← Тараджим

Тараджим · id 37651

جلال الدين السيوطي عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي

طاهر سليمان حمودة

Полный текст (419 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[هوية الكتاب] جلال الدّين السّيوطى عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدّرس اللغوي تأليف د. طاهر سليمان حمودة أستاذ العلوم اللغويّة بجامعة الاسكندرية وجامعة الملك سعود بالرياض ط المكتب الاسلامي

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ- ١٩٨٩ م المكتب الإسلامي بيروت: ص. ب ٣٧٧١/ ١١ - هاتف ٤٥٠٦٣٨ - برقيا: إسلاميا

стр. 3

تصدير بسم الله الرحمن الرحيم كان هذا البحث الذي أقدّمه للنشر اليوم عملا تقدّمت به للحصول على درجة الدكتوراة من قسم اللغة العربية بجامعة الإسكندرية بعنوان «السيوطيّ اللغوي»، وكنت قد أتممت كتابته في شهر المحرم من عام ١٣٩١ هـ الموافق مارس ١٩٧١ م، وقد تمت المناقشة في مايو من العام نفسه. وكانت هذه أول دراسة علمية عن السيوطي تقدّم في جامعة من الجامعات العربية، وكان من الواجب عليّ، أو من الأنسب لهذه الدراسة أن أبادر بنشرها صونا وإبرازا لما أتصوره من جهود مضنية بذلتها في البحث والدّراسة عاكفا على التفتيش في المخطوط والمطبوع من آثار السيوطي وآثار الأقدمين. ولقد ظهرت بعدها دراسات تناولت بعض جوانب السيوطي لا أشك في اعتمادها أو اعتماد بعضها على هذه الدراسة مع إغفال الإشارة إليها. وقد عاودت النظر قبيل النشر فيما كتبت من قبل، فرأيت أنني قد قمت في هذا البحث بدراسة وافية لعصر السيوطي وحياته وآثاره، وهي في نظري دراسة ضرورية لا تعدّ مقدّمة للدراسة اللغوية فحسب وإنما تزيد على ذلك إذ توفّي معظم جوانب عصر السيوطي وحياته وثقافته ومنهجه العلمي حقّها من الدّراسة، ولذلك رأيت أن أجعل عنوان الكتاب «جلال الدّين السيوطي: عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي». وقد قمت بإجراء بعض التصويبات أو التعديلات التي رأيت من الأفضل القيام بها عند المراجعة، وهي قليلة نسبيا، ولم أحاول إجراء تعديلات تتصل بالمنهج أو التصنيف لاقتناعي بسلامتهما ومناسبتهما لموضوع البحث.

стр. 4

والله أسأل أن يوفقنا لما فيه الصواب في العمل والسّداد في القول. ربيع الأول ١٤٠٩ هـ تشرين الأول (اكتوبر) ١٩٨٨ م طاهر سليمان حمودة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد فهذا البحث الذي قصدت به دراسة «السيوطي اللغوي» يتناول شخصية هامة في تاريخ الفكر الاسلامي بعامة، والدرس اللغوي بخاصة، وقد أردت بهذا البحث الذي يتناول شخصية قدر لها أن تحيا في عصر متأخر، وفي بيئة متميزة ورثت البيئات الاسلامية المتقدمة أن أعرض صورة لما آل إليه أمر الدرس اللغوي بعد تدرج طويل مرّ به في أحقاب متتالية، والدرس اللغوي متصل أشد الاتصال بسائر فروع المعرفة الانسانية، لأن اللغة هي أداة التعبير في سائر العلوم، ولأن العلوم الاسلامية من فقه وأصول وحديث وتفسير وغير ذلك تعتمد أشد الاعتماد على اللغة ويهمها ما يصل إليه البحث اللغوي من نتائج، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن جميع هذه الفروع بما فيها البحث اللغوي قد امتزجت أمشاجها عند أولئك القوم وتأثر بعضها ببعض، ولا يعني ذلك اختلاطها عليهم ولكن يعني إفادة كل فرع من الآخر بالقدر الذي تقتضيه طبيعته. والسيوطي عالم متعدد الجوانب لم يدع فرعا من فروع المعرفة دون أن يطرقه ويترك لنا فيه آثارا تزيد أو تنقص بمقدار عنايته بذلك الفرع، وقد ترك اهتمامه المتعدد بشتى ألوان البحث أثرا بالغا في تفكيره وطبع عقليته بطابع متميز، كما أن حياته في عصر متأخر وفي البيئة المصرية التي تميزت في عهد المماليك بمميزات خاصة حضارية وثقافية، كل أولئك قد ظهر أثره في إنتاجه وآثاره، لذلك رأيت لزاما علي لكي أستجلي معالم شخصيته وفكره وطابعه العقلي أن أبدأ أولا

стр. 6

باستجلاء الصورة العامة لذلك العصر، فمن الخطأ البين أن نحكم على السيوطي بموازين عصرنا اللاحق له ومفاهيمه، كما أنه من الخطأ أيضا أن نقيمه من منظور العصور السابقة، ذلك أن صورة العصر تفسر لنا كثيرا مما نجده عنده. والسيوطي- في حقيقة الأمر- يعطي أصدق صورة للعلوم الإسلامية بصفة عامة في نهاية تدرجها، كما أننا نلحظ في كتاباته العديدة صورة حية للمجتمع الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، وكون الرجل فقيها يحيا في مجتمع مسلم ويرى نفسه من مجتهدي مذهبه أو من المجتهدين على الاطلاق قد حتم عليه أن يكون على صلة وثيقة بالمجتمع وحاجاته العلمية وما ينتابه من أحداث يحتاج فيها الناس إلى حكم الله فيلجئون إليه، وقد طبقت فتاواه البلاد الاسلامية جميعا، وكان لها أثر في حياة المجتمع على عهده. ويتصل بما قدمنا من تحديد جوانبه العقلية ما نلاحظه في رسائله وكتاباته العديدة التي لم يدع فيها خاطرا يمر به إلا دونه ونبه عليه أو وضع فيه مؤلفا، وكثير من الموضوعات التي قد نعتبرها تافهة ترك فيها آثارا. على أن فحص هذه الكثرة الكاثرة من الآثار يبين لنا إلى حد بعيد غلبة الطابع النقلي على منهج الرجل في جميع دراساته، ولكن ذلك لا ينفي الجهود التي بذلها في الترتيب والتنسيق والجمع، ولا ينفي بعض ابتكاراته الهامة، كما أنه يصور في أحيان كثيرة عقليته الواعية ودرايته بما يتعرض له من موضوعات. وأهم الصعاب التي واجهتها في هذا البحث ما يتصل بآثاره التي لم يطبع جانب كبير منها ولم يصلنا جانب آخر، كما أن هذه الآثار ما بين مختصر ومطول ومتن وشرح ومنظوم وموشح ومقامة، فضلا عن تعدد ما يتناول منها موضوعا واحدا بحيث يخشى المرء من التباس الأمر عليه، كما أن بعض رسائله الصغيرة قد ضمنها في ثنايا كتبه الكبيرة إما تضمينا متميزا أو ممزوجا. والنقطة الثانية أن الرجل قد غلب عليه الطابع النقلي الذي استلزم مني أن أبحث في دوافع سلوكه هذا المنهج، وأن أنظر في جملة من المصادر التي نقل عنها لكي أحدد منهجه في النقل وأصف أمانته.

стр. 7

كل أولئك قد جعلني أسير في البحث على النسق الذي رأيته موفيا بما قصدت إليه من أغراض فجعلته في بابين يحوي أولهما ثلاثة فصول يتناول كل فصل جملة من الموضوعات المترابطة ويحوي الثاني فصلين أحدهما في فقه اللغة والثاني في النحو. أردت في الباب الأول «عصره وحياته وآثاره» أن أخلص إلى الحديث عن منهجه في التفكير موضحا أصول هذا المنهج، وأن أدرس آثاره بصفة عامة، وقد اقتضى ذلك أن أبدأ بالحديث عن عصره، والحديث عن العصر يستلزم من الدارس أن يوضح إطاره السياسي والاجتماعي، فالحياة العقلية ترتبط بالاطارين السياسي والاجتماعي ارتباطا وثيقا، تتأثر بهما وتؤثر فيهما، ولا يمكننا تفسير بعض الظواهر الثقافية إلا إذا رددناها إلى المؤثرات السياسية والاجتماعية الملابسة لها. لذلك خصصت الفصل الأول لتحديد الاطارين السياسي والاجتماعي لهذه الفترة، فبدأت بالحديث عن الحياة السياسية واقتضى ذلك الرجوع قليلا عبر السنين للتنبيه على حادثة هزت كيان العالم الإسلامي كله، وهي سقوط بغداد وانتقال الخلافة إلى القاهرة، وهذه الحوادث كان لها أثر بعيد في توجيه الحياة في البيئة المصرية طيلة عصر المماليك. ثم انتقلت إلى الحديث عن السلاطين الذين عاصرهم السيوطي لما كان بينه وبينهم من صلات أثرت في توجيه حياته وفيما ترك من آثار، وانتقلت بعد ذلك إلى الحديث عن خلفاء بني العباس بمصر حياة السيوطي، لما كان له ولأبيه من قبل من حظوة عندهم جعلتهم لا يبخلون عليه بالعون والمؤازرة. ثم أردت تحديد الاطار الاجتماعي لأتبين المكان الذي تنزله طبقة العلماء أمثال السيوطي من المجتمع، ولم تكن تتضح هذه المكانة إلا بمقارنة هذه الفئة بغيرها من فئات المجتمع ومن ثم فقد عرضت لأنواع هذه الفئات مبينا درجتها في المجتمع وفعلها فيه، كما أوضحت صورة الحياة في المدن وخصصت القاهرة بيئة السيوطي بالتفصيل الكبير، وعرضت لبعض الظواهر الاجتماعية والحيوية الهامة التي تميز بها المجتمع آنذاك وأهمها ظاهرة التصوف، وكل ذلك إنما تناولته لما للسيوطي وآثاره من صلة وثيقة به، فالرجل كما قلت صورة حية لمجتمعه

стр. 8

تمثله أصدق تمثيل، وقد نبهت أحيانا على تفاعل السيوطي مع ما عرضت من أحداث وصور سياسية واجتماعية. وفي الفصل الثاني تناولت الحياة الثقافية وقد أردت أن أوضح الظواهر التي تميز بها التأليف في ذلك العصر، والعرف الذي اتبع في التلقي والتدريس والتأليف حتى يسهل علينا مقارنة آثار السيوطي بما وضع في عصره، وحتى يمكننا رد كثير من الظواهر التي نلحظها في منهجه إلى أصولها، وقد دفعني ذلك إلى بيان نشاط الحركة العقلية ومظاهر هذا النشاط المتمثلة في مراكز العلم بأنواعها المختلفة وفي الكثرة الكاثرة من مؤلفات العصر، وفي كثرة الطلبة والشيوخ، وقد مثلت لكل من هذه المظاهر بمثال أو ببعض الأمثلة وتقصيت عوامل نشاط الحياة الثقافية ثم صببت اهتماما أكثر في الحديث عن الملاحظات التي أمكن لي الوقوف عليها فيما يتصل بمؤلفات العصر بصفة عامة ليساعدني ذلك في الحكم على مؤلفات السيوطي التي طبعت في الغالب بما طبعت به مؤلفات العصر، وقد نبهت على تأثر السيوطي بعصره وروحه بين حين وآخر، ولما كانت الحياة الأدبية جزء لا يتجزأ من الحياة الفكرية بعامة فقد رأيت أن أختم هذا الفصل بالحديث عن هذه الحياة ومميزاتها، لما ذلك من أثر لاحظته على كتابات السيوطي بصفة عامة وعلى إنتاجه الأدبي بصفة خاصة، فأسلوبه متأثر بروح العصر في الكتابة والتي من أهم خصائصها الحرص على ضروب البديع، كما أن إنتاجه يمثل الأنواع الأدبية المتنوعة التي عرفها العصر، ويدل على حرص السيوطي على أن يسهم في جميعها. وفي الفصل الثالث تناول البحث «حياة السيوطي وثقافته وآثاره» وقد اتضح فيه أهمية الارتكاز على الفصلين السابقين في سبيل استجلاء كثير من جوانب الموضوع، وقد بدأت ببيان مولده ونسبه ونسبته وتحدثت عن والده، ثم عرضت بعد ذلك لنشأته ودراسته وقد اقتضى ذلك أن أترجم باختصار لأهم الأساتذة الذين أخذ عنهم وكان لهم فعل وأثر في عقله وحياته، ثم خلصت بعد ذلك إلى الحديث عن مراحل حياته، وقد أردت بهذا الموضوع أن أبين المراحل التي مرت بها حياة السيوطي العملية، وأهم البواعث والمؤثرات التي وجهت هذه الحياة

стр. 9

ولذلك فقد تحدثت في ختام هذا الموضوع عن وفاته باعتبارها نهاية هذه المراحل التي مر بها. وأردت بعد ذلك أن ألقي الضوء على بعض الموضوعات، فتناولت مكانته في المجتمع وقد أخرتها بعد عرض مراحل حياته وبعد الحديث عن وفاته لأنني حينئذ أتناول بالدراسة تجربة قد انتهت، واكتملت وأصبح من الواضح البين إمكان الحكم على جوانبها المختلفة مع الاستعانة بالحوادث التي مرت في خلال فترة الحياة، وقد بينت في حديثي منزلته الاجتماعية وصلته بالمجتمع وأهم الأحداث العامة التي خاضها وأثره في مجتمعه. وبعد أن بينت هذا الجانب كان لزاما علي أن أتبعها بالحديث عن خصومات السيوطي التي تعرض لها والتي فرضها عليه مكانه من المجتمع وتبوؤه درجة لها قدرها، وقد عرضت بعض النماذج القولية التي هاجم بها خصومه، كما عرضت نماذج لهجومهم عليه، وحاولت استجلاء طبيعة هذه الخصومات وتلمست القول المنصف فيها، وأهم الموضوعات التي كانت مجالا لهذه الخصومات. وكان لزاما علي بعد عرض الخصومات وما تعرض له السيوطي من قدح وهجوم وما تناول به خصومه من قدح. وما قمت به من استجلاء للحقائق أن أعرض لخلقه وشخصيته نظرا لأن الخلق العلمي والأمانة إنما هما جزء لا يتجزأ من سلوك المرء العام في حياته العملية، وقد عرضت من الحوادث التي مرت به ومن أقواله وأفعاله ما يعين على وصف شخصه وخلقه وصفا دقيقا، ومن هنا خلصت إلى ما أريده من بحث منهجه في التفكير وتحديد أصول هذا المنهج معتمدا على ما سبق أن قدمته، وقد اقتضى بحث أصول منهجه في التفكير أن أتناول ثقافته، ولما كان السيوطي عالما متعدد الجوانب فقد لاحظت أن بعض العلوم قد استحوذ على الجانب الأكبر من اهتمامه وترك بذلك أثرا واضحا في عقله وفكره ومنهجه، ورأيت أن أعرض لصلة السيوطي بعلوم ثلاثة تركت أبلغ الأثر في نفسه ومنهجه، وهي الحديث لما له من أثر في طبع منهجه بالطابع النقلي وحرصه على الأمانة وشدة تحرجه في سائر دراساته، والتصوف الذي سلك فيه مسلكا علميا وعمليا لأنه يفسر لنا تساهل السيوطي في جانب كبير من المرويات التي يقبلها ولا يتعرض لها بالنقد، ثم الفقه لما يطبع به صاحبه من اتصال بالحياة وتعرف على مشكلاتها ودراسة للنص من جميع الوجوه في سبيل الاستنباط والنظر في

стр. 10

النقول نظرة عقلية واعية، ورأيت أن أختتم صلة السيوطي بهذه العلوم التي أثرت في فكره بالحديث من صلته بالأدب لما له من صلة ببيان أسلوبه التعبيري وذوقه، ولما يعكسه من تأثره بالعصر الذي يعيش فيه، ثم عرضت لصلته بالشعر وقد ابتغيت من ذلك أن أتناول موضوعا يهم البحث وهو المنظومات العلمية التي نظمها السيوطي في جميع الفنون التي تناولها بالتصنيف، ومنها منظومات لغوية ونحوية كثيرة وقد أشرت إلى بعض هذه المنظومات، ولقد دهشت من كثرة هذه المنظومات ومن قوة عارضي الرجل وقدرته العارمة على نظم أدق المسائل وأكثرها جفافا. وكان أمامي بعد ذلك الحديث عن آثاره، ورأيت أن أعرض لها بصفة عامة، وقد أبديت خلال هذا العرض الملاحظات التي لاحظتها من حيث عددها والمدة التي كان يستغرقها المؤلف، وأوقات صدورها عنه، ومن ناحية أحجامها ووثاقة نسبتها إليه، ولما كان حصر هذه المصنفات من الكثرة بمكان وقد اختلفت في تقديرها المصادر القديمة والحديثة فقد قمت بتصنيف هذه الآثار وترتيبها، ورأيت أن أجعل هذه القائمة في آخر البحث حيث إن كثيرا منها قد اعتمدت عليه وقد نبهت على ما رجعت إليه وما كتبته ولم أتمكن من الوقوف عليه، وقد تجنبت بذلك التكرار في سرد هذه الآثار. وقد نتج عما قمت به أن استطال البحث بالباب الأول بالرغم من أن قصدي كان الايجاز أكثر من هذا، ولكن ذلك نتج عما سبق بيانه من أهمية دراسة العصر بنواحيه المختلفة وأحداثه لما لها من صلة عميقة وموجهة لحياة السيوطي، كما أنني لم أجد من الدارسين من خص هذه الفترة بدراسة وصل فيها حياة السيوطي بعصره باستثناء دراسة الأستاذ عبد الوهاب حمودة وقد عرضت لكثير من الجوانب التي أغفلها، كما أنني أردت أن أستوضح عقل الرجل وفكره في صنوف إنتاجه المتنوعة، وأن أعرض لحياته وأستجلي بعض جوانب الغموض التي اكتنفتها وأنبه على بعض الأوهام التي وقع فيها المترجمون له، ونظرا لكثرة إنتاج السيوطي وكثرة مؤلفاته فقد استطال الحديث في الباب الأول ولم يكن هناك مندوحة عن ذلك في نظري.

стр. 11

وقد خصصت الباب الثاني لجهوده اللغوية والنحوية، وقد قسمته إلى فصلين أولهما: عنونته بفقه اللغة وعنيت به جميع ما له من دراسات لغوية لا تدخل في المستوى النحوي بمعناه العامّ الذي يشمل الصرف، أي ما يتصل بمستويات الدرس اللغوي الصوتية والمعجمية والدلالية والأبحاث العامّة المتصلة باللغة، والثاني: للنحو، وفي الفصل الذي عقدته لفقه اللغة كان هدفي تحديد دور السيوطي في هذا الميدان وفي تاريخ هذه الدراسات، وكان لزاما أن أقارنه بأسلافه من اللغويين الذي اعتمد عليهم، ومن ثم فقد بدأت باجمال تاريخ الدرس اللغوي وتدرجه قبل السيوطي، وبينت أنواع الدراسات اللغوية التي سبقته وأوضحت أنه لم يظهر في فقه اللغة بمعناه الحديث كتاب قبل كتاب السيوطي «المزهر» أجمع وأوفى منه. ولما كان للسيوطي عدد من الآثار اللغوية غير المزهر فقد بدأت بدراسة هذه الآثار، وقد آثرت ترتيبها ترتيبا موضوعيا حيث إنني قد وجدت من العسير أن أرتبها ترتيبا تاريخيا دقيقا لأنني وإن تمكنت من معرفة الأوقات التي صرح السيوطي بصدور بعضها فيها فإن هذه المعرفة لا تتيسر في سائرها، كما أن الترتيب الموضوعي يسهل عليّ تناول هذه الآثار بالدراسة دون تكرار ما يمكن تجنبه، وقد عرضت ضمن هذه الآثار اللغوية لبعض مباحث السيوطي اللغوية في كتابه الاتقان، كما أوردت كتابين أحدهما يشرح الأسماء النبوية والآخر يشرح قصيدة كعب بن زهير ليكونا مثالين لشروحه التي توضح مدى إفادته العملية من الدرس اللغوي، كما عرضت لكتاب في علم التاريخ ليكون مثالا لثقافته اللغوية التي تخللت ضروب إنتاجه المتنوعة، وقد بلغ عدد الرسائل والكتب التي سقت الحديث عنها ستة عشر، منها سبعة آثار لم أقف عليها، وقد استطعت بتتبع آثار السيوطي الحديث عن بعضها، وبعضها أمكن لي أن أتكهن بمضمون مبحثه، ولما كان كتاب المزهر أهم هذه الآثار وأكثرها بسطا فقد اقتضى أن يكون الحديث عنه متناسبا مع أهميته، وقد بدأت ببيان أهميته بالنسبة للدرس اللغوي بعامة، وما تميز به عن غيره من الكتب، ثم تناولت منهج السيوطي في مؤلفه من خلال موضوعات ثلاثة: هي مصادر الكتاب، وطريقة صاحبه في النقل والعرض، وكيفية تقسيمه، وقد وجدت من دراستي للكتاب أن أهم ما انفرد به

стр. 12

السيوطي وأعانه عليه ثقافته الاسلامية الواسعة بعامة والحديثية بخاصة هو تطبيقه منهج المحدّثين في دراسة اللغة، وقد وضع السيوطي بذلك مهجا لنقد الرواية اللغوية حاول به مضاهاة منهج المحدّثين في نقد الحديث، وهذه محاولة مبتكرة في ميدان اللغة سبق إليها السيوطي محاولا أن يستدرك بعمله نقصا في حقل الدراسة اللغوية، وقد حاولت أن أستوضح هذه المحاولة مقارنا ما قام به السيوطي بما عرف عند المحدثين من أصول وقواعد ومصطلحات وضعت وتقررت لدراسة الحديث ونقده سندا ومتنا والواقع أن أصول نقد الرواية اللغوية لم تحظ قبل السيوطي ببحث نظري وافر، ولم تكن سوى عرف غير مكتوب تشير إليه مناهج اللغويين العملية وشذرات مقتضبة ومتناثرة في كتب اللغويين وتراجمهم، وللسيوطي فضل إقامة هذه الأصول في إطار نظري منظم واضح المعالم، ونقد الرواية يتمثل في مرحلتين. أولاهما: النقد الخارجي وهي تبحث الرواة والأسانيد، والأخرى تتصل بالنقد الداخلي وقد رأيت أن أنفذ إلى عمل السيوطي من خلال هذا التقسيم فبدأت بالمرحلة الأولى ونظرت في دراسته لرواة اللغة ثم دراسته للأسانيد، ثم تناولت المرحلة الثانية وبحثت فيها ما قام به فيما يتصل بالنقد الداخلي، وقد قارنت صنيعه بصنيع أصحاب أصول الحديث. وكان عليّ بعد ذلك أن أنظر في الموضوعات اللغوية التي ساقها السيوطي في كتابه وأن أحاول التعرف على آرائه تجاه بعض القضايا اللغوية، وفي أحيان غير قليلة كنت أراه يسوق الحديث دون أن يدلي فيه برأي من عنده، وفي أحيان أخرى يقتضب رأيه أو يعلق بتعليقات موجزة، ولكنني كنت أحاول من خلال هذه النقول وطريقة عرضها وموضوعها أن أستوضح وجهة نظره إذا لم أجد له تصريحا بذلك، وقد عرضت لمفهومه للغة وهو يتابع فيه مفهوم ابن جني ومعظم اللغويين العرب، وأردت أن أغطي ما تبقى من مباحث الكتاب لأبين دور السيوطي فيها وآراءه، وقد رأيت أنه من العسير أن أتناول الأنواع التي عرضها في كتابه مفردا كلا منها بالدراسة فذلك ما لا يسمح به المكان فضلا عما به من تكرار لما سبق لي تناوله في بحث آثاره، ولذلك حاولت أن أجمل الحديث بقدر الامكان، ورأيت أن أتناول بقية هذه المباحث تحت ثلاثة أقسام أعرض فيها لمعظم الكتاب، فالقسم الأول للألفاظ وقد عرضت فيه لثلاثة عشر نوعا

стр. 13

ذكر السيوطي أنها تبحث اللغة من حيث ألفاظها، والثاني للدلالة اللغوية أو المعنى وقد جمعت فيه ثلاثة عشر نوعا ذكر أنها تبحث اللغة من حيث المعنى، والثالث يتصل بضبط اللغة وأبنيتها، وقد بينت أن التقسيم الذي وضعه السيوطي لم يكن دقيقا حيث إن بعض المباحث التي وضعها تحت قسم المعاني كان من الأفضل أن توضع في مباحث الألفاظ، ثم رأيت بعد ذلك أنني لم أستوف القضايا اللغوية التي بحثها الكتاب ومن هنا رأيت أن أتناول بعض هذه القضايا محاولا تبين موقف السيوطي منها، فبحثت نشأة اللغة، وقد أخرت البحث في نشأة اللغة إلى هذا المكان على خلاف المعهود لدى الدارسين لأنه في الحقيقة بحث غير عملي بالنسبة للدرس اللغوي الحديث، بل ان بعض القدماء قد تنبه إلى عدم جدوى هذا البحث وقالوا إن ذكر هذه المسألة في الأصول فضول، كما بحثت الوضع اللغوي، وإثبات الأسماء بالقياس، والمعاجم اللغوية، والصلة بين اللفظ والمعنى، وقد قدر اللغويون العرب هذه الصلة وقد وصلت بحوثهم فيها ببحوث المحدثين، والسيوطي من مثبتي هذه الصلة وقد حاول أن يدلل عليها بعدد كبير من الأمثلة. وفي جميع ما عرضت له حاولت الافادة من الدراسات السابقة التي اعتمد عليها السيوطي، ومن الدراسات الحديثة التي تناولت بعض هذه الموضوعات بيد أنني كنت أقدر أن هدف البحث هو بيان دور السيوطي من هذه الدراسات وموقفه من هذه القضايا لذلك لم أندفع وراء تقصي هذه المباحث وإنما حاولت أن أجعل السيوطي دائما محور الحديث كما هو مقصود البحث. وفي الفصل الثاني أردت أن أكمل الحديث عن لغوية السيوطي، ورأيت لزاما علي أن أبحث الشق الآخر من البحث اللغوي المتمثل في النحو، ورأيت أن أبدأ ببيان الدور الذي قام به في تاريخ الدرس النحوي فعرضت لآثاره النحوية وقيمتها ومكانها من الدرس النحوي، ولما كان للسيوطي عدد كبير من الآثار النحوية فقد قصدت إلى استقصائها وعرضت بدراسة موجزة ألقيت فيها الضوء على نحو ستة عشر نوعا من هذه الآثار ما بين مطول ومختصر ومنظوم وموشح ومقالة، وسردت بقية الآثار التي ذكرت له ولم أتمكن من الوقوف عليها،

стр. 14

ومعظمها رسائل صغيرة، وما عرضت له ووقفت عليه يمثل معظم جهود السيوطي النحوية. ثم رأيت بعد ذلك أن أطرق موضوعا يعدّ من مبتكرات السيوطي في الدرس النحوي وهو علم أصول النحو، وقد حاولت بيان الدور الذي قام به السيوطي في سبيل إرساء قواعد هذا العلم فعرضت لتدرج أصول النحو وما كتب فيه قبل السيوطي، ثم عرضت لجهود السيوطي وقارنته بما قام به ابن جني وابن الأنباري، وهما أهم من كتب في الأصول النحوية قبله، وبينت تفرد السيوطي بكثير من المباحث ودوره العظيم الذي قام به والذي يصوره كتابه «الاقتراح» الذي يعدّ أهم كتاب وأجمعه في علم أصول النحو، ولم أنس أن أنتقد صنيع أصوليي النحاة بما فيهم السيوطي، وما شاب أصولهم- في بعض الأحيان- نتيجة لحملها على أصول الفقه. ثم اختتمت دراسة السيوطي نحويا بحديثي عن مذهبه في النحو، ولما كان السيوطي نحويا مصريا متأخرا، فقد عرضت للمدارس النحوية قبله وللمدرسة المصرية وأهم نحاتها وأهم مميزاتها، ثم بينت منهج السيوطي في النحو، ومثلت ببعض الأمثلة لاختياراته وآرائه الخاصة، وتعليلاته النحوية. وهذه محاولة قمت بها أرجو أن أكون قد وفقت فيها، والكمال لله وحده، ومنه نستلهم الرشاد والتوفيق. طاهر سليمان حمورة

стр. 15

الباب الأول عصر السيوطي وحياته، وآثاره

стр. 16

الفصل الأول الحياة السياسية والاجتماعية لا بد لنا قبل البدء في الحديث عن حياة السيوطي وآثاره أن نتناول بالحديث البيئة التي عاش فيها ونبت بين ربوعها والتي انعكست آثارها ومقوماتها- بلا شك- فيها أنتجه من دراسات متنوعة لغوية كانت أو غير لغوية. والحديث عن البيئة أعني به إعطاء صورة واضحة لجوانب الحياة المختلفة، فهذه الجوانب مرتبطة متصلة الأمشاج يؤثر بعضها في بعض. ولئن حاولنا أن نبدأ بأحد هذه الجوانب فإن الأمثل في تصوري أن يكون بالجانب السياسي لهذه البيئة لأنه يمثل الإطار الخارجي لجميع جوانب الحياة الأخرى، وتناول الجانب السياسي يقتضي منا أن نرجع قليلا عبر الزمان لنرى بداية هذا النظام الذي ساد البيئة المصرية وبيئة الشام قرابة ثلاثة قرون من الزمان. وليست محاولة الرجوع للتعرف على هذه النشأة رغبة في الإطالة فيما قد يبدو بعيد الأثر عن بحث يتناول الجانب اللغوي عند عالم من العلماء ويصب عنايته الجليّ على هذه الناحية، ولكنها في حقيقة الأمر وقفة على حقيقة معينة كانت ذات أثر بالغ في هذا العصر كله، ولا يمكن لمن يتصدى لدراسة أي ناحية فيه أن يغفل هذه الحقيقة. تلك الحقيقة التي نريد التنبيه إليها هي سقوط بغداد على أيدي التتار الذين اجتاح غزوهم العالم الاسلامي في القرن السابع الهجري، ولقد اتخذت الغزوات المغولية طابعا وحشيا عنيفا يدمر كل ما يجد من حضارات، ويهدم ما يلقى من بناء.

стр. 17

ولقد استطاع التتار قبل وصولهم إلى بغداد أن يقضوا على الدولة الخوارزمية وأن يسيطروا على إيران، وبذلك جاء دور بغداد. وقد تعرضت بغداد لهجوم التتار في عام ٦٣٥ هـ وبعث الخليفة بجيش مني بالهزيمة وقتل أكثر جنوده وفر الباقون من وجه المهاجمين «١»، ولم يلبث التتر أن عاودوا هجومهم على بغداد في سنة ٦٥٦ هـ بقيادة هولاكو الذي استولى على بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين ببغداد. «٢» وتفيض المراجع العربية بذكر الفظائع التي ارتكبها المغول بسائر الأقاليم التي تعرضت لغزوهم فقد تعرضت بغداد للتخريب في شتى مرافقها، وجرت الدماء في الطرقات واستمرت إباحة المدينة للغزاة أربعين يوما حتى أمر هولاكو بعدّ القتلى فبلغت الألفي ألف قتيل «٣» (أي مليونين من القتلى)، ومهما يكن من أمر هذا العدد ومدى صحته فإنه يعطي صورة لكثرة القتلى وما أقامه المهاجمون من مذابح بشرية. وهكذا سقطت الخلافة العباسية في بغداد، ولم يكن سقوطها في حقيقة الأمر يعني نهاية حكم العباسيين وحسب بقدر ما كان يعني حدثا خطيرا هز كيان العالم الاسلامي كله، ذلك أن الخلافة الاسلامية التي آل أمرها إلى المستعصم آخر خلفاء بغداد كانت تمثل رمزا دينيا لوحدة المسلمين، على الرغم مما كان عليه هؤلاء الخلفاء من ضعف جعل غيرهم ينفرد بالسلطة الفعلية دونهم، وبالرغم من انقسام الأقاليم الاسلامية إلى دويلات متعددة تخضع لحكام متفرقين متناحرين فيما بينهم على ازدياد النفوذ في كثير من الأحيان. ولقد شعر المسلمون بمدى الخسارة التي لحقتهم بسقوط بغداد على أيدي التتار الذين دمروا كل ما كان الخلفاء العباسيون قد جمعوه خلال خمسة قرون «٤»،

стр. 18

ولم يقف الغزو المغولي عند هذا الحد بل تعداه إلى بلاد الشام حيث أخذت مدن الشام تتساقط في أيديهم ويحدث بها من الفظائع والتخريب وسفك الدماء مثلما حدث ببغداد «١». ولقد كانت هذه الغزوات تسبق بموجات من الفزع تعتري سكان البلاد مثلما حدث بدمشق بعد سقوط حلب حيث ارتحل أغلب سكانها، وارتحل كثيرون من غيرها إلى مصر، وتفيض الكتب العربية بوصف المآسي التي حدثت للناس في هذه الظروف السيئة «٢». ووصل الغزو المغولي إلى غزة وجاء دور مصر التي كان يحكمها المماليك الذين استطاعوا أن يستأثروا بالسلطة دون البيت الأيوبي، وفي هذه الظروف الحرجة استطاع سيف الدين قطز أن يتملك زمام الأمور وأن ينحي سلفه مستندا إلى أن المسلمين في حاجة إلى زعيم قوي يوحد صفوفهم ضد الغزو المغولي «٣»، الذي كان يهدد المسلمين فضلا عن مساندته للصليبيين وتقويته جانبهم «٤». وحضر رسل هولاكو يطلبون من السلطان التسليم بكتاب يتهددون فيه ويتوعدون ويطلبون إليه تسليم مصر لهم «٥»، وكان أن قبض السلطان على الرسل وقتلهم وأبدى كثيرا من الشجاعة ورباطة الجأش في جمع الصفوف والدعوة إلى الجهاد على الرغم مما كان يحاوله بعض الأمراء من النكوص عن الجهاد والتخاذل «٦». ولم يكن ثمة مناص من حدوث الصدام المسلح بين التتار والمماليك، وقد أظهر الأخيرون تماسكا في وجه عدوهم وتناسوا في تلك المرحلة الحرجة ما كان بينهم من خلافات، وبدءوا في الزحف لملاقاة عدوهم حتى انتهى بهم المسير إلى

стр. 19

عين جالوت بين بيسان ونابلس حيث حدثت الموقعة التي تعد من أهم معارك المسلمين في تاريخهم بوجه عام، وقد استطاع المسلمون بقيادة السلطان قطز، وبحسن بلاء بيبرس أن يحرزوا انتصارا ساحقا على عدوهم وأن يتابعوا عدوهم قتلا وأسرا ويلحقوا به هزيمة ثانية قاضية عند بيسان. «١» وقد يبدو أنني قد فصلت إلى حد ما القول في معركة عين جالوت بالرغم من بعدها نسبيا عن العصر الذي نود لو نرسم صورة واضحة لمعالمه ولكن حقيقة الأمور تستدعي أن نلقي الضوء على هذا الحدث لما كان له من أثر في العصر المملوكي بصفة عامة، فلقد ترتب على هذه الموقعة آثار خطيرة منها أن المماليك قد بسطوا نفوذهم على مصر والشام كما أنهم بفضل هذا الانتصار أكسبوا حكمهم صفة الشرعية التي كانوا يفتقرون إليها في نظر الشعب لأنهم مغتصبون للبيت الأيوبي من جهة، وأنهم من أصل غير حر من جهة أخرى، ولقد كانت النقطة الأخيرة سببا في ثورة الأعراب عليهم قبل هذه الموقعة بقليل «٢». وإذا كان أثر هذه المعركة هو استتباب الأمر للمماليك حكاما للبلاد فإن لها آثارا أخرى سياسية وحضارية في البيئة المصرية بوجه عام وفي القاهرة بوجه خاص. وإذا كانت القاهرة هي المدينة التي نشأ فيها السيوطي وتلقى علمه وتأثر بها وأثر فيها، فإن هذه المدينة قد اكتسبت كثيرا من المميزات على أثر هذا الانتصار، وظلت تتمتع بهذه المميزات طيلة عصر المماليك، فقد احتفظت القاهرة بما لها من حضارة وحيوية حيث لم تمتد إليها معاول التدمير المغولي التي شملت غيرها من مدن الشرق الاسلامي، وأصبحت ملجأ وملاذا للعلماء والمفكرين وسائر الناس الفارين من وجه الغزاة، وبحكم الحالة السياسية فقد أصبحت مصر والشام دولة واحدة قوية تعقد عليها آمال المسلمين في الشرق

стр. 20

والغرب حيث لم يكن للمسلمين دولة ذات شوكة غيرها، فالعراق في الشرق تحت حوزة المغول وكذلك سائر الممالك الاسلامية الشرقية، والأندلس في الغرب تعاني من التفكك وتلفظ أنفاسها الأخيرة، وهكذا فإن الثقل السياسي والحضاري للمسلمين بصفة عامة قد انتقل إلى القاهرة حيث عاصمة البلاد القادرة على حماية المسلمين. وحلت القاهرة محل بغداد في كل شيء وأصبحت وارثة لها في تركتها سياسيا وحضاريا وثقافيا، وإكمالا لهذه الصورة فلقد انتقلت الخلافة العباسية كذلك من بغداد إلى القاهرة، وحرص المسلمين على الخلافة التي تمثل وحدتهم جميعا يتضح من حديثهم عن سقوط خلافة بغداد وكيف «أقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف سنة» «١» حتى تولى الخلافة أحد أبناء الخلفاء السابقين ببغداد حيث قصد إلى القاهرة وتلقاه سلطانها الظاهر بيبرس واستقبله العلماء والجند وسائر طوائف الشعب أروع استقبال فرحا بإحياء الخلافة «٢». وهكذا انتقلت الخلافة الإسلامية التي كانت في هذا الحين رمزا دينيا سياسيا وحسب إلى القاهرة منذ عهد بيبرس سنة ٦٥٩ هـ وأصبح أحد مناصب الدولة الرئيسية، وظل الحال على ذلك حتى آخر هذا العصر إلى حين قدوم السلطان سليم العثماني في سنة ٩٢٣ هـ. وإذا كان الخليفة في العصور الإسلامية المبكرة هو صاحب السلطة الحقيقة في تدبير شئون البلاد التي تتبعه وتولية ولاة الأقاليم وعزلهم وتسيير الجيوش والغزوات فإن ضعف الخلفاء في بغداد أواخر عهدهم قد أفقدهم هذه السلطة كما أن الخلافة الجديدة بمصر لم تكن لديها هذه القوة، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الحقوق كانت لا تزال مكفولة للخلفاء من الناحية الشكلية النظرية، فالخليفة هو الذي يولي السلطان ولا يكون تولي السلطان شرعيا إلا باقرار الخليفة. وقد روعي ذلك منذ تولي أول خليفة فبعد مبايعة السلطان والعلماء والأمراء للخليفة قام هو بدوره فألبس «السلطان بيده خلعة سوداء وعمامة سوداء وطوقا

стр. 21

في عنقه من ذهب وقيدا من ذهب في رجليه، وفوض إليه الأمور في البلاد الاسلامية، وما سيفتحه من بلاد الكفر وسماه بقسيم أمير المؤمنين» «١»، وظل هذا التقليد ساريا منذ تولي الظاهر بيبرس وحتى آخر سلاطين المماليك وهو السلطان الغوري. «٢» وهكذا استقرت الخلافة الاسلامية بالقاهرة بالاضافة إلى ما تمتعت به البلاد من قوة سياسية وعسكرية وكان ذلك يعني ما أشرنا إليه من ازدهارها واتجاه المسلمين إليها وهو ما أدركه المؤرخون السابقون المعاصرون لهذه الأحداث الذين ذكروا «أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها وكثرت شعائر الاسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت منها البدعة وصارت محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء» «٣». وإذ كنا قد أوضحنا جانب الخلافة وبداية هذه الدولة فلا يضيرنا هنا أن نشير إلى سلاطينها وخلفائها وأن نتناول توضيح المعالم السياسية لهذه الدولة لا سيما في آخر عهدها لنخص بالحديث الفترة التي عاصرها السيوطي. وقد تميز هذا العصر بصفة عامة بالعصبيات بين طوائف المماليك المختلفة والتناحر من أجل الوصول إلى السلطة، وأهم هذه العصبيات ما كان بين طوائف المماليك الترك وطائفة المماليك الجراكسة وما لقيه الأخيرون من اضطهاد في أيام حكم أبناء قلاوون «٤». على أن هذا الاضطراب الداخلي قد استمر أيضا بعد تولي برقوق أول المماليك الجراكسة، فقد كان الوصول إلى العرش يتم دائما عن طريق العصبيات وازدياد النفوذ بين أمراء المماليك، ولذلك فإن الفتن السياسية الداخلية لم تنقطع خلال هذه المرحلة «٥»، فالأمير القوي الذي يستطيع

стр. 22

أن يؤلب طوائف المماليك على غيره وأن يجمع غالبيتهم حوله هو الذي يستطيع الوصول إلى دست السلطنة بعد وفاة السلطان أو بتنحيته عن الحكم. وهكذا فلقد كانت الفتن الداخلية والمنازعات بين أمراء المماليك من أجل الوصول إلى دست السلطنة هي طابع ذلك العصر «١»، ولم تكن تخمد هذه الفتن إلا في خلال حكم سلطان قوي يستطيع بدهائه وقوته مواجهة هذه الصعاب والتغلب عليها. وفضلا عن هذه الفتن الداخلية فلقد طبع هذا العصر ببعض الاضطرابات الخارجية التي تعود سلاطين المماليك مواجهتها وهي خروج أمراء الشام على طاعتهم، وكذلك تعرض البلاد لغزوات المغول، ولغارات الأعراب المتكررة «٢»، ثم ظهرت منافسة سلاطين آل عثمان الذين قويت شوكتهم واتجهوا للغزو توسيعا لرقعة دولتهم وأصبح سلاطين المماليك يجدون فيهم منافسا خطيرا لهم. وقد عاصر السيوطي في طفولته مجموعة من السلاطين الذين كان لهم حكم البلاد «٣»، وقد شهدت هذه الفترة تولية عدد كبير منهم لم يكن يستقر بهم المقام في دست السلطنة طويلا، حتى أقيم «سلطان العصر الملك الأشرف قايتباي المحمودي» «٤»، والحقيقة أن أهم السلاطين الذين عاصرهم السيوطي هو قايتباي (٨٧٢ - ٩٠١ هـ)، وهو أطول ملوك هذه الفترة حكما، وأصله من مماليك الأشرف برسباي، وغريب ألا نجد لقايتباي ترجمة في كتاب السيوطي الذي ترجم فيه لأعيان القرن التاسع «٥»، بالرغم من أنه لم يغفل كثيرا من معاصريه ومن سلاطين عصره من الأتراك والمغول والمماليك ويبدو أنه قد أفرده بترجمة. وقد امتدحه كثير من المؤرخين فأشاد بحسن تدينه وحبه للخير وتعففه عن

стр. 23

الشهوات وكثرة حسناته فضلا عما لا ينكره أحد من كثرة ما أقام من إنشاءات وإصلاحات «١»، ويعتبر أبرز سلاطين دولة المماليك الجراكسة، فقد امتد حكمه طيلة تسعة وعشرين عاما، ومن الجانب السياسي فقد كان ماهرا وموصوفا بأنه كان «كفؤا للسلطنة وافر العقل، سديد الرأي عارفا بأحوال المملكة، يضع الأشياء في محلها ... موصوفا بالشجاعة عارفا بأنواع الفروسية» «٢» وقد اضطرته حروبه الكثيرة إلى زيادة الضرائب في كثير من الأحيان، وكان ازدياد قوة آل عثمان سببا في حدوث بعض المنازعات بينهم وبين قايتباي وقد انتهت بمهادنة الطرفين في سنة ٨٩٦ هـ «٣». وفي أيام هذا السلطان في سنة ٨٩٧ هـ أصاب البلاد وباء شديد وقد عاصر السيوطي هذا الوباء وذكر أنه «جمع في الموت بين كل ألفين، وبلغ عدد الموتى في كل يوم أزيد من ألفين، وقيل أكثر من ذلك .. » «٤». ويفيض السيوطي في وصف هذا الطاعون وما أحدثه بالبلاد من خراب حتى أن نصف سكان القاهرة قد قضوا نحبهم بسببه، كما أن القرى والأقاليم لم تسلم منه ثم كان للاسكندرية نصيب في العام التالي من هذا الطاعون «٥»، وكان الوباء المشار إليه ثالث الأوبئة الجارفة التي أصابت البلاد في حكم قايتباي فقد كان أولها في عام ٨٧٣ هـ، وحدث الثاني في عام ٨٨١ هـ، ويبدو أن هذه الأوبئة كانت سمة بارزة في هذا العصر وكانت تعتري الناس في فترات غير متباعدة حتى أن مدة خمس عشرة سنة بين وباءين تعتبر في في نظرهم مدة طويلة «٦».

стр. 24

وإن يكن السيوطي قد أغفل ترجمة السلطان قايتباي على ما يبدو فإنه لم يفته أن ينوه بذكره وأن يمتدحه في كتابه الذي ألفه بعد وفاته فذكر عنه أنه «سار في المملكة بشهامة وصرامة ما سار بها قبله ملك من الملوك من عهد الناصر محمد بن قلاوون .. ومن سيرته الجميلة أنه لم يولّ بمصر صاحب وظيفة دينية كالقضاة والمشايخ والمدرسين إلا أصلح الموجودين لها بعد طول تروية وتمهلة بحيث تستمر الوظيفة شاغرة الأشهر العديدة ولم يولّ قاضيا ولا شيخا بمال قط» «١». وجدير بالذكر هنا أن السخاوي معاصر السيوطي قد أثنى غاية الثناء على قايتباي في ترجمته له التي يبدو أنه كتبها في حياته فنوه بقوته وحسن تصرفه كما أشاد بحسن تدينه واعتقاده، وسيرته الحسنة في الرعية، وكثرة ما أقام من إصلاحات وانشاءات حتى قال فيه: «وبالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له، ولا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مجمل ما اشتمل عليه ولا مفصله» «٢»، أما ابن اياس الذي كتب تاريخ هذه الحقبة وكان معاصرا لها والذي كتب عن السلطان قايتباي بعيد وفاته فإنه يبدو في تاريخه أكثر اعتدالا وموضوعية حيث يشيد بحسناته ولا يغفل ذكر بعض مساويه ثم يقول: «وكانت محاسنه أكثر من مساويه» «٣». وبالاضافة إلى ما ذكرنا من مميزات الفترة التي حكمها قايتباي من منافسة العثمانيين إلى انتشار الطواعين، فقد تميزت هذه الفترة بكثرة الضرائب وجمع الأموال للحروب وهذا ما جعل مؤرخا كابن إياس يذكر عنه أنه «كان محبا لجمع الأموال ناظرا لما في أيدي الناس ولولا ذلك لكان يعد من خيار الملوك» «٤». كما أن هذه الفترة قد تميزت نسيبا باستقرار الأوضاع السياسية الداخلية وذلك إذا ما قورنت بالفترات السابقة واللاحقة، أو بعبارة أخرى إذا ما قورنت بطابع ذلك العصر الذي اصطبغ بالفتن والمؤامرات والحروب الداخلية بين أمراء

стр. 25

المماليك الطامعين في السلطنة. وحين طعن السلطان السابق في السن اتفق كبار أمراء المماليك على خلعه وتولية ابنه محمد الذي لقب بالناصر «١»، وقد حاول أحد أمراء المماليك ويدعى قانصوه خمسمائة أن يتولى السلطنة وكاد يتم له الأمر وجمع الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء وتمت له البيعة لولا أن تعصب بعض المماليك الجلبان بزعامة قانصوه خال السلطان الناصر واستطاعوا هزيمة خصومهم وبذلك عاد الناصر إلى سلطنته «٢»، ولم تطل بالرغم من ذلك سلطنة محمد بن قايتباي فقد تعرض لمؤامرة دبرها له مماليكه أودت بحياته «٣». ويعطي ابن إياس صورة عن حالة الفوضى التي تعرضت لها البلاد فيذكر عن السلطان السابق أنه «كانت مدة سلطنته بالديار المصرية نحوا من سنتين وثلاثة أشهر وتسعة عشر يوما وكانت أيامه كلها فتنا وشرورا وحروبا قائمة» «٤»، وتولى بعده خاله قانصوه الأشرفي في ربيع الأول سنة ٩٠٤ هـ «٥»، وقد كانت مدة حكمه سنة وثمانية أشهر، وقد صلحت أحوال البلاد في أيامه إذا ما قورنت بأيام. سلفه، وقد كان ملكا لين الجانب «٦». وقد دفع الطمع في السلطة أحد كبار الأمراء وهو طومان باي إلى أن يثور في وجه السلطان السابق بعد أن جمع حوله المماليك، وحاول السلطان ترضيته ولكنه لم يفلح واستطاع طومان باي ومن معه من الجند أن ينزلوا الهزيمة بمن بقي بالقلعة من الجند عند السلطان بعد حصارها ثلاثة أيام، وكان طومان باي يطمع في السلطنة لولا وجود من هو أحق منه وهو جان بلاط، وهنا تعصب له طومان باي وولاه السلطنة «٧»، غير أنه لم يكن يكنّ له الولاء التام إذ لم يلبث أن ثار عليه وخلعه ليتولى مكانه حين آنس من نفسه قوة بمن معه من الجند الذين كان ذاهبا بهم لاخماد ثورة الشام، ولكنه اتفق مع

стр. 26

أمراء الشام على خلع السلطان وبويع له هناك بالسلطنة ولم يلبث أن جاء بعسكره إلى مصر واستطاع الاستيلاء على مقاليد الأمور «١». ولم تطل أيام طومان باي في السلطنة إذ مكث ثلاثة أشهر «وكانت مدة سلطنته كلها شرور وفتن مع قصرها وآخر الأمر هرب واختفى واستمر مختفيا حتى ظهر وقبض عليه وقطعت رأسه» «٢»، وقد ثار عليه أمراء المماليك لما رأوا نيته السيئة حيالهم، وآل الأمر إلى أن تولى قانصوه الغوري السلطنة بعد تمنع وإباء خوفا على نفسه أن يحدث له ما حدث لأسلافه «٣»، وذلك في مستهل شوال سنة ٩٠٦ هـ. وجميع هؤلاء فيما عدا الغوري قد تولوا فترات قصيرة كما بينا مما يصور حالة الفوضى التي عمت الدولة في هذه الحقبة، ويفيض ابن اياس مؤرخ هذه الفترة في شتى المواضع في وصف الفتن والمؤامرات التي كانت لا تلبث تتحرك بين حين وآخر والحروب التي اشتعلت نيرانها أكثر من مرة بين الأمراء الطامعين في السلطنة. وقد عمل الغوري على إعادة الاستقرار إلى البلاد، ووطّد أركان ملكه وما زال يحتال بمنافسيه حتى أفناهم «٤»، وقد حاول أن يملأ خزانة الدولة التي كانت فارغة واتبع في ذلك صنوف المظالم وانتهب أموال الناس وانقطعت بسببه المواريث، فضج أهل مصر ومن تحت طاعته من أخذه لأموالهم «٥». ولم تحدث قلاقل داخلية في الفترة الأولى من حكم الغوري باستثناء بعض ثورات المماليك الجلبان، ولكن الخطر الحقيقي الذي هدد الدولة كان آتيا من ناحية البحر حيث اكتشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح. وتحول مرور التجارة عن مصر وفقدت الدولة بذلك أعظم مورد لها، ولم يكتف البرتغاليون

стр. 27

بذلك بل هاجموا السفن المصرية في البحر، وانتصر المماليك في أول الأمر بأسطولهم ولم يلبث البرتغاليون أن ثأروا لأنفسهم في موقعة ديو البحرية وهكذا ضاعت مكانة مصر في الوساطة التجارية بين الشرق والغرب «١»، ولم يكن هذا الخطر بأكبر من خطر بني عثمان الذين قويت دولتهم وعلا شأنهم منذ استولوا على القسطنطينية، وقد حدثت منازعات بينهم وبين السلطان قايتباي، ولم تكن هذه الأحداث ذات نتيجة حاسمة حتى كانت أيام السلطان سليم العثماني الذي كان معاصرا للغوري وانتهى النزاع بينهما إلى انتصار الأتراك في «مرج دابق» سنة ٩٢٢ هـ، ثم دخولهم مصر في سنة ٩٢٣ هـ، وذلك بعد وفاة السيوطي التي كانت سنة ٩١١ هـ، ومنذ ذلك الحين فقدت البلاد استقلالها وأضحت تابعة للدولة العثمانية وانتهت بذلك سلسلة السلاطين الشراكسة. الخلافة: وإذا ما استعرضنا خلفاء الحقبة الأخيرة من هذا العصر والتي شهدها السيوطي فإن أولهم هو المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن المتوكل المتوفي سنة ٨٥٥ هـ على ما يذكر ابن اياس في الثاني من المحرم «٢»، أو في أواخر عام ٨٥٤ هـ على ما يذكر السيوطي «٣»، ولعل السيوطي قد أدرك هذا الخليفة في طفولته حيث كان أبوه مقربا منه، وهو الذي كتب له نسخة عهد الخلافة الذي عهد له به أخوه داود «٤»، وقد ذكر السيوطي عنه أنه كان من صلحاء الخلفاء، كما أشار إلى العلاقة التي كانت بين أبيه كمال الدين وبين هذا الخليفة حيث كان «إماما له وكان عنده بمكان رفيع خصيصا به محترما عنده جدا، وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله، وآله خير آل دينا وعبادة وخيرا .... ولم يعش والدي بعده إلا أربعين يوما ومشى السلطان في جنازته إلى تربته وحمل نعشه بنفسه» «٥»،

стр. 28

وبايع السلطان بالخلافة بعده أخاه أبا البقاء حمزة ولقب بالقائم بأمر الله، وحدثت جفوة بينه وبين السلطان انتهت بخلعه وتولية أخيه مكانه، وقد حكم بخلعه قاضي القضاة علم الدين البلقيني وذلك في سنة ٨٥٩ هـ «١». وبايع السلطان بعده أخاه يوسف ولقب بالمستنجد بالله وساعده في الوصول إلى منصب الخلافة القاضي البلقيني لكونه زوج ابنته «٢»، وقد ظل في الخلافة إلى أن توفي في عام ٨٨٤ هـ وقد بلغ التسعين أو جاوزها «٣»، وقد قلد خمسة من السلاطين آخرهم قايتباي «٤»، وقد عهد الخليفة السابق لابن أخيه عبد العزيز الذي تلقب بالمتوكل على الله وقد طالت أيامه في الخلافة وكان كفؤا لذلك «٥»، وقد كان هذا الخليفة صديقا للسيوطي وهو آخر من ترجم لهم السيوطي في تاريخ الخلفاء وقد أشاد بذكره فذكر أنه «نشأ معظما مشارا إليه محبوبا للخاصة والعامة بخصاله الجميلة ومناقبه الحميدة، وتواضعه وحسن سمته وبشاشته لكل أحد وكثرة أدبه، وله اشتغال بالعلم، قرأ على والدي وغيره» «٦». وكانت وفاة المتوكل في المحرم سنة ٩٠٣ هـ، وقد أشاد بذكره ابن اياس وذكر عنه أنه كان من خيار بني العباس وكانت خلافته تسع عشرة سنة وأياما «٧»، وقد عهد المتوكل لابنه يعقوب بالخلافة، وقد تولى بعد وفاة أبيه ولقب بالمستمسك بالله ويقال إن الذي كناه ولقبه هو الجلال السيوطي «٨»، وقد ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء غير أنه لم يترجم له إذ إن السيوطي قد توفي في حياة هذا الخليفة «٩»، وقد شهد الخليفة الأخير مبايعة عدد من السلاطين وامتدت به الحياة إلى أن رأى احتلال العثمانيين للبلاد، وكان ابنه هو آخر الخلفاء العباسيين بمصر.

стр. 29

والملاحظ أنه لم يكن للخليفة سلطة تذكر بجانب السلطان، وقد كان في مقدور السلطان أن يخلع الخليفة وأن يولي غيره، وكانت مبايعة الخليفة للسلطان تقليدا شكليا واعترافا من قبل الخليفة بالأمر الواقع الذي لم يكن له فيه خيرة، وبالرغم من ذلك فقد كان منصب الخلافة من المناصب الجليلة بالدولة، كما أن السلاطين راعوا حرمة الخليفة وتوقيره في كثير من الأحيان. وإكمالا للحديث عن الحياة السياسية لا نرى بأسا من أن نشير إلى نظم الحكم والقضاء بالدولة لارتباط هذه الأمور بالنواحي السياسية: نظم الحكم: كانت دولة المماليك إقطاعية كما سبق أن أشرنا، وقد قسمت أراضي مصر إلى أربعة وعشرين قيراطا، اختص السلطان منها بأربعة قراريط ووزعت بقية الأرض على الأمراء وجندهم، وأجناد الحلقة والعربان والتركمان «١». وكان الاقطاع شخصيا لا دخل لأحكام الوراثة أو الملكية فيه، وبموت المقطع أو إخلاله بشروط الاقطاع يمكن للسلطان أن يخرجه عن إقطاعه ويمنح الاقطاع لغيره، وكان السلطان على رأس الهرم الاقطاعي بالبلاد وكذلك على رأس الهرم الإداري، ووجد إلى جانبه مجلس للمشورة يضم أتابك العسكر والخليفة العباسي والوزير وقضاة المذاهب الأربعة وأمراء المائتين، وقد تعددت اختصاصات ذلك المجلس في شئون الحرب والصلح، وشغل المناصب الكبرى للدولة، على أن السلطان لم يكن ملزما بدعوة هذا المجلس أو الأخذ برأيه فهو صاحب الرأي الأخير بوصفه حاكما مطلقا «٢». وكانت إقامة السلطان والأمراء وأسرهم بقلعة الجبل، وقد كانت بمثابة مدينة صغيرة تضم طباق المماليك السلطانية فضلا عن عديد من دواوين الدولة وأجهزتها، وكان بها كثير من القصور والعمائر والمساجد.

стр. 30

وقد بلغ النظام الاداري غاية الدقة، وتنوعت الدواوين التي تختص بمختلف الشئون «١»، وكان هناك نائب السلطنة وهو المنصب الثاني بعد السلطان، وبعده يأتي الأتابك وهو قائد جيش المماليك، ثم يليه الوزير الذي كان نفوذه أقل من سابقيه. وكان هناك نواب السلطنة بالأقاليم الكبيرة أو التي لها أهمية خاصة، وقد ناب كل منهم عن السلطان في وحدته الادارية، وكان عليهم الرجوع إلى السلطان في المسائل التي لا يستطيعون الانفراد بالبت فيها «٢». ويأتي بعد هؤلاء فئة الولاة وكان أفرادها يختارون من بين الأمراء ليقوموا بوظيفة كوظيفة المحافظ الآن أو أكبر شأنا في الأقسام الادارية، وكان أكبر هؤلاء شأنا هو والي القاهرة الذي عهد إليه بالاشراف على العاصمة وصيانتها وحماية أهلها من عبث المفسدين واللصوص ومثيري الفتن، وكان عليه مكافحة الأمراض الاجتماعية كانتشار الخمر وتعاطي الحشيش وعبرها وكان يتخذ لذلك من الوسائل ما يراه كفيلا بتحقيق غرضه «٣». القضاء: حظى القضاء باهتمام رجال الدولة، كما تمتع القضاة بمكانة اجتماعية كبيرة بين الناس، وروعي في اختيارهم شروط معينة، وكان هناك قضاة المذاهب الأربعة وظل هذا النظام طيلة عصر المماليك، وكان على رأس كل فئة قاضي قضاة المذهب، وكان لقضاة القضاة مكانة عظيمة بالدولة فقد كانوا يحضرون مجالس السلطان، فضلا عن ضرورة حضورهم مبايعة السلطان الجديد، وكان للقاضي الشافعي مكانة ممتازة عن سائر القضاة وله اختصاصات تزيد على نظرائه من قضاة القضاة. وكان هناك «قضاة العسكر» وهم الذين يختصون بشئون الجند كما كانوا

стр. 31

يفصلون في المنازعات القائمة بين العسكر والمدنيين «١». وقد كان للقضاة دور هام في المجتمع، باعتبار المسئوليات الكبيرة الملقاة على عواتقهم ونظرا لتنوع القضايا التي ينظرونها ويفصلون فيها، فضلا عن اضطلاعهم بشئون الوصايا والأحباس وشئون اليتامى والتدريس بالمدارس «٢». وكان لكل قاض عدد من النواب الذين يعينونه في القضاء، كما كان لكل منهم عدد معين من الشهود الذين يتعرفون أحوال الناس ويشهدون في القضايا ولهم حوانيت معلومة «٣»، وكثيرا ما تعرض النواب والشهود لنقد مرير من الناس نتيجة لتصرفاتهم المشينة في بعض الأحيان، بل إن النقد قد تجاوز هؤلاء إلى القضاة أنفسهم لإهمالهم في شئون الأوقاف والمدارس التي يلون نظارتها «٤». وقد تعود السلاطين أنفسهم أن يعقدوا جلسات للنظر في المظالم التي تعرض عليهم، وكان مجلس السلطان يحضره قضاة القضاة الأربعة وعدد كبير من كبار رجال الدولة وكانت هيئة جلوسهم تتم وفق «بروتوكول» معروف دقيق «٥»، وغالبا ما كانت هذه الجلسات تعقد يومين من كل أسبوع. وقد اقتصر جلوس السلاطين على مدد قصيرة- بمرور الزمن- ويبدو أنه كان من حق أي إنسان أن يتقدم بشكايته إلى السلطان مهما كان موضوع الشكوى، حتى أبطل ذلك قايتباي وأمر بألا يتقدم أحد إلى السلطان إلا بعد أن يرفع أمره إلى القضاة، فإذا لم ينصفوه فإن من حقه رفع الأمر إلى السلطان «٦». على أنه كانت هناك وظيفة قريبة الصلة بالقضاء هي الحسبة، وكان يحدث أن تسند الحسبة والقضاء إلى شخص واحد، وكان عمل المحتسب يقوم على

стр. 32

سرعة البت في المخالفات التي تتعلق بالآداب العامة ونظام الأسواق ومراعاة الأمانة في المعاملات وكان يقوم بعقاب الخارجين على النظم الموضوعة «١» وقد حاول السيوطي أن يمد نفوذه إلى القضاء وأن يجعل من نفسه قاضيا كبيرا أو رئيسا له الحق في عزل وتولية من يشاء، واستطاع أن يحصل على هذه الوظيفة التي لم تكن موجودة منذ زمن الأيوبيين عن طريق عهد من الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز وقد كان وثيق الصلة به، وقد ثار ثائر القضاة عليهما، وحاولوا الايقاع بين الخليفة وبين السلطان وانتهى الأمر بأن رجع الخليفة عن ذلك واعتذر «٢»

стр. 33

الحياة الاجتماعية نريد أن نلمس هنا بعض جوانب الحياة داخل البلاد ونتبين أهم العلائم التي تميز ذلك المجتمع عن غيره، والمعالم التي تحدد لنا صورة واضحة للبيئة التي عاش فيها السيوطي، ونستطيع استجلاء ذلك من خلال تعرضنا لبعض الجوانب الهامة في حياة المجتمع. بناء المجتمع: والمجتمع في عصر المماليك مجتمع طبقي تتضح فيه الفروق بين الطبقات، وتتزيل كل طبقة عن الأخرى بمجموعة من الخصائص والمظاهر. وأكثر فئات المجتمع تميزا عن غيرها هي فئة المماليك التي كانت تمثل طبقة عسكرية ممتازة تستأثر بالحكم وبشئون الحرب، ولهم من أصلهم ونشأتهم وأسلوبهم في الحياة وبعدهم عن أهل البلاد سياج يحيط بهم ويميزهم عن غيرهم. ولم يكن هؤلاء من أصل واحد، بل كانوا مجتلبين من شتى البلاد، وقد بالغ كثير من السلاطين في شراء المماليك واعدادهم، واهتموا بتربيتهم اهتماما كبيرا ولم يضنوا عليهم بتوفير المعيشة الفاخرة، وعند ما يشب المملوك ويخرج من الطباق يقرر له راتب شهري «جامكية» ويتدرج في الترقي وربما أتيح له أن يصبح من أمراء المماليك وكبار رجال الدولة، وربما يستطيع بعد ذلك الوصول إلى السلطنة. وقد تمتع المماليك بحظ كبير من الثراء عن طريق الأموال والاقطاعات الكبيرة التي تصلهم من الدولة «١»، وظلت القاعدة في الإقطاع أن يئول إلى السلطان

стр. 34

بانتهاء مدة الاقطاع أو بسبب وفاة المقطع أو عزله أو إخلاله ببعض الشروط، وقد كان لهذه الطائفة مكانة كبيرة في المجتمع، وتمتع أمراؤهم بنفوذ عظيم في البلاد، بل كثيرا ما كان بعضهم يطغى نفوذه على نفوذ السلطان وكثيرا ما نجد بعضهم يتصرفون في حكم البلاد وجباية الأموال لأنفسهم في حرية مطلقة كالسلطان سواء بسواء. ولم يحاول المماليك الزواج من أهل البلاد والاختلاط بهم بل غالبا ما كانوا يختارون أزواجهم وجواريهم من بنات جنسهم اللائي جلبن معهم «١»، ولم يحدث الخروج على هذا العرف إلا في حالات قليلة. على أن أسس تربية المماليك واعدادهم التي روعي فيها اختيار السبل التي تضمن طاعتهم وولاءهم وتخلقهم بالآداب الحسنة وتمسكهم بالدين لم تلبث أن تطرق إليها الخلل في جوانب عديدة كان لها أثرها في فقد المماليك روح النظام والطاعة، واتضح ذلك جليا في الفترة التي نهتم بها وهي آخر عصر المماليك، ففضلا عن الثورات والفتن السياسية وما فيها نجد لهم حركات افسادية تهدف إلى النهب والسلب أو الحصول على نفقة من الدولة أو تعجلا لنفقة متأخرة أو ما شابه ذلك، وهناك عديد من الأمثلة التي ذكرها ابن اياس المؤرخ المعاصر لهذه الفترة، فمن ذلك ثورة المماليك الجلبان في عام ٨٧٨ هـ حيث هاجموا بولاق ونهبوا ما فيها وقصدوا «شونة» الأمبريشبك الدوادار ونهبوها، وقد استمرت الفتنة أياما هرب خلالها بعض الأمراء خوفا على أنفسهم من النهب «٢»، وتكرر حادث مشابه في العام التالي «٣»، ثم نجد فتنة تثور بين بعضهم وبين بعض حتى يقع القتال في صفوفهم «٤»، واضطراب آخر يحاول فيه المماليك قتل مقدمهم «٥» «٦»،

стр. 35

وتتكرر هذه الاضطرابات التي يقصد بها المماليك النهب والسلب لا سيما طائفة المماليك الجلبان «١». والحقيقة أن كثرة هذه الاضطرابات تدل على فساد هذه المؤسسة العسكرية الحاكمة، وقد نشأ هذا الفساد لا سيما في طائفة الجلبان بسبب اجتلابهم كبارا في السنّ، وعدم أخذهم في التربية الإسلامية مأخذ الجد وقلة تعودهم على الانضباط والطاعة والخلق القويم، ولذلك كثر شغبهم وفسادهم، وكان ذلك مؤذنا أو مرهصا بنهاية دولة المماليك بأسرها. وقد تعود المماليك الثورة بسبب طلب نفقة البيعة وهي تعني بيعتهم للسلطان الجديد، ويكاد الحديث عن هذه الثورة يكون أمرا معاد مألوفا عند بداية عهد كل سلطان، فضلا عن الثورة بسبب تعجل نفقة متأخرة أو نفقة بسبب الخروج إلى القتال أو العودة بعد الانتصار «٢». ولقد كانت هذه النفقات تكلف الدولة كثيرا من الأموال فكان السلاطين يصادرون بسببها كثيرا من أموال الأغنياء والأمراء، وهكذا فلقد ظهرت هذه الطبقة في هذه الفترة- فضلا عما تمتعت به من حظ لم يتح لغيرها- بمظهر الفئة الباغية المفسدة في كثير من الأحيان. أرباب القلم: وإلى جانب طبقة المماليك- وهم حكام البلاد- وجدت جماعة المعممين أو أرباب القلم، وهذه الطائفة كانت تضم أرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكتاب، وقد امتازت هذه الفئة طيلة عصر المماليك بمميزات معينة على الرغم مما تعرض له بعض أفرادها من الامتهان أو الاضطهاد في بعض الأحيان «٣». وقد أظهر سلاطين المماليك احترامهم وتبجيلهم لرجال الدين وللمتصوفين،

стр. 36

وهناك عديد من الأمثلة تشهد لما نقول طيلة ذلك العصر، وقد تولى الفقهاء مناصب القضاء بالدولة، كما أسند إلى أبناء هذه الفئة بصفة عامة مناصب الوزارة وكاتب السر بالاضافة إلى وظائف التدريس بالمدارس. وقد اعتد رجال هذه الطائفة بأنفسهم وعمدوا في كثير من الأحيان إلى معارضة السلطان والأمراء دفاعا عن الحق أو مطالبة برد بعض المظالم أو رفع بعض المكوس، كما تعود كثير منهم انتقاد السلطان والأمراء في المجالس العامة ومن فوق منابر المساجد، ولعل أبرز المواقف في الفترة التي شهدها السيوطي ذلك الموقف الذي وقفه شيخ الاسلام أمين الدين الأقصرائي في وجه السلطان قايتباي حين حاول أن يمد يده إلى أموال الأوقاف وجمع القضاة ليفتوه بذلك فهاجمه الشيخ مهاجمة قوية أشاد بها معاصروه والمؤرخون له «١» كذلك مواقف الشيخ زكريا الأنصاري من السلطان قايتباي ومهاجمته له من فوق المنبر والسلطان جالس أمامه ولم يكن السلطان يزيد على أن يقبل يد الشيخ بعد الانتهاء من الصلاة، فضلا عن النصائح القوية التي كان الشيخ لا يفتأ يوجهها إلى السلطان «٢». وكان للسيوطي مثل هذا الاعتداد بالنفس وكانت له مواقف جليلة سنشير إليها بعد، ولم تكن هذه الأوصاف- بطبيعة الحال- مطردة على الدوام، فلقد تعرض الفقهاء وأهل العلم في بعض الأحيان للاضطهاد أو لحقد طبقة المماليك الذين رأوا فيهم منافسا لهم، وكثيرا ما وقعت المنافسات بين بعض الفقهاء وبين بعض أمراء المماليك. على أنه ينبغي ألا نغفل بعض مواقف الضعف التي كان يقفها بعض رجال هذه الفئة ترضيه للسلطان أو لكبار الأمراء كما فعل أحدهم حين أفتى بحلّ ما قصد إليه السلطان من فرض الضرائب الجائرة على الناس لجمع أموال يرضي بها مماليكه فتعرض الفقيه بذلك لغضب عامة الناس «٣»

стр. 37

وعلى أية حال فإن المكانة الكبيرة التي ارتقتها هذه الطائفة قد جعلتهم المعبرين عن الشعب والمدافعين عن حقوقه لدى الحكام، كما جعلتهم شفعاء للناس في قضاء حوائجهم لا سيما أن صلتهم بالناس أقوى بكثير من صلة المماليك الحاكمين. التجار: وهي الفئة الثالثة من فئات المجتمع، ولقد تمتع أبناؤها بثراء واسع ولا سيما أن مصر قامت بنشاط كبير في التجارة بين الشرق والغرب قبل اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح «١» وقد عمد السلاطين إلى تقريب التجار منهم إذ إنهم المصدر الأساسي الذي يمد الدولة بالمال، على أن كثرة الثروة في أيدي التجار قد جعلتهم في كثير من الأحيان مطمع سلاطين المماليك فأكثروا من مصادرتهم بين حين وآخر إذا ما احتاجوا إلى الأموال بسبب إرسال تجريدة «٢»، أو إنفاق نفقة على الجند أو غير ذلك فضلا عن الرسوم والضرائب الباهظة التي كانت تفرض عليهم. الصناع وأرباب الحرف: ووجد بالمدن المصرية في ذلك العهد طائفة كبيرة من العمال والصناع وأصحاب المهن الذين ينتمون لنظم معينة يدين بها أبناء الحرفة الواحدة، ولكل حرفة شيخ أو رئيس يرجعون إليه فيما يهمهم لا سيما في الوساطة بينهم وبين الحكومة، وكان للدخول في كل حرفة نظم خاصة فقد يقصر أبناء الحرفة حرفتهم على أنفسهم وعلى أبنائهم من بعدهم ولا يسمح لغيرهم بمزاولتها «٣». العوام «٤»: وقد اكتظت المدن المصرية في ذلك العهد بجمهور كبير من الباعة والسقائين

стр. 38

والمكاريين والمعدمين الذين يعبر عنهم في الكتب المعاصرة لهم بالعوام والزعر والحرافيش والمشاعلية، وقد لقى أبناء هذه الفئة ضيقا وعسرا في الحياة إذا ما قورنوا بغيرهم من الطبقات المنعمة حتى لاحظ بعض الرحالة الأجانب الذين زاروا مصر في ذلك الحين أن بالقاهرة عددا كبيرا يعيشون بلا مأوى في الليل والنهار سوى الطرقات وأجسادهم شبه عارية، وتفاوتوا في تقدير ذلك العدد بين خمسين ألفا ومائة ألف «١» وكان كثير من هؤلاء لا يجدون إلا ما يجود لهم به بعض السلاطين والأمراء وذوي الأموال من الصدقات مما دفع بكثيرين منهم إلى أن يمدوا أيديهم بالسؤال وأن يجعلوا منه حرفة لهم، وقد دفعهم حالهم السيئ إلى احتراف السلب والنهب وتحين الفرص للحصول على أكبر قدر من الغنائم لا سيما في أيام الفتن والاضطرابات «٢». أهل الذمة: «٣» كان أهل الذمة يكونون أقلية كبيرة في ذلك الحين، وقد قدر عددهم في القاهرة وحدها بعشرين ألفا نصفهم من اليهود والنصف الآخر من النصارى. ويبدو أن ثروة مصر واتساع تجارتها في ذلك العهد قد اجتذبت كثيرين منهم من البلاد الأجنبية فاستوطنوا المدن المصرية، وحظى كثيرون منهم بثراء واسع جعلهم أيضا مطمع السلاطين إذ كانوا يصادرون طوائفهم حين احتياجهم إلى الأموال «٤» وقد تعرضوا خلال هذه الفترة لبعض الاضطهادات بين حين وآخر، وتشير مراجع ذلك العصر إلى بعض ألوان الاضطهاد التي كانت تنتابهم «٥»، وإن كنا لا نكاد نجد شيئا من ذلك في الفترة التي عاشها السيوطي سوى مصادرة أموالهم

стр. 39

في بعض الأحيان شأنهم في ذلك شأن الأثرياء من الأمراء والتجار وأرباب الوظائف من المسلمين. الفلاحون: وإكمالا لطبقات المجتمع يحسن أن نشير إلى طبقة الفلاحين بالرغم من كونها فئة بعيدة عن حياة المدينة. ويبدو أن نصيب هذه الفئة لم يكن سوى الاهمال والاحتقار بالرغم من كونها أكبر فئات المجتمع ولعل وصف ابن خلدون لهذه الفئة كان يصدق عليها من قبله ومن بعده حيث وصف مهنتهم بأنها معاش المستضعفين وأن أهلها يختصون بالمذلة «١»، وقد عاش الفلاحون في مصر في ذلك العصر مشدودين إلى أرضهم وليس لهم من خيراتها إلا القليل لأن الأرض ظلت نهبا موزعا بين السلاطين والأمراء ومماليكهم وأوقافهم «٢» وكثيرا ما تعرض الفلاحون لنهب أمراء المماليك الذين كانوا يجوبون القرى فضلا عما كان يفرض عليهم من الضرائب الباهظة، وكثيرا ما تعرضوا لظلم ولاة أقاليمهم الذين كانوا يأخذون منهم «غير العادة أضعافا» «٣»، ولم تكفل الدولة لهم الأمن الكافي فكثيرا ما تعرضوا لغزوات الأعراب الذين كانوا ينهبون ضياعهم ومواشيهم وأمتعتهم، فضلا عما كانوا يفرضونه عليهم من إتاوات. الأعراب: ولا يسعنا- في الحقيقة- إلا أن نتحدث عن هذه الطائفة من طوائف المجتمع لما كان لها من أثر كبير في أحوال البلاد الداخلية. وقد شهدت الفترة التي ندرسها عديدا من القبائل التي انتشرت في أرجاء البلاد لا سيما في الشرقية والبحيرة والمنوفية والصعيد.

стр. 40

وقد أحصى القلقشندي والمقريزي قبائلهم بمصر وأماكن كل منها مما يتضح منه أنهم بلغوا عددا عظيما في ذلك العصر «١». وقد حاول الأعراب في أول عصر المماليك أن يقيموا حاكما من بينهم وأن يتخلصوا من سيطرة المماليك ولكن هذه المحاولة قد باءت بالفشل أمام جيوش المماليك المدربة، ولكن ذلك لم يمنع حدوث الصدام بين المماليك والأعراب على شكل أحداث متفرقة طوال العصر. وقد ظل العربان عنوانا للاخلال بالأمن والاضرار بالنظام والاعتداء على أهل البلاد الآمنين في المدن والقرى، ولم يسلم طريق الحاج من اعتداءاتهم المتكررة. والمتتبع لحوادث هذه الفترة تأخذه الدهشة من كثرة حوادث الأعراب وشغبهم وهو ما تسميه المراجع المعاصرة لهم بفساد العربان، فبينما يثور الأعراب بالشرقية ويفسدون في عام ٨٧٥ هـ وترسل الدولة بحملة إليهم «٢»، لا يكاد يمضي وقت حتى يعاودوا الفساد وفي هذه المرة يهاجمون القاهرة نفسها ويعملون بها النهب والسلب وينشرون الذعر «٣»، ثم يتجدد فسادهم في عام ٨٧٩ هـ ويهاجم بعضهم الجيزة في نفس العام وينهبون خيول المماليك ولا يستطيع السلطان الظفر بهم «٤»، وبينما يحدث اضطراب الأعراب حول القاهرة تأتي الأخبار باضطرابات عنيفة يقوم بها الأعراب في الصعيد حيث ينزلون الهزيمة بكاشف الوجه القبلي «٥»، وتحاول الدولة في كل ثورة أن ترسل إحدى الحملات لتأديب الأعراب وقد كان إعداد الحملات يكلف الدولة كثيرا من الأموال «٦»، وربما تقاعس السلطان عن إرسال هذه الحملات مكتفيا بانصراف الأعراب
следующие страницы →