً على هذا الأساس العالمى. فلا يمكن أن نحقق وجود الرجل الأفرسيوي دون أن نأخذ في حسابنا هذا الأساس، وإلا كان بناؤنا على حافة الهاوية الرهيبة، حيث تهدد الحرب الذرية بهدم البناء الإنساني كله.
стр. 110
وإنه لإنذار إلى الفوضويين من كل نوع، أولئك الذين يعتقدون أنهم يفصلون في المشكلات الخطيرة التي تواجه العالم بمحض الثرثرة، تلك الثرثرة التي أوشكت أن تزعج مناقشات باندونج نفسها، حين أرادت تحويلها إلى ملاكمة شفوية، تحمل طابع التظاهر بالعداوة للاستعمار أحياناً وللشيوعية أحياناً أخرى.
ومن المشجع دون شك أن نلاحظ أن الفكرة الأفرسيوية قد رأت النور في باندونج، في أرض الإسلام، وأن نلاحظ النصيب الموفور الذي أسهم به مندوبو أندونيسيا ومصر. ولكن تقلب بعض القادة المسلمين في انتقالهم من الحملة على الاستعمار إلى الحملة على الشيوعية، قد دل على أن المغزى العميق لمناقشات المؤتمر قد فاتهم، سواء فيما يتعلق بالمشكلات العضوية أم بمشكلات الاتجاه. ولقد كانت بعض مراحل هذه المناقشات قاسية بصفة خاصة وذلك عندما كان الحوار يتوقف ليخلي مكاناً للهذر والثرثرة، حيث ينفسح المجال للميل إلى السهولة، وحب السلطان.
ولقد اجتاز المؤتمر ظروفاً عانى فيها بعض الضغط من الداخل، كما عانى نشاط جماعة (دار الإسلام) من الخارج، بحيث وضعت هذه الظروف ضمناً مشكلة القيادات في العالم الإسلامي أمام مسؤولياتها القومية والدولية. ففي المجال (القومي) سجلت الثورة المصرية خطوة حاسمة في تطور العالم الإسلامي، حين سجلت ظهور قيادة فنية أعقبت القيادة الفوضوية القديمة، وقد كان لهذا الحادث مدلوله الرئيسي؛ لأنه كون بالنسبة إلى المشكلات العضوية نموذجاً في المجتمع الإسلامي، حيث أصبحت الأسبقية مقررة منذ ذلك الحين (للواجب) على (الحق). إنها ثورة سياسية ولا شك، ولكنها أيضاً ثورة نفسية قلبت الأخلاق في الحياة العامة التي كانت مزوقة بألوان الديمقراطية المستعارة، والغارقة في طغيان أولئك البغاة المستبدين في كراتشي وفي طهران وفي بغداد. وأما في المجال الدولي فإن الواجب يملي علينا أن نحتاط لأنفسنا فلا ننزلق في خضم الحرب الباردة، خوفاً من أن تطوحنا الظروف في فضاء الحرب الذرية. ولقد