← Общие книги

Общие книги · id 37650

فكرة الإفريقية الآسيوية

مالك بن نبي

Полный текст (261 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

راكدة، ففي أندونيسيا مثلاً نجد حمى جماعة (دار الإسلام) (١) وفي ليبيا نجد جموداً وخموداً، وهي أعراض تدل على أن هذه البلاد لم تهضم بعد وضعها التحرري تماماً. هذه الأزمات هي بلا نزاع نتيجة للمنهج الذي حقق تحرر البلاد نتيجة للطريق الخاص الذي اتبعته، أعني ثمرة اختيار أولى، أو ثمرة عدم الاختيار، أما الطريقة التي كان يمكن بها تجنب أزمة التحرر هذه، والتي تصلح اليوم لمواجهة المشكلات العضوية كلها في مرحلة النمو والتشييد، فإن الاختيار فيها يرتكز أساساً على مناهج السهولة أو مناهج التقشف والمشقة أي على الطرق التي تتصل (بالحقوق) والأخرى التي تتصل (بالواجبات) وإن هذا الاختيار ليحدد أسلوب المجتمع كله. وسلوكه السياسي، ونموه الاجتماعي، وبصفة خاصة سياسته في استثمار موارده. وهناك علاقة بين (الحق- والواجب) تسيطر على جميع نواحي التطور الاجتماعي، وهي صالحة لأن تصور لنا ثلاثة أساليب مختلفة للتطور، وأن توضح لنا الفروق الجوهرية بين ثلاثة نماذج للمجتمعات، ويمكننا أن نضع هذه العلاقة في صورة جبرية هي: واجب + حق= صفر (٢) وتحت هذه الصورة توضح العلاقة أن اختيار مجتمع يعني بالنسبة إليه نمواً صاعداً أعني (نهضة) حين يكون الاختيار في الصورة الجبرية إيجابياً، وهذا الاختيار يتفق في التخطيط الاقتصادي مثلاً مع زيادة قوى الإنتاج بالنسبة إلى حاجات الاستهلاك، وتدل هذه الزيادة على إمكانيات الاستثمار لدى المجتمع،

стр. 107

ذلك الذي حدد اختياره على تلك الصورة. وإذا كان الاختيار سلبياً، فإنه يدل على أن نموذج المجتمع نموذج هابط له، ولا شك، نهايته، وبين هذين الاختيارين يوجد نموذج ساكن يقف بين النهضة والتقهقر بصورة اختيار تتمثل فيه ((نعم .. ولا))، وتساوي صفراً في الصورة الجبرية. وفي ضوء هذه الاعتبارات ندرك دور القيم الأخلاقية في نمو المجتمع حتى من ناحية العمليات الاقتصادية، لأنه إذا كانت طبيعة المشكلات هي التي تحدد (الاختيار) لدى القادة والزعماء، فإنه يتم في نطاق التاريخ بإرادة الشعوب، وتبعاً لهواها، وأوضاعها الأخلاقية. وتحت عيني الآن إحصاء عن الخسائر المفجعة المتسببة عن إدمان الخمر في بلد ذي ثقافة كبرى، وحضارة قديمة، وهو يشير إلى تقويم رهيب من ناحية الصحة العامة. ولكنا ننظر إليه بالنسبة إلى الحياة القومية كلها، إذ تفرض المصيبة عليها حملاً ثقيلاً يذهب بقدر كبير من إمكانيات نموها في الميدان الاجتماعي والمدني والاقتصادي. وحتى في المجال العلمي نجد أن هذا البلد مشلول بفعل الامتصاص الأليم لأدواته وموارده المالية بقدر كبير، بما أن (الكحولية) تمتص سنوياً من هذه الأمة بصورة أو بأخرى ما يقرب من ألف وست مئة مليار من الفرنكات. وعليه فهذا النزيف الذي يكون بطبيعة الحال مشكلة عضوية جوهرية لهذا البلد، يفرض في الواقع مشكلة أخلاقية جوهرية تخص مسؤولية القادة عن اختيار أساسي لخطتهم السياسية كلها، وتخص سلوك الشعب إزاء هذا الاختيار. ومن الخطورة بمكان أن يبرر هؤلاء الزعماء عدم حسمهم للمشكلة بتمسكهم بالحريات الديمقراطية، وأن يلجأ شعب هكذا إلى نوع من الانتحار الجماعي لأن قادته قد تخلوا عن مسؤوليتهم. وطبيعي أن المشكلة ليست بهذه الصورة في بلد إسلامي معين، لأن الظروف النفسية والاجتماعية مختلفة. ولكنا حين نرى مثلاً أسرة بورجوازية (متوسطة)

стр. 108

في الجزائر، وهي ملاحظة مسجلة عام (١٩٣١م)، تستخدم لاستهلاكها وحدها مئة كيلو من الزبد في الشهر، فمن الواضح أن مثل هذه الحالة من الشراهة والتفريط والتهاون، دليل على تطور خاضع لعلاقة سلبية بين (الحق والواجب). والشعوب الأفرسيوية تواجه اليوم حشداً هائلاً من المشكلات العضوية التي يفرضها بقاؤها، فإذا لم يتحدد سلوكها واتجاه قادتها على طريق النهضة بصورة منهجية وفعالة، تتمثل في علاقة إيجابية بين الحق والواجب، فستجد هذه الشعوب نفسها متورطة بقوة الأشياء في عملية تقهقر أو خمود. فباندونج قد آذنت إذن بساعة فاصلة في حياة الشعوب والقادة الأفرسيويين حين وضعت أمامهما المشكلات العضوية، وكانت لحظة فاصلة وحاسمة أيضاً بالنسبة إلى الاختيار- ربما تزايدت درجة خطورتها بقدر أهميته في نطاق آخر- في نطاق مشكلات الاتجاه. إن ظروف الحرب الباردة حين أكدت نتيجة الثورة الصناعية، والتطور التاريخي، قد ربطت في الواقع ما بين المشكلات، وفي هذه الظروف وتبعاً لهذا الأثر المزدوج، لا يمكن أن تنعزل المشكلة القومية عن المضمون الإقليمي، وفي مقام آخر عن المضمون العالمي. ولقد برهن التحليل التاريخي والاجتماعي السابق لمشكلة الرجل الأفرسيوي على أنها مرتبطة بظرف عام في إطار معين، رمزنا إليه بمحور طنجة - جاكرتا، وفي هذا الإطار ارتباط بين المشكلات نتج عن الظروف الحالية؛ وهو يقتضي نوعاً من التنظيم والأسبقية فيما بينها، فإذا كانت القضية توضع بالنسبة إلى المشكلات العضوية- التي طرحت على بساط البحث في باندونج أو نتجت عنها- في سؤال عن الصلة التكوينية بين الحق والواجب فإنها توضع فيما يتعلق بمشكلات الاتجاه في سؤال عن السلام، أو الحرب؛ ومعلوم أن مسألة الاتجاه قد صارت من المسائل الأساسية المطلقة، إذ ليس من الممكن في الظروف الحالية أن نتصور بناء أجتماعياً وسياسياً دون أن نقدر

стр. 109

عوامل السلام أو الحرب. وليس من الممكن أن نثبت دعائم الحرية، وأن نشيد حضارة في أي مكان دون أن نقدر الظروف العامة لعالم متقلب. فكل ما يتصل بوضع قومي أو إقليمي أصبح يخضع لواقع عالمي صارم، يفرض اختياراً أساسياً يكون بمثابة اختبار للتصفية في موضوع اختيارنا بين الحرب أو السلام، فمن غير الممكن أن ندخل في تطور عالمي له سرعة واتجاه معينان، دون أن نجتاز هذا الاختبار الحاسم، ولقد ضربت لنا الهند مثلاً موفقاً في اجتيازه. فبفضل ما أحرزت من اتجاه تحت تأثير فكرة (عدم العنف) دخلت الهند إلى العالم من طريق السلام الذي فرض على دبلوماسيتها مبدأ (الحياد)، الذي كان أحد الموضوعات الجوهرية في باندونج. ولقد اجتازت الهند بهذه الطريقة اختبار التصفية، بحيث احتفظت لنفسها بأكبر قدر ممكن من فرص النمو في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم. وهي بعملها هذا أنقذت أيضاً فرصة تكوين (منطقة سلام)، يمكن أن نعتبرها منذ ذلك الحين موطن ((الفكرة الأفرسيوية)). وسندع للمؤرخين الذين سيتمكنون من استخلاص نتائج الظروف التي يجتازها العالم الآن، والتي ما زال يجهل نهايتها، سندع لهم مهمة القول إذا ما كانت النجاة النهائية اللإنسانية قد تحققت فعلاً في هذا الموطن. وعلى كل، فنحن نرى أن المشكلات العضوية، ومشكلات التوجيه مرتبطة بعضها ببعض، مع أسبقية مشكلات الاتجاه لأنها تفرض أسبقية الحرب والسلام. فمن غير الممكن أن ننظر إلى مشكلة الحرية مستقلة عن مشكلة السلام. ومن المقرر أن مصير الإنسان في الظروف الحاضرة يعتمد أولاً على هذا الأساس العالمى. فلا يمكن أن نحقق وجود الرجل الأفرسيوي دون أن نأخذ في حسابنا هذا الأساس، وإلا كان بناؤنا على حافة الهاوية الرهيبة، حيث تهدد الحرب الذرية بهدم البناء الإنساني كله.

стр. 110

وإنه لإنذار إلى الفوضويين من كل نوع، أولئك الذين يعتقدون أنهم يفصلون في المشكلات الخطيرة التي تواجه العالم بمحض الثرثرة، تلك الثرثرة التي أوشكت أن تزعج مناقشات باندونج نفسها، حين أرادت تحويلها إلى ملاكمة شفوية، تحمل طابع التظاهر بالعداوة للاستعمار أحياناً وللشيوعية أحياناً أخرى. ومن المشجع دون شك أن نلاحظ أن الفكرة الأفرسيوية قد رأت النور في باندونج، في أرض الإسلام، وأن نلاحظ النصيب الموفور الذي أسهم به مندوبو أندونيسيا ومصر. ولكن تقلب بعض القادة المسلمين في انتقالهم من الحملة على الاستعمار إلى الحملة على الشيوعية، قد دل على أن المغزى العميق لمناقشات المؤتمر قد فاتهم، سواء فيما يتعلق بالمشكلات العضوية أم بمشكلات الاتجاه. ولقد كانت بعض مراحل هذه المناقشات قاسية بصفة خاصة وذلك عندما كان الحوار يتوقف ليخلي مكاناً للهذر والثرثرة، حيث ينفسح المجال للميل إلى السهولة، وحب السلطان. ولقد اجتاز المؤتمر ظروفاً عانى فيها بعض الضغط من الداخل، كما عانى نشاط جماعة (دار الإسلام) من الخارج، بحيث وضعت هذه الظروف ضمناً مشكلة القيادات في العالم الإسلامي أمام مسؤولياتها القومية والدولية. ففي المجال (القومي) سجلت الثورة المصرية خطوة حاسمة في تطور العالم الإسلامي، حين سجلت ظهور قيادة فنية أعقبت القيادة الفوضوية القديمة، وقد كان لهذا الحادث مدلوله الرئيسي؛ لأنه كون بالنسبة إلى المشكلات العضوية نموذجاً في المجتمع الإسلامي، حيث أصبحت الأسبقية مقررة منذ ذلك الحين (للواجب) على (الحق). إنها ثورة سياسية ولا شك، ولكنها أيضاً ثورة نفسية قلبت الأخلاق في الحياة العامة التي كانت مزوقة بألوان الديمقراطية المستعارة، والغارقة في طغيان أولئك البغاة المستبدين في كراتشي وفي طهران وفي بغداد. وأما في المجال الدولي فإن الواجب يملي علينا أن نحتاط لأنفسنا فلا ننزلق في خضم الحرب الباردة، خوفاً من أن تطوحنا الظروف في فضاء الحرب الذرية. ولقد

стр. 111

استيقظ الضمير الإسلامي لهذه المسألة، أيقظته المصاعب التي لاقاها داخل هيئة الأمم المتحدة، وخاصة في المناقشات التي دارت حول مشكلات شمالي إفريقية، كما أيقظه المثل المشجع (لحياد) الهند، وإنما لم تتم الثورة في هذا الميدان في صورة منهجية، أو في صورة طفرة كما حدث في المجال القومي في مصر، بل حدثت في صورة تخبط، وتحول في الوسط، على مراحل متعاقبة- منها مرحلة الكتلة العربية الآسيوية التي عالجت بعض المشكلات العاجلة- حتى وصلت إلى باندونج، فكانت مرحلة الصحوة والتيقظ أمام مشكلة الاتجاه الجوهرية. على أن هذا التطور كان حافلاً بالمصاعب الداخلية التي تتصل بالتكوينات الاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي بقدر ما كان حافلاً بالمصاعب الخارجية الناتجة عن مواجهته للرأسمالية والشيوعية في الحرب الباردة. وكانت هذه المصاعب الأخيرة تنتج عن الجاذبية التي سلطها محور القوة بكيفية ما على توجيه الشعوب الأفرسيوية كيما ينحو بها نحو سياسته، ولقد خلقت هذه الجاذبية انشقاقات وبدعاً في التطور السياسي في البلاد الإسلامية منذ عام (١٩٤٥م) مثيرة هنا ثورات مضادة كتلك التي أوصلت زاهدي إلى الحكم، ومتيرة هناك خلافات وانقسامات كتلك التي حطمت وحدة الجامعة العربية. بحيث حرمت هذه البلاد من أن تطبق في النطاق الدولي نظرية مشتركة تهدف إلى تحقيق السلام بصفة فعَّالة. ومع ذلك فيجب أن نذكر أن حظ هذه السياسة التضليلية من النجاح في الشعوب كان أقل من حظها لدى بعض الزعماء، أولئك الذين أغراهم أحياناً الطمع، وأغواهم المال، واستهوتهم السلطة. وعلى كل، فهذا مظهر من مظاهر تأثير الدول الكبرى في تعطيل التاريخ وعلى تطور الشعوب منذ عام (١٩٤٥م)، وطريقة التعطيل تنحصر أحياناً في إحداث (دمل تصفية) في جسد العالم الإسلامي ليمتص قوى الحيوية والتطور فيه. وقد بدأت هذه الطريقة تطبق فعلاً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فمنذ ذلك الحين تحجرت الإرادة الجماعية في العالم الإسلامي، وتبلورت حول المسألة

стр. 112

الفلسطينية، تلك التي استمالت ووجهت جميع تيارات ضميره منذ ثلاتين عاماً، محولة طاقاته التي كان عليه أن يخصصها للمشكلات العضوية ومشكلات التوجيه. ولقد انزاح هذا الكابوس قليلاً بتأثير الصدمة النفسية التي نتجت عن استقرار دولة إسرائيل، ولكن يبدو أن الضمير الإسلامي لم ينفض بعد كل خموله وغموضه، إذا ما اعتمدنا في حكمنا على المؤتمر الإسلامي المنعقد منذ سبعة عشر شهراً في مكة (١) لبحث المسألة الفلسطينية على وجه الخصوص، باعتبارها، المشكلة الجوهرية الوحيدة في العالم الإسلامي، ولقد حاولت هذه السياسة الغامضة أن تحدث (دملاً) آخر للتصفية في كشمير، وكان (الدمل) هذه المرة يهدف إلى استمالة التيار الحيادي، وإحداث فصل قاطع يخترم الوحدة الأخلاقية على المحور الذي يحمل مصير الرجل الأفرسيوي، وتدل هذه التصرفات على أن (استراتيجية التطويق) قد حولت إلى الناحية العسكرية الأغراض التي كانت (سيطرة أوروبا) تصرفها إلى الناحية الاقتصادية والسياسية بالنسبة للعالم الأفرسيوي. والاستعمار المشترك الذي يريد أن يخلف الاستعمار البسيط، يتسلل على أرض الغزو متلوناً أخلاقياً وسياسياً حسب طبيعة البلاد التي يتسلل إليها، فهو في بغداد وفي دمشق يحاول أن يستميل الأفكار والطاقات السياسية لصالح مشروع الهلال الخصيب، وفي كراتشي يدخل إلى البلاد في منعطف (إسلامستان) ونسمع أنه يريد أن يحرر إفريقية الشمالية لصالحه: وهو تحرير يعني بطبيعة الحال إدخال البلاد في منطقة الحرب بطريقة أكثر وعياً، بحيث تتفق مع ((حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها)) ولعل هذه اللغة هي الخطر الأكبر لأنها باسم الحرية توشك أن تزوِّر حقائق المشكلة الحيوية وأوضاعها في الضمير الإسلامي.

стр. 113

وزد على ذلك ما هو ناتج في العالم الإسلامي عن (واقعية) بعض حكامه تلك (الواقعية) التي يعتنقها نوري السعيد مثلاً، فلقد خرج على الجامعة العربية - كما نذكر- لقلة موضوعيتها التي يشهد بها- كما قال- موقف الجامعة أمام الحالة الناتجة عن استقرار إسرائيل في الشرق الأوسط، فهو يرى في استقرار إسرائيل في الشرق الأوسط حالة واقعة، ويجب أن نسلم بالأمر الواقع. وهكذا فإن الاستعمار المشترك قد استخدم طرائق السحر السياسي والتضليل لاجهاض مؤتمر كولومبو التحضيري، حيث كان الكلام المتبادل بين بعض المندوبين أحياناً بعيداً عن أن يترجم عن الفكرة الأفرسيوية، وبعيداً عن أن يعد محيط باندونج وجوّه، ولكن عناصر الفكرة كانت أقوى من أحابيل سياسة القوة ومنطق السيطرة. لقد انتصر منطق الواقع على (واقعية) بعض القادة، وعلى ميكيافيلية الآخرين، فأوان المشكلات الكبرى قد حان، وحان معه أوان الاختيار والمسؤولية. وعلى الشعوب الأفرسيوية ألا تنسى أن هناك صنوفاً محزنة من الاختيار، شبهة باختيار العجوز (فاوست) الذي أراد أن يستبدل شباباً جديداً بروحه، فخسر روحه، وأضاع الشباب. ***

стр. 114

الكتلَة العَرَبيَّة الآسيَوية ليس مؤتمر باندونج ظاهرة ذات تكوين فجائي تلقائي، فلئن كان يعدّ- من ناحية- نقطة انطلاق لاطراد اجتماعي وسياسي معين، فهو في الوقت نفسه نهاية لاطراد آخر. والتطور التاريخي الذي ولد فيه هو نتيجة ليقظة الرجل الأفرسيوي أمام المشكلات التي يواجهه بها ظرفه الخاص، وتواجهه بها الحالة العالمية. ولقد غذت الأحداث في الواقع هذا التطور على محور طنجة - جاكرتا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وميزته بمراحل إعدادية سبقت باندونج. وإحدى هذه المراحل كانت (الكتلة العربية الآسيوية) فوراء المؤتمر الآفرسيوي، وراء كولومبو وبوجور، هنالك ماض وتاريخ، أعني: تراثاً معيناً يحمل كل مقومات الفكرة، ومظاهر ضعفها أيضاً. ولقد كان المشروع الأولي الذي رأى النور في كولومبو ثمرة لجوهر الفكرة العربية الآسيوية، ولقشورها التافهة مرة واحدة. فهو يلخصها بخيرها وشرها. فقد كان أولاً ثمرة الإرادات الطيبة التي التقت في هيئة الأمم المتحدة، في نطاق مجموعة من الأمم التي تشترك لما بعض المصالح والمشاعر، ولكن كان بين أفرادها أيضاً بعض مظاهر الاختلاف والشقاق، تلك التي قد تجلت بين الدول الخمس نفسها في مؤتمر كولومبو، وهذه المظاهر تعكس لنا التعارض الذي ظهر قليلاً أو كثيراً في باندونج. والواقع أن صفة الكتلة العربية الآسيوية المميزة، أنها كانت تدين بوجودها لصدفة حدثت خلال مناقشة بالأمم المتحدة عن المشكلة الإندونيسية (١)، ويرجع

стр. 115

الفضل في ذلك بقدر ما إلى وزير الخارجية المصرية آنذاك، وإلى المساعي الحميدة التي قام بها مندوب الهند وإلى الإرادة الطيبة التي دفعت دول أمريكا اللاتينية إلى تأييدهما. ولقد تبودلت بعض الابتسامات الدبلوماسية آنذاك، حتى بين الجامعة العربية وإسبانيا، فكانت ابتسامات تلوح من خلالها، في غموض، بعض المشاريع (الدفاعية)، وهي لا تتطلب سوى أن تتحدد معالمها في مواثيق عسكرية في نطاق تنظيم للمنطقة، قائم على أساس شكل من أشكال حلف الأطلنطي، تغذي روحه أخوة بين البلاد الواقعة على البحر الأبيض. وإذن. فالفكرة في أصلها غامضة، وهي لا تقوم على أي ضرورة أساسية مدركة بوضوح، ولا على أي نظرية محددة للغايات والوسائل، فلو أردنا أن نعتبرها تعبيراً عن السياسة العربية آنذاك فسنجد فيها فعلاً الفكر المستسلم الذي ميزته تلك السياسة في قضية فلسطين، حيث توج وظيفته التاريخية كفكر يخضع للأحداث، وترابطها الاتفاقي أكثر من أن يحضع لدقة نظرية، ونظام تطبيقها. فالفكرة في ذاتها كانت إذن مصابة ببعض العقم في صميمها، إذ لم يكن لها ما يبررها في أصلها، وهي لم تكن تصدر عن أي أساس حيوي أو رئيسي أو جوهري. وبهذا لم تكن تعبر عن أي إلزام، سياسي أو أخلاقي، يمكن أن يتجلى داخل نطاقها، بقدر ما، في صورة رقابة على أعمال الحكومات، أو المسؤولين من أعضاء الكتلة العربية الآسيوية. فكان من المستطاع أن يذهب أحد هؤلاء الأعضاء مثل نوري السعيد رغم عضويته، إلى ما يتنافى مع أهدافها وتوجيهها، دون أن يخشى أي جزاء أخلاقي أو سياسي تستتبعه هذه المخالفة. وبذلك كان من الممكن أن تؤثر عوامل خارجية على التوتر في الكتلة، وبهذا أصبحت تخضع لقوى التحليل نفسها التي كانت تضغط على الجامعة العربية لتسيير بعض أعضائها نحو حلف بغداد، واحداً بعد آخر، لعزلهم عن بقية الأعضاء ... الذين كانوا يساقون إلى حلف

стр. 116

جنوبي شرق آسيا ( S.E.A.T.O) ولم يكن للفكرة العربية الآسيوية أن تقاوم بسهولة هذه المؤمرات التي تهدف إلى تضليلها. إذ لم يكن بناؤها الداخلي قادرا على أن يقاوم الضغوط الخارجية، أي إنها لم يكن لها مضمون نظري يكوِّن مقياسها، ويحدد خطها، الخط الذي يمكن في ضوئه أن نحكم على بعض الاتجاهات، وعلى بعض المحاولات المنحرفة. في هذه الظروف، وفي غيبة المقياس الخلقي والسياسي، كانت الكتلة العربية الآسيوية إذن مفتوحة لجميع المؤامرات من الخارج، من جهة، وعاجزة من جهة أخرى عن أي عمل منظم هادف لحل جميع المشكلات العضوية التي تعانيها الكتلة، ومشكلات توجيهها. فكانت بذلك تابعة أكثر من أن تكون متبوعة، تخضع للصدف الطارئة في هيئة الأمم المتحدة وتقلبات الجامعة العربية التي كانت تشكل عناصر قيادتها الجوهرية، فاتبعت الطريق المعوج الذي تسنه الظروف المفاجئة؛ توجهها تارة نحو محور عدم العنف، في الظروف التي يظفر صوت الهند فيها بنفوذ كبير؛ وتارة أخرى نحو محور القوة، عندما يلوح بعض الأعضاء بالعصا لتوجيهها في هذا السبيل. فإذا تصورنا الكتلة العربية الآسيوية هكذا أي كرباط سياسي يتفق مع ظروف الساعة، ومع حوادث الطريق فهمنا أنه لم يكن لديها إذن (بوصلة) خاصة تتيح لها أن تحتفظ باتجاه معين بالنسبة إلى الأهداف البعيدة. ومن ناحية أخرى، فإنها لم يكن لديها أي جذر متأصل في نفس الشعوب العربية الآسيوية، أي اتصال مباشر بضمائرها ولا أي امتداد ودي أو أخلاقي في حياتها تستمد منه إلهامها وحيويتها. وبانعدام هذا الاتصال الروحي؛ انعدم لديها العامل العاطفي، وسائر العناصر الودية والنفسية، وهي العناصر التي تقر الصلة الحيوية بين النفس الشعبية؛ والعمل السياسي؛ كما هو حاصل فعلاً بين منظمة حلف الأطلنطى وشعوب الغرب، أو بين حلف وارسو والشعوب التي تنطوي تحته. ولأنها كانت مخصصة

стр. 117

لمواجهة مجرد الطوارئ التي قد تطرأ في هيئة الأمم المتحدة بالنسبة إلى بعض المشكلات؛ كمشكلة شمالي إفريقية أو غيرها؛ فإن لم يفكر في أن يضع لها قاعدة نفسية متينة عميقة، ولا هدفاً سياسياً بعيداً. وكل ما في الأمر أن محركيها كانوا يهدفون إلى تكوين أداة للمناقشات، يتحكمون بها في كمية من الأصوات اللازمة في هيئة الأمم، لموازنة تأثير الدول الكبرى؛ دون أن يبينوا لها بصورة مدققة مراكز التقل؛ التي يتحدد بها ويتحقق ذلك التوازن. حتى كانت الكتلة تفقد خارج هذا النطاق كل معنى؛ وكل تأتير وتذوّق للعمل والنشاط. ولم يكن بين أعضائها إلا قدر كاف من الاهتمام السامي لمواجهة مشكلة خاصة؛ ولكنه لم يكن كافياً لأن يدفعهم إلى أهداف بعيدة؛ وإلى الاشتراك في علاج المشكلات العضوية أو مشكلات التوجيه. إن اتفاق الآراء في الكتلة كان يمكن أن يحدث بصدد مشكلة ثانوية، لا بصدد مشكلة جوهرية يتوقف عليها بقاء الرجل الذي يعيش ما بين طنجة وجاكرتا. حتى إذا نشأت مناقشات خارج أروقة هيئة الأمم بعيداً عن صدفها وتقلباتها، كان يوجد دائماً من يعلقها بسؤال تافه ليحول بينها وبين اتخاذ قرار في مسألة هامة. ولقد حدث- على ما نذكر- مثل هذا التعليق في كولومبو، حيث أوشك أن يعرقل فكرة المؤتمر الأفرسيوي، لأن المناقشات قد صارت في لحظة ما، إلى مسائل ثانوية متنازع عليها؛ مثل مسألة كشمير. وكانت هذه- بصورة ما- المرحلة الصبيانية، فإن المشكلات لم تكن تواجه فيها طبقاً للمصاع العليا؛ بل كانت مواجهة الموضوعات خاضعة للمصالح الخاصة، بل حتى في بعض الحالات، خاضعة للمصالح الشخصية؛ كما رأينا في باندونج نفسها، وكانت هذه المصالح، تظهر طبعاً نقط الضعف التي تعانيها الكتلة، ومفاصلها التي تتجه أعمال التخريب من الخارج إلى فصمها، وأن الكتلة لتدين بهذا البناء المتقطع الأوصال للطريقة التي كوِّنت بها عن طريق الصدفة،

стр. 118

كتلفيق مناسب دبر، لا ليواجه حالة تطور، أي مجموعة من المشكلات، بل ليواجه أمراً طارئاً، ومشكلة معينة دون أي اهتمام حق باتجاه التاريخ. ولم يكن لهذا النقص أن يغيب عن أذهان القادة، ولذا فإن الدعوة الموجهة من المؤتمر التحضيري لدول كولومبو تدل على الرغبة الملحة في رأب الصدع، الذي بدأ في البناء الواهن وعلى الأخص منذ تعطلت الكتلة بسبب الأحداث التي قلبت الوضع في طهران بتنحية مصدق، ومنذ أحداث دمشق. وعليه فإن فكرة إعادة دفعها قد خلقت في نيودلهي، كما خلقت في العواصم العربية، فكان شهر إبريل ١٩٥٤م هو الذي سجل بمناقشات كولومبو دخول فكرة الكتلة العربية الآسيوية في التاريخ، وقد تحولت إلى فكرة أفرسيوية. وهو تاريخ يسجل منعطفاً يلتقي مع أزمة النمو حين يبلغ ذروتها، وبصورة أخرى سجلت نهاية الكتلة العربية الآسيوية نهاية المرحلة الصبيانية في هذا التطور. وفي هذا التاريخ كانت التجربة ناضجة لكي نستخلص منها بعض النتائج الموضوعية، فلقد اجتازت الفكرة إمتحاناً رهيباً، وكشفت خلال ذلك عن عناصر قوتها، ونقط ضعفها. فكان في ميزانها عناصر إيجابية، وعناصر سلبية، وبقي أن توجد الطريقة الفعالة لإعادة تكوينها، ودفعها إلى الأمام بقوة جديدة، وعزم جديد مع تزويدها بما يخصب مضمونها الروحي والسياسي. ولقد كان يمكن تحديد هذا المنهج بطريقتين، لكي نأخذ في حسابنا تاريخ الفكرة من جانبين: في نجاحها، وفي إخفاقها، أي باعتبار ما فيها من عناصر النجاح والخيبة. وكان من اللازم أولاً أن تزول عن الكتلة العربية الآسيوية صفة الارتجال، وأن يخلصها التنقيح من كونها مجرد تلفيق مناسب ومؤقت يمضي بمضي الحالة الخاصة التي خلقته في إطار محدود، وفي زمن معين حتى يزول عنها ذلك الطابع الذي لازمها من أنها مجرد اصطناع دبلوماسي يخضع لتغيرات الظروف الدولية. ويخضع لمؤامرات الكبار، وتخريب تلاميذهم الصغار، هذا من ناحية، ومن ناحية

стр. 119

أخرى، من وجهة النظر الموضوعية كان يجب تزويد الكتلة العربية الآسيوية بمغزى تاريخي وأخلاقي، وإعطاؤها روحاً وخطة مستقبل تنطلق من فكرة عامة، بحيث تصلح هذه الفكرة العامة لأن تترجم عن مصلحة عليا، ولأن تكون مقياسها الأساسي، ولأن ترشد إلى اتجاه روحي وسياسي معين، تأخذ في ضوئه الأفكار والمحاولات وألوان النشاط طريقها على نطاق أكثر اتساعاً، وفي إطار زمن غير محدود. أو بتعبير آخر، يجب أن تتجاوز بصورة ما (وحدة المأساة الكلاسيكية) أي وحدة الزمان، والمكان، والعمل، التي وقفت عندها الكتلة العربية الآسيوية في إطار الأمم المتحدة، حتى يكون عملها أكثر عمقاً واتساعاً في الإطار الذي تثور فيه مشكلات البقاء على المحور الأفرسيوي. ولم يكن يكفي أن يوضع لها مجرد تخطيط نظري يهم قليلاً أو كثيراً الزعماء والقادة، بل أن يحقق لها هيكلاً عضوياً تغوص جذوره في أعماق نفسية الشعوب، وفي مشاعرها الكريمة، كيما تعبر هذه الفكرة عن امتداد لروحية الشعوب، وفضائل نفسها في الميدان السياسي. وفي هذا السبك، وإعادة التكوين للفكرة المعبرة عن الكتلة العربية الآسيوية، يجب أن يودع مضمون جديد يحمل قيمة فكرة شعبية مشتركة بين جميع الشعوب التي تعيش على محور طنجة - جاكرتا، بحيث تتعرف فيها هذه الشعوب حقيقةً من بنائها العقلي، ونموذجاً من فلسفتها الشعبية، كما أن كلمة (الغرب) ليست مجرد لفظ، أو صناعة لغوية أو دبلوماسية، أو تلفيقاً يدين بوجوده لبعض الملابسات، وإنما هي قاعدة لعقلية رجل الغرب وثقافته، واستمرار شخصيته، فهي التعبير المركز عن دور حضارة بأكملها، وهي تلخيص لألفين من سني التاريخ المنطبع في ذاته، وهي في النهاية كلمة تحمل عبء مصيره. وإذن، فمن الوجهة النظرية كان يجب أن تهدف إعادة تكوين الكتلة العربية الآسيوية ودفعها الجديد إلى أن تسير في اتجاه حضارة، لا أن تكون مجرد إجراء سياسي.

стр. 120

ولكي يتاح لها أن تحدث تأثيراً أكثر، فإن من الواجب أن تعاد صياغة فكرتها في مصطلحات (البقاء) كي تعبر عن اهتمام بالمشكلات العضوية للإنسان نفسه، وبمشكلة توجيهه في عالم تفرض عليه (القوة) فيه قانونها الصارم. فقد كان على الكتلة العربية الآسيوية إذن أن تجتاز تحولاً عميقاً، وأن تتعرض لتغير في جوهرها لكي تصبح نواة حضارة، ومنبع تيار تاريخي، يحمل مصير الإنسان الذي يعيش على محور طنجة - جاكرتا. ونحن ندرك زيادة على ذلك، كم تتوافق هذه النتائج النظرية مع واقع هذا الإنسان، ذلك الواقع الذي ربما انكشف للزائر السماوي كما بينا. إن الذين وضعوا مؤتمر كولومبو لم يذكروا فيه هذه الاعتبارات النظرية، فقد اقتصر البيان على موضوعات المؤتمر فحسب، ولكنهم حين وضعوا مبدأ مؤتمر أفرسيوي، قد حققوا ضمناً تحول الكتلة العربية الآسيوية الضروري إلى تيار مثقل بالتاريخ وبالمصائر، وبهذا تحمل القادة الذين اتخذوا هذا القرار أخطر المسؤوليات، لأن قرارهم قد غيَّر تغييراً أسياسياً عناصر مشكلتين رئيسيتين، حين صاغ أولاً مشكلات الشعوب الأفرسيوية بلغة (الحضارة)، لا بلغة (السياسة)، وحين ترجم ثانياً الحالة العالمية بصورة غير مباشرة بلغة (البقاء)، لا بلغة (القوة). ***

стр. 121

مُشكِلَة الحَضَارة تقر الاعتبارات السابقة أسبقية مشكلة الحضارة في البلاد الأفرسيوية، حيث تزدوج إلى مشكلتين. أولاً: المشكلة العضوية الخاصة بتشييد بناء قائم على الحقائق النفسية الاجتماعية في هذه البلاد. ثانياً: مشكلة التوجيه القائم على حقائق الوضع العالمي. هذه الاعتبارات تصادف فيما يتصل بالنقطة الأولى على الأقل ملاحظة بعض المراقبين الموضوعية، ونحن ندين لأحد هؤلاء المراقبين بملاحظة ذات دلالة ومغزى، حدد بها مجال بحثه واستقصائه بمنطقة جنوبي شرقي آسيا، أي في منطقة معينة من محور طنجة - جاكرتا، حيث تدل الحالة الراهنة في نظر هذا المراقب على أنها ليست من اختصاص (مهندس اجتماعي) بقدر ما هي في حاجة إلى (عالم حياة اجتماعي) (١) وما كان يمكنه أن يعبر عن المشكلة في جلاء بلغة الحضارة دون أن يستخدم هذه الكلمة نفسها. على أن الاعتبار النظري الذي نقدمه، والملاحظة الموضوعية التي نجدها عند هذا الكاتب يتفقان في ضرورة وضع المشكلة بهذه الصورة، لا في إمكان حلها فيها، فيبقى علينا إذن أن نكشف عن هذا الإمكان. أما ضرورة وضع المشكلة بهذه الصورة فتتجلى في أن ألوان النشاط الاجتماعي والسياسي، إنما تخضع لمقياس عام يقاس به من أول وهلة مدى تأثيرها فيما يتصل بحظ الإنسان. والحضارة هي هذا القياس الذي تقاس بالنسبة

стр. 122

إليه أهمية المشكلات، وترتيب أسبقيتها. فضرورة وضع المشكلة هكذا تبرز في صورة حيوية في الوقت الحالي الذي يمر به الرجل الأفرسيوي، وفي صورة منطقية في المشكلات التي تطوق مصيره اجتماعياً وسياسياً وأخلاقياً. فيجب إذن أن نواجه المشكلة، ولكن هل يمكن حلها في الظروف النفسية والزمنية التي تسيطر من طنجة إلى جاكرتا؟ ولقد أدى مؤتمر باندونج أجلّ أعماله حين جمع العناصر الموزعة الصالحة لأن تنسجم في كل. أي في تجربة قد تقلب حياة الشعوب الأفرسيوية. ولكن مواجهة المشكلات لا تعني حلها، كما أن جمع (كومة) من المواد دون تأليفها في هيكل عضوي لا يكوِّن منها آلياً هذا الحل، فإن كومة من الأشياء لا تنشئ بالضرورة (كلا) متجانسا. والعناصر المجتمعة في باندونج لا يمكن أن تنتج تأليفاً لو لم توجد الظروف المؤثرة، أي العامل الذي يخلق ظاهرة التاريخ، فبين الضرورة المنطقية والإمكان التاريخي يوجد مجال لسؤال سابق يجب أن نجيب عنه أولاً. إن إمكان الحل سيكون في الواقع بعيد الحصول إذا ما تقيدنا بحقائق الجنس، أو اللغة، من طنجة إلى جاكرتا. ففي هذه الحالة تصبح الفكرة الأفرسيوية ضرباً من محاولة المحال، ولن تكون سوى نوع من الترف العقلي فيما لو وجب أن تقوم على أساس عنصري لغوي. إن اللغة والجنس ليست عناصر عديمة الأهمية في الواقع الإنساني. ولكنها بعيدة عن أن تمثل الشروط الحتمية لجعل هذا الواقع في مستوى حضارة. وفضلاً عن ذلك فإن التاريخ لا يتحدد ضرورة باللغة أو بالجنس، فإن الحضارة الغربية التي اتخذناها مقياسا في هذا الميدان، ليست ثمرة لغة أو جنس، بل إننا نجد حتى في حدود المستوى القومي شذوذاً عن القاعدة حين نلاحظ الوضع في سويسرا مثلاً، حيث لا يربط بين العناصر التي تكونها، لا الجنس ولا اللغة، وإذن فإن إمكان الحل موجود مع اختلاف اللغات أو الأجناس وهو

стр. 123

يقوى مع المستوى الذي ندرس فيه القضية. فإذا كانت وحدة اللغة أو الجنس ضرورية لتكوين أمة، فإن هذا الشرط ليس محتوماً لتكوين حضارة تولد وتنمو وتكتمل في ظل تنوع اللغات والأجنالس. فكلمة (الغرب) التي تعدّ في هذا الصدد أساساً للمقارنة، لا تعني وحدة عنصرية أو لغوية، وإنما تعتي مركباً ثقافياً معيناً، فمن واشنطن إلى موسكو، وحتى إلى طوكيو؛ أي خلال هذا التنوع الهائل في اللغات والأجناس، نجد أنفسنا أمام مركب ثقافي يضع طابعه الخاص على مصير الإنسان، وعلى النظر الذي يحوطه. فإذا ألقينا نظرة على هذا المنظر ونظرة أخرى على الخريطة، فسنرى اطراداً مكانياً وثقافياً معيناً يمثل مركباً هو (الحضارة)، فإمكان الحضارة يتحدد إذن بجغرافية المكان، وبنوع الثقافة، فلكي نرفع الكتلة العربية الآسيوية من مستوى التلفيق والاصطناع السياسي إلى مستوى مفهوم الحضارة، يجب أن نأخذ في اعتبارنا عاملين هما: الرجل والنظر الذي يشمله، أي حامل الثقافة وإطاره الذي يحيط به. والفكرة الأفرسيوية هي المركب النفسي الزمني الذي ينتج عن هذا التحول من إطار لفظة سياسية بسيطة إلى فكرة أساسية قادرة على تحريك الواقع التاريخي، حين تشكل الإنسان، والإطار المحيط به. وبهذا يمكننا أن نواجه المشكلة في شكلها المزدوج: نواجهها من الداخل حين ننظر إلى الفكرة الأفرسيوية بالنسبة إلى عناصرها الداخلية، فهي ضرورة لكي تتاح للرجل الأفرسيوي فرص غنية للنمو، وهي أيضاً ممكنة بقدر ما يكون هذا الرجل قادراً على خلق ثقافته كيما يحل مشكلاته العضوية. ويمكننا أن نواجهها من الخارج بالنسبة إلى حقائق الوضع العالمي، فبالنسبة إلى الأهداف الإنسانية في مجموعها تعدّ الفكرة الأفرسيوية ضرورة القرن لكي تتيح للسلام بعض الفرص، حين تلقي في الميزان بمواردها الروحية. وإن فكرة (عدم العنف) لضرورية لحل مأساة القرن العشرين، وهذه الضرورة المنطقية تخلق

стр. 124

إمكاناً طبيعياً حين توجه نشاط الشعوب في طريق السلم، وحين تؤثر في توجيه الأمم المتحدة. ولقد اتجه أعضاء مؤتمر كولومبو أولاً إلى أن يبحثوا عن بديل أكثر مناسبة ليجعلوه في مكان الكتلة العربية الآسيوية التي لم تعد تتفق مع الأحوال الجديدة، فكان الهدف علاج نواحي الضعف التي بدت في صفوف الجبهة المعادية للاستعمار، التي كانت تدعي الكتلة تمثيلها. ولقد خضع الذين دعوا إلى المؤتمر التحضيري في كولومبو، بلا شك لتلك الضرورة الملحة، ولكن ربما يبدو في ضوء المحصول النهائي لمؤتمر باندونج أن نتيجة قراراتهم متعارضة مع الفكرة الأساسية. فقد كان الهم المسيطر على باندونج هو مواجهة مشكلة توجيه الشعوب الأفرسيوية، لكي تواجه حالة عالمية تنذر بالانفجار، وتهدد بجر العالم في أتون حرب ذرية. فإذا نظرنا إلى هذا الخطر بعين الاعتبار كنتيجة لتوترات في الحالة العالمية ناشئة عن الانقسامات أي ناتجة عن التكوينات الخاصة مثل القوميات، والعنصريات، والاستعمار، والرأسمالية والشيوعية. فمن الواضح أن كل ما يكون صورة انشقاق جديد لا يمكن أن يكون سوى زيادة في عناصر الخطر، مع أنهم يعملون على تلافيه، كما يزعمون. والفكرة الأفرسيوية من هذا القبيل، فهي في الظاهر متعارضة لا مع مبدئها الخاص فحسب، من حيث كونها محاولة لتقليل فرص الحرب، تقلل منها بوضع سياسي جغرافي جديد في العالم، بل هي متعارضة أيضاً مع اتجاهات العصر نفسها. ولكن الواقع هو أننا من ناحية في طور من أطوار الانقسام المحزن، ومن أخرى في طور من أطوار التأليف والتركيب الذي يجري على نطاق واسع، والقوى التي تعمل في هذين الاتجاهين واحدة أحياناً. فتفكيك العالم إلى عناصره الراهنة يهدف إلى تجميعه بعناصر جديدة صالحة لتمريره من مرحلة التجزئة والتميز إلى مرحلة التجمع والعالمية.

стр. 125

وهاتان الظاهرتان مرتبطتان في نسق واطراد واحد، منطقياً وحيوياً. فالتعارض هنا ظاهري أولاً، وتحت هذا المظهر تكمن ضرورته. إذ إن الفكرة الأفرسيوية مرحلة معينة من مراحل (العالمية) ثم إن هذه الفكرة لا تضيف في الواقع أي عنصر جديد في توزيع القوة ولا في الوضع الجغرافي السياسي الذي حددته البناءات التقليدية الموروثة عن القرن التاسع عشر. فالعالم يدين بثالوثه الجغرافي السياسي الحالي إلى القوى نفسها التي كان يدين لها بقلبه المزدوج قبل الحرب العالمية الأولى. بل نرى نشاطه يهدف إلى التقليل من هذا الانقسام بتغيير أحد عناصره الحالية، أي بتحرير أبناء المستعمرات الأفرسيوية من النير المزدوج للاستعمار والقابلية للاستعمار. وفي هذا الضوء لا يكون التعارض سوى مظهري شكلي وهو بهذا الشكل محتم، لأنه مرتبط بالضرورة العضوية التي تفرض إنشاء النظام الجديد من العناصر المنتزعة من النظام القديم. ولا شك في أن هذا التعارض الظاهر والضروري هو الذي عبر عنه الإنجيل في زمن آخر، حين شرع أسس العقيدة المسيحية وأودعها في الضمائر، وحين أعلن المسيح في مواجهة المجتمع اليهودي قوله: ((لا تظنوا أني جئت لآلقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان من أهل بيته)) (١). فكل إنشاء في الوضع الإنساني إنما ينبثق عن مبدأ معين للانقسام، يكوّن تعارضه الأولي، ثم يتجاوز الوضع نطاق التعارض: فإذا ما كان منقسماً يصبح من جديد متوحداً، ولكنه يتوحد هذه المرة بوشائج ذات طبيعة لائقة بالمرحلة الجديدة. ولقد كان لينين يعرف أنه لكي ينشئ المجتمع الاشتراكي، فإن عليه أن يستخدم (مواد) قد يقدمها إليه (المجتمع البورجوازي) وطبقة (البروليتاريا) هي إحدى تلك المواد. وهي تدرك أكثر من ذلك أن التمزيق الذي أوجدها كطبقة هو بداية خلاص للمجتمع الذي تصدر عنه، وهي تدرك أنها حاملة مسؤولية

стр. 126

هذا الخلاص. فالنتائج المتوقعة للفكرة الأفرسيوية هي هذه النتائج نفسها بغض النظر عن جميع الاعتبارات الدينية أو السياسية، ويجب أن تتحمل هذه الفترة تعارضاً ظاهرياً أولياً، كيما تحمل إلى العالم خلاصه، والشعوب الأفرسيوية تؤلف في العالم نوعاً من (البروليتاريا) بالمعنى الذي خلعه جون توينبي ( A.J Toynebee) على هذه الكلمة، ولكن دون أن نذهب في هذا المعنى إلى نهايته. وإذن، فإن على هذه الشعوب أن تعرف قدر نفسها أولاً، لتحمل بعد ذلك الخلاص إلى العالم. وربما تؤدي باندونج- وهو المكان الذي حدث فيه هذا الإدراك- إلى فهم العكس، أي إلى الشعور بأن هذه الشعوب تتجه إلى نوع من الانطواء على نفسها، لتكوين (كتلة) جديدة ثالثة، ولكن هذا يكون- برغم كل شيء- فهماً خاطئاً إذ إننا في الخطوة الأولى من العملية يجب أن نتيح (للبروليتاريا) الأفرسيوية تحقيق وحدتها الخاصة كشرط سابق لوحدة العالم وخلاصه. إن التعارض الأولي في الفكرة الأفرسيوية ناتج عن أننا نحكم عليها في حركتها الأولى. أي ما بين أزمة العالم وحلها الضروري حيث نجد أنفسنا أميل إلى الحكم عليها طبقاً لأحداث الأزمة أكثر من أن نحكم عليها وهي في طريق الحل، لأننا تعودنا النظر إلى الأشياء طبقاً لمقاييس القوة. ووضعنا المشكلات في مصطلحات القوة. فإذا عبرنا عن الفكرة الأفرسيوية في هذه المصطلحات التي تعني نوعاً من الانشقاق والتجزئة، فربما يؤدي إلى الرجل المستعمَر- الذي أحاله العصر الاستعماري إلى (شيء) من الأشياء، وقصره على أن يؤدي دور التحف البشرية - ربما يؤدي دوراً تفسر فيه هذه الفكرة على أنها نوع من السيطرة في حيز القوة، تماماً كما يحدث لأي انشقاق عنصري أو قومي. ولكن بناء الفكرة لا يدع مجالاً لهذا التفسير، وما كان لها أن تتحول إلى فلسفة فكرة متحجرة صماء، مرتكزة على (إرادة القوة) متجسدة في (فوهرر)

стр. 127

معين، وهي التي وجدت أصولها في ملتقى التيارات الروحية المختلفة، وخاصة تيار الإسلام، وتيار الهندوسية. فالفكرة الأفرسيوية تدين لطبيعتها كفكرة يمليها الإسلام والهندوسية بتركيب ثنائي، وهذه الخاصية تحول بينها وبين أن تتبلور، في (كتلة) صالحة لأن تستخدم في عمل من أعمال السيطرة، بل ستظل على العكس من ذلك تسمح بتدخل جميع تيارات الفكر، وتحمل رسالة الخلاص الغني بجميع العناصر الخلاّقة، تلك العناصر التي يمكن أن تضعها فيها جميع التيارات المثرية في التجربة الإنسانية كلها. وعليه فليس لنا أن نحكم عليها في فترة معينة من تاريخها، وفي زمن خاص من حركتها، حيث قد تظهر متعارضة مع مبدئها أو مع اتجاهات العصر نفسها. بل يجب أن نصدر حكمنا الصادق على مجموع تاريخها لا رجماً بالغيب حول أشياء خيالية، ولكن باستكناهنا للحقائق الواقعية التي يرتبط بها تطورها في الإطار المحلي وفي الإطار العالمي، وسيبين لنا هذا التطور عن أن التعارض الأولي لم يكن إلا ظاهراً، لأن الفكرة الأفرسيوية بفضل حقائقها الذاتية الداخلية، واتجاهات التاريخ العامة، ليست إلا مرحلة ضرورية. المرحلة الأولى لعالم يريد أن يحقق وحدة أرضية. وعلى محور واشنطن - موسكو تهيء القوة الصناعية جميع الظروف المادية لوحدة العالم، ولكنها في الوقت نفسه تخلق عوامل تحليله وتجزئته، وتضغط على الضمير الإنساني في كل لحظة بخطر رئيسي يهدد الأشياء والتاريخ بالفناء. وسيظل هذا الخطر ماثلاً طالما لم نضع حَداً أخلاقياً لسياسة الجبروت، وطالما كان بحث نزع السلاح في ظل علاقات القوة. لقد جعلت القوة الصناعية العالم ضيقاً (صغيراً)، فالواجب يفرض الآن أن يصبح قابلاً للمساكنة والمعايشة، والفكرة الأفرسيوية تعطينا دفعة واحدة هذا الإمكان من الوجهة الأخلاقية، وبقي أن تعطينا إياه من الوجهة الاجتماعية، وينحصر الأمر في تعجيل عملية

стр. 128

تجميع الشعوب الأفرسيوية وتوحيدها، كي تقوم بدورها في العالم، على الرغم من عمليات التعطيل التي يمارسها على التاريخ تلاميذ الدكتور مالان (١) ونحن نجد من الوجهة الأخلاقية أن هذه الفكرة قد عدلت فعلاً في الماضي، ويمكنها الآن أن تلغي خطر التحلل الذي يمثله هوس الحرب. وإذن فبفضل ما حركت من قوى روحية واجتماعية تستطيع الفكرة الأفرسيوية أن تلعب دوراً يطلق عليه دور (التعجيل والتعديل) وهناك نموذج مقدم سلفاً عن تأثيرها المعدل في النطاق الدولي، وذلك في محاولة الهند التوسط منذ ثمانية أعوام في قضية كوريا وغيرها. ولو أننا تعمقنا في دراسة الحرب الباردة، فسنجد أنه مما لا نزاع فيه أن تطورها نحو مرحلة التعايش- بصرف النظر عن العوامل الدبلوماسية والاستراتيجية- كان مطبوعاً ببعض الأقدار التي فرضت رقابة أخلاقية خفية، ولكنها صارمة على القرارات السياسية، وفي هذه الرقابة تتجلى مواقف التحفظ التي وقفتها هذه الشعوب في الميدان الدولي بصورة تتفاوت في صراحتها، وتصادف تفسيرها السياسي في مصطلح (الحياد). ولا شك في أن هذه التحفظات التي قلبت كل الحقائق الاستراتيجية في الحرب الباردة. وجميع خطط هئيات أركان الحرب، كانت لدى أغلبية الشعوب الأفرسيوية مواقف أخلاقية أكثر منها سياسية، فهي إذن في أصولها دفعات روحية. ولعل التاريخ يقول للأجيال فيما بعد: إن (الفكرة الأفرسيوية) قد وهبت للعالم الخلاص، قبل أن يطلق عليها اسمها، فهي بإنشائها (المنطقة الحرام) بين الكتلتين في صورة سياسية حيادية، كونت في الحقيقة فراغاً لم تعد الحرب الباردة تجد فيه قوتاً يحولها إلى حرب ساخنة، وهي بعملها هذا قد أتاحت لفكرة

стр. 129

التعايش أن تأتي في وقتها، وإذن فمؤتمر باندونج، لم يكن من مهمته خلق انقسام جديد جغرافي سياسي في العالم، أو أن يزيد لوناً آخر على خرائط الجغرافية السياسية. وليس في مبدأ التجميع والتوحيد الذي جاء به في حياة الشعوب القاطنة على محور طنجة - جاكرتا ما يطلق عليه اسم (الإمبراطورية الأفرسيوية) هذا لا يدخل في نطاق التفكير في الموضوع. هذه الاعتبارات التي تنفي احتمال (كتلة سياسية) تنفي أيضاً احتمال (كتلة فكرية) أي إنها تنفي صورتي السيطرة القيصيرية: سيطرة السيف وسيطرة الفكرة. وهي تسجل في الوقت نفسه وضع المشكلة بالنسبة إلى المسيحية، فالواقع أن للمسيحية مراكز روحية وزمنية معينة في العالم، ومن المحتمل أن تخشى من جهة أو أخرى فيضان الفكرة الأفرسيوية على ميدانها، وقد عبر صراحة بعض الكتاب في الغرب عن هذه المخاوف منذ مؤتمر باندونج على الأقل فيما يتصل بالناحية الزمنية، ولعلها حين تنطلق من أفواه المسؤولين لا تكون سوى عرض من أعراض (ذهان) السيطرة، أي الحالة المرضية، الناتجة في أوروبا عن ثقافة الامبراطورية التي خلقت الاستعمار. ولكنها حين تعبر بكل بساطة عن قلق مفاجئ لضمير إنساني وضع أمام المجهول ... فمن الواجب أن تهدأ هذه المخاوف، بيد الرجال الذين خلقوا بأعمالهم ومواقفهم هذا المجهول حين بعثوا (الفكرة الأفرسيوية) فمن المؤكد أن الذين اجتمعوا في باندونج لم تخطر بأذهانهم في لحظة ما فكرة إرساء أسس فكرية وسياسية لتأسيس إمبراطورية، ولا أن يصوغوا مبادئ ثقافة إمبراطورية تبعث في الشعوب الأفرسيوية- طال المدى أو قصر- رغبة في السيطرة والسلطان. والواقع أن المشكلات التي عرضت على المؤتمر الأفرسيوي لا تستدعي بطبيعتها حلول (قوة) بل حلول (بقاء) وبالتالي لا تفرض ثقافة إمبراطورية. بل

стр. 130

ثقافة حضارة. فالفكرة الأفرسيرية إذن لا يجوز أن تخيف أحداً، لأنها لا تهدد أي مركز سياسي في هذا العالم. أما فيما يتعلق بالمراكز الروحية، فإن صفتها الثنائية المستمدة من روحية الإسلام وتقاليد الهندوسية تنفي عنها ذلك الشيء الذي يسمى (سيف العقيدة) اللازم عندما يقتضي الأمر شن (حرب صليبية) أو (حرب مقدسة) والفكرة الأفرسيوية بهذه الصفة لا تحمل مطلقاً أي خطر لحرب دينية. وإخواننا المسيحيون الذين قد يتوجسون خطأ أو صواباً من وجود (كتلة) دينية ككتلة (إسلامستان) مثلاً، لا يجدر بهم أن يعانوا القلق نفسه من الفكرة الأفرسيوية. إنهم ولا شك سيرون في مضمونها المعادي للاستعمار عنصراً قد يحلق نوعاً من الاضطراب في أذهانهم، وهو اضطراب له وقعه في ضمير المسيحي الذي يحسب حساب بعض الشبهات المسيحية في الواقع الاستعماري، ولكن هذا عنصر عابر مثل الاستعمار، وهو سطحي وضروري في الوقت نفسه. فمعاداة الاستعمار هي في الواقع رد الفعل الذي سيختفي طبيعياً مع الاستعمار الذي ولده، وأكثر من ذلك فإن هذين العنصرين يلعبان خلال قرن من الزمان فيما بينها الدور نفسه في تكوين (إرادة جماعية) وتهيئة نزعة تاريخية معينة في بعض الرقاع الجغرافية. فمعاداة الاستعمار قد تكمل مؤقتاً تعريف الفكرة الأفرسيوية باعتبارها حضارة، كما كان الاستعمار في القرن التاسع عشر عنصراً هاماً في تعريف الحضارة الغربية حيث كان يعد صفة مميزة لتوسع تلك الحضارة، وأساساً لحركتها ونموها، حتى كاد على المؤرخ الاجتماعي أن يعده المركب النفسي الخاص برقعتها الجغرافية. وكذلك اليوم، تعد معاداة الاستعمار بصفة عابرة عنصراً ضرورياً في نمو الفكرة الأفرسيوية، وفي تكوين ضميرها الجماعي، حتى يختفي سببها، وهكذا يتاح تحديد رقعة جغرافية بمركب نفسي معين، عام في جميع الشعوب المستعمرة، أو التي كانت مستعمرة، أي بمركب

стр. 131

شامل ممتد إلى حدود (الإمبراطورية الاستعمارية) في القرن التاسع عشر، وهي حدود الفكرة الأفرسيوية. وهكذا جمعت باندونج جميع العناصر النفسية والزمنية لحضارة يشمل امتدادها ما بين خطي الطول في طنجة وفي جاكرتا، والمساحات الواقعة جنوبي خط عرض الجزائر. لقد أردنا في هذا الفصل أن نبين ضرورة وإمكان إيجاد حل لمشكلة الرجل الأفرسيوي، ولكننا لم نقل بأنه لا يوجد لها سوى حل واحد، وعلى الأخص إذا ما بدا الحل المطابق لخط العرض- والذي يمكننا تحديد رقعته ومراكزه على طول محور طنجة - جاكرتا- بدا أقرب الحلول إلى طبيعة عناصر المشكلة، فيجب ألا نتجاهل الجهود المبذولة الآن لإيجاد حل آخر مطابق لخط الطول. فلا غرابة إذن في أن نجد جهوداً مبذولة لتكوين مركز استقطاب ثقافي أوروبي- أفريقي، لاستمالة الأفكار والطاقات التي من شأنها أن تنساب في تيار أفرسيوي. وفي هذا الاتجاه يجب على الأقل أن تفسر بعض المحاولات ذات الطابع الثقافي، أو السياسي، المتعلقة بتطور الشعوب الإفريقية، وبالحلول التي تقترح لمشكلاتها (١). ولقد بدأت محاولات كهذه في إفريقية الشمالية، خاصة في الميدان النقابي. ...

стр. 132

نَظَرَات عَامَّة في الثفافةِ الأفرسيَوية إن مؤتمر باندونج حين جمع عناصر بعض المشكلات العضوية التي تخص الشعوب الأفرسيوية، وحين عالج اتجاه هذه الشعوب قد أنشأ في الواقع رأس المال الأولي لحضارة. فكل حضارة تستلزم رأس مال أولي مكون من الإنسان والتراب والوقت فهي مركب من هذه العناصر الثلاثة الأساسية، ولا بد من أن يركبها العامل الأخلاقي، أعني يحتم تماسكها، من غير هذا العامل يوشك أن تتمخض العملية عن (كومة) لا شكل لها، متقلبة عاجزة عن أن تأخذ إتجاهاً، أو تحتفظ به، أو أن تكون لها وجهة، بدلاً من أن تكون (كلاً) محدداً في مبناه، وفيما يهدف إليه. ولئن جمع المؤتمر كل العناصر الأولية لهذه الوجهة، فإن من الواجب تحديد طرق استخدام رأس المال الذي اجتمعت عناصره. ولقد أشارت مناقشات المؤتمر وبيانه النهائى إلى هذه الطرق في صورة تخطيطية. حين حددت في رسم ابتدائي التكوينات التي تصلح لأن ترتدي ثوب التاريخ الأفرسيوي. وفي هذا التخطيط كان محتماً أن تقدر الأشياء في مبادئها، ولكنها لا يمكن أن تظل في هذه الصورة التخطيطية، فإن مشكلات التطبيق والتنفيذ تواجه الإنسان في نهاية الأمر. وحين ننتقل من الاعتبار التحليلي لعناصر الحضارة الأولية، والحضارة التي نعدها (ناتجاً) عن الإنسان والتراب والوقت، إلى الاعتبار التركيبي في مرحلة التطبيق ((حين نعتبر التاريخ ميداناً للتطبيق والتجربة)) فإن المشكلة التي تواجهنا هي أن نحدد أحسن الشروط لإيجاد هذا (الناتج) في أقل زمن ممكن. وكل ما يواجهنا بهذا الصدد يعود إلى أن نغير بصورة عملية الواقع الذي يتمثل في النموذج الاجتماعى الأفرسيوي، وفي النظر الإنساني من طنجة إلى

стр. 133

جاكرتا، ولكن كل واقع اجتماعي في جذوره هو قيمة ثقافية معينة محققة في واقع الإنسان، وفي الإطار أو المنظر الإنساني الذي يحوطه- وهو شيء واحد- وإذن فأي تفكير في مشكلة الحضارة هو أساساً تفكير في مشكلة الثقافة، والواقع أنها ظفرت بهذا التفكير في باندونج، على الرغم من أن تقارير الصحافة قد ألحت أكثر على المظاهر السياسية. ولقد لاحظت ذلك هيئة اليونسكو في تقرير لها حين قالت: ((أزمع المؤتمرون في باندونج نشر مجموعة من الدراسات في ميدان التربية عن المظاهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلاد المشتركة في المؤتمر)). وبقي علينا أن نعرف في أي الظروف يمكن لهذا التبادل في المعلومات أن يكوّن الأسس الثقافية للفكرة الأفرسيوية، وفي أي الظروف يمكننا عن طريق هذا التبادل أن نحدد طبيعة الثقافة، وأن ننشئ عناصرها لتغيير ظروف (البقاء) لدى الشعوب الأفرسيوية. نعم إن هذا التبادل ضروري، ولكن هل هو كاف؟ ... وسيكون لدينا في هذا الشأن، كما حدث في الفصول السابقة، مقياس متمثل في النموذج الغربي. فعلى محور واشنطن - موسكو حتى طوكيو، نجد أن المشكلات العلمية والعقلية والاجتماعية متحدة من طرف لآخر، وعلى الرغم من التوتر السياسي، فإن التبادل الثقافي يتم في نطاق العلاقة الحضارية نفسها، بل إنه يتم- كما رأينا- منذ مؤتمر جنيف حتى في المجال الذري ... فهناك ولا شك علاقة مباشرة بين هذا التبادل وبين المنظر السائد من واشنطن إلى موسكو، وبالتالي بين الظروف الإنسانية على هذا المحور. ولكن إذا كان هذا التبادل في إطار معين، وفي ظرف ما يعتبر سبباً محتماً قاطعاً، فإنه من ناحية أخرى أثر محتوم. فعلينا إذن أن. نحتاط لأنفسنا حتى لا تُخفي عنا ظاهرة سطحية ( Epiphènomène) ظاهرةً جوهرية.

стр. 134

فعندما يذهب (باليه الأوبرا) في باريس إلى موسكو، أو عندما يأتي باليه الأوبرا من موسكو ليقدم بعض التمثيليات على المسرح الباريسي، فإن الذي يهمنا استخلاصه من أجل بناء الفكرة الأفرسيوية ليس مجرد تبادل الفرق الراقصة، بل هو أن كلاً من هذه الفرق قد وجد خلال رحلاته جمهوره مع اختلاف بسيط في الألوان، ووجد الجو نفسه، والانفعال الجمالي نفسه. فمن المؤكد أن تطوافه لا بد وأن يقوي هذه الوحدة في الإطار الفني، وأن يقوي (الروابط الثقافية) حسب التعبير الدبلوماسي. ولكن الفن في حد ذاته يجد في الوقت نفسه في تطوافه- أي خلال هذا التبادل- إلهامات جديدة، ودوافع جديدة. وهكذا يتوافق السبب وأثره في نتيجة كلية تصدر عن الواقع الذي سبق وجوده أي إطار الحضارة المشتركة، ومن الواضح أن الباليه الروسي لم يكن له أن يجد في (فاس) مثلاً جمهوره، ولا ذلك الصدى نفسه. فالتبادل يصبح تقريباً غير ذي فائدة أو على الأقل غير ذي موضوع، عندما يخرج عن إطاره الذي يعطيه قيمته الاجتماعية، ومعناه الثقافي. وإذن فتحديد التبادل الفعال الذي نتصوره ليساعد على تكوين ثقافة يجب أن يبدأ من هذه النظرة العامة عن ((المحيط)) الثقافي. فالثقافة هي أولاً: (محيط) معين يتحرك فيه الإنسان، فهو يغذي إلهامه، ويكيف مدى صلاحيته للتأثير عن طريق التبادل. والثقافة (جوّ) يتكون من ألوان، وأنغام وعادات وتقاليد وأشكال وأوزان وحركات تطبع على حياة الإنسان اتجاهاً، وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره، ويلهم عبقريته، ويغذي طاقاته الخلاقة. إنها الرباط العضوي بين الإنسان والإطار الذي يحوطه. وهي التي تقدم لنظر الزائر السماوي نموذجاً اجتماعياً معيناً متشابهاً من واشنطن إلى موسكو، ولكنه مختلف في جميع سماته عن النموذج الاجتماعي الآخر الذي يتحرك داخل الإطار من طنجة إلى جاكرتا، كما رأينا.

стр. 135

ولقد خضعت الثورة الصينية لمنطق طبيعي عندما قصدت في الحال إلى تعديل الإطار التقليدي، فمن أجل تغيير الإنسان يجب أن نغير وسطه الثقافي، بإنشاء (محيط) جديد. ولقد انتقدوا الثورة الصينية في أنها غيرت الإنسان إلى "نملة زرقاء (١) " والواقع أنه يجب تغيير أحد طرفي التشبيه لكي نكون محقين، لأن وجه الشبه ليس بين الإنسان والنملة الزرقاء، بل هو بين النملة الزرقاء والدودة البائسة التي كانت تدب في أقذارها وأسمالها في غرز الأفيون، هنالك حيث كان يجتمع الباحثون عن النسيان، والباحثون عن الغرائب والعجائب. (فالنملة الزرقاء) إذن ليست هدفاً، وإنما هي دليل على أن زمن الدودة الصغيرة قد ولى، ولن يلبث الصيني أن يصل إلى مستوى الإنسان على احتمال أنه لم يبلغه بعد. وفي هذه القرينة يعد ظهور (النملة الزرقاء) علامة على ثورة ثقافية، من شأنها أن تحدث تغيير (المحيط) الذي كانت تدب فيه (الدودة الصينية) وهو الذي يشكل في الواقع هذه الدودة لتصل إلى الكمال ... إن التحقيق الذي ألمحنا إليه (٢) يصف- كما سبق أن قلنا في فصل سابق- المأساة النفسية التي يعانيها مؤلفه أمام الثورة الصينية أكثر من أن يصف الحقيقة الموضوعية في هذه الثورة. مع أن تحقيقه يقدم للقارئ معلومات نافعة حقاً، ونظرات مفيدة جداً، إذ يخيل إليه أنه أمام مناجاة عبر فيها كاتبها عن خيبة أمله، حين عبر بلغة عالم الجمال الذي يأسى لأنه يرى تلك الريشة الصلبة العنيفة أحياناً، في يد ماوتسى تونج، ترسم وجه الصين الجديدة على تلك الشاشة

стр. 136

العتيقة المهيبة، حيث كان يهوى وهو الأوروبي المتعطش إلى المشاهدات الغريبة - أن يرى الملامح النبيلة على وجه الصين القديمة، وبذلك نفهم حدة الانفعال عنده، وصيحاته التي تدوي بالبربرية ... ولكنا نتساءل إذا ما كان هذا المحقق يريد أن يتحدث ككاتب مولع بالجمال أو كمؤرخ اجتماعي؛ ... أياًّ ما كان الأمر فإن مشكلة الثقافة توضع بالنسبة إلى فكرة الأفرسيوية في الخطوط نفسها التي وضعت فيها بالصين- لا في المستوى الثانوي فحسب، بل في المستوى الابتدائي، بقصد إحداث التغيير ابتداءً من إطار جديد؟ وفي هذا المستوى تقوم مشكلة الثقافة على تحديد يشمل أساساً الناحية البيولوجية والناحية التربوية، فالثقافة في مهمتها التاريخية تقوم بالنسبة إلى الحضارة بوظيفة الدم بالنسبة إلى الكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحرية والتوازن في الكائن، وتكون جهاز مقاومته الذاتية. والثقافة تنقل أفكار الجمهور الشعبية، وأفكار القادة الفنية، وهذان العنصران هما اللذان يغذيان عبقرية الحضارة، فهي تدين لهما بدفعتها، وبمقدرتها الخلاقة. ولكن من أين يأتي جوهر هذين العنصرين؟. تلك هي المشكلة التربوية التي تواجهنا، فإن أي واقع اجتماعي هو في أصله قيمة ثقافية خرجت إلى حيز التنفيذ، وعليه فالجوهر الذي يوجد في الأول موجود ضرورة في الأخرى. فلو أننا حللنا واقعاً اجتماعياً، أعني نشاطاً اجتماعياً محسّاً، فسنجد فيه على الفور في حالته الراهنة أو في اطراد تطوره أربعة عناصر أساسية يمكن أن نطلق عليها: المنهج الأخلاقي، والذوق الجمالي، والصناعة، والمنطق العملي. فكل واقع اجتماعي وكل ناتج حضارة هو في جوهره مركب من هذه العناصر الأربعة. وبالتالي، فإن مشكلة الثقافة الأفرسيوية هي من الناحية التربوية مشكلة هذا التركيب. والفكرة الأفرسيوية تتمثل عند انطلاقها في صورة هيكل مكون من

стр. 137

القوى الأخلاقية والعقلية، ومن الطاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي في غايتها باعتبارها حضارة يجب أن تمثل تركيب هذه القوى جميعاً. فالتماسك الداخلي الذي أودعته باندونج بين هذه الطاقات قد استمد من مبدأ فكري مشترك، يكمن أساساً في النزعة العادية للاستعمار لدى الشعوب الأفرسيوية. ولكن التطور الذي يجب أن يحلف وراءه مرحلة الاستعمار، سيتجاوز ضرورة نزعة العداوة للاستعمار أيضاً. وبالتالي فإن الفكرة الأفرسيوية يجب أن تؤسس منهجها الأخلاقي على مبدأ إيجابي أكثر من ذلك، ولكن بحيث لا يكون في جوهره دينياً (١). ولقد رأينا في الفصل السابق أسباباً جوهرية تحملنا على أن نراعي في المفهوم الأخلاقي للفكرة الأفرسيوية التعدد الضروري، أو على الأقل ازدواج مبدئها الأخلاقي الأساسي، حتى لا نخلع عليها صفة (الكتلة) الدينية. وفي هذا الازدواج لا يمكن أن يكون الأمر أمر محاولة للتلفيق والاصطناع، بل أمر ميثاق أخلاقي بين الإسلام والهندوسية ليتخذا وجهة دولية واحدة. فليست المسألة إذن أن نجدد المحاولة العابثة التي قام بها الإمبراطور (أكبر) الذي أراد في القرن السادس عشر أن يؤسس إمبراطوريته في الهند على أساس تلفيق وحدة إسلامية- هندوسية. إن الأديان لا يمكن أن تتنازل لكي تستغل كوسائل لمثل هذه الغايات، ولو أننا أردنا أن نأخذ درساً من الماضي في هذا الميدان فإن تاريخ الغرب يعطينا إياه، فإن الحضارة الغربية قامت في بدايتها على هيكل أخلاقي مسيحي أتاح لها

стр. 138

التماسك والوثبة الضرورية لازدهارها، ولكن تطورها قد غير هذا الأساس العقيدي شيئاً فشيئاً، إلى هيكل مختلط يتجلى فيه التفكير الكاتوليكي والبروتستانتي، وما يسمى بـ (التفكير الحر) والتفكير اليهودي بصورة متوافقة تماماً. وعليه فلا مجال لأن نبحث عن التماسك والتوافق، لا في مبدأ واحد، ولا في تلفيق ديني مصطنع، فإن نزعة عداوة الاستعمار كانت كافية في مبدئها كوسيلة لإحداث التماسك بين العناصر الممثلة في باندونج. ولكن علاوة على أنها ستنتهي بفعل التطور، فإن من الواجب أن نمر بها سريعاً. فلقد كان الدبلوماسي الهندي ((بانيكار)) يعتقد أنها ضرورية دون شك باعتبارها (وحدة أساسية) تجعل منها باندونج نقطة الانطلاق للفكرة الأفرسيوية، ولكنه كان يعتقد أيضاً أنها غير كافية، إذ كان ينظر في الوقت نفسه إلى هذا الاجتماع على أنه (اجتماع لعناصر غير متوافقة). فمن الواضح أن مبدأ كهذا لا يكفي، على الرغم من تأتيره الوقتي، لقد ألهم الشعوب المستعمَرة خلال فترة تحريرها تضحيات نبيلة، وأعمالاً نزيهة، وألهمها أخيراً الملحمة العظمى (ملحمة Satyagraha) أو ((طريق الحقيقة (١)) الذي حرر الهند. ولكن حين تمر المرحلة الحماسية، فإن نزعة العداوة للاستعمار لا تصلح أن تكون (دافعاً سامياً) يحرّك حضارة ويعطيها مثلها الأعلى، ووثبتها الضرورية. وأكثر من ذلك، فحين تستنفد نزعة العداوة للاستعمار مضمونها ((من المشاعر الإيجابية)) عبر التاريخ، فقد لا تدع هذه التصفية فيها سوى مشاعر سلبية تقوم على حقد الشعوب التي قاست من ظلم طغاتها، بينما القضية ليست أن ننتزع العالم من موجة احتقار الكبار، لكي نسلمه إلى حقد الصغار.

стр. 139

ومن المطمئن في هذا السبيل أن قادة الثقافة الأفرسيوية يدركون ذلك جيداً، وهذا أحد كبارهم مولانا أبو الكلام آزاد قد تفضل فأعطانا شخصياً الدليل، حيث يؤكد فخامته لنا: ((أن المسؤولية التي تقع على عاتق التربية خطيرة، إذ يجب ألا تدع الحقد يتأصل في قلوب الجيل الجديد في الهند، وعقولهم تحت ستار النزعة العادية للاستعمار)). ونحن نعتقد أن مهمة كهذه لا تخص فقط المسؤولين عن توجيه الثقافة في وطن غاندي، بل إنها تشمل جميع الأوطان الأفرسيوية، وهي تحدد لهذه الشعوب دون لبس أو غموض طريق التحرر الداخلي الذي يجب أن يكمل أعمال التحرر السياسي والقومي بالتحرر الذاتي، أي في الإطار النفسي والأخلاقي. فإن التورط الاستعماري لم يؤثر على الرجل المستعمَر في مفهومه السياسي، وفي علاقاته الاجتماعية فحسب، بل أثر عليه في أعماقه. وفي تكويناته الأساسية، لقد وصل إلى روحه وضميره في صورة حالات ذهان ( Psychoses) وحالات حرمان ( Inhibitions) تشل عنده كل جهد خلاق ولا سيما في إفريقية الشمالية (١). ومن الؤلم أن نرى الرجل المستعمَر يقف دائماً في كتاباته موقف متهِم أو متهَم، فإن هذه الحالة السلبية تسيء إلى (ذاتٍ) تكبت دائماً نقائصها فلا تدعها تتفتح للحياة الجديدة. فمشكلة التحرر يجب أن توضع إذن حتى في الإطار النفسي، وسنكون قد صفينا هذه الحالات الذهانية وصنوف الحرمان- بعض التصفية على الأقل- عندما نخلص الرجل الأفرسيوي من الشاعر السلبية التي أصابته بها نزعته العادية للاستعمار، وأصابه بها حقده.

стр. 140

وأهمية هذه المهمة النفسية الواضحة جلية في مشكلة الثقافة الأفرسيوية، ويظهر لزومها كلما ظهرت المهام الاجتماعية الضرورية عقب المطالب القومية، وكلما أصبحت المقتضيات الإنسانية الدولية أكثر إلحاحاً (١). إن مشكلة السلام والحرب تتطلب قرارات صريحة وواضحة. بينما نزعة الحقد عمياء، كما يقولون، وهي بذلك لن تشجع بعض المساعي التي ينبغي أن تكون نزيهة لكي تكون فعالة. وعليه فإن الثقافة الأفرسيوية لا يمكنها لأسباب مختلفة أن تجد إلهامها الجوهري في مجرد نزعة المعاداة للاستعمار، التي تختفي باختفاء سببها وهو: الاستعمار، فيجب أن تبحث عن روحها الأخلاقي في مجموع من القيم الروحية والتاريخية التي تقرها الشعوب الأفرسيوية كنوع من التراث ( Classicisme) يشبه التراث الذي قدمته الإنسانيات الإغريقية اللاتينية إلى الغرب فوجد فيه دليل الطريق وزادها، والمصدر الذي غذى منه عبقريته من فيدياس ( Phidias) (٢) إلى ميشيل آنج ( Michel Ange) (٣) والتي وجد فيها مقياس تنظيمه العقلي من أرسطو إلى ديكارت. والتراث الأفرسيوي يمكن أن يجد عناصره أولاً في المركبات النفسية التي لعبت دوراً في الصراع من أجل التحرر، لأنها طبعاً مشتركة بين جميع الشعوب التي خاضت هذا الصراع (٤)، ثم إنه سيجدها في عوامل الاتجاه الذي خطّ

стр. 141

للفكرة الأفرسيوية وجهتها الخاصة في العالم، والذي يعبر عن أحكام مصير مشترك بين الشعوب السائرة تحت لواء خطر الحرب. وإذا كان إلهام الثقافة الكلاسيكية في عصر النهضة الأوروبية خاصة قد اتجه نحو الذوق الجمالي أكثر من أي شيء آخر، فإن الثقافة الأفرسيوية ملزمة بسبب المأساة الخاصة بالقرن العشرين إلى أن تتجه أولاً نحو النهج الأخلاقي لتحديد مثلها الأعلى وهدفها المنشود، ونحو الصناعة بعد ذلك لخلق وسائلها إليه، فإنقاذ الإنسان من البؤس والفاقة على محور طنجة - جاكرتا وإنقاذه من حتمية الحرب على محور واشنطن - موسكو، هما بالنسبة إلى الإنسان الأفرسيوي الضرورتان المحددتان للمشكلة كلها: مشكلة بقائه، ومشكلة اتجاهه. وهذه الضرورة المزدوجة التي لا بد من أن يواجهها تسيطر بصورة طبيعية على جميع تحديدات ثقافته، وبالتالي على التحديد الأساسي لمنهجه الأخلاقي وسنقول فيما بعد، حين ننظر إلى مساهمته الخاصة، أي عنصر ميتافيزيقي جوهري سيجلبه الإسلام إلى هذا التحديد للروح الأخلاقي الخاص بالفكرة الأفرسيوية، وسنقول خاصة أي مفهوم إنساني سام سيضعه كمبدأ لانقاذ الإنسان بعد سقوطه تحت سيطرة الاستعمار والقابلية للاستعمار. وستجد الفكرة الأفرسيوية- بمقتضى ازدواجها الروحي- المبدأ الثاني في فكرة عدم العنف، ذلك المبدأ الذي نعرف دوره المنقذ في تحرير الهند، والذي ما زال يلهم حتى اليوم الحوار الدولي (١) كقانون لا يقبل الانفكاك- منذ ذلك الحين- عن المحاولات الإنسانية في الميدان السياسي. ولكنا لا يمكننا أن نضم هذه الملحمة إلى الفكرة الأفرسيوية دون أن ندخل فيها في الوقت نفسه بطلها الأسطوري: غاندي، صاحب الوجه المحاط بهالة من نور الشهداء، ذلك الوجه الذي يتجلى في أروع صفحة من تاريخ عصرنا.

стр. 142

ويزيد من روعتنا أن الفصل الأول من مجموعها مواقفه هو فصل رمزي، إذ ترى المهاتما يدخل إلى الميدان السياسي- لأول مرة- في صحبة رجل مسلم، هو حاجي حبيب الذي أيده مادياً وأدبياً منذ المؤتمر الأول الذي أعلن فيه المهاتما غاندي خطته طريق الحقيقة ( Satyagraha) في ١١ سبتمبر ١٩٠٦ بمسرح إمبريال بجوهانسبرغ بإفرياقية الجنوبية، وهذا الرمز لا يقتصر في تأتيره على الناحية السياسية، بل إنه يتعداها أيضاً إلى نطاق الروح، فنحن نعرف كم كان غاندي يميل إلى أن يغذي فكره من جميع منابع الغذاء الروحي، كالقرآن والإنجيل والبهاجافادجيتا ( Bhagavadegita)؛ كتاب الديانة الهندوسية. إن المستودعات في آسيا وإفريقية غنية بالوجوه الجليلة، وبالأسماء والمثل، لكي تقدم لنا عناصر أخلاقية تلزمنا في بنائنا لتراث أفرسيوي، وسيكون غاندي ولا شك في أحد الأبهاء الفخمة التي تحتوي صور الرجال العظماء. وكما تُحدَّد الثقافة بعناصرها المستمدة من الروح الأخلاقي، فإنها تتحدد أيضاً بالذوق الجمالي، وإذا كانت الثقافة قبل كل شيء (محيطاً) معيناً، فمن الواضح أن العنصر الجمالي يلعب فيها دوراً رئيسياً، إذ إن القدرة الخلاقة مرتبطة دائماً بالانفعال الجمالي، بل إن مقدرة الفرد على تأتير مرتبطة أيضاً ببعض المقاييس الجمالية، ونحن نعرف مثلاً في ميدان التجارة والصناعة أن ((الصنف الرديء لا يباع))، على أن القيمة الجمالية يجب أن ينظر إليها وخاصة من الوجهة التربوية، فهي تساهم في خلق نموذج إنشائي متميز يخلع على الحياة نسقاً معيناً، واتجاهاً ثابتاً في التاريخ بفضل ما وهب من أذواق وتناسب جمالي. ومن المؤكد أن تحويل (الدودة الصينية) الجرباء ذات الأطمار إلى (نملة زرقاء)، ذلك التغير البسيط الخارجي قد زوَّد الحياة في الصين بمثير فعال، وبدافع إنشائي، ووضع أساساً للتربية الشعبية، وأبدع ذوقاً رفيعاً، وحركة جديدة خلاقة للقيم الاجتماعية.

стр. 143

وعلى أية حال فإن الكنوز الفنية في إفريقية وآسيا لتشهد بوجود ثروة تستطيع الفكرة الأفرسيوية أن تجد فيها دائماً- في ميدانها الخاص- عناصر جوهرية لخلق هذا الجزء المهما من تراثها. وفي العصر الحاضر، حيث يخضع التطور الإنساني في اتجاهه وسرعته للعوامل الصناعية، ولاعتبارات القدرة الإنتاجية، لا يمكن للثقافة الأفرسيوية أن تحدد معالمها دون أن تأخذ في اعتبارها بعض العوامل الديناميكية الصالحة لتشجيع النمو المادي لشعوب آسيا وإفريقية، والإسراع بحركته. إن خطط المشروعات القومية التي رأت النور في السنين الأخيرة في البلاد الأفرسيوية لتشعرنا عملياً بالحاجات التي تطابق في صورة طبيعية الفصول التي تتركب منها الثقافة. والصناعة والمنطق العملي يكونان فصلين من هذه الفصول الهامة، ((حيث يتجاوب المنطق العملي مع القدرة الإنتاجية، في الناحية الاقتصادية وحيت يعد منطقاً معيناً للعمل والنشاط في الإطار الفردي)). وللصناعة والمنطق العملي علاقة مباشرة بالمشكلات العضوية التي بحثها مؤتمر باندونج، والتي يجب أن يحلها كل بلد أفرسيوي لحسابه الخاص ولهذين العنصرين تأثير مباشر عاجل على حظ الإنسان الأفرسيوي وعلى الإطار الذي يحوطه. ويأتي دور العنصر الصناعي حين يضع بلد ما تخطيطاً لمشروع قومي، وبذا يتم إدخاله في برنامج تربوي بصورة آلية نوعاً ما. إذ هو ضرورة تفرض نفسها على المشروعات الحكومية من جهة، وعلى المحاولات الخاصة من جهة أخرى، وهكذا يتلاقى احتياج دولة إلى الفنيين، ورغبة الأفراد في أن يؤدوا وظائف معينة في مجال الفن الصناعي، يتلاقيان تلاقياً كاملاً في الضرورة العضوية نفسها. ويتقرر المنطق العملي بالصورة نفسها كحاجة عاجلة لثقافة (نهضة) تريد أن تحدث تغييراً في (المحيط) حيث تتشكل عبقرية الحضارة، وحيث يتطور الإنسان.

стр. 144

فالمنطق العملي يكيف صورة النشاط وأسلوبه ونسقه وجميع أشكاله الديناميكية. وعلى محور واشنطن - موسكو توجد ديناميكية خاصة تختلف عن الديناميكية التي قد يلاحظها زائر السماء من طنجة إلى جاكرتا. هذا الزائر يمكنه أن يلاحظ فرقاً جوهرياً هو: أن الثرترة تكثر كلما قل النشاط والحركة، إذ حيثما يسود الكلام تبطئ الحركة. ولهذا وجدنا أن منظمي باندونج قد حددوا زمن الكلام بخمس عشرة دقيقة لكل متكلم، كان هذا ولا شك لكي يحولوا بينه وبين أن يغرق في الجعجعة وثرثرة اللسان. وبهذا أنقذت هذه الحكمة مقدرة المؤتمر على التأثير من طوفان الكلام الذي قد لا يدع مكاناً للعمل الإيجابي، ومما يجدر ذكره أن نعلم كيف أن ((شواين لاي)) قد برهن على اهتمامه بهذا المبدأ حين صاغ خطبته في أقل من ربع ساعة، وهو يتحدث باسم ست مئة مليون من البشر حقاً: ((إن الكلمة لمن روح القدس))، ولكن من الضروري أن يقر في أذهاننا التمييز بين الكلمة المقدسة الفعالة وبين الثرترة والهذر، فهناك أناس ليست الكلمة بالنسبة إليهم سوى أداة تؤدي العدم، فهي لديهم مجرد صبيانية بيانية خلابة، ترن في الهواء، أو مجرد كمية من المداد على صفحة من الورق. ولكن الواجب يفرض علينا أن نراعي واقعاً جلياً وجوهرياً هو أن ميزانية التاريخ ليست رصيداً من الكلام ومن أعداد الكلمات، بل هي كتل من النشاط المادي، ومن الأفكار التي لها كثافة الواقع ووزنه. وهذه الميزانيات المكونة من صنوف النشاط الإيجابي هي في الحقيقة ميزانيات من القيم الثقافية تقوم على فصول الثقافة الأربعة: منهجها الأخلاقي، وذوقها الجمالي، وفنها الصناعي، ومنطقها العملي. إننا حين عالجنا مشكلة الثقافة لم ندع أننا ندرسها في هذا الفصل دراسة شاملة، فلقد أردنا فقط أن نشير إلى أهميتها وتأثيرها على الإطار الشعبي، وعلى

стр. 145

الإطار الجامعي لكي نلفت الانتباه إلى ضرورة (التوجيه) في الحياة الفكرية تاركين جانباً المناقشة التي ستقرر إذا ما كان هذا الاتجاه يجب أن ينبع من ظروف الدولة طبقاً لاحتياجات البلاد، أي طبقاً لمنهج يفرض سيطرة التوجيه الجامعي، أو أن يصدر عن المنافع الشخصية والأذواق الفردية، أعني عن التعليم الحر المنطلق. فمهما كانت الصورة التي نضع فيها هذه المشكلة فلقد تبين لنا أن من الأهمية بمكان أن تحدد البلدان المتخلفة ثقافتها لتتدارك تأخرها، وتؤدي دورها في العالم بصورة فعالة مؤثرة. وكل بلد يمكنه طبعاً أن يحل هذه المشكلة بطرقه الخاصة، فكل الطرق تؤدي إلى الأهداف نفسها ولكن بتوقيت مختلف، فالواجب أن نتجنب الطرق الطويلة، طرق الاعتباط والاستهواء، الطرق التي سلكتها الحضارات التي كان أمامها ما يكفيها من القرون وآلاف السنين. وبلغة التربية يجب أن نطبق الطرق التي توجه الذكاء في اتجاه الحضارة، والتي تعجل تكوينها طبقاً للتطورات اللازمة في نطاق هذه الحضارة، فإذا صيغت المشكلة في تعبيرات هذه اللغة، وجدناها تتجاوز بذلك النطاق القومى على أساس وضع (سياسة للثقافة) تبعاً لتعبير الجمعية العامة الخامسة لمؤتمر الثقافة الأوروبية المنعقد في أكتوبر ١٩٥٥م في بروكسل. أي إن المشكلة تتطلب في هذا الاتجاه مؤتمراً للثقافة الأفرسيوية (١)، وربما عبر البيان النهائي لمؤتمر باندونج عن هذه الضرورة تحت عنوان (التعاون الثقافي). ...
следующие страницы →